ومعرفة هذا الفن أمر ضروري لمن يتصدى لتفسير القرآن الكريم. ويحتاج ذلك إلى معرفة علم اللغة، وفي الأثر عن ابن مسعود قال: أعربوا القرآن؛ فإنه عربي وإنه سيجئ أقوام ينفعون وليسوا بخياركم"١. والمراد بإعراب القرآن هنا معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإعراب المصطلح عليه عند النحاة؛ وهو ما يقابل اللحن؛ لأن القراءة مع فقده ليست قراءة، ولا ثواب فيها.
والحافظ ابن حجر متمكن في علم اللغة، وقد تقدم٢ أنه كان شاعرًا، وأنه نظم الشعر وهو في سن مبكر، وقال الشعر الرائق والنثر الفائق، ونظم مدائح نبوية ومقاطيع، ثم شغل عن ذلك. وقد رأيت أنه اهتم بهذا الجانب، فكان كثيرًا ما يفسر ويشرح ألفاظًا تكون غير واضح المعنى، أو غريبة، أو يذكر روايات في هذا الصدد، وبخاصة لما يكون الإمام البخاري قد أورد شيئا منها في ترجمة الباب تعليقا، فإنه يذكر من رواه متصلا. إضافة إلى ذلك فإنه أورد في "هدي الساري" مقدمة "فتح الباري"، في الفصل الخامس: في سياق ما في الكتاب - صحيح البخاري - من الألفاظ الغريبة على ترتيب الحروف مشروحا. ومن ضمنها طائفة كبيرة من ألفاظ القرآن الغريبة.
ومن أمثلة ذلك:
عند قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ [النساء:٨٨] أورد
_________________
(١) ١ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٦٦-١٦٧ وقال: رواه الطبراني من طرق وفيها ليث بن أبي سليم وفيه ضعف، وبقية رجال أحد الطرق رجال الصحيح. ٢ في مبحث نشأته العلمية وطلبه للعلم ص٤٣.
[ ١ / ٩٥ ]
ما أخرج الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قال: بدّدهم، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أوقعهم، ومن طريق قتادة قال: أهلكهم١، ثم قال - القائل ابن حجر - وهو تفسير باللازم، لأن الركس الرجوع، فكأنه ردّهم إلى حكمهم الأول٢.
وعند قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ [الانشقاق: ٢]، أورد عن مجاهد قال: ﴿أَذِنَتْ﴾ سمعت وأطاعت لربها، ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾: أخرجت ما فيها من الموتى، ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ أي عنهم أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه٣.
وأورد عند قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] تسع عشرة رواية منها:
ما جاء عن ثابت عن أنس أن عمر قرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا أو قال: ما أمرنا بهذا. وأورد طرق هذه الرواية، وما روي عن أبي بكر في هذا المعنى وهو أنه قرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقيل ما الأب؟ فقيل كذا وكذا فقال أبو بكر إن هذا لَهُوَ التكلف، أيُّ أرض تقلني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم".
ثم قال: وقد جاء أن ابن عباس فسر "الأب" عند عمر، فأورد ما أخرجه عبد بن حميد من طريق سعيد بن جبير قال: كان عمر يدني ابن عباس فذكر نحو القصة الماضية في تفسير: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ ٤ وفي آخره وقال
_________________
(١) ١ انظر الروايات من ٥٦٧ إلى ٥٦٩. ٢ انظر: فتح الباري ٨/٢٥٦-٢٥٧. ٣ أخرج ابن جرير ٣٠/١١٣، ١١٤ من طرق عن ابن أبي نجيح، عنه مفرقا، انظر رقم ٣٣٠٦. ٤ يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم٤٩٧٠ - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ =
[ ١ / ٩٦ ]
تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ إلى قوله ﴿وَأَبًّا﴾ قال: فالسبعة رزق لبني آدم "والأب" ما تأكل الأنعام، ولم يذكر أن عمر أنكر عليه ذلك.
وما أخرج الطبري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال: "الأب" ما تنبته الأرض مما تأكله الدواب، ولا يأكله الناس".
ثم أخرج - أي الطبري - من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بسند صحيح قال "الأب" الثمار الرطبة، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ "وفاكهة وأبا" قال: الثمار الرطبة.
ومن طريق عكرمة عن ابن عباس بسند حسن "الأب" الحشيش للبهائم.
ثم قال: وفيه قول آخر أخرجاه - أي الطبري وابن أبي حاتم - من طريق عطاء قال: كل شيء ينبت على وجه الأرض فهو أب.
ومن طريق الضحاك قال: "الأب" كل شيء أنبتت الأرض سوى الفاكهة١.
_________________
(١) = بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ - بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخِل هذا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رُثيتُ أنه دعاني يومئذ إلا ليُرهم. قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أُمِرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: إذا جاء نصر الله والفتح - وذلك علامة أجلك - فسبِّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّابا. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول". ١ انظر الروايات من ٣٢٣٧ إلى ٣٢٥٦.
[ ١ / ٩٧ ]