مدنية
إلا الآيتين من قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ وهي آخر ما نزلت وآيها مائة وثلاثون وقيل: تسع وعشرون، وعدد كلماتها ألفان وأربعمائة وسبع وتسعون كلمة وحروفها عشرة آلاف وثمانمائة وسبعة وثمانون حرفًا، ولها عدّة أسماء: التوبة، براءة، المقشقشة، البحوثة، المبعثرة، المنقرة، المثيرة، الحافرة، المخزية، الفاضحة، المنكلة، المشردة، المدمدمة، سورة العذاب وإنما سميت بذلك لما فيها من التوبة للمؤمنين والقشقشة من النفاق وهي التبرؤ منه والبحث عن حال المنافقين وإثارتها والحفر عنها وما يخزيهم ويفضحهم وينكلهم ويشردهم ويدمدم عليهم ولم تكتب فيها البسملة لأنه ﷺ لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم وأخرج في معناه عن علي أن البسملة أمان وهي نزلت لرفع الأمن بالسيف، وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب.
وروى البخاريّ عن البراء أنها آخر سورة نزلت، وقيل: كان ﷺ إذا نزل عليه سورة أو آية بين موضعها فتوفي ولم يبيّن موضعها وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال وتسامتها؛ لأنّ في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نبذها فضمت إليها، قال القاضي: يبعد أن يقال إنه ﵊ لم يبيّن كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال لأنّ القرآن مرتب من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله ﷺ على الوجه الذي نقل ولو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور، وفي آيات السورة الواحدة وذلك يخرجه عن كونه
[ ١ / ٥٨٦ ]
حجة بل الصحيح أنه ﵊ أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحيًا، وأنه ﵊ حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحيًا، والقول بأنّ قصتها تشابه قصتها وتناسبها فضمت إليها إنما يتم إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة من قبل أنفسهم لهذه العلة. وقيل: إن الصحابة ﵃ اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة براءة سورة واحدة أم سورتان، فقال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأنّ كلتيهما نزل في القتال، ومجموعهما هو السورة السابعة من الطوال وهي سبع، وما بعدها المؤن؛ لأنهما معًا مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال: سورتان، فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا تركوا بينهما فرجة تنبيهًا على قول من يقول: هما سورة واحدة. وقال بعض أصحاب الإمام الشافعي ﵁: لعل الله لما علم من بعض الناس أنهم ينازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن أمر أن لا تكتب ههنا ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن آية من هذه السورة وجب كونها آية من كل سورة، وقيل غير ذلك. والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه القاضي من أنّ القرآن مرتب من قبل الله ومن قبل رسوله ﷺ على الوجه الذي نقل، وأنه صلى
الله عليه وسلم حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحيًا، وإنما ذكرت هذه الأقوال تشحيذًا للأذهان. وقوله تعالى:
﴿براءة﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: هذه براءة. وقوله تعالى: ﴿من الله ورسوله﴾ من: ابتدائية متصلة بمحذوف تقديره: واصلة من الله ورسوله، ويجوز أن يكون: براءة مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر ﴿إلى الذين عاهدتم﴾ أي: أوقعتم العهد بينكم وبينهم ﴿من المشركين﴾ أي: وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعًا لهما، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع النظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، وإنما الله تعالى ورسوله ﷺ فغنيان عن ذلك، أمّا الله فبالغنى المطلق، وأما الرسول ﷺ فبالذي اختاره للرسالة؛ لأنه ما فعل ذلك إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب.
روي أن النبيّ ﷺ لما خرج إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودًا كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ فأمر الله تعالى بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى: ﴿وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ (الأنفال، ٥٨)
الآية ونقض العهد بما يذكر في قوله تعالى ﴿فسيحوا﴾ أي: سيحوا آمنين أيها المشركون ﴿في الأرض أربعة أشهر﴾ لا يتعرّض لكم فيها ولا أمان لكم بعدها، وكان ابتداء هذه الأشهر يوم الحج الأكبر وانقضاؤها إلى عشر من ربيع الآخر، وقال الأزهري: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم؛ لأنها نزلت في شوّال. وقيل: في ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشرين من شهر ربيع الآخر، وكانت حرمًا لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب؛ لأنّ ذا الحجة والمحرم منها. قال البغوي: والأوّل هو الأصوب وعليه الأكثرون اه. وقيل: العشر من ذي القعدة إلى عشر من شهر ربيع الأوّل؛ لأنّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة
[ ١ / ٥٨٧ ]
وكان نزولها في سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ على موسم الحج سنة تسع ثم أتبعه عليًا ﵁ راكب العضباء ناقة رسول الله ﷺ ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدّي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي من أبي بكر سمع أبو بكر الرغاء فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ وأصل العضباء: المشقوقة الأذن، ولم تكن ناقته ﷺ كذلك ولكن كان ذلك علمًا عليها، والرغاء بالمدّ: صوت ذوات الخف قاله الجوهري، فلما لحقه قال أمير أو مأمور.
وروي أن أبا بكر ﵁ لما كان ببعض الطريق هبط جبريل، وقال: يا محمد لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك فأرسل عليًا ﵁ فرجع أبو بكر ﵁ وقال: يا رسول الله أشيء نزل، قال: نعم فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي، فلما كان قبل التروية بيوم خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد ثلاث عشرة، ثم قال: أمرت بأربع آي بأن أخبروا نادى بها أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف به عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، فقالوا عند ذلك: أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ثم حج رسول الله ﷺ سنة عشر حجة الوداع.
فإن قيل: قد بعث رسول الله ﷺ جماعة لأن يؤدّوا عنه كثيرًا ولم يكونوا من عترته، أجيب: بأنّ هذا ليس على العموم بل مخصوص بالعهود؛ لأنّ العرب عاداتها أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل من الأقارب، فلو تولاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه لجاز أن يقولوا: هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود، فربما لم يقبلوا فلم يخف عليهم بتوليته عليًا ذلك، ويدل على ذلك أن في بعض الروايات لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، وقيل: لما خص أبا بكر بتولية الموسم خص عليًا بهذا التبليغ تطييبًا للقلوب ورعاية للجوانب، وقيل: قرر أبا بكر على الموسم وبعث عليًا خليفة لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون ذلك جاريًا مجرى تنبيه على إمامة أبي بكر.
فإن قيل: ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟ أجيب: بأنهم قالوا: قد نسخ وجوب الصيانة وأبيح قتال المشركين فيها.
﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم ﴿وأنّ الله مخزي الكافرين﴾ أي: مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب.
﴿وأذان﴾ أي: إعلام واقع ﴿من الله ورسوله إلى الناس﴾ إذ الأذان في اللغة الإعلام، ومنه الأذان للصلاة، فإنه إعلام بوقتها وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين.
فإن قيل: لم علقت البراءة بالذين عاهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس أجيب: بأنّ البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث.
﴿يوم الحج الأكبر﴾ أي: يوم عيد النحر لأنّ فيه معظم أفعاله من طواف ونحر وحلق ورمي يقع
[ ١ / ٥٨٨ ]
فيه، ولأن الإعلام كان فيه. وروي أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في حجة الوداع فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر.
وروي أن عليًا ﵁ خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر فقال: يومك هذا فخل سبيلها، وقيل: يوم عرفة لقوله ﷺ «الحج عرفة»، وقيل: أيام منى كلها؛ لأنّ اليوم قد يطلق ويراد به الحين والزمان كقوله يوم صفين ويوم الجمل؛ لأنّ الحرب دامت في هذه الأيام ويطلق عليها يوم واحد. وقيل: هو الذي حج فيه رسول الله ﷺ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود وعيد النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ولا بعده ووصف الحج بالأكبر؛ لأنّ العمرة تسمى الحج الأصغر، وإنما قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها عن الحج. وقيل: وصف بذلك لموافقته حج النبيّ ﷺ حجة الوداع، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة وودّع الناس فيه وخطبهم وعلمهم مناسكهم. وقيل: وصف بذلك لاجتماع أعياد الملل في ذلك اليوم. وقيل: لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين. وقوله تعالى: ﴿إنّ الله بريء من المشركين﴾ أي: من عهودهم فيه حذف تقديره وأذان من الله ورسوله بأنّ الله بريء من المشركين، وإنما حذف الجار لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: ﴿ورسوله﴾ مرفوع على أنه مبتدأ حذف خبره أي: ورسوله.
كذلك وحكي أنّ أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ: ورسوله بالجرّ، فقال: إن كان الله بريء من رسوله فأنا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر ﵁، فحكى الأعرابيّ الواقعة فحينئذٍ أمر عمر بتعليم العربية.
وحكي أيضًا أنّ أعرابيًا قدم في زمن عمر، فقال: من يقرئني مما أنزل الله تعالى على محمد ﷺ فأقرأه رجل براءة، فقال: ﴿إنّ الله بريء من المشركين ورسول﴾ هـ بالجرّ، فقال الأعرابيّ: أوقد برىء الله من رسوله إن يكن الله بريء من رسوله فأنا بريء منه، فبلغ عمر رضي الله تعالى عنه مقالة الأعرابيّ فدعاه فسأله فأخبره الأعرابيّ بذلك، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابيّ فقال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: ﴿إنّ الله بريء من المشركين ورسوله﴾ بالرفع، فقال: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود الدؤلي فوضع النحو. ﴿فإن تبتم﴾ أي: عن الكفر والغدر ﴿فهو﴾ أي: ذلك الأمر العظيم وهو المتاب ﴿خير لكم﴾ أي: من الإقامة على الشرك، وهذا ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لدخول النار. ﴿وإن توليتم﴾ أي: أعرضتم عن الإيمان والتوبة من الشرك ﴿فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ وذلك وعيد عظيم وإعلام بأنّ الله تعالى قادر على إنزال أشدّ العذاب بهم كما قال تعالى: ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة ولفظ البشارة هنا ورد على سبيل الإخبار أو على سبيل الاستهزاء كما يقال محبتهم الضرب وإكرامهم الشتم، وقوله تعالى:
﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ استثناء من المشركين وهم بنو ضمرة حيّ من كنانة أمر الله تعالى رسوله ﷺ بإتمام عهدهم إلى مدّتهم، وكان قد بقي من مدّتهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا كما قال تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ أي: من عهودكم التي عاهدتموهم عليها ﴿ولم يظاهروا﴾ أي: ولم يعاونوا ﴿عليكم أحدًا﴾ من عدوّكم ﴿فأتموا
[ ١ / ٥٨٩ ]
إليهم عهدهم إلى مدّتهم﴾ أي: إلى انقضائها، ولا تجروهم مجرى الناكثين. وقوله تعالى: ﴿إنّ الله يحب المتقين﴾ تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى.
﴿فإذا انسلخ﴾ أي: انقضى وخرج ﴿الأشهر الحرم﴾ التي حرم الله تعالى عليهم فيها قتالهم، وضربت أجلًا لسياحتهم والتعريف مثله في ﴿فأرسلنا إلى فرعون رسولًا فعصى فرعون الرسول﴾ (المزمل، ١٦)
والمراد بكونها حرمًا أنّ الله تعالى حرم القتل والقتال فيها. وقيل: هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، قال البيضاويّ: وهذا يخل بالنظم أي: نظم الآية إذ نظمها يقتضي توالي الأشهر المذكورة. ﴿فاقتلوا المشركين﴾ أي: الناكثين الذين ضربتم لهم هذا الأجل إحسانًا وكرمًا ﴿حيث وجدتموهم﴾ أي: في حل أو حرم أو في شهر حرام أو غيره. ﴿وخذوهم﴾ أي: بالأسر ﴿واحصروهم﴾ أي: بالحبس عن إتيان المسجد الحرام والتصرّف في بلاد الإسلام في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى الإسلام أو القتل ﴿واقعدوا لهم﴾ أي: لأجلهم خاصة، فإن ذلك من أفضل العبادات ﴿كل مرصد﴾ أي: طريق يسلكونه لئلا ينبسطوا في البلاد. وانتصاب كل على الظرفية كقوله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ (الأعراف، ١٦)
وقيل: بنزع الخافض، قال الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء. ﴿فإن تابوا﴾ أي: عن الكفر بالإيمان ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم، فوصلوا ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق. ﴿فخلوا سبيلهم﴾ أي: فدعوهم ولا تتعرّضوا لهم بشيء من ذلك، وفي هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله؛ لأنه إن كان جاحدًا لوجوبهما فهو مرتدّ وإلا قتل بترك الصلاة وأخذت منه الزكاة قهرًا وقوتل على ذلك كما نقل عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لما توفي النبيّ ﷺ واستخلف أبو بكر كفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله» فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدّونها إلى رسول الله ﷺ وفي رواية: عقالًا كانوا يؤدّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أنّ الله شرح صدر أبي بكر إلى القتال، فعرفت أنه الحق. ﴿إنّ الله غفور﴾ أي: بليغ المحو للذنوب التي تاب صاحبها عنها ﴿رحيم﴾ به.
﴿وإن أحد من المشركين﴾ أي: الذين أمرت بقتالهم ﴿استجارك﴾ أي: طلب أن تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء مدّة السياحة ﴿فأجره﴾ أي: فأمنه ودافع عنه من يقصده بسوء. ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ أي: القرآن بسماع التلاوة الدالة عليه فيعلم بذلك ما يدعى إليه من المحاسن ويتحقق أنه ليس من كلام الخلق ﴿ثم﴾ إن أراد الانصراف ولم يسلم ﴿أبلغه مأمنه﴾ أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه لينظر في أمره، ثم بعد ذلك يجوز لك قتلهم وقتالهم من غير غدر ولا خيانة. قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.
تنبيه: أحد: مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر وتقديره: وإن استجارك أحد، ولا يجوز أن
[ ١ / ٥٩٠ ]
يرتفع بالابتداء؛ لأن إن من عوامل الفعل، فلا تدخل على غيره. ﴿ذلك﴾ أي: الأمر بالإجارة للغرض المذكور ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قوم لا يعلمون﴾ أي: لا علم لهم لأنهم لا عهد لهم بنبوّة ولا رسالة ولا كتاب، فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم، وقوله ﷾:
﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ استفهام معناه الجحد أي: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله وهم يغدرون وينقضون العهد ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ أي: من المشركين ﴿عند المسجد الحرام﴾ يوم الحديبية وهم المستثنون قبل ﴿فما استقاموا لكم﴾ أي: أقاموا على العهد ولم ينقضوه ﴿فاستقيموا لهم﴾ أي: على الوفاء وهو كقوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم﴾ (التوبة، ٤)
غير أنه مطلق وهذا مقيد، وما تحتمل الشرطية والمصدرية. ﴿إنّ الله يحب المتقين﴾ أي: من اتقى يوفي بعده لمن عاهده، وقد استقام ﷺ على عهدهم حتى نقضوه بإعانة بني بكر على خزاعة. وقوله تعالى:
﴿كيف﴾ تكرار للاستبعاد بثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلومًا أي: كيف يكون لهم عهد ثابت ﴿وإن﴾ أي: والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة، فهم إن ﴿يظهروا عليكم﴾ أي: يعلو أمرهم على أمركم بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق ﴿لا يرقبوا﴾ أي: لا يراعوا ﴿فيكم﴾ أي: في أذاكم بكل جليل وحقير ﴿إلا﴾ أي: قرابة محققة قال حسان:
*لعمرك إن إلّك من قريش كإلِّ السقب من رأل النعام*
السقب: ولد الناقة، والرأل: ولد النعامة، والخطاب في لعمرك لأبي سفيان، أي: لا قرابة بينك وبين قريش كما لا قرابة بين ولد الناقة وولد النعامة. وقيل: إلا إلهًا، وقيل: جبريل ﴿ولا ذمة﴾ أي: عهدًا بل يؤذوكم ما استطاعوا وقوله تعالى: ﴿يرضونكم بأفواههم﴾ أي: بكلامهم كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد ﴿وتأبى قلوبهم﴾ أي: عن الوفاء به لمخالفة ما فيها من الأضغان ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ أي: راسخو الأقدام في الفسق.
فإن قيل: الموصوفون بهذه الصفة كفار، والكفر أقبح وأخبث من الفسق، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم. وأيضًا الكفار كلهم فاسقون فلا يبقى لقوله: وأكثرهم فائدة؟ أجيب: بأنّ الكافر قد يكون عدلًا في دينه، فلا ينقض العهد، وقد يكون فاسقًا خبيث النفس في دينه فينقضه، فالمراد بالفسق هنا نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده، فلهذا قال: وأكثرهم أي: إنّ هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهد أكثرهم فاسقون في دينهم وعند أقوامهم وذلك يوجب المبالغة في الذم. وقال ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب فلهذا السبب قال: ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام.
﴿اشتروا﴾ أي: استبدلوا ﴿بآيات الله﴾ أي: القرآن ﴿ثمنًا قليلًا﴾ أي: عرضًا يسيرًا من الدنيا، وهو اتباع الأهواء والشهوات مع مصاحبة الكفر، وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النبيّ ﷺ فنقض العهد الذي بينهم بسبب تلك الأكلة ﴿فصدوا﴾ أي: فتسبب لهم ذلك وأداهم إلى أن صدوا ﴿عن سبيله﴾ أي: منعوا الناس من الدخول في دينه ﴿إنهم ساء﴾ أي: بئس ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي: عملهم
[ ١ / ٥٩١ ]
هذا، وما دل عليه قوله تعالى:
﴿لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة﴾ فهو تفسير لا تكرير، وقيل: الأوّل عام في المنافقين، وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. ﴿وأولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء من كل خير ﴿هم المعتدون﴾ الذين تعدوا ما حد الله لهم في دينه وما يوجبه العقد والعهد.
ولما بيّن تعالى حال من لا يرقب في الله إلًا ولا ذمة وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدّى ما حدّ الله تعالى له بين ما يصيرون به من أهل دينه بقوله تعالى:
﴿فإن تابوا﴾ أي: رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض العهد إلى الوفاء به ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أي: المفروضة عليهم بجميع حدودها وأركانها ﴿وآتوا الزكاة﴾ المفروضة عليهم طيبة بها نفوسهم ﴿فإخوانكم﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿في الدين﴾ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وقوله تعالى: ﴿ونفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ اعتراض للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين.
﴿وإن نكثوا﴾ أي: نقضوا ﴿أيمانهم﴾ أي: عهودهم. ﴿من بعد عهدهم﴾ الذي عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدًا من أعدائكم ﴿وطعنوا في دينكم﴾ أي: وعابوا دينكم الذي أنتم عليه وقدحوا فيه. ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أي: الكفار بأسرهم، وإنما خص الأئمة منهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع منهم على هذه الأعمال الباطلة، وقال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وأبي جهل وسائر رؤساء قريش، وهم الذين نقضوا عهودهم وهموا بإخراج الرسول، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة وحققها الباقون، وقول البيضاوي: والتصريح بالياء لحن تبع فيه الكشاف التابع للفراء، وهو مردود، فالجمهور من النحاة والقراء على جواز قلب الهمزة الثانية حرف لين، فبعضهم على جعلها بين بين، وبعضهم على قلبها ياء خالصة، وقوله تعالى: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ قرأ ابن عامر بكسر الهمزة أي: لا تصديق لهم ولا دين وليس في ذلك دلالة على أنّ توبة المرتدّ لا تقبل، والباقون بالفتح جمع يمين أي: لا أيمان لهم على الحقيقة، وأيمانهم ليست بأيمان، وإلا لما طعنوا في دينكم ولم ينكثوا، وفيه دليل على أنّ الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده أي: إن شرط ذلك عليه كما هو مذهبنا وتمسك أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذا على أنّ يمين الكافر لا تكون يمينًا وعند الشافعيّرخمه الله تعالى يمينهم منعقدة، ومعنى هذه الآية عنده أنهم لما لم يؤمنوا بها صارت أيمانهم
كأنها ليست بأيمان والدليل على أنّ يمينهم منعقدة أنّ الله تعالى وصفها بالنكث في قوله تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾ ولو لم تكن منعقدة لما صح وصفها بالنكث وقوله تعالى: ﴿لعلهم ينتهون﴾ متعلق بقاتلوا أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن ينتهوا عما هم عليه من الكفر والطعن في دينكم والمظاهرة عليكم، وهذا في غاية كرم الله تعالى وفضله على الإنسان وليس الغرض إيصال الأذية لهم كما هو طريقة الموحدين.
ولما قال تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أتبعه بذكر ثلاثة أسباب تبعثكم على مقاتلتهم، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: أحدها ما ذكره تعالى بقوله:
﴿ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم﴾ أي: نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا
[ ١ / ٥٩٢ ]
عقد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكرة على خزاعة وهذا يدلّ على أنّ قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرًا لغيرهم وثانيها قوله تعالى: ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ . وقيل: هم اليهود نكثوا عهد الرسول وهموا بإخراجه من المدينة وهذا من أوكد ما يجب القتال لأجله. وثالثها قوله تعالى: ﴿وهم بدؤوكم﴾ أي: بالقتال ﴿أوّل مرّة﴾ أي: هم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة؛ لأن رسول الله ﷺ جاءهم بالكتاب المنير وتحدّاهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال فهم البادؤون بالقتال والبادىء أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم، وبخهم الله تعالى بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها، وتقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب حقيق بأن لا تترك مصادمته، وأن يوبخ من فرّط فيها. ﴿أتخشونهم﴾ أي: أتخافونهم أيها المؤمنون فتتركون قتالهم ﴿فا أحق أن تخشوه﴾ فقاتلوا أعداءه ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: مصدقين بوعد الله تعالى ووعيده؛ لأنّ قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه كقوله تعالى: ﴿ولا يخشون أحدًا إلا الله﴾ (الأحزاب، ٣٩)
ولما وبخهم الله تعالى على ترك القتال جدّد له الأمر به بقوله تعالى:
﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ أي: بالقتل والأسر واغتنام الأموال.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال، ٣٣)
فكيف قال تعالى هنا: ﴿يعذبهم الله بأيديكم﴾؟ أجيب: بأن المراد بالعذاب في الآية الأولى عذاب الاستئصال، وبهذه الآية القتل والأسر. والفرق: أنّ عذاب الاستئصال قد يتعدّى إلى غير المذنب، وإنه في حقه لمزيد الثواب وعذاب القتل مقصور على المذنب وهذا كالتصريح بأنّ هذا الفعل وما عطف عليه فعله تعالى وإن كان جاريًا على أيدي العباد كسبًا لا يرد على ذلك أنه لا يقال يعذب الله المؤمنين بأيدي الكافرين؛ لأنّ ذلك إنما امتنع لشناعة العبارة كما لا يقال: يا خالق القاذورات والأبوال والعذرات وإن كان هو الخالق لها. ﴿ويخزهم﴾ أي: بالذل والفضيحة في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿وينصركم عليهم﴾ أي: يمكنكم من قتلهم وإذلالهم ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ أي: طائفة من المؤمنين وهم خزاعة. وقال ابن عباس ﵄: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديدًا فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.
﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ أي: كربها ووجدها، وقد وفى الله تعالى بما وعد، والآية من المعجزات. وقوله تعالى: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ استئناف أي: إنّ الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين ثم مَنَّ الله تعالى عليهم بالإسلام يوم فتح مكة فأسلموا وحسن إسلامهم. ﴿وا عليم﴾ أي: يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان فهو عليم بكل شيء، فيعلم من يصلح للتوبة ومن لا يصلح لها، أو يعلم ما في قلوبكم من الإقدام والإحجام ﴿حكيم﴾ أي: أحكم جميع أموره.
﴿أم حسبتم﴾ أي: أظننتم ﴿أن تتركوا﴾ فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من
[ ١ / ٥٩٣ ]
الكاذب، والخطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال، وقيل للمنافقين. وأم: بمعنى همزة الإنكار. ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ أي: علمًا ظاهرًا تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل، وعبر تعالى بلما دون لم لدلالتها مع استغراق الزمان على أن تبين ما بعدها متوقع كائن، وقوله تعالى: ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ عطف على جاهدوا داخل في حيز الصلة كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذي وليجة من دون الله. والوليجة: فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل، وهي البطانة من المشركين يتخذونهم يفشون إليهم أسرارهم، وقال قتادة: هي الخيانة. وقال عطاء: هي الأولياء. ﴿وا خبير بما تعملون﴾ من مولاة المشركين وغيرها، فيجازيكم عليه.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ عليّ ﵁ عليه القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له عليّ: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم نحن أفضل منكم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني يعني الأسير فأنزل الله تعالى ردًا على العباس.
﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مسجد الله بدخوله والقعود فيه وخدمته، فإذا دخل بغير إذن مسلم عزر وإن دخل بإذنه لم يعزر، لكن لا بد من حاجة فيشترط للجواز الإذن والحاجة، ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أنّ النبيّ ﷺ شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر، وذهب جماعة إلى أنّ المراد منه العمارة المعروفة من بناء المسجد وترميمه عند خرابه فيمنع منه الكافر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون السين ولا ألف بعدها على التوحيد، وفي هذا دلالة على أن المراد المسجد الحرام. والباقون بفتح السين، وألف بعدها على الجمع. وفيه دلالة على أن المراد جميع المساجد، وقيل: المراد على القراءتين المسجد الحرام، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع. وقوله تعالى: ﴿شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ حال من الواو في يعمروا، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم، وعن ابن عباس ﵄: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك أنّ كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف بثياب قد عملنا فيها المعاصي وكلما طافوا أسبوعًا سجدوا للأصنام فلم يزدادوا من الله إلا بعدًا. وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل: من أنت؟ فيقول: نصراني، واليهوديّ يقول: يهودي، والمشرك يقول: مشرك. ﴿أولئك حبطت﴾ أي: بطلت ﴿أعمالهم﴾ أي: الأعمال التي عملوها من أعمال البر وافتخروا بها مثل العمارة والحجابة والسقاية، وفك العناة مع الكفر لا تأثير لها ﴿وفي النار هم خالدون﴾ لجعلهم الكفر
مكان الإيمان.
[ ١ / ٥٩٤ ]
واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنّ مرتكب الكبيرة من أهل الإيمان لا يبقى مخلدًا في النار من وجهين: الأوّل قوله تعالى: ﴿وفي النار هم خالدون﴾ يفيد الحصر أي: هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا واردًا في حق الكفار ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر. الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار عن كفرهم، فلو كان هذا الحكم جزاء لغير الكافر لما صح تهديد الكافر به. وفي الكشاف: أن الكبيرة تهدم الأعمال وهو جار على مذهبه الفاسد، ولما بيّن تعالى أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين المستحق لعمارتها بقوله تعالى:
﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن با واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش﴾ أحدًا ﴿إلا الله﴾ أي: إنما تتم عمارتها لهؤلاء الجامعين بين الكمالات العملية والعلمية.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان برسوله ﷺ مع أنّ الإيمان به شرط في صحة الإيمان؟ أجيب: بأنه تعالى لما ذكر الصلاة والصلاة لا تتم إلا بالتشهد وهو مشتمل على ذكره كان ذلك كافيًا، ومما علم من أن الإيمان بالله تعالى قرينه وتمامه الإيمان به فكان الإيمان بالرسول ﷺ مذكورًا بطريق أبلغ وهو طريق الكناية لما مرّ من مقارنتهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. وقيل: إن المشركين كانوا يقولون: إنّ محمدًا إنما ادّعى رسالة الله طلبًا للرّياسة والملك، فلذلك ترك ذكر النبوّة فكأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوّة تنبيهًا للكفار على أنه لا مطلوب له من الرياسة.
فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿ولم يخش إلا الله﴾ والمؤمن يخاف الظَلَمة والمفسدين؟ أجيب: بأن المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله تعالى عنه رضا غيره لتوقع مخوف. وإذا اعترضه أمران: أحدهما: حق الله تعالى، والآخر: حق نفسه؛ أن يخاف الله تعالى، فيؤثر حق الله تعالى على حق نفسه. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم. ومن عمارة المساجد: ترميمها وفرشها وتنويرها بالسرج التي لا سرف فيها، وإدامة العبادة فيها والذكر. ومن الذكر درس العلم فيها، بل هو أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن المساجد لأجله كحديث الدنيا.
روي أنه ﷺ قال: «يأتي في آخر الزمان ناس من أمّتي يأتون المساجد، فيقعدون حلقًا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة» . وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» . وفي «الكشاف»: أنه ﷺ قال: «قال الله تعالى: إنّ بيوتي في أرضي المساجد، وإنّ زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره» . قال شيخ شيخنا ابن حجر: لم أجده هكذا، وفي الطبراني عن سلمان ﵁ عن النبيّ ﷺ «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم زائره» .
وروي عنه ﷺ «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» وقال ﷺ «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» . وعن أنس ﵁: من أسرج في مسجد سراجًا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوءه.
وروي أنه ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد وراح أعد الله تعالى له نزلًا
[ ١ / ٥٩٥ ]
من الجنة كلما غدا وراح» . وفي قوله تعالى: ﴿فعسى أولئك﴾ أي: الموصوفون بهذه الصفات ﴿أن يكونوا من المهتدين﴾ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم أطماعهم والانتفاع بأعمالهم التي قد استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها، فإنه تعالى بيّن أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليه الخشية من الله تعالى، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائرًا بين لعل وعسى، فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بخير من عند الله ومنع للمؤمنين من أن يغترّوا بأحوالهم ويتكلوا عليها، وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى:
﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن با واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله﴾ أقوالًا، فعن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملًا بعد أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فنزلت. وعن ابن عباس ﵄ قال العباس حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام وبالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فنزلت. وقيل: إن المشركين قالوا لليهود: نحن علينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه، فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل، فنزلت. وقيل: إنّ عليًا قال للعباس ﵄: يا عم، ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله ﷺ فقال: ألست في أفضل من الهجرة أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام، فلما نزلت قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال رسول الله ﷺ «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا» وكان العباس عم النبيّ ﷺ بيده سقاية الحاج وكان يليها في الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره ﷺ على ذلك.
وروي أنه ﷺ جاء السقاية فاستسقى، فقال العباس ﵁ لابنه الفضل: يا فضل، اذهب إلى أمّك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال له ﷺ «اسقني» قال: يا رسول الله يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني» فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: «اعملوا فإنكم على عمل صالح» . وعن أبيّ بن عبد الله المزني ﵁ قال: كنت جالسًا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي، فقال: مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس ﵄: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، إنما قدم رسول الله ﷺ على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشربه وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوه، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ﷺ والنبيذ: تمر ينقع في الماء غدوة وهو حلال، فإن غلا وخمر حرم.
تنبيه: السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية، فلا بد من مضاف محذوف تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله ﴿لا يستوون عند الله﴾ أي: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله
[ ١ / ٥٩٦ ]
وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على كفره؛ لأنّ الله تعالى لا يقبل عملًا إلا مع إيمان به وبيّن عدم تساويهم بقوله تعالى: ﴿وا لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة النبيّ ﷺ منهمكون في الضلال، فكيف يساوون الذين عاهدهم الله تعالى ووفقهم للحق والصواب؟ وقيل: المراد بالظالمين الذين يسوّون بينهم وبين المؤمنين.
﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله﴾ أي: أعلى مرتبة وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات والمراد من كون العبد عند الله بالاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه قطع العندية بحسب الجهة والمكان؛ لأنّ الأرواح البشرية إذا تطهرت من دنس الأوصاف البدنية أشرقت بأنوار الجلال وتجلى فيها أضواء عالم الكمال، وسرت من العبودية إلى العندية. وقيل: أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة المسجد الحرام.
فإن قيل: على هذا كيف قال في وصفهم أعظم درجة مع أنه ليس للكافر درجة؟ أجيب: بأنّ هذا ورد على حسب ما كانوا يقدّرون؛ لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله. ونظيره قوله تعالى: ﴿الله خير أم ما يشركون﴾ (النحل، ٥٩)
وقوله تعالى: ﴿أذلك خير نزلًا أم شجرة الزقوم﴾ (الصافات، ٦٢)
﴿وأولئك﴾ من هذه صفتهم ﴿هم الفائزون﴾ أي: بسعادة الدنيا والآخرة.
﴿يبشرهم﴾ أي: يخبرهم ﴿ربهم﴾ والبشارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه وتستبشر بشرة وجهه عند سماع ذلك الخبر السار، ثم ذكر ﷾ الذي يبشرهم به بقوله تعالى: ﴿برحمة منه ورضوان﴾، فهذا أعظم البشارات؛ لأنّ الرحمة والرضوان من الله تعالى ﷾ على العبد نهاية مقصودة ﴿وجنات﴾ أي: بساتين كثيرة الأشجار والثمار ﴿لهم فيها﴾ أي: الجنات ﴿نعيم﴾ أي: جزاء خالص عن كدر مّا ﴿مقيم﴾ أي: غير منقطع. وقوله تعالى:
﴿خالدين فيها﴾ حال مقدرة وحقق الخلود بقوله تعالى: ﴿أبدًا﴾، ولما ذكر تعالى هذه الأحوال، قال: ﴿إنّ الله عنده أجر عظيم﴾ وناهيك بما يصفه الله بالعظم وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه العبارات الثلاث المقرونة بالعظم والاسم الأعظم، فكان أعظم الثواب؛ لأنّ إيمانهم أعظم الإيمان.
وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء﴾ أقوالًا فقال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة، وقال ابن عباس رضي الله تعنهما: لما أمر النبيّ ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من تعلق به أهله وولده يقولون: ننشدك الله أن لا تضيعنا، فيرق لهم فيقيم عندهم ويدع الهجرة فنزلت، فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقربائه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه حتى رخص لهم بعد ذلك. قال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة أي: لا تتخذوهم أولياء يمنعوكم عن الإيمان ويصدوكم عن الطاعة لقوله تعالى: ﴿إن استحبوا﴾ أي: اختاروا ﴿الكفر على الإيمان﴾ أي: أقاموا عليه، تركوا الإيمان بالله ورسوله ﴿ومن يتولهم منكم﴾ أي: ومن يختر المقام معهم على الهجرة والجهاد ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ أي: فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله تعالى واختيار الكفار على
[ ١ / ٥٩٧ ]
المؤمنين.
ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل قوله تعالى:
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ﴿إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم﴾ أي: أقرباؤكم مأخوذ من العشرة، وقيل: من العَشَرة، فإن العشرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة ﴿وأموال اقترفتموها﴾ أي: اكتسبتموها ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾ أي: عدم نفاقها بفراقكم لها ﴿ومساكن ترضونها﴾ أي: تستوطنونها راضين بسكناها ﴿أحب إليكم من الله ورسوله﴾ أي: الهجرة إلى الله ورسوله ﴿وجهاد في سبيله﴾ فقعدتم لأجل ذلك عن الهجرة والجهاد، أي: إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿فتربصوا﴾ أي: انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ . قال مجاهد بقضائه أي: عقوبة عاجلة أو آجلة، وقال مقاتل بفتح مكة ﴿وا لا يهدي القوم﴾ أي: لا يخلق الهداية في قلوب ﴿الفاسقين﴾ أي: الخارجين عن طاعته، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا.
﴿لقد نصركم الله﴾ النصرة المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم ﴿في مواطن﴾ أي: أماكن للحرب ﴿كثيرة﴾ كبدر وقريظة والنضير، والمراد بذلك غزواته ﷺ وسراياه وبعوثه، وكانت غزواته ﷺ على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه قاتل في ثمان منها، وأمّا جميع غزواته وسراياه وبعوثه فقيل: سبعون، وقيل: ثمانون ﴿ويوم﴾ أي: واذكر يوم ﴿حنين﴾ وهو واد بين مكة والطائف أي: يوم قتالكم فيه هوازن وقوله تعالى: ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ بدل من يوم حنين، وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أنّ رسول الله ﷺ لما فتح مكة وقد بقي من شهر رمضان أيام، وخرج متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف، واختلفوا في عدد عسكر رسول الله ﷺ فقال عطاء عن ابن عباس ﵄: كانوا ستة عشر ألفًا. وقال الكلبيّ: كانوا عشرة آلاف، وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفًا، عشرة آلاف الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء، وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا، وبالجملة كانوا عددًا كثيرًا، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة إعجابًا بكثرتهم، فساء رسول الله ﷺ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وقيل: قائلها أبو بكر ﵁، وقيل: رسول الله ﷺ وهذا القول بعيد جدًا؛ لأنه ﷺ كان في أحواله كلها متوكلًا على الله تعالى منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم المشركون وتخلوا عن الذراري ثم تنادوا: يا حماة السوادة اذكروا الفضائل فتراجعوا وانكشف المسلمون حتى بلغ منهزمهم مكة وبقي رسول الله ﷺ في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذًا بلجام بغلته، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث وناهيك بهذا شهادة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم على تناهي شجاعته قال البراء بن عازب: كانت
[ ١ / ٥٩٨ ]
هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم واستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان، قال البراء: والذي لا إله إلا هو ما ولي رسول الله ﷺ دبره قط قد رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب والعباس أخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب فطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يولي ثم قال للعباس: «وكان صيتًا صح يا عباس» فنادى: «يا عباد الله يا أصحاب الشجرة» وهم أصحاب بيعة الرضوان المذكورون في قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (الفتح، ١٨)
يا أصحاب سورة البقرة قال الطيبي وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ (البقرة، ٢٨٥)
وقيل: الذين أنزلت عليهم سورة البقرة فرجعوا جماعة واحدة يقولون: لبيك لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال ﵊: «هذا حين حمي الوطيس» أي: اشتدّ الحرب ثم أخذ رسول الله ﷺ كفًا من تراب فرماهم ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة» فانهزموا.
وروي أنه ﷺ نزل عن البغلة، ثم أخذ قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل بها وجوههم، ثم قال: «شاهت الوجوه» . قالت سلمة بن الأكوع: فما خلق الله تعالى منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله تعالى. ﴿فلم تغن﴾ أي: الكثرة. ﴿عنكم شيأ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾ أي: برحبها أي: بسعتها لا تجدون فيها مقرًا تطمئن إليه نفوسكم من شدّة الرعب، ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه. ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ أي: الكفار ظهوركم مدبرين أي: منهزمين، والإدبار الذهاب إلى خلف خلاف الإقبال.
﴿ثم أنزل الله سكينته﴾ أي: رحمته التي سكنوا إليها وأمنوا. ﴿على رسوله وعلى المؤمنين﴾ أي: على الذين انهزموا، فردّوا إلى النبيّ ﷺ لما ناداهم العباس بإذنه ﷺ وقيل: هم الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين وقع الحرب. ﴿وأنزل جنودًا﴾ أي: ملائكة ﴿لم تروها﴾ بأعينكم قال سعيد بن جبير: مد الله نبيه ﷺ بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشرة ألفًا.
وروي أنّ رجلًا من بني النضير قال: للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال الذين عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك النبيّ ﷺ فقال: «تلك الملائكة» ﴿وعذب الذين كفروا﴾ بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب المال. ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾ أي: ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا.
روي أنه ﷺ لما قسم ما أفاء الله عليه يوم حنين في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، لم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله ﷺ فقال: «يا معاشر الأنصار: ألم أجدكم ضلالًا، فهداكم الله بي، وكنتم متفرّقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أنّ قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله، لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أما ترضون أمن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبيّ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، لو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار
[ ١ / ٥٩٩ ]
شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» وعن رافع بن خديج أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطي عباس بن مرداس دون ذلك فقال العباس بن مرداس:
*أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع*
*فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع*
*وما كنت دون امرىء منهما ومن يخفض اليوم لا يرفع*
قال: فأتم رسول الله ﷺ له مائة.
﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ منهم بالتوفيق للإسلام ﴿وا غفور رحيم﴾ فيتجاوز عنهم، ويتفضل عليهم.
روي أنّ ناسًا منهم جاؤوا فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّ الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا قيل: سبي يومئذٍ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل ما لا يحصى فقال: إنّ عندي ما ترون إنّ خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، والحسب ما يعدّه الإنسان من مفاخر آبائه، كنوا بذلك عن اختيار الذراري والنساء على استرجاع الأموال لأنّ تركهم في ذلّ الأسر يفضي إلى الطعن في أحسابهم فقام رسول الله ﷺ فقال: «إنّ هؤلاء جاؤوا مسلمين وإنّا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يردّه فشأنه أي: فليلزم شأنه وأمره ومن لا تطب نفسه ليعطنا وليكن قرضًا علينا أي: بمنزلة القرض حتى نصيب شيئًا فنعطيه مكانه فقالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعلّ فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا.
﴿يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ أي: ذوو نجس لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس أو إنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم أو جعلوا كأنهم النجاسات بعينها مبالغة في وصفهم بها، وعن ابن عباس ﵄ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن رحمه الله تعالى: من صافح مشركًا توضأ وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين والنجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع.
﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ أي: لنجاستهم وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة والمنع من دخول الحرم. قال العلماء: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام:
أحدها: الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخل المسجد بحال ذميًا كان أو مستأمنًا لظاهر هذه الآية وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم لا يؤذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وجوّز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.
القسم الثاني: من بلاد الإسلام الحجاز فيجوز للكافر دخوله بالإذن ولا يقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام. لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى
[ ١ / ٦٠٠ ]
لا أدع إلا مسلمًا» فأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن قدم منهم تاجرًا ثلاثًا وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول وأمّا في العرض فمن جدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشأم.
والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمّة أو أمان لكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة.
وقوله تعالى: ﴿بعد عامهم هذا﴾ إشارة إلى العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ونادى عليّ ﵁ ببراءة وهو سنة تسع من الهجرة وقبل سنة حجة الوداع ولما أمر رسول الله ﷺ عليًا أن يقرأ على مشركي مكة أوّل براءة وينبذ إليهم عهدهم وأنّ الله بريء من المشركين ورسوله قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدّة لانقطاع السبيل وفقد الحمولات وذلك أنّ أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون فلما امتنعوا من دخول الحرم خافوا الفقر وضيق العيش فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿وإن خفتم عيلة﴾ أي: فقرًا وحاجة بانقطاع تجارتهم عنكم ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ أي: من عطائه وتفضله من وجه آخر وقد أنجز الله تعالى وعده بأن أرسل المطر عليهم مدرارًا فكثر خيرهم وأسلم أهل جدّة وصنعاء وتبالة وجرش وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله تعالى ما كانوا يخافون، وتبالة بفتح التاء وجرش بضمّ الجيم وفتح الراء وشين معجمة قريتان من قرى اليمن وقيد ذلك بقوله تعالى: ﴿إن شاء﴾ لتنقطع الآمال إليه تعالى ولينبه على أنه متفضل في ذلك وأنّ الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام. دون عام ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿عليم﴾ أي: بوجوه المصالح ﴿حكيم﴾ أي: فيما يعطي ويمنع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال من أين تأكلون فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر﴾ (التوبة، ٢٩)
فإن قيل: اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف أخبر الله تعالى عنهم بذلك؟ أجيب: بأنّ من اعتقد أن العزير ابن الله وأنّ المسيح ابن الله فليس بمؤمن بل هو مشرك وبأنّ من كذب رسولًا من الرسل فليس بمؤمن واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء ﴿ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله﴾ من الشرك وأكل أموال الناس بالباطل وتبديل التوراة والإنجيل وغير ذلك ﴿ولا يدينون دين الحق﴾ أي: الثابت الذي هو ناسخ لسائر الأديان وهو الإسلام كما قال تعالى: ﴿إنّ الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران، ١٩)
﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: اليهود والنصارى بيان للذين لا يؤمنون ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ وهي الخراج المضروب على رقابهم في نظير سكناهم في بلاد الإسلام آمنين مأخوذ من المجازاة لكفنا عنهم.
وقيل من الجزاء بمعنى القضاء قال الله تعالى: ﴿واتقوا يومًا لا تجزى نفس عن نفس شيئًا﴾ (البقرة، ٤٨)
أي: لا تقضي وقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ حال من الضمير أي: منقادين مقهورين يقال لكل من أعطي شيئًا كرهًا من غير طيب نفس أعطي عن يد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم وهل يجوز أن يوكلوا مسلمًا في دفعها أو لا ينبغي على تفسير الصغار المذكور في قوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾
[ ١ / ٦٠١ ]
أي: أذلاء منقادون لحكم الإسلام ويكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم بما لا يعتقدون حله أن يجوز التوكيل على هذا تفسيره - أن يجلس الآخذ ويقوم الكافر ويطأطىء رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه وهما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من الجانبين: مردود بأن هذه الهيئة باطلة ودعوى سنيتها أو وجوبها أشدّ بطلانًا ولم ينقل أنّ النبيّ ﷺ ولا أحدًا من الخلفاء الراشدين فعل شيئًا من ذلك وعلى تفسيرها بما ذكر يمتنع التوكيل إذا قيل بوجوبه لا باستحبابه.
تنبيه: مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ولكن ألحق بهم المجوس لأنه ﷺ أخذها من مجوس هجر، وقال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وكذا من زعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود صلى الله عليهما وسلم ومن أحد أبويه كتابيّ والآخر وثنيّ وأولاد من تهوّد أو تنصر قبل النسخ أو شككنا في وقت التهوّد والتنصر أكان قبل النسخ أم بعده؟ فلا تعقد لأولاد من تهوّد أو تنصر بعد النسخ في ذلك الدين ولا لعبدة الأوثان والشمس والملائكة والسامرة والصابئون إن خالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم فليسوا منهم وإلا فمنهم، وعن مالك تؤخذ الجزية من كل كافر إلا المرتد، وعن أبي حنيفة إلا مشركي العرب، وأقلّ الجزية دينار لكل سنة عن كل واحد لقوله ﷺ لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «خذ من كلّ حالم» - أي: محتلم - دينارًا صححه ابن حبان والحاكم وتؤخذ من زمن وشيخ هرم وأعمى وراهب وأجير وفقير عجز عن كسب فإذا تمت سنة وهو معسر ففي ذمّته حتى يوسر، وقال أبو حنيفة على الغنيّ ثمانية وأربعون درهمًا وعلى المتوسط نصفها وعلى الفقير الكسوب ربعها ولا شيء على فقير غير كسوب ولا بدّ أن يكون المأخوذ منه حرًّا ذكرًا غير صبيّ ومجنون وتلحق إفاقة مجنون كثرت فإن قلّ زمن الجنون كساعة من شهر فلا أثر لها ولو بلغ ابن ذمي ولم يعط جزية ألحق بمأمنه وإن أعطاها عقد له.
وقيل: عليه كجزية أبيه ولا يحتاج إلى عقد له اكتفاء بعقد أبيه ومن مات ممن عقدت له الجزية أو أسلم أو جنّ أو حجر عليه بفلس أو سفه بعد سنة فجزيته كدين آدميّ أو في أثنائها تقسط وتسقط بالإسلام والموت عند أبي حنيفة.
﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ اختلفوا في قائل هذه المقالة على أقوال: أحدها قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال: إنّ الله فقير ونحن أغنياء وثانيها قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى رسول الله ﷺ جماعة من اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: كيف نتبع دينك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أنّ عزيرًا ابن الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذين القولين القائل إنما هو بعض اليهود إلا أنّ الله تعالى نسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على اسم الواحد يقال: فلان ركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحدًا منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لم يجالس إلا واحدًا. وثالثها: أنّ هذا المذهب لعله كان ثابتًا فيهم ثم انقطع فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولا عبرة بإنكار اليهود لذلك فإنّ الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على
[ ١ / ٦٠٢ ]
التكذيب واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنّ اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرّع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه أن يردّ إليه الذي نسخ من صدورهم فبينما هو يصلي مبتهلًا إلى الله تعالى نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه وقال: يا قوم قد آتاني الله تعالى التوراة وردّها إليّ فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله تعالى ثم إنّ التابوت أنزل بعد ذهابه عنهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله وقيل: لما رفع الله تعالى عنهم التوراة خرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل ﵇ فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم، فحفظه التوراة وأملاها عليهم عن
ظهر قلبه لا يخرم منها حرفًا، فقالوا: ما جمع الله التوراة في قلبه وهو غلام إلا أنه ابنه، وقال الكلبيّ: إنّ بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة وكان عزير إذ ذاك صغيرًا فاستصغره فلم يقتله فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة فبعث الله تعالى عزيرًا ليجدّد لهم التوراة ويكون لهم آية بعد ما أماته الله تعالى مائة سنة وأرسل إليه ملكًا بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت التوراة في صدره فلما أتاهم وقال لهم: أنا عزير كذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فاتل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره ثم إنّ رجلًا منهم قال: إنّ أبي حدّثني أنّ التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوا بها ما كتبه عزير فلم يجدوه غادر حرفًا فقالوا: إنّ الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله.u
وقرأ عاصم والكسائيّ عزير بالتنوين والباقون بغير تنوين، قال الزجاج: الوجه إثبات التنوين فقوله: عزير مبتدأ، وقوله: ابن خبره، وإذا كان كذلك فلا بدّ من التنوين في حال السعة لأنّ عزيرًا ينصرف سواء كان عربيًا أم عجميًا وسبب كونه منصرفًا أمران: أحدهما: أنه اسم خفيف فينصرف وإن كان أعجميًا كهود ولوط والثاني: أنه على صيغة التصغير وأنّ الأسماء الأعجمية لا تصغر. وأمّا الذين تركوا التنوين فلهم فيه أوجه: أحدها أنه أعجميّ معرفة فوجب أن لا ينصرف. وثانيها: قال الفرّاء: نون التنوين ساكنة من عزير والباء من ابن الله ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين فحذف التنوين للتخفيف، وردّ هذا الوجه بأنه مخالف لما تقرّر من أن الوجه عند ملاقاة التنوين للساكن التحريك لا الحذف. وثالثها: أنّ الابن وصف والخبر محذوف والتقدير عزير بن الله معبودنا، وردّ هذا أيضًا بأنه يؤدّي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدّر لأنّ من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر توجه الإنكار إلى الخبر فكان المقصود بالإنكار قولهم: عزير ابن الله معبودنا وحصل تسليم كونه ابن الله ومعلوم أن ذلك كفر.
﴿وقالت النصارى المسيح﴾ أي: عيسى ﴿ابن الله﴾ واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقيل: إنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بلا أب، وقيل: إنّ النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى ﵊ يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع
[ ١ / ٦٠٣ ]
يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى ﵇ ثم قال بولص لليهود: إن الحق مع عيسى وقد كفرنا ومصيرنا إلى النار ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار وكان له فرس يقاتل عليه يقال له العقاب فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه وقال للنصارى: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه الكنيسة ونصروه ودخل بيتًا فيها مكث فيه سنة لا يخرج منه ليلًا ولا نهرًا حتى تعلم الإنجيل ثم خرج منه وقال: إنه نودي أنّ الله قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ثم عمد إلى ثلاث رجال اسم واحد منهم نسطورا والآخر يعقوب والآخر ملكا فعلم نسطورا أنّ عيسى ومريم والإله ثلاث وعلم يعقوب أنّ عيسى ليس بإنسان ولا جسم ولكنه ابن الله وعلم ملكا أنّ عيسى هو الإله لم يزل ولا يزال فلما اشتهر ذلك فيهم دعا كل واحد منهم وقال له: أنت خالصتي فادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من اليلاد ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني، وقال لكل واحد منهم: سأذبح نفسي تقرّبًا إلى عيسى، ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه وتفرّق أولئك الثلاثة فذهب واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس وواحد إلى ناحية أخرى وأحكم كل واحد منهم مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك طوائف من الناس فتفرّقوا واختلفوا ووقع القتال فهذا هو السبب في وقوع الكفر في طوائف النصارى هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى قال الرازي عقب هذه الحكاية: والأقرب عندي أن يقال ورد لفظ الابن في
الإنجيل على سبيل التشريف ثم إنّ القوم لأجل عداوة القوم بالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوّة الحقيقية والجهال قبلوا ذلك وفشا هذا المذهب الفاسد في اتباع عيسى ﵇ والله ﷾ أعلم بالحقيقة ﴿ذلك قولهم بأفواههم﴾ أي: لا مستند لهم عليه.
فإن قيل: كل قول يقال بالفم فما معنى بأفواههم؟ أجيب: بأنه قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ تفوهوا به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تدل على معان وذلك أنّ القول الدالّ على معنى لفظه مقول بالفم ومعناه مؤثر في القلب وما لا معنى له مقول بالفم لا غير أو بأن يراد بالقول المذهب كقولهم قول الشافعيّ رحمه الله تعالى يريدون مذهبه وما يقول به كأنه قيل: ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم لأنه لا حجة معه ولا شبهة حتى تؤثر في القلوب وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له ولا ولد لم تكن لهم شبهة في انتفاء الولد قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولًا مقرونًا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورًا ﴿يضاهون﴾ قال ابن عباس: يشابهون، وقال مجاهد: يواطئون، وقال الحسن: يوافقون ﴿قول الذين كفروا من قبل﴾ أي: من قبلهم ولا بدّ من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قول الذين كفروا ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعًا والمعنى أنّ الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم فالكفر قديم فيهم غير مستحدث أو يضاهي قول المشركين: الملائكة بنات الله، وقيل: الضمير للنصارى أي: يضاهي قولهم: المسيح ابن الله قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم. وقرأ عاصم بكسر الهاء وبعدها همزة مضمومة والباقون بضمّ الهاء ولا همز بعدها وقوله تعالى: ﴿قاتلهم الله﴾ دعاء
[ ١ / ٦٠٤ ]
عليهم بالهلاك فإنّ من قاتله الله تعالى هلك أو تعجب من شناعة قولهم كما يقال لمن فعل فعلًا يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله وقيل: لعنهم الله.
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كل شيء في القرآن مثله فهو لعن ﴿أنى يؤفكون﴾ أي: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل مع قيام الدليل بأنّ الله تعالى واحد أحد فجعلوا له ولدًا تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا وهذا التعجب راجع إلى الخلق لأنّ الله تعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم فالله تعالى عجب نبيه ﷺ من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل.
﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم﴾ أي: اتخذ اليهود أحبارهم أي: علماءهم والحبر في الأصل العالم من أي طائفة كان واختص في العرف بعلماء اليهود من ولد هرون وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حبر بالفتح وينكر الكسر، واتخذ النصارى رهبانهم أي: عبادهم أصحاب الصوامع، والراهب في الأصل من تمكنت الرهبة من قلبه فظهر آثارها على وجهه ولباسه واختص في العرف بعلماء النصارى أصحاب الصوامع ﴿أربابًا من دون الله﴾ لأنهم أطاعوهم في تحريم ما أحلّ الله تعالى وتحليل ما حرّم الله تعالى كما تطاع الأرباب في أوامرهم ونحوه تسمية أتباع الشيطان فيما يوسوس به عباده كما قال تعالى: ﴿بل كانوا يعبدون الجنّ﴾ (سبأ، ٤١)
وقال إبراهيم الخليل ﵇: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾، وعن عدي بن حاتم أنه قال: أتيت النبيّ ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فوصل إلى هذه الآية فقلت: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ويحلون ما حرّمه فتحلونه، قلت: بلى، قال: تلك عبادتهم» قال عبد اللهبن المبارك:
*وهل بدّل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها*
فإن قيل: إنه تعالى كفرهم بسبب أن أطاعوا الأحبار والرهبان فالقاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره على ما هو قول الخوارج. أجيب: بأنّ الفاسق وإن كان يقبل دعوى الشيطان إلا أنه لا يعظمه بل يلعنه ويستخف به وأمّا هؤلاء فكانوا يقبلون قول الأحبار والرهبان ويعظمونهم وقد يبالغ بعض الجهال في تعظيم شيخه بحيث يميل طبعه إلى القول بالحلول والاتحاد وذلك الشيخ إذا كان طالبًا للدنيا بعيدًا عن الآخر بعيدًا عن الدين قد يلقي إليهم أنّ الأمر كما يقولون ويعتقدون، وعن الفضيل رضي الله تعالى عنه ما أبالي أطعت مخلوفًا في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة ﴿والمسيح بن مريم﴾ أي: اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابنًا فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه ابن مريم فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته للآدميين في الحمل والولادة والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ﴿وما أمروا﴾ أي: في التوراة والإنجيل ﴿إلا ليعبدوا﴾ أي: ليطيعوا على وجه التعبد ﴿إلهًا واحدًا﴾ أي: لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة وهو الله تعالى وأما طاعة الرسول ﷺ وطاعة من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة طاعة الله تعالى وقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ صفة ثانية أو استئناف مقرّر للتوحيد ﴿سبحانه عما يشركون﴾ أي: تعالى وتنزه عن أن يكون له
[ ١ / ٦٠٥ ]
شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية يستحق التعظيم والإجلال.
﴿يريدون﴾ أي: رؤساء اليهود والنصارى ﴿أن يطفئوا نور الله﴾ أي: شرعه وبراهينه الدالة على واحدانيته وتقديسه عن الولد أو القرآن أو نبوّة محمد ﷺ ﴿بأفواههم﴾ أي: بأقوالهم الكاذبة وشركهم وفي تسمية دينه أو القرآن أو نبوّة محمد ﷺ نورًا ومعاندتهم إطفاءه بأفواههم تمثيل لحالهم في طلبهم أن يبطلوا نور الله بالتكذيب بالشرك بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق والإضاءة ليطفئه بنفخه ويطمسه ﴿ويأبى الله﴾ أي: لا يرضى ﴿إلا أن يتمّ نوره﴾ بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام.
فإن قيل: كيف جاز أبى الله إلا كذا ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدًا؟ أجيب: بأنه أجرى أبى مجرى لم يرد ألا ترى كيف قوبل ﴿يريدون أن يطفئوا﴾ بقوله: ﴿ويأبى الله﴾ وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره وقوله تعالى: ﴿ولو كره الكافرون﴾ محذوف الجواب لدلالة ما قبله أي: ولو كرهوا غلبته.
﴿هو الذي أرسل رسوله﴾ محمدًا ﷺ ﴿بالهدى﴾ أي: القرآن الذي أنزله عليه وجعله هاديًا له ﴿ودين الحق﴾ أي: دين الإسلام ﴿ليظهره﴾ أي: ليعليه ﴿على الدين كله﴾ أي: جميع الأديان المخالفة له وهذا كالبيان لقوله تعالى: ﴿ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره﴾ ولذلك كرّر ﴿ولو كره المشركون﴾ غير أنه وضع المشركون موضع الكافرون للدلالة على أنهم ضمو الكفر بالرسول إلى الشرك بالله تعالى.
فإن قيل: الإسلام لم يضمّ غالبًا لسائر الأديان في أرض الصين والهند والروم وسائر بلاد الكفر أجيب عن ذلك بأوجه: الأوّل: بأنه لا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن ذلك في جميع مواضعهم فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب وغلبوا النصارى على بلاد الشأم وما والاها إلى ناحية الروم والمغرب وغلبوا المجوس على ملكهم وغلبوا عُبَّاد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الهند والترك وكذا سائر الأديان فثبت أنّ الذي أخبر الله تعالى عنه في هذه الآية قد وقع وحصل فكان ذلك إخبارًا عن الغيب فكان معجزًا.
الوجه الثاني: ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: هذا وعد من الله تعالى بجعل الإسلام غالبًا على جميع الأديان وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى ﵇ فإنه لا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام، وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج.
الوجه الثالث: أنّ المراد إظهاره في جزيرة العرب وقد حصل ذلك فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدًا من الكفار، وقال ابن عباس: الهاء في ﴿ليظهره﴾ إلى الرسول ﷺ والمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره عليها حتى لا يخفى عليه شيء منها.
﴿يأيها الذين آمنوا إنّ كثيرًا من الأحبار﴾ أي: علماء اليهود ﴿والرهبان﴾ أي: عباد النصارى ﴿ليأكلون﴾ أي: يتناولون ﴿أموال الناس بالباطل﴾ كالرشا وإنما عبر بالأكل لأنه معظم المراد من المال وإشارة إلى تحقير الأحبار والرهبان بأن يفعلوا ما ينافى مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه بإظهار الزهد والمبالغة في التدين قال الرازي: ولعمري من تأمّل أحوال الناس في زماننا وجد هذه الآيات كأنها
[ ١ / ٦٠٦ ]
ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعظمة مثل الملائكة المقرّبين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله ﴿ويصدّون﴾ الناس ﴿عن سبيل الله﴾ أي: دينه ولما كان مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه بين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين أمّا المال فهو المراد بقوله تعالى: ﴿ليأكلون أموال الناس بالباطل﴾ (التوبة، ٣٤)
وأما الجاه فهو المراد بقوله: ﴿ويصدّون عن سبيل الله﴾ فإنهم لو أقرّوا بأنّ محمدًا ﷺ على الحق لزمهم متابعته وحينئذ كان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم ولأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعته ﷺ ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة وفي منع الخلق من قبول دينه الحق ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ يحتمل أن يراد بقوله: ﴿الذين﴾ أولئك الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله تعالى: ﴿ليأكلون أموال الناس بالباطل﴾ ووصفهم أيضًا بالبخل الشديد والامتناع من إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ولا يؤدّون حقه ويكون اقترانهم بالمرتشين من اليهود والنصارى تغليظًا ودلالة على أنّ من يأخذ منهم السحت ومن لا يعطي منكم بطيب زكاة ماله سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم وأن يراد كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين.
لما روي عن زيد بن وهب قال مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلت بهذه الأرض فقال: كنا بالشأم فقرأت: ﴿والذين يكنزون الذهب﴾ الآية فقال معاوية: ما هذا فينا ما هذا إلا في أهل الكتاب، فقلت: إنها فيهم وفينا فصار ذلك سببًا لوحشة بيني وبينه فكتب إليّ عثمان أن أقبل إلي فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريبًا فقلت: إني والله لن أدع ما كنت أقول وأصل الكنز في كلام العرب الجمع وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز يقال: هذا جسم مكتنزًا الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم على قولين: الأوّل: وهو ما عليه الأكثر أنه المال الذي لم تؤدّ زكاته لما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من آتاه الله مالًا فلم يؤدّ زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني: شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ﴿ولا تحسبّن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾ (آل عمران، ١٨٠)
الآية»، والشجاع: الحية، والأقرع صفته لطول عمره لأنّ من طال عمره تمزق شعره وذهب وهي صفة أخبث الحيات، والزبيبتان: الزائدتان في الشدقين.
وروي لما نزلت هذه الآية كبر على المسلمين فذكر عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فقال: إنّ الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم» وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ يريد الذين
[ ١ / ٦٠٧ ]
لا يؤدّون زكاة أموالهم، قال القاضي عياض تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه بل الواجب أن يقال: الكنز هو الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات وبين ما يلزم من نفقة الحج وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كلّ هذا الآثام وأن يكون داخلًا في الوعيد والقول الثاني: إنّ المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم واحتج الذاهبون إلى هذا القول بعموم الآية وبما روي أنه ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: «تبا الذهب تبا للفضة» قالها ثلاثًا فقالوا له: أي مال نتخذ قال: «لسانًا ذاكرًا وقلبًا خاشعًا وزوجة تعين أحدكم على دينه» وقال ﵊: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها» وتوفي شخص فوجد في مئزره دينار فقال ﷺ «كية» وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: «كيتان» وأجاب القائلون بالأوّل بأنّ هذا كان قبل فرض الزكاة فأمّا بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم أن يجمع عبده مالًا من حيث أذن فيه ويؤدّي ما أوجب عليه فيه ثم يعاقبه.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن هذه الآية فقال: كانت قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال وقال ما أبالي لو أنّ لي مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى.
وروي أنه ﷺ قال: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» وقال ﷺ «ما أدّي زكاته فليس بكنز» وكان في زمانه ﷺ جماعة معهم الأموال كعثمان وعبد الرحمن بن عوف وكان ﵊ يعدّهم من أكابر الصحابة وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل وإلا دخل في الورع والزهد في الدنيا والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه وكونه أدخل في الورع لأمور منها أن كسب المال شاق شديد وحفظه بعد حصوله أشدّ وأشق وأصعب فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل وأخرى في طلب الحفظ ثم إنه لا ينتفع منها إلا بالقليل ومنها أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان كما قال تعالى: ﴿إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ (العلق، آيتان: ٦ - ٧)
فالطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ويوقع في الخذلان والخسران ومنها أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه.
فإن قيل: قال ﵊: «اليد العليا خير من اليد السفلى» أجيب: بأنّ اليد العليا إنما إفادته صفة الخيرية لأنه لما أعطى ذلك القليل تسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليل فحصل له الخيرية وبسبب أنه حصل للفقير بذلك الزيادة القليلة حصلت له المرجوحية.
فإن قيل: إنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة ثم قال: ﴿ولا ينفقونها﴾ فلم أفرد الضمير؟ أجيب: بأنّ الضمير راجع إلى المعنى دون اللفظ لأنّ كل واحد منهما جملة وافية وعدّة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ (الحجرات، ٩)
وقيل: ذهب به إلى المكنوز، وقيل: إلى الأموال، وقيل: التقدير ولا ينفقون الفضة وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث أنهما معًا يشتركان في ثمنية الأشياء أو أن ذكر أحدهما يغنى عن الآخر كقوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها﴾ (الجمعة، ١١)
جعل
[ ١ / ٦٠٨ ]
الضمير للتجارة وقيل: التقدير والذهب كذلك كما أنّ قول القائل: فإني وقيار بها لغريب أي: وقيار كذلك.
فإن قيل: ما السبب في كونه خصهما بالذكر من سائر الأموال؟ أجيب: بأنهما خصا من دون سائر الأموال لأنهما أشرف الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز ومن كنزا عنده لم يعدم سائر أجناس المال فكان ذكر كنزهما دليلًا على ما سواهما ثم إنه تعالى لما ذكر من يكنز الذهب والفضة قال تعالى: ﴿فبشرهم﴾ أي: أخبرهم ﴿بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم وعبر بالبشارة على سبيل التهكم.
﴿يوم يحمى عليها﴾ أي: الكنوز بأن تدخل ﴿في نار جهنم﴾ فيوقد عليها ﴿فتكوى﴾ أي: تحرق ﴿بها﴾ أي: بهذه الأموال ﴿جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ قال ابن مسعود ﵁ لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته، وسئل أبو بكر الورّاق لم خصت الجباه والجنوب والظهور بالكي قال: لأنّ الغنيّ صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته وإذا جلس الفقير بجنبه تباعد عنه وولى عليه ظهره، وقيل: المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع أما من مقدمه فعلى الجبهة وأمّا من خلفه فعلى الظهر وأمّا من يمينه ويساره فعلى الجنبين، وقيل: لأنّ جمعهم وإمساكهم المال كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدّي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحة له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره كلما بردت عليه أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار» وقوله تعالى: ﴿هذا ما كنزتم﴾ على إرادة القول أي: يقال لهم هذا ما كنزتم ﴿لأنفسكم﴾ أي: لمنفعتها وكان عين مضرتها وسبب تعذبيها ﴿فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ أي: تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم، وعن أبي ذر ﵁ قال: انتهيت إلى النبيّ ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: «هم الأخسرون ورب الكعبة» فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمّي من هم قال: «هم؟ الأكثرون أموالًا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم» .
﴿إنّ عدّة الشهور﴾ أي: عددها ﴿عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ وهي المحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وشهر ربيع الثاني وجمادى الأوّل وجمادى الثاني ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوّال وذو القعدة وذو الحجة، هذه شهور السنة القمرية التي هي مبنية على سير القمر في المنازل وهي شهور العرب التي يعتدّ بها المسلمون في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يومًا والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورة واحدة تامّة وهي ثلثمائة وخمسة وستون يومًا وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف قال المفسرون: وسبب نزول هذه الآية من أجل النسىء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية
[ ١ / ٦٠٩ ]
فكان حجهم يقع تارة في وقته وتارة في المحرّم وتارة في صفر وتارة في غيرهما من الشهور فأعلم الله تعالى أنّ عدة الشهور سنة المسلمين التي يعتدون بها اثنا عشر شهرًا على منازل القمر وسيره فيها وهو قوله تعالى: ﴿إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ أي: في علمه وحكمه ﴿في كتاب الله﴾ أي: في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل وهو أصل الكتب التي أنزلها الله تعالى على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل فيما أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصوابًا ﴿يوم خلق السموات والأرض﴾ أي: إنّ هذا الحكم حكم به قضاه يومئذ أي: السنة اثنا عشر شهرًا ﴿منها﴾ أي: الأشهر ﴿أربعة حرم﴾ ثلاثة سواء ذو القعدة بفتح القاف وذو الحجة بكسر الحاء على المشهور فيهما وسميا بذلك لقعودهم عن القتال في الأوّل ولوقوع الحج في الثاني، والمحرّم بتشديد الراء المفتوحة سمي بذلك لتحريم القتال فيه وقيل: لتحريم الجنة فيه على إبليس ودخلته اللام دون غيره من الشهور لأنه أوّلها فعرفوه كأنه قيل: هذا الشهر الذي ابتدأ أول السنة
وواحد فرد وهو رجب ويجمع على أرجاب ورجاب ورجوب ورجبات، ويقال له: الأصم والأصب، وقيل: لم يعذب الله أمّة في شهر رجب ورد عليه بأنّ الله تعالى أغرق قوم نوح فيه قاله الثعلبي، وهذا الترتيب الذي ذكرناه في عد الأشهر الحرم وجعلها من سنتين هو الصواب كما قاله النوويّ في شرح مسلم ويؤيده قوله ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» وعدها الكوفيون من سنة واحدة فقالوا: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، قال ابن دحية: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها مرتبة فعلى الأوّل يبتدىء بذي القعدة وعلى الثاني بالمحرم ومعنى الحديث أنّ الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسىء الذي كان في الجاهلية وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة وكانت حجة أبي بكر ﵁ قبلها في ذي القعدة ومعنى الحرم أنّ المعصية فيها أشدّ عقابًا والطاعة فيها أكثر ثوابًا والعرب كانوا يعظمونها جدًّا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرّض له.
فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة فما السبب في هذا التمييز؟ أجيب: بأنّ هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلع الرسالة وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة ﴿ذلك﴾ أي: تحريم الأشهر الأربعة ﴿الدين القيم﴾ أي: المستقيم وهو دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ والعرب ورثوه منهما، وقيل: المراد بالدين الحساب يقال: الكيس من دان نفسه أي: حاسبها، والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية على
[ ١ / ٦١٠ ]
هذا التقدير ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدد المستوي وقال الحسن: ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير فالقيم هنا بمعنى القائم الدائم الذي لا يزول وهو الدين الذي فطر الناس عليه ﴿فلا تظلموا فيهنّ﴾ أي: الأشهر الحرم ﴿أنفسكم﴾ بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزرًا لأنّ الله تعالى خص هذه الشهور بمزيد احترام في آية أخرى وهو قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (البقرة، ١٩٧)
فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضًا إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيهًا على زيادتها في الشرف وقال ابن عباس: إنّ المراد فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقًا في جميع العمر قال الفراء: والأوّل أولى لأنّ العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة فيهنّ فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها: والأصل فيه أنّ جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ويكنى عن جمع الكثرة كما يكنى عن واحدة مؤنثة كما قال حسان:
*لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما*
قال: يلمعن ويقطرن لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ولو جمع جمع الكثرة لقال: تلمع وتقطر هذا في الاختيار ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة:
*ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب*
فقال: بهن، والسيوف جمع كثرة، وقيل: المراد بالظلم المقاتلة في هذه الأشهر، وقيل: النسيء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الذي أمر الله تعالى بإقامته فيه إلى شيء آخر ويغيرون تكاليف الله تعالى والجمهور على أنّ حرمة المقاتلة في الأشهر الحرم منسوخة، وعن عطاء لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم والأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأوّل ما روي أنه ﷺ حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوّال وذي القعدة، وقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ أي: جميعًا في كل الشهور ﴿كما يقاتلونكم كافة واعلموا أنّ الله مع المتقين﴾ بالعون والنصرة ومن كان معه نصر لا محالة.
﴿إنما النسيء﴾ أي: التأخير لحرمة شهر إلى آخر كما كانت الجاهلية تفعل كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرّموا مكانه شهرًا آخر ورفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرّد العدد فكانوا يؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر فيحرّمون صفر ويستحلون المحرم فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع وهكذا شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها وكانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي القعدة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين وكذا باقي شهور السنة فوافقت حجة أبي بكر ﵁ في السنة التاسعة في ذي القعدة قبل حجة الوداع بسنة ثم حج النبي ﷺ في العام المقبل حجة الوداع فوافق حجه في شهر ذي الحجة وهو شهر الحج المشروع فوقف بعرفة في اليوم التاسع وخطب بالناس في اليوم العاشر وأعلمهم أنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض - الحديث المتقدّم - وأمرهم بالمحافظة على ذلك لئلا يتبدل في مستأنف الأيام وقد رجع المحرّم إلى موضعه الذي وضعه الله تعالى وذلك بعد دهر طويل.
وروي عن أبي
[ ١ / ٦١١ ]
بكر ﵁ أنه قال قال رسول الله ﷺ في خطبته لنا: «أيّ شهر هذا» قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس ذا الحجة» قلنا: بلى قال: «أيّ بلد هذا» قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس البلد الحرام» قلنا: بلى قال: «فأي يوم هذا» قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس يوم النحر» قلنا: بلى قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل بلغت» قلنا: نعم قال: «اللهم اشهد» واختلفوا في أوّل من نسأ النسيء فقال ابن عباس: بنو مالك بن كنانة وكان يليه أبو ثمامة وجنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يقوم على جمل بالموسم فينادي إنّ آلهتكم قد أحلت لكم المحرّم فأحلوه ثم ينادي في قابل إنّ آلهتكم قد حرمت عليكم المحرّم فحرّموه وقال الكلبي: أوّل من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة، وقيل: أول من فعل ذلك عمرو بن لحي وهو أوّل من سيب السوائب وقال فيه النبيّ ﷺ «رأيت عمرو بن لحيّ يجرّ قصبه في النار» . وقوله تعالى: ﴿زيادة في الكفر﴾ معناه أنه تعالى حكى عنهم أنواعًا كثيرة من الكفر فلما ضموا تحريم ما أحل الله تعالى وتحليل ما حرّم الله تعالى وهو كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المتقدّمة من الكفر زيادة في الكفر لأنّ الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفرًا فزادتهم رجسًا إلى رجسهم كما أنّ المؤمن كلما أحدث طاعة ازدادا إيمانًا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون. وقرأ ورش النسيّ بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها فبقيت ياء مضمومة مشدّدة والباقون بهمزة
مضمومة هذا في الوصل وأمّا الوقف فورش يقف بياء مشدّدة ساكنة وحمزة كذلك وله فيه الروم والاشمام والباقون بهمزة ساكنة ﴿يضل به﴾ أي: بهذا التأخير الذي هو النسيء ﴿الذين كفروا﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء وفتح الضاد لقوله تعالى: ﴿زين لهم سوء أعمالهم﴾ والباقون بفتح الياء وكسر الضاد على معنى أنهم هم الضالون لقوله تعالى: ﴿يحلونه﴾ أي: يحلون النسيء من الأشهر الحرم ﴿عامًا﴾ ويحرّمون مكانه شهرًا آخر ﴿ويحرّمونه عامًا﴾ فيتركونه على حرمته وإنما فعلوا ذلك ﴿ليواطؤا﴾ أي: ليوافقوا ﴿عدّة﴾ أي: عدد ﴿ما حرّم الله﴾ من الأشهر فلا يزيدون على تحريم أربعة أشهر ولا ينقصون عنها ولا ينظرون إلى أعيانها ﴿فيحلوا ما حرّم الله﴾ بمواطأة العدة من غير مراعاة الوقت الذي يحلون إليه الأشهر الحرم ﴿زين لهم سوء أعمالهم﴾ قال ابن عباس: زين لهم الشيطان هذا العمل حتى حسبوا هذا القبيح حسنًا ﴿وا لا يهدي القوم الكافرين﴾ أي: هداية موصلة إلى الاهتداء لما سبق لهم في الأزل أنهم من أهل النار، ولما رجع النبيّ ﷺ من الطائف إلى المدينة وحث على غزوة تبوك وكان ذلك الوقت زمان عسرة وشدّة حرّ وطابت ثمار المدينة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوز جلًا للناس أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم
[ ١ / ٦١٢ ]
فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فنزل:
﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم﴾ بإدغام التاء في الأصل في المثلثة واجتلاب همزة الوصل إذ أصله تثاقلتم ومعناه تباطأتم وملتم عن الجهاد ﴿إلى الأرض﴾ والقعود فيها والاستفهام للتوبيخ، قال المحققون وإنما تثاقل الناس من وجوه: الأوّل: شدّة الزمان في الصيف والقحط، والثاني: بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به عادتهم في سائر الغزوات، والثالث: إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت، والرابع شدّة الحرّ في ذلك الوقت ثم قال لهم الله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا﴾ وغرورها ﴿من الآخرة﴾ بدل الآخرة ونعيمها ﴿فما متاع الحياة الدنيا في﴾ جنب متاع ﴿الآخرة إلا قليل﴾ أي: حقير لأنّ متاع الدنيا يفقد عن قريب ونعيم الآخرة باق على الدوام فلهدا السبب كان متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة قليلًا وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأنّ الله تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم يكن الجهاد واجبًا لما عاتبهم الله على التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور في قوله تعالى:
﴿إلا﴾ أي: بإدغام نون إن الشرطية في لا في الموضعين ﴿تنفروا﴾ أي: تخرجوا مع النبيّ ﷺ للجهاد ﴿يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ أي: مؤلمًا في الآخرة لأنّ العذاب الأليم لا يكون إلا فيها أو بالإهلاك بسبب فظيع كقحط وظهور عدو، وقيل: باحتباس المطر عنهم قال ابن عباس: استنفر رسول الله ﷺ حيًا من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر فكان ذلك عذابهم ﴿ويستبدل قومًا غيركم﴾ أي: يأت بهم بدلكم قال ابن عباس: هم التابعون وقال سعيد بن جبير: أبناء فارس، وقال أبو روق: هم أهل اليمن، قال الرازي: وهذه الوجوه ليست تفسيرًا للآية لأنّ الآية ليس فيها إشعار بها بل حمل لذلك المطلق على صورة معينة شاهدوها وقال في الكشاف بعد ذكره ذلك والظاهر مستغن عن التخصيص ﴿ولا تضروه شيئًا﴾ أي: لا يقدح تثاقلكم في نصردينه شيئًا فإنه الغني عن كل شيء وفي كل أمر وقيل: الضمير راجع إلى الرسول ﷺ أي: ولا تضروره لأنّ الله تعالى وعده أن ينصره ووعده كائن لا محالة ﴿وا على كل شيء قدير﴾ أي: فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا عدد كما قال تعالى: ﴿إلا تنصروه﴾ أي: محمدًا ﷺ أيها المؤمنون ﴿فقد نصره الله﴾ فإنه المتكفل بنصرة رسوله ﷺ في إعزاز دينه وإعلاء كلمته أعنتموه أو لم تعينوه فإنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد وقد نصره ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿أخرجه الذين كفروا﴾ من مكة حين مكروا به حيث تشاوروافي قتله أو إخراجه أو إثباته في دار الندوة فكان ذلك لإذن الله له في الخروج من بينهم حالة كونه ﴿ثاني اثنين﴾ أي: أحدهما أبو بكر ﵁ لا ثالث لهما لم يبصرهما إلا الله تعالى وقوله تعالى: ﴿إذ﴾ بدل من إذ قبله ﴿هما في الغار﴾ أي: غار ثور الذي في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على مسيرة ساعة منها لما كمنا فيه ثلاث
ليال ليفتر عنهما الطلب وذلك قبل أن يصلا إليكم ويعوّلا في النصر عليكم وقوله تعالى: ﴿إذ﴾ بدل ثان ﴿يقول﴾ ﷺ ﴿لصاحبه﴾ أبي بكر الصدّيق ﵁ وثوقًا بربه غير منزعج من شيء وقد قال له أبو بكر لما رأى أقدام المشركين
[ ١ / ٦١٣ ]
لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا ﴿لا تحزن﴾ والحزن همّ غليظ بتوجع يرق له القلب وإنما كان خوفه على رسول الله ﷺ فإنهما لما وصلا الغار نزل أبو بكر الغار أولًا يلتمس ما في الغار فقال له النبيّ ﷺ «ما لك» فقال: بأبي أنت وأمّي الغار مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك وكان في الغار جُحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي رسول الله ﷺ فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفًا على رسول الله ﷺ فقال له ﷺ «لا تحزن» ﴿إن الله معنا﴾ فقال له أبو بكر: وإنّ الله لمعنا فقال الرسول ﷺ «نعم» فجعل يمسح الدموع عن خدّه.
وروي لما طلع المشركون فوق الغار وأشفق أبو بكر ﵁ على رسول الله ﷺ وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال ﵊: «ما طنك باثنين الله ثالثهما» .
وروي لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين باضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه فقال ﷺ «اللهمّ أعم أبصارهم» فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يرون أحدًا ويقولون لو دخلا هذا الغار تكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت.
تنبيه: دلت هذه الآية على تفضيل أبي بكر ﵁ من وجوه منها أنّ الهجرة كانت بإذن الله تعالى وكان في خدمة رسول الله ﷺ جماعة من المخلصين وكانوا في النسبة إلى شجرة رسول الله ﷺ أقرب من أبي بكر ﵁ فلولا أنّ الله تعالى أمره بأن يستصحبه في تلك الواقعة الصعبة الهائلة وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة وتخصيص الله تعالى له بهذا التشريف دال على منصب عال له في الدين ومنها قوله ﷺ «لا تحزن إنّ الله معنا» ولا شك أنّ المراد من هذه المعية المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة وقد شرك ﷺ بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية وكفى بها شرفًا ومنها أن قوله: «لا تحزن» نهى عن الحزن مطلقًا والنهي يوجب الدوام والتكرار وذلك يقتضي أنه لا يحزن أبو بكر ﵁ بعد ذلك البتة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ومنها إطباق الكل على أنّ أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله ﷺ وعلى أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام.
