مكية
روي أنها نزلت بمكة جملة واحدة ليلًا ونزل معها سبعون ألف ملك قد سدّوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد فقال رسول الله ﷺ «سبحان ربي العظيم» وخرّ
[ ١ / ٤٠٨ ]
ساجدًا، والزجل - بفتح الزاي والجيم: القوّة، قال البغوي: وروي مرفوعًا «من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره»، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: نزلت سورة الأنعام بمكة إلا قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ فهذه الست آيات مدنيات.
ويروى أنه ﷺ دعا بالكتاب فكتبوها من ليلتهم إلا الست آيات، قال بعض العلماء: واختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة أحدهما: أنها نزلت دفعة واحدة، والثاني: أنها شيعها سبعون ألفًا من الملائكة والسبب فيها أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين وهي مائة وخمسة وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر ألفًا وأربعمائة واثنان وعشرون حرفًا.
﴿بسم الله﴾ الذي تعالت عظمته عن كل شائبة نقص فكان له كل كمال ﴿الرحمن﴾ الذي عمت نعمته المحسن والمسيء فغمر الكل بالنوال ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بإتمام النعمة فهداهم بنعمة الإيصال.
﴿الحمد﴾ هو الوصف بالجميل ثابت ﴿﴾ وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء به أو هما احتمالات قال الجلال المحلى في سورة الكهف: أفيدها الثالث، وتقدّم الكلام على الحمد لغة واصطلاحًا في أوّل الفاتحة، وقال كعب الأحبار: هذه الآية أوّل آية في التوراة وآخر آية في التوراة ﴿وقل الحمد الذي لم يتخذ ولدًا﴾ (الإسراء، ١١١) إلى آخر الآية. وفي رواية أن آخر آية في التوراة آخر سورة هود، وقال ابن عباس ﵄: افتتح الله الخلق بالحمد فقال: ﴿الحمد﴾ ﴿الذي خلق السموات والأرض﴾ وختم بالحمد فقال تعالى: ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد رب العالمين﴾ (الزمر، ٧٥) وقال أهل المعاني: لفظ الحمد لله خبر ومعناه الأمر أي: احمدوا الله وإنما جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث أنه جمع الأمرين، ولو قيل: احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله: ﴿الحمد﴾ أبلغ وإنما خص السموات والأرض بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما ترى العباد لأنّ السماء بغير عمد ترونها فيها العبر والمنافع والأرض مسكن الخلائق وفيها أيضًا العبر والمنافع، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهنّ لأنّ طبقاتها مختلفة الذات متفاوتة الآثار والحركات بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرّر عند أهله وقدمها لشرفها قدرًا وعظمًا، وإن كانت الأرض أشرف من حيث أنها مسكن الأنبياء ﴿وجعل﴾ أي: خلق ﴿الظلمات والنور﴾ أي: كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها إذ ما من جرم إلا وله ظلّ وظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار ولا ترد الأجرام المنيرة كالكواكب لأنّ مرجع كل نير إلى النار على ما قيل: إنّ الكواكب أجرام نورانية نارية وإنّ الشهب منفصلة من نار الكواكب فصح أنّ النور من جنس النار وأن المراد بالظلمة الضلال وبالنار الهدى والهدى واحد والضلال متعدّد وتقديمها
لتقدّم الإعدام على الملكات وقوله تعالى: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ عطف على قوله: ﴿خلق﴾ أي: إنه تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثم الذين كفروا يعدلون بربهم الأوثان
[ ١ / ٤٠٩ ]
أي: يسوونها به في العبادة وعلى هذا فيعدلون من العدل وهو التسوية، والباء متعلقة بيعدلون أو على قوله: الحمد لله على معنى أنّ الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه وأنعمه من العباد ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فيكفرون نعمته، وعلى هذا فيعدلون من العدول، والباء متعلقة بكفروا ومعنى ثم استبعاد عدولهم بعد وضوح آيات قدرته.n
﴿
هو الذي خلقكم من طين﴾ أي: ابتدأ خلقكم منه فإنه المادّة الأولى، وإنّ آدم الذي هو أصل البشر خلق منه أو خلق أباكم فحذف المضاف، قال السدّي: بعث الله جبريل ﵇ إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع جبريل ﵇ ولم يأخذ قال: يا رب عاذت بك فبعث ميكائيل ﵇ فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت ﵇ فعاذت بالله منه فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح الخلق من هذا الطين بيدك.
وروي عن أبي هريرة ﵁: خلق الله تعالى آدم ﵇ من تراب وجعله طينًا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونًا ثم خلقه وصوّره وتركه حتى كان صلصالًا كالفخار ثم نفخ فيه من روحه ﴿ثم قضى أجلًا﴾ أي: أجلًا لكم تموتون عند انتهائه ﴿وأجل مسمى﴾ أي: مضروب ﴿عنده﴾ أي: وهو أجل القيامة، وقال الحسن: الأوّل: بين وقت الولادة إلى وقت الموت والثاني: من وقت الموت إلى البعث فإن كان الرجل برًا تقيًا وصولًا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر وإن كان فاجرًا قاطعًا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث وذلك قوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ (فاطر، ١١) وقيل: الأول: النوم، والثاني: الموت وقيل: الأوّل: لمن مضى، والثاني: لمن بقي ولمن يأتي ﴿ثم أنتم﴾ أيها الكفار ﴿تمترون﴾ أي: تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر ومعنى ثم استبعاد أيضًا كما مرّ لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم.
﴿وهو الله﴾ الضمير لله والله خبره وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائيّ بسكون الهاء من وهو والباقون بالضم وقوله تعالى: ﴿في السموات وفي الأرض﴾ متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل: هو مستحق العبادة فيهما ومنه قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ (الزخرف، ٨٤) أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيهما، وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره: وهو الله ﴿يعلم سركم﴾ أي: ما تسرون ﴿وجهركم﴾ أي: ما تجهرون به بينكم في السموات والأرض، وقيل: معناه وهو إله السموات والأرض كقوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ (الزخرف، ٨٤) ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ أي: ما تعملون من خير أو شرّ فيثيب عليه أو يعاقب.
فإن قيل: الأفعال إمّا أفعال القلوب وهي المسماة بالسر وإمّا أفعال الجوارح وهي المسماة بالجهر والأفعال لا تخرج عن السرّ والجهر فقوله تعالى: ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو غير جائز أجيب: بأنّ المراد بالسر ما يخفى وبالجهر ما يظهر من أحوال الأنفس
[ ١ / ٤١٠ ]
وبالمكتسب أعمال الجوارح فهو كما يقال: هذا المال كسب فلان أنه مكتسبه فلا يحمل على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه.
﴿وما تأتيهم﴾ أي: الكفار ﴿من آية من آيات ربهم﴾ من الأولى مزيدة للاستغراق والثانية للتبعيض أي: ما يظهر لكم دليل قط من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾ أي: تاركين لها وبها مكذبين.
﴿فقد كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ أي: بالقرآن وبمحمد ﷺ وبما أتى به من المعجزات ﴿فسوف يأتيهم أنباء﴾ أي: عواقب ﴿ما كانوا به يستهزؤن﴾ بنزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة أو عند ظهور الإسلام وارتفاع أمره.
﴿ألم يروا﴾ أي: في أسفارهم إلى الشام وغيرها ﴿كم﴾ خبرية بمعنى كثيرًا ﴿أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ أي: أمّة من الأمم الماضية، وعلى هذا القرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدّة من الزمان قيل: إنها عشرة أعوام، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون، وقيل: مائة.
لما روي أنّ النبيّ ﷺ قال لعبد الله بن بشر المازني: «تعيش قرنًا» فعاش مائة سنة وقيل: مائة وعشرون فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن ﴿مكناهم في الأرض﴾ أي: جعلنا لهم فيها مكانًا بالقوّة والسعة وقررناهم فيها ﴿ما لم نمكن لكم﴾ أي: ما لم نجعل لكم من السعة والقوّة فيه التفات عن الغيبة، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمودًا وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا ﴿وأرسلنا السماء﴾ هي المطر ﴿عليهم مدرارًا﴾ أي: متتابعًا ﴿وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم﴾ أي: تحت مساكنهم ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ أي: بسبب ذنوبهم بتكذيبهم الأنبياء فلم يغن ذلك عنهم شيئًا ﴿وأنشأنا﴾ أي: أحدثنا ﴿من بعدهم قرنًا آخرين﴾ بدلًا منهم.
فإن قيل: ما فائدة ذكر أنشأنا قرنًا آخرين بعدهم؟ أجيب: بأنه ذكر للدلالة على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرنًا ويخرب بلاده منهم فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده فهو قادر على أن يفعل ذلك بكم.
ونزل لما قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله ﴿ولو نزلنا عليك كتابًا﴾ أي: مكتوبًا ﴿في قرطاس﴾ أي: رق كما اقترحوه ﴿فلمسوه بأيديهم﴾ أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك ﴿لقال الذين كفروا أن﴾ أي: ما ﴿هذا إلا سحر مبين﴾ أي: تعنتًا وعنادًا كما قالوا في انشقاق القمر.
﴿وقالوا لولا﴾ أي: هلا ﴿أنزل عليه﴾ أي: محمد ﷺ ﴿ملك﴾ يكلمنا أنه نبي كقوله تعالى: ﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرًا﴾ (الفرقان، ٧) ﴿ولو أنزلنا ملكًا بحيث﴾ عاينوه كما اقترحوا فلم يؤمنوا ﴿لقضي الأمر﴾ أي: لحق إهلاكهم فإنّ سنة الله تعالى جرت فيمن قبلهم أنهم إذا جاءهم مقترحهم فلم يؤمنوا به يهلكهم ﴿ثم لا ينظرون﴾ أي: لا يمهلون لتوبة أو معذرة.
﴿س٦ش٩/ش١٨ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُ؟ وَلَلَبَسْنَا
[ ١ / ٤١١ ]
عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِى؟َ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا؟ مِنْهُم مَّا كَانُوا؟ بِهِ؟ يَسْتَهْزِءُونَ * قُلْ سِيرُوا؟ فِى ا؟رْضِ ثُمَّ انظُرُوا؟ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * قُل لِّمَن مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَا؟رْضِ؟ قُل لِّلَّهِ؟ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ؟ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ رَيْبَ فِيهِ؟ الَّذِينَ خَسِرُو؟ا؟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ؟ مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَا؟رْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَيُطْعَمُ؟ قُلْ إِنِّى؟ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ؟ وَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّى؟ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَـ؟ـ؟ِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ؟؟ وَذَالِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَ كَاشِفَ لَهُ؟؟ إِ s هُوَ؟ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ؟؟ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾
﴿ولو جعلناه﴾ أي: المنزل إليهم ﴿ملكًا لجعلناه﴾ أي: الملك ﴿رجلًا﴾ أي: على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوّة للبشر على رؤية الملك في صورته وإنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء لقوّتهم القدسية وقوله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ جواب محذوف أي: ولو أنزلناه وجعلناه رجلًا للبسنا أي: لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلًا ما يخلطون على أنفسهم وعلى غيرهم فيقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم وإنما كان تلبيسًا لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبيّ ﷺ فقالوا: إنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلًا للحقهم من اللبس مثل ما لحق الضعفاء منهم فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما كان منهم من التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء.
وقوله تعالى:
﴿ولقد استهزىء برسل من قبلك﴾ فيه تسلية للنبي ﷺ على ما يرى من قومه ﴿فحاق﴾ قال الربيع بن أنس: فنزل، وقال عطاء: فحل، وقال الضحاك: فأحاط ﴿بالذين سخروا منهم﴾ أي: من أولئك الرسل ﴿ما كانوا به يستهزؤن﴾ وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك.
﴿قل﴾ لهم ﴿سيروا في الأرض﴾ أي: أوقعوا السير للاعتبار فيها ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم ﴿ثم انظروا كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿المكذبين﴾ الرسل من هلاكهم بالعذاب فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار بهم.
﴿قل﴾ لهم ﴿لمن ما في السموات والأرض﴾ خلقًا وملكًا وهو سؤال تبكيت ﴿قل﴾ إن لم يقولوه لا جواب غيره لأنه المتعين للجواب بالاتفاق إذ لا يمكنهم أن يذكروا غيره ﴿كتب﴾ أي: قضى ﴿على نفسه الرحمة﴾ تفضلًا منه وإحسانًا، فالرحمة تعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الأدلة وإنزال الكتب والإمهال على الكفرة والعصاة والمذنبين ولو شاء لسلط عليهم المضار وجعل عيشهم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي تعيش فيها الحيوانات.
روي أنه ﷺ قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتابًا عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي غلبت غضبي» وفي رواية «سبقت غضبي» وفي رواية «إنّ لله تعالى مئة رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» .
وروي أنه ﷺ قدم عليه سبي فإذا امرأة من السبي قد غلب ثديها إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته فقال النبيّ ﷺ «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه» فقلنا: لا والله يا رسول الله فقال: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» وقوله تعالى: ﴿ليجمعنكم﴾ استئناف واللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم ﴿إلى يوم القيامة﴾ أي: في يوم القيامة وإلى بمعنى في أو ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم، وقيل: بدل من الرحمة بدل البعض فإن من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ أي: اليوم أو الجمع، وقوله تعالى: ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ في موضع نصب على الذم أو رفع على الخبر أي: وأنتم الذين خسروا أنفسهم بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية أو مبتدأ خبره ﴿فهم لا يؤمنون﴾ .
فإن قيل: الفاء تدل على أنّ عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم مع أنّ الأمر على العكس؟ أجيب: بأنّ إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان وقوله تعالى:
﴿وله ما سكن﴾ أي: حل ﴿في الليل والنهار﴾ عطف على لله أي: له كل شيء من حيوان وغيره لأنه خالقه ومالكه وقيل له: ما سكن
[ ١ / ٤١٢ ]
فيهما أو تحرّك واكتفى بأحد الضدّين عن الآخر ﴿وهو السميع﴾ أي: لكل ما يقال ﴿العليم﴾ أي: بكل ما يفعل فلا يخفى عليه شيء ﷾.
ونزل لما دعي رسول الله ﷺ إلى دين آبائه:
﴿قل﴾ لهم ﴿أغير الله أتخذ وليًا﴾ أي: ربًا ومعبودًا وناصرًا ومعينًا وهو استفهام ومعناه الإنكار أي: لا أتخذ غير الله وليًا ﴿فاطر السموات والأرض﴾ أي: خالقهما ابتداعًا من غير سبق، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: إني فطرتها أي: ابتدأتها ﴿وهو يطعم﴾ أي: يرزق ﴿ولا يطعم﴾ أي: ولا يرزق، وصف ﷾ ذاته بالغني عن الخلق باحتياجهم إليه لأنّ من كان من صفته أن يطعم الخلق لاحتياجهم إليه ولا يطعم لاستغنائه عنهم وجب أن يتخذ ربًا وناصرًا ووليًا ﴿قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم﴾ لله من هذه الأمّة لأنّ النبيّ سابق أمّته في الدين والدين وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة بسبب اختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ أي: وقيل لي: يا محمد لا تكونن من المشركين أي: في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه ﷺ في سؤالهم أن يكون على دين آبائه وقوله تعالى:
﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي﴾ بعبادة غيره ﴿عذاب يوم عظيم﴾ مبالغة أخرى في قطع أطماعهم وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب وقوله تعالى:
﴿من يصرف عنه﴾ العذاب ﴿يومئذٍ﴾ أي: يوم القيامة، قرأه أبو بكر وحمزة والكسائيّ بفتح الياء وكسر الراء على البناء للفاعل والضمير لله تعالى والمفعول محذوف، وقرأه الباقون بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول فالضمير للعذاب ﴿فقد رحمه﴾ ربه تعالى أي: أراد به الخير ﴿وذلك﴾ أي: الصرف أو الرحمة ﴿الفوز المبين﴾ أي: النجاة الظاهرة.
﴿وإن يمسسك الله بضر﴾ أي: ببلاء كمرض وفقر والضرّ اسم جامع لما ينال الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه ﴿فلا كاشف﴾ أي: لا رافع ﴿له إلا هو﴾ لا غيره ﴿وإن يمسسك بخير﴾ أي: بصحة وغنى والخير إسم جامع لكل ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور وغير ذلك ﴿فهو على كل شيء قدير﴾ من الخير والضر وهذه الآية وإن كانت خطابًا للنبيّ ﷺ فهي عامة لكل أحد والمعنى وإن يمسسك الله بضرّ أيها الإنسان فلا كاشف لذلك الضر إلا هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من رفع الضرر وإيصال الخير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أهدي للنبيّ ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه فسار بي مليًا ثم التفت إليّ فقال لي: «يا غلام» فقلت: لبيك يا رسول الله قال: «أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» . وفي رواية: «اعلم أنّ النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأنّ مع العسر يسرًا» «ولن يغلب عسر يسرين» . وفي رواية: «فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلق أن ينفعوك بما لم يقضه لك الله لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن
[ ١ / ٤١٣ ]
يضرّوك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه» .
﴿وهو القاهر﴾ أي: القادر الذي لا يعجزه شيء مستعليًا ﴿فوق عباده﴾ فهم مقهورون تحت قدرته وكل من قهر شيئًا فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة ﴿وهو الحكيم﴾ في خلقه ﴿الخبير﴾ ببواطنهم كظواهرهم ونزل لما قالت قريش للنبيّ ﷺ يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا ما يشهد لك.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون نبوّتك من قومك ﴿أيّ شيء﴾ بيني وبينكم ﴿أكبر شهادة﴾ تمييز محوّل عن المبتدأ ﴿قل الله﴾ أكبر شهادة إن لم تقولوه لا جواب غيره ثم ابتدأ ﴿شهيد بيني وبينكم﴾ أي: هو شهيد بيني وبينكم ويحتمل أن يكون الله شهيدًا هو الجواب لأنه تعالى إذا كان هو الشهيد كان أكبر شيء شهادة ﴿وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم﴾ يا أهل مكة ﴿به﴾ أي: القرآن واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة وقوله تعالى: ﴿ومن بلغ﴾ عطف على ضمير المخاطبين أي: لأنذركم به يا أهل مكة ومن بلغه من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه قال محمد بن كعب القرطبيّ: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبيّ ﷺ وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله تعالى.
وروي أنه ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار» . وفي رواية «نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها فربّ مبلغ أوعى من سامع» . وفي رواية «فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجنّ والإنس فهو نذير له وقوله تعالى: ﴿أئنكم لتشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى﴾ إستفهام إنكاري قل: يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جحدوا نبوّتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها ﴿قل﴾ لهم ﴿لا أشهد﴾ بما تشهدون به أنّ مع الله آلهة أخرى بل أجد ذلك وأنكره ﴿قل إنما هو إله واحد﴾ لا شريك له وبذلك أشهد ﴿وإنني بريء مما تشركون﴾ معه من الأصنام، وفي الآية دليل على إثبات التوحيد ونفي الشريك لأنّ كلمة إنما تفيد الحصر فثبت بذلك إيجاب التوحيد والتبري من كل معبود سوى الله تعالى.
﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ أي: التوراة والإنجيل وهم علماء اليهود والنصارى ﴿يعرفونه﴾ أي: محمدًا ﷺ بنعته وصفته ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾ من بين الصبيان.
روي أنّ النبيّ ﷺ لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال عمر رضي الله تعالى عنه: إنّ الله تعالى أنزل على نبيه محمد ﷺ بمكة هذه الآية فكيف هذا؟ فقال عبد الله بن سلام: قد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشدّ معرفة بمحمد ﷺ من ابني فقال له عمر: كيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله حقًا ولا أدري ما تصنع النساء ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ من أهل الكتاب والمشركين ﴿فهم لا يؤمنون﴾ به لما سبق لهم من الفضاء بالشقاء.
﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن افترى على الله كذبًا﴾ كقولهم: الملائكة بنات الله
[ ١ / ٤١٤ ]
واتخذ الله ولدًا ﴿أو كذب بآياته﴾ الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات ﴿إنه﴾ أي: الشأن ﴿لا يفلح الظالمون﴾ أي: لا ينجح القائلون على الله الكذب والمفترون عليه الباطل.
﴿و﴾ اذكر ﴿يوم نحشرهم جميعًا﴾ أي: أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم وهو يوم القيامة ﴿ثم نقول﴾ توبيخًا ﴿للذين أشركوا﴾ أي: سموا شيئًا من دوننا إلهًا وعبدوه من الأصنام أو عزيرًا أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك ﴿أين شركاؤكم﴾ أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله تعالى: وأضافها إلى ضميرهم لتسميتهم لها بذلك وقوله تعالى: ﴿الذين كنتم تزعمون﴾ معناه كنتم تزعمونهم شركاء وإنها تشفع لكم عند الله فحذف المفعولان.
﴿ثم لم تكن فتنتهم﴾ أي: معذرتهم ﴿إلا أن قالوا﴾ أي: قولهم ﴿وا ربنا ما كنا مشركين﴾ فيختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالشرك، وقرأ حمزة والكسائيّ يكن بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص فتنتهم بضمّ التاء والباقون بالنصب، وقرأ حمزة والكسائيّ ربنا بنصب الباء على النداء أو المدح والباقون بالكسر.
قال الله تعالى:
﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف كذبوا على أنفسهم﴾ باعتذارهم الباطل وتبريهم من الأصنام والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في دار الدنيا وذلك لا ينفعهم ﴿وضلّ﴾ أي: غاب ﴿عنهم ما كانوا يفترون﴾ أي: يكذبون وهو قولهم: إنّ الأصنام تشفع لهم وتنصرهم فبطل ذلك كله في ذلك اليوم.
فإن قيل: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور وعلى أنّ الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ أجيب: بأنّ الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشة إلا تراهم يقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ وقد أيقنوا الخلود ولم يشكوا فيه وقالوا: ﴿ليقض علينا ربك﴾ (الزحرف، ٧٧) وقد علموا أنه لا يقضي عليهم.
﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ حين تتلو القرآن.
روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم يستمعون القرآن فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته - يعني الكعبة - ما أدري ما يقول إلا أنه يحرّك لسانه فيقول أساطير الأوّلين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقًا فقال أبو جهل: كلا لا تقرّ بشيء من هذا فأنزل الله تعالى ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ أي: أغطية ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿يفقهوه﴾ أي: يفهموا القرآن ﴿و﴾ جعلنا ﴿في آذانهم وقرًا﴾ أي: صممًا فلا يسمعونه سماع قبول ووجه إسناد الفعل إلى ذاته تعالى وهو قوله تعالى: ﴿وجعلنا﴾ للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم: ﴿وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾ (فصلت، ٥) ﴿وإن يروا كل آية﴾ أي: معجزة من المعجزات الدالة على صدقك ﴿لا يؤمنوا بها﴾ لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم ﴿حتى إذا جاؤوك يجادلونك﴾ أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم جاؤوك يجادلونك ويناكرونك وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها والجملة إذا وجوابها وهو ﴿يقول الذين كفروا إن﴾ أي: ما ﴿هذا إلا أساطير﴾ أي: أكاذيب ﴿الأوّلين﴾ أي:
[ ١ / ٤١٥ ]
أحاديثهم من الأمم الماضية وأخبارهم وأقاصيصهم وما سطروا بمعنى كتبوا والأساطير جمع أسطورة بالضمّ قال البخاريّ عن ابن عباس: وهي الترّهات.
﴿وهم ينهون﴾ الناس ﴿عنه﴾ أي: اتباع النبيّ ﷺ أو القرآن ﴿وينأون﴾ أي: يتباعدون عنه فلا يؤمنون به، قال محمد بن الحنفية والسدّيّ والضحاك: نزلت في كفار مكة وقال ابن عباس ومقاتل في أبي طالب: كان ينهى الناس عن أذى النبيّ ﷺ ويمنعهم وينأى عن الإيمان به أي: يبعد حتى روي أنه اجتمع له رؤوس المشركين وقالوا: خذ شابًا من أحسن أصحابنا وجهًا وادفع إلينا محمدًا فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم.
وروي أنه ﷺ دعاه إلى الإيمان فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت.
وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله ﷺ سوأ فقال:
*والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا*
*فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقرّ منه عيونا*
*ودعوتني وزعمت أنك ناصح ولقد صدقت وكنت ثم أمينا*
*وعرضت دينًا لا محالة إنه من خير أديان البريّة دينا*
*لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا*
﴿وإن﴾ أي: ما ﴿يهلكون﴾ بالنأي عنه ﴿إلا أنفسهم﴾ لأنّ ضرره عليهم ﴿وما يشعرون﴾ أنّ ضررهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم وقوله تعالى:
﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ وقفوا﴾ أي: عرضوا ﴿على النار﴾ جوابه محذوف أي: لو تراهم حين يقفون على النار فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمرًا شنيعًا ﴿فقالوا﴾ أي: الكفار ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ليتنا نرد﴾ أي: إلى الدنيا ﴿ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ تمنوا أن يردّوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات ربهم، وقرأ حفص وحمزة بنصب الياء من يكذب على جواب التمني والباقون بالرفع على الاستئناف، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة بفتح النون من تكون على جواب التمني والباقون بالضمّ على العطف وقوله تعالى:
﴿بل بدا لهم﴾ أي: ظهر لهم ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ للإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني والمعنى: أنهم ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم وقبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجرًا لا عزمًا على أنهم لو ردّوا لآمنوا كما قال تعالى: ﴿ولو ردّوا﴾ إلى الدنيا أي: لو فرض ذلك بعد الوقوف والظهور ﴿لعادوا لما نهوا عنه﴾ من الكفر والمعاصي ﴿وإنهم لكاذبون﴾ في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
﴿وقالوا إن﴾ أي: ما ﴿هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين﴾ كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يعطف على قوله: وإنهم لكاذبون على معنى وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا: إن هي إلا حياتنا وكفى به دليلًا على كذبهم.
﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ وقفوا﴾ أي: عرضوا ﴿على ربهم﴾ لرأيت أمرًا عظيمًا ﴿قال﴾ لهم على لسان الملائكة توبيخًا ﴿أليس هذا﴾ البعث والحساب ﴿بالحق﴾ وقوله تعالى: ﴿قالوا بلى وربنا﴾ إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الانجلاء ﴿قال فذوقوا العذاب﴾ أي: الذي كنتم به توعدون ﴿بما كنتم
[ ١ / ٤١٦ ]
تكفرون﴾ أي: بسبب كفركم وجحودكم البعث.
﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ أي: بالبعث واستمرّ تكذيبهم ﴿حتى إذا جاءتهم الساعة﴾ أي: القيامة ﴿بغتة﴾ أي: فجأة وسميت القيامة ساعة لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎، وقيل: لسرعة الحساب فيها لأنّ حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة واحدة وأقل من ذلك ﴿قالوا يا حسرتنا﴾ أي: يا ندامتنا والحسرة التلهف على الشيء الفائت وشدّة التألم ونداؤها مجاز أي: هذا أوانك فاحضري ﴿على ما فرّطنا﴾ أي: قصرنا ﴿فيها﴾ أي: الحياة الدنيا جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة ويجوز أن يكون للساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها كما تقول: فرّطت في فلان ومنه فرّطت في جنب الله وقوله تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم﴾ أي: أثقالهم وآثامهم ﴿على ظهورهم﴾ تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام، وقال السديّ وغيره: إنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحًا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني فقد طال ما ركبتك في الدنيا فذلك قوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا﴾ (مريم، ٨٥) أي: ركبانًا، وأمّا الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا واليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ ﴿ألا ساء﴾ أي: بئس ﴿ما يزرون﴾ أي: ما يحملون حملهم ذلك، وقوله تعالى:
﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو﴾ جواب لقولهم: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهى الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية وقيل: معناه أن أمر الدنيا والعمل فيها لعب ولهو فأمّا فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة ﴿وللدار الآخرة﴾ أي: الجنة، واللام فيه لام القسم ﴿خير﴾ أي: من الدنيا وأفضل لأنّ الدنيا سريعة الزوال والانقطاع ﴿للذين يتقون﴾ أي: الشرك، وقيل: اللهو واللعب ﴿أفلا يعقلون﴾ أي: إنّ الآخرة خير من الدنيا فيعملوا لها، وقرأ ابن عامر: ولدار، بتخفيف الدال وجرّ التاء من الآخرة، والباقون: وللدار، بتشديد الدال ورفع التاء، وقرأ نافع وابن عامر وحفص: تعقلون، على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة.
﴿قد﴾ للتحقيق ﴿نعلم أنه﴾ أي: الشأن ﴿ليحزنك الذي يقولون﴾ من التكذيب، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ أي: بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم أو إنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ﴿ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ أي: يكذبون، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون، قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال أبو جهل: والله إن محمدًا لصادق ما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أن أبا جهل قال للنبيّ ﷺ إنا لا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به فأنزلت»
[ ١ / ٤١٧ ]
ووضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والباء لتضمن الجحود معنى التكذيب، وقرأ نافع والكسائي: يكذبونك، بسكون الكاف وتخفيف الذال من أكذبه إذا وجده كاذبًا أو نسبه للكذب، والباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من التكذيب وهو أن ينسبه إلى الكذب وقوله تعالى:
﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾ تسلية للنبيّ ﷺ وهذا دليل على أن قوله: ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ ليس بنفي لتكذيبه مطلقًا وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني ﴿فصبروا على ما كذبوا﴾ أي: على تكذيبهم لهم ﴿وأوذوا﴾ أي: وصبروا على إيذائهم لهم ﴿حتى أتاهم نصرنا﴾ بإهلاك من كذبهم فتأس بهم واصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك من كذبك وفي ذلك إيماء بوعد النصر للصابرين ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾ أي: لمواعيده من قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ (الصافات، ١٧١) الآيات ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ أي: من قصصهم وما كابدوا من قومهم مما يسكن به قلبك قيل: من مزيدة، وقيل: للتبعيض ويدل له قوله تعالى: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ (غافر، ٧٨) .
﴿وإن كان كبر﴾ أي: عظم وشق ﴿عليك إعراضهم﴾ عنك وعن الإيمان بما جئت به ﴿فإن استطعت أن تبتغي﴾ أي: تطلب بجهدك وغاية طاقتك ﴿نفقًا﴾ أي: منفذًا ﴿في الأرض﴾ تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر إلى الانتهاء إليه ﴿أو سلمًا في السماء﴾ أي: جهة العلوّ لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه ﴿فتأتيهم بآية﴾ أي: مما اقترحوه عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضًا كما أخبرناك لأنّ الله تعالى شاء ضلال بعضهم والمقصود بهذا بيان شدّة حرصه ﷺ على هدايتهم وأنه لو قدر أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل ﴿ولو شاء الله﴾ هدايتهم ﴿لجمعهم على الهدى﴾ أي: لوفقهم له ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا والمعتزلة أوّلوا ﴿لو شاء الله﴾ بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة، وجرى على هذا الزمخشريّ في كشافه.
والمعنى: أنّ أسناد مشيئة الجمع إلى الله تعالى ظاهر في أنه هو المهدي والمضل والمعتزلة لما قالوا: إنه بفعل العبد احتاجوا إلى التأويل ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ أي: لا يشتدّ تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلظ عليه الخطاب تبعيدًا له عن هذه الحالة.
﴿إنما يستجيب﴾ دعاءك إلى الإيمان ﴿الذين يسمعون﴾ سماع تفهم واعتبار كقوله تعالى: ﴿أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق، ٣٧) وهم المؤمنون الذين فتح الله تعالى لهم أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويتبعونه دون من ختم الله على سمع قلبه وهو قوله: ﴿والموتى﴾ أي: الكفار لشبههم بهم في عدم السماع ﴿يبعثهم الله﴾ في الآخرة ﴿ثم إليه يرجعون﴾ أي: يردّون فيجازيهم بأعمالهم.
﴿وقالوا﴾ أي: رؤساء قريش ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿نزل عليه آية﴾ مما اقترحوا ﴿من ربه﴾ المحسن إليه كالناقة والعصا والمائدة أو آية تضطرّهم إلى الإيمان كنتق الجبل أو آية إن جحدوها هلكوا ﴿قل﴾ لهم ﴿إنّ الله قادر على أن ينزل آية﴾ مما اقترحوه أو آية تضطرّهم إلى الإيمان أو آية إن جحدوها هلكوا لا يعجزه شيء ﴿ولكنّ أكثرهم لا يعلمون﴾ أي: ماذا عليهم في إنزالها من العذاب إن لم يؤمنوا بها
[ ١ / ٤١٨ ]
ولهم فيما أنزل مندوحة عن غيره، وقرأ ابن كثير: ينزل، بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي والمعنى واحد.
﴿وما من دابة في الأرض﴾ أي: تدب على وجهها ﴿ولا طائر بطير بجناحيه﴾ في الهواء وهو بالمدّ ما بين السماء والأرض وهو المراد هنا وأمّا الهوى بالقصر فهوى النفس وليس مرادًا وإنما قال: ﴿بجناحيه﴾ مع أنّ الطيران لا يكون إلا بهما قطعًا لمجاز السرعة ونحوها كما تقول: كتبت بيدي ونظرت بعيني ﴿إلا أمم أمثالكم﴾ أي: محفوظة أحوالها مقدّرة أرزاقها وآجالها، قال العلماء: جميع ما خلق الله تعالى لا يخرج عن هاتين الحالتين حتى ما في البحر لأنّ سيرها في الماء إمّا أن يكون دبيبًا أو طيرانًا مجازًا وإنما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقًا له لأنّ الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد.
واختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم يريد أنّ كل جنس من الحيوان أمة فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة وقال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. وقال عطاء: أمثالكم في التوحيد والمعرفة، وقيل غير ذلك، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية ﴿ما فرّطنا﴾ أي: ما تركنا أو ما أغفلنا ﴿في الكتاب﴾ أي: اللوح المحفوظ ﴿من شيء﴾ فلم نكتبه فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق ولم يهمل فيه أمر حيوان، وقيل: المراد بالكتاب القرآن فإنه قد دوّن فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلًا ومجملًا، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا المفعول به فإن فرّط لا يتعدّى بنفسه، وقد عدّي بفي إلى الكتاب ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة الدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا فحينئذٍ يتمنى الكافر ويقول: ﴿يا ليتني كنت ترابًا﴾ (النبأ، ٤) .
وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء» .
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ أي: القرآن ﴿صم﴾ عن سماعها سماع قبول ﴿وبكم﴾ عن النطق بالحق ﴿في الظلمات﴾ أي: في ضلالات الكفر ﴿من يشأ الله﴾ إضلاله ﴿يضلله ومن يشأ﴾ هدايته ﴿يجعله على صراط مستقيم﴾ هو دين الإسلام وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد كما مرّ.
﴿قل﴾ يا محمد لأهل مكة، وقوله تعالى: ﴿أرأيتكم﴾ استفهام تعجيب والكاف حرف خطاب أي: أخبروني ﴿إن أتاكم عذاب الله﴾ أي: في الدنيا كما أتى من قبلكم من الغرق أو الخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب ﴿أو أتتكم الساعة﴾ أي: القيامة المشتملة على العذاب ﴿أغير الله تدعون﴾ في كشف العذاب عنكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنّ الأصنام آلهة وجواب الاستفهام محذوف أي: فادعوه وهو تبكيت لهم.
﴿بل إياه تدعون﴾ أي: تخصونه بالدعاء كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في موضع كما في قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا﴾ (يونس، ١٢) الآية ﴿فيكشف ما تدعون إليه﴾ أي: ما تدعون إلى كشفه ﴿إن شاء﴾ كشفه في الدنيا تفضلًا عليكم كما هو عادته معكم في وقت شدائدكم ولكنه
[ ١ / ٤١٩ ]
لا يشاء كشفه في الآخرة لأنه لا يبدّل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما يشاء ﴿وتنسون﴾ أي: تتركون في تلك الأوقات دائمًا ﴿ما تشركون﴾ معه من الأصنام فلا تدعونها لعلمكم أنها لا تضرّ ولا تنفع.
﴿ولقد أرسلنا﴾ رسلًا ﴿إلى أمم من قبلك﴾ أي: قبلك ومن مزيدة فكذبوهم ﴿فأخذناهم بالبأساء﴾ أي: شدّة الفقر ﴿والضرّاء﴾ أي: الأمراض والأوجاع وهما صفتا تأنيث لا مذكر لهم ﴿لعلهم يتضرّعون﴾ أي: يتذللون ويتوبون عن ذنوبهم فيؤمنون.
﴿فلولا﴾ أي: فهلا ﴿إذ جاءهم بأسنا﴾ أي: عذابنا ﴿تضرعوا﴾ أي: لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضى له ﴿ولكن قست قلوبهم﴾ فلم تلن للإيمان ﴿وزين لهم الشيطان﴾ أي: بما أدخل عليهم من باب الشهوات ﴿ما كانوا يعملون﴾ من المعاصي فأصروا عليها.
﴿فلما نسوا﴾ أي: تركوا ﴿ما ذكروا﴾ أي: وعظوا وخوّفوا ﴿به﴾ وإنما كان النسيان بمعنى الترك لأنّ التارك للشيء معرضًا عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ أي: من الخيرات والأرزاق والملاذ التي كانت مغلقة عنهم فنقلناهم من الشدّة إلى الرخاء استدراجًا لهم، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا﴾ أي: فرح بطر ﴿أخذناهم﴾ بالعذاب ﴿بغتة﴾ أي: فجأة ﴿فإذا هم مبلسون﴾ أي: متحسرون آيسون من كل خير.
أي: آخرهم بأن استؤصلوا ﴿والحمد رب العالمين﴾ أي: على نصر الرسل وإهلاك الكافرين والعصاة فإنّ إهلاكهم من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها.
﴿قل﴾ أي: لأهل مكة ﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿إن أخذ الله سمعكم﴾ أي: أصمكم ﴿وأبصاركم﴾ أي: أعماكم ﴿وختم﴾ أي: طبع ﴿على قلوبكم﴾ أي: بأن يغطي عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم فلا تعرفون شيئًا ﴿من إله غير الله يأتيكم به﴾ أي: بذلك أو بما أخذ منكم وختم عليه لأنّ الضمير في به يعود على معنى الفعل أو بأحد هذه المذكورات ويجوز أن يعود إلى السمع الذي ذكره أوّلًا ويندرج غيره تحته كقوله تعالى: ﴿وا ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة، ٦٢) فالهاء راجعة إلى الله تعالى ورضا رسول الله ﷺ يندرج في رضا الله تعالى ﴿انظر﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ ويدخل فيه غيره أي: انظر يا محمد ﴿كيف نصرّف﴾ أي: نبين لهم الآيات أي: العلامات الدالة على التوحيد والنبوّة ونكررها تارة من جهة المقدّمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدّمين ﴿ثم هم يصدفون﴾ أي: يعرضون عنها فلا يؤمنون.
﴿قل﴾ لهم ﴿أرأيتكم﴾ أي: أخبروني ﴿إن أتاكم عذاب الله بغتة﴾ أي: فجأة ﴿أو جهرة﴾ أي: معاينة ترونه عند نزوله، وقال ابن عباس والحسن: ليلًا ونهارًا ﴿هل يهلك﴾ أي: ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب ﴿إلا القوم الظالمون﴾ أي: المشركون لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك.
﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين﴾ من آمن بالجنة ﴿ومنذرين﴾ من كفر بالنار أي: ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما أرسلوا بالبشارة والنذارة ﴿فمن آمن﴾ أي: بهم ﴿وأصلح﴾ أي: عمله ﴿فلا خوف عليهم﴾ أي: من العذاب ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة بفوات الثواب.
﴿والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب﴾ أي: يصيبهم ﴿بما كانوا يفسقون﴾ أي: بسبب خروجهم عن
[ ١ / ٤٢٠ ]
الطاعة.
﴿قل﴾ لهم ﴿لا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ نزلت حين اقترحوا عليه الآيات فأمره الله تعالى أن يقول لهم: إنما بعثت بشيرًا ونذيرًا ولا أقول لكم عندي خزائن الله جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي خزائن رزقه أو مقدوراته فأعطيكم منها ما تريدون لأنهم كانوا يقولون للنبيّ ﷺ إن كنت رسولًا من الله فاطلب منه أن يوسع علينا ويغني فقرنا فأخبر أنّ ذلك بيد الله لا بيدي ﴿ولا﴾ أقول لكم إني ﴿أعلم الغيب﴾ أي: فأخبركم بما مضى وما هو آت وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعدّ لتحصيل المصالح ودفع المضار فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم بذلك ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوّج النساء؟ فأجابهم بذلك لأنّ الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا يشاهدونه أي: لا أقول لكم شيئًا من ذلك فتنكرون وتجحدون.
فإن قيل: قد يستدل بهذا على أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء لأنّ معنى الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي ولولا أنّ الملائكة أفضل لم يصح ذلك؟ أجيب: بأنه ﷺ إنما قال ذلك تواضعًا لله تعالى واعترافًا بالعبودية حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح وبأنّ المراد بما قاله نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وذلك لا يدل على أنهم أفضل من الأنبياء ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليّ﴾ تبرأ ﷺ من دعوى الألوهية والملكية وادّعى النبوّة مع الرسالة التي هي أعلى كمالات البشر ردًّا لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدّعاه وظاهر هذه الآية يدل على أنه ﷺ ما كان يجتهد في شيء من الأحكام بل جميع أوامر الله ونواهيه إنما كانت بوحي ولكن المرجح أنه يجتهد ﴿قل﴾ لهم ﴿هل يستوي الأعمى والبصير﴾ أي: هل يكونون سواء من غير مزية فإن قالوا: نعم كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو الأعمى. وقيل: المراد بالأوّل الكافر وبالثاني المؤمن، وقيل: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم ﴿أفلا تتفكرون﴾ في أنهما لا يستويان فتؤمنوا.
﴿وأنذر﴾ أي: خوّف إذ الإنذار إعلام مع تخويف ﴿به﴾ أي: القرآن وقوله تعالى: ﴿الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ إمّا قوم داخلون في الإسلام ومقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل وأمّا أهل الكتاب لأنهم مقرّون بالبعث وإمّا ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقًا فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار دون المتمرّدين منهم وقوله تعالى: ﴿ليس لهم من دونه﴾ أي: غير الله تعالى ﴿وليّ﴾ أي: ينصرهم ﴿ولا شفيع﴾ أي: يشفع لهم حال من ضمير يحشرون بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعًا لهم ولا بدّ من هذه الحال لأنّ كلًا منهم محشور فإنّ المخوّف هو الحشر على هذه الحالة.،
فإن قيل: إذا فسر ما ذكر بالمؤمنين كان مشكلًا لأنه قد ثبت بصحيح النقل شفاعة نبينا ﷺ للمذنبين من أمّته وكذلك تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض أجيب: بأنّ الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله تعالى كما قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (البقرة، ٢٥٥) وإذا كانت الشفاعة لا تكون
[ ١ / ٤٢١ ]
إلا بإذن الله صح قوله: ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع حتى يؤذن لهم بالشفاعة فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع ﴿لعلهم يتقون﴾ الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات.
﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ﴾ بعدما أمر الله تعالى نبيه ﵊ بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش.
روي أنّ رؤساءهم قالوا للنبيّ ﷺ لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون الفقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وخباب وسلمان وأضرابهم وكانت عليهم جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك فقال ﵊: «ما أنا بطارد المؤمنين» فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت قال: «نعم طمعًا في إيمانهم» .
وروي أنّ عمر ﵁ قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ماذا يصيرون قالوا: فاكتب بذلك كتابًا فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه فنزلت فرمى بالصحيفة واعتذر عمر رضي الله تعالى عنه من مقالته قال سلمان وخباب فينا نزلت فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته فكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزل ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ (الكهف، ٢٨) فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال لنا: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي معكم المحيا ومعكم الممات» وقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يومًا ولهم يومًا قال: «لا أفعل» قالوا: فاجعل واحدًا وأقبل علينا وولهم ظهرك فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم معبد لبايعنا محمدًا فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر» .
ويروى عنه أنّ المراد منه الصلوات الخمس وذلك أنّ ناسًا من الفقراء كانوا مع النبيّ ﷺ فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا فنزلت هذه الآية وقوله تعالى: ﴿يريدون وجهه﴾ حال من يدعون أي: يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإخلاص تنبيهًا على أنه ملاك الأمر ﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ أي: ليس عليك حساب في اختبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضيّ كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعدّاهم إليك كما أنّ حسابك لا يتعدّاك إليهم كقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام، ١٦٤) .
فإن قيل: هلا اكتفى بقوله: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾ عن ﴿وما من حسابك عليهم من شيء﴾؟ أجيب: بأن الجملتين جعلتا بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدّى واحد وهو المعنى في قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعاك، ١٦٤) ولا يفيد هذا المعنى إلا الجملتان جميعًا.
كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وقيل: الضمير للمشركين والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعًا فيه وقوله تعالى: ﴿فتطردهم﴾ أي: فتبعدهم جواب النفي وقوله تعالى: ﴿فتكون من الظالمين﴾ جواب النهي وهو ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية فقالوا: إنّ النبيّ ﷺ لما همّ بطرد الفقراء عن مجلسه لأجل أشراف قريش عاتبه الله تعالى به على ذلك ونهاه عن طردهم وذلك قدح في العصمة وقوله
[ ١ / ٤٢٢ ]
تعالى: ﴿فتطردهم فتكون من الظالمين﴾ وأجيب: بأنه ﷺ ما طردهم ولا همّ به لأجل استخفاف بهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة وهي التلطف بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى وهو اجتهاد منه ﷺ فأعلمه الله تعالى أنّ تقريب هؤلاء الفقراء أولى من الهمّ بطردهم فقرّبهم منه وأدناهم والظلم في اللغة وضع الشيء في غير محله أي: فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير معوضه فهو من باب ترك الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات.
﴿وكذلك فتنا﴾ أي: ابتلينا ﴿بعضهم ببعض﴾ أي: الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدّمناه بالسبق للإيمان ﴿ليقولوا﴾ أي: الشرفاء والأغنياء ﴿أهؤلاء﴾ الفقراء ﴿منّ الله عليهم من بيننا﴾ بالهداية أي: لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء قال الله تعالى: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ أي: بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقه وبمن لا يقع منه فيخذله.
﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ وقوله تعالى: ﴿فقل﴾ لهم ﴿سلام عليكم﴾ إمّا أن يكون أمرًا بتبليغ سلام الله تعالى إليهم وإمّا أن يكون أمرًا بأن يبدأهم بالسلام إكرامًا لهم وتطييبًا لقلوبهم ﴿كتب﴾ أي: قضى ﴿ربكم على نفسه الرحمة﴾ .
روي أنها نزلت في الذين نهى رسول الله ﷺ عن طردهم فوصفهم الله تعالى بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ويبشرهم بسعة رحمته وفضله بعد النهي عن طردهم إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد ويعز ولا يذل ويبشر من الله تعالى بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة، وقال عطاء: نزلت في الخلفاء الأربع وجماعة من الصحابة، وقيل: الآية على إطلاقها في كل مؤمن، وقيل: لما جاء عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته التي تقدّمت وقال: ما أردت إلا الخير فنزلت، وقيل: إنّ قومًا جاؤوا إلى النبيّ ﷺ فقالوا: إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا فلم يردّ عليهم شيئًا فانصرفوا فنزلت ﴿إنه من عمل منكم سوأ﴾ أيّ سوء كان ملتبسًا ﴿بجهالة﴾ أي: عمله وهو جاهل وفيه معنيان: أحدهما: إنه فاعل فعل الجهلة لأنّ من عمل ما يؤدّي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه والجهل لأنّ من أهل الحكمة والتدبير ومنه قول الشاعر:
*على أنها قالت عشية زرتها جهلت على عمد ولم تك جاهلًا*
والثاني: إنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرّة ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته، وقيل: إنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوه ولم يعلم أنها مفسدة، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم إنه بفتح الهمزة على أنه بدل من الرحمة، والباقون بالكسر على أنه ضمير الشان ﴿ثم تاب﴾ أي: رجع ﴿من بعده﴾ أي: من بعد ارتكابه ذلك السوء ﴿وأصلح﴾ عمله ﴿فإنه﴾ أي: الله ﴿غفور﴾ له ﴿رحيم﴾ به، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الهمزة على تقدير: أن المغفرة له والباقون بالكسر.
﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ذلك التفصيل الواضح وهو تفصيل أحوال الطوائف الأربع: الأولى: المطبوع على قلوبهم وهم من في آية ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ (الأنعام، ٣٩) والثانية:
[ ١ / ٤٢٣ ]
المرجوّ إسلامهم وهم من في آية ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ (الأنعام، ٥١) والثالثة: المطيعون وهم من في آية ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ (الأنعام، ٥٢) والرابعة: الداخلون في الإسلام لكنهم لا يحفظون حدوده وهم من في آية ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ (الأنعام، ٥٤) ﴿نفصل الآيات﴾ أي: نبين آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوّابين ﴿ولتستبين سبيل﴾ أي: طريق ﴿المجرمين﴾ قرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بالياء بعد اللام على التذكير أي: وليظهر ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة إذا صاروا في النار والباقون بالتاء على الخطاب للنبيّ ﷺ أي: وليظهر لك الحق يا محمد ويتبين لك سبيلهم فتعامل كلًا منهم بما يحق له، وقرأ نافع سبيل بنصب، اللام، والباقون بالرفع.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿إني نهيت أن أعبد الذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ وهي الأصنام التي يعبدونها أو ما تدعونها آلهة أي: تسمونها لأنّ الجمادات أخس من أن تدعى وقوله تعالى: ﴿قل لا أتبع أهواءكم﴾ تأكيد لقطع أطماعهم وبيان لمبدأ ضلالهم وأنّ ما هم عليه هوى وليس بهدى ﴿قد ضللت إذًا﴾ أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال ﴿وما أنا من المهتدين﴾ أي: وما أنا من المهديين في شيء أي: لأنكم كذلك.
﴿قل إني على بينة﴾ أي: بيان ﴿من ربي﴾ أي: معرفة وإنه لا معبود سواه ﴿و﴾ قد ﴿كذبتم به﴾ أي: بربي حيث أشركتم به غيره ﴿ما عندي ما تستعجلون به﴾ أي: العذاب الذي استعجلوه بقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء ﴿إن﴾ أي: ما ﴿الحكم﴾ في ذلك وغيره ﴿إلا الله﴾ فهو يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال العذاب متى شاء ﴿يقص الحق﴾ قرأ نافع وابن كثير وعاصم بضم القاف وصاد مهملة مشدّدة مع الرفع ومعناه: يقول الحق، لأن كل ما أخبر به فهو حق، والباقون بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مع الكسر أي: إنه تعالى يقضي القضاء الحق ﴿وهو خير الفاصلين﴾ أي: الحاكمين ﴿قل﴾ لهم ﴿لو أنّ عندي﴾ أي: في قدرتي ومكنتي ﴿ما تستعجلون به﴾ أي: من العذاب ﴿لقضي الأمر بيني وبينكم﴾ أي: لانفصل ما بيني وبينكم بأن أهلككم عاجلًا بما تستعجلون به من العذاب غضبًا لربي ولكنه عند الله تعالى ﴿وا أعلم بالظالمين﴾ أي: ما تستحقونه من العذاب والوقت الذي يستحقون فيه.
﴿وعنده﴾ ﷾ ﴿مفاتح الغيب﴾ أي: خزائنه جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتيح الذي هو جمع مفتح بالكسر وهو المفتاح ﴿لا يعلمها إلا هو﴾ وهي الخمسة التي في قوله: ﴿إنّ الله عنده علم الساعة﴾ (لقمان، ٣٤) الآية كما رواه البخاري فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها ﴿ويعلم ما﴾ يحدث ﴿في البر والبحر﴾ قدّم البر لأنّ الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك، وأخر البحر لأنّ إحاطة العقل بأحواله أقل، وقال مجاهد: البر: المفاوز والقفار، والبحر: القرى والأمصار التي على الأنهار وقوله تعالى: ﴿وما تسقط من ورقة﴾ أي: ورقة من يد ﴿إلا يعلمها﴾ مبالغة في إحاطة علمه تعالى بالجزئيات، وقوله تعالى: ﴿ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس﴾ عطف على ورقة
[ ١ / ٤٢٤ ]
واختلف في الحبة فقيل: هي من هذا الحب المعروف تكون في بطن الأرض قبل أن تنبت، وقيل: هي الحبة التي تنبت في الصخرة التي في أسفل الأرض، واختلف في معنى الرطب واليابس فقال ابن عباس: الرطب: الماء، واليابس: البادية، وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت وقيل: المراد بالرطب: الحيّ، وباليابس: الميت، وقيل: هو عبارة عن كل شيء لأنّ جميع الأشياء إمّا رطبة وإمّا يابسة.
فإن قيل: جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ فلمَ أفرد هذه الأشياء بالذكر؟ أجيب: بأنه تعالى ذكرها أوّلًا مجملة ثم فصل بعضًا من ذلك الإجمال ليدل بها على غيرها وقوله تعالى: ﴿إلا في كتابه مبين﴾ فيه قولان: أحدهما: إنه علم الله الذي لا يغير ولا يبدل، والثاني: إنه اللوح المحفوظ لأنّ الله تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد كان قبل أن يخلق السموات والأرض فهو على الأوّل بدل من الاستثناء الأوّل بدل الكل وعلى الثاني بدل الاشتمال.
﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ أي: يقبض أرواحكم عند النوم ﴿ويعلم ما جرحتم﴾ أي: كسبتم ﴿بالنهار ثم يبعثكم﴾ أي: يوقظكم بردّ أرواحكم ﴿فيه﴾ أي: النهار.
فإن قيل: لِمَ خص الليل بالنوم والنهار بالكسب مع أنّ ذلك يقع في غير هذا؟ أجيب: بأنّ ذلك جرى على الغالب ﴿ليقضي أجل مسمى﴾ أي: ليبلغ المستيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا ﴿ثم إليه مرجعكم﴾ بالموت والبعث ﴿ثم ينبئكم بما كنتم تعملون﴾ فيجازيكم به.
﴿وهو القاهر﴾ مستعليًا ﴿فوق عباده﴾ لأنّ من قهر شيئًا وغلبه فهو مستعل عليه أمّا قهره للمعدوم فبالتكوين والإيجاد وأمّا قهره للموجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى ويقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور والنهار بالليل والليل بالنهار إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصنوف الممكنات ﴿ويرسل عليكم﴾ من ملائكته ﴿حفظة﴾ أي: تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون، وعن أبي حاتم السختياني أنه كان يكتب عن الأصمعي كل شيء تلفظ به من فوائد العلم حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة تكتب لفظ اللفظة فقال أبو حاتم: وهذا أيضًا مما يكتب.
فإن قيل: الله تعالى غني عن كتابة الملائكة فما فائدتها؟ أجيب: بأنّ فيها لطفًا للعباد لأنهم إذا علموا أنّ الله رقيب عليهم والملائكة موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن السوء ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه ﴿وهم لا يفرّطون﴾ أي: لا يقصرون فيما يؤمرون، وقيل: ملك الموت وحده فذكر الواحد بلفظ الجمع وجاء في الأخبار أنّ الله تعالى جعل الدنيا بين يدي الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من ههنا ومن ههنا فإذا كثرت عليه الأرواح يدعوها فتستجيب له.
فإن قيل: قال الله تعالى في آية أخرى ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (الزمر، ٤٢) وفي أخرى ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ (السجدة، ١١) وقال هنا: ﴿توفته رسلنا﴾ فكيف الجمع؟ أجيب: بأن المتوفى في الحقيقة هو الله تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر الله تعالى ملك الموت أن يقبض روحه ولملك الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت بنفسه فحصل الجمع بين الآيات، وقال
[ ١ / ٤٢٥ ]
مجاهد: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرّتين، وقرأ حمزة بعد فاء توفته بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وسكن السين من رسلنا أبو عمرو ورفعها الباقون.
﴿ثم ردّوا﴾ أي: الخلق ﴿إلى الله﴾ أي: إلى حكمه وجزائه ﴿مولاهم﴾ أي: سيدهم ومدبر أمورهم كلها ﴿الحق﴾ أي: الثابت الولاية وكل ولاية غير ولايته تعالى عدم ﴿ألا له الحكم﴾ أي: القضاء النافذ فيهم فلا حكم عليه ﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب بعضهم عن بعض.
﴿قل﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿من ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر﴾ أي: من الخسف في البر والغرق في البحر أو من شدائدهما استعيرت الظلمة للشدّة لمشاركتهما في الهول وإبطال الأبصار فقيل: لليوم الشديد يوم مظلم ولغيره يوم ذو كواكب، وقيل: حمله على الحقيقة أولى وظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضًا الخوف الشديد من الوقوع في المهالك والمقصود أنّ عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: ﴿تدعونه تضرّعًا﴾ أي: علانية ﴿وخفية﴾ أي: سرًّا وقوله تعالى: ﴿لئن﴾ اللام لام القسم على إرادة القول أي: يقولون والله لئن ﴿أنجيتنا من هذه﴾ أي: الظلمات والشدائد ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ لك على هذه النعمة، والشكر: هو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها أي: فنكون من المؤمنين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: أنجانا، بحذف التاء وألف بعد الجيم بدل الياء ليوافق قوله تعالى: ﴿تدعونه﴾ وأمالها حمزة والكسائي والباقون بالتاء بعد الياء.
﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ أي: غمّ سوى ذلك ﴿ثم أنتم تشركون﴾ أي: تعودون إلى شركة الأصنام معه التي لا تضر ولا تنفع ولا توفون بالعهد وإنما وضع تشركون موضع لا تعبدون تنبيهًا على أنّ من أشرك في عبادة الله تعالى فكأنه لم يعبده ﴿قل﴾ لهم ﴿هو القادر على أن يبعث﴾ في كل وقت يريده ﴿عليكم﴾ في كل حالة ﴿عذابًا من فوقكم﴾ بإرسال الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الفيل ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ بالغرق أو الخسف كما فعل بفرعون وقارون، وعن ابن عباس ومجاهد: عذابًا من فوقكم: السلاطين الظلمة، أو من تحت أرجلكم: العبيد السوء، وقال الضحاك: من فوقكم أي: من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم أي: من أسفل منكم ﴿أو يلبسكم﴾ أي: يخلطكم ﴿شيعًا﴾ أي: فرقًا وينشب فيكم الأهوال المختلفة بقتل بعضكم بعضًا.
روي لما نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ قال ﷺ «أعوذ بوجهك» ﴿ومن تحت أرجلكم﴾ قال: «أعوذ بوجهك» ﴿أو يلبسكم شيعًا﴾ ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ أي: بالقتال، قال رسول الله ﷺ «هذا أهون أو أيسر» .
وفي رواية أنه ﷺ قال: «سألت ربي طويلًا أن لا يهلك أمّتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يهلك
[ ١ / ٤٢٦ ]
أمّتي بالسنين فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .
وفي رواية أنه ﷺ سأل الله تعالى ثلاثًا فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة «سأله أن لا يسلط على أمّته عدوًّا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض فمنعه ذلك» ﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف نصرف﴾ أي: نبين لهم ﴿الآيات﴾ الدالة على قدرتنا ﴿لعلهم يفقهون﴾ أي: يعلمون أنّ ما هم عليه باطل فيرجعوا عنه.
﴿وكذب به﴾ أي: القرآن أو العذاب ﴿قومك﴾ أي: الذين من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسرّوا بسيادتك فإنّ القبيلة إذا ساد أحدهم عزت به فإن عزه عزها وشرفه شرفها ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبها مهما أمكنها فإنّ عاره لاحق لها فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع لهم وزاد ذلك بقوله: ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿الحق﴾ أي: الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله ﴿قل﴾ لهم ﴿لست عليكم بوكيل﴾ أي: حفيظ وكل إلي أموركم فأجازيكم أو أمنعكم من التكذيب إنما أنا منذر والله الحفيظ ﴿لكل نبأ﴾ أي: خبر أخبركم به من هذه الأخبار ﴿مستقر﴾ أي: وقت يقع فيه ويستقرّ ومنه عذابكم ﴿وسوف تعلمون﴾ صحة ذلك عند وقوعه، إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة وفي ذلك تهديد لهم.
﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا﴾ أي: القرآن بالاستهزاء والتكذيب ﴿فأعرض عنهم﴾ أي: فاتركهم ولا تجالسهم ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ أي: حتى يكون خوضهم في غير الآيات والاستهزاء بها، وذكر الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن والخطاب للنبيّ ﷺ والمراد غيره ليكون أردع أو لغيره أي: وإذا رأيت أيها الإنسان ﴿وإمّا﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة ﴿ينسينك الشيطان﴾ أي: فقعدت معهم ثم تذكرت ﴿فلا تقعد بعد الذكرى﴾ أي: التذكير لهذا النهي ﴿مع القوم الظالمين﴾ أظهر موضع الإضمار تفهمًا ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض.
وروي أنّ المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس بالمسجد ونطوف فنزل:
d
﴿وما على الذين يتقون﴾ الله ﴿من حسابهم﴾ أي: الخائضين ﴿من شيء﴾ أي: شيء مما يحاسبون عليه إذا جالسوهم فمن مزيد للتأكيد ﴿ولكن﴾ عليهم ﴿ذكرى﴾ أي: تذكرة لهم ووعظ ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وقال سعيد بن جبير ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله﴾ (النساء، ١٤) الآية، وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ ولأنه إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكرة والموعظة ﴿لعلهم يتقون﴾ الخوض في الآيات.
﴿وذر الذين اتخذوا دينهم﴾ أي: الذي كلفوه ﴿لعبًا ولهوًا﴾ باستهزائهم به ﴿وغرّتهم الحياة الدنيا﴾ أي: خدعتهم وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين الحق أي: فاتركهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم وهو قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف ﴿وذكر﴾ أي: وعظ ﴿به﴾ أي: القرآن الناس ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تبسل نفس﴾ أي: تسلم إلى الهلاك ﴿بما كسبت﴾ أي: بسبب ما عملت وأصل الإبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأنّ فريسته
[ ١ / ٤٢٧ ]
لا تفلت منه والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي: حرام ﴿ليس لها من دون الله﴾ أي: غيره ﴿وليّ﴾ أي: ناصر ﴿ولا شفيع﴾ يمنع عنها العذاب ﴿وإن تعدل﴾ أي: تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك ﴿كل عدل﴾ أي: وإن تفدِ كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي ﴿لا يؤخذ منها﴾ ما تفدى به ﴿أولئك﴾ أي: الذين عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير ﴿الذين أبسلوا﴾ أي: سلموا إلى العذاب ﴿بما كسبوا﴾ أي: بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة ﴿لهم شراب من حميم﴾ أي: ماء هو في غاية الحرارة ﴿و﴾ لهم ﴿عذاب أليم﴾ أي: مؤلم ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يكفرون﴾ أي: هم بين ماء يغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشعل في أبدانهم بسبب كفرهم.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائهم ﴿أندعو﴾ أي: نعبد ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿ما لا ينفعنا﴾ أي: بعبادته ﴿ولا يضرّنا﴾ أي: بتركها وهم الأصنام ﴿ونردّ على أعقابنا﴾ أي: نرجع إلى الشرك ﴿بعد إذ هدانا الله﴾ تعالى إلى التوحيد ودين الإسلام ﴿كالذي استهوته﴾ أي: أضلته ﴿الشياطين في الأرض﴾ حالة كونه ﴿حيران﴾ تائهًا ضالًا لا يهتدي لوجه ولا يدري كيف يسلك. وقرأ حمزة بعد الواو في استهوته بألف ممالة على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، ورقق ورش راء حيران بخلاف عنه ﴿له﴾ أي: المستهوي ﴿أصحاب﴾ أي: رفقة ﴿يدعونه إلى الهدى﴾ أي: إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر يقولون له: ﴿إئتنا﴾ فلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجملة التشبيه للحال من ضمير نردّ وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ومن يدعو إلى عبادة الله ﷿ الذي يضر وينفع يقول مثلهما كمثل رجل في رفقته ضل به الغيلان والشياطين عن الطريق المستقيم فجعل أصحابه من أهل رفقته يدعونه إليهم يقولون هلم إلى الطريق المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم فبقي حيران لا يدري أين يذهب فإن أجاب الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه اهتدى وسلم ﴿قل﴾ لهم ﴿إنّ هدى الله﴾ الذي هو الإسلام ﴿هو الهدى﴾ وحده وما عداه ضلال ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ أي: بأن نخلص العبادة له لأنه المستحق العبادة لا غيره وقوله تعالى:
﴿وأن أقيموا الصلاة واتقوه﴾ عطف على لنسلم أي: للإسلام ولإقامة الصلاة لأنّ فيهما ما يقرب إلى الله.
وروي أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان فنزلت، فإن قيل: إذا كان هذا واردًا في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكيف قيل للرسول ﷺ قل أندعو؟ أجيب: بأن ذلك إظهار للاتحاد الذي كان بينه ﷺ وبين المؤمنين خصوصًا الصدّيق رضي الله تعالى عنه ﴿وهو الذي إليه﴾ لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت ﴿تحشرون﴾ يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم.
﴿وهو الذي خلق السموات والأرض﴾ على عظمهما ﴿بالحق﴾ أي: بسبب إقامة الحق، وقيل: خلقهما بكلامه الحق الذي هو قوله تعالى: ﴿كن﴾ وهو دليل على أنّ كلام الله تعالى ليس بمخلوق لأنه لا يخلق مخلوق بمخلوق ﴿و﴾ اذكر ﴿يوم يقول﴾ الله للخلق ﴿كن فيكون﴾ أي: فهو يكون وهو يوم القيامة يقول بمخلق قوموا أحياء ﴿قوله﴾ تعالى: ﴿الحق﴾ أي: الصدق الواقع لا محالة ﴿وله الملك يوم ينفخ في الصور﴾ أي:
[ ١ / ٤٢٨ ]
النفخة الثانية من إسرافيل ﵊ وإنما أخبر ﷾ عن ملكه يومئذٍ وإن كان الملك له ﷾ في كل وقت في الدنيا والآخرة لأنه لا منازع له يومئذٍ فإنّ من كان يدعي الملك من الجبابرة والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم فاعترفوا أنّ الملك لله الواحد القهار وأنه لا منازع له تعالى فيه وعلموا أنّ الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا غرور وباطل.
تنبيه: اختلف العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم: هو قرن ينفخ فيه وهو لغة أهل اليمن، وقال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق ويدل على صحة هذا القول ما روي أنّ أعرابيًا جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: ما الصور؟ قال: «قرن ينفخ فيه» .
وروي أنه ﷺ قال: «كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ» فكان ذلك ثقل على الصحابة فقالوا: كيف نعمل يا رسول الله أو كيف نقول؟ قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة والنفخ فيها إحياؤها والأوّل أصح لما مرّ في الحديث ولإجماع أهل السنة أنّ المراد بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث للحساب ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي: ما غاب وما شوهد فلا يغيب عن علمه تعالى شيء ﴿وهو الحكيم﴾ أي: في جميع أفعاله وتدبير خلقه ﴿الخبير﴾ بباطن الأشياء كظاهرها بكل ما يعملونه من خير أو شر.
﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾ اختلف العلماء في لفظة آزر فقال مجاهد: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة، وقال البخاريّ في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة تارخ فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: آزر وتارخ مثل يعقوب وإسرائيل إسمان لرجل واحد فيحتمل أن يكون اسمه آزر وتارخ لقب له وبالعكس، فالله سماه آزر وإن كان عند النسابين والمؤرّخين اسمه تارح ليعرف بذلك وكان آزر أبو إبراهيم من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه بهذا الاسم لأنّ من عبد شيئًا أو أحبه جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسمًا له فهو كقوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (الإسراء، ٧١) وقيل: معناه وإذا قال إبراهيم لأبيه: يا عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والأوّل أصح لأن آزر اسم أبي إبراهيم لأنّ الله تعالى سماه به وأخرج البخاري في أفراده أنّ النبيّ ﷺ قال: «يلقى إبراهيم ﵊ أباه آزر يوم القيامة على وجهه» أي: آزر فترة وغبرة الحديث سماه النبيّ ﷺ آزر أيضًا ولم يقل أباه تارح كما نقل عن النسابين والمؤرخين فثبت بهذا أنّ اسمه الأصلي آزر لا تارح وكان أهل تلك البلاد وهم الكنعانيون يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض فيجعلون لكل نجم صنمًا فإذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم عند ذلك النجم فقال إبراهيم منكرًا عليهم منبهًا لهم على ظهور فساد ما هو مرتكبه ﴿أتتخذ﴾ أي: أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل ﴿أصنامًا آلهة﴾ أي: تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر ﴿إني أراك وقومك﴾ أي: في إتفاقكم على هذا
[ ١ / ٤٢٩ ]
﴿في ضلال﴾ أي: بعد عن الصراط المستقيم ﴿مبين﴾ أي: ظاهر جدًا ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبيّ نباه الله
تعالى من آدم ﵇ فمن بعده، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون.
﴿وكذلك﴾ أي: ومثل هذا التبصير العظيم الشأن ﴿نري إبراهيم﴾ أي: نبصر وهي حكاية حال ماضية ﴿ملكوت السموات والأرض﴾ أي: عجائبهما وبدائعهما والملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة كالرهبوت والرغبوت والرحموت من الرغبة والرهبة والرحمة، وقال ابن عباس: خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض وذلك إنه أقيم على صخرة وكشف له عن السموات حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب وحتى رأى مكانه في الجنة فذلك قوله تعالى: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا﴾ (العنكبوت، ٢٧)
معناه: أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض حتى نظر أسفل الأرضين ورأى ما فيها من العجائب.
وروي عن سلمان ورفعه بعضهم عن علي قال: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلًا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال الرب ﵎: يا إبراهيم إنك رجل مجاب الدعوة فلا تدعو على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال: إمّا أن يتوب إليّ فأتوب عليه وإمّا أن أخرج منه نسمة تعبدني وإمّا أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته» وفي رواية: «فإن تولى فإنّ جهنم من ورائه» .
وقال قتادة: ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. وقيل: إنّ هذه الرؤية كانت بعين البصيرة لأنّ ذلك لا يدرك إلا بالعقل فأريناه ذلك ليستدل به على توحيدنا ﴿وليكون من الموقنين﴾: واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمّل بعد زوال الشبهة لأنّ الإنسان في أوّل الحال لا ينفك عن شبهة فإذا كثرت الدلائل وتوافقت صارت سببًا لحصول اليقين والطمأنينة في القلب وزالت الشبهة عند ذلك قال ابن عباس في وليكون من الموقنين ﴿: جلي له الأمر سرّه وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى إنك لا تستطيع هذا فردّه الله تعالى كما كان قبل ذلك.
فلما جنّ عليه الليل﴾ أي: دخل فيه ﴿رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل﴾ أي: غاب ﴿قال لا أحب الآفلين﴾ وذلك إنّ إبراهيم ﷺ ولد في زمن نمروذ بن كنعان وكان النمروذ أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء، وقال السدي: إنّ النمروذ رأى في منامه كأنّ كوكبًا طلع فذهب بضوأي الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعًا شديدًا ودعا السحرة والكهنة فسألهم فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشرة رجلًا فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض فإذا طهرت حيل بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت فواقعها فحملت بإبراهيم.
قال محمد بن
[ ١ / ٤٣٠ ]
إسحاق: بعث نمروذ إلى كل امرأة حبلى بقربه يحسبها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت صغيرة لم يعرف الحبل ببطنها، وقال السدي: خرج نمروذ بالرجال إلى العسكر ونحاهم عن النساء خوفًا من ذلك ثم بدت له حاجة إلى المدينة ولم يأمن عليها أحدًا من قومه إلا آزر فبعث إليه وأقسم عليه أن لا يدنو من أهله فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجته ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم لم يتمالك حتى واقعها فحملت إبراهيم، قال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم به قال الكهان لنمروذ: إن الغلام الذي أخبرناك عنه قد حملته أمّه الليلة فأمر نمروذ بذبح الغلمان.
قال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلًا إلى مغارة وكانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم ﵊ وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدّت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تختلف إليه فتنظر ما فعل فتجده يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبنًا ومن إصبع عسلًا ومن إصبع تمرًا ومن إصبع سمنًا، وقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أمّ إبراهيم عن حملها فقالت: ولدت غلامًا فمات فصدقها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا حتى قال لأمّه: أخرجيني، فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض وقال: إنّ الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ما لي إله غيره، ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا فقال: هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال: لا أحب الآفلين.
﴿فلما رأى القمر بازغًا﴾ أي: مبتدئًا في الطلوع ﴿قال هذا ربي﴾ فأتبعه بصره ﴿فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾، وقيل: إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، قال بعض أهل التفسير: فلما شبّ إبراهيم وهو في السرب قال لأمّه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت، فسكت ثم رجعت إلى زوجها فقالت: الغلام الذي كنا نحدّث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمّك، قال: فمن رب أمّي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: نمروذ قال: فمن رب نمروذ؟ فلطمه وقال: اسكت، فلما أخرج من السرب وجنّ عليه الليل رأى المشتري قد طلع - وقيل: الزهرة - وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر القمر فيها فرأى الكوكب فقال ذلك.
وهل ذلك جار على ظاهره أو مؤوّل جرى بعضهم على الأوّل، وقال: كان إبراهيم مسترشدًا طالبًا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى فلم يضره ذلك وأيضًا كان ذلك في طفوليته قبل قيام الحجة عليه فلم يكن كفرًا والأصح الثاني إذ لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء، ثم قال: في تأويله أوجه: أحدها - وهو الأصح: أن إبراهيم ذكر ذلك على وجه الاحتجاج عليهم بقوله: هذا ربي أي: في زعمكم فلما غاب قال: لو كان إلهًا لما غاب كما قال تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان، ٤٩)
أي: عند نفسك وبزعمك وكما أخبر عن موسى أنه قال: ﴿وانظر إلى إلهك﴾ (طه، ٩٧)
أي: في زعمك فلما أفل قال: لا أحبّ الآفلين فضلًا عن عبادتهم فإنّ الانتقال والاحتجاج يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية فلم
[ ١ / ٤٣١ ]
ينجح فيهم ذلك ﴿فلما رأى القمر بازغًا﴾ قال لهم: هذا ربي فلما أفل أي: غاب قال: ﴿لئن لم يهدني ربي﴾ أي: يثبتني على الهدى لا إنه لم يكن مهتديًا والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان وكان إبراهيم ﵇ يقول: وأجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام.
﴿فلما رأى الشمس بازغة﴾ أي: عند طلوع النهار ﴿قال﴾ لهم ﴿هذا ربي هذا أكبر﴾ أي: من الكواكب والقمر ولم يقل هذه مع أنّ الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع أو رده إلى المعنى وهو الضياء والنور لأنه رآه أضوأ من النجم والقمر أو ذكره لتذكير خبره ﴿فلما أفلت﴾ أي: غربت وقويت عليهم الحجة فلم يرجعوا ﴿قال يا قوم إني بريء مما تشركون﴾ أي: بالله من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث التي تجعلونها شركاء لخالقها، والوجه الثاني: من التأويل أنه قال ذلك على وجه الاستفهام تقديره: أهذا ربي؟ كقوله تعالى: ﴿أفائن مت فهم الخالدون﴾ (الأنبياء، ٣٤)
أي: أفهم الخالدون وذكره على وجه التوبيخ منكرًا لفعلهم، والوجه الثالث: إنه أراد أن يستدرجهم بهذا القول ويعرّفهم خطأهم وجهلهم ومثل هذا مثل من ورد على قوم يعبدون صنمًا فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدوّ فشاوروه في أمره فقال: الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى ينكشف عنا ما أصابنا فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله تعالى فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يجدون فأسلموا.
فإن قيل: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ أجيب: بأنّ الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب ولما ظهر خلاف قومه واستمرّوا في شركهم وقالوا له: من تعبد أنت؟ أظهر لهم ما هو عليه من الحق بقوله:
﴿إني وجهت وجهي﴾ أي: أخلصت قصدي وصرفت عبادتي ﴿للذي فطر السموات والأرض﴾ أي: خلقهما وابتدعهما وهو الله تعالى ﴿حنيفًا﴾ أي: مائلًا إلى الدين القويم عن كل دين يخالفه وأصل الحنيف الميل وهو عن طريق الضلال إلى طريق الاستقامة، وقيل: الحنيف هو الذي يستقبل الكعبة بصلاته ﴿وما أنا من المشركين﴾ تبرأ من الشرك الذي كان عليه قومه أي: وما أنا منكم ولا أعدّ في عدادكم بشيء أقاربكم به.
﴿وحاجه قومه﴾ أي: خاصموه في التوحيد وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن لم يرجع عن الكلام فيها ﴿قال﴾ لهم ﴿أتحاجوني﴾ أي: أتجادلونني ﴿في الله﴾ أي: في وحدانيته، وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون وهي نون الرفع عند النحاة ونون الوقاية عند الفراء، والباقون بالتشديد ﴿وقد﴾ أي: والحال إنه قد ﴿هداني﴾ إلى توحيده ومعرفته ﴿ولا أخاف ما تشركون به﴾ شيئًا وذلك إن إبراهيم لما رجع إلى أبيه وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين أي: ذباحي نمروذ وضمه آزر إلى نفسه وجعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها فيذهب بها إبراهيم وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ فلا يشتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب رؤوسها وقال: اشربي استهزاء بقومه وما هم عليه حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته فقالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بخبل أو جنون بعيبك إياها فقال: إنما يكون الخوف ممن يقدر على النفع والضر وهو قوله تعالى: ﴿إلا أن يشاء ربي شيئًا﴾ وهذا
[ ١ / ٤٣٢ ]
استثناء منقطع معناه لكن إن شاء ربي شيئًا من المكروه يصيبني فيكون لأنه قادر على النفع والضر وإنما قال إبراهيم ذلك لاحتمال إنّ الإنسان قد يصيبه في بعض حالاته وأيام عمره وما يكرهه فلو أصابه مكروه نسبوه إلى الأصنام فنفى هذه الشبهة بذلك ﴿وسع ربي كل شيء علمًا﴾ أي: أحاط علمه بكل شيء من معلومه ﴿أفلا تتذكرون﴾ أي: يقع منكم تذكر فتميزوا بين الحق والباطل والقادر والعاجز.
﴿وكيف أخاف ما أشركتم﴾ به أي: الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ﴿ولا تخافون﴾ أنتم ﴿أنكم أشركتم با﴾ وهو تعالى حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع مع الصانع وتسوية بين المقدور العاجز والقادر الضارّ النافع ﴿ما لم ينزل به﴾ أي: بعبادته ﴿عليكم سلطانًا﴾ أي: حجة وبرهانًا وهو القادر على كلّ شيء ﴿فأيّ الفريقين﴾ أي: حزب الله وحزب ما أشركتم ولم يقل فأينا تعميمها للمغنيّ ﴿أحق بالأمن﴾ أهم الموحدون أو المشركون ﴿إن كنتم تعلمون﴾ من الأحق أي: إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه والأحق بذلك هم الموحدون فاتبعوهم قال تعالى قاضيًا بينهما:
﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك.
روي أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا: «يا رسول الله فأينا لم يظلم نفسه فقال: «ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك با إنّ الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان، ١٣)
» ﴿أولئك﴾ أي: الموصوفون بما ذكر ﴿لهم الأمن﴾ أي: من العذاب المؤبد ﴿وهم مهتدون﴾ وقوله تعالى:
k
﴿وتلك﴾ مبتدأ ويبدل منه ﴿حجتنا﴾ وهي ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله تعالى: ﴿فلما جنّ عليه الليل﴾ إلى قوله: ﴿وهم مهتدون﴾ أو من قوله تعالى: ﴿أتحاجوني﴾ إليه والخبر ﴿آتيناها إبراهيم﴾ أي: أرشدناه لها حجة ﴿على قومه﴾ ثم إنه ﷾ لما تفضل على خليله ﷺ برفعه على قومه قال تعالى: ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ في العلم والحكمة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين التاء، والباقون بغير تنوين ﴿إنّ ربك حكيم﴾ في صنعه فيرفع من يشاء ويخفض من يشاء ﴿عليم﴾ بخلقه فهو الفعال لما يريد.
﴿ووهبنا له﴾ أي: إبراهيم ﴿إسحق﴾ أي: ابنًا له ﴿ويعقوب﴾ أي: ابنًا لإسحاق فهو ابن ابنه ﴿كلًا﴾ منهما ومن أبيهما ﴿هدينا﴾ إلى سبيل الرشاد ووفقناه إلى طريق الحق والصواب ﴿ونوحًا هدينا﴾ ﴿من قبل﴾ أي: قبل إبراهيم ﴿ومن ذريته﴾ أي: نوح لا إبراهيم لأنه تعالى ذكر في جملتهم يونس ولوطًا ولم يكونا من ذرّية إبراهيم، وقيل: الضمير لإبراهيم ويكون ذلك من باب التغليب فإنّ التغليب سائغ شائع في انتساب العرب ﴿داود﴾ وهو ابن إيشا هديناه وكان ممن آتاه الله الملك والنبوّة ﴿وسليمان﴾ هو ابن داود وهما اللذان بنيا بيت المقدس بأمر الله تعالى داود بخطه وتأسيسه وسليمان بإكماله وتشييده ﴿وأيوب﴾ هو ابن أموص بن رزاح بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﴿ويوسف﴾ هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
فإن قيل: لم قدم أيوب على يوسف مع أنّ يوسف أقرب منه؟ أجيب: بأنه قدمه للمناسبة بينه وبين سليمان لأنّ كلًا منهما ابتلي بأخذ كل ما في يده ثم ردّه الله تعالى إليه ﴿وموسى﴾ هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ﴿وهرون﴾ هو أخو موسى أكبر منه بسنة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ﴿وكذلك﴾ كما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره على أذى قومه
[ ١ / ٤٣٣ ]
بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادًا أنبياء ﴿نجزي المحسنين﴾ على إحسانهم.
﴿وزكريا﴾ هو ابن أدن بن بركيا، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بغير همز، والباقون بالهمز ﴿ويحيى﴾ هو ابن زكريا ﴿وعيسى﴾ هو ابن مريم بنت عمران ﴿وإلياس﴾ قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل قال البغويّ: والصحيح أنه غيره لأنّ الله تعالى ذكره في ولد نوح وإدريس جدّ أبي نوح وهو إلياس بن ياسين بن فنحاس بن العيزار بن هارون بن عمران ﴿كلّ﴾ منهم ﴿من الصالحين﴾ أي: الكاملين في الصلاح وهو الإتيان بما ينبغي والتحرّز عما لا ينبغي ﴿وإسمعيل﴾ هو ابن إبراهيم وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحاق وذكر أولاده من بعده على نسق واحد فلهذا السبب أخر ذكر إسماعيل إلى هنا ﴿واليسع﴾ هو أخطوب بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون الياء والباقون بسكون اللام وفتح الياء ﴿ويونس﴾ هو ابن متى ﴿ولوطًا﴾ هو ابن هاران أخي إبراهيم ﴿وكلًا﴾ منهم ﴿فضلنا على العالمين﴾ أي: بالنبوّة وفيه دليل على فضلهم على من عداهم من الخلق من أنس وملك ويستدلّ بهذه الآية من يقول إنّ الأنبياء أفضل من الملائكة وقوله تعالى:
﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم﴾ عطف على كلًا أو نوحًا ومن للتبعيض أي: وفضلنا بعض آبائهم وبعض ذرّياتهم وإخوانهم لأنّ آباء بعضهم كانوا مشركين وعيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرّية بعضهم من كان كافرًا كابن نوح وقوله تعالى: ﴿واجتبيناهم﴾ أي: اخترناهم، عطف على فضلنا أو هدينا ﴿وهديناهم﴾ أي: وأرشدناهم ﴿إلى صراط مستقيم﴾ هو الدين الحق.
﴿ذلك﴾ أي: الذي هدوا إليه ﴿هدى الله يهدي به من يشاء من عباده﴾ سواء كان له أب يعلمه أو كان له من يحمله على الضلال أم لا فهو ﷾ هو المتفضل بالهداية ﴿ولو أشركوا﴾ أي: ولو فرض إشراك هؤلاء الأنبياء بعد علوّ درجتهم وفضلهم ﴿لحبط عنهم﴾ أي: لفسد وسقط ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي: لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها.
﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب﴾ أي: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء وهم ثمانية عشر نبيًا أعطيناهم الكتاب فالمراد بالكتاب الجنس ﴿والحكم﴾ أي: العمل المتقن بالعلم ﴿والنبوّة﴾ أي: وشرّفناهم بالنبوّة والرسالة ﴿فإن يكفر بها﴾ أي: بهذه الثلاثة ﴿هؤلاء﴾ أي: أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم ﴿فقد وكلنا بها﴾ أي: وفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها ﴿قومًا ليسوا بها بكافرين﴾ كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه، واختلف في ذلك القوم فقال ابن عباس: هم الأنصار وأهل المدينة، وقال الحسن وقتادة: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدّم ذكرهم واختاره الزجاج، قال: والدليل عليه قوله تعالى:
﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾، وقال عطاء العطاردي: هم الملائكة ونظر فيه لأنّ اسم القوم لا يطلق إلا على بني آدم، وقيل: الفرس، وقيل: هم المهاجرون والأنصار، واستظهر وقال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء أكان ملكًا أم نبيًا أم صحابيًا أم تابعيًا، والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها فإنها ليست هدى مضافًا إلى الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعًا فليس فيه دليل على أنه ﷺ متعبد بشرع من قبله، واستدلّ بعض العلماء بهذه الآية على أنه ﷺ أفضل الأنبياء عليهم الصلاة
[ ١ / ٤٣٤ ]
والسلام قال: وبيانه أنّ جميع الخصال وصفات الشرف كانت متفرّقة فيهم فكان نوح صاحب احتمال على أذى قومه وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله ﷿ وكان إسحاق ويعقوب من أصحاب الصبر على البلاء والمحن وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة كما قال تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ (سبأ، ١٣)
وكان أيوب صاحب صبر على البلاء كما قال تعالى: ﴿إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنّه أواب﴾ (ص، ٤٤)
وكان يوسف قد جمع بين الحالتين أي: الصبر والشكر وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرّع وإحسان ثم إن الله تعالى أمر نبيه محمدًا ﷺ أن يقتدي بهم وجمع له جميع الخصال المحمودة والمتفرّقة فثبت بهذا البيان أنه ﷺ أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من الخصال التي كانت متفرّقة في جميعهم، اه.
وقرأ حمزة والكسائيّ بحذف الهاء في الوصل وحرّك الهاء بحركة مختلسة ابن عامر ومدّ على الهاء ابن ذكوان بخلاف عنه وسكن الهاء الباقون في الوصل وأما في الوقف فجميع القراء يثبتون الهاء ويسكنونها ﴿قل﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿لا أسألكم عليه﴾ أي: القرآن أو التبليغ ﴿أجرًا﴾ أي: لا أطلب على ذلك جعلًا ﴿إن هو﴾ أي: القرآن أو التبليغ ﴿إلا ذكرى﴾ أي: عظة ﴿للعالمين﴾ أي الإنس والجنّ.
﴿وما قدروا﴾ أي: اليهود ﴿الله حق قدره﴾ أي: ما عرفوه حق معرفته أو ما عظموه حق عظمته ﴿إذ قالوا﴾ للنبيّ ﷺ وقد خاصموه في القرآن ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ قال سعيد بن جبير جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم يخاصم النبيّ ﷺ بمكة فقال له النبيّ ﷺ «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنّ الله تعالى يبغض الحبر السمين وكان حبرًا سمينًا» - والحبر بالفتح والكسر وهو أفصح العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه، قاله الجوهريّ - فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك، فقال: إنه أغضبني، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. وقال السدّي: نزلت في فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله تعالى عليك كتابًا، قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا. قال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿من أنزل الكتاب﴾ أي: التوراة ﴿الذي جاء به موسى﴾ أي: الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه حال كون الكتاب ﴿نورًا﴾ أي: ذا نور أي: ضياء من ظلمة الضلالة ﴿وهدى﴾ أي: ذا هدى ﴿للناس﴾ أي: يفرق بين الحق والباطل من دينهم وذلك قبل أن يبدّل ويغير ﴿يجعلونه قراطيس﴾ أي: يكتبونه في دفاتر مقطعة ﴿يبدونها﴾ أي: يظهرون ما يحبون إظهاره منها ﴿ويخفون كثيرًا﴾ أي: مما كتبوه في القراطيس وهو ما عندهم من صفة محمد ﷺ ومما أخفوه أيضًا آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في التوراة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء في المواضع الثلاثة على الغيبة حملًا على قالوا وما قدروا، والباقون بالتاء على الخطاب وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم للتوراة وذمّهم على تجزئتها
[ ١ / ٤٣٥ ]
بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرّقة وإخفاء بعض لا يشتهونه. وقوله تعالى:
﴿وعلمتم﴾ أي: على لسان محمد ﷺ ﴿ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ خطاب لليهود أي: علمتم زيادة على ما في التوراة وبيانًا لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم، ونظيره أنّ هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون يذكرهم النعمة فيما عليهم على لسان محمد ﷺ وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش. وقوله تعالى: ﴿قل الله﴾ أنزله راجع إلى قوله تعالى: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ أي: فإن أجابوك بأنّ الله أنزله فذاك وإلا فقل أنت الله أنزله إذ لا جواب غيره ﴿ثم ذرهم﴾ أي: اتركهم ﴿في خوضهم﴾ أي: باطلهم ﴿يلعبون﴾ أي: يستهزؤن ويسخرون، وفيه وعيد تهديد للمشركين وقال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف
﴿
وهذا﴾ أي: القرآن ﴿كتاب أنزلناه مبارك﴾ أي: كثير الخير والبركة دائم النفع يبشر المؤمنين بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية، وأصل البركة النماء والزيادة وثبوت الخير ﴿مصدّق الذي بين يديه﴾ أي: قبله من الكتب الإلهية المنزلة من السماء على الأنبياء لأنها مشتملة على التوحيد والتنزيه لله تعالى وعلى البشارة والنذارة فثبت بذلك كون القرآن مصدقًا لجميع الكتب المنزلة، وقوله تعالى: ﴿ولينذر﴾ قرأه شعبة بالياء على الغيبة أي: لينذر الكتاب، والباقون بالتاء على الخطاب أي: ولتنذر يا محمد ﴿أمّ القرى﴾ أي: أهل مكة وسميت أمّ القرى لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأنًا ولبعض المجاورين:
*فمن يلق في بعض القريات رحله فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي*
وقيل: لأنّ الأرض دحيت من تحتها أو لأنها مكان أوّل بيت وضع للناس ﴿ومن حولها﴾ أي: جميع البلاد والقرى التي حولها شرقًا وغربًا ﴿والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به﴾ لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبيّ والكتاب والضمير يحتملهما ويحافظ على الطاعة، وتخصيص الصلاة في قوله تعالى ﴿وهم على صلاتهم يحافظون﴾ لأنها عماد الدين وعلم الإيمان ومن حافظ عليها كانت لطفًا له في المحافظة على أخواتها.
﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن افترى﴾ أي: اختلق ﴿على الله كذبًا﴾ فزعم أنّ الله بعثه نبيًا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي، أو اختلق عليه أحكامًا كعمرو بن لحيّ ومتابعيه ﴿أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء﴾ قال قتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وكان يسجع ويتكهن فادّعى النبوّة وزعم أنّ الله تعالى أوحى إليه وكان قد أرسل إلى رسول الله ﷺ رسولين فقال رسول الله ﷺ «أتشهدان أن مسيلمة نبيّ» قالا: نعم، فقال رسول الله ﷺ «لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم إذا أوتيت خزائن الأرض فوضع في يديّ سواران من ذهب فكبرا عليّ وأهماني فأوحى الله تعالى إلي أن أنفحهما فنفحتهما فطارا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب» وفي لفظ الترمذي قال رسول الله ﷺ «رأيت في المنام كان في يدي سوارين فأولتهما
[ ١ / ٤٣٦ ]
كذابين يخرجان بعدي يقال لأحدهما مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي صاحب صنعاء» وقوله ﷺ «فأوحى الله إلي أن أنفحهما» بالحاء المهملة ومعناه الرمي والدفع من نفحت الدابة برجلها ويروى بالخاء المعجمة من النفخ وهو قريب من الأوّل فأمّا مسيلمة الكذاب فإنه ادعى النبوّة في اليمامة وتبعه قوم من بني حنيفة وقتل في خلافة أبي بكر قتله وحشيّ قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما وكان يقول: قتلت خير الناس يعني: حمزة، وقتلت شرّ الناس يعني: مسيلمة الكذاب، قتل الأوّل وهو كافر وقتل الثاني وهو مسلم، وأمّا الأسود العنسي بالنون ويقال له: ذو الحمار، ادعى النبوّة باليمن في آخر عهد رسول الله ﷺ وقتل في حياته ﷺ قبل موته بيومين وأخبر ﷺ أصحابه بقتله، قتله فيروز الديلميّ فقال ﷺ
«فاز فيروز بقتل الأسود العنسي» ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ قال السدّي: نزلت في عبد الله بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبيّ ﷺ فكان إذا أملى عليه ﷺ سميعًا بصيرًا كتب عليمًا حكيمًا وإذا أملى عليه عليمًا حكيمًا كتب غفورًا رحيمًا فلما نزلت ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ (المؤمنين، ١٢)
أملاها رسول الله ﷺ فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبيّ ﷺ «اكتبها هكذا نزلت» فشك عبد الله بن سرح وقال لئن كان محمد صادقًا فقد أوحي إليّ مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول الله ﷺ بمرّ الظهران وقال ابن عباس: ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله يريد المستهزئين وهو جواب لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، قال العلماء: وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذبًا في ذلك الزمان وبعده لأنّ خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم
﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ الظالمون﴾ حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه، أي: ولو ترى الظالمين المذكورين ﴿في غمرات﴾ أي: شدائد ﴿الموت﴾ من غمره الماء إذا غشيه فاستعير للشدة الغالبة ﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾ أي: لقبض أرواحهم كالمتقاضي الملازم لغريمه لا يفارقه، أو بالعذاب أو الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم يقولون لهم تعنيفًا: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ إلينا لنقبضها.
فإن قيل: إنه لا قدرة لأحد على إخراج روحه من بدنه فما فائدة هذا؟ أجيب: بأنهم يقولون لهم: أخرجوها كرهًا لأن المؤمن يحب لقاء الله بخلاف الكافر، وقيل: يقولون لهم: خلصوا أنفسكم من هذا العذاب إن قدرتم على ذلك فيكون هذا القول توبيخًا لهم لأنهم لا يقدرون على خلاص أنفسهم من العذاب في ذلك الوقت ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾ أي: الهوان ﴿بما كنتم تقولون على الله غير الحق﴾ أي: كادعاء الولد والشريك له تعالى ودعوى النبوّة والإيحاء كذبًا ﴿وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ أي: تتكبرون عن الإيمان بها وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمراَ فظيعًا.
﴿و﴾ يقال لهم إذا بعثوا للحساب والجزاء ﴿لقد جئتمونا فرادى﴾ أي: منفردين عن الأهل والمال والولد وسائر ما آثرتموه من الدنيا أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى وفي هذا تقريع
[ ١ / ٤٣٧ ]
وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم ذلك شيئًا يوم القيامة فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا ﴿كما خلقناكم أوّل مرّة﴾ أي: حفاة عراة، غرلًا، روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت يا رسول الله واسوأتاه إنّ الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض فقال رسول الله ﷺ «لكلّ امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال» وروي عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلًا» أي: غير مختونين، وفي رواية زيادة على ذلك بهما، قال الجوهري وغيره: أي: ليس معهم شيء، قالت عائشة ﵂: فقلت: الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض فقال رسول الله ﷺ «الأمر أشدّ أن يهمهم ذلك» ﴿وتركتم ما خوّلناكم﴾ أي: ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة ﴿وراء ظهوركم﴾ أي: في الدنيا فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكثرون ﴿و﴾ يقال لهم توبيخًا ﴿ما نرى معكم شفعاءكم﴾ أي: الأصنام ﴿الذين زعمتم أنهم فيكم﴾ أي: في استحقاق عبادتكم ﴿شركاء﴾ أي: لله وقوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ قرأه نافع وحفص والكسائيّ بنصب النون أي: لقد تقطع ما بينكم من الوصل، والباقون بالرفع أي: لقد تقطع وصلكم والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل ﴿وضلّ﴾ أي: ذهب ﴿عنكم ما كنتم تزعمون﴾ أي: من أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء.
﴿إن الله فالق﴾ أي: شاق ﴿الحبّ﴾ أي: عن النبات ﴿والنوى﴾ أي: عن النخل وقيل: المراد الشق الذي في الحنطة والنواة، والحبّ جمع الحبة وهو اسم لجميع البزور والحبوب من البرّ والشعير والذرة وكل مالم يكن له نوى والنوى جمع نواة وهي كل ما لم يكن حبًا كالتمر والمشمس وغيرهما، وقال الضحاك: فالق الحبّ والنوى يعني خالق الحبّ والنوى ﴿يخرج الحيّ من الميت﴾ أي: كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة ﴿ومخرج الميت من الحيّ﴾ كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطائر.
تنبيه: مخرج معطوف على فالق كما قاله الزمخشريّ ويصح عطفه على يخرج لأن عطف الاسم المشابه للفعل على الفعل صحيح كعكسه وهو عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل كقوله تعالى: ﴿إن المصدّقين والمصّدقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾ (الحديد، ١٨)
فأقرضوا معطوف على المصدّقين لشبهه بالفعل لكونه اسم فاعل ومخرج شبيه بالفعل لكونه اسم فاعل، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائيّ بتشديد الياء، والباقون بالتخفيف ﴿ذلكم﴾ المحيي والمميت، هو ﴿ا﴾ الذي تحق له العبادة ﴿فأنى﴾ أي: فكيف ﴿تؤفكون﴾ أي: تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله الذي هو خالق الأشياء، كلها، وقوله تعالى:
﴿فالق الإصباح﴾ مصدر بمعنى الصبح أي: شاق عمود الصبح وهو أوّل ما يبدو من النهار عن ظلمة الليل أو شاق ظلمة الأصباح وهو الغبش الذي عليه في آخر الليل ﴿وجاعل الليل سكنًا﴾ أي: يسكن فيه الخلق راحه لهم، قال ابن عباس: إذ كل ذي روح يسكن فيه لأنّ الإنسان قد أتعب نفسه فاحتاج إلى زمان يستريح فيه ليسكن فيه عن الحركة وذلك هو الليل، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بنصب العين واللام ولا ألف قبل العين على الماضي حملًا على معنى المعطوف عليه
[ ١ / ٤٣٨ ]
فإن فالق بمعنى فلق، والباقون بكسر العين ورفع اللام وألف قبل العين وقوله تعالى: ﴿والشمس والقمر﴾ منصوبان بإضمار فعل دلّ عليه جاعل الليل أي: وجعل الشمس والقمر ﴿حسبانًا﴾ أي: حسابًا للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر أي: يجريان بحسبان كما في آية الرحمن وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما تقدّم ذكره في هذه الآية من الأشياء التي خلقها بقدرته وكمال علمه وهو المراد بقوله: ﴿تقدير العزيز العليم﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه ﴿وهو الذي جعل﴾ أي: خلق ﴿لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحرّ﴾ أي: في ظلمات الليل في البرّ والبحر وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعدما أجملها بقوله: لكم، ومن منافعها أنها زينة للسماء كما قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ ومنها رمي الشياطين كما قال تعالى: ﴿وجعلناها رجومًا للشياطين﴾ (الملك، ٥)
﴿قد فصلنا﴾ أي: بينا ﴿الآيات﴾ أي: الدالات على قدرتنا وتوحيدنا ﴿لقوم يعلمون﴾ أي: يتدبرون فإنهم المنتفعون به
﴿وهو الذي أنشأكم﴾ أي: خلقكم ﴿من نفس واحدة﴾ أي: من آدم ﵊ فهو أبو البشر كلهم وحوّاء مخلوقة منه وعيسى أيضًا لأنّ ابتداء خلقه من مريم وهي من بنات آدم فثبت أنّ جميع البشر من آدم ﵇ ﴿فمستقرّ ومستودع﴾ أي: فمستقرّ في الرحم ومستودع في القبر إلى أن يبعث أو فمستقر في أرحام الأمّهات ومستودع في أصلاب الآباء، قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس: هل تزوّجت؟ قلت: لا، قال: أما إنه ما كان مستودعًا في ظهرك فسيخرجه الله ﷿ أو مستقرّ في الرحم ومستودع فوق الأرض قال تعالى: ﴿ونقرّ في الأرحام ما نشاء﴾ أو فمستقرّ على وجه الأرض ومستودع عند الله في الآخرة أو فمستقرّ في القبر ومستودع في الدنيا وكان الحسن يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك يوشك أن تلحق بصاحبك أو فمستقرّ في القبر ومستودع في الجنة أو النار قال تعالى في صفة الجنة: حسنت مستقرًّا وفي صفة النار وساءت مستقرًّا، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف على اسم الفاعل والمستودع مفعول أي: فمنكم قار ومنكم مستودع لأنّ الاستقرار من الله تعالى دون الاستيداع لأنّ الاستقرار في الأصلاب أو فوق الأرض، لا صنع للعبد فيه بخلاف الاستيداع في الأرحام أو تحت الأرض، والباقون بالنصب ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون﴾ أي: يفهمون ما يقال لهم ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأنّ أمرها ظاهر وذكر مع تخليقه بني آدم يفقهون لأنّ إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء﴾ أي: مطرًا وهو من السحاب أو من جانب السماء، وقيل: إنّ الله تعالى ينزله من السماء إلى السحاب ثم من السحاب إلى الأرض ﴿فأخرجنا به﴾ أي: بالماء وفي ذلك التفات حيث لم يقل فأخرج على وفق أنزل ﴿نبات كلّ شيء﴾ أيّ شيء ينبت وينمو من جميع أصناف النبات فالسبب واحد وهو الماء والمسيبات صنوف متفرّقة كما قال تعالى: ﴿يسقى بماء واحد
ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾ (الرعد، ٤)
﴿فأخرجنا منه﴾ أي: من النبات أو الماء ﴿خضرًا﴾ أي: شيئًا أخضر يقال: أخضر وخضر مثل أعور وعور والأخضر هو جميع البقول والزروع والبقول الرطبة ﴿نخرج منه﴾
[ ١ / ٤٣٩ ]
أي: الخضر ﴿حبًا متراكبًا﴾ أي: يركب بعضه بعضًا كسنابل الحنطة والشعير والأرز والذرة وقوله تعالى: ﴿ومن النخل﴾ خبر مقدّم ويبدل منه ﴿من طلعها﴾ وهو أوّل ما يخرج منها والمبتدأ ﴿قنوان﴾ أي: عراجين ﴿دانية﴾ أي: قريبة من التناول يتناولها النائم والقاعد أو قريب بعضها من بعض وإنما اقتصر على ذكرها عن مقابلها وهي البعيدة لدلالتها عليها كقوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ (النحل، ٨١)
أي: والبرد واكتفى بذكر أحدهما وحكمة تخضيص دانية بالذكر زيادة النعمة فيها وقوله تعالى: ﴿وجنات﴾ عطف على نبات كلّ شيء أي: وأخرجنا به بساتين ﴿من أعناب﴾ وقوله تعالى: ﴿والزيتون والرمّان﴾ عطف أيضًا على نبات أي: وأخرجنا به شجر الزيتون والرمّان ﴿مشتبهًا وغير متشابه﴾ قال قتادة: معناه مشتبهًا ورقها مختلفًا ثمرها لأن ورق الزيتون يشتبه ورق الرمان، وقيل: مشتبهًا في النظر مختلفًا في الطعم والله سبحانه ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من الشجر بعد ذكر الزرع وقدّم الزرع على سائر الأشجار لأنّ الزرع غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدّم على الفواكه وقدم النخل على غيرها لأنّ ثمرها يجري مجرى الغذاء وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار قال بعضهم وليس لنا أنثى من الشجر تحتاج إلى ذكر غير النخل أي: في تطييب ثمرها وذكر العنب عقب النخل لأنه من أشرف أنواع الفواكه ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والنفع ثم ذكر بعده الرمان لما فيه من المنافع أيضًا ﴿انظروا﴾ أيها المخاطبون نظر اعتبار ﴿إلى ثمره﴾ قرأ حمزة والكسائيّ بضمّ الثاء والميم، والباقون بالنصب، وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب ﴿إذا أثمر﴾ أي: حين يبدو من أكمامه ضعيفًا قليل النفع أو عديمه ﴿و﴾ انظروا إلى ﴿ينعه﴾ أي: إلى إدراكه إذا أدرك وحان قطفه كيف يصير ذا نفع ولذة والمعنى انظروا نظر استدلال واعتبروا كيف أخرج الله هذه الثمرة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة وهو قوله تعالى: ﴿إنّ في ذلكم لآيات﴾ أي: دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره فإنّ حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ندّ يعارضه أو ضد يعانده وخص المؤمنين بالذكر بقوله: ﴿لقوم يؤمنون﴾ لأنهم المنتفعون بها بخلاف الكافرين ولذلك عقبه بتوبيخ من
أشرك به والردّ عليه فقال تعالى:
﴿وجعلوا شركاء الجنّ﴾ أي: الشياطين لأنهم أطاعوهم في عبادة الأوثان فجعلوها شركاء الله.
فإن قيل: لله مفعول ثان لجعلوا وشركاء مفعول أوّل ويبدل منه الجنّ فما فائدة التقديم؟ أجيب: بأنّ فائدته استعظام أن يتخذ لله شريك من جنّ أو إنس أو ملك فلذلك قدم اسم الله تعالى على الشركاء، وقيل: المراد بالجنّ الملائكة بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله وسماهم جنًا لاجتنانهم تحقيرًا لشأنهم، وقال الكلبيّ: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق فقالوا: الله خالق النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب فيقولون: هو شريك الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن الله وما كان من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا وقوله تعالى: ﴿وخلقهم﴾ حال بتقدير قد والضمير إمّا أن يعود إلى الجنّ فيكون المعنى والله خلق الجنّ فكيف
[ ١ / ٤٤٠ ]
يكون شريك الله ﷿ محدثًا مخلوقًا وإمّا أن يعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئًا وهذا كالدليل القاطع بأنّ المخلوق لا يكون شريكًا لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله تعالى خالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه ﴿وخرقوا﴾ قرأه نافع بتشديد الراء، والباقون بالتخفيف، أي: اختلقوا ﴿له بنين وبنات بغير علم﴾ وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير وقول قريش في الملائكة يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى وسئل الحسن عنه فقال: كلمة غريبة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله ﴿سبحانه﴾ تنزيهًا له ﴿وتعالى عما يصفون﴾ بأن له شريكًا أو ولدًا
﴿بديع السموات والأرض﴾ أي: مبتدعهما من غير سبق مثال ورفع بديع على الخبر والمبتدأ محذوف أي: هو بديع أو على الابتداء والخبر ﴿أنى يكون له ولد﴾ أي: من أين يكون له ولد ﴿ولم تكن له صاحبة﴾ يكون منها الولد لأنّ الولد لا يكون إلا من صاحبة أنثى ﴿وخلق كل شيء﴾ أي: من شأنه أن يخلق ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ لا تخفى عليه خافية، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: الأوّل: إنه مبدع السموات والأرض وهي أجسام عظيمة من جنس ما يوصف بالولادة لكونها مخلوقة لا يستقيم أن توصف بالولادة لاستمرارها وطول مدّتها ومخترع الأجسام لا يكون جسمًا حتى يكون والدا، الثاني: أن الولادة لا تكون إلا من ذكر وأنثى مجانسين وهو متعال عن مجانس فلم يصح أن تكون له صاحبة فلم تصح الولادة، والثالث: أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان غنيًا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج، وقوله تعالى:
﴿ذلكم﴾ إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ وقوله تعالى: ﴿الله ربكم لا إله إلا هو خالق كلّ شيء﴾ أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض في غير الله تعالى بدلًا أو صفة لأنّ الله تعالى أوّل وليس بصفة والبعض خبرًا وقوله تعالى: ﴿فاعبدوه﴾ مسبب عن مضمون ذلك فإنّ من استجمع هذه الصفات استحق العبادة ﴿وهو على كل شيء وكيل﴾ أي: وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال فيجازي عليها ﴿لا تدركه الأبصار﴾ جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها والإدراك إحاطة بكنه الشيء وحقيقته وتمسك بظاهر هذه الآية قوم من أهل البدع وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا: إنّ الله ﵎ لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة عقلًا لأنّ الله تعالى أخبر أنّ الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية إذ لا فرق بين قولك أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أنّ لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة واستدلوا لمذهبهم بأشياء من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة ٢٢، ٢٣)
ففي هذه الآية دليل على أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ (المطفقين، ١٥)
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: حجب قومًا بالمعصية وهي الكفر فثبت أنّ قومًا يرونه بالطاعة وهي الإيمان، وقال مالك
[ ١ / ٤٤١ ]
رضي الله تعالى عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله تعالى الكفار بالحجاب وقال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس، ٢٦)
وهذه الزيادة مفسرة بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة ومن السنة ما روي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ (طه، ١٣)
ومنها أنّ ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال لهم رسول الله ﷺ «هل تضامون في القمر ليلة البدر - أي: هل تشكّون؟» قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ «فإنكم ترونه كذلك» وعن أبي رزين العقيلي ﵁ قال: قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخليًا به يوم القيامة؟ قال: «نعم» قلت: وما آية ذلك من خلقه؟ قال: «يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟» قلت: بلى، قال: «فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله - أي: القمر - فالله أعظم وأجل» واحتج أهل السنة أيضًا على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بقول كليم الله موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ (الأعراف، ١٤٣)
إذ لا يسأل نبيّ ما لا يجوز أو يمتنع وقد علق الله تعالى الرؤية على استقرار الجبل بقوله تعالى: ﴿فإن استقرّ مكانه فسوف تراني﴾ (الأعراف، ١٤٣)
واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز وأمّا قول المتمسكين بظاهر الآية وإنّ الإدراك بمعنى الرؤية فممنوع لأنّ الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون المعاينة بلا إدراك قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا﴾ (الشعراء، ٦١)
وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم فنفى موسى ﵇ الإدراك مع ثبوت الرؤية فالله تعالى يصح أن يرى من غير إدراك ولا إحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به قال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ فنفي الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار وقال عطاء: كلت أبصار، المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة، وظاهر هذا التسوية بين الإدراك والرؤية ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة، ٢٢، ٢٣)
فقوله: ناظرة مقيد بيوم القيامة ويكون هذا جمعًا بين الآيتين ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ أي: يراها أو يحيط بها علمًا فلا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء ﴿وهو اللطيف الخبير﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اللطيف بأوليائه الخبير بهم،
وقال الزهري: اللطيف الرفيق بعباده، وقيل: اللطيف الموصل الشيء بالرفق واللين، وقيل: اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا.
﴿قد جاءكم بصائر﴾ جمع بصيرة أي: حجج ﴿من ربكم﴾ تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل ﴿فمن أبصر﴾ أي: عمل بالأدلة ﴿فلنفسه﴾ أي: خاصة إبصاره لأنه خلصها من الضلال إلى الهدى ﴿ومن عمي﴾ أي: لم يهد بالأدلة ﴿فعليها﴾ أي: خاصة عماه لأنه يضل فلا يضر إلا نفسه ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ أي: برقيب لأعمالكم وإنما أنا منذر والله تعالى هو الرقيب عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها.
