مكية
وهي اثنتا عشرة آية، ومائتان وأربعون كلمة وألف وستون حرفًا
﴿بسم الله﴾ الذي له الكمال كله على الدوام ﴿الرحمن﴾ الذي عم عباده بعظيم الإنعام ﴿الرحيم﴾ الذي أتم على خواصه نعمة الإسلام.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه ﴿لك﴾ فقالت عائشة: «أن النبي ﷺ كان عند زينب بنت جحش، فشرب عندها عسلًا، قالت: فتواطيت أنا وحفصة أنّ آيتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له: ذلك، فقال بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزل ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾ لعائشة وحفصة» وعنها أيضًا قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل، فكان إذا صلى العصر دار على نسائه فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة، وقلت لها: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله أكلت مغافير، فإنه سيقول لك: لا، فقولي: ما هذه الريح، وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك له وقولي أنت يا صفية ذلك. فلما دخل على سودة قالت سودة: والله الذي لا إله غيره لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت وإنه لعلى الباب فرقًا منك، فلما دنا رسول الله ﷺ قلت له: يا رسول الله أكلت مغافير، قال: لا، قلت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له: مثل ذلك، ثم دخل على صفية فقالت مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول الله ألا أسقيك منه، قال: لا حاجة لي به، قالت: تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه منه، قالت: فقلت لها: اسكتي.
ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي ﷺ حفصة، وفي الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي
[ ٤ / ٣٢٣ ]
الله عنهما: أنه شربه عند سودة، وقيل: إنما هي أم سلمة رواه أسباط عن السدي، وقاله عطاء بن أبي مسلم.
تنبيه: شرح غريب ألفاظ الحديثين وما يتعلق بهما قولها: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى بالمد والقصر قاله في «المصباح»، وهو على كل شيء يحلو، وذكر العسل بعدها وإن كان داخلًا في جملة الحلوى تنبيهًا على شرفه ومرتبته، وهو من باب الخاص بعد العام. وقولها: فتواطيت أنا وحفصة هكذا وقع في الرواية، وأصله: فتوطأت بالهمز، أي: اتفقت أنا وحفصة. وقولها: إني لأجد منك ريح مغافير، هو بغين معجمة وفاء بعدها ياء وراء، وهو صمغ حلو كالناطف وله ريح كريهة ينضحه شجر يقال له: العرفط بضم العين المهملة والفاء يكون بالحجاز، وقيل: العرفط نبات له ورق يفرش على الارض له شوك وثمره خبيث الرائحة.
وقال أهل اللغة: العرفط من شجر العضاه، وهو كل شجر له شوك. وقيل رائحته كرائحة النبيذ، وكان النبي ﷺ يكره أن توجد منة رائحة كريهة.
قولها: جرست نحله العرفط بالجيم والراء وبالسين المهملتين، ومعناه: أكلت نحله العرفط فصار منه العسل.
قال القاضي عياض: والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، ذكره النووي في شرح مسلم، وكذا ذكره أيضًا القرطبي. وقال أكثر المفسرين في سبب نزول ذلك: «أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله ﷺ إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقًا فجلست عند الباب فخرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقًا وحفصة تبكي، فقال ﷺ ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل ذلك أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي على فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقًا، ما كنت تصنع هذا بإمرأة منهن، فقال رسول الله ﷺ أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي فهي حرام علي ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن، فلما خرج رسول الله ﷺ قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم عليه أمته مارية، وأن الله قد أراحنا منها، وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج رسول الله ﷺ فغضبت عائشة، فلم يزل نبي الله ﷺ حتى حلف أن لا يقربها» .
وعن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ كان له أمة يطؤها، فلم تزل عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ الآية» أخرجه النسائي.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ يوهم أن الخطاب بطريق العتاب، وخطاب النبي ﷺ ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم؟.
أجيب: بأنه ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي.
فإن قيل: تحريم ما أحل الله غير ممكن، فكيف قال ﴿لما تحرم ما أحل الله لك﴾؟ أجيب: بأن المراد بهذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حرامًا بعدما أحله الله تعالى، والنبي ﷺ امتنع من الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالًا، فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحل الله فقد كفر، فكيف
[ ٤ / ٣٢٤ ]
يضاف إلى النبي ﷺ ﴿تبتغي﴾ أي: تريد إرادة عظيمة من مكارم أخلاقك وحسن صحبتك ﴿مرضاة أزواجك﴾ أي: الأحوال والأمور والمواضع التي يرضين بها، وهن أولى بأن يبتغين رضاك، وكذا جميع الخلق لتتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد ﴿والله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿غفور رحيم﴾ أي: محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم، فقد غفر لك هذا التحريم.
ثم علل وبين ذلك بقوله تعالى: ﴿قد فرض الله﴾ أي: قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، وعبر بالفرض حثًا على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع، ولا يخل بحرمة اسم الله تعالى لأن أهل الهمم العوالي لا يجوزون النقلة من عزيمة إلى رخصة، بل من رخصة إلى عزيمة أو عزيمة إلى مثلها.
ولما كان التخفيف على أمته تعظيمًا له ﷺ قال تعالى: ﴿لكم﴾ أيتها الأمة التي أنت رأسها ﴿تحلة﴾ أي: تحليل ﴿أيمانكم﴾ بالكفارة المذكورة في سورة المائدة، وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك: حلل فلان في يمينه إذا استثنى بمعنى استثن في يمينك إذا أطلقتها بأن تقول: إن شاء الله متصلًا بحلفك، وتنويه قبل الفراغ منه.
واختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: هو ليس بيمين، فإن قال لزوجته: أنت حرام أو حرّمتك فإن نوى به طلاقًا فهو طلاق، وإن نوى به ظهارًا فهو ظهار، وإن نوى تحريم ذاتها وأطلق فعليه كفارة يمين وإن قال لطعام: حرمته على نفسي فلا شيء عليه، وهذا قول ابن مسعود ﵁، وإليه ذهب الشافعي.
وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حرامًا، فقال: كذبت ليست عليك بحرام وتلا عليه هذه الآية. وذهب جماعة إلى أنه يمين فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب الكفارة ما لم يقربها، كما لو حلف لا يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكله، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة.
وعند أبي حنيفة إن نوى الطلاق بالحرام كان بائنًا، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، نقله الزمخشري. وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي، وعن علي: ثلاث، وعن زيد واحدة بائنة.
وعن ابن عباس رصي الله عنهما قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. قال مقاتل: فأعتق رسول الله ﷺ في هذه الواقعة رقبة. قال زيد بن أسلم: وعاد إلى مارية، وقال الحسن: لم يكفر ﵇ لأنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة. قال ابن عادل: والأول أصح، وأن المراد بذلك النبي ﷺ ثم الأمة تقتدي به في ذلك ﴿والله﴾ أي: والحال أن المختص بأوصاف الكمال ﴿مولاكم﴾ أي: يفعل معكم فعل القريب الصديق فهو سيدكم ومتولي أموركم ﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿العليم﴾ أي: البالغ العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا نهاية له. ﴿الحكيم﴾ أي: الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث لا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئًا منه.
والعامل في قوله تعالى: ﴿وإذ﴾ اذكر فهو مفعول به لا ظرف، والمعنى اذكر إذ ﴿أسرّ النبي﴾ أي: الذي شأنه أن يرفعه الله تعالى دائمًا فإنه ما ينطق عن الهوى ﴿إلى بعض أزواجه﴾ وأبهمها لم يعينها تشريفًا له ﷺ ولها وهي حفصة صيانة لهن
[ ٤ / ٣٢٥ ]
لأن حرمتهن من حرمته ﷺ ﴿حديثًا﴾ ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لعم به ولم يخص به، ولا أسره وذلك هو تحريمه فتاته على نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحدًا، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أسرّ أمر الخلافة بعده فحدثت حفصة، وقال الكلبي: أسرّ إليها إن أباك وأب عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي، وقال ميمون بن مهران: أسر أن أبا بكر خليفتي من بعدي ﴿فلما نبأت﴾ أي: أخبرت ﴿به﴾ عائشة ظنًا منها أنه لا حرج عليها في ذلك ﴿وأظهره الله﴾ أي: أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿عليه﴾ أي: الحديث على لسان جبريل ﵇ بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شرًا ويثبت عليه إن كان خيرًا وقيل: أظهر الله الحديث على النبي ﷺ من الظهور ﴿عرف﴾ أي: النبي ﷺ التي أسرّ إليها ﴿بعضه﴾ أي: بعض ما فعلت ﴿وأعرض عن بعض﴾ أي: إعلام بعض تكرمًا منه أن يستقصي في العبارات وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وإنما عاتبها على ذكر الإمامة وأعرض عن ذكر الخلافة خوفًا من أن ينتشر في الناس، فربما أثار حسد بعض المنافقين وأورث الحسود للصديق كيدًا.
وقال بعض المفسرين: إنه أسر إلى حفصة شيئًا فحدثت به غيرها فطلقها مجازاة على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ (البقرة: ١٩٧) أي: يجازيكم عليه، وقيل: المعرّف حديث الإمامة، والمعرض عنه حديث مارية. وروي «أنه قال لها: ويلك ألم أقل لك أكتمي علي، قالت: والذي بعثك بالحق نبيًا ما ملكت نفسي فرحًا بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها» ﴿فلما نبأها به﴾ أي: بما فعلت على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها به شيئًا منه، ولا من عوارضه لتزداد بصيرة.
روي أنها قالت لعائشة سرًا فأنا أعلم أنها لا تظهره، قاله الملوي، وهو معنى قوله تعالى: ﴿قالت﴾ أي: ظنًا منها أن عائشة أفشت عليها ﴿من أنبأك هذا﴾ أي: من أخبرك أني أفشيت السر ﴿قال نبأني﴾ وحذف المتعلق اختصارًا للفظ وتكسيرًا للمعنى بالتعميم إشارة أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة على أتم ما كان. ﴿العليم﴾ أي: المحيط العلم ﴿الخبير﴾ أي: المطلع على الضمائر والظواهر، فهو أولى أن يحذر فلا يتكلم سرًا أو جهرًا إلا بما يرضيه.
وقوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾ أي: الملك الأعظم شرط، وفي جوابه وجهان: أحدهما: قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالفة رسول الله ﷺ في حب ما يحب وكراهة ما يكره. وصغت: مالت وزاغت عن الحق، قال القرطبي: وليس قوله: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ جواب الشرط لأن هذا الصغو كان سابقًا فجزاء الشرط محذوف للعلم به أي: إن تتوبا كان خيرًا لكما إذ قد صفت قلوبكما. الثاني: أن الجواب محذوف تقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما، قاله أبو البقاء. ودل على المحذوف ﴿فقد صغت﴾ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال بعضهم: وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جوابًا وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جوابًا.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿قلوبكما﴾ من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالًا لمجيء تثنيتين لو قيل: قلباكما، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين
[ ٤ / ٣٢٦ ]
من اثنين جمعوهما لأنه لا يشكل، والأحسن في هذا الباب الجمع ثم الإفراد ثم التثنية كقوله:
*فتخالسا نفسيهما بتواقد ال غيظ الذي من شأنه لم يرفع*
وقال ابن عصفور: لا يجوز الإفراد إلا في ضرورة، كقوله:
*حمامة بطن الواديين ترنمي سقاك من الغر الغوادى مطيرها*
وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعله أحسن من التثنية. قال ابن عادل: وليس بغلط لكراهة توالي تثنيتين مع أمن اللبس، وقوله تعالى ﴿إن تتوبا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بهذا الخطاب إما المؤمنتان بنتا الشيخين الكريمين عائشة وحفصة حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله ﷺ فإنهما كرها ما أحبه رسول الله ﷺ من إحباب جاريته وإحباب العسل، وكان ﷺ يحب العسل والنساء.