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبي بكر: «أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض» قال الحسن بن الفضل: من قال إنّ أبا بكر ﵁ لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لإنكار نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعًا لا كافرًا واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته﴾ أي: طمأنينته ﴿عليه﴾ هل هو للنبيّ ﷺ أو لأبي بكر ﵁؟ رجح الثاني لوجوه: الأوّل: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات وأقرب المذكورات المتقدّمة في هذه الآية هو أبو بكر لأنه تعالى قال: ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ والتقدير إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن وعلى هذا التقدير فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر فوجب عود الضمير إليه. والثاني: أنّ الحزن والخوف كانا حاصلين لأبي بكر لا للرسول ﷺ فإنه كان آمنًا
[ ١ / ٦١٤ ]
ساكن القلب فيما وعده الله تعالى أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر: لا تحزن صار آمنًا فصرف السكينة لأبي بكر ليصير ذلك سببًا لزوال خوفه أولى من صرفها إلى الرسول ﷺ مع أنه كان قبل ذلك ساكن النفس قويّ القلب. الثالث: إنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول ﷺ لوجب أن يقال: إنّ الرسول كان قبل ذلك خائفًا ولو كان خائفًا لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: «لا تحزن إنّ الله معنا» فمتى كان خائفًا لم يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ولو كان راجعًا إلى الرسول لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه: «لا تحزن» فيكون ذلك مما يدلّ على فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ومنها حديث الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عن عائشة ﵂ وعن أبويها قالت: لم أعقل أبويّ إلا وهما يدينان الدين ولم يمرّ علينا يوم إلا ورسول الله ﷺ يأتينا طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي
المسلمون قال النبيّ ﷺ لأبي بكر: «إني رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان» فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامّة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر ﵁ قبل المدينة فقال له رسول الله ﷺ «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: وهل ترجون ذلك يا رسول الله قال: «نعم» فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق الشجر وهو الخبط أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في حرّ الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «أخرج من عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال: «قد أذن لي في الخروج» فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «نعم» قال أبو بكر: فخذ إحدى راحلتيّ هاتين، قال رسول الله ﷺ «بالثمن» قالت عائشة: فجهزناهما أحبّ الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فسميت بذلك ذات النطاقين قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الرحمن بن أبي بكر وهو غلام شاب فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرًا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء يفعل ذلك كل ليلة من الليالي الثلاث واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل هاديًا عارفًا بالهداية وهو على
دين كفار قريش
فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما بعد صبح ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديليّ فأخذ بهم طريق الساحل فعلم بهم سراقة بن مالك المدلجي وكان كفار قريش جعلوا في رسول الله ﷺ وأبي بكر كل واحد منهما لمن قتله أو أسره دية قال سراقة فتبعتهم حتى دنوت فعثرت فرسي فخررت
[ ١ / ٦١٥ ]
عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام فقربت بي حتى سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم الآمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إنّ قومك جعلوا فيك الدية وأخبرتهم بما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمان فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ومضى رسول الله ﷺ فلقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا أقبلوا من الشام فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابًا بيضًا فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين فلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرّة فأخذ بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل فقام في بني عمرو بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته وصار يمشي معه الناس حتى بركت عند مكان مسجد الرسول صلى الله عليه
وسلم بالمدينة وكان مربد
تمر لسهل وسهيل فساومهما ﷺ ليتخذه مسجدًا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدًا وصار ﷺ ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن:
*هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر*
ويقول أيضًا:
*إنّ الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة*
قال ابن شهاب: لم يبلغنا في الأحاديث أنّ رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذا فإظهار خروجه ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه مما يدل على فضيلته وفضائله ﵁ وعن بقية الصحابة أجمعين وفيما ذكرناه كفاية. وأمّا الضمير في قوله تعالى: ﴿وأيده﴾ فاتفقوا أنه للنبي ﷺ فهو معطوف على قوله تعالى: ﴿فقد نصره الله﴾ .
﴿بجنود لم تروها﴾ أي: من الملائكة الكرام في الغار ويوم بدر والأحزاب وحنين وجميع مواطن قتاله ﴿وجعل كلمة﴾ أي: دعوة ﴿الذين كفروا﴾ إلى الكفر ﴿السفلى﴾ أي: المغلوبة فخيب سعيهم وردّ كيدهم ﴿وكلمة الله﴾ أي: إلى الإسلام ﴿هي العليا﴾ أي: الغالبة الظاهرة وقيل: كلمة الذين كفروا ما كانوا قدرها بينهم من الكيد بالنبيّ ﷺ وكلمة الله هي ما وعده بالنصر والظفر بهم فكان ما وعده الله تعالى حقًا وصدقًا ﴿وا عزيز﴾ في ملكه ﴿حكيم﴾ في أمره وتدبيره لا يمكن أن ينتقض شيء من مراده فلا محيص عن نفوذ ما أراده ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبلغًا هيأها للقبول أقبل عليها ﷾ فقال:
﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ أي: على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها وعلى الصفة التي يثقل عليكم وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة ولهذا
[ ١ / ٦١٦ ]
اختلفت عبارات المفسرين فيها فقال ابن عباس: نشاطًا وغير نشاط، وقال الحسن: شبانًا وشيوخًا، وقال عطية العوفي: ركبانًا ومشاة، وقال أبو صالح: فقراء وأغنياء، وقال الحكم بن عيينة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال حرة الهمداني: أصحاء وأصحاب مرض، وعن صفوان بن عمرو كنت واليًا على حمص فلقيت شيخًا كبيرًا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه وقال: استنفرنا الله خفافًا وثقالًا ألا إنه من يحبه الله يبتليه، وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب مرض فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وعن ابن أمّ مكتوم أنه قال لرسول الله ﷺ أعليّ أن أنفر قال: «ما أنت إلا خفيف أو ثقيل» فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه ﷺ فنزل قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ (النو، ٦١)
أي: فهي منسوخة بذلك وقال ابن عباس: نسخت بقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى﴾ (التوبة، ٩١)
الآية، وقال السدي: لما نزلت اشتدّ شأنها على المسلمين فنسخها الله تعالى وأنزل ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى﴾ وقال عطاء الخراساني: منسوخة بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ (التوبة، ١٢٢)
وقوله تعالى: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ أمر إيجاب للجهاد أي: ما أمكن لكم بهما كليهما أو أحدهما على حسب الحال والحاجة.
﴿ذلكم﴾ أي: هذا الأمر العظيم ﴿خير لكم﴾ أي: خاص بكم ويجوز أن يكون أفعل تفضيل، أي: عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كما قال ﷺ لمن سأله هل يمكن بلوغ درجة المجاهد فقال: «هل تستطيع أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر» ثم ختم تعالى الآية بقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي: ما حصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق وأن القول بالثواب والعقاب صدق.
ونزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: ﴿لو كان﴾ ما تدعوهم إليه ﴿عرضًا﴾ أي: متاعًا من الدينا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر ﴿قريبًا﴾ أي: سهل المأخذ وقوله تعالى: ﴿وسفرًا قاصدًا﴾ أي: وسطًا فحذف اسم كان وهو ما قدرته، قال الزجاج: لدلالة ما تقدم عليه وإنما سمي السفر قاصدًا لأن المتوسط بين الإفراط والتفريط يقال له: مقتصد قال تعالى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد﴾ (فاطر، ٣٢)
لأن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد وقوله تعالى: ﴿قاصدًا﴾ أي: ذا قصد كقولهم: لابن وتامر ﴿لاتبعوك﴾ أي: وافقوك طلبًا للغنيمة ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ أي: المسافة التي تقطع بمشقة ﴿وسيحلفون﴾ أي: المتخلفون ﴿با﴾ إذا رجعت من تبوك معتذرين ﴿لو استطعنا﴾ أي: لو كان لنا استطاعة بالبدن أو العدة ﴿لخرجنا﴾ أي: في هذه الغزاة ﴿معكم يهلكون أنفسهم﴾ أي: بسبب هذه الأيمان الكاذبة كما قال تعالى: ﴿وا يعلم إنهم لكاذبون﴾ في ذلك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج.
﴿عفى الله عنك لم أذنت لهم﴾ أي: عفا الله تعالى عنك يا محمد ما كان منك في ذلك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك، واختلفوا هل في ذلك معاتبة للنبي ﷺ أم لا؟ فقال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه
[ ١ / ٦١٧ ]
وسلم لم يؤمر بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله تعالى كما تسمعون، وقال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأ الله تعالى بالعفو قبل أن يعيره، وقال القاضي عياض في الشفاء: إن هذا أمر لم يتقدّم للنبي ﷺ فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولأعده الله تعالى معصية عليه بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك وليس عفا بمعنى غفر بل كما قال النبي ﷺ «عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق» ولم تجب عليهم قط أي: لم يكن يلزمكم ذلك. ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول: العفو لا يكون إلا عن ذنب، من لا يعرف كلام العرب. وقال مكي: هو استفتاح كلام مثل أصلحك الله وأعزك. وقال السمرقندي: إن معناه عافاك الله، وقال الرازي: إن ذلك يدل على مبالغة الله في توقيره وتعظيمه كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظمًا عنده عفا الله عنك ما جوابك عن كلامي ورضي الله عنك ما صنعت في أمري فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد التمجيد والتعظيم أي: كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله الأمير والملك ونحو ذلك. ﴿حتى يتبين لك الذين صدقوا﴾ أي: في اعتذارهم ﴿وتعلم الكاذبين﴾ أي: فيما أظهروا من الإيمان باللسان لو لم يؤذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره قال ابن عباس: لم يكن رسول الله ﷺ يعرف المنافقين يؤمئذ حتى نزلت براءة.
﴿لا يستأذنك﴾ أي: لا يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه ﴿الذين يؤمنون با واليوم الآخر﴾ أي: الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب ﴿أن﴾ أي: في أن ﴿يجاهدوا﴾ وإنما حسن هذا الحذف لظهوره ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عمومًا عليه فضلًا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه فإن الخلص من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لا نستأذنه ﷺ في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرّة بعد مرّة فأيّ فائدة في الاستئذان ولنجاهد معه بأموالنا وأنفسنا وكانوا بحيث لو أمرهم ﷺ بالقعود لشق عليهم كما وقع لعليّ ﵁ في غزوة تبوك لما أمره رسول الله ﷺ بأن يبقى في المدينة شق عليه ولم يرض حتى قال له ﷺ «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» ﴿وا عليم بالمتقين﴾ أي: الذين يتقون مخالفته ويسارعون إلى طاعته.
﴿إنما يستأذنك﴾ يا محمد في التخلف عن الجهاد معك من غير عذر ﴿الذين لا يؤمنون با واليوم الآخر﴾ وهم المنافقون لأنهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا ﴿وارتابت﴾ أي: شكت ﴿قلوبهم﴾ في الدين وإنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب لأنه محل المعرفة والإيمان فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقًا ﴿فهم﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنهم ﴿في ريبهم يتردّدون﴾ أي: المنافقون ويتحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين.
تنبيه: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآيات فقيل إنها منسوخة بالآية التي في سورة النور وهي قوله تعالى: ﴿إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون با ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ (النو، ٦٢)
وقيل: إنها محكمات كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة الله تعالى وجهاد عدوهم من غير
[ ١ / ٦١٨ ]
استئذان فإذا عرض لأحدهم عذر استأذن في التخلف فكان رسول الله ﷺ مخيرًا في الإذن لهم بقوله تعالى: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر.
﴿ولو أرادوا الخروج﴾ إلى الغزو معك ﴿لأعدّوا له﴾ أي: قبل حلوله ﴿عدّة﴾ أي: قوّة وأهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون كالحاضرين في صلب الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها، ولما كان قوله تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج﴾ يعطي معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو أتى تعالى بحرف الاستدراك فقال تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ أي: لم يرض خروجهم معك إلى الغزو ﴿فثبطهم﴾ أي: حبسهم بالجبن والكسل ﴿وقيل﴾ لهم ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾ أي: مع النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ومعنى ﴿قيل لهم﴾ أي: قدر الله تعالى عليهم ذلك بأن ألقى في قلوبهم القعود لما كره الله انبعاثهم مع المؤمنين، وقيل القائل هو رسول الله ﷺ لما استأذنوه في القعود فقال لهم: اقعدوا مع القاعدين.
فإن قيل: خروج المنافقين مع النبي ﷺ إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلِمَ قال تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ وإن فيه مفسدة فلم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ في ترك الخروج؟ أجيب: بأن خروجهم فيه مفسدة عظيمة بدليل قوله تعالى:
﴿لو خرجوا فيكم﴾ أي: معكم ﴿ما زادوكم﴾ بخروجهم ﴿إلا خبالًا﴾ أي: فسادًا وشرًا بتخذيل المؤمنين وتقدم الكلام على قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ .
تنبيه: لا يصح أن يكون فيه الاستثناء منقطعًا لأنّ الاستثناء المنقطع يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقوله: ﴿ما زادوكم خيرًا إلا خبالًا﴾ والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر ووقع الاستثناء من أعم العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئًا إلا خبالًا ﴿ولأوضعوا﴾ أي: أسرعوا ﴿خلالكم﴾ أي: بينكم فيما يخل بكم بالمشي بالنميمة ﴿يبغونكم الفتنة﴾ أي: يطلبون منكم ما تفتتنون به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين: لقد جمعوا لكم كذا وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تجبنهم ﴿وفيكم﴾ أي: والحال أن فيكم ﴿سماعون لهم﴾ أي: عيون لهم يؤدون لهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم الجواسيس أو مطيعون لهم يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم وذلك أنهم يلقون إليهم أنواعًا من الشبهات الموجبة لضعف القلب فيقبلونها منهم.
فإن قيل: كيف يكون في المؤمنين الخالصين من يطيع المنافقين؟ أجيب: بأنهم ربما قالوا قولًا أثر في قلوب ضعفة المؤمنين في بعض الأحوال وقوله تعالى: ﴿وا عليم بالظالمين﴾ وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين.
﴿لقد ابتغوا الفتنة﴾ أي: العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك وتفريق أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبيّ يوم أحد وحنين انصرف بمن معه وعن ابن جريج وقفوا لرسول الله ﷺ على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلًا ليفتكوا به. ﴿من قبل﴾ أي: قبل غزوة تبوك ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ أي: ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في إبطال أمرك ﴿حتى جاء الحق﴾ وهو تأييدك ونصرك
[ ١ / ٦١٩ ]
﴿وظهر أمر الله﴾ أي: غلب دينه وعلا شرعه ﴿وهم كارهون﴾ له أي: على رغم منهم فدخلوا فيه ظاهرًا، ولما تجهز رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس وكان من المنافقين: «يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر يعني: الروم نتخذ منهم سراري ووصفاء» فقال الجدّ بن قيس: يا رسول الله لقد علم قومي أني مغرم بالنساء وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ائذن لي بالقعود ولا تفتني وأعينك بمالي، قال ابن عباس: اعتل الجد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق فأعرض عنه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى فيه:
﴿ومنهم﴾ أي: المنافقين ﴿من يقول أئذن لي﴾ أي: في القعود في المدينة ﴿ولا تفتني﴾ أي: ببنات بني الأصفر وقيل: لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم وقيل: لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها وقيل: لا تفتني بسبب ضياع المال والعيال؛ إذ لا كافل لهم بعدي قال الله تعالى: ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف وظهور النفاق لا ما أخبروا عنه ﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ أي: جامعة لهم لا محيص لهم عنها يوم القيامة أو هي محيطة بهم الآن لأنّ أسباب الإحاطة معهم فكأنهم في وسطها.
﴿إن تصبك﴾ يا محمد في بعض الغزوات ﴿حسنة﴾ أي: نصرة وغنيمة ﴿تسؤهم﴾ أي: تحزنهم لما في قلوبهم من الضعف والمرض ﴿وإن تصبك مصيبة﴾ أي: نكبة وإن صغرت في بعض الغزوات كما وقع يوم أحد ﴿يقولوا﴾ أي: سرورًا وتبجحًا بحسن رأيهم ﴿قد أخذنا أمرنا﴾ أي: بالجد والحزم في القعود عن الغزو ﴿من قبل﴾ أي: قبل هذه المصيبة ﴿ويتولوا وهم فرحون﴾ أي: مسرورون بما نالك من المصيبة وسلامتهم منها قال الله تعالى:
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب والمكروه ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله﴾ أي: قدره ﴿لنا﴾ في اللوح المحفوظ لأنّ القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروهًا نزل به أو يجلب لنفسه نفعًا إن أراده ما لم يقدر له ﴿هو﴾ أي: الله ﴿مولانا﴾ أي: ناصرنا وحافظنا وهو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ في جميع أمورهم لأنّ حقهم أن لا يتوكلوا على غيره ليفعلوا ما هو حقهم.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿هل تربصون﴾ فيه حذف إحدى التاءين من الأصل أي: تنتظرون أن يقع ﴿بنا﴾ أيها المنافقون ﴿إلا إحدى الحسنيين﴾ تثنية حسنى تأنيث أحسن أي: إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى العواقب وهما النصر أو الشهادة، وذلك أنّ المسلم إذا ذهب إلى الجهاد في سبيل الله إما أن يسلم ويغنم فيحصل له المال وإما أن يقتل في سبيل الله فتحصل له الشهادة وهي العاقبة القصوى وعن أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» ﴿ونحن نتربص بكم﴾ أي: إحدى السوأيين من العواقب إما ﴿أن يصيبكم الله بعذاب من عنده﴾ لا سبب لنا فيه كأن ينزل عليكم قارعة من السماء كما نزلت على عاد
[ ١ / ٦٢٠ ]
وثمود ﴿أو﴾ بعذاب ﴿بأيدينا﴾ أي: بسببنا من قتل ونهب وأسر وغير ذلك ﴿فتربصوا﴾ بنا ما ذكرنا من عواقبنا ﴿إنا معكم متربصون﴾ ما هو عاقبتكم ولا بد أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿أنفقوا طوعًا أو كرهًا﴾ أي: من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين.
وسمي الإلزام إكراهًا لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقًا عليهم كالإكراه أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم لأنّ رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم ﴿لن يتقبل منكم﴾ أي: لا تقبل منكم نفقاتكم على أيّ حال كان.
فإن قيل: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: ﴿لن يتقبل منكم﴾؟ أجيب: بأن هذا أمر في معنى الخبر كقوله تعالى: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدًا﴾ (مريم، ٧٥)
وروي أنها نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله ﷺ هذا مالي أعينك به فاتركني.
ثم علل تعالى سبب منع القبول بقوله تعالى: ﴿إنكم﴾ أي: لأنكم ﴿كنتم قومًا فاسقين﴾ والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله تعالى:
﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا با وبرسوله﴾ أي: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم، وقرأ حمزة والكسائي: يقبل، بالياء على التذكير لأنّ تأنيث النفقات غير حقيقي، والباقون بالتاء على التأنيث ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ أي: متثاقلون لا يأتونها قط بنشاط ﴿ولا ينفقون﴾ أيّ: نفقة من واجب أو غيره ﴿إلا وهم كارهون﴾ أي: في حال الكراهة وإن ظهر خلاف ذلك وذلك كله لعدم النية الصالحة وهذا لا ينافي طوعًا لأنّ ذلك بحسب الظاهر وهذا بحسب الواقع.
﴿فلا تعجبك﴾ يا محمد ﴿أموالهم﴾ أي: وإن أنفقوها في سبيل الله وجهزوا بها الغزاة فإنّ ذلك من غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية ﴿ولا أولادهم﴾ الذين يتجملون بهم فإنّ ذلك استدراج ووبال كما قال تعالى: ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا﴾ وإن كان يتراءى أنها لذيدة لأنّ ذلك من شأن الحياة وتعذيبهم فيها بسبب ما يكابدون من جمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد والمصائب.
فإن قيل: هذا لا يختص بالمنافق فما فائدة تخصيصه به؟ أجيب: بأنّ المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وأنه يثاب بالمصائب الحاصلة في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذابًا والمنافق لا يعتقد ذلك فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والمشقة والغم والحزن على المال والولد عذابًا عليه في الدنيا ﴿وتزهق﴾ أي: تخرج ﴿أنفسهم﴾ بسببها ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿كافرون﴾ أي: يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة وهكذا كل من أراد الله تعالى استدراجه في الغالب كثر ماله وولده فكثر إعجابه بماله وولده وبطره وكفره نعمة الله تعالى.
والإعجاب السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه وهذه الحالة تدل على استغراق النفس بذلك الشيء وانقطاعه عن الله تعالى فإنه لا يبعد في حكم الله تعالى أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره والإنسان متى كان متذكرًا لهذا المعنى زال إعجابه بذلك الشيء ولذلك قال ﷺ «ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» وكان ﷺ يقول: «هلك المكثرون»، وقال أيضًا: «مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست
[ ١ / ٦٢١ ]
فأبليت أو تصدّقت فأبقيت» .
وروي من كثر ماله اشتدّ حسابه ومن أراد من السلطان قربًا ازداد من الله بعدًا والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة والمقصود منها الزجر عن الإطناب من الدنيا والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها لأنّ الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا فينبغي أن لا يشتدّ عجبه بالدنيا وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا، ولما بين تعالى كون المنافقين مستجمعين لكل مضار الدنيا والآخرة خالين عن جميع منافع الآخرة والدنيا عاد إلى ذكر فضائحهم وقبائحهم فمنها إقدامهم على الأيمان الكاذبة كما قال تعالى:
﴿ويحلفون﴾ أي: المنافقون ﴿با﴾ للمؤمنين إذا جاؤوا معهم ﴿إنهم لمنكم﴾ أي: على دينكم وملتكم ﴿وما هم منكم﴾ أي: لكفر قلوبهم ﴿ولكنهم قوم يفرقون﴾ أي: يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلوا بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية.
﴿لو يجدون ملجأ﴾ أي: حصنًا يلجؤن إليه وقيل: لو وجدوا مهربًا هربوا إليه، وقيل: لو يجدون قومًا يأمنون عندهم على أنفسهم منكم لصاروا إليهم وفارقوكم ﴿أو مغارات﴾ أي: سراديب جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي: يستتر ﴿أو مدّخلًا﴾ أي: موضعًا يدخلونه ﴿لولوا إليه﴾ والمعنى أنهم لو وجدوا مكانًا على أحد هذه الوجوه الثلاثة مع أنها شر الأمكنة لدخلوا إليه وتحرّزوا فيه ﴿وهم يجمحون﴾ أي: يسرعون في دخول ذلك المكان إسراعًا لا يردّ وجوههم شيء ومن هذا يقال: جمح الفرس وهو فرس جموح وهو الذي إذا حمل لا يرده اللجام، ثم ذكر تعالى نوعًا آخر من قبائح المنافقين وهو طعنهم في رسول الله ﷺ بسبب أخذ الصدقات بقوله تعالى:
﴿ومنهم من يلمزك﴾ أي: يعيبك ﴿في الصدقات﴾ قال أبو على الفارسي: ههنا محذوف والتقدير يعيبك في تقسيم الصدقات واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري: بيا رسول الله ﷺ يقسم مالًا إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم رأس الخوارج وكان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين واستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال له رسول الله ﷺ «ويلك إن لم أعدل فمن يعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر ﵁: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه فقال له ﷺ «دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» . وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين يقال له الجوّاظ المنافق: ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أنه يعدل، فقال رسول الله ﷺ «لا أبا لك أما كان موسى راعيًا أما كان داود راعيًا» فلما ذهب قال رسول الله ﷺ «احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون»، وقال ابن زيد قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا هواه فنزلت.
وروى أبو بكر الأصم في تفسيره أنه ﷺ قال لرجل من أصحابه: «ماعلمك بفلان» فقال: ما لي به علم إلا أنك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء فقال ﷺ «إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره» فقال: لو أعطيت فلانًا بعض ما تعطيه فقال ﷺ «إنه مؤمن أكمل إيمانه وأما
[ ١ / ٦٢٢ ]
هذا فمنافق أداريه خوف فساده» .
﴿فإن أعطوا منها﴾ أي: من الصدقات ﴿رضوا﴾ أي: رضوا عنك في قسمتها ﴿وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ أي: وإن لم تعطهم عابوا عليك وسخطوا، قال أهل المعاني: إن هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق المنافقين ودناءة طباعم وذلك لأنه لشدّة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا رسول الله ﷺ ونسبوه إلى الجور في القسمة مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا، وقال الضحاك: كان رسول الله ﷺ يقسم بينهم ما آتاه الله تعالى من قليل المال وكثيره وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله تعالى وأما المنافقون فإن أعطوا كثيرًا فرحوا وإن أعطوا قليلًا سخطوا وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين، وكلمة إذا للمفاجأة أي: وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط.
﴿ولو أنهم﴾ أي: المنافقين ﴿رضوا ما آتاهم الله ورسوله﴾ أي: ما أعطاهم رسول الله ﷺ من الغنائم والصدقات أو غيرها وذكر الله تعالى للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله رسول الله ﷺ كان بأمره ﴿وقالوا﴾ أي: مع الرضا ﴿حسبنا الله﴾ أي: كافينا الله من فضله ﴿سيؤتينا الله من فضله ورسوله﴾ أي: من غنيمة أو صدقة أخرى ما يكفينا ﴿إنا إلى الله﴾ أي: في أنّ الله تعالى يغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس ويوسع علينا من فضله ﴿راغبون﴾ أي: عريقون في الرغبة ولذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائنًا ما كان وجواب لو محذوف والتقدير لكان خيرًا لهم، نقل عن عيسى ﵇ أنه مرّ بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي حملكم عليه؟ فقالوا: الخوف من عقاب الله، فقال: أصبتم، ومر على قوم يشتغلون بالذكر فسألهم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه، فقال: أنتم المحقون المحققون، ثم بين ﷾ مصارف الصدقات تحقيقًا لما فعله الرسول ﷺ فقال عز من قائل:
﴿إنما الصدقات﴾ أي: الزكوات مصروفة ﴿للفقراء﴾ والفقير هو الذي لا يجد ما يقع موقعًا من كفايته كأنه يحتاج إلى عشرة دراهم وهو لا يجد إلا درهمين أو ثلاثًا مأخوذ من الفقار كأنه أصيب فقاره ﴿والمساكين﴾ جمع مسكين وهو الذي يجد ما يقع موقعًا من كفايته ولا يكفيه كأن يحتاج إلى عشرة وهو يجد سبعة أو ثمانية مأخوذ من السكون كأنّ العجز أسكنه والمسكين أعلى من الفقير ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين﴾ (الكهف، ٧٩)
وروي أنه ﷺ تعوذ من الفقر وقيل: الفقير أعلى لقوله تعالى: ﴿أو مسكينًا ذا متربة﴾ والعبرة عند الجمهور في عدم كفاية الفقير والمسكين بالعمر الغالب بناء على أنه يعطى كفاية ذلك ﴿والعاملين عليها﴾ أي: الزكاة فيعطى العامل وإن كان غنيًا ويدخل في اسم العامل الساعي وهو الذي يبعثه الإمام لأخذ الزكاة والكاتب والحاشر والعريف وهو الذي يعرف أرباب الاستحقاق والحاسب والحافظ للأموال والكيال والوزان والعداد عمال إن ميزوا أنصباء الأصناف لا المميزون للزكاة من المال وجامعوه فإن أجرتهم على المالك. ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ وهم إما ضعيف النية في الإسلام فيعطى ليقوى إسلامه أو شريف في قومه يتوقع بإعطائه
[ ١ / ٦٢٣ ]
إسلام غيره أو كاف لناشر من يليه من الكفار أو مانعي الزكاة فيعطى حيث إعطاؤه أهون علينا من بعث جيش وأما مؤلفة الكفار لترغيبهم في الإسلام فلا يعطون من الزكاة ولا من غيرها للإجماع ولأنّ الله تعالى أعز الإسلام وأهله وأغنى عن التأليف. ﴿وفي الرقاب﴾ وهم المكاتبون كتابة صحيحة فيعطون ما يؤدّون من النجوم إن عجزوا عن الوفاء ولو لم يحل النجم لأن قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ كقوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ وهناك يعطى المال للمجاهدين فيعطى للرقاب فلا يشترى به رقاب للعتق كما قيل به: ﴿والغارمين﴾ وهم من لزمتهم الديون وهم ثلاثة أضرب: دين لزمه لمصلحة نفسه، ودين لزمه بضمان لا لتسكين فتنة، ودين لزمه لتسكينها وهو إصلاح ذات البين فمن استدان لمصلحة نفسه أعطى لا إن استدان في معصية إلا إن تاب عنها فيعطى إذا احتاج وكان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن فيترك له ما يكفيه ويعطي ما يقضي به بقية دينه ويعطى ولو قدر على قضائه بالكسب وكذا المكاتب ويشترط حلول الدين في إعطاء الغريم وإن ضمن لا لتسكين فتنة وهو معسر ملتزم بمال على معسر أعطي ما يقضي به دينه وإذا قضى به دينه لا يرجع على الأصيل وإن ضمن بإذنه وإنما يرجع إذا غرم من عنده ويعطى معسر
ملتزم بمال على موسر بلا إذن من الأصيل لأنه إذا غرم لا يرجع عليه بخلاف ما إذا ضمن بإذنه ولا يعطى موسر ملتزم بمال على موسر وإن ضمن موسر ما على معسر أعطي الأصيل دون الضامن والغارم لإصلاح ذات البين يعطى مع الغني ولو في غير دم ويعطى المستدين لقرى ضيف وعمارة مسجد وبناء قنطرة وفك أسير ونحو ذلك من المصالح العامة عند العجز عن النقد.
