مكية
إلا ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ الآية ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا﴾ الآية أو مدنية إلا ﴿ولو أنّ قرآنا سيرت به الجبال﴾ وهي ثلاث أو أربع أو خمس أو ست وأربعون آية وعدد كلماتها وخمس وخمسون كلمة وعدد حروفها ثلاثة آلاف وسبعة أحرف.
﴿بسم الله﴾ الحق الذي كل ما عداه باطل ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ الرغبة والرهبةبعموم الرحمة ﴿الرحيم﴾ الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الرهبة.
﴿المر﴾ قال ابن عباس معناه أنا الله أعلم وأرى. وقال في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن. وقد تقدم الكلام على شيء من أوائل السور في أوّل سورة البقرة، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بالفتح، وقرأ ورش بين بين والباقون بالإمالة ﴿تلك﴾، أي: هذه الآيات ﴿آيات الكتاب﴾، أي: القرآن، والإضافة بمعنى من، وقيل: المراد بالكتاب السورة الكاملة، ووصفت بالكمال من تعريف الكتاب بأل؛ لأنّ خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة، وقوله تعالى: ﴿والذي أنزل إليك من ربك﴾، أي: القرآن مبتدأ وخبره ﴿الحق﴾، أي: الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة الواضح الذي لا يتخلف شيء منه
[ ٢ / ١٤٣ ]
عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره ﴿ولكن أكثر الناس﴾، أي: مشركي مكة ﴿لا يؤمنون﴾ لإخلالهم بالنظر والتأمّل فيه.
قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إنّ محمدًا يقوله من تلقاء نفسه فرد الله تعالى عليهم بذلك. ولما ذكر تعالى أنّ ﴿أكثر الناس لا يؤمنون﴾ ذكر عقبه ما يدّل على صحة التوحيد والمعاد بأمور أحدها قوله تعالى:
﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد﴾، أي: سواري جمع عمود كأدم وأديم أو عماد كأهب وإهاب، والعمود جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل، وقوله جمع عمود كأدم وأديم الخ في «حاشية الجمل»: والعامة على فتح العين والميم وهو اسم جمع وعبارة بعضهم أنه جمع نظرًا إلى المعنى دون الصناعة وقرأ أبو حيوة ويحيى بن وثاب عمد بضمتين ومفرده يحتمل أن يكون عمادًا كشهاب وشهب وكتاب وكتب وأن يكون عمودًا كرسول ورسل اه. ﴿ترونها﴾، أي: وأنتم ترون السماء مرفوعة بغير عمد من تحتها تسندها ولا من فوقها علاقة تمسكها، فالعمد منفية بالكلية، قال إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض مثل القبة ففي ذلك دلالة عظيمة على وحدانية الله تعالى؛ لأنّ هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجوّ العالي، ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذاتها فهذا برهان باهر على وجود الإله القادر القاهر، وقيل: الضمير راجع إلى العمد، أي: أن لها عمدًا ولكن لا ترونها أنتم، ومن قال بهذا القول يقول: أن عمدها على جبل قاف وهو جبل من زمرّد محيط بالدنيا والسماء عليه مثل القبة وهذا قول مجاهد وعكرمة، قال الرازي: وهذا التأويل في غاية السقوط، لأنّ السموات لما كانت مستقرّة على جبل قاف فأي دلالة تبقى فيها على وجود الإله.
تنبيه: الله مبتدأ، والذي رفع السموات خبره، ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر يدبر الأمر.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ بالحفظ والتدبير والقهر والقدرة، أي: أنّ من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وتدبيره وفي الاحتياج إليه وتقدّم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما فيه كفاية.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿وسخر﴾، أي: ذلل ﴿الشمس والقمر﴾ لمنافع خلقه مقهوران يجريان على ما يريد ﴿كل﴾ منهما ﴿يجري﴾ في فلكه ﴿لأجل مسمى﴾، أي: إلى وقت معلوم وهو وقت فناء الدنيا وزوالها وعند مجيء ذلك الوقت تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك التسييرات، كما وصف الله تعالى ذلك في قوله ﴿إذا الشمس كورت﴾ (التكوير، ١)، ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ (التكوير، ٢)، ﴿وإذا السماء انشقت﴾ (الإنشقاق، ١)، ﴿وإذا السماء انفطرت﴾ (التكوير، ١) وعن ابن عباس للشمس وثمانون منزلًا كل يوم لها منزل وذلك يتمّ في ستة أشهر ثم أنها تعودمرّة أخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرّة أخرى، وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلًا، فالمراد بقوله تعالى: ﴿كل يجري لأجلٍ مسمى﴾ هذا، وتحقيقه أنه تعالى قدّر لكل واحد من تلك الكواكب سيرًا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء، وحينئذ يلزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال: ﴿يدبر الأمر﴾، أي: يقضي أمر ملكه من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل، وتكليف العباد، وفي ذلك دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك؛ لأنّ هذا العالم المعلوم من إعلاء العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله ﷿، والدليل المذكور على أنّ اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته ليس إلا من الله تعالى، ومن المعلوم أنّ من اشتغل بتدبير شيء آخر فإنه يشغله شأن، عن شأن فالعاقل إذا تأمّل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم
[ ٢ / ١٤٤ ]
الأجساد وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير، فلا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير عن تدبير، وذلك يدل على أنه تعالى متعال في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته عن مشابهة المحدثات والممكنات.
ولما كان هذا بيانًا شافيًا لا لبس فيه قال تعالى: ﴿يفصل﴾، أي: يبين ﴿الآيات﴾ التي برزت إلى الوجود وتدبيرها الدالة على وحدانيته وكمال حكمته المشتملة عليها مبتدعاته فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها تقريبًا لعقولكم وتدريبًا لفهومكم لتعلموا أنها فعل الواحد المختار.
ولما كان هذا التدبير وهذا التفصيل دالًا على تمام القدرة وغاية الحكمة وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة علل ذلك بقوله ﴿لعلكم﴾ يا أهل مكة ﴿بلقاء ربكم﴾ بالبعث ﴿توقنون﴾ فتعلموا أنّ من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها قادر على إيجاد الإنسان وإحيائه بعد موته، يروى أنّ واحدًا قال لعليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة واحدة، فقال: كما يرزقهم الآن دفعة واحدة، وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة، وحاصل الكلام أنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجوّ العالي لا يبعد أن يرد الأرواح إلى الأجساد، وإن كان الخلق عاجزين عنه، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى لا يشغله شأن، عن شأن فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن.
تنبيه: اليقين صفة من صفات العلم، وهي فوق المعرفة، والدراية وهي سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك. ولما ذكر تعالى الدلائل الدالة على وحدانيته وكمال قدرته من رفع السماء بغير عمد وأحوال الشمس والقمر أردفها بذكر الدلائل الأرضية بقوله تعالى: ﴿وهو الذي مدّ الأرض﴾، أي: بسطها طولًا وعرضًا لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان ولوشاء لجعلها كالجدار والأزج لا يستطاع القرار عليها هذا إذا قلنا أنّ الأرض مسطحة لا كرة، وعند أصحاب الهيئة أنها كرة فكيف يقولون بذلك ومدّ الأرض ينافي كونها كرة، كما ثبت بالدليل؟ أجيب: بأنّ الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح كما أنّ الله تعالى جعل الجبال أوتادًا مع أنّ العالم من الناس يستقرّون عليها، فكذلك ومع هذا فالله تعالى قد أخبر أنه مدّ الأرض ودحاها وبسطها، وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلًا وأبين دليلًا من أصحاب الهيئة هذا هو الدليل الأوّل من الدلائل الأرضية.
الثاني منها قوله: ﴿وجعل﴾، أي: وخلق ﴿فيها﴾، أي: الأرض ﴿رواسي﴾، أي: جبالًا ثوابت واحدها راسية، أي: ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن مكانها لا تتحرّك ولا يتحرك ما هي راسية فيه وهذا لا بدّ وأن يكون بتخليق القادر الحكيم قال ابن عباس: أوّل جبل وضع على وجه الأرض جبل أبي قبيس ولما غلب على الجبال وصفها بالرواسي صارت الصفة تغني عن الموصوف، فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل قاله أبو حيان.