﴿وكذلك﴾ أي: كما بينا ما ذكر ﴿نصرّف﴾ أي: نبيّن ﴿الآيات﴾ من حال
[ ١ / ٤٤٢ ]
إلى حال في المعاني المتنوّعة سالكين من وجوه البراهين بما يفوت القوى ويعجز القدر ليعتبروا ﴿وليقولوا﴾ اعتذارًا عند ظهور عجزهم ﴿دارست﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بألف بين الدال والراء أي: ذاكرت أهل الكتاب، والباقون بغير ألف أي: درست كتب الماضين وجئت بهذا منها، وقرأ ابن عامر بفتح السين وسكون التاء من الدروس أي: هذه الآيات التي تتلوها علينا قديمة قد درست وانمحت كقولهم: أساطير الأوّلين، وقيل: اللام فيه لام العاقبة أي: عاقبة أمرهم أن يقولوا: دارست أي: قرأت على غيرك، وقيل: قرأت كتب أهل الكتاب كقوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا﴾ (القصص، ٨)
﴿ولنبينه﴾ أي: الآيات وذكر الضمير لأنها في معنى القرآن كأنه قيل: وكذلك نصرّف القرآن أو القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلومًا أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل كقولهم: ضربته زيدًا ﴿لقوم يعلمون﴾ فإنهم المنتفعون به.
وقوله تعالى:
﴿اتبع﴾ خطاب للنبيّ ﷺ أي: اتبع يا محمد ﴿ما أوحي إليك﴾ أي: القرآن فالزم العمل به، ثم أكد مدحه بقوله: ﴿من ربك﴾ أي: المحسن إليك بهذا البيان، وقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ اعتراض أكد به إيجاب الاتباع لما في كلمة التوحيد من التمسك بحبل الله والاعتصام به والإعراض عما سواه، وقول البيضاوي: أو حال مؤكدة من ربك بمعنى منفردًا في الألوهية مبني على جواز تأكيد الجملة الفعلية بالإسمية وهو نادر ﴿وأعرض عن المشركين﴾ ولا تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى رأيهم، ومن جعله منسوخًا بآية السيف حمل الإعراض على ما يعمّ الكف عنهم.
﴿ولو شاء الله﴾ إيمانهم وعدم إشراكهم ﴿ما أشركوا﴾ وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى خلافًا للمعتزلة في قولهم: لم يرد الله من أحد الكفر والشرك والآية ردّ عليهم ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا﴾ أي: رقيبًا فتجازيهم بأعمالهم ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي: فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال.
﴿ولا تسبوا الذين يدعون﴾ أي: يعبدون ﴿من دون الله﴾ وهي الأصنام أي: ولا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح ﴿فيسبوا الله عدوًا﴾ أي: اعتداءً وظلمًا ﴿بغير علم﴾ أي: جهلًا منهم بالله وبما يجب أن يذكر به.
روي أنه ﷺ كان يطعن في آلهتهم فقالوا: لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك فنزلت وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخلنّ على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل وأبي بن خلف ومعهم جماعة إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإنّ محمدًا قد أذانا وآلهتنا فنحب أن تدعوه وتنهاه عن ذكر آلهتنا وندعه وإلهه، فطلبه وقال: هؤلاء قومك وبنو عمك يقولون: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك وقد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال النبيّ ﷺ «أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم» فقال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ قال: «قولوا لا إله إلا الله» فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فقال: «يا عمّ ما أنا بالذي أقول غيرها» فقالوا: لتكفن عن سبك آلهتنا أو لنشتمنك ومن يأمرك، فنزلت. وقيل: كان المسلمون يسبونها
[ ١ / ٤٤٣ ]
فنهوا لئلا يكون سبهم سببًا لسبّ الله تعالى وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر ﴿كذلك﴾ أي: كما زينا لهؤلاء ما هم عليه من عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان ﴿زينا لكل أمّة عملهم﴾ أي: من الخير والشرّ بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقًا وتخذيلًا، وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه فهو الفعال لما يريد لا يسئل عما يفعل ﴿ثم إلى ربهم مرجعهم﴾ في الآخرة ﴿فينبئهم بما كانوا يعملون﴾ في الدنيا فيجازيهم به.
﴿واقسموا﴾ أي: كفار مكة ﴿با جهد أيمانهم﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها ﴿لئن جائتهم آية﴾ أي: مما اقترحوه ﴿ليؤمنن بها﴾ .
روي أنّ قريشًا قالوا: يا محمد إنك تخبرنا أنّ موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فينفجر منه الماء اثنتي عشرة عينًا وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال لهم رسول الله ﷺ «أي شيء تحبون؟» قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبًا وتبعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك فقال رسول الله ﷺ «إن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟» قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين وسأل المسلمون رسول الله ﷺ أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله ﷺ يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبًا فجاء جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله لك ما شئت إن شئت أصبح ذهبًا ولكن إن لم يصدقوا ليعذبنهم الله وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله ﷺ «بل يتوب تائبهم» فنزلت، قال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿إنما الآيات عند الله﴾ ينزلها كيف يشاء وإنما أنا نذير ﴿وما يشعركم﴾ أي: وما يدريكم أيها المسلمون بإيمانهم إذا جاءت فإنهم كانوا يتمنون مجيء الآية طمعًا في إيمانهم أي: أنتم لا تدرون ذلك ﴿إنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ لما سبق في علمي.
وقرأ أبو عمرو بسكون الراء، وروي عن الدوري اختلاس الضم وكسر الهمزة من إنها ابن كثير وأبو عمرو على الابتداء وقالا: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿وما يشعركم﴾ والباقون بالفتح فهي بمعنى لعل وهو شائع في كلام العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئًا، بمعنى لعلك، ومنه قول عدي بن زيد:
*أعاذل ما يدريك أنّ منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد*
أي: لعل منيتي. وقرأ ابن عامر وحمزة: لا تؤمنون، بالتاء خطابًا للكفار، والباقون بالياء على الغيبة.
﴿ونقلب أفئدتهم﴾ أي: ونحوّل قلوبهم عن الحق فلا يفقهونه ﴿و﴾ نقلب ﴿أبصارهم﴾ عن الحق فلا يبصرونه فلا يؤمنون لأنّ الله تعالى إذا صرف القلوب والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر ﴿كما لم يؤمنوا به﴾ أي: بما أنزل من الآيات ﴿أوّل مرّة﴾ أي: التي جاء بها رسول الله ﷺ مثل انشقاق القمر وغيره من المعجزات الباهرات. وقيل: معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى: ﴿أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل﴾ (القصص، ٤٨) .
وروي عن ابن عباس ﵄ أنّ المرّة الأولى دار الدنيا أي: لوردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم كما قال تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا
[ ١ / ٤٤٤ ]
لما نهوا عنه﴾ (الأنعام، ٢٨)
﴿ونذرهم﴾ أي: نتركهم ﴿في طغيانهم﴾ أي: ضلالهم ﴿يعمهون﴾ أي: يتردّدون متحيرين لا نهديهم هداية المتقين.
﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى﴾ كما اقترحوا ﴿وحشرنا﴾ أي: جمعنا ﴿عليهم كل شيء قبلًا﴾ قرأ نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء أي: معاينة فشهدوا بصدقك، والباقون بضم القاف والباء جمع قبيل أي: فوجًا فوجًا ﴿ما كانوا ليؤمنوا﴾ لما سبق في علم الله، وقوله تعالى: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ استثناء منقطع أي: لكن إن شاء الله إيمانهم فيؤمنون أو استثناءً من أعمّ الأحوال أي: لا يؤمنون في حال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم ﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ أي: إنهم لو أتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم لأنّ بعضهم معاند مع أنّ مطلق الجهل يعمهم فيشمل المعاند أو لكنّ أكثر المسلمون يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعًا في إيمانهم.
﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجنّ ﴿جعلنا لكل نبيّ﴾ أي: ممن كان قبلك ﴿عدوًا﴾ ويبدل منه ﴿شياطين﴾ أي: مردة ﴿الإنس والجنّ﴾ وفي هذا دليل على أنّ عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله تعالى وخلقه ﴿يوحي﴾ أي: يوسوس ﴿بعضهم﴾ أي: الشياطين من النوعين ﴿إلى بعض زخرف القول﴾ أي: مموهه من الباطل ﴿غرورًا﴾ أي: لأجل أن يغروهم بذلك ﴿ولو شاء ربك﴾ إيمانهم ﴿ما فعلوه﴾ أي: هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها وفي هذا دليل أيضًا ﴿فذرهم﴾ أي: اترك الكفرة على أيّ حالة اتفقت ﴿وما يفترون﴾ من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال، وقوله تعالى:
﴿ولتصغى﴾ عطف على غرورًا إن جعل علة أي: ولتميل ميلًا قويًا ﴿إليه﴾ أي: الزخرف الباطل ﴿أفئدة﴾ أي: قلوب ﴿الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي: ليس في طبعهم الإيمان بها لأنها غيب واهم لبلادتهم واقفون مع وهمهم ولذلك استولت عليهم الدنيا التي هي من أصل الغرور أو متعلق بمحذوف أي: وليكون ذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًا، والمعتزلة لما اضطروا فيه قالوا: اللام لام العاقبة وهو قول الزمخشريّ في كشافه إنّ اللام للصيرورة ﴿وليرضوه﴾ أي: الزخرف الباطل لأنفسهم ﴿وليقترفوا﴾ أي: يكتسبوا ﴿ما هم مقترفون﴾ من الآثام فيعاقبوا عليها ونزل لما قال مشركوا قريش للنبيّ ﷺ اجعل بيننا وبينك حكمًا من أحبار اليهود وإن شئت من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك.
﴿أفغير الله﴾ أي: قل لهم يا محمد أفغير الله ﴿أبتغي﴾ أي: أطلب ﴿حكمًا﴾ أي: قاضيًا بيني وبينكم ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب﴾ أي: الأكمل المعجز وهو هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء ﴿مفصلًا﴾ أي: مبينًا فيه الحق من الباطل ﴿والذين آتيناهم الكتاب﴾ أي: المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور ﴿يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ لما عندهم به من البشارة في كتبهم ولما له من موافقتهم في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور مع ما يزيد به على ما في كتبهم من التفصيل بما يفهم المعارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية وإنما وصف جميعهم بالعلم لأنّ أكثرهم يعلمون ومن لم يعلم فهو متمكن بأدنى تأمل. وقيل: المراد مؤمنوا أهل الكتاب كعبد
[ ١ / ٤٤٥ ]
الله بن سلام وأصحابه. وقرأ ابن عامر وحفص بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿فلا تكونن﴾ يا محمد ﴿من الممترين﴾ أي: الشاكين في أنّ علماء أهل الكتاب يعلمون أنّ هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله، وقيل: فلا تكونن في شك مما قصصنا فيكون من باب التحريض فإنه ﷺ لم يشك قط، وقيل: الخطاب وإن كان في الظاهر للنبيّ ﷺ إلا أنّ المراد به غيره أي: فلا تكونن أيها الإنسان السامع لهذا القرآن في شك إنه منزل من عند الله لما فيه من الإعجاز الذي لا يقدر على مثله إلا الله ﵎:
﴿وتمت كلمات ربك﴾ أي: بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بغير ألف بين الميم والتاء، والباقون بالألف ﴿صدقًا﴾ في الأخبار والمواعيد لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها خدشًا بتخلف مّا عن مطابقة الواقع ﴿وعدلًا﴾ أي: في الأقضية والأحكام ونصبهما على التمييز ويحتمل الحال والمفعول له ﴿لا مبدل لكلماته﴾ بنقض أو خلف بل كل ما أخبرت به فهو كائن لا محالة رضي من رضي وسخط من سخط، وقيل: المراد بالكلمات القرآن لا مبدل له لا يزيد فيه المغيرون ولا ينقصون ﴿وهو السميع﴾ لكل ما يقال ﴿العليم﴾ بكل ما يفعل.
﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ أي: دينه وأكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، وقيل: الأرض مكة وذلك أنّ المشركين جادلوا النبيّ ﷺ والمؤمنين في أكل الميتة فقالوا للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فكيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فنزلت، وقيل: لا تطعهم في اعتقاداتهم الفاسدة فإنك إن تطعهم يضلوك عن سبيل الله أي: يضلوك عن طريق الحق ومنهج الصدق ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن﴾ أي: لأنهم ما ﴿يتبعون﴾ في مجادلتهم لك ﴿إلا الظنّ﴾ وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق ﴿وإن﴾ أي: ما ﴿هم إلا يخرصون﴾ أي: يكذبون على الله ﷿ فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه وتحليل الميتة وتحريم البحائر ونحو ذلك.F
﴿إنّ ربك هو﴾ أي: لا غيره ﴿أعلم﴾ أي: عالم ﴿من يضل عن سبيله وهو﴾ أي: لا غيره ﴿أعلم﴾ أي: عالم ﴿بالمهتدين﴾ فيجازي كلًا منهم بما يستحقه.
وقوله تعالى:
﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرّمون الحلال ويحللون الحرام والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله تعالى على ذبحه ولا تأكلوا مما ذكر عليه اسم غيره تعالى أو مات حتف أنفه ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ أي: إن كنتم محققين الإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه فإنّ الإيمان يقتضي استباحة ما أحله الله تعالى واجتناب ما حرمه.
﴿وما لكم﴾ أي: أيّ غرض لكم في ﴿أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ من الذبائح ﴿وقد فصل﴾ أي: بين ﴿لكم ما حرّم عليكم﴾ أي: مما لم يحرم في آية حرمت عليكم الميتة تفصيلًا واضح البيان ظاهر البرهان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الفاء وكسر الصاد والباقون بفتحهما، وقرأ نافع وحفص بفتح الحاء والراء والباقون بضم الحاء وكسر الراء ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ أي: مما حرم عليكم فإنه أيضًا حلال حال الضرورة ﴿وإنّ كثيرًا﴾ من الذين يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم: كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم ﴿ليضلون بأهوائهم﴾ أي: بما تهوى أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها، وقرأ
[ ١ / ٤٤٦ ]
عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون بفتحها ﴿بغير علم﴾ يعتمدونه في ذلك، وقيل: المراد بذلك عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أوّل من بحر البحائر وسيب السوائب وأباح الميتة وغير دين إبراهيم ﷺ ﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ أي: الذين تجاوزوا الحق إلى الباطل والحرام إلى الحلال.
﴿وذروا﴾ أي: اتركوا ﴿ظاهر الإثم وباطنه﴾ أي: ما أعلنتم به وما أسررتم به من الذنوب كلها، وقيل: المراد بظاهر الإثم أفعال الجوارح وبباطنه أفعال القلوب فيدخل فيه الحسد والكبر والعجب وإرادة الشرّ للمسلمين ونحو ذلك، وقيل: ظاهر الإثم الزناة في الحوانيت وباطنه المرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سرًا ﴿إنّ الذين يكسبون الإثم﴾ في الدنيا بارتكاب المعاصي ﴿سيجزون﴾ في الآخرة ﴿بما كانوا يقترفون﴾ أي: يكسبون وظاهر هذا النص يدل على عقاب المذنب ومذهب أهل السنة إنه إذا لم يتب فهو في خطر المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه بفضله أمّا إذا تاب من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ قال ابن عباس: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء: الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام، واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليها فذهب قوم إلى تحريمها سواء أتركت التسمية عمدًا أم نسيانًا وهو قول ابن سيرين والشعبيّ واحتجوا بظاهر الآية وذهب قوم إلى حلها مطلقًا، ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الشافعي وأحمد وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدًا لم تحل أو ناسيًا حلت وهو مذهب مالك، ومن قال بالإباحة مطلقًا قال المراد من الآية الميتات وما ذبح على غير اسم الله بدليل قوله تعالى: ﴿وإنه لفسق﴾ أي: ما ذكر عليه اسم غير الله كما قال تعالى في آخر السورة: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا﴾ إلى قوله: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ (الأنعام، ١٤٥)
والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل الذي دل عليه لا تأكلوا واحتجوا أيضًا في إباحتها بما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قالوا: يا رسول الله إنّ هنا أقوامًا حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فلا ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا» فلو كانت التسمية شرطًا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعًا من أكلها كالشك في أصل الذبح ﴿وإنّ الشياطين ليوحون﴾ أي: يوسوسون ﴿إلى أوليائهم﴾ من الكفار ﴿ليجادلوكم﴾ في تحليل الميتة بقولهم: تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله وهذا يؤيد التأويل بالميتة ﴿وإن أطعتموهم﴾ أي: باستحلال ما حرم ﴿إنكم لمشركون﴾ أي: مثلهم في الشرك، قال الزجاج: فيه دليل على أنّ كل من أحل شيئًا مما حرّم الله أو حرّم شيئًا مما أحلّ الله فهو مشرك.
﴿أو من كان ميتًا﴾ أي: بالكفر ﴿فأحييناه﴾ أي: بالإيمان وإنما جعل الكفر موتًا لأنه جعل الإيمان حياة لأنّ الحي صاحب بصر يهتدي به إلى رشده، ولما كان الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم والحياة الأبدية شبه بالحياة، وقرأ نافع بتشديد الياء والباقون بالتخفيف ﴿وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس﴾ أي: يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان، وقال قتادة: هو كتاب الله القرآن بينة من الله مع المؤمن بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي ﴿كمن مثله﴾ أي: كمن هو
[ ١ / ٤٤٧ ]
﴿في الظلمات﴾ فمثل زائدة ﴿ليس بخارج منها﴾ وهو الكافر أي: ليس مثله. نزلت هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأبي جهل بن هشام وذلك إنّ أبا جهل رمى رسول الله ﷺ بفرث فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يقول: يا أبا يعلى ما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسفه آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، وقيل: في عمر بن الخطاب أو عمار بن ياسر وأبي جهل. ﴿كذلك﴾ أي: كما زين للمؤمنين إيمانهم ﴿زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ أي: من الكفر والمعاصي، قال أهل السنة: المزين هو الله تعالى ويدل عليه قوله تعالى: زينا لهم أعمالهم وقالت المعتزلة: المزين هو الشيطان وردّ بالآية المذكورة.
﴿وكذلك﴾ أي: كما جعلنا فساق أهل مكة أكابرها ﴿جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها﴾ أي: عظماءها، وأكابر جمع أكبر كأفضل وأفاضل وأسود وأساود وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم كما قال في قصة نوح: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾ (الشعراء، ١١١)
وجعل فساقهم أكابرهم ﴿ليمكروا فيها﴾ بالصدّ عن الإيمان وذلك أنهم أجلسوا على طرق مكة أربع نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ يقولون لكل من يقدم: إياكم وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب فكان هذا مكرهم ﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم﴾ لأنّ وباله يحيق بهم ﴿وما يشعرون﴾ أي: وما لهم نوع شعور بذلك.
﴿وإذا جاءتهم﴾ أي: أهل مكة ﴿آية﴾ على صدق النبيّ ﷺ ﴿قالوا لن نؤمن﴾ به ﴿حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ أي: من النبوّة وذلك أنّ الوليد بن المغيرة قال للنبيّ ﷺ لو كانت النبوّة حقًا لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنًا وأكثر منك مالًا فنزلت، وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل حين قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبيّ يوحى إليه، والله لا نرضى إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه.
وقوله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ استئناف للردّ عليهم بأن النبوّة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها وحيث مفعول به لفعل محذوف دل عليه أعلم لأنّ أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به أي: يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلًا لها، وقرأ ابن كثير وحفص بنصب التاء ورفع الهاء ولا ألف قبل التاء على التوحيد، والباقون بكسر التاء والهاء وألف قبل التاء على الجمع ﴿سيصيب الذين أجرموا﴾ بقولهم ذلك ﴿صغار﴾ أي: ذل وهوان ﴿عند الله﴾ يوم القيامة، وقيل: تقديره من عند الله ﴿وعذاب﴾ أي: مع الصغار ﴿شديد﴾ أي: في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالنار ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يمكرون﴾ من صدّهم الناس عن الإيمان وطلبهم ما لا يستحقونه.
بأن يقذف في قلبه نورًا فينفسح له ويقبله.
ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر فقال: «نور يقذفه الله في قلب المؤمن ينشرح له قلبه وينفسخ» قيل: فهو لذلك أمارة، قال: «نعم الإنابة إلى
[ ١ / ٤٤٨ ]
دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقي الموت» ﴿ومن يرد﴾ أي: الله ﴿أن يضله يجعل صدره ضيقًا﴾ أي: عن قبول الإيمان حتى لا يدخله، وقرأ ابن كثير بسكون الياء، والباقون بتشديدها مع الكسر، وقوله تعالى: ﴿حرجًا﴾ قرأه نافع وأبو بكر بكسر الراء أي: شديد الضيق، والباقون بالفتح وصفًا للمصدر، وفي الآية دليل على أنّ جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ أي: يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء شبه مبالغته في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، وقرأ ابن كثير بسكون الصاد وتخفيف العين من غير ألف بعد الصاد، وقرأ شعبة بتشديد الصاد وتخفيف العين وألف بعد الصاد بمعنى يتصاعد ﴿كذلك﴾ أي: مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان ﴿يجعل الله الرجس﴾ أي: العذاب أو الشيطان أي: يسلطه ﴿على الذين لا يؤمنون﴾ وقال الزجاج: الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب.
﴿وهذا﴾ أي: الدين الذي أنت عليه يا محمد ﴿صراط﴾ أي: طريق ﴿ربك مستقيمًا﴾ لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكدة للجملة والعامل فيها معنى الإشارة ﴿قد فصلنا﴾ أي: بينا ﴿الآيات لقوم يذكرون﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي: يتعظون فيعلمون أن القادر على كل شيء هو الله ﷿ وأن كل ما يحدث من خير أو شرّ فهو بقضائه وقدره وخلقه وإنه تعالى عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون.
﴿لهم﴾ أي: المتذكرين ﴿دار السلام﴾ هي الجنة وأضافها لنفسه في قول جميع المفسرين فإنّ السلام كما قال الحسن هو الله تعالى تشريفًا لهم أو ﴿تحيتهم فيها سلام﴾ (يونس، ١٠)
أو أراد بها دار السلامة ﴿عند ربهم﴾ أي: ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره ﴿وهو وليهم﴾ أي: المتكفل بتولي أمورهم ولا يكلهم إلى أحد سواه ﴿ما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يعملون﴾ من الأعمال الصالحة التي كانوا يتقرّبون بها إليه في الدنيا.