﴿وفي سبيل الله﴾ وهم الغزاة المتطوعون أي: الذين لا رزق لهم في الفيء ويعطون ولو أغنياء إعانة لهم على الغزو وتحرم الزكاة على الغازي المرتزق ولو كان عاملًا فإذا عدم الفيء واضطررنا إلى المرتزق ليكفينا شر الكفار أعانه الأغنياء لا من الزكاة ﴿وابن السبيل﴾ أي: الطريق وهو من ينشىء سفرًا مباحًا من محل الزكاة فيعطى ولو كان كسوبًا أو كان مسافرًا لنزهة ويعطى أيضًا المسافر الغريب المجتاز بمحل الزكاة وإنما يعطيان إن لم يجدا معهما شيئًا يكفيهما لسفرهما وقوله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾ نصب بفعله المقدر أي: فرض لهم الصدقات فريضة أو حال من الضمير المستكن في للفقراء.
﴿والله عليم﴾ أي: بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المسلمين ﴿حكيم﴾ يضع الأشياء في مواضعها وإنما أضيفت الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك وإلى الأربعة الأخيرة بفي الظرفية للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأخيرة حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها استرجع بخلافه في الأولى ويجب تعميم الأصناف الثمانية في القسم إن أمكن بأن قسم الإمام ولو بنائبة ووجدوا لظاهر الآية سواء في ذلك زكاة الفطر وزكاة المال وإن لم يمكن بأن قسم المالك إذ لا عامل أو الإمام ووجد بعضهم كأن جعل عاملًا بأجرة من بيت المال فتعميم من وجد منهم وعلى الإمام تعميم آحاد كل صنف من الزكاة الحاصلة عنده إذ لا يتعذر عليه ذلك أو على المالك أيضًا إن انحصر الآحاد بالبلد بأن سهل عادة ضبطهم ومعرفة عددهم ووفّى بهم المال فإن أخل أحدهما بصنف ضمن وإن لم ينحصر أو لم يف بهم المال ويجب
[ ١ / ٦٢٤ ]
إعطاء ثلاثة فأكثر من كل صنف لذكره في الآية بصيغة الجمع وهو المراد في سبيل الله وابن السبيل الذي هو للجنس ولا عامل في قسم المالك ويجوز حيث كان أن يكون واحدًا إن حصلت به الكفاية كما يستغنى عنه فيما مرّ وتجب التسوية بين الأصناف غير العامل لا بين آحاد الصنف إلا أن يقسم الإمام وتتساوى الحاجات فتجب التسوية لأنّ عليه التعميم فعليه التسوية بخلاف المالك إذا لم ينحصروا أو لم يف بهم المال ولا يجزيه نقل الزكاة من بلد وجوبها مع وجود المستحقين فيه إلى بلد آخر أو حال الحول والمال ببادية فرقت الزكاة بأقرب البلاد إليه أمّا الإمام ولو بنائبه فله نقلها ولو امتنع المستحقون من أخذها قوتلوا وشرط أخذ الزكاة من هذه الثمانية حرّية وإسلام وأن لا يكون هاشميًا ولا مطلبيًا ولا مولى لهما كما بينته السنة هذا مذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه وقال الرازي وغيره: لا دلالة في الآية على قول الشافعي في أنه لا بدّ من صرفها إلى جميع الأصناف لأنه تعالى
جعل
جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف وأمّا أن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على الأصناف كلها فلا كما أنّ قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإنّ خمسه﴾ (الأنفعال، ٤١)
الآية، يوجب قسم الخمس على الطوائف من غير توزيع بالاتفاق وما ذهب إليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه قول عكرمة وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز صرفها إلى صنف واحد هو قول عمر وحذيفة وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين وكل على هدى من ربهم.
فإن قيل: كيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ أجيب: بأنه تعالى ذكر ذلك ليدل على أنّ هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم حسمًا لأطماعهم وإشعارًا باستحقاقهم الحرمان وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها فمالهم ومالها وما سلطهم على التكلم فيها وبمن قاسمها.
﴿ومنهم﴾ أي: المنافقين ﴿الذين يؤذون النبيّ﴾ هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يؤذون النبي ﷺ ويعيبونه وينقلون حديثه ﴿ويقولون﴾ إذا نهوا عن ذلك لئلا يبلغه ﴿هو أذن﴾ أي: يسمع كل ما يقال له ويصدقه سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة للسماع كما يسمى الجاسوس عينًا لذلك واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عباس: نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله ﷺ فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد وهو من المنافقين: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف له فيصدقنا فيما نقول فإنّ محمدًا أذن - أي: أذن سامعة - يسمع كل ما يقال له ويقبله، وقال محمد بن إسحاق: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبيل بن الحرث وكان رجلًا ثائر الشعر أحمر العينين أسفع الخدين مشوّه الخلقة وقد قال ﷺ «من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث» وكان ينم حديث النبيّ ﷺ إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل ذلك فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئًا صدقه فنقول: ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، فنزلت. وقال الحسن: كان المنافقون يقولون: ما هذا الرجل إلا أذن من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له.
ومقصود المنافقين بقولهم هو أذن ليس له ذكاء ولا بعد غور بل هو سليم القلب
[ ١ / ٦٢٥ ]
سريع الاغترار بكل ما يسمع فلهذا السبب سموه بأذن وقوله تعالى: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿أذن خير لكم﴾ تصديق لهم بأنه أذن لكن لا على الوجه الذي ذموه به بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله ثم فسر تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿يؤمن با﴾ أي: يصدّق به لما قام عنده من الأدلة ﴿ويؤمن للمؤمنين﴾ أي: ويصدّقهم ويقبل قولهم ولا يقبل قول المنافقين.
فإن قيل: لم عدى فعل الإيمان بالباء إلى الله تعالى وإلى المؤمنين باللام أجيب: بأنّ الإيمان المعدى إلى الله تعالى المراد التصديق الذي هو نقيض الكفر، فعدي بالباء، والإيمان المعدي للمؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فعدي باللام كما في قوله تعالى: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ (يوسف، ١٧)
وقوله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ (يوسف، ٨٣)
وقوله تعالى: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾ (الشعراء، ١١١)
وقوله: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم﴾ (طه، ٧١)
وقرأ نافع: أذن في الموضعين بتسكين الذال، والباقون بالرفع ﴿ورحمة﴾ أي: وهو رحمة ﴿للذين آمنوا منكم﴾ أي: لمن أظهر الإيمان حيث يقبله ولا يكشف سرّه وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلًا بحالكم بل رفقًا بكم وترحمًا عليكم وقرأ حمزة ورحمة بالجرّ عطفًا على خير، والباقون بالرفع، ولما بين ﷾ كونه سببًا للخير بين أنّ كل من آذاه استوجب العذاب الأليم بقوله تعالى: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ثم أنهم مع ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى ثم ذكر نوعًا آخر من قبائح أفعال المنافقين بقوله تعالى:
﴿يحلفون با لكم﴾ أيها المؤمنون ﴿ليرضوكم﴾ أي: لترضوا عنهم واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله ﷺ أتوا يعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم.
وقال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد ووديعة بن ثابت فوقعوا في النبيّ ﷺ وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقًا فنحن أشر من الحمير وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس فحقروه وقالوا هذه المقالة فغضب الغلام وقال والله ما يقول محمد حق وأنتم أشر من الحمير ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أنّ عامرًا كذب وحلف عامر أنهم كذبة فصدّقهم النبيّ ﷺ فجعل عامر يدعو اللهمّ صدق الصادق وكذب الكاذب فنزلت ﴿وا ورسوله أحق أن يرضوه﴾ أي: بالإرضاء بالطاعة والوفاق وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله ﷺ لتلازمهما كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني أو أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله تعالى ولهذا السبب خص الله تعالى نفسه بالذكر أو لأنّ الكلام في إيذاء الرسول وإرضائه أو خبر الله أو رسوله محذوف وفي كلام البيضاوي إشارة إلى أن المذكور خبر الأوّل لأنه المتبوع وفي كلام سيبويه أنه للثاني لكونه أقرب مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر ﴿إن كانوا﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿مؤمنين﴾ أي: مصدّقين بوعد الله ووعيده في الآخرة.
[ ١ / ٦٢٦ ]
﴿ألم يعلموا﴾ قال أهل المعاني: هذا خطاب لمن علم شيئًا ثم نسيه وتركه فيقال له: ألم تعلم أنه كان كذا وكذا ولما طال مكث رسول الله ﷺ بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من أحكام الدين ما يحتاجون إليه خاطب المنافقين بقوله تعالى: ﴿ألم يعلموا﴾ أنّ من شرائع الدين التي علمهم رسولنا ﴿أنه﴾ أي: الشأن ﴿من يحادد الله﴾ أي: من يخالف الله ﴿ورسوله﴾ وأصل المحادّة في اللغة المخالفة والمجانبة والمعاداة واشتقاقه من الحدّ يقال: حادّ فلان فلانًا أي: صار في حدّ غير حدّه، كقولك شاقه أي: صار في شق غير شقه، ومعنى ﴿يحادد الله﴾ أي: يصير في حدّ غير حدّ أولياء الله تعالى بالمخالفة وقوله تعالى: ﴿فأنّ له نار جهنم﴾ أي: على حذف الخبر أي: فحق أنّ له نار جهنم لأنّ الفاء واقعة في جواب الشرط فتقتضي جملة و﴿فأنّ له نار جهنم﴾ مفرد في موضع رفع بالابتداء وقدر خبره مقدمًا لأنّ أنّ لا يبتدأ بها قال الرازي أو أنّ معناه فله نار جهنم وأنّ تكررت للتوكيد واعترض بأنّ فيه الفصل بين المؤكد والمؤكد بأجنبي ثم قال أو جواب من محذوف والتقدير ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأنّ له نار جهنم ﴿خالدًا فيها﴾ أي: دائمًا من غير انقضاء كما كانت نيته المحادة أبدًا، ثم نبه على عظم هذا الجزاء بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن ﴿الخزي العظيم﴾ أي: الهلاك الدائم.
﴿يحذر﴾ أي: يخاف ﴿المنافقون أن تنزل عليهم﴾ أي: المؤمنين ﴿سورة تنبئهم﴾ أي: تخبرهم ﴿بما في قلوبهم﴾ أي: بما في قلوب المنافقين من النفاق والحسد والعداوة للمؤمنين كانوا يقولون فيما بينهم ويستهزؤن ويخافون الفضيحة بنزول القرآن في شأنهم قال قتادة: هذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة أثارت مخازيهم ومثالبهم، قال ابن عباس: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلًا من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضًا لأنّ أولادهم كانوا مؤمنين ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿استهزؤا﴾ أمر تهديد ﴿إنّ الله مخرج﴾ أي: مظهر ﴿ما تحذرون﴾ إخراجه من نفاقكم، قال ابن كيسان: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلًا من المنافقين وقفوا لرسول الله ﷺ على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ بما قدّروا وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم وعمار بن ياسر يقود ناقة رسول الله ﷺ وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حذيفة حتى نحاها عن الطريق فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم قال: لم أعرف منهم أحدًا فقال رسول الله ﷺ «إنهم فلان وفلان حتى عدهم كلهم»، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيناهم الله.
﴿ولئن﴾ اللام لام القسم ﴿سألتهم﴾ أي: المنافقين عن استهزائهم بك والقرآن وهم سائرون معك إلى تبوك ﴿ليقولنّ﴾ معتذرين ﴿إنما كنا نخوض ونلعب﴾ في الحديث لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك، قال قتادة: كان النبي ﷺ يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان يستهزئان بالنبيّ ﷺ والقرآن والثالث يضحك قيل: كانوا يقولون: إنّ محمدًا يغلب الروم ويفتح
[ ١ / ٦٢٧ ]
مدائنهم ما أبعده من ذلك وقيل: كانوا يقولون: إنّ محمدًا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن وإنما هو قوله وكلامه فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على ذلك فقال: «احبسوا الركب عليّ فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا وكذا فقال: ﴿إنما كنا نخوض ونلعب﴾ أي: كنا نتحدّث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لنقطع الطريق بالحديث واللعب» قال الله تعالى: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿أبا﴾ أي: بفرائضه وحدوده وأحكامه ﴿وآياته﴾ أي: القرآن وسائر ما يدل على الدين الذي لا يمكن تبديله ولا يخفى على بصير ولا بصيرة ﴿ورسوله﴾ محمد ﷺ الذي عظمته من عظمته وهو مجتهد في إصلاحكم وتشريفكم وإعلائكم ﴿كنتم تستهزؤن﴾ توبيخًا وتقريعًا لهم على استهزائهم بما لا يصلح الاستهزاء به وإلزامًا للحجة عليهم ولا يعبأ باعتقادهم الكاذب، ولما كان الاستهزاء بذلك كفرًا قال الله تعالى:
﴿لا تعتذروا﴾ أي: لا تشتغلوا باعتذاراتكم الباطلة ﴿قد كفرتم﴾ أي: أظهرتم الكفر بقولكم هذا ﴿بعد إيمانكم﴾ أي: بعد إظهار الإيمان.
فإن قيل: المنافقون لم يكونوا مؤمنين فكيف قال تعالى: ﴿قد كفرتم بعد إيمانكم﴾؟ أجيب: بأنهم كانوا يكتمون الكفر ويظهرون الإيمان فلما حصل ذلك الاستهزاء منهم وهو كفر فقد أظهروا الكفر بعدما أظهروا الإيمان كما تقرّر ﴿إن نعف عن طائفة منكم﴾ أي: بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ﴿نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين﴾ أي: مصرين على النفاق والاستهزاء قال محمد بن إسحاق: الذي عفا الله عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض وكان يمشي مجانبًا لهم وكان ينكر بعض ما يسمع والعرب توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول خرج فلان إلى مكة على الجمال والله تعالى يقول: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ (آل عمران، ١٧٣)
يعني: نعيم بن مسعود فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهمّ إني لا أزال أسمع آية تقرأ تقشعر منها الجلود وتخفق منها القلوب اللهمّ اجعل وفاتي قتلًا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه وقرأ عاصم نعف بالنون مفتوحة وضم الفاء ونعذب طائفة بنون مضمومة وكسر الذال وطائفة بالنصب والباقون إن يعف بياء مضمومة وتعذب بضم التاء وفتح الذال وطائلة بالرفع ثم بين تعالى نوعًا آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم والمقصود منه بيان أنّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة بقوله تعالى:
﴿المنافقون والمنافقات بعضم من بعض﴾ أي: متشابهة في النفاق والبعد عن الإيمان كإبعاض الشيء الواحد كما يقول الإنسان لغيره أنا منك وأنت مني أي: أمرنا واحد لا مباينة فيه ﴿يأمرون بالمنكر﴾ أي: يأمر بعضهم بعضًا بالشرك والمعصية وتكذيب النبيّ ﷺ ﴿وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم﴾ أي: عن الإنفاق في كل خير من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله، والأصل في هذا أنّ المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده فقبض اليد كناية عن الشح وقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملنا النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذمًا لأن النسيان ليس في وسع البشر ولخبر: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» وأيضًا فهو في حق الله تعالى محال
[ ١ / ٦٢٨ ]
فلا بدّ من التأويل وهو من وجهين: الأوّل: معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وجاء هذا على مزاوجة الكلام كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى، ٤٠)
الثاني: النسيان ضدّ الذكر فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله ترك الله تعالى ذكرهم بالرحمة والإحسان وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأنّ من نسي شيئًا لم يذكره فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم ﴿إنّ المنافقين هم الفاسقون﴾ أي: الكاملون في الفسق الذي هو التمرّد في الكفر والانسلاخ عن كل خير وكفى المسلم زاجرًا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله تعالى به المنافقين حتى بالغ في ذمهم وقد كره رسول الله ﷺ للمسلم أن يقول كرهت كسلت لأنّ المنافقين وصفوا بالكسل في قوله تعالى: ﴿إلا وهم كسالى فما ظنك بالفسق﴾، ولما بين ﷾ كثيرًا من أحوال المنافقين والمنافقات وأنه نسيهم أي: جازاهم على تركهم التمسك بطاعة الله تعالى أكد هذا الوعيد وضم المنافقين إلى الكفار فيه بقوله تعالى:
﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار﴾ أي: المجاهرين في عنادهم يقال وعده بالخير وعدا وأوعده بالشر وعيدًا ﴿نار جهنم خالدين فيها﴾ أي: مقدرين الخلود ولا شك أنّ النار المخلدة من أعظم العقوبات ﴿هي حسبهم﴾ أي: كافيتهم في العذاب ﴿ولعنهم الله﴾ أي: أبعدهم مع من أبعدهم من رحمته، ولما كان الخلود قد يتجوّز به عن الزمن الطويل فيكون بعده فرج نفى ذلك بقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب مقيم﴾ أي: دائم لا ينقطع وقوله تعالى:
﴿كالذين من قبلكم﴾ رجوع من الغيبة إلى خطاب الحضور والكاف في كالذين للتشبيه والمعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم شبه فعل المنافقين بفعل الكافرين الذين كانوا من قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن فعل الخير والطاعة ثم إنه تعالى وصف الكفار بأنهم كانوا أشدّ من هؤلاء المنافقين قوّة وأكثر أموالًا وأولادًا بقوله تعالى: ﴿كانوا أشدّ منكم قوّة﴾ أي: بطشًا ومنعًا ﴿وأكثر أموالًا وأولادًا فاستمتعوا بخلاقهم﴾ أي: تمتعوا بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا بها عوضًا عن الآخرة والخلاق: النصيب، وهو ما خلق للإنسان وقدّر له من خير وشر كما يقال: قسم له. ﴿فاستمتعتم بخلاقكم﴾ أي: فتمتعتم أيها المنافقون والكافرون بخلاقكم فهو خطاب للحاضرين ﴿كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم﴾ ذم الأوّلين باستمتاعهم بما أوتوا من حظوظ الدنيا العاجلة وحرمانهم من سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ العاجلة تمهيدًا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم، ولما بين تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك المتقدّمين في طلب الدنيا وفي الإعراض عن طلب الآخرة بين حصول المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء وفي المكر والخديعة بقوله تعالى: ﴿وخضتم﴾ أي: ودخلتم في الباطل والكذب على الله تعالى وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين ﴿كالذي خاضوا﴾ أي: كالذين خاضوا أو كالفوج الذي خاضوا هذا كله إذا جعلنا الذي موصولًا اسميًا فإن جعلناه موصولًا حرفيًا أول مع صلته بمصدر أي كخوضهم والفوج الجماعة.
فإن قيل: أيّ فائدة في قوله تعالى: ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ وقوله تعالى: ﴿كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم﴾ مغن عنه كما أغنى
[ ١ / ٦٢٩ ]
قوله تعالى: ﴿كالذي خاضوا﴾ عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ أجيب: بأنّ فائدة ذلك أن يذم الأوّلين بما مرّ ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على قبح ظلمه بقولك: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب من غير موجب وأمّا ﴿خضتم كالذي خاضوا﴾ فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء الأشقياء ﴿حبطت﴾ أي: بطلت ﴿أعمالهم في الدنيا﴾ أي: بزوالها عنهم ونسيان لذاتها ﴿والآخرة﴾ أي: وفي الدار الآخرة لأنهم لم يسعوا لها سعيها فلم تنفعهم أعمالهم في الدارين بل يعاقبون عليها وزاد في التنبيه على بعدهما مما قصدوا لأنفسهم من النفع بقوله تعالى: ﴿وأولئك هم الخاسرون﴾ أي: الذين خسروا الدنيا والآخرة والمعنى أنه كما بطل أعمال الكفار الماضين وخسروا تبطل أعمالكم أيها المنافقون وتخسرون.
وفي الالتفات إلى مقام الخطاب إشارة إلى تحذير كل سامع عن مثل هذه المقالة قال بعض كبراء التابعين: أدركت سبعين ممن أدرك النبيّ ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه وذكر أنّ مالكًا رحمه الله تعالى دخل المسجد بعد العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبيّ: يا شيخ قم فاركع فقام وركع ولم يحاجه بما يراه مذهبًا فقيل له في ذلك فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون.
وروي أنه ﷺ قال: «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما» وقال تعالى: ﴿لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ (التوبة، ٥٤)
ينظر المنافق إلى ما يسقط فضائل أهل الفضل ويتعامى عن محاسنهم.
كما روي أنّ الله تعالى يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوى أهل المساوى فكيف بمعايب أهل المحاسن والمنافق يأخذ من الدين ما ينفع في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما لا يضر في الدنيا.
ويذكر أن رجلًا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها: دلني على موضع طاهر أصلي فيه، فقال له الراهب: طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت، قال المسلم: فخجلت منه.
وقوله عز من قائل:
﴿ألم يأتهم﴾ فيه رجوع من الخطاب إلى الغيبة أي: ألم يأت هؤلاء المنافقين والكفار وهو استفهام بمعنى التقرير أي: قد أتاهم ﴿نبأ﴾ أي: خبر ﴿الذين من قبلهم﴾ من الأمم الماضية الذين خلوا من قبلهم كيف أهلكناهم حين خالفوا أمرنا وعصوا رسلنا، ولما شبه تعالى المنافقين بالكفار المتقدّمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم لرسلهم بين منهم ستة طوائف:
الأولى: ﴿قوم نوح﴾ أهلكوا بالطوفان.
﴿و﴾ الثانية: ﴿عاد﴾ وهم قوم هود أهلكوا بالريح.
﴿و﴾ الثالثة: ﴿ثمود﴾، وهم قوم صالح أهلكوا بالرجفة.
﴿و﴾ الرابعة: ﴿قوم إبراهيم﴾ أهلكوا بسلب النعمة وأهلك نمروذ ببعوضة سلطها الله تعالى على دماغه فقتلته.
﴿و﴾ الخامسة: ﴿أصحاب مدين﴾ وهم قوم شعيب ويقال إنهم من ولد مدين بن إبراهيم أهلكوا بعذاب يوم الظلة.
﴿و﴾ السادسة: ﴿المؤتفكات﴾ وهم قوم لوط أي: أهلها أهلكوا بأن جعل الله تعالى أعالي أرضهم سافلها وأمطر عليهم حجارة، وإنما ذكر الله تعالى هذه الطوائف الستة لأن آثارهم باقية وبلادهم بالشام
[ ١ / ٦٣٠ ]
والعراق واليمن وكل ذلك قريب من بلاد العرب فكانوا يمرّون عليهم ويعرفون أخبارهم وقوله تعالى: ﴿أتتهم رسلهم﴾ راجع إلى كل هؤلاء الطوائف ﴿بالبينات﴾ أي: المعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا كما فعلتم أيها الكفار والمنافقون فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم فتعجل لكم النقمة كما عجلت لهم. وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع ﴿فما كان الله ليظلمهم﴾ بتعجيل العقوبة لهم ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب، ولما بالغ ﷾ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة ثم ذكر عقبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة ذكر بعده صفات المؤمنين بقوله تعالى:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة وهذا في مقابلة قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ (التوبة، ٦٧)
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿بعضهم من بعض﴾ وقال في وصف المؤمنين: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ ما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنه لما كان نفاق الإتباع حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر لسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة قال فيهم: ﴿بعضهم من بعض﴾ ولما كانت الموافقة الخالصة بين المؤمنين بتوفيق الله تعالى وهدايته لا بمقتضى الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأنّ بعضهم أولياء بعض فظهر الفرق بين الفريقين وظهرت الحكمة، وقوله تعالى: ﴿يأمرون بالمعروف﴾ أي: بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره والمعروف كل ما عرف من الشرع من خير وطاعة ﴿وينهون عن المنكر﴾ أي: الشرك والمعاصي، والمنكر كل ما ينكره الشرع وينفر منه الطبع في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: ﴿يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف﴾ ﴿ويقيمون الصلاة﴾ أي: المفروضة ويتمون أركانها وشروطها ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي: الواجبة عليهم في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: ﴿ويقبضون أيديهم﴾ المعبر به عن البخل وقوله تعالى: ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾ أي: فيما يأمرهم به في مقابلة قوله تعالى في المنافقين: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾، ولما ذكر تعالى ما وعد به المنافقين من العذاب في نار جهنم ذكر ما وعد به المؤمنين من الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة بقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ أي: المؤمنون والمؤمنات الموصوفون بهذه الصفات ﴿سيرحمهم الله﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿إنّ الله عزيز﴾ أي: غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده ﴿حكيم﴾ أي: لا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل ما يبرمه، ولما ذكر ﷾ الوعد على سبيل الإجمال ذكره على سبيل التفصيل بقوله تعالى:
﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ فذكر في هذه الآية أنّ الرحمة هي هذه الأنواع المذكورة في هذه الآية أوّلها قوله تعالى: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ فهي لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة، ولما كان النعيم لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ والمراد بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار البساتين التي يحير في حسنها الناظر لأنه تعالى قال: ﴿ومساكن طيبة في جنات عدن﴾ أي: إقامة وخلود وهذا هو النوع الثاني فتكون جنات عدن هي المساكن التي يسكنونها والجنات الأخر هي البساتين التي يتنزهون فيها فهذه فائدة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.
قد كثر كلام أصحاب الآثار
[ ١ / ٦٣١ ]
في صفة جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين عن قوله تعالى: ﴿ومساكن طيبة﴾ فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: «قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارًا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتًا من زمرّدة خضراء في كل بيت سبعون سريرًا على كل سرير سبعون فراشًا على كل فراش زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونًا من الطعام وفي كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن من القوّة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع»، وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر» أي: دار الله تعالى التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته والمقرّبين من عباده، وعن أبي هريرة ﵁ قلت: يا رسول الله حدّثني عن الجنة ما بناؤها قال: «لبنة من ذهب ولبنة من فضة وبلاطها المسك الإذفر وتربتها الزعفران وحصباؤها الدر والياقوت فهي النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» . وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة، قال الأزهري: بطنانها وسطها، وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصر في الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى وسائر الجنان حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الإذفر، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما: إنّ في الجنة قصرًا يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حكم عدل.
وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة قبابه على حافتيه، وقال الرازي: حاصل الكلام أنّ في جنات عدن قولين: أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول، وقال في «الكشاف»: وعدن علم بدليل قوله تعالى: ﴿جنات عدن التي وعد الرحمن عباده﴾ (مريم، ٦١)
والقول الثاني: أنه صفة الجنة.
