لا شك إن معرفة أسباب النزول ضروري لمن يتصدى لتفسير كلام الله، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"١.
وقال الواحدي: "..فآل الأمر بنا إلى إفادة المبتدئين المتسترين بعلوم الكتاب، إبانة ما أنزل فيه من الأسباب، إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها٢.
ولا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح، قال الواحدي: ولا يحل القول في أسباب النزول، إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا النزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب٣.
على أن اشتراط الرواية والسماع لا يكفي لإثبات ما وردت في الرواية من سبب نزول، بل لا بد من اشتراط صحة النقل، ولهذا انتقد ابن حجر الواحديَّ في إيراد كثير من أسباب النزول بغير إسناد، مع تصريحه بالمنع إلا فيما كان بالرواية والسماع، ثم فيما أورده بالرواية والسماع ما لا يثبت لوهاء بعض رواته٤.
وللحافظ ابن حجر باع طويل في هذا الميدان، فإنه كثيرًا ما يورد ما
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة في أصول التفسير ص٤٧. ٢ أسباب النزول، ص١٦. ٣ المصدر السابق. ٤ انظر انتقاد ابن حجر في مقدمة كتابه العجاب ١/١٩٩-٢٠٠.
[ ١ / ٨٨ ]
ورد في سبب نزول الآية، والجدير بالذكر هنا أن الحافظ ابن حجر قد ألفّ كتاب خاصا في أسباب النزول سمّاه "العجاب في بيان الأسباب"١.
وإليك أمثلة لما أورده ابن حجر في أسباب نزول بعض الآيات في الفتح: ذكر عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] حديث زيد بن ثابت قال "كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية٢.
فأفادت هذه الرواية أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة الظهر، على أن هناك روايات أصح منها تفيد أن المراد بها صلاة العصر٣.
وذكر عند قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] من مرسل عكرمة قال: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ وأصحابه فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا اليها قوم آخرون - يعنون محمدًا وأصحابه - فقال رسول الله ﷺ بيده على رءوسهم، "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية٤.
وعند قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أورد حديث أبي أيوب من طريق أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية، فخرج
_________________
(١) ١ انظر مبحث آثار ابن حجر العلمية، مصنفاته في علوم القرآن، ص٥٧. ٢ أخرجه أبو داود رقم٤١١، انظر الرواية رقم ٢٧٢. ٣ انظر هذه الآثار في تفسير الآية المذكورة في هذا الكتاب. ٤ أخرجه ابن جرير رقم١٤٠٦، انظر الرواية رقم ٦٥.
[ ١ / ٨٩ ]
صف عطيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم رجع مقبلا، فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعزّ الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرًا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها١.
والأمثلة على ذلك كثيرة، والمتصفح لهذا الكتاب يجد أن الحافظ ابن حجر قد اهتم أيما اهتمام بهذا الجانب.
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي في التفسير ٤٨، ٤٩، انظر الرواية رقم ١٥٠.
[ ١ / ٩٠ ]