الثالث منها قوله تعالى: ﴿وأنهارًا﴾، أي: وجعل في الأرض أنهارًا جارية لمنافع الخلق، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، وأصله الاتساع، ومنه النهار لاتساع ضيائه. الرابع منها: قوله تعالى: ﴿ومن كل الثمرات﴾ وهو متعلق
[ ٢ / ١٤٥ ]
بقوله تعالى: ﴿جعل فيها﴾، أي: الأرض ﴿زوجين اثنين﴾، أي: وجعل فيها من جميع أنواع الثمار صنفين اثنين، والاختلاف إمّا من حيث الطعم كالحلو والحامض أو اللون كالأسود والأبيض، أو الحجم كالصغير والكبير، أو الطبيعة كالحارّ والبارد.
فإن قيل: الزوجان لا بدّ وأن يكونا اثنين فما الفائدة في اثنين؟ أجيب: بأنه قيل: إنه تعالى أوّل ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط فلو قال: خلق زوجين لم يعلم أنّ المراد النوع أو الشخص، فلما قال: اثنين علم أنه تعالى أوّل ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد، فكما أنّ الناس وإن كان فيهم الآن كثرة فابتداؤهم من زوجين اثنين بالشخص آدم وحوّاء، فكذا القول في جميع الأشجار والزروع.
الخامس منها: قوله تعالى: ﴿يغشي﴾، أي: يغطي ﴿الليل﴾ بظلمته ﴿النهار﴾، أي: والنهار الليل بضوئه فيعتدل فعلهما على ما قدّره الله تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان، وذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا الظاهرة لكل ذي عقل أنها تدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين، والباقون بسكون الغين وتخفيف الشين. ولما ذكر تعالى هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة جمعها وناطها بالفكر فقال تعالى: ﴿إن في ذلك﴾، أي: الذي وقع التحدّث عنه من الآيات ﴿لآيات﴾، أي: دلالات ﴿لقوم يتفكرون﴾، أي: يجتهدون في الفكر فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالسبب على المسبب والتفكر والتدبر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء، ثم أنه تعالى ذكر دليلًا ظاهرًا جدًّا بقوله تعالى:
﴿وفي الأرض﴾، أي: التي أنتم سكانها تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل الشك ﴿قطع﴾، أي: بقاع مختلفة ﴿متجاورات﴾، أي: متقاربات يقرب بعضها من بعض واحدة طيبة، والأخرى سبخة لا تنبت وأخرى صالحة للزرع لا للشجر، وأخرى بالعكس، وأخرى قليلة الريع، وأخرى كثيرته مع انتظام الكل في الأرضية، وهو من دلائل قدرته تعالى ﴿وجنات﴾، أي: بساتين فيها أنواع الأشجار من نخيل وأعناب وغيرذلك كما قال تعالى: ﴿من أعناب وزرع ونخيل صنوان﴾ جمع صنو وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها، ومنه قوله ﷺ في عمه العباس: «عمّ الرجل صنو أبيه» يعني أنهما من أصل واحد ﴿وغير صنوان﴾، أي: متفرقات مختلفة الأصول وسمي البستان جنة؛ لأنه يستر بأشجاره الأرض.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص برفع العين واللام والنون الثانية من صنوان والراء من غير مع التنوين في العين واللام والنون، وعدم التنوين في الراء، والباقون بالخفض في الأربعة وعدم التنوين في الراء. ولما كان الماء بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الواحد المسبب لا إلى شيء من الأسباب قال: ﴿تسقى﴾ قراءة ابن عامر وعاصم بالياء على التذكير، أي: المذكور، وقراءة الباقين بالتاء على التأنيث، أي: الجنات وما فيها ﴿بماء واحد﴾ فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتقدّم، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل في حدّه: جوهر سيال به قوام الأرواح ﴿ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾، أي: في الطعم ما بين حلو وحامض وغير ذلك.
[ ٢ / ١٤٦ ]
وفي الشكل والرائحة والمنفعة وغير ذلك، وذلك أيضًا مما يدل على القادر الحكيم، فإنّ اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار، قال مجاهد: وذلك كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم وكانت الأرض طينة واحدة في يد، أي: في قدرة الرحمن فسطحها فصارت قطعًا متجاورات، فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد، وكذلك الناس خلقوا من آدم، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع.
وقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا﴾ (الإسراء، ٨٢) وقرأ حمزة والكسائي بالياء ليطابق قوله تعالى: ﴿يدبر الأمر﴾ والباقون بالنون وقرأ نافع وابن كثير بسكون الكاف، والباقون بالرفع ﴿إن في ذلك﴾، أي: الأمر العظيم الذي ذكرناه ﴿لآيات﴾، أي: دلالات ﴿لقوم يعقلون﴾، أي: يستعملون عقولهم بالتدبر والتفكر في الآيات الدالة على وحدانيته تعالى.
ولما ذكر تعالى الدلائل القاهرة الدالة على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدل على المعاد بقوله تعالى: ﴿وإن تعجب﴾، أي: يا أكرم الخلق من تكذيب الكفار لك بعد أن كنت تعرف عندهم بالصادق الأمين ﴿فعجب﴾، أي: فحقيق أن يتعجب منه ﴿قولهم﴾، أي: منكري البعث ﴿أئذا كنا ترابًا﴾، أي: بعد الموت ﴿أئنا لفي خلق جديد﴾، أي: خلق بعد الموت كما كنا قبله، ولم يعلموا أنّ القادر على إنشاء الخلق وما تقدّم على غير مثال قادر على إعادتهم. وقيل: وإن تعجب من اتخاذ المشركين ما لا يضرّهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأنّ الله تعالى خلق السموات، والأرض، وهو يضر وينفع، وقد رأوا قدرة الله تعالى وما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم ذلك، والعجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، وقال المتكلمون: العجب هو الذي لا يعرف سببه، وذلك في حق الله تعالى محال؛ لأنه تعالى علام الغيوب لا تخفى عليه خافية، وقرأ أبو عمرو وخلاد والكسائي بإدغام الباء في الفاء، والباقون بالإظهار.
تنبيه: هنا آيتان في كل منهما همزتان، فقرأ قالون بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الهمزة الثانية، ويدخل بينهما ألفًا على الاستفهام، وفي الآية الثانية بهمزة مكسورة وبعدها نون مشددة على الخبر، وورش كذلك إلا أنه لا يدخل بين الهمزتين في أئذا ألفًا وينقل في الثاني على أصله، وابن كثير يقرأ بالاستفهام فيهما من غير إدخال ألف بين الهمزتين مع تحقيق الأولى وتسهيل الثانية فيهما، وأبو عمرو كذلك مع إدخال ألف بينهما، وابن عامر في الأول بهمزة مكسورة بعدها ذال مفتوحة على الخبر، وفي الثاني بهمزة مفتوحة محققة وهمزة مكسورة محققة على الاستفهام، وأدخل هشام بينهما ألفًا بخلاف عنه، والباقون بهمزتين محققتين الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة ولا ألف بينهما في الموضعين.
فائدة: جميع ما في القرآن من ذلك أحد عشر موضعًا في تسع سور، والأحد عشر مكرّرة فتصير اثنين وعشرين، في هذه السورة موضع، والثاني والثالث في سورة الإسراء، والرابع في المؤمنون، والخامس في النمل، والسادس في العنكبوت، والسابع في السجدة،
[ ٢ / ١٤٧ ]
والثامن والتاسع في الصافات، والعاشر في الواقعة، والحادي عشر في النازعات. وأذكر إن شاء الله تعالى في كل سورة من السور المذكورة مذهبهم في محله.
﴿أولئك﴾، أي: الذين جمعوا أنواعًا من البعد من كل خير ﴿الذين كفروا بربهم﴾، أي: غطوا ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم، ثم رباهم بأنواع اللطف، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا بدأهم ﴿وأولئك﴾ البعداء البغضاء ﴿الأغلال﴾ يوم القيامة ﴿في أعناقهم﴾ بسبب كفرهم، والغل: طوق من حديد تقيد به اليد في العنق، وقيل: المراد بالأغلال ذلهم وانقيادهم يوم القيامة كما يقاد الأسير الذليل بالغل، وقيل: إنهم مقيدون بالضلال لا يرجى فلاحهم. ﴿وأولئك﴾، أي: الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم ﴿أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، أي: ثابت خلودهم دائمًا لا يخرجون منها ولا يموتون. ولما كان ﷺ يهدّدهم تارة بعذاب يوم القيامة وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلما هدّدهم بعذاب يوم القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر، وهو الذي تقدّم ذكره في الآية الأولى، وكلما هدّدهم بعذاب الدنيا قالوا له: فجئنا بهذا العذاب، وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن وإظهار أنّ الذي يقول كلام لا أصل له نزل:
﴿ويستعجلونك﴾، أي: استهزاء وتكذيبًا، والاستعجال طلب التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له ﴿بالسيئة﴾، أي: العذاب ﴿قبل الحسنة﴾، أي: الرحمة، وذلك أنّ مشركي مكة كانوا يقولون: اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذا أليم.