قال الأزهري: مأخوذ من قولك: عدن بالمكان، إذا أقام به يعدن عدونًا فبهذا الاشتقاق قالوا الجنات كلها جنات عدن جعلنا الله تعالى ومن نحبه من أهلها وأحل علينا رضوانه فإنه المقصود الأعظم كما قال تعالى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدّي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء.
روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم، يقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ قال تعالى: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا» وهذا هو النوع الثالث وقرأ شعبة ورضوان بضم الراء، والباقون بالكسر ﴿ذلك﴾ أي: الرضوان أو جميع ما تقدّم ﴿هو الفوز العظيم﴾ الذي تستصغر دونه الدنيا وما فيها، ولما وصف الله تعالى المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع العقاب وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد لا جرم ذكر عقبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطاهرة الطيبة ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجة العالية ثم عاد إلى شرح أحوال الكفار
[ ١ / ٦٣٢ ]
والمنافقين بقوله تعالى:
﴿يأيها النبيّ جاهد الكفار﴾ أي: المجاهرين ﴿والمنافقين﴾ أي: الساترين كفرهم بظهور الإسلام.
فإن قيل: الآية تدلّ على وجوب مجاهدة المنافقين وهو غير جائز فإن المنافق كما مرّ من يستر كفره ويقرّ بلسانه ومن كان كذلك لم تجز محاربته ومجاهدته أجيب: بأن ليس في الآية ما يدلّ على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر وإنما تدلّ على وجوب الجهاد مع الفريقين وكيفية تلك المجاهدة إنما تعرف من دليل آخر وقد دلت الدلائل المفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب أن تكون بالسيف ومع المنافقين بالحجة والبرهان وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.
قال القاضي: وهذا ليس بشيء لأنّ إقامة الحدود واجبة على من ليس بمنافق فلا يكون لها تعلق بالنفاق. ولما كان ﷺ مطبوعًا على الرفق وحسن الخلق قال تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ أي: بالانتهار والمقت في الجهادين لا تعاملهم بمثل ما عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في القعود وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال: ﴿المنافقون والمنافقات﴾ فقدم في كل سياق الأليق به ﴿ومأواهم﴾ أي: مسكنهم في الآخرة ﴿جهنم وبئس المصير﴾ أي: المرجع هي.
﴿يحلفون﴾ أي: المنافقون ﴿با ما قالوا﴾ أي: ما بلغك عنهم من السب والمفسرون ذكروا في أسباب نزول هذه الآية وجوهًا.
الأوّل: روي أنه ﵊ أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد: لئن كان ما يقول محمد في إخواننا الذين خلفناهم بالمدينة حقًا لنحن شرّ من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاريّ للجلاس: أجل والله إنّ محمدًا صادق وأنت شرّ من الحمار، فبلغ رسول الله ﷺ فاستحضره فحلف بالله ﷿ ما قاله فرفع عامر يده وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فنزلت فقال الجلاس: لقد ذكر الله تعالى التوبة في هذه الآية ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر ثم تاب وحسنت توبته.
الثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وأراد به الرسول ﷺ فسمع زيد بن أرقم ذلك فبلغه النبيّ ﷺ فهم عمر ﵁ بقتل عبد الله بن أبي فجاء عبد الله بن أبي وحلف أنه لم يقل.
الثالث: روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الجهني على الغفاري فقال عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبيّ ﷺ فأرسل إليه فسأله فحلف بالله ما قاله فنزلت ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ وهي سب النبيّ ﷺ وقيل: هي كلمة الجلاس بن سويد، وقيل: هي كلمة عبد الله بن أبيّ ﴿وكفروا بعد إسلامهم﴾ أي: وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ أي: من قتل النبيّ ﷺ عند مرجعه من تبوك توافق خمسة عشر منهم إذا تسنم العقبة أي: علاها بالليل فأخذ عمار بن ياسر بخطام ناقته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة
[ ١ / ٦٣٣ ]
السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا.
وقيل: هم المنافقون هموا بقتل عامر حين ردّ على الجلاس.
وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ ﴿وما نقموا﴾ أي: وما أنكروا على رسول الله ﷺ شيئًا ﴿إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ فإنّ أكثر أهل المدينة كانوا قبل قدوم النبيّ ﷺ المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحرزون الغنيمة وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة وذلك يوجب أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله وقتل للجلاس مولى فأمر له رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفًا فاستغنى فالمنافقون عملوا بضدّ الواجب فوضعوا موضع شكره ﷺ أن نقموا منه.
وقال ابن قتيبة معناه ليس هناك شيء ينقمون منه ولا يعيبون من الله إلا الصنيع وهذا كقول الشاعر:
*ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا*
وكقول النابغة:
*ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب*
أي: ليس فيها عيب ﴿فإن يتوبوا﴾ أي: من كفرهم ونفاقهم ﴿يك خيرًا لهم﴾ في العاجل والآجل من إصرارهم على ذلك وهذا الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير في يك للتوبة ﴿وإن يتولوا﴾ أي: يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على النفاق والكفر ﴿يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا﴾ بالقتل والأسر والإذلال ﴿والآخرة﴾ بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه وهو خلودهم في النار ﴿وما لهم في الأرض﴾ أي: التي لا يعرفون غيرها لسفول همتهم ﴿من ولي﴾ يحفظهم منه ﴿ولا نصير﴾ يمنعهم وأمّا السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها في شيء ناصر أو غيره وأغلظ أكبادًا من أن يرتقي فكرهم إلى ما بها من العجائب وما بها من الجنود واعلم أنّ هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف فلهذا السبب يذكرهم الله تعالى على التفصيل فيقول تعالى: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبيّ﴾ (التوبة، ٦١)
﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ (التوبة، ٥٨)
﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ (التوبة/ ٤٩)
﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنّ﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد ﴿ولنكونن من الصالحين﴾ قال ابن عباس ﵄: إن ثعلبة بن حاطب أبطأ عنه ماله بالشام فلحقه شدّة فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار لئن آتانا الله من فضله لأصدقنّ ولأؤدّينّ منه حق الله تعالى والمشهور في سبب نزول هذه الآية أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالًا فقال له رسول الله ﷺ يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. فراجعه فقال رسول الله ﷺ «أما لك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبًا وفضة لسارت» ثم أتاه بعد ذلك وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالًا والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالًا لأعطينّ كل ذي حق حقه فقال رسول الله ﷺ اللهم ارزق ثعلبة مالًا فاتخذ غنمًا
[ ١ / ٦٣٤ ]
فنمت كما تنمى الدود حتى كثرت ونزل بها واديًا من أودية المدينة واشتغل بها حتى صار يصلي مع النبي ﷺ الظهر والعصر ويصلي في غنمه باقي الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضًا فصار لا يشهد إلا الجمعة ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضًا فصار لا يشهد لا جمعة ولا جماعة فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبة» فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنمًا ما يسعها واد فقال رسول الله ﷺ «يا ويح ثعلبة ثلاثًا» فنزلت آية الصدقة فبعث رسول الله ﷺ رجلين لأخذ الصدقة» وكتب لهما أصناف الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما: «مرّا بثعلبة وخذا صدقاته فأتياه وسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ فقال: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية انطلقا حتى
تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ثم رجعا إلى ثعلبة فقال كمقالته الأولى ولم يدفع إليهما شيئًا فرجعا إلى النبيّ ﷺ وأخبراه بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبيّ ﷺ وسأله أن يقبل صدقته فقال: إن الله تعالى منعني من أن أقبل صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال ﷺ «لقد قلت لك فما أطعتني» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر ﵁ فلم يقبلها ثم جاء بها إلى عمر أيام خلافته فلم يقبلها فلما ولى عثمان أتاه بها فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁.
فإن قيل: العبد إذا تاب تاب الله عليه فلماذا منع الله تعالى من قبول صدقته أجيب: بأنّ الله تعالى لما قال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (التوبة، ١٠٣)
وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه فلهذا السبب امتنع رسول الله ﷺ من أخذ تلك الصدقة ثم قال الله تعالى:
﴿فلما آتاهم من فضله بخلوا به﴾ أي: منعوا حق الله تعالى منه ﴿وتولوا﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿وهم معرضون﴾ أي: عن طاعة الله تعالى.
﴿فأعقبهم﴾ أي: صير عاقبتهم ﴿نفاقًا﴾ متمكنًا ﴿في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ أي: الله يوم القيامة ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي: بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح لأنّ الجزاء من جنس العمل ﴿وبما كانوا يكذبون﴾ أي: يجددون الكذب دائمًا مع الوعد ومنفكًا عنه فقد استكملوا النفاق عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا وحدّثوا فكذبوا وقد قال ﷺ «آية المنافق - أي: علامته - ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» .
﴿ألم يعلموا﴾ أي: المنافقون ﴿إنّ الله يعلم سرّهم﴾ أي: ما أسروا في أنفسهم من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه ﴿ونجواهم﴾ أي: ما تناجوا بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها فكيف يجترؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستمرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنّ الله تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ﴿وإنّ الله علام الغيوب﴾ والعلام مبالغة في العالم والغيب ما كان غائبًا عن الخلق
[ ١ / ٦٣٥ ]
فكيف يمكن الإخفاء عنه وقوله تعالى:
﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿يلمزون﴾ أي: يعيبون ﴿المطوّعين﴾ المتنفلين ﴿من المؤمنين﴾ أي: الراسخين في الإيمان ﴿في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ أي: طاقتهم فيأتون به ﴿فيسخرون منهم﴾ أي: يستهزؤن بهم والخبر ﴿سخر الله منهم﴾ أي: جازاهم على سخريتهم ﴿ولهم عذاب أليم﴾ على كفرهم وهذا نوع آخر من أعمال المنافقين القبيحة وهو لمزهم لمن يأتي بالصدقات.
روي أنّ رسول الله ﷺ خطب ذات يوم وحث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال لرسول الله ﷺ يا رسول الله مالي ثمانية آلاف درهم جئتك بأربعة آلاف درهم فاجعلها في سبيل الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله ﷺ «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» فبارك الله تعالى في مال عبد الرحمن حتى أنه خلف امرأتين يوم مات بلغ ثمن ماله لهما مائة وتسعين ألف درهم، وجاء عاصم بن عدي الأنصاريّ بسبعين وسقًا من تمر وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة وجاء أبو عقيل الأنصاريّ بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخله فأخذت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي وأتيتك بالآخر فأمر رسول الله ﷺ بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا عبد الرحمن وعثمان ما يعطيان إلا رياء والله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطى من مال الصدقات فنزلت، وقوله تعالى:
﴿أو لا تستغفر لهم﴾ تخيير للنبيّ ﷺ في الاستغفار لهم وتركه قال ﷺ «إني خيرت فاخترته» يعني: الاستغفار رواه البخاريّ ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ .
روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال ﵊: «سأزيد على السبعين» وذلك لأنه ﷺ فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل لجواز أن يكون ذلك حدًا يخالفه حكم ما وراءه فبين تعالى أن المراد التكثير دون التحديد وإنما خص السبعين من العدد بالذكر لأنّ العرب كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله ﷺ على عمه حمزة ﵁ سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبع وهو عدد شريف فإن السموات سبع والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار سبع والنجوم سبع وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد أي عدّة مراتبه الأصلية والفرعية مع ذكر أول فروع فروعه وهي سبعة آحاد عشرات مئين آحاد ألوف عشرات ألوف مئين ألوف آحاد ألوف الألوف وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كفروا با ورسوله﴾ إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها ﴿وا لا يهدي القوم الفاسقين﴾ أي: المتمردين في كفرهم وهو كالتنبيه على عذر النبيّ ﷺ في استغفاره وهو عدم يأسهم عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى: ﴿ما كان
[ ١ / ٦٣٦ ]
للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ (التوبة، ١١٣)
﴿فرح المخلفون﴾ عن غزوة تبوك ﴿بمقعدهم﴾ أي: بقعودهم فهو اسم للمصدر ﴿خلاف رسول الله﴾ هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين وهو فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد والمخلف المتروك ممن مضى.
فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا فكانوا متخلفين. لا مخلفين أجيب: بأنّ من تخلف عن رسول الله ﷺ بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف حيث لم ينهض وأقام.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿خلاف﴾ فيه قولان:
الأوّل: وهو قول الزجاج بمعنى مخالفة رسول الله ﷺ حين سار وأقاموا قال وهو منصوب لأنه مفعول له والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله ﷺ
والثاني: قال الأخفش: إن خلاف بمعنى خلف ومعناه بعد رسول الله ﷺ وقوله تعالى: ﴿وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ تعريض للمؤمنين بتحملهم المشاق لوجه الله تعالى بما فعلوا من بذل أنفسهم وأموالهم وإيثارهم ذلك على السكون والراحة وكره ذلك المنافقون وكيف لا يكرهون وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان ﴿وقالوا﴾ أي: قال بعض المنافقين لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطًا ﴿لا تنفروا﴾ أي: لا تخرجوا إلى الجهاد ﴿في الحرّ﴾ وكانت غزوة تبوك في شدّة الحر فأجاب الله تعالى عن هذا بقوله تعالى: ﴿قل نار جهنم أشدّ حرًّا لو كانوا يفقهون﴾ أي: يعلمون أنّ بعد هذه الدار دارًا أخرى وأن بعد هذه الحياة حياة أخرى وأنّ هذه مشقة منقضية وتلك مشقة باقية ما تخلفوا ولبعضهم
*مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم اربها شبه الصابي*
*فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب*
وقوله تعالى:
﴿فليضحكوا قليلًا﴾ أي: في الدنيا ﴿وليبكوا كثيرًا﴾ أي: في الآخرة ورد بصيغة الأمر ومعناه الإخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ أي: أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم وأعمالهم الخبيث في الدنيا.
روي أن أهل النفاق يبكون في الآخرة في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم ففرحهم وضحكهم طول أعمارهم في الدنيا قليل بالنسبة إلى الآخرة لأنّ الدنيا فانية والآخرة باقية والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل.
روي عن أنس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا فإنّ أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتنفرغ العيون حتى لو أن سفنًا أجريت فيها لجرت» قال البيضاوي: ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغمّ والمراد من القلة العدم.
﴿فإن رجعك﴾ أي: ردّك ﴿ا﴾ من غزوة تبوك ﴿إلى طائفة منهم﴾ أي: ممن تخلف بالمدينة من المنافقين وإنما قال: ﴿إلى طائفة منهم﴾ لأنّ منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف أو اعتذر بعذر صحيح، وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين وأراد بالطائفة المنافقين
[ ١ / ٦٣٧ ]
منهم ﴿فاستأذنوك للخروج﴾ معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك ﴿فقل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين طلبوا الخروج معك وهم مقيمون على نفاقهم ﴿لن تخرجوا معي أبدًا﴾ أي: في سفر من الأسفار إنّ الله تعالى قد أغناني عنكم وأحوجكم إلي ﴿ولن تقاتلوا معي عدوًّا﴾ إخبار بمعنى النهي للمبالغة وقوله تعالى: ﴿إنكم رضيتم بالقعود أوّل مرّة﴾ تعليل له وكان إسقاطهم من ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم وأوّل مرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك ﴿فاقعدوا مع الخالفين﴾ أي: المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان وغيرهم، قال الرازي: واعلم أنّ هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض إخوانه مكر وخداع ورآه مشدّدًا فيه مبالغًا في تقرير موجباته فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه وأن يحترز عن مصاحبته، ولما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بمنع المنافقين من الخروج معه إلى الغزوات إذلالًا لهم أمره بمنع الصلاة على من مات منهم إذلالًا لهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ .
روي أن ابن أبي - رأس المنافقين - دعا النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه فلما دخل عليه النبيّ ﷺ سأله أن يصلي عليه وإذا مات يقوم على قبره ثم أرسل للنبيّ ﷺ يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني فردّه وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه فقال عمر ﵁: لم تعطي قميصك للرجس النجس؟ فقال ﷺ «إنّ قميصي لا يغني عنه من الله شيئًا وإني أؤمّل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب» فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ فلما مات جاء ابنه يعرفه وكان ابنه صحابيًا خالصًا صالحًا فقال له النبيّ ﷺ «صل عليه وادفنه» فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم فقام ﵊ ليصلي عليه فقام عمر ﵁ بينه وبين القبلة فنزلت هذه الآية وأخذ جبريل ﵇ بثوب النبي ﷺ وقال: ﴿لا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ قال عمر: فعجبت من جراءتي على النبي ﷺ يومئذ وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر ﵁ وذلك أنّ الوحي ينزل وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفدية من أسارى بدر وقد سبق شرحه، ومنها آية تحريم الخمر، ومنها آية تحويل القبلة، ومنها آية أمر النساء بالحجاب، ومنها هذه الآية، فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصبًا عاليًا ودرجة رفيعة له في الدارين ولهذا قال في حقه ﵊: «لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيًا» وإنما لم ينه ﷺ عن التكفين في القميص ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت تخل بالكرم وكان الله تعالى أمره أن لا يردّ سائلًا بقوله تعالى: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ (الضحى، ١٠)
ولأنّ ابنه كان بالوصف المتقدم فأكرمه النبي ﷺ لمكان ابنه ولأن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه ﷺ ولأنها كانت مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين كان أسر ببدر والمراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر، قال الواحدي: مات في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل:
[ ١ / ٦٣٨ ]
على أحد منهم ميت، وقوله تعالى: ﴿أبدًا﴾ متعلق بقوله: ﴿ولا تصل﴾ والتقدير ولا تصل أبدًا على أحد منهم منعًا كليًا دائمًا، وقال البيضاوي: مات أبدًا يعني: الموت على الكفر فإن إحياء الكافر للتعذيب لا للتمتع فكأنه لم يحيى واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تقم على قبره﴾ فقال الزجاج: كان رسول الله ﷺ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه قال الكلبي: لا تقم لإصلاح مهمات قبره وهو من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه، وقيل: لا تقم عند قبره لدفن أو زيارة والأوّل أولى لأنّ النهي للتحريم ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله تعالى: ﴿إنهم كفروا با ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ أي: كافرون يعني: لم يتوبوا قبل موتهم عن كفرهم فسقط بذلك ما قيل: إن الفسق أدنى من الكفر فما الفائدة في وصفهم بعد ذلك بالفسق، وأجيب أيضًا: بأنّ الكافر قد يكون عدلًا في دينه وقد يكون فاسقًا فوصف الله تعالى المنافق بالفسق بعد أن وصفه بالكفر تنبيهًا على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العلم.
فإن قيل: كيف همّ ﷺ أن يصلي على هذا المنافق مع قيام الكفر فيه وقيل: إنه صلى عليه؟ أجيب: بأنّ التكاليف مبنية على قوله ﷺ «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» فإنه كان ظاهره الإسلام فلما أعلمه الله تعالى بذلك امتنع فلم يصل على منافق بعد ذلك ولا قام على قبره حتى قبض.
﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ سبق ذكر هذه الآية في هذه السورة بعينها ولكن حصل بينهما تفاوت في ألفاظ أربعة: أوّلها: أنّ في الآية المتقدّمة ﴿فلا تعجبك﴾ بالفاء وههنا بالواو لأنّ الآية الأولى ذكرت بعد قوله تعالى: ﴿ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال والأولاد فلهذ المعنى نهاه الله تعالى عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو. ثانيها: أنه قال تعالى في الآية الأولى: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾ وههنا كلمة لا محذوفه لأنّ مثل هذا الترتيب يبدأ فيه بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف فيقال: لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم وهذه الآية تدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم. ثالثها: أنه تعالى قال هناك: ﴿إنما يريد الله ليعذبهم﴾ وههنا قال: ﴿إنما يريد الله أن يعذبهم﴾ فالفائذة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال وإن ورد حرف التعليل ومعناه أنه كقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله. رابعها: أنه ذكر في الآية الأولى ﴿في الحياة الدنيا﴾ وههنا أسقط لفظ الحياة تنبيهًا على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة مبلغًا إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهًا على كمال دناءتها، قال الرازي: فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ والعالم بتحقيق القرآن هو الله تعالى.
فإن قيل: ما الحكمة في التكرير؟ أجيب: بأنه أشدّ الأشياء جذبًا وطلبًا للخواطر الاشتغال بالدنيا وهي الأموال والأولاد وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرّة بعد أخرى في المطلوبية والمرغوبية كما أعاد تعالى
[ ١ / ٦٣٩ ]
قوله في سورة النساء: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما يشاء﴾ (النساء، ٤٨)
مرّتين وقيل: إنما كرّر هذا المعنى لأنّ الآية الأولى في قوم منافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها وهذه الآية في قوم آخرين والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة لم يكن ذكره مع بعضهم مغنيًا عن ذكره مع آخرين، وقوله تعالى:
﴿وإذا أنزلت سورة﴾ يحتمل أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها أي: طائفة من القرآن وقيل: المراد بالسورة سورة براءة لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿أن آمنوا با﴾ أي: بأن آمنوا ويجوز أن تكون أن المفسرة ﴿وجاهدوا مع رسوله﴾ .
فإن قيل: كيف يأمر المؤمنين بالإيمان فإنّ ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال؟ أجيب: بأنّ معناه الدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل، وقيل: هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون أي: اخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله ﷺ وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأنّ الجهاد بغير الإيمان لا يفيد شيئًا ثم حكى الله تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون فقال تعالى: ﴿استأذنك أولو الطول منهم﴾ قال ابن عباس يعني: أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من المال، وقيل: هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم ﴿وقالوا﴾ أي: أولو الطول ﴿ذرنا نكن مع القاعدين﴾ أي: الذين قعدوا لعذر كالمرضى والزمنى، وقيل: مع النساء والصبيان ثم ذمّهم الله تعالى بقوله:
﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ جمع خالفة أي: النساء اللاتي تخلفن في البيوت، وقيل: الخوالف أدنياء الناس وسفلتهم يقال: فلان خالفه قومه إذا كان دونهم وإنما خص أولو الطول بالذكر لأنّ الذم لهم لازم لكونهم قادرين على السفر والجهاد وأمّا من لا مال له ولا قدرة له على السفر فلا يحتاج إلى الاستئذان قال المفسرون: كان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف ﴿وطبع﴾ أي: وختم ﴿على قلوبهم﴾ أي: هؤلاء المنافقين ﴿فهم لا يفقهون﴾ أي: لا يعلمون ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاوة والخذلان ولما شرح الله ﷾ حال المنافقين من الفرار عن الجهاد بين حال الرسول والذين آمنوا معه بالضدّ منه بقوله تعالى:
﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ أي: بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله تعالى والتقرب إليه وفي قوله تعالى: ﴿لكن﴾ فائدة وهي تقرير أنه وإن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير منهم وأخلص نية واعتقادًا كقوله تعالى: ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا﴾ (الأنعام، ٨٩)، ولما وصفهم الله تعالى بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع وهو أنواع: أوّلها: ما ذكره تعالى بقوله سبحانه: ﴿وأولئك لهم الخيرات﴾ أي: منافع الدارين النصرة والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة، وقيل: الخيرات الحور العين لقوله تعالى: ﴿فيهنّ خيرات حسان﴾ (الرحمن، ٧٠)
ثانيها: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي: الفائزون بالمطالب المتخلصون من العقاب والعتاب وثالثها: ما ذكره بقوله تعالى:
﴿أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾ هذا بيان ما لهم من الخيرات الأخروية.
﴿وجاء المعذرون﴾ بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: المعتذرون بمعنى المعذورين ﴿من الأعراب﴾ إلى
[ ١ / ٦٤٠ ]
النبي ﷺ ﴿ليؤذن لهم﴾ في القعود لعذرهم فأذن لهم واختلف في هؤلاء المعذرين فقيل: هم أسد وغطفان قالوا: إنّ لنا عيالًا وإن بنا جهدًا فائذن لنا في التخلف، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال ﷺ «سيغنيني الله عنكم» وقيل: نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله، وعن قتادة: اعتذروا بالكذب والاعتذار في كلام العرب على قسمين: يقال: اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله تعالى: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ (التوبة، ٩٤)
فردّ الله تعالى عيهم بقوله: ﴿قل لا تعتذروا﴾ (التوبة، ٩٤)
فدلّ ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه. ويقال: اعتذر إذا أتى بعذر صحيح كما في قول لبيد:
*ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر*
يريد: فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو التعذير الذي هو التقصير، يقال: عذر يعذر إذا قصر ولم يبالغ فعلى هذا المعنى يحتمل أنهم كانوا صادقين في اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكره قال بعده: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ أي: في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار فلما فصل بينهم وميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين.
ويروى عن عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام فقال: إن أقوامًا تكلفوا عذرًا بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وجاء المعذرون﴾ وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبه عذر جراءة على الله وهم المراد بقوله تعالى: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ ﴿سيصيب الذين كفروا منهم﴾ أي: من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره ﴿عذاب أليم﴾ في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.
ولما بين ﷾ الوعيد في حق من توهم العذر مع أنه لا عذر له ذكر أصحاب الأعذار الحقيقة وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط بقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء﴾ كالشيوخ ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفًا نحيفًا ﴿ولا على المرضى﴾ كالزمنى والعرج والعمي ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون﴾ في الجهاد ﴿حرج﴾ أي: إثم في التخلف عنه فنفى ﷾ عن هذه الأقسام الثلاثة الحرج فيجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج لأنّ الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بقدر قدرته إما لحفظ متاعهم أو لتكثير سوادهم بشرط أن لا يجعل نفسه كلًا ووبالًا عليهم كان ذلك طاعة مقبولة ثم إنه ﷾ شرط في جواز هذا التأخر عن الغزو شرطًا بقوله: ﴿إذا نصحوا ورسوله﴾ في حال قعودهم بالإيمان والطاعة في السرّ والعلانية وأن يحترزوا عن إلقاء الإرجافات وعن إثارة الفتن ويسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا إما أن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم وإما أن يسعوا إلى إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد وقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين﴾ في موضع ما عليهم لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم ﴿من سبيل﴾ أي: طريق إلى ذمهم أو لومهم والمعنى أنه سدّ بإحسانه طريق العتاب ومن أعظم الإحسان من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله مخلصًا من قلبه فإن ما عليه من سبيل في نفسه وماله لإباحة الشرع بدليل منفصل إذ العبرة
[ ١ / ٦٤١ ]
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان ورأس أبواب الإحسان ورئيسها هو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿وا غفور﴾ أي: محاء للذنوب ﴿رحيم﴾ أي: بجميع عباده، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير وإن اجتهد فلا يسعه إلا العفو ولما ذكر الله ﷾ الضعفاء والمرضى والفقراء وبين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط
أن يكونوا ناصحين لله ورسوله وهو كونهم محسنين وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ذكر قسمًا رابعًا من المعذورين بقوله تعالى:
﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ إلى الغزو وهم البكاؤن سبعة من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية بن زيد أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: بدرنا بالخروج أي: أسرعنا فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو فقال رسول الله ﷺ «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين وقيل: هم بنو مقرن من مزينة وكانوا ثلاثة أخوة معقل وسويد والنعمان وقيل: أبو موسى وأصحابه وقيل: نزلت في العرباض بن سارية، ويحتمل أنها نزلت في كل من ذكر، وقوله تعالى: ﴿قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ حال من الكاف في أتوك بإضمار قد وقوله تعالى: ﴿تولوا﴾ جواب إذا ﴿وأعينهم تفيض﴾ أي: تسيل ﴿من الدمع﴾ أي: دمعها فان، ومن للبيان كقولك: أفديك من رجل، وهو أبلغ من يفيض دمعها لأنه يدلّ على أن العين صارت دمعًا فياضًا وقوله تعالى: ﴿حزنًا﴾ منصوب على العلة ﴿أن لا يجدوا﴾ أي: لئلا يجدوا محله نصب على أنه مفعول له وناصبه المفعول له الذي هو حزنًا ﴿ما ينفقون﴾ في الجهاد ولما قال تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ قال تعالى في حق من يعتذر: ﴿ولا عذر له﴾ .