وقال ابن زيد: مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله ﷺ وقيل: قد مالت قلوبكما إلى التوبة.
روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجًا فخرجت معه، فلما رجع وكان ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فلما رجع قلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذه منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك»، وفي رواية قال: وا عجبًا لك يا ابن عباس.
قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، قال: هما عائشة وحفصة، ثم أخذ يسوق الحديث، قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار وكان منزلي في بني أمية وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فصحت على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني قالت: لم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت لها: أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي ﷺ اليوم حتى الليل، قالت: نعم، فقلت: قد خبت وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ يريد عائشة ﵂ قال عمر: كنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل الأنصاري يومًا نوبته ثم أتاني عشاء فضرب بابي ضربًا شديدًا، ففزعت فخرجت إليه فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم، قلت: ما هو أجاء غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأهول، طلق النبي ﷺ نساءه، فقلت: خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون حتى إذا صليت
[ ٤ / ٣٢٧ ]
الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ قالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة فأتيت غلامًا له أسود فقلت: أستأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، ثم انطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلًا ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام، فقلت: أستأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال: ذكرتك له فصمت فوليت
مدبرًا فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير وليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئًا على وسادة من أدم حشوها ليف، ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلقت نساءك فرفع إلي بصره، وقال: لا، فقلت: الله أكبر قلت وأنا قائم لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فتبسم النبي ﷺ ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني دخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب الى رسول الله ﷺ يريد عائشة، فتبسم النبي ﷺ تبسمة أخرى فجلست حين رأيته تبسم فرفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارسًا والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله فجلس النبي ﷺ وكان متكئًا، وقال: «أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا» فقلت: يا رسول الله استغفر الله لي فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعًا وعشرين ليلة، وكان قال: «ما أنا بداخل عليهن شهرًا» من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله تعالى، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدًا، فقال: الشهر تسع وعشرون وكان ذلك الشهر تسع وعشرون ليلة قالت عائشة: ثم أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترته، ثم خيرهن فقلن مثلها، وفي رواية أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك
أن لا تستعجلي
حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله تعالى قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ (الأحزاب: ٢٨) إلى تمام الآيتين فقلت: أوفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» وفي رواية أن عائشة قالت له: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها رسول الله ﷺ «إن الله أرسلني مبلغًا» وفي رواية قال: دخلت على النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ (التحريم: ٥)
﴿
وإن تظاهرا عليه﴾ (التحريم: ٤)
» الآية. وفي رواية «أنه استأذن رسول الله ﷺ أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له، وإنه قام على باب
[ ٤ / ٣٢٨ ]
المسجد ونادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه» .
شرح بعض ألفاظ هذا الحديث:
قوله: فعدلت معه أي: فملت معه، بالأداوة أي: الركوة، والعوالي جمع عالية، وهي أماكن بأعلى أرض المدينة. وقوله: لا يغرنك إن كانت جارتك يريد بها الضرة وهي عائشة، وأوسم منك أي: أكثر حسنًا، وقوله: فكنا نتناوب النزول: التناوب هو ما يفعله الإنسان مرة، ويفعله آخر بعده، والمشربة بضم الراء وفتحها الغرفة. وقوله: فإذا هو متكئ على رمال حصير: يقال: رملت الحصير إذا ظفرته ونسجته، والمراد أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. وقوله: ما رأيت فيه مايرد البصر إلا أهبة ثلاث: الأهبة والأهب جمع إهاب، وهو الجلد. وقوله: من شدة موجدته: الموجدة الغضب.
وقرأ: ﴿وإن تظاهرا﴾ الكوفيون بتخفيف الظاء، والباقون بتشديدها أي: تتعاونا ﴿عليه﴾ أي: النبي ﷺ فيما يكرهه ﴿فإن الله﴾ الملك الأعظم الذي لا كفء له، وقوله تعالى: ﴿هو﴾ يجوز أن يكون فصلًا، وقوله: ﴿مولاه﴾ الخبر، وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره، والجملة خبر إن، والمعنى فإن الله وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما.Y
وقوله تعالى: ﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾ معطوف على محل اسم إن فيكونون ناصريه، ويجوز أن يكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبر الجميع فتختص الولاية بالله.
واختلف في صالح المؤمنين، فقال عكرمة: هو أبو بكر وعمر، وقال المسيب بن شريك: هو أبو بكر. وقال سعيد بن جبير: هو عمر، وعن أسماء بنت عميس: هو علي بن أبي طالب. وقال الطبري: هو خيار المؤمنين. وصالح اسم جنس كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: ٢) وقال قتادة: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: هم الملائكة. وقال السدي: هم أصحاب محمد ﷺ والأولى أن يشمل هذه الأقوال كلها ﴿والملائكة﴾ أي: كلهم ﴿بعد ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي تقدم ذكره ﴿ظهير﴾ أي: ظهراء أعوان له في نصره عليكما.