﴿و﴾ اذكر يا محمد ﴿يوم نحشرهم﴾ أي: الخلق ﴿جميعًا﴾ أي: لا نترك منهم أحدًا، وقرأ حفص بالياء والباقون بالنون، وقوله تعالى: ﴿يا معشر الجنّ﴾ فيه حذف تقديره ويقال لهم: يا معشر الجنّ، والمعشر الجماعة والمراد من الجنّ الشياطين ﴿قد استكثرتم من الإنس﴾ أي: من إضلالهم وإغوائهم حتى صار أكثرهم أتباعكم ﴿وقال أولياؤهم﴾ أي: الذين أطاعوهم ﴿من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ أي: انتفع الإنس بتزيين الجنّ لهم الشهوات والجنّ بطاعة الإنس لهم ﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ أي: إنّ ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت محدود ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة قال الحسن: الأجل الموت، وقيل: هو وقت البعث للحساب في القيامة ﴿قال﴾ الله تعالى على لسان الملائكة لهؤلاء الذين استمتع بعضهم ببعض من الجنّ والإنس ﴿النار مثواكم﴾ أي: مأواكم ﴿خالدين فيها﴾ أي: إلى ما لا آخر له فإنّ الجزاء من جنس العمل ﴿إلا ما شاء الله﴾ أي: من الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير.
فقد روي أنهم يدخلون واديًا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم، وقيل: إلا ما شاء الله قبل الدخول قدر مدّة بعثهم ووقوفهم للحساب وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق في علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، قال البغوي: فما بمعنى من
[ ١ / ٤٤٩ ]
على هذا التأويل ﴿إنّ ربك حكيم﴾ في صنعه ﴿عليم﴾ بعواقب أمور خلقه وما هم صائرون إليه.
﴿وكذلك﴾ أي: كما متعنا عصاة الإنس والجنّ بعضهم ببعض ﴿نولى﴾ من الولاية ﴿بعض الظالمين بعضًا﴾ أي: على بعض.
روي عن ابن عباس في تفسيرها: هو أنّ الله تعالى إذا أراد بقوم خيرًا ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرًا ولى أمرهم شرارهم ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يكسبون﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿يا معشر الجنّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ أي: من مجموعكم وهم الإنس إذ الرسل منهم خاصة ولكن لما جمع الجنّ مع الإنس في الخطاب صح ذلك ونظيره قوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ (الرحمن، ٢٢)
فإنّ ذلك يخرج من الملح دون العذب أو إن رسل الجنّ نذرهم الذين يسمعون كلام الرسول فيبلغون قومهم كما قال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجنّ﴾ (الأحقاف، ٢٩)
الآية وتعلق بظاهر الآية قوم فقالوا: بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ أي: يخبرون بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي ﴿وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ أي: ويحذرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم القيامة ﴿قالوا شهدنا على أنفسنا﴾ أي: اعترفوا بأنّ الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا وإنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى: ﴿وغرّتهم الحياة الدنيا﴾ أي: إنما كان ذلك بسبب أنهم غرّتهم الحياة الدنيا ومالوا إليها ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ أي: في الدنيا.
فإن قيل: كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا في آية أخرى وهي قولهم: ﴿وا ربنا ما كنا مشركين﴾ (الأنعام، ٢٣)
أجيب: بتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول فيقرون في بعضها ويجحدون في بعض آخر.
فإن قيل: لم كرّر شهادتهم على أنفسهم؟ أجيب: بأن الأولى حكاية لقولهم: كيف يقولون وكيف يعترفون؟ والثانية ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة إمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرًا للسامعين عن مثل حالهم.
﴿ذلك﴾ أي: إرسال الرسل ﴿أنّ﴾ أي: لأجل أن ﴿لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾ أي: بسبب ظلم ارتكبوه ﴿وأهلها غافلون﴾ أي: لم يتنبهوا برسول يبين لهم.
﴿س٦ش١٣٢/ش١٣٧ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا؟؟ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ؟ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن؟ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍءَاخَرِينَ * إِنَّ مَا تُوعَدُونَ؟تٍ؟ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ * قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا؟ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ؟ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ؟ عَاقِبَةُ الدَّارِ؟ إِنَّهُ؟ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَجَعَلُوا؟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَا؟نْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا؟ هَاذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَاذَا لِشُرَكَآ؟ـ؟ِنَا؟ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآ؟ـ؟ِهِمْ فَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ؟ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآ؟ـ؟ِهِمْ؟ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَكَذَالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا؟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ؟ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ؟ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
﴿ولكل﴾ أي: من العاملين بطاعة أو معصية ﴿درجات﴾ أي: جزاء ﴿مما عملوا﴾ أي: من خير وشر إن كان خيرًا فخير وإن كان شرًا فشر وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانخفاض كتفاضل الدرج ﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾ أي: عن شيء يعمله أحد من الفريقين بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل من ثواب أو عقاب، وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة، والباقون بالياء على الغيبة.
﴿وربك الغني﴾ أي: الغنى المطلق عن كل عابد وعبادته فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها ﴿ذو الرحمة﴾ أي: التجاوز عن خلقه فمن رحمته إرسال الرسل وتأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون ويرجعون ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ يا أهل مكة بالإهلاك ففيه وعيد وتهديد لهم ﴿ويستخلف من بعدكم﴾ أي: بعد إهلاككم ﴿ما يشاء﴾ أي: خلقًا غيركم أمثل وأطوع منكم ﴿كما أنشأكم من ذرية﴾ أي: نسل ﴿قوم
[ ١ / ٤٥٠ ]
آخرين﴾ أذهبهم لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح ﵇ ولكنه أبقاكم رحمة بكم.
﴿إنما توعدون﴾ من مجيء الساعة والبعث بعد الموت والحشر للحساب يوم القيامة ﴿لآت﴾ لا محالة ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي: فائتين عذابنا.
﴿قل﴾ يا محمد لقومك من كفار قريش ﴿يا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ أي: حالتكم التي أنتم عليها ﴿إني عامل﴾ على حالتي التي أنا عليها والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد ﴿فسوف تعلمون﴾ غدًا في القيامة ﴿من﴾ موصولة مفعول العلم ﴿تكون له عاقبة الدار﴾ أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم أنتم ﴿إنه لا يفلح﴾ أي: يسعد ﴿الظالمون﴾ أي: الكافرون.
﴿وجعلوا﴾ أي: كفار مكة ﴿مما ذرأ﴾ أي: خلق ﴿من الحرث﴾ أي: الزرع ﴿والأنعام نصيبًا فقالوا هذا بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ وذلك أنّ المشركين كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبًا وللأوثان نصيبًا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها فإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردّوه إلى الأوثان وقالوا: إنها محتاجة وكان إذا هلك وانتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به وإذا هلك شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله فذلك قوله تعالى: ﴿فما كان لشركائهم﴾ أي: ما جعلوه لها من الحرث والأنعام ﴿فلا يصل إلى الله﴾ أي: لجهته فلا يعطونه للمساكين ولا ينفقونه على الضيفان ﴿وما كان فهو يصل إلى شركائهم﴾ وفي قوله تعالى: ﴿مما ذرأ﴾ تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا مع الخالق تعالى في خلقه جمادًا لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له. وفي قوله تعالى: ﴿بزعمهم﴾ تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله تعالى به، وقرأ الكسائي برفع الزاي والباقون بالنصب ﴿ساء﴾ أي: بئس ﴿ما يحكمون﴾ حكمهم هذا.
﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم ﴿زين لكثير من المشركين قتل أولادهم﴾ أي: بالوأد خشية الإملاق ﴿شركاؤهم﴾ من الجن أو من السدنة أي: الخدمة، وقرأ غير ابن عامر بفتح الزاي والياء ونصب لام قتل وكسر دال أولادهم وشركاؤهم بالواو مضمومة الهمزة على أنه فاعل، وقرأ ابن عامر بضم الزاي وكسر الياء ورفع لام قتل ونصب دال أولادهم وشركائهم بالياء مكسورة الهمزة بإضافة القتل إليه مفصولًا بينهما بمفعوله قال البيضاوي تبعًا للزمخشري: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورة الشعر. اه.
وقد أنكر جماعة على الزمخشري في ذلك بأن القراءة المذكورة صحيحة متواترة وتركيبها صحيح في العربية فلا يجوز الطعن فيها ولا في ناقلها. قال التفتازاني: وهذا على عادته يطعن في متواتر القراآت السبع ويسند الخطأ تارة إليهم كما هنا وتارة إلى الرواية عنهم وكلاهما خطأ لأنّ القراآت متواترة، وكذا الروايات عنهم، وأطال في بيان ذلك وقال ابن مالك في كافيته: إضافة المصدر إلى الفاعل مفصولًا بينهما بمفعول المصدر جائزة في الاختيار إذ لا محذور فيها مع أنّ الفاعل كجزء من عامله فلا يضر فصله وإضافة القتل إلى الشركاء لأمرهم ﴿ليردوهم﴾ أي: ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به، والإرداء في اللغة الإهلاك، وقال ابن عباس: ليردوهم،
[ ١ / ٤٥١ ]
في النار ﴿وليلبسوا﴾ أي: وليخلطوا ﴿عليهم دينهم﴾ قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكان على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم هذه الأصنام وزينوها لهم ﴿ولو شاء الله﴾ عصمة هؤلاء من ذلك القبيح الذي زين لهم ﴿ما فعلوه﴾ فجميع الأشياء بمشيئته وإرادته ﴿فذرهم﴾ أي: اتركهم يا محمد ﴿وما يفترون﴾ أي: وما يختلقون من الكذب على الله فإن الله لهم بالمرصاد، وفي ذلك تهديد لهم كما مرّ.
أي: المشركون سفهًا وجهلًا ﴿هذه﴾ إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم ﴿أنعام وحرث حجر﴾ أي: حرام محجور عليه لا يصل أحد إليه وهو وصف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات ﴿لا يطعمها﴾ أي: لا يأكل منها ﴿إلا من نشاء﴾ أي: من خدمة الأوثان والرجال دون النساء ﴿بزعمهم﴾ أي: لا حجة لهم فيه ﴿وأنعام حرمت ظهورها﴾ أي: فلا يركبونها كالبحائر والسوائب والحوامي ﴿وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها﴾ أي: عند ذبحها وإنما كانوا يذكرون عليها اسم الأصنام، وقيل: لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل خير لأنّ العادة لما جرت بذكر الله على الخير ذم هؤلاء على ترك فعل الخير ونسبوا ما فعلوه إلى الله تعالى ﴿افتراء عليه﴾ أي: اختلافًا وكذبًا إنه أمرهم بها ﴿سيجزيهم﴾ أي: بوعد صادق لا خلف فيه ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يفترون﴾ .u
﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام﴾ أي: أجنة البحائر والسوائب وقوله تعالى: ﴿خالصة﴾ حلال ﴿لذكرونا﴾ أي: خاصة بهم دون الإناث كما قال تعالى: ﴿ومحرم على أزواجنا﴾ أي: النساء، وحذف الهاء من محرم إما حملًا على اللفظ أو تخفيفًا لأنّ المراد بخالصة المبالغة ﴿وإن يكن﴾ أي: ما في بطونها ﴿ميتة فهم فيه شركاء﴾ أي: الذكور والإناث فيه سواء أي: أنّ ما ولد منها حيًا فهو للذكور دون الإناث وما ولد منها ميتًا أكله الذكور والإناث جميعًا، وقرأ ابن عامر وشعبة بالتأنيث في تكن والباقون بالتذكير، وقرأ ابن كثير وابن عامر ميتة بالرفع على أنّ تكن تامة والباقون بالنصب على أنها ناقصة ﴿سيجزيهم﴾ الله ﴿وصفهم﴾ أي: سيكافئهم على وصفهم بالكذب على الله تعالى بالتحليل والتحريم ﴿إنه﴾ أي: الله ﴿حكيم﴾ في صنعه ﴿عليم﴾ بخلقه.
﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا﴾ أي: جهلًا ﴿بغير علم﴾ نزلت في ربيعة ومضر وبعض من العرب من غيرهم كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك وسبب حصول هذه السفاهة هو قلة العلم بل عدمه بأنّ الله هو رازق أولادهم لا هم لأنّ الجهل كان غالبًا عليهم قبل بعثة رسول الله ﷺ ولهذا سموا جاهلية، وسبب هذا الخسران أنّ الولد نعمة عظيمة أنعم الله تعالى بها على الوالد فإذا تسبب في إزالة هذه النعمة وإبطالها فقد استوجب الذم وخسر في الدنيا والآخرة، أما خسارته في الدنيا فقد سعى في نقص عدده وإزالة ما أنعم الله تعالى به عليه وأما خسارته في الآخرة فقد استوجب بذلك العذاب العظيم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف ﴿وحرموا ما رزقهم الله﴾ وتفضل به عليهم رحمة لهم من تلك الأنعام والغلات بغير شرع ولا نفع بوجه ﴿افتراء﴾ أي: تعمدًا للكذب ﴿على الله﴾ وهذا أيضًا من أعظم الجهالة لأنّ الجراءة على الله والكذب عليه من أعظم الذنوب والكبائر ولهذا قال تعالى: ﴿قد ضلوا﴾ أي: في فعلهم عن
[ ١ / ٤٥٢ ]
الحق والرشاد ﴿وما كانوا مهتدين﴾ أي: إلى طريق الحق والصواب في فعلهم.
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا﴾ إلى قوله: ﴿وما كانوا مهتدين﴾ .
وروي عن مهدي بن ميمون أنه قال: سمعت بأرجاء العطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر وإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة فلا ندع رمحًا فيه حديدة ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه في رجب.
﴿وهو الذي أنشأ﴾ أي: خلق ﴿جنات﴾ أي: بساتين ﴿معروشات﴾ أي: مبسوطات على الأرض كالبطيخ والقثاء ﴿وغير معروشات﴾ بأن ارتفعت على ساق كالنخل وشجر الرمان، وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأنّ منه ما يعرش بأن يبقى على وجه الأرض منبسطًا ومنه ما لم يعرش بأن يرتفع على ساق، وقيل: المعروشات ما عرشه الناس في البساتين، واهتموا به فعرشوه من كرم وغيره، وغير المعروشات هو ما أنبته الله تعالى في البراري والجبال من كرم أو شجر ﴿و﴾ أنشأ ﴿النخل والزرع مختلفًا أكله﴾ أي: ثمره وحبه في الهيئة والطعم منها الحلو والحامض والجيد والرديء، والضمير للزرع والباقي مقيس عليه، أو للنخل والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفًا عليه، أو للجميع على تقدير كل ذلك أو كل واحد منها، ومختلفًا حال مقدرة لأنه لم يكن كذلك عند الإنشاء، وقرأ نافع وابن كثير بجزم الكاف، والباقون بالرفع ﴿والزيتون والرمان متشابهًا﴾ أي: ورقهما ﴿وغير متشابه﴾ أي: في طعمهما، وقيل: متشابهين في المنظر مختلفين في الطعم.
ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية على أنواع الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو الانتفاع بها فقال تعالى: ﴿كلوا من ثمره﴾ أي: كل واحد من ذلك ﴿إذا أثمر﴾ أي: ولو قبل نضجه وهذا أمر إباحة وأما قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فالأمر فيه للوجوب والآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة والأمر بإتيانها يوم الحصاد ليهتم به حينئذٍ حتى لا يؤخره عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالتنقيه، وقيل: الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة فالحق ما كان يتصدق به على المساكين يوم الحصاد وكان ذلك واجبًا حتى نسخه افتراض العشر ونصف العشر، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم من ثمره والباقون بنصبهما، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح حاء حصاده والباقون بكسرها ومعناهما واحد ﴿ولا تسرفوا﴾ أي: بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء.
روي أنّ ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئًا فنزلت ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ أي: المتجاوزين ما حدّ لهم، وفي ذلك وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء، قال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن حق الله تعالى وقالوا: لو كان أبو قبيس ذهبًا لرجل أنفقه في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفًا، ولو أنفق درهمًا واحدًا أو مدًا في معصية كان مسرفًا وقوله تعالى:
﴿ومن الأنعام﴾ عطف على جنات أي: وأنشأ من الأنعام ﴿حمولة﴾ أي: صالحة للحمل عليها كالإبل الكبار والبغال ﴿وفرشًا﴾ أي: تصلح للحمل كالإبل الصغار والعجاجيل والغنم سميت فرشًا لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها، وقيل: هو ما ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ أي:
[ ١ / ٤٥٣ ]
مما أحله لكم من هذه الأنعام والحرث ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي: طرائقه في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون ﴿إنه﴾ أي: الشيطان ﴿لكم عدو مبين﴾ أي: بين العداوة.
وقوله تعالى:
﴿ثمانية أزواج﴾ أي: أصناف بدل من حمولة وفرشًا والزوج لغة الفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه فيطلق لفظ الزوج على الواحد كما يطلق على الاثنين فيقال للذكر: زوج، وللأنثى: زوج ﴿من الضأن﴾ زوجين ﴿اثنين﴾ أي: ذكر وأنثى والضأن ذوات الصوف من الغنم والذكر ضائن والأنثى ضائنة والجمع ضوائن ﴿ومن المعز﴾ زوجين ﴿اثنين﴾ أي: ذكر وأنثى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بفتح العين والباقون بالسكون والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه وهي ذوات الشعر من الغنم، وقال البغوي: جمع الماعز معيز وجمع الماعزة مواعز ﴿قل﴾ يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكورًا أو إناثًا أو مختلطة تارة ونسبوا ذلك لله تعالى ﴿الذكرين﴾ من الضأن والمعز ﴿حرم﴾ الله عليكم ﴿أم الأنثيين﴾ منهما ﴿أما﴾ أي: أم حرم ما ﴿اشتملت﴾ أي: انضمت ﴿عليه أرحام الأنثيين﴾ ذكرًا كان أو أنثى ﴿نبئوني﴾ أي: أخبروني ﴿بعلم﴾ عن كيفية ذلك بأمر معلوم من جهة الله تعالى على تحريم ما حرمتم ﴿إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم والاستفهام للإنكار والمعنى: من أين جاء التحريم فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام وإن كان من قبل الأنوثة فجميع الإناث حرام أو من قبل اشتمال الرحم فالزوجان حرام فمن أين التخصيص.
تنبيه: اتفق القراء على أنّ في همزة الوصل وهي التي بين همزة الاستفهام ولام التعريف وجهين وهما البدل والتسهيل والبدل هو مدها مبدلة والتسهيل هو أن تقصرها مسهلة.
﴿ومن الإبل اثنين﴾ ذكرًا أو أنثى ﴿ومن البقر اثنين﴾ كذلك ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين اختلفوا جهلًا وسفهًا ﴿آلذكرين حرم﴾ الله عليكم ﴿أم الأنثيين﴾ منهما ﴿أما﴾ أي: أم حرّم ما ﴿اشتملت﴾ أي: انضمت ﴿عليه أرحام﴾ الأنثيين ذكرًا كان أو أنثى ﴿أم كنتم﴾ أي: بل أكنتم ﴿شهداء﴾ أي: حاضرين ﴿إذ وصاكم الله بهذا﴾ أي: حين وصاكم بهذا التحريم إذا أنتم لا تؤمنون بي فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا بالمشاهدة والسماع فكيف تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها إلى الله تعالى.
ولما احتج عليهم بهذه الحجة وبيّن أنه لا سند لهم في ذلك قال تعالى: ﴿فمن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن افترى﴾ أي: تعمد ﴿على الله كذبًا﴾ كعمرو بن لحي فإنه أوّل من بحر البحائر وسيب السوائب وغير دين إبراهيم ﵇ ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقته أو ابتدأ شيئًا لم يأمر الله به ولا رسوله ونسب ذلك إلى الله تعالى لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص فكل من أدخل في دين الله ما ليس منه فهو داخل في هذا الوعيد ﴿ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: لا يرشد ولا يوفق من كذب عليه وأضاف إليه ما لم يشرع لعباده.
ولما بين ﷾ فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من التحريم والتحليل من عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في ذلك وبين أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي سماوي وشرع نبوي فقال
[ ١ / ٤٥٤ ]
تعالى:
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الجهلة الذين يحللون ويحرمون من عند أنفسهم ﴿لا أجد في ما أوحي إليّ محرمًا﴾ أي: طعامًا محرّمًا مما حرمتموه.
فائدة: في ما أوحي إليّ في مقطوعة من ما في الرسم ﴿على طاعم﴾ أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى ﴿يطعمه﴾ أي: يتناوله أكلًا أو شربًا أو داء أو غير ذلك ﴿إلا أن يكون﴾ أي: ذلك الطعام ﴿ميتة﴾ وهي كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة تكون بالتأنيث والباقون بالتذكير ورفع ميتة ابن عامر على أنّ كان هي التامة، وعلى هذه القراءة يكون قوله تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ عطفًا على أن مع ما في حيزه أي: إلا وجود ميتة أو دمًا مسفوحًا أي: مصبوبًا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال ﴿أو لحم خنزير فإنه﴾ أي: الخنزير ﴿رجس﴾ أي: نجس فالضمير يعود على المضاف إليه لأنّ اللحم دخل في قوله ﴿ميتة﴾ وحينئذٍ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى ثم إني رأيت البقاعي في تفسيره جرى على ذلك وقوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ أي: ذبح على اسم غيره عطف على لحم خنزير وما بينهما اعتراض للتعليل.
تنبيه: ظاهر الآية أنّ المحرمات محصورة في هذه الأربعة وأنه لا يحرم شيء من سائر المطعومات والحيوانات غيرها وهي الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح على اسم غير الله تعالى، ويروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهم لأنه ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرّمات إلا بوحي وثبت أنّ الله تعالى نص في هذه الآية على هذه الأربعة أشياء وقال تعالى في (البقرة، ١٧٣)
﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ وإنما تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة للآية المكية في الحكم ولكن الذي ذهب إليه جمهور العلماء أنّ التحريم لا يختص بهذه فقط بل المحرّم ما كان بنص كتاب أو سنة، وقد وردت السنة بتحريم أشياء غير ذلك منها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطيور وورد النهي عن أكل الهر وأكل ثمنه ويحرم أيضًا كل ما أمر بقتله كالحدأة والغراب الأبقع أو نهي عن قتله كالهدهد والخفاش وما لا نص فيه بتحريم أو تحليل أو بما يدل على أحدهما كالأمر بالقتل والنهي عنه إن استطابته عرب ذوو يسار وطباع سليمة حال رفاهية حل وإن استخبثوه فلا يحل فإن اختلفوا في استطابته اتبع الأكثر فإن استووا فقريش لأنهم قطب العرب وفيهم الفتوّة فإن اختلفت أو لم تحكم بشيء اعتبر الأشبه به من الحيوانات فإن استوى الشبهان أو لم يوجد ما يشبهه فحلال لهذه الآية وما جهل اسمه عمل بتسمية العرب له مما هو حلال أو حرام.