تنبيه: قوله ﴿قبل الحسنة﴾ فيه وجهان: أحدهما: متعلق بالاستعجال ظرفًا له والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من السيئة قاله أبو البقاء. ﴿وقد﴾، أي: والحال أنه قد ﴿خلت من قبلهم المثلات﴾ جمع مثلة بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات، أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها. ﴿وإنّ ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ وإلا لم يترك على ظهرها دابة كما قال تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ (فاطر، ٤٥) . وقال ابن عباس: معناه لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا. ﴿وإنّ ربك لشديد العقاب﴾ للمصرين على الشرك الذين ماتوا عليه. وقال مقاتل: إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وشديد العقاب إذا عاقب. ولما بين ﷾ أنّ الكفار طعنوا في نبوة النبيّ ﷺ بسبب طعنهم في الحشر والنشر أوّلًا، ثم طعنوا في نبوّته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانيًا، ثم طعنوا في نبوّته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة. ثالثًا، وهو المذكور في قوله تعالى:
﴿ويقول الذين كفروا لولا﴾، أي: هلا ﴿أنزل عليه﴾، أي: محمد ﷺ ﴿آية من ربه﴾، أي: مثل عصا موسى وناقة صالح وذلك؛ لأنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات، وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب، وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزًا مثل معجزات موسى وعيسى ﵉، وكان نبينا ﷺ راغبًا في إجابة مقترحاتهم لشدّة التفاته إلى إيمانهم قال الله تعالى له: ﴿إنما أنت منذر﴾، أي: ليس عليك إلا الإنذار والتخويف، وليس عليك إتيان الآيات. ﴿ولكل قوم هاد﴾، أي: نبيّ يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقرأ ابن كثير في الوقف بياء بعد الدال، وفي الوصل بغير ياء وتنوين الدال، والباقون بغير ياء في الوقف والوصل مع تنوين الدال. ولما سألوا رسول الله ﷺ الآيات أخبرهم الله تعالى عن عظيم قدرته وكمال علمه بقوله تعالى:
﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾ من ذكر وغيره وواحد ومتعدّد وغير ذلك ﴿وما تغيض﴾، أي: تنقص ﴿الأرحام﴾ من مدّة الحمل ﴿وما تزداد﴾، أي: من مدّة الحمل فقد تكون سبعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند الإمام أبي حنيفة، وإلى اربع عند الإمام الشافعي، وإلى خمس عند الإمام مالك رضي الله تعالى عنهم.
وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرمًا. وقيل: ما تنقصه الرحم من الأولاد وتزيده منهم. يروى أنّ شريكًا كان رابع أربعة في بطن أمّه. وقيل: من نقصان الولد فيخرج ناقصًا والزيادة تمام خلقه. وقيل: ما تنقص بالسقط عن أن يتم وما يزداد بالتمام. وقيل: ما تنقص بظهور دم الحيض، وذلك أنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص بمقدار حصول ذلك. قال ابن عباس: كلما سال الحيض في وقت الحمل يومًا زاد في مدّة الحمل يومًا ليحصل الجبر ويعتدل الأمر والآية تحتمل جميع ذلك إذ لا تنافي في هذه الأقوال. ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وكل شيء﴾ من هذا وغيره من الآيات المقترحات وغيرها ﴿عنده﴾، أي: في علمه وقدرته ﴿بمقدار﴾ في كيفيته وكميته لا يجاوزه ولا يقصر عنه لأنه تعالى عالم بكيفية كل شيء وكميته على الوجه المفصل المبين.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿عنده﴾ يجوز أن يكون مجرور المحل صفة لشيء أو مرفوعه صفة لكل أو منصوبه ظرفًا لقوله: ﴿بمقدار﴾ أو ظرفًا للاستقرار الذي تعلق به الجار لوقوعه خبرًا.
﴿عالم الغيب﴾ وهو ما غاب عن كل مخلوق ﴿والشهادة﴾ وهو ما شاهدوه، وقيل: الغيب هو المعدوم والشهادة هو الموجود. وقيل: الغيب ما غاب عن الحس، والشهادة ما حضر في الحس ﴿الكبير﴾، أي: العظيم ﴿المتعال﴾ عن خلقه بالقهر المنزه عن صفات النقص فهو تعالى موصوف بالعلم الكامل والقدرة التامّة. وقرأ ابن كثير في الوقف والوصل بياء بعد اللام، والباقون بغير ياء وقفًا ووصلًا. ولما كان علمه تعالى شاملًا لجميع الأشياء قال تعالى:
﴿سواء منكم﴾، أي: في علمه تعالى ﴿من أسرّ القول﴾، أي: أخفى معناه في نفسه ﴿ومن جهر به﴾، أي: أظهره فقد استوى في علمه تعالى المسرّ بالقول والجاهر به ﴿ومن هو مستخف﴾، أي: مستتر ﴿بالليل﴾، أي: بظلامه ﴿وسارب﴾، أي: ظاهر بذهابه في سربه ﴿بالنهار﴾ والسرب: بفتح السين وسكون الراء الطريق، وقال ابن عباس: سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة، وقال مجاهد: سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليل، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التواري والضمير في.
﴿له﴾ يعود إلى من في قوله ﴿سواء منكم من أسّر القول ومن جهر به ومن هومستخف بالليل﴾ أو للإنسان ﴿معقبات﴾، أي: ملائكة تعقبه، والذي عليه الجمهور أنّ المراد بالملائكة الحفظة، وإنما صح وصفهم بالمعقبات إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار، وبالعكس وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويبتغونها بالحفظ والكتب وكل من عمل عملًا، ثم عاد إليه فقد عقب، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل والنهار، روي عن عثمان أنه قال يا رسول الله أخبرني
[ ٢ / ١٤٩ ]
عن العبد كم معه من ملك فقال ﷺ «ملك عن يمينك للحسنات وهو أمير على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرًا وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين: اكتب قال: لا لعله أن يتوب أو يستغفر فيستأذنه ثلاث مرات فإذا قال ثلاثًا قال اكتب أراحنا الله منه. فبئس القرين ما أقل مراقبته لله واستحيائه منا فهو قوله تعالى ﴿له معقبات﴾ ﴿من بين يديه﴾، أي: قدّامه ﴿ومن خلفه﴾، أي: ورائه، وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك، وإن تجبرت قصمك وملكان على شفتيك يحفظان عليك الصلاة، وملك على فيك، لا يدع أن تدخل الحية في فيك وملكان على عينيك فهذه عشرة أملاك على كل أدمي» ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فهم عشرون ملكًا على كل آدمي.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله تعالى وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون» . وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك موكل يحفظه من الجن والأنس والهوام في نومه ويقظته، فإن قيل: الملائكة ذكور فلم ذكروا في جمع الإناث وهو المعقبات؟ أجيب: بجوابين: الأول: قال الفراء: المعقبات ملائكة معقبة واحدها معقب ثم جمعت معقبة بمعقبات كما قيل أبناآت ورجالات جمع أبناء ورجال والذي على التذكير قوله تعالى: ﴿يحفظونه﴾ والثاني: وهو قول الأخفش إنما أنث لكثرة ذلك منها نحو نسابة وعلامة وهو ذكر، واختلف في المراد من قوله تعالى: ﴿من أمر الله﴾ على أقوال:
أحدها: إنه على التقديم والتأخير، والتقدير له معقبات من أمر الله يحفظونه.
ثانيها: أنّ فيه إضمارًا، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله تعالى به فحذف الاسم وأبقى خبره.
