لقد رحل ابن حجر في طلب العلم وطاف بلادا شتى في سبيل الحصول على العلم والحديث، فهذا كان ديدنة العلماء، فكان أحدهم إذا حصّل ما في بلده من الأحاديث كان يرحل إلى بلدان أخرى لكي يسمع ما عند أهل تلك البلدة من العلماء.
رحلته إلى قوص:
في سنة٧٩٣هـ رحل إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد، لكنه لم يستفد بها شيئا من المسموعات الحديثية، بل لقي جماعة من العلماء١.
رحلته إلى الإسكندرية:
وفي سنة٧٩٧هـ رحل إلى الإسكندرية، وسمع من مسنديها، وأقام بها إلى أن تمت السنة، ودخل في التي تليها عدة أشهر، وكتب جزءًا سماه "الدرر المضيئة من فوائد إسكندرية" ذكر في مسموعه هنالك، وما وقع له من النظم والمراسلات وغير ذلك، انتقاه السخاوي ثم أعلن ندمه على عدم كتابته كله٢.
رحلته إلى الحجاز:
وفي آخر شوال خرج قاصدًا أرض الحجاز، فدخل الطور، فلقي بها عددًا من الفضلاء٣.
_________________
(١) ١ انظر: الجواهر والدرر ١/٨١. ٢ انظر: المصدر السابق نفسه ١/٨٤-٨٥. ٣ المصدر السابق نفسه ١/٨٥.
[ ١ / ٤٦ ]
ذهابه إلى اليمن:
وفي ربيع الأول من سنة٨٠٠هـ دخل بلاد اليمن، ولقي بها بعدد من العلماء منهم العلامة شيخ اللغويين مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس، فقرأ عليه أشياء١.
وقد خرّج وهو هنالك من مرويات نفسه، وكتب بخطه أشياء واجتمع بالملك الأشرف - ملك اليمن - وأهداه تذكرته الأدبية في أربعين مجلدًا لطافا.
ورجع من اليمن وقد ازدادت معارفه وانتشرت علومه ولطائفه.
رحلته إلى مكة:
سافر من اليمن إلى مكة فوصلها سنة ثمانمائة، فحجّ في تلك السنة، وهذه هي حجة الإسلام، ولقي بها جمعا من العلماء والمسندين٢.
وفي سنة٨٠٦هـ سافر إلى اليمن مرة أخرى، فلقي بها بعدد من العلماء وحمل عنهم.
وفي هذه المرة انصدع المركب الذي كان فيه فغرق جميع ما معه من الأمتعة والنقد والكتب، ثم يسر الله تعالى بطلوع أكثرها بعد أن أقام ببعض الجزائر هناك أياما٣.
وفي ١٦ من شعبان سنة٨٠٢هـ قرأ على شيخه العراقي تصنيفه في أحاديث مسند أحمد وكتب له عليه:
_________________
(١) ١ المصدر السابق نفسه ١/٨٦-٨٧. ٢ المصدر السابق نفسه ١/٨٩. ٣ المصدر السابق نفسه ١/٨٩-٩٠.
[ ١ / ٤٧ ]
"قرأ عليّ هذا الجزء فيما وقع في "مسند أحمد" من الأحاديث التي قيل إنها موضوعة: صاحبه وكاتبه الشيخ المحدث المفيد المتقن شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الإمام نور الدين علي "١. هذه الشهادة الكبيرة من حافظ كبير تكشف ما وصل إليه ابن حجر في تلك السنة.