ولما حرّم الله تعالى هذه الأشياء أباح أكلها عند الاضطرار بقوله تعالى: ﴿فمن اضطر﴾ أي: حصل له جوع خشي منه التلف ﴿غير باغ﴾ أي: على مضطر مثله ﴿ولا عاد﴾ أي: ولا متجاوز قدر الضرورة، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي بضم النون في الوصل والباقون بالكسر ﴿فإنّ ربك غفور﴾ لا يؤاخذه بالأكل ﴿رحيم﴾ به حيث أباح له ذلك.
﴿وعلى الذين هادوا﴾ أي: اليهود واليهود علم على قوم موسى ﵊ وسموا به اشتقاقًا من هادوا أي: مالوا إما عن عبادة العجل وإما عن دين موسى ﵇ أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير لكثرة انتقالهم عن مذاهبهم وقيل: لأنهم يتهوّدون أي:
[ ١ / ٤٥٥ ]
يتحرّكون عند قراءة التوراة وقيل: معرب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل: يهودي ثم حذف الياء في الجمع فقيل: يهود ﴿حرّمنا﴾ أي: بسبب ظلمهم عليهم ﴿كل ذي ظفر﴾ أي: ما هو كالإصبع للآدمي من دابة أو طير وكان بعض ذوات الظفر حلالًا لهم فلما ظلموا حرّم عليهم فعم التحريم كل ذي ظفر بدليل قوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ (النساء، ١٦٠)
﴿ومن البقر والغنم﴾ أي: التي هي ذوات الأظلاف ﴿حرّمنا عليهم شحومهما﴾ أي: الصنفين والمراد شحم الجوف وهو الثروب قال الجوهري: هو شحم قد غشي الكرش والأمعاء رقيق ثم استثنى من الشحوم ما ذكره بقوله: ﴿إلا ما حملت ظهورهما﴾ أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما ﴿أو الحوايا﴾ أي: ما حملته الحوايا وهي الأمعاء التي هي متعاطفة ملوية جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة وسفائن، وقيل: جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء فهو فواعل ﴿أو ما اختلط﴾ أي: من الشحوم ﴿بعظم﴾ مثل شحم الإلية فإن ذلك لا يحرم عليهم.
روي أنه ﷺ قال عام الفتح وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: «لا هو حرام» أي: بيعها فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومهما أجملوه أي: أذابوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه» ﴿ذلك﴾ أي: التحريم العظيم وهو تحريم الطيبات ﴿جزيناهم﴾ به ﴿ببغيهم﴾ أي: بسبب مجاوزتهم الحدود ﴿وإنا لصادقون﴾ أي: في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم.
﴿فإن كذبوك﴾ أي: اليهود يا محمد فيما أخبرناك به عنهم ﴿فقل﴾ لهم ﴿ربكم ذو رحمة واسعة﴾ أي: بتأخير العذاب عنكم فلم يعاجلكم بالعقوبة في ذلك تلطفًا بدعائهم إلى الإيمان ﴿ولا يرد بأسه﴾ أي: عقابه ﴿عن القوم المجرمين﴾ إذا جاء وقته وقيل: ذو رحمة واسعة للمطيعين وذو بأس شديد للمجرمين.
وقوله تعالى:
﴿سيقول الذين أشركوا﴾ إخبار عن مستقبل وقوع مخبره يدل على إعجازه، ولما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ أرادوا أن يجعلوا قولهم: لو شاء الله ما أشركنا حجة لهم على إقامتهم على الشرك وقالوا: إن الله قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن فيه حتى لا نفعله فلولا أنه رضي ما نحن فيه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك فقال الله تعالى تكذيبًا: لهم: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم﴾ أي: من كفار الأمم الماضية ﴿حتى ذاقوا بأسنا﴾ أي: عذابنا ويستدل أهل القدر بهذه الآية يقولون: إنهم لما قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ كذبهم الله ورد عليهم فقال: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم﴾ وأجاب أهل السنة بأن التكذيب ليس في قولهم لو شاء الله ما أشركنا بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله أمرنا بها ورضي ما نحن عليه كما أخبر تعالى عنهم في سورة الأعراف ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا وا أمرنا بها﴾ (الأعراف، ٢٨)
فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: ﴿قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء﴾ (الأعراف، ٢٨)
والدليل على أنّ التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ قوله تعالى: ﴿كذب الذين من قبلهم﴾ بالتشديد ولو كان كذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قولهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ لقال: كذب الذين من
[ ١ / ٤٥٦ ]
قبلهم بالتخفيف وكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب، وقال الحسين بن الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيمًا وإجلالًا لله تعالى ومعرفة منهم لما عابهم بذلك لأنّ الله تعالى قال: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ (الأنعام، ١٠٧)
وقال تعالى: ﴿وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ (الأنعام، ١١١)
والمؤمنون يقولون ذلك ولكنّ المشركين قالوا تكذيبًا وتحريضًا وجدلًا من غير معرفة بالله وبما يقولون نظيره قوله تعالى: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ (الزخرف، ٢٠)
قال الله تعالى: ﴿ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون﴾ (الزخرف، ٢٠)
وقد علم من ذلك أن أمر الله تعالى بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته فإنّ مشيئته لا تكون عذرًا لأحد.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين ما ذكر ﴿هل عندكم﴾ أيها الجهلة ﴿من علم﴾ أي: من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم من تحريم ما حرمتم وإنّ الله راض بشرككم ﴿فتخرجوه لنا﴾ أي: فتنظروه لنا وتبينوه لنا كما بينا لكم خطأكم ﴿إن﴾ أي: ما ﴿تتبعون﴾ في ذلك ﴿إلا الظن﴾ أي: فيما أنتم عليه ولا علم عندكم ﴿وإن أنتم إلا تخرصون﴾ أي: وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون وتقولون على الله تعالى الباطل.
﴿قل﴾ لهم حين عجزوا عن إظهار الحجة ﴿فلله الحجة البالغة﴾ أي: التامة على خلقه بإنزال الكتب وإرسال الرسل، قال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى الله وأشرك به على الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده ﴿فلو شاء﴾ الله هدايتكم ﴿لهداكم أجمعين﴾ ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء هداية بعض وضلال بعض آخر فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه لا يسئل عما يفعل.
﴿قل﴾ لهم ﴿هلم﴾ أي: أحضروا ﴿شهداءكم الذين يشهدون﴾ لكم ﴿إنّ الله حرّم هذا﴾ أي: ما تقدّم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أنّ الله أمرهم به، وهلم اسم فعل لا يتصرّف يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وعند بني تميم فعل مؤنث ويثنى ويجمع ﴿فإن شهدوا﴾ أي: فإن تجرؤوا على الشهادة كذبًا ﴿فلا تشهد معهم﴾ أي: فاتركهم ولا تسلم لهم فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى ﴿ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا﴾ إنما وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير وإن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقًا بها ﴿و﴾ لا تتبع أهواء ﴿الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ التي هي دار الجزاء فإنهم لو جوّزوها ما اجترؤوا على ذلك ﴿وهم بربهم يعدلون﴾ أي: يشركون فيجعلون له عديلًا.
﴿قل﴾ لهم ﴿تعالوا﴾ أي: أقبلوا علي ﴿أتل﴾ أي: أقرأ ﴿ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا﴾ وذلك أنهم سألوا وقالوا: أي الذي حرم الله؟ فأمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم ذلك.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به﴾ والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟ أجيب: بأنّ موضع أن رفع أي: هو أن لا تشركوا، وقيل: نصب واختلفوا في وجهه فقيل: معناه حرّم عليكم أن تشركوا ولا صلة كقوله تعالى: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ (الأعراف، ١٢)
أي: ما منعك أن تسجد، وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿حرّم ربكم﴾ ثم قال: ﴿عليكم أن لا تشركوا به شيئًا﴾ على وجه الإغراء، وقال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولًا على المعنى أي: أتل عليكم تحريم الشرك وجائز أن يكون على معنى أوصيكم أن لا تشركوا ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ أي: فأحسنوا بهم إحسانًا، وضعه موضع النهي عن الإساءة إليهما للمبالغة وللدلالة
[ ١ / ٤٥٧ ]
على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ أي: من أجل فقر تخافونه، والمراد بالقتل وأد البنات وهنّ أحياء وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن ذلك وحرمه عليهم وقوله تعالى: ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾ منع لموجبية ما كانوا يفعلونه لأجله واحتجاج عليهم لأنّ الله تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب على الوالد القيام بحق الولد وتربيته والاتكال في أمر الرزق على الله ﴿ولا تقربوا الفواحش﴾ أي: سائر المعاصي ﴿ما ظهر منها وما بطن﴾ أي: علانيتها وسرها، وقيل: المراد الزنا علانيته وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسًا في السر فحرم الله ﷿ الزنا في السر والعلانية، وأجاب الأوّل بأنّ السبب إذا كان خاصًا لا يمنع من حمل اللفظ على العموم ثم صرح بالقتل لشدة أمره بالتخصيص بعد التعميم فقال: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله﴾ عليكم قتلها ﴿إلا بالحق﴾ وهي التي أبيح قتلها بردة أو قصاص أو زنا بعد إحصان وهو الذي يوجب الرجم أو نحو ذلك قال ﷺ «لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» وقوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى ما ذكر مفصلًا ﴿وصاكم به﴾ أي: أمركم به وأوجبه عليكم ﴿لعلكم تعقلون﴾ أي: تتدبرون ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع فإنّ كمال العقل هو التدبر.k
﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ أي: بنوع من أنواع عمل فيه أو غيره ﴿إلا بالتي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هي أحسن﴾ بماله كحفظه وتنميته وتثميره ويستمرّ ذلك ﴿حتى يبلغ أشدّه﴾ وهو سن يبلغ به أو إن حصول عقله عادة وهو البلوغ بالسن أو الاحتلام أو عقل يحصل به رشده.
وقيل: الأشدّ من الثماني عشر إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين، وقيل: إلى ستين ﴿وأوفوا﴾ أي: أتموا ﴿الكيل والميزان بالقسط﴾ أي: العدل من غير تفريط ولا إفراط ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾ أي: طاقتها في إيفاء الكيل والميزان لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه ولا يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه حتى لا تضيق نفسه عليه بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه، وذكره عقب الأمر معناه: أنّ إيفاء الحق عسر فعليكم بما في وسعكم وما وراء الوسع معفوّ عنه ﴿وإذا قلتم﴾ أي: في حكم، أو شهادة، أو غير ذلك ﴿فاعدلوا﴾ فيه بالصدق ﴿ولو كان﴾ المقول له أو عليه ﴿ذا قربى﴾ أي: من ذوي قرابتكم ﴿وبعهد الله أوفوا﴾ أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع ﴿ذلكم﴾ أي: الذي ذكر في هذه الآيات ﴿وصاكم﴾ بالعمل ﴿به لعلكم تذكرون﴾ أي: تتعظون فتأخذون بما أمرتكم به، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد.
﴿وإنّ هذا﴾ الذي وصيتكم به ﴿صراطي مستقيمًا﴾ والإشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوّة وبيان الشريعة، وقرأ ابن عامر بتخفيف النون والباقون بالتشديد، وكسر الهمزة حمزة والكسائي على الاستئناف وفتحها الباقون على تقدير اللام، وفتح الياء من صراطي ابن عامر وسكنها الباقون، وتقدّم مذهب قنبل في الصراط بالسين ومذهب خلف في إشمام الصاد ﴿فاتبعوه﴾ أي: بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير
[ ١ / ٤٥٨ ]
﴿ولا تتبعوا السبل﴾ أي: الطرق المخالفة لدين الإسلام ﴿فتفرّق﴾ فيه حذف إحدى التاءين أي: فتميل ﴿بكم﴾ أي: هذه الطرق المضلة ﴿عن سبيله﴾ أي: طريقه التي ارتضاها لعباده وبها أوصى ﴿ذلكم﴾ أي: الأمر العظيم من اتباعه ﴿وصاكم به لعلكم تتقون﴾ الضلال والتفرق عن الحق.
روي «أنه ﷺ خط خطًا» ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله وقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وأنّ هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه﴾» .
﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ أي: التوراة.
فإن قيل: ثم للترتيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن أجيب: بأنّ ثم لترتيب الإخبار أي: ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب فدخل ثم لترتيب الخبر لا لتأخير النزول، وقوله تعالى: ﴿تمامًا﴾ حال أي: لم ينقص الكتاب عما يصلحهم شيئًا ﴿على﴾ الوجه ﴿الذي أحسن﴾ أي: أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بين من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك العام.
روي أنّ الله تعالى لم يهلك قومًا هلاكًا عامًّا بعد نزول التوراة، وقيل: تمامًا على المحسنين من قوم موسى فيكون الذي بمعنى من أي: على من أحسن من قومه وكان فيهم محسن ومسيء، وقيل: الذي أحسن هو موسى ﵇ أي: إتمامًا للنعمة عليه لإحسانه بالعبادة أو الذي بمعنى ما أي: ما أحسن، وقوله تعالى: ﴿وتفصيلًا﴾ عطف على تمامًا أي: وبيانًا ﴿لكل شيء﴾ أي: يحتاج إليه في الدين ﴿وهدى﴾ أي: فيه هدى من الضلالة ﴿ورحمة﴾ أي: إنزاله عليهم رحمة لهم ﴿لعلهم﴾ أي: بني إسرائيل ﴿بلقاء ربهم﴾ أي: بالبعث والجزاء ﴿يؤمنون﴾ أي: ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره حال من يرجو أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه وليذكروا ما أنعم به عليهم من إخراجهم من مصر من العبودية والرق.
﴿وهذا﴾ أي: القرآن ﴿كتاب﴾ أي: عظيم ﴿أنزلناه﴾ إليكم أي: بلسانكم حجة عليكم ﴿مبارك﴾ أي: كثير الخير والنفع والبركة ﴿فاتبعوه﴾ أي: اتبعوا ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام ﴿واتقوا﴾ الكفر ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي: بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه، ثم بيّن تعالى المراد من إنزاله فقال:
﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تقولوا إنما أنزل الكتاب﴾ أي: التوراة والإنجيل ﴿على طائفتين من قبلنا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿وإن كنا﴾ أي: وقد كنا وإن هي المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة بينها وبين النافية في خبر كان أي: وإنه كنا ﴿عن دراستهم﴾ قراءتهم لكتابهم قراءة مردودة ﴿لغافلين﴾ أي: لا نعرف حقيقتها ولا ثبت عندنا حقيقتها ولا هي بلساننا.
﴿أو تقولوا﴾ أي: أيها العرب لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلاعلى المكتوب إليه فلم نتبعه و﴿لو أنا﴾ أهلنا لما أهلوا له حتى ﴿أنزل علينا الكتاب﴾ أي: جنسه ﴿لكنا أهدى منهم﴾ أي: لما لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان للحق ﴿فقد جاءكم بينة من ربكم﴾ أي: القرآن فيه بيان وحجة واضحة تعرفونها على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك ﴿وهدى﴾ من الضلالة لمن تدبره ﴿ورحمة﴾ أي: وهو رحمة ونعمة أنعم بها عليكم فتأمّلوا فيه واعملوا به ﴿فمن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف﴾ أي: أعرض ﴿عنها﴾ فضل وأضل ﴿سنجزي الذين يصدفون
[ ١ / ٤٥٩ ]
عن آياتنا﴾ ولا يتوبون ﴿سوء العذاب﴾ أي: شدّته ﴿بما كانوا يصدفون﴾ أي: بسبب إعراضهم.
﴿هل ينظرون﴾ أي: ما ينظر هؤلاء المكذبون ﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ أي: لقبض أرواحهم أو بالعذاب، وقرأ حمزة والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث ﴿أو يأتي ربك﴾ أي: أمره بالعذاب ﴿أو يأتي بعض آيات﴾ أي: علامات ﴿ربك﴾ الدالة على الساعة كطلوع الشمس من مغربها، وعن حذيفة والبراء بن عازب: «كنا نتذاكر الساعة إذ طلع علينا رسول الله ﷺ فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: كنا نتذاكر الساعة، فقال: «إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفًا بالمشرق وخسفًا بالمغرب وخسفًا بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونارًا تخرج من عدن» ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾ وهو طلوع الشمس من مغربها كما في حديث الصحيحين ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ صفة نفسًا ﴿أو﴾ نفسًا لم تكن ﴿كسبت في إيمانها خيرًا﴾ أي: طاعة لا ينفعها توبتها قال ﷺ «يدا الله مبسوطتان لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها» وقال ﷺ «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» وقال ﷺ «إنّ الله جعل بالمغرب بابًا مسيرة عرضه سبعون عامًا للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله» وقال ﷺ «ثلاث إذا أخرجن فلا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها» .
﴿قل انتظروا﴾ بعض هذه الأشياء ﴿إنا منتظرون﴾ ذلك وحينئذٍ لنا الفوز عليكم ولكم الويل ﴿إنّ الذين فرّقوا دينهم﴾ أي: بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وافترقوا فيه قال ﷺ «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة» رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه وفي بعض الروايات قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» وقرأ حمزة بتخفيف الراء وألف قبلها والباقون بتشديدها ولا ألف ﴿وكانوا شيعًا﴾ أي: فرقًا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة كأهل الكتاب فإنهم ابتدعوا في دينهم بدعًا أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضًا فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض وكالمجوس الذين فرّقوا دينهم باعتقاد أن إلا له إثنان النور والظلمة وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم قسمًا يتوسل به في زعمهم إليه، وقيل: هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمّة.
روي أنه ﷺ قال لعائشة: «يا عائشة إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمّة» وعن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح فوعظنا موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فأوصنا قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا فإنّ من يعيش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة وكل
[ ١ / ٤٦٠ ]
بدعة ضلالة» . وروي: «إنّ أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها» ﴿لست منهم في شيء﴾ أي: من السؤال عنهم فلا تتعرّض لهم ﴿إنما أمرهم إلى الله﴾ يتولى جزاءهم ﴿ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ فيجازيهم به وهذا منسوخ بآية السيف.
﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ أي: عشر حسنات أمثالها فضلًا من الله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها﴾ أي: جزاءها قضية للعدل ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي: بنقص الثواب وزيادة العقاب، وما ذكر في أضعاف الحسنات هو أقل ما عد من الأضعاف فقد قال ﷺ «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿» وقال ﷺ «يقول الله ﷿: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فله سيئة مثلها وأغفر ومن تقرّب مني شبرًا تقرّبت منه ذراعًا ومن لقيني بقراب أهل الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة» وقال ﷺ «يقول الله ﵎: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف» وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأمّا الصدقات فإنها تضاعف سبعمائة ضعف.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك ﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون، وقوله تعالى: ﴿دينًا﴾ بدل من محل إلى صراط مستقيم، والمعنى: وهداني صراطًا كقوله تعالى: ﴿ويهديكم صراطًا مستقيمًا﴾ (الفتح، ٢٠)
﴿قيمًا﴾ أي: مستقيمًا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح القاف وكسر الياء مشدّدة والباقون بكسر القاف وفتح الباء مخففة على أنه مصدر نعت به وكان قياسه قومًا فاعل لإعلال فعله كالقيام، وقوله تعالى: ﴿ملة إبراهيم﴾ عطف بيان لدينًا إذ الملة بالكسر لدين وإن فرق بينهما بأن الملة لا تضاف إلا إلى النبيّ الذي تستند إليه، والدين لا تختص إضافته بذلك، وقوله تعالى: ﴿حنيفًا﴾ حال من إبراهيم أي: مائلًا من الضلالة إلى الاستقامة والعرب تسمي كل مرجح أو اختتن حنيفًا تنبيهًا على أنه دين إبراهيم ﵊ وقوله تعالى: ﴿وما كان﴾ إبراهيم ﷺ ﴿من المشركين﴾ ردّ على كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر الله تعالى أنّ إبراهيم لم يكن من المشركين.
﴿قل﴾ يا محمد ﴿إنّ صلاتي ونسكي﴾ أي: عبادتي من حج وغيره ﴿ومحياي ومماتي﴾ أي: وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطاعة أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير أو الحياة والممات أنفسهما، وقرأ نافع: ومحياي بسكون الياء بخلاف عن ورش إجراء للوصل مجرى الوقف والباقون بالفتح، وفتح الياء من مماتي نافع وسكنها الباقون ﴿رب العالمين﴾ .
﴿لا شريك له﴾ في ذلك ﴿وبذلك﴾ أي: وبهذا التوحيد ﴿أمرت وأنا أوّل المسلمين﴾ أي: من هذه الأمّة لأنّ إسلام كل نبيّ مقدّم على إسلام أمّته، وقرأ نافع بمد أنا قبل الهمزة المفتوحة وقالون بالمدّ والقصر لأنها عنده مدّ منفصل والباقون لا مدّ أصلًا.
﴿قل﴾
[ ١ / ٤٦١ ]
يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك ﴿أغير الله أبغي﴾ أي: أطلب ﴿ربًا﴾ أي: إلهًا فأشركه في عبادتي وهذا جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم والهمزة للإنكار أي: منكر أن أبغي ربًا غيره ﴿وهو رب كل شيء﴾ فكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره كما قال تعالى: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ (الزمر، ٦٤)
﴿ولا تكسب كل نفس﴾ ذنبًا ﴿إلا عليها﴾ أي: إثم الجاني عليه لا على غيره وقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ أي: ولا تحمل نفس ﴿وازرة﴾ أي: آثمة ﴿وزر﴾ نفس ﴿أخرى﴾ جواب عن قولهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم﴾ يوم القيامة ﴿فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ في الدنيا فيتبين الرشد من الغي والمحق من المبطل.
﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ جمع خليفة لأنّ محمدًا ﷺ خاتم النبيين فخلفت أمّته سائر الأمم أو يخلف بعضهم بعضًا فيها أو هم خلفاء الله تعالى في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ أي: في الشرف والرزق ﴿ليبلوكم﴾ أي: ليختبركم ﴿في ما آتاكم﴾ أي: أعطاكم ليظهر المطيع منكم والعاصي.
فائدة: في تكتب مقطوعة عن ما ﴿إنّ ربك سريع العقاب﴾ لمن عصاه لأنّ ما هو آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده ﴿وإنه لغفور﴾ للمؤمنين ﴿رحيم﴾ بهم وصف الله تعالى العقاب ولم يضفه إلى نفسه ووصف تعالى ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيهًا على إنه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها قليل العقوبة مسامح فيها فنسأل الله العظيم أن يسامحنا وأن يغفر زلاتنا ولا يؤاخذنا بسوء أفعالنا وأن يفعل ذلك بوالدينا وأقاربنا وأحبابنا وأصحابنا وجميع المسلمين ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.