وثالثهما: أنّ كلمة من معناها الباء والتقدير يحفظونه بأمر الله وبإعانته، وقال كعب الأحبار: لولا أنّ الله تعالى وكّل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجنّ، وقال ابن جريج: معنى يحفظونه، أي: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص هؤلاء الملائكة مع بني آدم وتسليطهم عليهم؟ أجيب: بأن الإنسان إذا علم أنَّ الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب؛ لأنّ من اعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم، فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام إليها كما يزجره إذا حضر من يعظمه من البشر، وإذا علم أنّ الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال، كان ذلك أيضًا ردعًا له عنها، وإذا علم أنّ الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل. ولما دل ذلك على غاية القدرة والعظمة قال تعالى: ﴿إنّ الله﴾ مع قدرته ﴿لا يغير ما بقوم﴾، أي: لا يسلبهم نعمته ﴿حتى يغيروا ما﴾، أي: الذي ﴿بأنفسهم﴾ من الأحوال الجميلة إلى الأحوال القبيحة ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءً﴾، أي: هلاكًا وعذابًا ﴿فلا مردّ له﴾ أي لا يقدر أحد لا من المعقبات ولا من غيرها أن يرد مانزل بهم من قضائه وقدره ﴿ومالهم﴾، أي: إن أراد الله بهم سواءً ﴿من دونه﴾، أي: غير الله ﴿من وال﴾ يلي أمرهم وينصرهم ويمنع العذاب عنهم، وقرأ ابن كثير في الوقف بإثبات الياء بعد اللام دون
[ ٢ / ١٥٠ ]
الوصل، والباقون بغير ياء بعد اللام وقفًا ووصلًا. ولما خوّف الله تعالى بقوله: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءً﴾ اتبعه بذكر آيات تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه بقوله تعالى:
﴿هو الذي يريكم البرق خوفًا﴾، أي: للمسافرين من الصواعق ﴿وطمعًا﴾، أي: للمقيم في المطر، وقيل: إنّ كل شيء يحصل في الدنيا يحتمل الخير والشر، فهو خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه وشر في حق من يضرّه ذلك إما بحسب المكان وإما بحسب الزمان، والبرق معروف وهو لمعان يظهر من بين السحاب ﴿وينشىء﴾، أي: يخلق ﴿السحاب الثقال﴾، أي: بالمطر. تنبيه خوفًا وطمعًا مصدران ناصبهما محذوف، أي: تخافون خوفًا وتطمعون طمعًا، ويجوز غير ذلك، والسحاب قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: غربال الماء وهو غيم ينسحب في السماء، وهو اسم جنس جمعي واحده سحابة وأكثر المفسرين على أنّ الرعد في قوله تعالى:
﴿ويسبح الرعد بحمده﴾ على أنه اسم للملك الذي يسوق السحاب والصوت المسموع منه تسبيحه ولا يردّ ذلك عطف الملائكة عليه في قوله تعالى: ﴿والملائكة﴾، أي: تسبحه ﴿من خيفته﴾، أي: الله؛ لأنه أفرد بالذكر تشريفًا له، كما في قوله تعالى: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ (البقرة، ٩٨) . قال ابن عباس: «أقبلت يهود على النبيّ ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب» . قال ابن الأثير: والمخاريق جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا وهي آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه، وقد جاء تفسير المخراق في حديث آخر، وهو سوط من نور تزجر به الملائكة السحاب. وعن ابن عباس أنه قال: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعليّ ديته. وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: «لو أنّ عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت الشمس عليهم بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد» . وفي رواية عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه حيث يؤمر وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى إذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر. وعن الحسن أنّ الرعد خلق من خلق الله ليس بملك، وقد اختلفت الروايات في ذلك، ففي بعضها أنه ملك موكل بالسحاب، وفي بعضها أنه ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه، وفي بعضها أنه ملك يسوق السحاب بالتسبيح كما يسوق الحادي الإبل بحدائه، وفي بعضها: أنه ملك سمي به وهو الذي تسمعون صوته، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك في البقرة، وقيل: هؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله تعالى له أعوانًا، فهم خائفون خاضعون طائعون، وقيل: المراد
بهم جميع الملائكة واستظهر وقوله تعالى: ﴿ويرسل الصواعق﴾ جمع صاعقة وهي العذاب المهلك تنزل من البرق فتحرق من تصيبه ﴿فيصيب بها من يشاء﴾ فيهلكه ﴿وهم يجادلون في الله﴾ حيث يكذبون رسول الله ﷺ والتكذيب التشديد في الخصومة.
روي «أنّ عامر
[ ٢ / ١٥١ ]
بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا إلى رسول الله ﷺ قاصدين لقتله فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف فتنبه له رسول الله ﷺ وقال: اللهمّ اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامر بغدة فمات في بيت سلولية فكان يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فنزلت» . «وعن الحسن أنه قال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبيّ ﷺ نفرًا يدعونه إلى الله تعالى ورسوله ﷺ فقال لهم: أخبروني عن رب محمد الذي تدعونني إليه مم هو؟ أمن ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلًا أكفر قلبًا ولا أعتى على الله منه. فقال ﷺ ارجعوا، إليه فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مقالته الأولى وقال: أجيب محمد إلى رب لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا وقالوا: يا رسول الله، ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث فقال: ارجعوا إليه فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله ﷺ فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: احترق صاحبكم فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحى الله تعالى إلى النبيّ ﷺ ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله﴾» . ﴿وهو شديد المحال﴾ واختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وهو
شديد المحال﴾
فقال عليّ ﵁: شديد الأخذ. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقال مجاهد: شديد القوة. وقال أبو عبيدة: شديد القوة والمغالبة. واختلف في قوله تعالى:
﴿له﴾، أي: الله ﴿دعوة الحق﴾ فقال عليّ: دعوة الحق التوحيد. وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: الحق هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق. ﴿والذين يدعون﴾، أي: وهم الكفار. ﴿من دونه﴾، أي: غير الله وهي الأصنام ﴿لا يستجيبون﴾، أي: الأصنام ﴿لهم﴾، أي: الكفار ﴿بشيء﴾ مما يطلبونه من نفع أو دفع ضر ﴿إلا﴾، أي: الاستجابة ﴿كباسط﴾، أي: كاستجابة باسط ﴿كفيه إلى الماء﴾، أي: على شفير البئر يدعوه ﴿ليبلغ فاه﴾، أي: بارتفاعه من البئر إليه ﴿وما هو﴾، أي: الماء ﴿ببالغه﴾، أي: فاه أبدًا؛ لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم أبدًا؛ لأنّ أصنامهم كذلك، وقيل: شبهوا في قلة فائدة دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسط كفيه ناشرًا أصابعهما، ولم يصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من مشربه، ثم أنه تعالى عمم في أنه لا يستجاب لهم بقوله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾، أي: ضياع لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا آلهتهم لم تستطع إجابتهم، وقيل: المراد بالدعاء في الحالين العبادة وقوله تعالى:
﴿ولله يسجد من في السموات والأرض﴾ يحتمل أن يراد به السجود على حقيقته وهو وضع الجبهة، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿طوعًا﴾ للملائكة والمؤمنين من الثقلين حالتي الشدّة والرخاء وقوله تعالى: ﴿وكرهًا﴾ للكافرين والمنافقين الذين أكرهوا على السجود بالسيف وأن يراد به التعظيم والاعتراف بالعبودية، فكل من السموات والأرض معترف بعبودية الله
[ ٢ / ١٥٢ ]
تعالى كما قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ (الزخرف، ٨٧) وأن يراد به الانقياد والخضوع وترك الامتناع، وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأنّ قدرته ومشيئته نافذة في الكل.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿طوعًا وكرهًا﴾ إمّا مفعول من أجله وإمّا حال، أي: طائعين وكارهين. واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وظلالهم بالغدوّ﴾، أي: البكر ﴿والآصال﴾، أي: العشايا، أي: تسجد فقال أكثر المفسرين: كل شخص سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله تعالى وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله تعالى وهو كاره. وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباريّ: ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال عقولًا وأفهامًا تسجد بها لله وتخشع. وقيل: المراد من سجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس وهي منقادة مسلسلة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خص الغدوّ والآصال بالذكر؛ لأنّ الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين.
