وتفسير الصحابة هو المصدر الثالث من مصادر تفسير القرآن؛ فإنهم شهدوا التنزيل وهم أعرف الناس به، لذا يعتبر تفسيرهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ﷺ. وهم أي الصحابة لم يكونوا في درجة واحدة بالنسبة لفهم معاني القرآن، بل تفاوتت مراتبهم، وأشكل على بعضهم ما ظهر لبعض الآخر منهم، وهذا يرجع إلى تفاوتهم في القوة العقلية، وتفاوتهم في معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات. وهذا ليس بغريب؛ فإنه لا يحيط باللغة أحد إلا النبي ﷺ، فإن الله تعالى علمه إياها.
ومن هنا نرى أن الذين اشتهروا بالتفسير من الصحابة عدد قليل. وقد عدّ السيوطي ﵀ في الإتقان من اشتهر بالتفسير من الصحابة وسماهم، وهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير - ﵃ أجمعين -.
وليس معنى هذا أن غيرهم من الصحابة لم يتكلموا بالتفسير، بل هناك عدد آخر من الصحابة من تكلموا بتفسير القرآن غير هؤلاء: كأنس ابن مالك وأبي هريرة وعبد الله ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو ابن العاص وعائشة.
على أن أكثرهم رواية عبد الله بن عباس ثم عبد الله بن مسعود ثم علي بن أبي طالب ثم أبي بن كعب.
لذا نجد أن الحافظ ابن حجر قد أكثر النقل عن ابن عباس فيما يتعلق بتفسير القرآن. فنظرة عابرة إلى فهرس الآثار من هذا الكتاب تبرهن ذلك جليا؛ فإن ما في هذا الكتاب مما روي عنه قارب الربع؛ إذ بلغ ما روي عن
[ ١ / ٨٦ ]
ابن عباس ٩٣٦ رواية من بين ٣٥٤١ رواية.
كما أكثر النقل عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وعائشة وغيرهم.
وهذا النوع لا يحتاج إلى تمثيل؛ إذ هو غالب ما في الكتاب.
هذا وقد أضاف ابن حجر إلى هذا النقل الكثير أمرًا زائدا لا نكاد نجده في كثير من الكتب التي تناول التفسير، ألا وهو أنه لا يكاد يذكر حديثا أو أثرًا عن صحابي أو تابعي إلا ويحكم عليه صحة أو ضعفًا، وذلك إما بالتصريح بذلك، أو بالإشارة إلى ذلك، بأن يذكر موطن العلة ويشير إليها بأن يقول مثلا، وفيه فلان أو يقول مثلا وري هذا من طريق فلان. وبهذا فإنه قد أعطى الإشارة إلى الحكم على الرواية.
[ ١ / ٨٧ ]