تنبيه: أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة، ومنهم جبريل ﵇ فهو مذكور خصوصًا وعمومًا ثلاث مرات على القول بأن صالح المؤمنين هم الملائكة إن قلنا بالعموم، وذلك إظهار لشدة محبته وموالاته للنبي ﷺ وهذه الأية عكس آية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ (البقرة: ٩٨) فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفًا له، وهنا ذكر العام بعد الخاص. قال ابن عادل: ولم يذكر الناس إلا القسم الأول، وفي جبريل لغات تقدم ذكرها في البقرة.
ولما كان أشد ما على المرأة أن تطلق، ثم إذا طلقت أن يستبدل بها، ثم يكون البدل خيرًا منها قال تعالى محذرًا لهن:
وإن تظاهرا عليه﴾ (التحريم: ٤)
» الآية. وفي رواية «أنه استأذن رسول الله ﷺ أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له، وإنه قام على باب المسجد ونادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه» .
شرح بعض ألفاظ هذا الحديث:
قوله: فعدلت معه أي: فملت معه، بالأداوة أي: الركوة، والعوالي جمع عالية، وهي أماكن بأعلى أرض المدينة. وقوله: لا يغرنك إن كانت جارتك يريد بها الضرة وهي عائشة، وأوسم منك أي: أكثر حسنًا، وقوله: فكنا نتناوب النزول: التناوب هو ما يفعله الإنسان مرة، ويفعله آخر بعده، والمشربة بضم الراء وفتحها الغرفة. وقوله: فإذا هو متكئ على رمال حصير: يقال: رملت الحصير إذا ظفرته ونسجته، والمراد أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. وقوله: ما رأيت فيه مايرد البصر إلا أهبة ثلاث: الأهبة والأهب جمع إهاب، وهو الجلد. وقوله: من شدة موجدته: الموجدة الغضب.
وقرأ: ﴿وإن تظاهرا﴾ الكوفيون بتخفيف الظاء، والباقون بتشديدها أي: تتعاونا ﴿عليه﴾ أي: النبي ﷺ فيما يكرهه ﴿فإن الله﴾ الملك الأعظم الذي لا كفء له، وقوله تعالى: ﴿هو﴾ يجوز أن يكون فصلًا، وقوله: ﴿مولاه﴾ الخبر، وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره، والجملة خبر إن، والمعنى فإن الله وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما.Y
وقوله تعالى: ﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾ معطوف على محل اسم إن فيكونون ناصريه، ويجوز أن يكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبر الجميع فتختص الولاية بالله.
واختلف في صالح المؤمنين، فقال عكرمة: هو أبو بكر وعمر، وقال المسيب بن شريك: هو أبو بكر. وقال سعيد بن جبير: هو عمر، وعن أسماء بنت عميس: هو علي بن أبي طالب. وقال الطبري: هو خيار المؤمنين. وصالح اسم جنس كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: ٢) وقال قتادة: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: هم الملائكة. وقال السدي: هم أصحاب محمد ﷺ والأولى أن يشمل هذه الأقوال كلها ﴿والملائكة﴾ أي: كلهم ﴿بعد ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي تقدم ذكره ﴿ظهير﴾ أي: ظهراء أعوان له في نصره عليكما.
تنبيه: أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة، ومنهم جبريل ﵇ فهو مذكور خصوصًا وعمومًا ثلاث مرات على القول بأن صالح المؤمنين هم الملائكة إن قلنا بالعموم، وذلك إظهار لشدة محبته وموالاته للنبي ﷺ وهذه الأية عكس آية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ (البقرة: ٩٨) فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفًا له، وهنا ذكر العام بعد الخاص. قال ابن عادل: ولم يذكر الناس إلا القسم الأول، وفي جبريل لغات تقدم ذكرها في البقرة.
ولما كان أشد ما على المرأة أن تطلق، ثم إذا طلقت أن يستبدل بها، ثم يكون البدل خيرًا منها قال تعالى محذرًا لهن:
﴿عسى ربه﴾ أي: المحسن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها، وما لم تعرفوه منها أكثر جدير وحقيق ووسط بين عسى وخبرها اهتمامًا وتخويفًا قوله تعالى: ﴿إن طلقكن﴾ أي: بنفسه من غير اعتراض عليه جميعكن أو بعضكن.
قيل: كل عسى في القرآن واجب إلا هذه الآية، وقيل: هو واجب ولكن الله تعالى علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن فإن طلقكن شرط معترض بين اسم عسى وخبرها وجوابه محذوف أو متقدم أي: إن طلقكن فعسى ربه وقوله تعالى ﴿أن يبدله﴾ أي: بمجرد طلاقه. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال، والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال. ﴿أزواجًا خيرًا منكن﴾ خبر عسى، والجملة جواب الشرط ولم يقع التبدل
[ ٤ / ٣٢٩ ]
لعدم وجود الشرط.
فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيرًا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرًا منهن لأنهن أمهات المؤمنين؟ أجيب: بأنه إذا طلقهن رسول الله ﷺ لعصيانهن وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بالصفات الآتية مع الطاعة له ﷺ خيرًا، أو أن هذه على سبيل الفرض وهو عام في الدنيا والآخرة، فلا يقتضي وجود من هو خير منهن مطلقًا.
وإن قيل: بوجوده في خديجة لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه ﷺ وبلوغها في حبه والأدب معه ظاهرًا وباطنًا الغاية القصوى، ومريم أحسنت حين كانت من القانتين فذلك في الآخرة، وتعليق تطليق الكل لا يدل على أنه لم يطلق حفصة. فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلًا لأن الله تعالى أمره أن يراجعها، لأنها صوامة قوامة.