تنبيه: الغدوّ جمع غداة كقنى وقناة، والآصال جمع الأصل، والأصل جمع أصيل، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. ولما بيّن تعالى أن كل من في السموات والأرض ساجد لله تعالى عدل إلى الردّ على عباد الأصنام بقوله تعالى:
﴿قل﴾ يا أشرف الخلق على الله تعالى لقومك ﴿من رب السموات والأرض﴾، أي: من مالكهما وما فيهما ومدبرهما وخالقهما؟ ﴿قل الله﴾، أي: أجب عنهم بذلك إن لم يقولوه، ولا جواب لهم غيره، ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه ولقنهم الجواب به. وروي أنه لما قال للمشركين ذلك عطفوا عليه وقالوا: أجب أنت فأمره الله تعالى، فأجاب بذلك، ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿أفاتخذتم من دونه﴾، أي: غير الله ﴿أولياء﴾، أي: أصنامًا تعبدونها ﴿لا يملكون لأنفسهم نفعًا﴾ يجلبونه ﴿ولا ضرًّا﴾ يدفعونه فكيف يملكون لكم ذلك؟ وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال في اتخذتم عند التاء، والباقون بالإدغام، ثم ضرب الله تعالى مثلًا للمشركين الذين يعبدون الأصنام والمؤمنين الذين يعبدون الله فقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ قال ابن عباس: يعني المشرك والمؤمن، وإنما مثل الكافر بالأعمى؛ لأنه لا يهتدي سبيلًا، فكذلك الكافر لا يهتدي سبيلًا. ثم ضرب الله مثلًا للإيمان والكفر بقوله تعالى: ﴿أم هل تستوي الظلمات﴾، أي: الكفر ﴿والنور﴾، أي: الإيمان؟ الجواب: لا. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي ﴿يستوي﴾ بالياء على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، وأمّا اللام من هل هنا فلا تدغم على القراءتين. ﴿أم جعلوا لله شركاء﴾ والهمزة للانكار، وقوله تعالى: ﴿خلقوا كخلقه﴾ صفة شركاء، أي: خلقوا سموات وأرضين وشمسًا وقمرًا وجبالًا وبحارًا وجنًا وإنسًا. ﴿فتشابه الخلق﴾، أي: خلق الشركاء بخلق الله ﴿عليهم﴾ من هذا الوجه فلا يدرون ما خلق الله ولا ما خلق آلهتهم، فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم، وهذا استفهام إنكار، أي: ليس الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا الخالق. ولما كان من المعلوم قطعًا أن جوابهم أن الخلق كله لله لزمتهم الحجة فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهؤلاء المشركين ﴿الله خالق كل شيء﴾، أي: مما يصح أن يكون مخلوقًا، فهو من العموم الذي يراد به
[ ٢ / ١٥٣ ]
الخصوص، فلا يدخل
في ذلك صفات الله تعالى، وإذا كان لا خالق غيره فلا يشاركه في العبادة أحد، فوجب أن ينفرد بالإلهية كما قال تعالى: ﴿وهو الواحد﴾، أي: الذي لا يجانسه شيء، وكل ما سواه لا يخلو عن مماثل يماثله، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له؟ ﴿القهار﴾ الذي كل شيء تحت قهره، فيدخل تحت قضائه ومشيئته وإرادته، ثم ضرب تعالى مثلًا للحق والباطل بقوله تعالى:
﴿أنزل من السماء﴾، أي: السحاب أو السماء نفسها ﴿ماء﴾، أي: مطرًا ﴿فسالت أودية﴾، أي: أنهار جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه، واستعمل للماء الجاري فيه، وتنكيرها؛ لأنّ المطر يأتي على تناوب بين البقاع ﴿بقدرها﴾، أي: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضارّ، أو بمقداره في الصغر والكبر. ﴿فاحتمل السيل زبدًا رابيًا﴾، أي: عاليًا هو ما على وجهه من قذر ونحوه ﴿ومما توقدون عليه من النار﴾، أي: من جواهر الأرض الذهب والفضة والنحاس والحديد ﴿ابتغاء﴾، أي: طلب ﴿حلية﴾، أي: زينة ﴿أو متاع﴾، أي: ينتفع به كالأواني إذا أذيبت، وآلات الحرب والحرث، والمقصود من هذا بيان منافعها ﴿زبد مثله﴾، أي: مثل زبد السيل، وهو خبثه الذي ينفيه الكير، ومن للابتداء أو للتبعيض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة على أن الضمير للناس وإضماره للعلم به، والباقون بالتاء على الخطاب ﴿كذلك﴾، أي: مثل هذا الضرب العلي الرتب المتبين السبب ﴿يضرب الله﴾، أي: الذي له الأمر كله ﴿الحق والباطل﴾، أي: مثلهما، فإنه تعالى مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة، فيننتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنيّ والآبار، ومثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وهو قوله تعالى: ﴿فأما الزبد﴾، أي: من السيل وما أوقد عليه من الجواهر ﴿فيذهب جفاء﴾ .
قال أبو حيان: مضمحلًا، أي: متلاشيًا لا منفعة فيه ولا بقاء له. وقال ابن الأنباري: متفرّقًا، وانتصابه على الحال. ﴿وأما ما ينفع الناس﴾ من الماء ومن الجواهر الذي هو مثل الحق. ﴿فيمكث في الأرض﴾، أي: يثبت ويبقى لينتفع به أهلها ﴿كذلك﴾، أي: مثل ذلك الضرب ﴿يضرب﴾، أي: يبين ﴿الله﴾ الذي له الإحاطة الكاملة علمًا وقدرة ﴿الأمثال﴾ فيجعلها في غاية الوضوح، وإن كانت في غاية الغموض. قال أهل المعاني: هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن الله يمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء، فيذهب الزبد فيبقى الماء الصافي الذي ينفع، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى، ويذهب العلو الذي هو الكدر وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل. وقيل: هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس، ومثل الكافر وخبث اعتقاده كمثل الزبد الذي لا ينتفع به البتة. ثم إنه تعالى لما ذكر الحق والباطل ذكر ما لأهلهما من الثواب والعقاب فقال تعالى:
﴿للذين استجابوا لربهم﴾، أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوّة وبعث الأموات، والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله محمد ﷺ ﴿الحسنى﴾ قال ابن عباس وقال أهل المعاني: الحسنى
[ ٢ / ١٥٤ ]
هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرّة الدائمة الخالصة عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال، ولم يذكر تعالى الزيادة هاهنا؛ لأنه تعالى ذكرها في سورة أخرى وهي قوله تعالى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس، ٢٦) هذا ما لأهل الحق، وأمّا ما لأهل الباطل فهو ما ذكره بقوله جل من قائل: ﴿والذين لم يستجيبوا له﴾ وهم الكفرة فلهم أنواع ثلاثة من العذاب والعقوبة، فالنوع الأوّل قوله تعالى: ﴿لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به﴾، أي: جعلوه فكاك أنفسهم بغاية جهدهم؛ لأنّ المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما هو سواه فهو إنما يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضر والألم والتعب وكان مالكًا لما يساوي عالم الأجناس والأرواح، فإنه يرضى بأن يجعله فداء نفسه؛ لأنّ المحبوب بالعرض لا بدّ وأن يكون فداء لما كان محبوبًا بالذات، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله ما في الأرض.d
والنوع الثاني من أنواع العذاب الذي أعده الله تعالى لهم ما ذكره بقوله تعالى: ﴿أولئك لهم سوء الحساب﴾ وهو المناقشة فيه، وعن النخعي بأن يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفر منه شيء، وإنما نوقشوا؛ لأنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى، فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين من الفوز بسعادة خدمة المولى.
والنوع الثالث من عقوباتهم ما ذكره بقوله تعالى: ﴿ومأواهم﴾، أي: مرجعهم ﴿جهنم﴾ وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاشتغال بخدمة المولى عاشقين للذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم، فيحترقون على مفارقتها، وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك كان مأواهم جهنم. ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى بقوله عز من قائل: ﴿وبئس المهاد﴾، أي: الفراش، والمخصوص بالذم محذوف، أي: جهنم. ونزل في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمار وأبي جهل.
﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق﴾، أي: يؤمن به ويعمل بما فيه، وهو حمزة أو عمار رضي الله تعالى عنهما. ﴿كمن هو أعمى﴾، أي: أعمى البصيرة ولا يؤمن به ولا يعمل بما فيه وهو أبو جهل، قال ابن الخازن في تفسيره: وحمل الآية على العموم أولى، وإن كان السبب مخصوصًا، والمعنى: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن هو لا يبصر الحق ولا يتبعه، وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى؛ لأنّ الأعمى لا يهتدي لرشد ﴿إنما يتذكر﴾، أي: يتعظ ﴿أولو الألباب﴾، أي: أصحاب العقول الذين يطلبون من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشرة لبابها، ويعبرون من ظاهر كل حديث إلى سره ولبابه.
﴿الذين يوفون بعهد الله﴾، أي: ما عاقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: بلى، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه. ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾، أي: ما واثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وبينهم وبين العباد، فهو تعميم بعد تخصيص.
﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾، أي: من الإيمان والرحم وغير ذلك، والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم. عن أبي موسى أنّ عبد الرحمن بن عوف عاد أبا الدرداء فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فيما يحكي عن ربه تعالى: «أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، أو قال: بتته» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ «الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» . وعن
[ ٢ / ١٥٥ ]
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «من سره أن يبسط في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» . ومعنى ينسأ يؤخر، والمراد به تأخير الأجل، وفيه قولان:
أحدهما وهو المشهور: أنه يزاد في عمره زيادة حقيقية.
والثاني: يبارك له في عمره فكأنه قد زيد فيه. وعن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها» . وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «تأتي يوم القيامة لها ألسنة ذلقة الرحم فتقول: أي: رب قطعت والأمانة تقول: أي رب تركت والنعمة تقول: أي: رب كفرت» . وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ فقالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة، فأساء إليها لم يكن من المحسنين.