رحلته إلى الشام:
وفي ٢٣ من شعبان سنة٨٠٢هـ خرج راحلا إلى الشام، فسمع بسر ياقوس وقطبة وغزة والرملة والخليل ودمشق والصالحية ونابلس وبيت المقدس وكانت إقامته بدمشق مائة يوم، ومسموعه في تلك المدة نحو ألف جزء حديثية، منها من الكتب الكبار: "المعجم الأوسط" للطبراني، ومن الكبير مجلد، والصغير بتمامه، ومن الدعاء مجلد، و"معرفة الصحابة" لابن مندة، والسنن للدارقطني، ومسند مسدد، والموطأ رواية أبي مصعب، ومن صحيح ابن خزيمة مجلد، ومن صحيح ابن حبان مجلد، ومن المختارة للضياء خمسة مجلدات، ومن الاستيعاب لابن عبد البر مجلد، وأكثر "مسند أبي يعلى"، وغير ذلك.
وقد كتب بخطه من الأجزاء الحديثية والفوائد النثرية والسماعات التي يلحقها في تصانيفه ونحوها ثماني مجلدات فأكثر، وعمل "أطراف كتاب المختارة" للحافظ الضياء المقدسي في مجلد ضخم.
وفي أول سنة٨٠٣هـ عاد إلى القاهرة٢. وقد حمل عن شيوخ كثيرين منهم نساء عدة قرأ عليهن كتبا مدهشة٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق نفسه ١/٢١٠. ٢ رفع الإصر ص٨٧-٨٨. ٣ انظر ما قرأه على فاطمة بنت محمد بن المنجا في "المعجم المفهرس" ص٢٥٧-٢٧٤، وعلى فاطمة بنت الهادي المقدسية فيه أيضا ص٢٤٠-٢٥٦.
[ ١ / ٤٨ ]
وفي هذه السنة توفي شيخه محب الدين بن الوحدية الذي نصحه أن يهتم بالفقه.
"اجتمع بي مرة بمصر فرآني حريصا على سماع الحديث وكتبه فقال: اصرف بعض هذه الهمة إلى الفقه، فإني أرى بطريق الفراسة أن علماء هذا البلد سينقرضون، وسيُحتاج إليك، فلا تقصر بنفسك، فنفعني كلمته، ولا أزال أترحم عليه لهذا السبب رحمه الله تعالى".
رحلته إلى حلب:
وكان حريصا، وهو في دمشق، على التوجه إلى حلب ليأخذ عن مسندها عمر بن ايدغمش، فبلغه وفاته، فتخلف عن التوجه إليها.
ثم في سنة٨٣٦هـ توجه إليها مع العساكر المصريين والقضاة بقيادة الملك الأشرف برسباي الذي خرج لدفع أذى التركمان الذين تغلبوا على آمد وماردين وغيرهما.
وفي أثناء توجهه إلى حلب، كتب بحماة عن ابن حجة الحنفي أشياء من نظمه ومن غيره، كما كتب في حمص، والتقى في حلب بالتقي العلامة محب الدين بن الشحنة، وسأله عن محدث البلاد الحلبية سبط بن العجمي، واجتمع به، وسمّع عليه المسلسل بالأولية١.
وكان دخولهم إلى حلب في الخامس من رمضان سنة٨٣٦هـ، وأقاموا بها خمسة عشر يوما، سمع خلالها عن مسنديها، وفي أثناء إقامته في حلب
_________________
(١) ١ الجواهر والدرر ١/١٢١-١٢٢.
[ ١ / ٤٩ ]
كان يذهب إلى ما جاورها من القرى، وحيثما عرف بتواجد أحد من المسندين أو المهتمين بالحديث أو الأدباء للسماع منهم، فزار عددًا من البلدان والقرى المجاورة لحلب١. كما عقد أثناء إقامته مجالس الإملاء بجامع بني أمية، حضره عدد من القضاة والمشائخ والحفاظ والفضلاء والطلبة٢.
ثم رجعت العساكر في يوم السبت السابع من ذي الحجة، فرجع معهم ووصلوا إلى القاهرة٣.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق نفسه ١/١٢٢. ٢ انظر: المصدر السابق نفسه ١/١٢٠-١٢٨. ٣ المصدر السابق نفسه ١/١٢٨.
[ ١ / ٥٠ ]