ثم بين تعالى الخيرية بقوله تعالى: ﴿مسلمات﴾ إلى أخره، وهو إما نعت، أو حال، أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير: مسلمات يعني مخلصات، وقيل: مسلمات لأمر الله ﷿ وأمر رسول الله خاضعات لله تعالى بالطاعات ﴿مؤمنات﴾ أي: مصدقات بتوحيد الله تعالى، وقيل: مصدقات بما أمرن به ونهين عنه، وقيل: مسلمات مقرات بالإسلام مؤمنات مخلصات ﴿قانتات﴾ أي: مطيعات والقنوت الطاعة، وقيل: داعيات ﴿تائبات﴾ أي: راجعات من الهفوات والزلات سريعًا إن وقع منهن شيء من ذلك، وقيل: راجعات إلى أمر رسول الله ﷺ تاركات لمحاب أنفسهن ﴿عابدات﴾ أي: كثيرات العبادات لله تعالى، وقال ابن عباس: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد ﴿سائحات﴾ قال ابن عباس: صائمات، وقال الحسن: مهاجرات، وقال ابن زيد: وليس في أمة محمد ﷺ سياحة إلا الهجرة، والسياحة الجولان في الأرض، وقال الفراء وغيره: سمي الصائم سائحًا لأن السائح لازاد معه فلا يزال ممسكًا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره، وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى. من ساح الماء إذا ذهب ﴿ثيبات﴾ جمع ثيب، وهي التي تزوجت ثم بانت بوجه من الوجوه، أو زالت بكارتها بوطء من غير نكاح ﴿وأبكارًا﴾ أي: عذارى جمع بكر، وهي ضد الثيب، وسميت بذلك لأنها على أول حالها التي خلقت بها وقدم الثيبات لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها، ووسط الواو بين الثيبات والأبكار لتنافي الوصفين دون سائر الصفات.
فإن قيل: كيف ذكر الثيبات في مقام المدح وهن من جملة ما يقل رغبة الرجال فيهن؟ أجيب: بأنه يمكن أن يكون بعض الثيبات خيرًا من كثير من الأبكار لاختصاصهن بالمال والجمال.
ولما بالغ سبحانه في عتاب نساء النبي ﷺ مع صيانتهن عن التشبه إكرامًا له ﷺ أتبع ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه الأخلاق الكاملة فقال تعالى متبعًا لهن بالموعظة الخاصة بموعظة عامة دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب.
﴿يا أيها الذين أمنوا﴾ أي: أقروا بذلك ﴿قوا أنفسكم﴾ أي: اجعلوا لها وقاية بالتأسي به ﷺ وترك المعاصي وفعل الطاعات، وفي أدبه مع الخلق والخالق ﴿وأهليكم﴾ من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم ﴿نارًا﴾ بالنصح والتأديب ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي ﷺ كما روى الطبراني عن سعيد بن العاص: «ما نحل والد ولدًا
[ ٤ / ٣٣٠ ]
أفضل من أدب حسن» وفي الحديث: «رحم الله رجلًا قال: يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم في الجنة» وقيل: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة من جهل أهله، وقال ﷺ «رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله، فإن لم تقم رش على وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها، فإن لم يقم رشت على وجهه من الماء» وقال بعض العلماء: لما قال ﴿قوا أنفسكم﴾ دخل فيه الأولاد لأن الولد بعض منه، كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿ولا عل أنفسكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم﴾ (النور: ٦١) وقوله ﵊: «إن أحل ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه» فلم يفرد بالذكر أفراد سائر القرابات فيعلمه الحلال والحرام. وقال ﵊: «حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه اذا بلغ» .
ثم بين تعالى وصف تلك النار بقوله ﷿: ﴿وقودها﴾ أي: الذي توقد به ﴿الناس﴾ أي: الكفار ﴿والحجارة﴾ كأصنامهم منها، وعن ابن عباس أنها حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حرًا إذا أوقد عليها، والمعنى أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه ﴿عليها ملائكة﴾ خزنتها عدتهم تسعة عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المدثر ﴿غلاظ﴾ أي: غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني أدم أكل الطعام والشراب ﴿شداد﴾ أي: شداد الأبدان، وقيل: غلاظ الأقوال شداد الأفعال يدفع واحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفًا في النار، لم يخلق الله فيهم الرحمة، وقيل: في أخذهم أهل النار شداد عليهم، يقال: فلان شديد على فلان، أي: قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب.
وقيل: غلاظ أجسامهم ضخمة شداد، أي: الأقوياء. قال ابن عباس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقال ﷺ في خزنة جهنم: «ما بين منكبي كل واحد منهم كما بين المشرق والمغرب» ﴿لا يعصون الله﴾ أي: الملك الأعلى في وقت من الأوقات، وقوله تعالى: ﴿ما أمرهم﴾ بدل من الجلالة أي: لا يعصون أمر الله، وقوله تعالى: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ تأكيد؛ هذا ما جرى عليه الجلال المحلي. وقال الزمخشري: فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه. وقيل: لا يعصون الله ما أمرهم الله فيما مضى ويفعلون ما يؤمرون فيما يستقبل، وصدر بهذا البيضاوي.
فإن قيل: إنه تعالى خاطب المشركين في قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ (البقرة: ٢٤) فجعلها معدة للكافرين فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك؟ أجيب: بأن الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار فإنهم مع الكفار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا: ﴿قوا أنفسكم﴾ باجتناب الفسوق مساكنة الذين أعدت لهم هذه الدار الموصوفة، ويجوز أن يأمرهم بالتوقي عن الارتداد والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابًا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون.