﴿ويخشون ربهم﴾، أي: وعيده عمومًا، والخشية خوف يشوبه تعظيم ﴿ويخافون سوء الحساب﴾ خصوصًا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ﴿والذين صبروا﴾، أي: على طاعة الله تعالى وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه. وقال ابن عباس: صبروا على أمر الله. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي، ومرجع الكل واحد فإنّ الصبر الحبس، وهو تجرع مرارة منع النفس عما تحب مما لا يجوز فعله ﴿ابتغاء﴾، أي: طلب ﴿وجه ربهم﴾، أي: رضاه لا طلب غيره من جور أو سمعة أو رياء أو لغرض من أغراض الدنيا أو نحو ذلك ﴿وأقاموا الصلاة﴾، أي: المفروضة، وقيل: مطلق الصلاة، فيدخل فيه الفرض والنفل.
﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية﴾ قال الحسن: المراد به الزكاة، فإن لم يتهم بترك الزكاة فالأولى أن يؤدّيها سرًّا، وإن كان يتهم بترك أدائها، فالأولى أن يؤدّيها علانية، وقيل: المراد بالسر صدقة التطوّع، وبالعلانية الزكاة. وقيل: المراد بالسر ما يؤدّيه من الزكاة بنفسه وبالعلانية ما يدفعه إلى الإمام. ﴿ويدرؤون﴾، أي: يدفعون ﴿بالحسنة السيئة﴾ كالجهل بالحلم والأذى بالصبر. روي عن ابن عباس قال: يدفعون بالصالح من العمل السيء من العمل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إنّ الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود، ١١٤) وقوله ﷺ «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية» . وعن عقبة بن عامر أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيق قد خنقه ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض» . وقال ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سوء غيرهم. وعن الحسن إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عمر: ليس الواصل من وصل، ثم وصل تلك مجازاة لكن من قطع ثم وصل وعطف من لم يصله، وليس الحليم من ظلم، ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج لكن الحليم من قدر ثم عفا. وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا، وقيل: إذا رأوا منكرًا أمروا بتغييره، وروي أنّ شقيقًا البلخي دخل على ابن المبارك متنكرًا فقال له: من أين أنت؟ فقال: من بلخ. فقال: وهل تعرف شقيقًا؟ قال: نعم. فقال: وكيف طريقة أصحابه؟ قال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا. فقال ابن المبارك: طريقة كلابنا هكذا. فقال شقيق: فكيف ينبغي أن يكون الأمر؟ فقال: الكاملون
[ ٢ / ١٥٦ ]
هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. ﴿أولئك﴾، أي: العالو الرتبة ﴿لهم عقبى الدار﴾ وبينها تعالى بقوله:
﴿جنات عدن﴾، أي: إقامة لا انفكاك لها يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ثم استأنف بيان تمكنهم بها بقوله تعالى: ﴿يدخلونها﴾ ولما كانت الدار لا تطيب بدون الأحبة قال تعالى عاطفًا على الضمير المرفوع: ﴿ومن صلح من آبائهم﴾، أي: الذين كانوا سببًا في إيجادهم، فيشمل ذلك الآباء والأمهات وإن علوا ﴿وأزواجهم وذرياتهم﴾، أي: الذين تسببوا عنهم، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، ويقال: إنّ من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكروا الله تعالى على الخلاص منها والفوز بالجنة، ولذلك قال الله تعالى في صفة أهل الجنة أنهم يقولون: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ (يس: ٢٦، ٢٧) . وفي ذلك دليل على أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم، والتقييد بالصلاح دلالة على أنّ مجرد الأنساب لا تنفع.
وفسر ابن عباس الصلاح بالتصديق فقال: يريد من صدّق بما صدّقوا وإن لم يعمل مثل أعمالهم، قال الرازي: قوله ﴿وأزواجهم﴾ ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وما روي عن سودة أنها لما همّ الرسول ﷺ بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في جملة نسائك. كالدليل على ما ذكرنا اه. وعلى هذا من تزوجت بغيره قيل: إنها تتخير بينهما، ثم زاد تعالى في ترغيبهم بقوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم﴾ لأنّ الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في السرور والعز. ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على الأدب والكرم قال تعالى: ﴿من كل باب﴾ قال ابن عباس: لهم خيمة من درّة مجوّفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصارعها من ذهب يدخلون عليهم من كل باب يقولون لهم:
﴿سلام عليكم﴾، أي: فأضمر القول هنا لدلالة الكلام عليه ﴿بما صبرتم﴾ على أمر الله، والباء للسببية، أي: بسبب صبركم، أو البدلية، أي: بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه. فإن قيل: بم يتعلق قوله ﴿بما صبرتم﴾ قال الزمخشري: بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم، وقال البيضاوي: متعلق بعليكم أو بمحذوف لا بسلام، فإن الخبر فاصل مع أنّ الزمخشري قال ويجوز أن يتعلق بسلام، أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم، وهذا أظهر وردّ الأول بأن الممنوع منه إنما هو المصدر المؤوّل بحرف مصدري، وفعل والمصدر هنا ليس كذلك.
ولما تم ذلك تسبب عنه قوله تعالى: ﴿فنعم عقبى الدار﴾ وهي المسكن في قرار المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها، والمرافق التي ينتفع بها، والعقبى الإنتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: عقباكم. ولما ذكر تعالى صفات السعداء ومايترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر أحوال الأشقياء، وذكر مايترتب عليها من الأحوال المخزية المكربة، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب؛ ليكون البيان كاملًا فقال تعالى:
﴿والذين ينقضون عهد الله﴾، أي: فيعملون بخلاف موجبه، والنقض التفريق الذي ينفي تأليف البناء ﴿من بعد ميثاقه﴾، أي: الذي أوثقه عليهم من الإقرار والقبول
[ ٢ / ١٥٧ ]
﴿ويقطعون ما﴾، أي: الذي ﴿أمر الله به أن يوصل﴾ وذلك في مقابلة قوله من قبل ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ (الرعد، ٢١) فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل، والمراد به قطع ما يوجب الله تعالى وصله، أي: لما له من المحاسن الجلية والخفية التي هي عين الصلاح، ويدخل في ذلك وصل الرسول ﷺ بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين ووصل الأرحام، ووصل سائر من له حق ﴿ويفسدون﴾، أي: يوقعون الفساد ﴿في الأرض﴾، أي: في أي جزء كان منها بالظلم وتهييج الفتن، والدعاء إلى غير دين الله تعالى ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿لهم اللعنة﴾، أي: الطرد والبعد ﴿ولهم سوء الدار﴾ والدار لهم هي جهنم، وليس لهم فيها إلا ما يسوء الصائر إليها. ولما حكم تعالى على من نقض عهده في قبول التوحيد والنبوّة بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة، فكأنه قيل: لو كانوا أعداء الله تعالى لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا فأجاب الله تعالى بقوله تعالى:
﴿الله يبسط الرزق﴾، أي: يوسعه ﴿لمن يشاء ويقدر﴾، أي: يضيقه على من يشاء سواء في ذلك الطائع والعاصي ولا تعلق لذلك بالكفر والإيمان فقد يوجد الكافر موسعًا عليه دون المؤمن ويوجد المؤمن موسعًا عليه دون الكافر فالدنيا دار امتحان ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من وفقه الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وفرحوا﴾، أي: كفار مكة فرح بطر ﴿بالحياة الدنيا﴾، أي: بما نالوه فيها لا فرح سرور بفضل الله والعافية عليهم ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة ﴿وما الحياة الدنيا﴾، أي: بكمالها ﴿في الآخرة﴾، أي: في جنبها ﴿الامتاع﴾، أي: حقير متلاش يتمتع به ويذهب كعجالة الراكب وهي ما يتعجله من تميرات أو شربة ماء سويق أو نحو ذلك.