﴿إنما السبيل﴾ أي: إنما يتوجه الطريق بالعقوبة ﴿على الذين يستأذنونك﴾ يا محمد في التخلف عنك والجهاد ﴿وهم أغنياء﴾ أي: قادرون على أهبة الخروج معك وقوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ استئناف كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف وهم النساء والصبيان ﴿وطبع الله على قلوبهم﴾ فلأجل ذلك الطبع قال الله تعالى: ﴿فهم لا يعلمون﴾ أي: ما في الجهاد من منافع الدارين، أمّا في الدنيا فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو، وأمّا في الآخرة فالثواب والنعيم الدائم الذي لا ينقطع.
﴿يعتذرون﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿إليكم﴾ أي: في التخلف ﴿إذا رجعتم﴾ من الغزو ﴿إليهم﴾ بالأعذار الباطلة والخطاب للنبي ﷺ وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيمًا له ويحتمل أن يكون له وللمؤمنين.
يروى أن الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من المنافقين كانوا بضعة وثلاثين رجلًا فلما رجع النبيّ ﷺ جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل قال تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿لا تعتذروا﴾ بالمعاذير الباطلة ﴿لن نؤمن لكم﴾ أي: لن نصدّقكم فيما اعتذرتم به وقوله تعالى: ﴿قد نبأنا﴾ أي: أعلمنا ﴿الله من أخباركم﴾ أي: بعض أحوالكم التي أنتم عليها من الشرّ والفساد علة لانتفاء تصديقهم لأنّ الله تعالى إذا أوحى إلى رسوله ﷺ الإعلام بأحوالهم وما في ضمائرهم من الشرّ والفساد لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم ﴿وسيرى الله علمكم ورسوله﴾ أي:
[ ١ / ٦٤٢ ]
أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه ﴿ثم تردّون﴾ أي: بالبعث ﴿إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ أي: الله المطلع على ما في ضمائركم من الخيانة والكذب وإخلاف الوعد وغير ذلك من الخبائث التي أنتم عليها فيجازيكم عليه.
﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم﴾ أي: رجعتم ﴿إليهم﴾ من تبوك إنهم معذورون في التخلف ﴿لتعرضوا عنهم﴾ أي: لتصفحوا عنهم فلا تعاتبوهم ﴿فأعرضوا عنهم﴾ أي: فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، قال ابن عباس: يريد ترك الكلام والسلام قال مقاتل: قال النبيّ ﷺ حين قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر تعالى علة الإعراض بقوله: ﴿إنهم رجس﴾ أي: قذر لخبث باطنهم فكما يجب الاحتراز عن الأنجاس الجسمانية يجب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية خوفًا من سريانها إلى الإنسان وحذرًا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال وقوله تعالى: ﴿ومأواهم جهنم﴾ من تمام العلة ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ من الأعمال الخبيثة في الدنيا واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية فقال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما كانوا ثمانين رجلًا من المنافقين فقال النبيّ ﷺ حين قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبيّ حلف للنبي ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها وطلب من النبيّ ﷺ أن يرضى عنه فأنزل الله تعالى هذه الآية ونزل.
﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾ أي: يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم ﴿فإن ترضوا عنهم﴾ أي: فإن رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا إليكم وقبلتم عذرهم ﴿فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ لأنه تعالى يعلم ما في قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى عنهم والمقصود من الآية عدم الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم.
ونزل في سكان البادية:
﴿الأعراب﴾ أي: أهل البدو ﴿أشدّ كفرًا ونفاقًا﴾ أي: من أهل الحضر لجفائهم وغلظ طباعهم وبعدهم عن أهل العلم وقلة استماعهم الكتاب والسنة واستيلاء الهواء الحار اليابس عليهم وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم وليسوا تحت سياسة سائس ولا تأديب مؤدّب ولا ضبط ضابط فنشؤوا كما شاؤوا ومن كان كذلك خرج على أشدّ الجهات نفاقًا ولو قابلت الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لعرفت الفرق بين أهل الحضر وأهل البادية.
قال العلماء من أهل اللغة: يقال: رجل عربي إذا كان له نسب في العرب وجمعه العرب كما يقال: مجوسي ويهودي ثم تحذف ياء النسب في الجمع فيقال: المجوس واليهود ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويًا يطلب مساقط الغيث والكلأ وسواء كان من العرب أم من مواليهم ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب.
والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب له فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم أعراب والذي يدل على الفرق بينهما أنه ﷺ قال: «حب العرب من الإيمان» وأما الأعراب فقد ذمّهم الله تعالى في هذه الآية.
وقيل: سموا بالعرب لأنّ ألسنتهم معربة عما
[ ١ / ٦٤٣ ]
في ضمائرهم ولا شك أنّ اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة.
قال الرازي: ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألسنتهم وعذوبة عباراتهم ثم حكم الله تعالى على الأعراب بحكم آخر بقوله تعالى: ﴿وأجدر﴾ أي: أحق وأولى ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ من الأحكام والشرائع فرائضها وسننها ﴿وا عليم﴾ بما في قلوب عباده ﴿حكيم﴾ فيما فرض من فرائضه وأحكامه.
﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق﴾ في سبيل الله تعالى ﴿مغرمًا﴾ أي: غرامة وخسرانًا والغرامة ما ينفقه الرجل وليس يلزمه لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء لا لوجه الله تعالى وابتغاء المثوبة عنده وهم أسد وغطفان ﴿ويتربص﴾ أي: ينتظر ﴿بكم الدوائر﴾ أي: دوائر الزمان أن ينقلب عليكم فيموت النبيّ ﷺ ويظهر المشركون قال الله تعالى: ﴿عليهم دائرة السوء﴾ دعاء عليهم معترض، قال التفتازاني: بين كلامين لا في أثناء كلام ولا في آخره دعا عليهم بنحو ما دعوا به قال الله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ (المائدة، ٦٤)
أي: يدور عليهم البلاء والحزن ولا يرون في محمد ﷺ ودينه وأصحابه إلا ما يسوءهم ويكيدهم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين والباقون بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك: رجل سوء في نقيض قولك: رجل صدق ﴿وا سميع﴾ لأقوالهم ﴿عليم﴾ بما تخفي ضمائرهم ولما بين ﷾ أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرمًا بين أن فيهم قومًا مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنمًا بقوله تعالى: ﴿ومن الأعراب من يؤمن با واليوم الآخر﴾ كبعض جهينة ومزينة فوصفهم الله تعالى بوصفين: كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر والمقصود التنبيه على أنه لا بدّ في جميع الطاعات من تقديم الإيمان وفي الجهاد أيضًا كذلك والثاني: ما ذكره بقوله تعالى: ﴿ويتخذ ما ينفق قربات﴾ جمع قربة أي: يقربه ﴿عند الله﴾ الذي لا أشرف من القرب عنده ﴿و﴾ وسيلة إلى ﴿صلوات﴾ أي: دعوات ﴿الرسول﴾ ﷺ لأنه كان يدعو للمصدقين عنده بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله ﷺ «اللهم صل على آل أوفى» قال تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ أي: ادع لهم ولما كان ما ينفق سببًا لذلك قيل: يتخذ ما ينفق قربات وصلوات الرسول ﴿ألا إنها﴾ أي: نفقاتهم ﴿قربة لهم﴾ عند الله وهذا شهادة من الله تعالى للمؤمن المتصدّق بصحة ما اعتقد من كون نفقاته قربات عند الله وصلوات الرسول وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه وهو قوله تعالى: ﴿ألا﴾ وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى: ﴿إنها﴾ ثم زاد في التأكيد فقال تعالى: ﴿سيدخلهم الله في رحمته﴾ فإن دخول السين توجب مزيد التأكيد وهذه النعمة هي أقصى مرادهم. وقرأ ورش: قربة برفع الراء والباقون بالسكون والأصل هو الضم والإسكان تخفيف ﴿إنّ الله غفور﴾ أي: بليغ الستر لقبائح من تاب ﴿رحيم﴾ بهم.
ولما ذكر تعالى فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وما أعدّ لهم من الثواب بين تعالى أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها
[ ١ / ٦٤٤ ]
بقوله تعالى:
﴿والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار﴾ أما من المهاجرين فقال سعيد بن المسيب: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، وقال محمد بن كعب: هم جماهير الصحابة، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة.
واختلف في أوّل الناس إسلامًا وأوّل من صلى مع رسول الله ﷺ فقال بعض العلماء: أوّل من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهذا قول جابر واختلفوا في سنه وقت إسلامه فقيل: كان ابن عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر، وقيل: كان بالغًا، والأكثرون على أنه لم يكن بالغًا وقت إسلامه، وقال بعضهم: أوّل من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن عباس، وقال بعضهم: أوّل من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وهذا قول عروة بن الزبير وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الروايات فيقول: أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ فهؤلاء أربعة سباق الخلق إلى الإسلام.
وأما من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة وهي الأولى وكانوا ستة نفر ثم العقبة الثانية من العام المقبل وكانوا اثني عشر رجلًا ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلًا فهؤلاء سباق الأنصار، وقيل: المراد بالسابقين الأوّلين من سبق إلى الهجرة والنصرة ويدل على هذا أنه تعالى ذكر كونهم سابقين ولم يبين لهم أنهم سابقون في ماذا فبقي اللفظ مجملًا فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما قد صاروا به مهاجرين وأنصارًا وهو الهجرة والنصرة فوجب أن يكون المراد منه السابقين الأوّلين في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ وأيضًا فإنّ الهجرة طاعة عظيمة ومرتبة عالية ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله ﷺ على أعدائه وآووه وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى الله تعالى عليهم ومدحهم ﴿والذين اتبعوهم﴾ أي: الفريقين إلى يوم القيامة ﴿بإحسان﴾ أي: في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقتهم.
وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار ويترحمون عليهم ويدعون لهم ويذكرون محاسنهم.
وقيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأوّلين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» والمدّ ربع الصاع والنصيف نصفه والمعنى لو أن أحدًا عمل مهما قدر عليه من أعمال البرّ والإنفاق في سبيل الله ما بلغ هذا القدر الصغير من عمل الصحابة وإنفاقهم لأنهم أنفقوا وبذلوا المجهود في وقت الحاجة، وعن عمران بن حصين أن النبيّ ﷺ قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعده قرنين أم ثلاثًا. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم بعضًا واختلفوا في مدّته من الزمان من عشر سنين إلى عشرين سنة، وقيل: من مائة إلى مائة وهذا هو المشهور وقيل: من مائة إلى مائة وعشرين سنة ثم جمعهم الله تعالى في الثواب فقال: ﴿﵃﴾ فالسابقون مرتفع بالابتداء وخبره ﵃ أي: بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم ﴿ورضوا عنه﴾ بما أفاض عليهم
[ ١ / ٦٤٥ ]
من نعمه الجليلة في الدنيا والآخرة ﴿وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار﴾ أي: هي كثيرة المياه فكل موضع أردته نبع منه ماء يجري منه نهر. وقرأ ابن كثير بزيادة من تحتها وبجرّ التاء بعد الحاء والباقون بغير من وفتح التاء، ثم نفى سبحانه الانقطاع بقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ وأكد المراد من الخلود بقوله تعالى: ﴿أبدًا﴾ ثم استأنف مدح هذا الذي أعدّه لهم بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الأمر العالي الرتبة ﴿الفوز العظيم﴾ ولما شرح تعالى أحوال منافقي المدينة ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم وهم السابقون والمهاجرون والأنصار، ذكر أنّ جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق بقوله تعالى:
﴿وممن حولكم﴾ أي: أهل بلدتكم وهي المدينة ﴿من الأعراب منافقون﴾ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها وقوله تعالى: ﴿ومن أهل المدينة﴾ عطف على خبر المبتدأ الذي هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت: ومن أهل المدينة قوم ﴿مردوا على النفاق﴾ على أن مردوا صفة موصوف محذوف كقول الشاعر:
*أنا ابن جلا وطلاع الثنايا*
أي: أنا ابن رجل جلا فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
وقال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق أي: ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه وأصل المرود الملاسة ومنه صرّح ممرّد وغلام أمرد ﴿لا تعلمهم﴾ بأعيانهم أي: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك لفرط توقيهم ما يشكك في أمرهم ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله تعالى: ﴿نحن نعلمهم﴾ أي: لا يعلمهم إلا الله تعالى ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطانًا ويبرزون لك ظاهرًا كظاهر المخلصين من المؤمنين لا تشك معه في إيمانهم وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به فلهم فيه اليد الطولى واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرّتين﴾ فقال الكلبي والسدي: قام النبي ﷺ خطيبًا يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج من المسجد جماعة من المنافقين وفضحهم فهذا هو العذاب الأوّل والثاني عذاب القبر.
فإن قيل: كيف هذا مع قوله تعالى ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾؟ أجيب: بأنه تعالى أعلمه بهم بعد ذلك. وقال مجاهد: الأوّل: القتل والسبي، والثاني: عذاب القبر، وقال ابن زيد: الأوّل: المصائب في الأولاد، والثاني: عذاب الآخرة، وقال ابن عباس: الأوّل: إقامة الحدود عليهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: عذبوا بالجوع مرّتين، وقيل: الأول: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: الأوّل: إحراق مسجدهم مسجد الضرار، والثاني: إحراقهم بنار جهنم كما قال تعالى: ﴿ثم يردون﴾ أي: في الآخرة ﴿إلى عذاب عظيم﴾ هو النار وقوله تعالى:
﴿وآخرون﴾ أي: وقوم آخرون مبتدأ وقوله تعالى: ﴿اعترفوا بذنوبهم﴾ ولم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة نعته، والخبر ﴿خلطوا عملًا صالحًا﴾ أي: وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك ﴿وآخر سيئًا﴾ أي: وهو تخلفهم ﴿عسى الله أن يتوب عليهم إنّ الله عفور رحيم﴾ يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة
[ ١ / ٦٤٦ ]
تبوك، واختلف في عددهم فعن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة عشر وروي عنه أنهم كانوا خمسة وقال سعيد بن جبير: كانوا ثمانية، وقيل: كانوا ثلاثة ندموا لما بلغهم ما نزل بالمتخلفين وتابوا وقالوا: نكون في الظلال ومع النساء ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد واللأواء فلما رجع رسول الله ﷺ من سفره وقرب من المدينة قالوا: والله لنوثقنّ أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقها ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع رسول الله ﷺ دخل المسجد على عادته في رجوعه من سفره فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا الا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم وترضى عنهم فقال: «وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية» فأرسل رسول الله ﷺ إليهم وأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها خذها فتصدّق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال ﵊: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا» فأنزل الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ من الذنوب أو حب المال المؤدّي إلى مثله وتجري لهم مجرى الكفارة هذا قول الحسن كان يقول: ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي كفارة الذنب الذي صدر ويدل عليه أنه ﷺ أخذ ثلث أموالهم وتصدّق بها وأبقى لهم الثلثين ولم يأخذ الجميع لأنّ الله تعالى
قال: ﴿خذ من أموالهم﴾ والصدقة الواجبة لا يؤخذ فيها ثلث المال ﴿وتزكيهم بها﴾ أي: وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين ﴿وصل عليهم﴾ أي: واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم والسنة أن يدعو آخذ الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها.
وعن الشافعي ﵁ أنه كان يقول أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصدقة: أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورًا وبارك لك فيما أبقيت. ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ أي: تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم لأنّ روحه ﷺ كانت روحًا قوية مشرقة صافية باهرة فإذا دعا ﷺ لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوّة روحه الروحانية على أرواحهم فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم وانتقلوا من الظلمة إلى النور ومن الجسمانية إلى الروحانية فحصل لهم بذلك غاية الطمأنينة. وقرأ حفص وحمزة والكسائيّ: صلاتك بغير واو بعد اللام ونصب التاء على التوحيد، والباقون بالواو وكسر التاء على الجمع لتعدّد المدعوّ لهم.
قيل: إنّ هذه الآية كلام مبتدأ والمقصود منها إيجاب أخذ الزكوات من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكاة وقالوا في الزكاة: إنها طهرة ﴿وا سميع﴾ لأقوالهم واعترافهم ودعائك لهم ﴿عليم﴾ بندامتهم ونياتهم.
ولما حكى سبحانه عن القوم الذين تقدّم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدّقوا وهناك لم يذكر إلا قوله: ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ وما كان ذلك صريحًا في قبول التوبة ذكر بعد ذلك أنه يقبل التوبة وأنه سبحانه يأخذ الصدقات ترغيبًا لمن لم يتب في التوبة وترغيبًا لكل العصاة في الطاعة بقوله تعالى:
﴿ألم يعلموا أنّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ﴾ أي: يقبل ﴿الصدقات﴾ والضمير إما للمتوب
[ ١ / ٦٤٧ ]
عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم وإمّا لغيرهم والمراد به التحضيض عليها والآية وإن وردت بصيغة الاستفهام إلا أنّ المراد بها التقرير في النفس، ومن عادة العرب في إفهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا أما علمت أنّ من علمك يجب عليك خدمته أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره. فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم ترغيبًا في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ترغيبًا في التوبة ثم زاد تأكيدًا بقوله تعالى: ﴿وأنّ الله هو التوّاب الرحيم﴾ أي: وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن الله يقبلها من عبده عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد مؤمن يتصدّق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبًا ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب إلا يضعها في يد الرحمن ﷿ فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى أنّ اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم، ثم قرأ: ﴿أنّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾» .
﴿وقل اعملوا﴾ أي: وقل لهم أو للناس يا محمد اعملوا ما شئتم ﴿فسيرى الله عملكم﴾ فإنه لا يخفى عليه شيء خيرًا كان أو شرًّا، فيه ترغيب عظيم للمطيعين ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال: اجتهدوا في العمل في المستقبل فإنّ الله تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها ﴿و﴾ يرى أيضًا ﴿رسوله والمؤمنون﴾ أعمالكم، أما رؤية النبيّ ﷺ فبإطلاع الله إياه على أعمالكم، وأما رؤية المؤمنين فبقذف الله تعالى في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المفسدين ﴿وستردّون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ أي: وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم سرّكم وعلانيتكم ولا يخفى عيه شيء من أعمال بواطنكم وظواهركم ﴿فينبئكم﴾ أي: فيخبركم ﴿بما كنتم تعملون﴾ من خير وشر فيجازيكم على أعمالكم.
واعلم أن الله تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام:
أوّلهم: المنافقون الذين مردوا على النفاق.
والثاني: التائبون وهم المرادون بقوله تعالى:
﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ وبين أنه تعالى قبل توبتهم.
والقسم الثالث: الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وآخرون﴾ أي: من المتخلفين ﴿مرجون﴾ أي: مؤخرون عن التوبة.
وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز بين الجيم والواو، والباقون بهمزة مضمومة بين الجيم والواو ﴿لأمر الله﴾ أي: لحكم الله تعالى فيهم، والفرق بين القسم الثاني وبين هذا أن أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا إليها، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وستأتي قصتهم عند قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ تخلفوا كسلًا وميلًا إلى الراحة لا نفاقًا ولم يعتذروا إلى النبيّ ﷺ كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم بعد ﴿إمّا يعذبهم﴾ بأن يميتهم من غير توبة ﴿وإمّا يتوب عليهم﴾ إن تابوا.
فإن قيل: كلمة أما وإمّا للشك والله تعالى منزه عن ذلك. أجيب: بأن الترديد بالنسبة للعباد أي: ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء فإنّ الله تعالى لا تخفى عليه
[ ١ / ٦٤٨ ]
خافية وفي هذا دليل على أنّ كلا الأمرين بإرادة الله تعالى ﴿وا عليم﴾ بأحوال عباده ﴿حكيم﴾ فيما يفعل بهم.
ولما ذكر تعالى أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال تعالى:
﴿والذين اتخذوا مسجدًا﴾ قال ابن عباس ﵁: وهم إثنا عشر رجلًا من المنافقين بنوا مسجدًا ﴿ضرارًا﴾ أي: مضارّة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ﴿وكفرًا﴾ أي: وتقوية للنفاق، وقال ابن عباس: يريدون به ضرارًا للمؤمنين وكفرًا بالنبيّ ﷺ وما جاء به، وقال غيره: اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على النبيّ ﷺ والإسلام ﴿وتفريقًا بين المؤمنين﴾ لأنهم كانوا جميعًا يصلون بمسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدّي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة ﴿وإرصادًا﴾ أي: ترقبًا ﴿لمن حارب الله ورسوله﴾ وهو أبو عامر والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة وكان قد ترهب في الجاهلية وتنصر ولبس المسوح فلما قدم النبيّ ﷺ المدينة عاداه لأنه زالت رياسته وقال للنبيّ ﷺ ما هذا الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم ﵇، فقال له أبو عامر: إنا عليها، فقال له النبيّ ﷺ «إنك لست عليها» فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدًا وحيدًا غريبًا، فقال النبيّ ﷺ «آمين» وسماه الفاسقى فلما كان يوم أحد قال أبو عامر: لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من القوّة والسلاح وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء
وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد، وقوله تعالى: ﴿من قبل﴾ متعلق بحارب أي: حارب من قبل أن يبنى مسجد الضرار أو باتخذوا أي: اتخذوا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
ولما وصف تعالى هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال تعالى: ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾ أي: وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهي الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله ﷺ وذلك أنهم قالوا لرسول الله ﷺ إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المظلمة والليلة الشاتية ﴿وا يشهد إنهم لكاذبون﴾ في قولهم.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا﴾ محله نصب على الاختصاص كقوله تعالى: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ (النساء، ١٦٢)
أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي: وممن ذكرنا الذين.
ولما بنى المنافقون ذلك المسجد للأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك وقالوا: يا رسول الله بنينا مسجدًا لذي العلة والليلة المظلمة والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا فيه بالبركة فقال ﷺ «إني على جناح سفر في حال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه» فلما قفل أي: رجع ﷺ من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد نزل قوله تعالى:
﴿لا تقم فيه أبدًا﴾ قال ابن عباس ﵄ معناه لا تصلّ فيه أبدًا، وقال الحسن: همّ رسول الله ﷺ أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل: لا تقم فيه أبدًا فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن
[ ١ / ٦٤٩ ]
السكن ووحشيًا فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا جميعًا سريعًا حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج لكم بنار من أهلي فدخل إلى أهله وأخذ سعفًا من النخل فأشعل فيه نارًا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فهدموه وأحرقوه وتفرّق عنه أهله وأمر رسول الله ﷺ أن يتخذ ذلك الموضع كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدًا فريدًا غريبًا وقيل: كل مسجد بني مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى أو بمال غير طيب فهو ملحق بمسجد الضرار.
وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه وقوله تعالى: ﴿لمسجد﴾ اللام فيه للابتداء وقيل: لام القسم تقديره والله لمسجد ﴿أسس﴾ أي: وضع أساسه وقواعده ﴿على التقوى﴾ أي: تقوى الله تعالى ﴿من أوّل يوم﴾ أي: من أوّل أيام وجوده لأن من تعم الزمان والمكان أي: فأحاطت به التقوى لأنها إذا أحاطت بأوّله أحاطت بآخره ﴿أحق﴾ أي: أولى ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿تقوم﴾ أي: تصلي ﴿فيه﴾، واختلف في هذا المسجد الذي أسس على التقوى فقيل: هو مسجد المدينة قاله زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد ﵁: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة»، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ «إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة» أي: ثوابت، وقيل: هو مسجد قباء قاله سعيد بن جبير وقتادة أسسه رسول الله ﷺ وصلى فيه أيام مقامه بقباء وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ أي: من المعاصي والخصال المذمومة طلبًا لمرضاة الله تعالى عليهم ﴿وا يحب المطهرين﴾ أي: يثيبهم ويرضى عنهم ويدنيهم من جنابه إدناء المحب حبيبه.
روي أنها لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: «أمؤمنون أنتم؟» فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال ﵊: «أترضون بالقضاء؟» فقالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟» قالوا: نعم، قال ﵊: «مؤمنون ورب الكعبة» فجلس ثم قال: «يا معشر الأنصار إنّ الله ﷿ قد أثنى عليكم فماذا الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟» فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا رسول الله ﷺ ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ .
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن ساعدة إنه ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: «إنّ الله تعالى قد أحسن إليكم الثناء في الطهر وفي قصة مسجدكم فما الطهور الذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا كان لنا جيران من اليهود فكانوا
[ ١ / ٦٥٠ ]
يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا وفي حديث رواه البزار فقالوا: نتبع الحجارة بالماء فقال: «هو ذاك فعليكموه»، وقيل: كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء إثر البول، وعن الحسن هو التطهر من الذنوب بالتوبة، وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم.
﴿أفمن أسس بنيانه﴾ أي: بنيان دينه ﴿على تقوى من الله ورضوان﴾ أي: على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه ﴿خير أم من أسس بنيانه على شفا﴾ أي: طرف ﴿جرف﴾ أي: جانب ﴿هار﴾ أي: على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار أي: مشرف على السقوط ﴿فانهار به﴾ أي: سقط مع بانيه ﴿في نار جهنم﴾ خير وهذا تمثيل للبناء على ضدّ التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير أي: الأوّل خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار قال الرازي: ولا نرى في العالم مثالًا أحسن مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال وحاصل الكلام إنّ أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله تعالى ورضوانه والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر فكان البناء الأوّل شريفًا واجب الإبقاء وكان الثاني خسيسًا واجب الهدم.
قيل: حفرت بقعة في مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منها، وقرأ نافع وابن عامر: أفمن أسس بضم الهمزة وكسر السين الأولى مع التشديد وضم النون قبل الهاء، والباقون بفتح الهمزة والسين مع التشديد أيضًا ونصب النون قبل الهاء، وقرأ شعبة: رضوان بضم الراء، والباقون بالكسر. ورسمت أم هنا مقطوعة من من والكلام على أسس بنيانه كالكلام على التي قبلها، وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة جرف بسكون الراء والباقون بالرفع، وأما شفا فلا تمال بخلاف هار فإن أبا عمرو وشعبة والكسائيّ يقرؤونه بالإمالة المحضة، وابن ذكوان بالفتح والإمالة، وورش بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح ﴿وا لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: إلى ما فيه صلاح ونجاة.
﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا﴾ أي: بناؤهم الذي بنوه وهو مصدر كالغفران والمراد هنا المبنى وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال: ضرب الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وليس بجمع خلافًا للواحدي في تجويزه أن يكون جمع بنيانه لأنه وصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: ﴿ريبة﴾ أي: شكًا ﴿في قلوبهم﴾ والمعنى: إنّ بناء ذلك البنيان صار سببًا لحصول الريبة في قلوبهم فجعل نفس ذلك البنيان ريبة وإنما جعل سببًا للريبة لأنّ المنافقين فرحوا ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله ﷺ بتخريبه عظم خوفهم في كل الأوقات وصاروا مرتابين في أنهم هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم، وقال الكلبي: صار حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه، وقال السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة أي: حرارة وغيظًا في قلوبهم ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ قطعًا إمّا بالسيف وإمّا بالموت بحيث لا يبقى لهم قابلية الإدراك وقيل: التقطع بالتوبة ندمًا وأسفًا ﴿وا عليم﴾ بأحوالهم وأحوال عباده ﴿حكيم﴾ في الأحوال التي يحكم بها عليهم وعلى غيرهم.