قال الزمخشري: ويعضد ذلك قوله تعالى على الإثر:
﴿يا أيها الذين كفروا﴾ أي: بالإخلال بالأدب مع النبي ﷺ فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله تعالى، وبالأدب مع
[ ٤ / ٣٣١ ]
سائر خلقه ﴿لا تعتذروا﴾ أي: تبالغوا في إظهار العذر هو إيساغ الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير ﴿اليوم﴾ فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، وقد فات زمان الاعتذار وصار الأمر إلى ما صار وهذا النهي لتحقيق اليأس ﴿إنما تجزون﴾ أي: في هذا اليوم ﴿ما كنتم﴾ أي: ما هو لكم كالجبلة والطبع ﴿تعملون﴾ في الدنيا، ونظيره ﴿فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ (الروم: ٥٧) قال البقاعي: ولا بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنه عمله ثم يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم الله تعالى أنه بمقدار استحقاقه.
ولما بين تعالى أن المعذرة لا تنفع في ذلك اليوم أمر بالتوبة في الدنيا بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا﴾ أي: ارجعوا رجوعًا تامًا ﴿إلى الله﴾ أي: الملك الذي لا نظير له ﴿توبة﴾ وقوله: ﴿نصوحًا﴾ صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازًا، وهي من نصح الثوب إذا خاطه فكأن التائب يرقع بالمعصية. وقيل: من قولهم: ناصح، أي: خالص. وقرأ شعبة بضم النون، والباقون بفتحها.
تنبيه: أمرهم بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وفي كل الأزمان. واختلفوا في معناها، فقال عمر ومعاذ: التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن في الضرع، وقال الحسن: هي أن يكون العبد نادمًا على ما مضى مجمعًا على أن لا يعود فيه. وقال الكلبي: أن يستغفر باللسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن.
وعن حوشب: أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار، وعن سماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله تعالى أمام عينيك، وتتبعه نظرك. وعن السدي: لا تصح إلا بنصيحة النفس، ونصيحة المؤمنين لأن من صحت توتبته أحب أن يكون الناس مثله.
وقال سعيد بن المسيب: توبة ينصحون فيها أنفسهم. وقال القرطبي: يجمعها أربع أشياء: الإستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الإخوان.
وقال الفقهاء: التوبة التي لا تعلق لحق آدمي فيها لها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها: أن يعزم على أن لا يعود إليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحًا وإن فقد شرط منها لم تصح توبته. وإن كانت تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع: أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالًا ونحوه رده إلى مالكه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها.
قال العلماء: التوبة واجبة من كل معصية كبيرة أو صغيرة على الفور، ولا يجوز تأخيرها وتجب من جميع الذنوب، وإن تاب من بعضها صحت توبته عما تاب منه، وبقي عليه الذي لم يتب منه، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد قال ﷺ «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة» وعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» . وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» .
وعن علي أنه سمع أعرابيًا يقول:
[ ٤ / ٣٣٢ ]
اللهمّ إني أستغفرك وأتوب إليك فقال: يا هذا إن سرعة الاستغفار بالتوبة توبة الكذابين، قال: وما التوبة؟ قال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، وردّ المظالم واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما أذبتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. وقوله تعالى: ﴿عسى ربكم﴾ أي: المحسن إليكم ﴿أن يكفر﴾، أي: يغطى تغطية عظيمة ﴿عنكم سيئاتكم﴾، أي: ما بدا منكم مما يسوء بالتوبة، إطماع من الله لعباده في قبول التوبة وذلك تفضلًا وتكرمًا لا وجوبًا عليه، وإن كان التائب على خطر فما ظنك بالمصر ولكن الفضل واسع.
ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار ذكر نفعها في جلب المسارّ بقوله تعالى: ﴿ويدخلكم﴾، أي: يوم الفصل ﴿جنات﴾ أي: بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها ﴿تجري من تحتها﴾ أي: تحت غرفها وأشجارها ﴿الأنهار﴾ فهي لا تزال ريًا، وقوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿النبي﴾ أي: الذي نبأه الله تعالى بما يوجب له الرفعة التامّة من الأخبار التي هي في غاية العظمة، منصوب بيدخلكم أو بإضمار اذكر، ومعنى يخزي هنا يعذب، أي: لا يعذبه، وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا معه﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منسوقًا على النبي، أي: ولا يخزي الذين آمنوا معه. وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم﴾ مستأنفًا أو حالًا، الثاني: أن يكون مبتدأ وخبره ﴿نورهم يسعى﴾ إلى آخره. وقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ خبر ثان أو حال.
تنبيه: التقييد بالإيمان لا ينفي أن لهم نورًا عن شمائلهم بل لهم نور لكن لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين فهم يمشون في هاتين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أصحاب الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النور إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا ﴿ربنا﴾، أي: أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه ﴿أتمم لنا نورنا﴾، أي: الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام، قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقًا، وعن الحسن: لله متمه لهم ولكنهم يدعون تقربًا إلى الله كقوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك﴾ (غافر: ٥٥) وهو مغفور له، وقيل: يقوله أدناهم منزلة لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون مواطئ أقدامهم لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلًا، وقيل: السابقون إلى الجنة يمرّون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح وبعضهم حبوًا وزحفًا فأولئك الذين يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا ﴿واغفر لنا﴾ أي: وامح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره وهذا النور من صور أعمالهم في الدنيا، لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم، لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل فكل فضيلة يكتنفها رذيلتان إفراط وتفريط فالفضيلة هي الصراط المستقيم والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره تامًا ومن أمالته الشهوات طفئ نوره في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها والمنافق يظهر له نور
[ ٤ / ٣٣٣ ]
إقراره بكلمة التوحيد فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له ﴿إنك﴾ أي: وحدك ﴿على كل شيء﴾ يمكن دخول المشيئة فيه ﴿قدير﴾ أي: بالغ القدرة.