﴿ويقول الذين كفروا﴾ من أهل مكة ﴿لولا﴾، أي: هلا ﴿أنزل عليه﴾، أي: على هذا الرسول ﴿آية﴾، أي: علامة بينة ﴿من ربه﴾، أي: المحسن إليه كالعصا واليد لموسى والناقة لصالح لنهتدي بها فنؤمن به وأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله: ﴿قل﴾، أي: لهؤلاء المعاندين ﴿إن الله يضل من يشاء﴾ إضلاله فلا تغني عنه الآيات شيئًا وإن أنزلت كل آية ﴿ويهدي﴾، أي: يرشد ﴿إليه﴾، أي: إلى دينه ﴿من أناب﴾، أي: رجع إليه كأبي بكر الصديق وغيره ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم ولو حصلت آية واحدة فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله تعالى في طلب الهداية وقوله تعالى:
﴿الذين آمنوا﴾ بدل من أناب أو خبر مبتدأ محذوف ﴿وتطمئن﴾، أي: تسكن ﴿قلوبهم بذكر الله﴾، أي: أنسًا به واعتمادًا عليه ورجاءً منه أو بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده أو بالقرآن الذي هو أقوى المعجزات وقال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت فإن قيل: قد قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (الأنفال، ٢) والوجل ضد الاطمئنان فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ أجيب: بأنهم إذا ذكروا العقاب ولم يأمنوا أن يقدموا على المعاصي فهناك يحصل الوجل وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت قلوبهم إلى ذلك وحينئذ حصل الجمع بينهما ﴿ألا بذكر الله﴾، أي: الذي له الجلال والإكرام لا بذكر غيره ﴿تطمئن﴾، أي: تسكن ﴿القلوب﴾ ويثبت اليقين فيها وقوله تعالى:
﴿الذين آمنوا وعملوا
[ ٢ / ١٥٨ ]
الصالحات﴾ مبتدأ خبره ﴿طوبى لهم﴾ واختلف العلماء في تفسير طوبى فقال ابن عباس: فرح لهم وقرة عين. وقال عكرمة: نعمى لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وقال النخعي: خير لهم وكرامة. وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية. قال الرازي: وهذا القول ضعيف؛ لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما، اشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر. وعن أبي هريرة وأبي الدرداء أن طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبيّ ﷺ وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لونًا ولا زهرة إلا وفيها منه إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: وكل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله تعالى بأنواع التسبيح. وعن أبي سعيد الخدري أنّ رجلًا سأل النبيّ ﷺ ما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» . وعن معاوية بن قرّة عن أبيه يرفعه: «طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» . وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: «إنّ في الجنة شجرة يقال لها: طوبى يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما يشاء فتتفتق له عن فرس مسرجة بلجامها وهيئتها كما يشاء وتتفتق له عن راحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء» . وقيل: طوبى فعلى من الطيب قلبت ياؤه واوًا لضم ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى ومعنى طوبى لك أصبت خيرًا وطيبًا. ﴿وحسن مآب﴾، أي: حسن المنقلب.
﴿كذلك﴾، أي: مثل إرسال الرسل الذين قدمنا الإشارة إليهم في آخر سورة يوسف وفي غيرها ﴿أرسلناك في أمّة﴾، أي: جماعة كثيرة ﴿قد خلت من قبلها﴾، أي: تقدّمتها ﴿أمم﴾ طال أذاهم لأنبيائهم، ومن آمن بهم، واستهزاؤهم بهم في عدم الإجابة حتى كأنهم تواصوا بهذا القول فليس ببدع إرسالك إليهم ﴿لتتلو﴾، أي: لتقرأ ﴿عليهم﴾، أي: على أمّتك ﴿الذي أوحينا إليك﴾ من القرآن وشرائع الدين ﴿وهم﴾، أي: والحال أنهم ﴿يكفرون بالرحمن﴾، أي: بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء.
وقال قتادة: هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن سهل بن عمرو لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال رسول الله ﷺ لعلي: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم» . فقال سهل بن عمرو: لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعني مسيلمة الكذاب أكتب كما كنت تكتب باسمك اللهمّ» فهذا معنى قوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، أي: أنهم يكفرونه ويجحدونه. قال البغويّ: والمعروف أنّ الآية مكية، وسبب نزولها أنّ أبا جهل سمع النبيّ ﷺ وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إنّ محمدًا يدعو الله ويدعو إلهًا آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: ﴿قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ (الإسراء، ١١٠) . وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبيّ ﷺ «اسجدوا للرحمن» قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد إنّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته ﴿هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت﴾، أي: اعتمدت عليه في أموري كلها ﴿وإليه متاب﴾،
[ ٢ / ١٥٩ ]
أي: مرجعي ومرجعكم. روي أنّ أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم النبيّ ﷺ وعرض الإسلام عليهم، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا، واجعل لنا فيها أنهارًا نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أم باطل؟ فقد كان عيسى يحي الموتى، وسخر لنا الريح حتى نركبها إلى البلاد، فقد كانت الريح مسخرة لسليمان، فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله تعالى:
﴿ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال﴾، أي: نقلت عن أماكنها ﴿أو قطعت﴾، أي: شققت ﴿به الأرض﴾ من خشية الله تعالى عند قراءته، فجعلت أنهارًا وعيونًا. ﴿أو كلم به الموتى﴾، أي: بأن يحيوا، وجواب لو محذوف، أي: لكان هذا القرآن في غاية ما يكون من الصحة، واكتفى بمعرفة السامعين مراده، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقيل: تقديره لما آمنوا، ونقل عن الفراء أنّ جواب لو هي الجملة من قوله: ﴿وهم يكفرون﴾ ففي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض، وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن لو أنّ قرآنًا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم.
فإن قيل: لم حذفت التاء في قوله تعالى: ﴿وكلم به الموتى﴾ وثبتت في الفعلين قبله؟ أجيب: بأنه من باب التغليب؛ لأنّ الموتى يشمل المذكر والمؤنث. ﴿بل لله الأمر﴾، أي: القدرة على كل شيء ﴿جميعًا﴾ وهذا إضراب عما تضمنته لو من معنى النفي، أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكن الإرادة لم تتعلق بذلك لعلمه تعالى بأنه لا يلين قلوبهم ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب أكثرهم إلى أنّ معناه: أفلم يعلم الذين آمنوا ﴿أن﴾، أي: بأنه ﴿لو يشاء الله﴾، أي: الذي له صفات الكمال ﴿لهدى الناس جميعًا﴾، أي: إلى الإيمان من غير آية، ولكنه تعالى لم يشأ هداية جميع الخلائق ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾، أي: جميع الكفار ﴿تصيبهم بما﴾، أي: بسبب ما ﴿صنعوا قارعة﴾، أي: نازلة وداهية تقرعهم بأنواع البلايا تارة بالجدب، وتارة بالسلب وتارة بالقتل، وتارة بالأسر وغيرذلك. واختلف في الكفار على قولين.
قيل: أراد بهم جميع الكفار، لأنّ الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من ذلك أوجبت حصول الغم في قلب الكل.
وقيل: المراد الكفار من أهل مكة والألف واللام للمعهود السابق ويدل لهذا قول ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله ﷺ يبعثها إليهم ﴿أو تحل﴾، أي: تنزل نزولًا ثابتًا تلك القارعة ﴿قريبًا من دارهم﴾، أي: فتوهن أمرهم، وقيل: معناه أو تحل أنت يا محمد بجيشك قريبًا من دارهم مكة كما حل بالحديبية ﴿حتى يأتي وعد الله﴾، أي: بالنصر وظهور رسول الله ﷺ ودينه بفتح مكة، أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن عيسى ﵇ فينقطع ذلك؛ لأنه لا يبقى على الأرض كافر.
وقيل: أراد بوعد الله يوم القيامة؛ لأنّ الله يجمعهم فيه فيجازيهم بأعمالهم ﴿إنّ الله لا يخلف الميعاد﴾ لامتناع الكذب في كلامه تعالى. ولما كان الكفار يسألون هذه الآيات منه ﷺ على سبيل الاستهزاء والسخرية، وكان ذلك يشق عليه ويتأذى من تلك الكلمات أنزل الله تعالى تسلية له وتصبيرًا له
[ ٢ / ١٦٠ ]
على سفاهة قومه:
﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ كما استهزئ بك ﴿فأمليت للذين كفروا، أي: أطلت المدّة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم﴾ بالعقوبة ﴿فكيف كان عقاب﴾، أي: هو واقع موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك، والإملاء الإمهال بأن يترك مدّة من الزمان في راحة وأمن كالبهيمة يملي لها في المرعى، وهذا استفهام معناه التعجب، وفي ضمنه وعيد شديد لهم، وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله ﷺ على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج، وما يكون توبيخًا لهم وتعجيبًا من عقولهم فقال تعالى:
﴿أفمن هو قائم﴾، أي: رقيب ﴿على كل نفس بما كسبت﴾، أي: عملت من خير وشر وهو الله تعالى القادر على كل الممكنات العالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات، ولا بدّ لهذا الكلام من جواب فإن من موصولة صلتها هو قائم، والموصول مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره كمن ليس بهذه الصفة، وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ دل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ (الزمر، ٢٢) الآية تقديره كمن قسا قلبه يدل عليه قوله: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ (الزمر، ٢٢) وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلًا للمبتدأ، وقد جاء مبينًا كقوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ (النحل، ١٧) وقوله تعالى: ﴿قل سموهم﴾ فيه تنبيه على أنّ هؤلاء الشركاء لا يستحقونها، والمعنى: سموهم بأسمائهم الحقيقية، فإنهم إذا عرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو مركز العجز، ومحل الفقر عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم قيل: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده؟ ﴿أم تنبئونه﴾، أي: تخبرونه ﴿بما لا يعلم﴾ وعلمه محيط بكل شيء ﴿في الأرض﴾ من كونها آلهة ببرهان قاطع ﴿أم﴾ تسمونهم شركاء ﴿بظاهر من القول﴾، أي: بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلم فليس بشيء، وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز.
