قوله: ﴿عَيْنًا﴾ في نَصْبِها أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ «كافورًا» لأنَّ ماءَها في بياضِ الكافور، وفي رائحتِه وبَرْدِه. والثاني: أنَّها بدلٌ مِنْ محل «مِنْ كأسٍ»، قاله مكي، ولم يُقَدِّرْ حَذْفَ مضافٍ. وقَدَّر الزمخشريُّ على هذا الوجهِ حَذْفَ مضافٍ. قال: «كأنه قيل: يَشْرَبون خَمْرًا خَمْرَ عَيْنٍ» وأمَّا أبو البقاءِ فجعل المضافَ مقدرًاعلى وجهِ البدلِ مِنْ «كافورًا» فقال: «والثاني: بدلٌ مِنْ» كافورًا «، أي: ماءَ عَيْنٍ أو خَمْرَ عَيْن» وهو معنىً حَسَنٌ. الثالث: أنَّها مفعولٌ ب «يَشْرَبون»، أي: يَشْرَبون عَيْنًا مِنْ كأس. الرابع: أنَّ يَنْتصِبَ على الاختصاص. الخامس: بإضمارِ «يَشْربون» يُفَسِّرُه ما بعده، قاله أبو البقاء. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الظاهر أنه صفةٌ لعَيْن، فلا يَصِحُّ أَنْ يُفَسِّر. السادس: بإضمار «يُعْطَوْن» . السابع: على الحالِ من الضمير في «مِزاجُها»، قاله مكي.
والمِزاج: ما يُمْزَجُ به، أي: يُخْلَطُ. يقال: مَزَجَه يَمْزُجه مَزْجًا، أي: خَلَطَهُ يَخلِطُه خَلْطًا. قال حسان:
[ ١٠ / ٥٩٩ ]
٤٤٤١ - كأنَّ سَبِيْئَةً مِنْ بيتِ رَأْسٍ يكونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ
فالمِزاج كالقِوامِ، اسمٌ لما يقام به الشيءُ. والكافورُ: طِيْبٌ معروفٌ، وكأنَّ اشتقاقه من الكَفْرِ وهو السَّتْرُ؛ لأنه يُغَطِّي الأشياءَ برائحتِه. والكافور أيضًا: كِمام الشجرِ التي تُغَطِّي ثمرتَها. ومفعولُ «يَشْربون»: إمَّا محذوفٌ، أي: يعني: يَشْرَبون ماءً أو خمرًا من كأسٍ، وإمَّا مذكورٌ وهو «عَيْنًا» كما تقدَّم، وإمَّا «مِنْ كأسٍ» و«مِنْ» مزيدةٌ فيه، وهذا يَتَمشَّى عند الكوفيين والأخفش.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: لِمَ وُصِل فِعْلُ الشُّرْب بحرفِ الابتداءِ أولًا وبحرف الإِلصاقِ آخرًا؟ قلت: لأنَّ الكأسَ مبدأ شُرْبهِ وأولُ غايتِه، وأمَّا العَيْنُ فبها يَمْزُجون شرابَهم، فكأنَّ المعنى: يشْرَبُ عبادُ اللَّهِ بها الخمرَ كما تقول: شَرِبْتُ الماءَ بالعَسل» .
قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ في الباءِ أوجهٌ، أحدُها: أنَّها مزيدةٌ، أي: يَشْرَبُها، ويَدُلُّ له قراءةُ ابنُ أبي عبلةَ «يَشْرَبُها» مُعَدَّى إلى الضمير بنفسِه. الثاني: أنها بمعنى «مِنْ» . الثالث: أنها حاليةٌ، أي: مَمْزوجةٌ بها. الرابع: أنها متعلقَةٌ ب «يَشْرَبُ» . والضميرُ يعودُعلى الكأس، أي: يَشْرَبون العَيْنَ بتلك الكأسِ، والباءُ للإِلصاق، كما تقدَّم في قولِ الزمخشري. الخامس: أنه على تَضْمين «يَشْرَبُون» معنى: يَلْتَذُّون بها شاربين. السادس: على تَضْمينِه معنى «يَرْوَى»، أي يَرْوَى بها عبادُ اللَّهِ. وكهذه الآية في
[ ١٠ / ٦٠٠ ]
بعضِ الأوجهِ قولُ الهُذَلي:
٤٤٤٢ - شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم تَرَفَّعَتْ متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ
فهذه تحتملُ الزيادةَ، وتحتملُ أَنْ تكونَ بمعنى «مِنْ» . والجملةُ مِنْ قولِه «يَشْرَبُ بها» في محلِّ نصبٍ صفةٍ ل «عَيْنًا» إنْ جَعَلْنا الضميرَ في «بها» عائدًا على «عَيْنًا» ولم نجعَلْه مُفَسِّرًا لناصبٍ، كما قاله أبو البقاء. وقرأ عبد الله «قافورًا» بالقاف بدلَ الكافِ، وهذا مِنْ التعاقُبِ بين الحرفَيْنِ كقولهم: «عربيٌّ قُحٌّ وكُحّ. و» يُفَجِّرونها «في موضع الحال.
[ ١٠ / ٦٠١ ]