ولما ذكر ما تقدم من لينه ﷺ لأضعف الناس وحسن أدبه وكرم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم أمره سبحانه بالغلظة والشدة على أعدائه بقوله تعالى:
﴿يا أيها النبي جاهد الكفار﴾ أي: بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف، وما دونه من المواعظ الحسنة والدعاء إلى الله تعالى ليعرف أن ذلك اللين لأهل الله تعالى إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك ﴿والمنافقين﴾، أي: جاهدهم بما يليق بهم من الحجة والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة وعرفهم أحوالهم في الآخرة، وإنهم لا نور لهم يجوزون به على الصراط مع المؤمنين، وقال الحسن: وجاهدهم بإقامة الحدود عليهم ﴿واغلظ عليهم﴾، بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر، فالغلظة عليهم من اللين لله تعالى كما أنّ اللين لأهل الله من خشية الله تعالى. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها ﴿ومأواهم﴾ أي: في الآخرة ﴿جهنم وبئس المصير﴾، أي: هي. ولما كان للكفار قرابات بالمسلمين ربما توهم أنها تنفعهم وللمسلين قرابات بالكفار توهم أنها تضرهم ضرب لكل مثلًا، وبدأ بالأول فقال تعالى:
تنبيه: التقييد بالإيمان لا ينفي أن لهم نورًا عن شمائلهم بل لهم نور لكن لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين فهم يمشون في هاتين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أصحاب الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النور إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا ﴿ربنا﴾، أي: أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه ﴿أتمم لنا نورنا﴾، أي: الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام، قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقًا، وعن الحسن: لله متمه لهم ولكنهم يدعون تقربًا إلى الله كقوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك﴾ (غافر: ٥٥) وهو مغفور له، وقيل: يقوله أدناهم منزلة لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون مواطئ أقدامهم لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلًا، وقيل: السابقون إلى الجنة يمرّون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح وبعضهم حبوًا وزحفًا فأولئك الذين يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا ﴿واغفر لنا﴾ أي: وامح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره وهذا النور من صور أعمالهم في الدنيا، لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم، لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل فكل فضيلة يكتنفها رذيلتان إفراط وتفريط فالفضيلة هي الصراط المستقيم والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره تامًا ومن أمالته الشهوات طفئ نوره في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التوحيد فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له ﴿إنك﴾ أي: وحدك ﴿على كل شيء﴾ يمكن دخول المشيئة فيه ﴿قدير﴾ أي: بالغ القدرة.
ولما ذكر ما تقدم من لينه ﷺ لأضعف الناس وحسن أدبه وكرم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم أمره سبحانه بالغلظة والشدة على أعدائه بقوله تعالى:
﴿يا أيها النبي جاهد الكفار﴾ أي: بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف، وما دونه من المواعظ الحسنة والدعاء إلى الله تعالى ليعرف أن ذلك اللين لأهل الله تعالى إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك ﴿والمنافقين﴾، أي: جاهدهم بما يليق بهم من الحجة والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة وعرفهم أحوالهم في الآخرة، وإنهم لا نور لهم يجوزون به على الصراط مع المؤمنين، وقال الحسن: وجاهدهم بإقامة الحدود عليهم ﴿واغلظ عليهم﴾، بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر، فالغلظة عليهم من اللين لله تعالى كما أنّ اللين لأهل الله من خشية الله تعالى. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها ﴿ومأواهم﴾ أي: في الآخرة ﴿جهنم وبئس المصير﴾، أي: هي. ولما كان للكفار قرابات بالمسلمين ربما توهم أنها تنفعهم وللمسلين قرابات بالكفار توهم أنها تضرهم ضرب لكل مثلًا، وبدأ بالأول فقال تعالى:
﴿ضرب الله﴾، أي: الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿مثلًا﴾ يعلم به من فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ ﴿للذين كفروا﴾، أي: غطوا الحق على أنفسهم وعلى غيرهم وقوله تعالى: ﴿امرأت نوح﴾ ﵇ الذي أهلك الله تعالى من كذبه بالغرق ﴿وامرأت لوط﴾ ﵇ الذي أهلك الله تعالى من كذبه بالحصب والخسف، يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿مثلًا﴾ على تقدير حذف المضاف، أي: ضرب الله مثلًا مثل امرأة نوح وامرأة لوط، ويجوز أن يكونا مفعولين، وضرب الله تعالى هذا المثل تنبيهًا على أنه لا يغني أحد عن قريب ولا نسيب في الآخرة إذا فرق بينهما الدين.
قال مقاتل: وكان اسم امرأة نوح والهة واسم امرأة لوط والعة، وقال الضحاك: عن عائشة: «إن جبريل ﵇ نزل على النبي ﷺ فأخبره أن اسم امرأة نوح واعلة واسم امرأة لوط والهة» .
تنبيه: رسمت امرأت في الثلاثة وابنت بالتاء المجرورة، فوقف عليهنّ بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، ووقف الباقون بالتاء. وقوله تعالى: ﴿كانتا﴾ أي: مع كونهما كافرتين ﴿تحت عبدين﴾ جملة مستأنفة كأنها مفسرة لضرب المثل، ولم يأت بضميرها فيقال: تحتهما، أي: تحت نوح ولوط لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة قال القائل:
*لا تدعنى إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي*
ودلّ على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله تعالى: ﴿من عبادنا﴾ ووصفهما بأجل الصفات وهو قوله تعالى: ﴿صالحين﴾ واختلف في معنى قوله ﵎: ﴿فخانتاهما﴾ فقال عكرمة والضحاك: بالكفر.