ولما تقدّم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى: ﴿ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله﴾ الآية، ثم الحزم بالجهاد بالنفس والمال في قوله تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ الآية ذكر فضيلة الجهاد وحقيقته بقوله تعالى:
﴿إنّ الله اشترى﴾ أي: بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة ﴿من
[ ١ / ٦٥١ ]
المؤمنين﴾ بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه ﴿أنفسهم﴾ التي تفرد بخلقها ﴿وأموالهم﴾ التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم وقدم النفس إشارة إلى أن المبايعة سابقة على اكتساب المال، ولما ذكر البيع أتبعه الثمن بقوله تعالى: ﴿بأنّ لهم الجنة﴾ مثل الله تعالى إثابتهم على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء.
وروي تاجرهم الله تعالى فأغلى لهم الثمن، وعن عمر ﵁ فجعل لهم الصفقتين جميعًا، وعن الحسن أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رازقها.
وروي أن الأنصار لما بايعت رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسًا قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت.
ومرّ أعرابي على النبيّ ﷺ وهو يقرأها فقال: الأعرابي كلام من؟ قال ﵊: «كلام الله ﷿»، فقال الأعرابي: والله بيع مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد.
وقال الحسن: اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة بايع الله تعالى بها كل مؤمن والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة والمراد بالأموال إنفاقها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم، وفي جميع وجوه البر والطاعات، وقوله تعالى: ﴿يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون﴾ استئناف بيان ما لأجله الشراء، وقيل: يقاتلون في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المقتولين على القاتلين لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب ولأن فعل البعض قد يسند إلى الكل أي: فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي والباقون بتقديم القاتلين وقوله تعالى: ﴿وعدًا عليه حقًا﴾ مصدران منصوبان بفعليهما المحذوفين ثم أخبر الله تعالى بأنّ هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت ﴿في التوراة﴾ كتاب موسى ﵇ ﴿والإنجيل﴾ كتاب عيسى ﵇ ﴿والقرآن﴾ أي: قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن أي: الكتاب الجامع لكل ما قبله ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ أي: لا أحد أوفى منه سبحانه لأنّ الإخلاف لا تُقدِمُ عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق وقوله تعالى: ﴿فاستبشروا﴾ فيه التفات عن الغيبة أي: فافرحوا غاية الفرح ﴿ببيعكم الذي بايعتم به﴾ فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال تعالى: ﴿وذلك هو الفوز العظيم﴾ .
تنبيه: هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيد: أوّلها: قوله تعالى: ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ بكون المشتري هو الله تعالى المقدّس عن الكذب والخيانة وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد، ثانيها: أنه تعالى عبر عن إيصاله هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد، ثالثها: قوله تعالى: ﴿وعدًا﴾ ووعد الله تعالى حق، رابعها: قوله تعالى: ﴿عليه﴾ وكلمة على للوجوب، خامسها: قوله تعالى: ﴿حقًا﴾ وهو لتأكد التحقيق، سادسها: قوله تعالى: ﴿في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة، سابعها: قوله تعالى: ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ وهو غاية في التأكيد، ثامنها: قوله تعالى: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ وأيضًا هو مبالغة في التأكيد، تاسعها: قوله تعالى: ﴿وذلك هو الفوز﴾، وعاشرها قوله تعالى: ﴿العظيم﴾ فثبت
[ ١ / ٦٥٢ ]
اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق.
ولما ذكر تعالى في هذه الآية أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بين أنّ أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة الآتية: أولها: قوله تعالى:
﴿التائبون﴾ وهو مرفوع على المدح أي: هم التائبون يعني المذكورين في قوله تعالى: ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين﴾ وقال الزجاج: لا يبعد أن يكون قوله: ﴿التائبون﴾ مبتدأ وخبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ أو خبره ما بعده أي: التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال والتائبون صيغة عموم محلاة بالألف واللام فتتناول التوبة من كل معصية والتوبة إنما تحصل عند أربعة أمور:
أوّلها: احتراق القلب عند صدور المعصية.
ثانيها: الندم على ما مضى.
ثالثها: العزم على الترك في المستقبل.
رابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته فإن كان غرضه منها رفع مذمّة الناس وتحصيل مدحهم أو لغرض من الأغراض الدنيوية فليس بتائب ولا بد من ردّ المظالم إلى أهلها إن كانت.
الصفة الثانية قوله تعالى: ﴿العابدون﴾ أي: الذين أخلصوا العبادة لله وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السرّاء والضرّاء، وقال قتادة: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
الصفة الثالثة قوله تعالى: ﴿الحامدون﴾ وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه دينًا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وعن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ «أوّل من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء» .
الصفة الرابعة قوله تعالى: ﴿السائحون﴾ واختلف في المراد منهم فقال ابن مسعود وابن عباس: هم الصائمون قال ابن عباس ﵄: كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصوم وقال ﷺ «سياح أمّتي الصوم» وعن الحسن أنّ هذا صوم الفرض، وقيل: هم الذين يديمون الصيام، قال الأزهري: قيل للصائم سائح لأنّ الذي يسيح في الأرض متعبدًا لا زاد معه كان ممسكًا عن الأكل والصائم ممسك عن الأكل فلهذا المشابهة يسمى الصائم سائحًا، وقال عطاء: السائحون الغزاة في سبيل الله تعالى.
وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة فقال: «إنّ سياحة أمّتي الجهاد في سبيل الله» وقال عطاء: السائحون هم طلاب العلم والسياحة أمر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقى أفاضل مختلفين فيستفيد من كل واحد فائدة مخصوصة وقد يلقى الأكابر من الناس فيستحقر نفسه في مقابلتهم وقد يصل إلى المدارسة الكثيرة فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته وبالجملة فالسياحة لها أثر قوي في الدين.
الصفة الخامسة والسادسة: قوله تعالى: ﴿الراكعون الساجدون﴾ أي: المصلون وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنّ بهما يتميز المصلي عن غيره بخلاف حالة القيام والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره ولأنّ القيام أوّل مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيهًا على أن المقصود من الصلاة
[ ١ / ٦٥٣ ]
نهاية الخضوع والتعظيم.
الصفة السابعة والثامنة: وقوله تعالى: ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ أي: الآمرون بالإيمان والطاعة والناهون عن الشرك والمعصية ودخول الواو في والناهون عن المنكر للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة فكأنه قال: الجامعون بين الوصفين ولأنّ العرب تعطف بالواو على السبعة ومنه قوله تعالى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ (الكهف، ٢٢)
وقوله تعالى في صفة الجنة: ﴿وفتحت أبوابها﴾
(الزمر، ٢٢)
إيذانًا بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التامّ والثامن تعداد آخر معطوف عليه ولذلك تسمى واو الثمانية، وقيل: الموصون بهذه الصفات هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿التائبون﴾ إلى قوله: ﴿الساجدون﴾ مبتدأ خبره هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
الصفة التاسعة: قوله تعالى: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ أي: لأحكامه بالعمل بها والمقصود أنّ تكاليف الله تعالى كثيرة وهي محصورة في نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالعبادات، والثاني: ما يتعلق بالمعاملات.
فإن قيل: ما الحكمة في أنّ الله تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل ثم ذكر عقبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة التاسعة؟ أجيب: بأنّ التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل، وأمّا البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء وأحكام الجنايات ودخل في هذه الصفة التاسعة رعاية أحوال القلوب بل البحث عنها، والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى لأنّ أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب.
ثم ذكر ﷾ عقب هذه الصفات التسعة قوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ تنبيهًا على أن البشارة في قوله تعالى: ﴿فاستبشروا﴾ لم تتناول إلا المؤمنين الموصفين بهذه الصفات التسعة وحذف تعالى المبشر به للتعظيم فكأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الإفهام وتعبير الكلام.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ فقال سعيد بن المسيب عن أبيه إنه نزل في شأن أبي طالب وذلك أنّ النبيّ ﷺ جاء لعمه أبي طالب لما حضرته الوفاة فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل ﷺ يعرضها عليه ويعودان عليه إلى تلك المقالة حتى قال أبو طالب: آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال ﷺ «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك» فنزل ذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا يعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (القصص، ٥٦)
الآية.
وقال بريدة لما قدم النبيّ ﷺ مكة أتى قبر أمّه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له يستغفر لها فنزل ﴿ما كان للنبيّ﴾
[ ١ / ٦٥٤ ]
الآية، وقال أبو هريرة: زار النبيّ ﷺ قبر أمّه آمنة فبكى وأبكى من حوله وقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزورها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت، وقال قتادة: قال النبيّ ﷺ «لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال علي بن أبي طالب ﵁: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ فنزلت هذه الآية.
وروى الطبراني بسنده عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجالًا قالوا: يا نبيّ الله إنّ من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني أفلا نستغفر لهم؟ فقال ﷺ «والله لأستغفرنّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله تعالى ﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ أي: بأن ماتوا على الكفر قال البيضاوي: وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر فقال:
﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ أي: وعدها إبراهيم أباه بقوله: لأستغفرنّ لك أي: لأطلبنّ مغفرة لك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب أي: يقطع ويمحو ما قبله، وقرأ هشام: أبراهام بالألف بعد الهاء في الموضعين، والباقون بالياء فيهما ﴿فلما تبيّن له أنه عدو﴾ بأن مات على الكفر أو أوحى الله تعالى إليه إنه لن يؤمن ﴿تبرأ منه﴾ أي: قطع استغفاره ﴿إنّ إبراهيم لأوّاه﴾ أي: كثير التضرع والدعاء ﴿حليم﴾ أي: صبور على الأذى والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار لأبيه مع صعوبة خلق أبيه عليه.
﴿وما كان الله ليضل قومًا﴾ أي: يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم المنهي عنه ﴿بعد إذ هداهم﴾ للإسلام ﴿حتى يبيّن لهم﴾ بيانًا شافيًا لداء العمى ﴿ما يتقون﴾ أي: ما يجب اتقاؤه للنهي، أمّا قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه، وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ذلك، وفي الجملة دليل على أنّ الغافل غير مكلف ﴿إنّ الله بكل شيء عليم﴾ أي: بالغ العلم فهو يبيّن لكم ما تأتون وما تذرون مما يتوقف عليه الهدى وما تركه تعالى فإنما يتركه رحمة لكم لا يضل ربي ولا ينسى.
﴿إن الله له ملك السموات والأرض﴾ فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم أو يضرّكم ﴿يحيي ويميت﴾ أي: يحيي من شاء على الإيمان ويميته عليه ويحيي من شاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده ﴿وما لكم﴾ أيها الناس ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿من ولي﴾ يحفظكم منه ﴿ولا نصير﴾ يمنع عنكم ضرره.
﴿لقد تاب الله﴾ أي: أدام توبته ﴿على النبيّ والمهاجرين والأنصار﴾ وافتتح الله تعالى الكلام بذكر توبة النبيّ ﷺ لأنه كان سبب توبتهم فذكره معهم كقوله تعالى: ﴿فأنّ خمسه وللرسول﴾ (الأنفال، ٤١)
ونحوه، وقيل: هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبيّ ﷺ والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى: ﴿وتوبوا
[ ١ / ٦٥٥ ]
إلى الله جميعًا﴾ (النور، ٣١)
إذ ما من أحد إلا وله مقام ينتقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده.
فائدة: اتفق القرّاء على إدغام دال قد في التاء. ﴿الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ أي: في وقت العسرة لم يرد ساعة بعينها وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة والجيش يسمى جيش العسرة والعسرة الشدّة فكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء.
قال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوّس والشعير المتغير وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبيّ ﷺ على صدقهم ويقينهم ﵃ وأرضاهم أجمعين ورضي عنا بهم آمين.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أنّ رقابنا ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقي على كبده وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أنّ رقبته ستقطع فقال أبو بكر: يا رسول الله إنّ الله تعالى قد عوّدك في الدعاء خيرًا فادع الله تعالى قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع رسول الله ﷺ يديه فلم يرجعا حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأنا ما معنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. ﴿من بعدما كاد تزيغ﴾ أي: قرب أن تميل ﴿قلوب فريق منهم﴾ أي: همّ بعضهم عند تلك العسرة العظيمة أن يفارق النبيّ ﷺ لكنه صبر واحتسب ولم يرد الميل عن الدين فلذلك قال الله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم﴾ لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر العسير.
فإن قيل: قد ذكر الله تعالى التوبة أولًا ثم ذكرها ثانيًا فما فائدة التكرار؟ أجيب: بأنّ الله تعالى ذكر التوبة أوّلًا قبل ذكر الذنب تفضلًا منه وتطبيبًا لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرّة أخرى تعظيمًا لشأنهم وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. وقرأ حفص وحمزة: يزيغ، بالياء على التذكير لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقي، والباقون بالتاء على التأنيث، وأدغم أبو عمرو الدال من كاد في التاء بخلاف عنه ﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾ هاتان صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب فالرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرّ والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة، وقيل: إحداهما للرحمة السابقة والآخرى للمستقبلة وقوله تعالى:
﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ أي: عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع معطوف على الآية الأولى والتقدير لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم، وهذه الثلاثة كلهم من الأنصار وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ (التوبة، ١٠٦)
روي عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: وكان أعلم قومه وأوعاهم لحديث رسول الله ﷺ قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قال كعب: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فأخبرهم بوجهه الذي يريد فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا فهممت أن أرتحل وأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك وكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أن لا أرى لي أسوة إلا رجلًا مغموصًا في النفاق أو رجلًا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في معطفيه فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ قال كعب: فلما بلغني أنّ رسول الله ﷺ توجه قافلًا حضرني همي وطفقت أذكر
الكذب وأقول بمَ أخرج به من سخطه غدًا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل رسول الله ﷺ قد أظلّ قادمًا راح عني الباطل وعرفت إني لم أخرج بشيء أبدًا فيه كذب وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس وجاءه المخلفون يتعذرون إليه ويحلفون له وكانوا تسعة وثمانين رجلًا فقبل منهم صلى الله
عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم الغضبان ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قلت: بلى يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطك بعذر ولقد أعطيت جزلًا ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديت كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ ولئن حدّثتك حديث صدق تجد
عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله ما كان لي من عذر والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ «أمّا هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا وقد كان كافيك لذنبك استغفار رسول الله ﷺ فقلت لهم: هل أتى هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا ففيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس ولبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أثبت القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله ﷺ وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت حائط أبي قتادة وهو ابن عمّ لي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما ردّ عليّ السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطيّ من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه يقول: من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فقد بلغني أنّ صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأته: وهذا أيضًا من البلاء
فيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهنّ فقلت لامرأتي: إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر قال كعب: فجاءت امرأة هلال إلى رسول الله ﷺ فقالت له: إنّ هلالًا شيخ ضعيف ليس له خادم هل تكره أن أخدمه؟ فقال: اخدميه ولكن لا يقربك قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء والله لا يزال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا فقال بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك لأذن لك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ أي: مع رحبها أي: سعتها فلا يجدون مكانًا يطمئنون إليه ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ أي: قلوبهم بالغم والوحشة أي: بتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس ﴿وظنوا﴾ أي: أيقنوا ﴿أن﴾ مخففة ﴿لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ أي: وفقهم للتوبة ﴿ليتوبوا إنّ الله هو التوّاب الرحيم﴾ إذ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدًا وعرفت أنه جاء فرج وأذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبيّ مبشرون ورجل رحل إلي فرسًا وسعى ساع من أسلم فأوفى إلى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ وكسوته إياهما والله ما أملك غيرهما يومئذٍ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فتلقاني
الناس فوجًا فوجًا يهنؤنني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني رضي الله تعالى عنه والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» ثم تلا علينا الآية، وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
ولما حكم الله بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون كالزاجر عن مثل فعل ما مضى وهو التخلف عن رسول الله ﷺ والجهاد بقوله تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ أي: بترك معاصيه ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ أي: مع النبيّ ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين في الغزوات ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت وقيل: كونوا مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة الكاذبة وقيل مع بمعنى من أي: وكونوا من الصادقين.
تنبيه: في الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته ويدلّ عليه أيضًا أشياء:
منها ما روي عن ابن مسعود أنه قال: عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البرّ والبرّ يقرب إلى الجنة وإنّ العبد ليصدق فيكتب عند الله تعالى صدّيقًا وإياكم والكذب فإنّ الكذب يقرّب إلى الفجور والفجور يقرّب إلى النار وإنّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا ألا ترى أنه يقال: صدقت وبررت وكذبت وفجرت.
ومنها ما روي أنّ رجلًا جاء إلى النبيّ ﷺ وقال: إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحبّ الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرّم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها فإن قنعت مني بترك واحدة منها فعلت فقال ﷺ «اترك الكذب» فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النبيّ ﷺ عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني النبيّ ﷺ وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام عليّ الحدّ فتركها ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذا في السرقة فعاد إلى النبيّ ﷺ وقال: ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدّت أبواب المعاصي عليّ وفات الكل.
ومنها ما قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (ص، ٨٢، ٨٣)
لأنّ إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء لأنه لو لم يذكره لصار كاذبًا في ادّعاء إغواء الكل فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء وإذا كان الكذب شيئًا يستنكف منه إبليس لعنه الله فالمسلم أولى أن يستنكف منه.
ومنها قول ابن مسعود: الكذب لا يصلح في جدّ ولا هزل ولا أن يعد أحدكم أخاه ثم لا ينجز له اقرأوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين.
﴿ما كان﴾ أي: ما صح وما ينبغي بوجه من الوجوه ﴿لأهل المدينة﴾ أي: دار الهجرة ومعدن النصرة ﴿ومن حولهم﴾ أي: في جميع نواحي المدينة الشريفة ﴿من الأعراب﴾ أي: سكان البوادي وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وقيل: عام في كل الأعراب لأنّ اللفظ عام وحمله على العموم أولى وقوله تعالى: ﴿أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ أي: عن حكمه وقوله تعالى: ﴿ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ أي: بأن يصونوها عما رضي لنفسه ﵊ من الشدائد يجوز فيه النصب والجزم على أن لا ناهية.
روي عن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه واستوى ونضج وله امرأة حسناء فرشت له في الظلّ وبسطت له الحصير وقربت له الرطب والماء البارد فقال: ظلّ ظليل ورطب يانع أي: ناضج وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله ﷺ في الضح والريح ما هذا بخير فقام فرجل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومرّ كالريح فمدّ رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب أي: يدفعه وهو عبارة عن السرعة فقال رسول الله ﷺ «كن أبا خيثمة» فكان هو ففرح به رسول الله ﷺ واستغفر له ﴿ذلك﴾ أي: النهي عن التخلف ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب إنهم ﴿لا يصيبهم ظمأ﴾ أي: عطش ﴿ولا نصب﴾ أي: تعب ﴿ولا مخمصة﴾ أي: مجاعة ﴿في سبيل الله﴾ أي: في طريق دينه ﴿ولا يطؤن﴾ أي: يدوسون وقوله تعالى: ﴿موطئًا﴾ مصدر أي: وطأ أو مكان وطء ﴿يغيظ﴾ أي: يغضب ﴿الكفار﴾ أي: وطؤهم له بأرجلهم ودوابهم ﴿ولا ينالون من عدوّ نيلًا﴾ أي: قتلًا أو أسرًا أو غنيمة أو هزيمة أو نحو ذلك قليلًا كان أو كثيرًا ﴿إلا كتب لهم به﴾ أي: بذلك ﴿عمل صالح﴾ أي: ثواب جزيل عند الله تعالى يجازيهم به ﴿إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ أي: لا يترك ثوابهم وأظهر موضع الإضمار تنبيهًا على أنّ الجهاد إحسان.
تنبيه: في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى وكذا القول في طرف المعصية فإنّ حركته فيها كلها سيآت فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى.
وعن أبي عيسى رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرّمه الله تعالى على النار» .
﴿ولا ينفقون﴾ في سبيل الله ﴿نفقة صغيرة﴾ تمرة فما دونها ﴿ولا كبيرة﴾ أي: أكثر منها مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة ﴿ولا يقطعون﴾ أي: يجاوزون ﴿واديًا﴾ أي: أرضا في سيرهم مقبلين أو مدبرين ﴿إلا كتب لهم﴾ ذلك من الإنفاق وقطع الوادي ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ أي: يجزيهم الله جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب.
فائدة: الوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسبيل وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال ومنه الوادي وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض يقولون: لا تصلّ في وادي غيرك.
تنبيه: في الآية دليل على فضل الجهاد والإنفاق فيه ويدل عليه أشياء:
منها ما روي عن ابن مسعود قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» .
ومنها ما روي عن زيد بن خالد أنّ رسول الله ﷺ قال: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا في سبيل الله فقد غزا» .
ومنها ما روي عن سهل بن سعد الساعديّ أنّ رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها» وفي رواية وما فيها.
ومنها ما روي عن أبي سعيد الخدري أنّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ أيّ الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مجاهد بنفسه في سبيل الله» قال: ثم أيّ؟ قال: «ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله تعالى» وفي رواية يتقي الله ويدع الناس من شرّه وقوله تعالى:
﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ فيه احتمالان:
الأول أنه كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد.
والثاني أن يكون من
[ ١ / ٦٥٦ ]
بقية أحكام الجهاد فعلى الأوّل يقال: وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا لنحو غزو وطلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعًا فإنه يخلّ بأمر المعاش ﴿فلولا﴾ أي: فهلا ﴿نفر من كل فرقة﴾ أي: قبيلة ﴿منهم طائفة﴾ أي: جماعة ومكث الباقون ﴿ليتفقهوا﴾ أي: ليتكلفوا الفقاهة ﴿في الدين﴾ ويتجشموا مشاق تحصيلها ليعرفوا الحلال من الحرام ويعودوا إلى أوطانهم ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ أي: وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم وتخصيصه بالذكر لأنه أهمّ وفيه دليل على أنّ التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس وصرف وجوههم إليه والتبسط في البلاد ليدخل في قوله ﷺ «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» وفي قوله ﷺ «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» وفي قوله ﷺ «من سلك طريقًا يلتمس فيها علمًا سهل الله تعالى له طريقًا إلى الجنة» ﴿لعلهم يحذرون﴾ عقاب الله تعالى بامتثال أمره ونهيه، وعلى الاحتمال الثاني يقال: إنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنين إلى النفير وانقطعوا عن التفقه فأمروا بأن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويمكث الباقون يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأنّ الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو وفي رجعوا للطوائف ولينذروا لباقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم قال ابن عباس: فهذه مخصوصة بالسرايا والتي قبلها بالنهي عن تخلف أحد فيما إذا خرج النبيّ ﷺ
أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر ﷺ أوّلًا بإنذار عشيرته الأقربين، وقد حارب رسول الله ﷺ قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام، وقيل: هم قريظة والنضير وفدك وخيبر، وقيل: الروم لأنهم كانوا يسكنون الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ما لم يضطرّوا إلى أهل ناحية أخرى ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ أي: شدّة وصبرًا على القتال والغلظة ضدّ الرقة أي: اغلظوا عليهم ﴿واعلموا أنّ الله مع المتقين﴾ بالعون والنصرة والحراسة.
﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ من القرآن ﴿فمنهم﴾ أي: المنافقين ﴿من يقول﴾ أي: لأصحابه إنكارًا واستهزاءً بالمؤمنين ﴿أيكم زادته هذه﴾ السورة ﴿إيمانًا﴾ أي: تصديقًا، قال الله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا﴾ بزيادة العلم الحاصل في تدبر السورة وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم ﴿وهم يستبشرون﴾ أي: يفرحون بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض﴾ أي: شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضًا لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى علاج ﴿فزادتهم﴾ أي: السورة أي: نزولها ﴿رجسًا إلى رجسهم﴾ أي: كفرًا بها مضمومًا إلى الكفر بغيرها ﴿وماتوا﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿وهم كافرون﴾ أي: وهم جاحدون لما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ
[ ١ / ٦٥٧ ]
قال مجاهد: في هذه الآية دليل على أنّ الإيمان يزيد وينقص، وكان عليّ رضي الله تعالى عنه يأخذ بيد الرجل والرجلين من الصحابة ويقول: تعالوا حتى نزداد إيمانًا وقوله تعالى:
﴿أولا يرون﴾ قرأه حمزة بالتاء أي: أيها المؤمنون والباقون بالياء على الغيبة أي: المنافقون ﴿أنهم يفتنون﴾ أي: يبتلون ﴿في كل عام مرّة أو مرّتين﴾ بالأمراض والقحط والحرب ﴿ثم لا يتوبون﴾ من نفاقهم ونقض عهودهم إلى الله تعالى ﴿ولا هم يذكرون﴾ أي: ولا يتعظون بما يرون من نصرته ﷺ وتأييده.
﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ فيها عيب المنافقين وتوبيخهم وقرأها ﷺ ﴿نظر بعضهم إلى بعض﴾ أي: تغامزوا بالعيون إنكارًا لها وسخرية أو غيظًا لما فيها من عيوبهم ويريدون الهرب يقولون: ﴿هل يراكم من أحد﴾ أي: من المؤمنين إذا قمتم فإن لم يرهم أحد قاموا وخرجوا من المسجد وإن علموا أنّ أحدًا يراهم ثبتوا على تلك الحالة ﴿ثم انصرفوا﴾ على كفرهم ونفاقهم وقيل: انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون وقوله تعالى: ﴿صرف الله قلوبهم﴾ أي: عن الهدى يحتمل الإخبار والدعاء ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قوم لا يفقهون﴾ أي: لسوء فهمهم وعدم تدبرهم.
﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ أي: من جنسكم عربيّ مثلكم وهو محمد ﷺ تعرفون حسبه ونسبه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبيّ ﷺ وله فيها نسب وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية من زمن آدم ﵇، وعن الطبرانيّ قال ﷺ «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح»، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام» وعن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسمعيل واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام دال قد في الجيم والباقون بالإظهار ﴿عزيز﴾ أي: شديد شاق ﴿عليه ما عنتم﴾ أي: عنتكم وإيتاؤكم المكروه وقيل: يشق عليه ضلالتكم ﴿حريص عليكم﴾ أي: أن تهتدوا أو على إيصال الخير إليكم ﴿بالمؤمنين﴾ أي: منكم ومن غيركم ﴿رؤوف﴾ أي: شديد الرحمة بالمطيعين ﴿رحيم﴾ بالمذنبين وقدّم الأبلغ وهو الرؤوف محافظة على الفواصل، وعن الحسن بن الفضل: لم يجمع الله تعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا لنبينا ﷺ فسماه رؤوفًا رحيمًا، وقال تعالى: ﴿إنّ الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمدّ الهمزة من رؤوف، والباقون بالقصر.
﴿فإن تولوا﴾ أي: فإن أعرضوا هؤلاء الكفار والمنافقون عن الإيمان بالله ورسوله محمد ﷺ وناصبوك الحرب ﴿فقل حسبي الله﴾ أي: يكفيني الله وينصرني عليكم وإنما كان كافيًا لأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ فلا مكافىء له ولا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه ﴿عليه توكلت﴾ أي: فلا أرجو إلا إياه ولا أخاف إلا منه لأنّ أمره نافذ في كل شيء ﴿وهو رب العرش﴾ أي: الكرسي ﴿العظيم﴾ وخصه بالذكر تشريفًا له ولأنه من أعظم مخلوقاته ﷾.
روي عن أبيّ بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى آخر
[ ١ / ٦٥٨ ]
السورة، وقال: هما أحدث الآيات بالله عهدًا وما رواه البيضاويّ رحمه الله تعالى تبعًا للكشاف من أنه ﷺ قال: «ما أنزل عليّ القرآن إلا آية آية وحرفًا حرفًا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد فإنهما أنزلا عليّ ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة» حديث منكر ومخالف لما مرّ عن أبيّ من أنّ آخر ما نزل الآيتان، انتهى. والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٦٥٩ ]