وعن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن به أحد أخبرت الجبابرة من قومه، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبيّ قط وإنما كانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين، وقيل: كانتا منافقتين، وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحي إليهما شيء أفشتاه إلى المشركين؛ قاله الضحاك، وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف
[ ٤ / ٣٣٤ ]
دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال ﴿فلم﴾ أي: فتسبب عن ذلك أن العبدين الصالحين لم ﴿يغنيا عنهما﴾، أي: المرأتين بحق النكاح ﴿من الله﴾، أي: من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره ﴿شيئًا﴾ أي: من إغناء لأجل خيانتهما ﴿وقيل﴾ أي: للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ الذي لا مردّ له ﴿ادخلا النار﴾، أي: قيل لهما ذلك عند موتهما أو يوم القيامة ﴿مع الداخلين﴾، أي: سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، فلم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئًا من عذاب الله تعالى وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين عائشة وحفصة وما فرط منهما وتحذير لهما على أعلى وجه وأشده وفيه تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة وقيل: أن كفار مكة استهزؤا وقالوا: إن محمدًا يشفع لنا فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار مكة وإن كانوا أقرباء، كما لا ينفع نوح امرأته ولا لوط امرأته مع قربهما لهما لكفرهما.
ثم شرع تعالى في ضرب المثل الثاني: فقال تعالى:
﴿وضرب الله﴾، أي: الملك الأعلى الذي له صفات الكمال ﴿مثلًا للذين آمنوا امرأت فرعون﴾ واسمها آسية وهي بنت مزاحم آمنت وعملت صالحًا فلم تضرّها الوصلة بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل، ولا نفعه إيمانها، كل امرئ بما كسب رهين وأثابها ربها تعالى أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد ﷺ في دار كرامته بصبرها على عبادة الله تعالى وهي في حبالة عدوّه وأسقط وصفه بالعبودية دليلًا على تحقيره وعدم رحمته له لأنه من أعدى أعدائه وقوله تعالى: ﴿إذ قالت﴾ ظرف للمثل المحذوف، أي: مثلهم مثلها حين قالت ﴿رب﴾، أي: أيها المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر الجبار ﴿ابن لي عندك بيتًا﴾ وبينت مرادها بالعندية فقالت: ﴿في الجنة﴾ أي: دار المقربين وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة أكمل خلقه محمد ﷺ فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل ﴿ونجني من فرعون﴾ أي: فلا أكون عنده ﴿وعمله﴾ فلا تسلطه علي بما يضرني عندك في الآخرة فلا أعمل بشيء من عمله وهو شركه، وقال ابن عباس: جماعه ﴿ونجني﴾ أعادت العامل تأكيدًا ﴿من القوم الظالمين﴾ أي: الناس الأقوياء العريقين الذين يضعون أعمالهم في غير موضعها، فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل محبتها للمحبوب، وهو كليم الله موسى ﵇ كما يقال:
*صديق صديقي داخل في صداقتي
وذلك أن موسى ﵇ لما غلب السحرة آمنت به فلما تبين لفرعون إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفي القصة أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت: ﴿رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة﴾ فأبصرته من مرمرة بيضاء فانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألمًا، وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله تعالى امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب.
وقوله تعالى: ﴿ومريم ابنت عمران﴾ عطف على امرأة فرعون تسلية للأرامل ﴿التي أحصنت فرجها﴾ أي: عفت عن السوء وجميع مقدماته، كانت كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على حالها إلى الممات فزوجها الله تعالى في الجنة جزاء لها بخير خلقه محمد ﷺ وقال بعض المفسرين: أراد بالفرج هنا الجيب لقوله تعالى: ﴿فنفخنا﴾،
[ ٤ / ٣٣٥ ]
أي: بمالنا من العظمة بواسطة ملكنا جبريل ﵇ ﴿فيه﴾، أي: في جيب درعها. قال البقاعي: أو في فرجها الحقيقي، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل ﴿من روحنا﴾، أي: من روح خلقناه بلا تواسط أصل وهو روح عيسى ﵇ ﴿وصدقت بكلمات ربها﴾، أي: المحسن إليها واختلف في تلك الكلمات فقال: مقاتل يعني بالكلمات عيسى وأنه نبىّ وعيسى كلمة الله وقال البغوي: يعني الشرائع التي شرعها الله تعالى للعباد بكلماته المنزلة وقيل: هي قول جبريل ﵇ لها ﴿إنما أنا رسول ربك﴾ (مريم: ١٩) الآية، وعلى كل قول استحقت أن تسمى لذلك صديقة، وقرأ: ﴿وكتبه﴾ أبو عمرو وحفص بضم الكاف والتاء جمعًا، والباقون بكسر الكاف وفتح التاء وبعدها ألف إفرادًا والمراد منه الكثرة فالمراد به الجنس فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى على ولدها أو غيره.
وقوله تعالى: ﴿وكانت من القانتين﴾ يجوز في ﴿مَن﴾ وجهان:
أحدهما: أنها لابتداء الغاية.
والثاني: أنها للتبعيض. وقد ذكرهما الزمخشري فقال: فمن للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما وعليها وعلى سائر الأنبياء وآلهم أجمعين.
قال الزمخشري: فإن قلت لم قيل: من القانتين على التذكير؟
قلت: لأن القنوت صفه تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. وقيل: أراد من القوم القانتين، ويجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة، وقال عطاء: من المصلين بين المغرب والعشاء. وعن معاذ بن جبل: إنّ النبي ﷺ قال لخديجة وهي تجود بنفسها: «إذا قدمت على ضرّاتك فأقرئيهنّ منى السلام مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم» وعن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «كمل من نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وما قاله البيضاوي تبعًا للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحًا» حديث موضوع.