ولما كان التقدير ليس لهم على شيء من هذا برهان قاطع، ولا قول ظاهر بنى عليه قوله تعالى: ﴿بل زين﴾، أي: وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان من شياطين الإنس أو شياطين الجنّ. ﴿للذين كفروا مكرهم﴾، أي: أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا أنّ شركاءهم آلهة حقًا وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقرّبهم إلى الله زلفى، ولتشفع لهم، وهم لا يعتقدون بعثًا ولا نشورًا، فصار كل ذلك من فعلهم فعل الماكر ﴿وصدّوا﴾ غيرهم ﴿عن السبيل﴾، أي: طريق الهدى الذي لا يقال لغيره سبيل، فإنّ غيره عدم بل العدم خير منه، فهم لم يسلكوا السبيل، ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، وليس ذلك بعجيب فإنّ الله أضلهم ﴿ومن يضلل الله﴾، أي: الذي له الأمر كله بإرادة إضلاله ﴿فما له من هاد﴾ وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد الدال في الوقف دون الوصل، والباقون بغير ياء وقفًا ووصلًا. وكذلك من واق وكذا ولا واق. ولما أخبر الله تعالى بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بقوله تعالى:
﴿لهم عذاب في الحياة الدنيا﴾ بالقتل والأسر والذم والإهانة واغتنام الأموال واللعن، ونحو ذلك مما فيه غيظهم ﴿ولعذاب الآخرة أشق﴾، أي: أشدّ في المشقة بسبب القوّة والشدّة
[ ٢ / ١٦١ ]
وكثرة الأنواع والدوام، وعدم الانقطاع، ثم بين تعالى أنّ أحدًا لا يقيهم من عذابه بقوله تعالى: ﴿وما لهم من الله من واق﴾، أي: مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءًا لا في الدنيا ولا في الآخرة، والواقي فاعل من الوقاية، وهي الحجز بما يدفع الأذية. ولما ذكر تعالى عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين بقوله تعالى:
﴿مثل﴾، أي: صفة ﴿الجنة﴾، أي: التي هي مقرهم ﴿التي وعد المتقون﴾ واختلف في إعراب ذلك على أقوال: الأوّل: قال سيبويه: ﴿مثل الجنة﴾ مبتدأ وخبره محذوف والتقدير فيما قصصناه عليك ﴿مثل الجنة﴾ . والثاني: قال الزجاج: ﴿مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا. والثالث: مثل الجنة﴾ مبتدأ وخبره. ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ كما تقول صفة زيد أسمر، والرابع الخبر. ﴿أكلها﴾، أي: مأكولها ﴿دائم﴾ لأنه الخارج عن العادة، فقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة أوصاف، الأوّل: تجري من تحتها، أي: من تحت قصورها وأشجارها الأنهار. الثاني: إن أكلها دائم لا ينقطع أبدًا بخلاف جنة الدنيا. والثالث: قوله تعالى: ﴿وظلها﴾، أي: دائم ليس كظل الدنيا لا تنسخه الشمس ولا غيرها إذ ليس فيها شمس ولا قمر ولا ظلمة، بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول. ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بيّن تعالى أنها للمتقين بقوله تعالى: ﴿تلك﴾، أي: الجنة العالية الأوصاف ﴿عقبى﴾، أي: آخر أمر ﴿الذين اتقوا﴾، أي: الشرك، ثم كرر الوعيد للكافرين بقوله تعالى ﴿وعقبى﴾، أي: منتهى أمر ﴿الكافرين النار﴾ لا غير، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين. واختلف في قوله تعالى:
على قولين الأوّل: أنهم أصحاب محمد ﷺ والمراد بالكتاب القرآن ﴿يفرحون بما أنزل إليك﴾ من أنواع التوحيد والعدل والنبوّة والبعث والأحكام والقصص ﴿ومن الأحزاب﴾، أي: الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار ﴿من ينكر بعضه﴾ وهذا قول الحسن وقتادة.
فإن قيل: الأحزاب منكرون كل القرآن؟ أجيب: بأنهم لا ينكرون كل ما في القرآن، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء، والأحزاب لا ينكرون كل هذه الأشياء.
والقول الثاني: أنّ المراد بالكتاب التوراة، وبأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومن أسلم من النصارى، وهم ثمانون رجلًا أربعون من نجران وثمانية من اليمن واثنان وثلاثون من أرض الحبشة، وفرحوا بالقرآن؛ لأنهم آمنوا به وصدّقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب، وسائر المشركين، وقيل: كان ذكر الرحمن قليلًا في القرآن في الابتداء فلما اسلم عبد الله بن سلام ومن تبعه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرّر الله تعالى ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ (الرعد، ٣٦) يعني مشركي مكة حين كتب رسول الله ﷺ في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: ما نعرف إلا رحمن اليمامة؟ يعني مسيلمة فأنزل الله تعالى: ﴿وهم بذكر الرحمن هم كافرون﴾ (الأنبياء، ٣٦) . ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد وبينه بألفاظ قليلة فقال: ﴿قل﴾، أي: يا أكرم الخلق على الله تعالى ﴿إنما أمرت﴾، أي: وقع إليّ الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغيير ممن له الأمر كله ﴿أن أعبد
[ ٢ / ١٦٢ ]
الله﴾، أي: وحده، ولذلك قال: ﴿ولا أشرك به﴾ شيئًا ﴿إليه﴾ وحده ﴿أدعو وإليه مآب﴾، أي: مرجعي للجزاء لا إلى غيره.
﴿وكذلك﴾، أي: كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم ﴿أنزلناه﴾، أي: القرآن ﴿حكمًا﴾ والحكم فصل الأمر على الحق ﴿عربيًا﴾ بلسانك ولسان قومك، وإنما سمي القرآن حكمًا؛ لأنّ فيه جميع التكاليف والحلال والحرام، والنقض والإبرام، فلما كان سببًا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. وروي أنّ المشركين كانوا يدعون النبيّ ﷺ إلى ملة آبائه، فوعده الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب بأن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله تعالى عنها بقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾، أي: الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم ﴿بعد ما جاءك من العلم﴾، أي: بأنك على الحق وأن قبلتك هي الكعبة ﴿ما لك من الله من ولي﴾، أي: ناصر ﴿ولا واق﴾، أي: مانع من عذابه. وقال ابن عباس: الخطاب مع النبيّ ﷺ والمراد أمته. ونزل لما عير الكفار النبيّ ﷺ بكثرة النساء.
﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا﴾، أي: نساء ينكحونهنّ فكان لسليمان امرأة وسرية وكان لداود ﵇ إمرأة ﴿وذرية﴾، أي: أولادًا فأنت مثلهم، وكانوا يقولون أيضًا: لو كان رسولًا من عند الله لكان، أي: شيء طلبناه منه من المعجزات أتى به فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى: ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بأذن الله﴾، أي: بإرادته؛ لأنّ المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر، والعلة وفي إظهار الحجة والبينة، وأمّا الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن لم يشأ لم يظهرها لا اعتراض لأحد عليه في ذلك. ولما توعدهم ﷺ نزول العذاب، وظهور النصرة له ولقومه وتأخر ذلك عنهم قالوا: لو كان نبيًا صادقًا لما ظهر كذبه، فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى ﴿لكل أجل﴾، أي: مدّة ﴿كتاب﴾، أي: مكتوب قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام، والإتيان بالآيات وغيرها إثباتًا ونسخًا على ما تقتضيه الحكمة. ولما اعترضوا على رسول الله ﷺ وقالوا: إنّ محمدًا يأمر أصحابه بأمر اليوم، ثم يأمر بخلافه غدًا، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى:
﴿يمحو الله ما يشاء﴾، أي: محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه ﴿ويثبت﴾ ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقرّه ويمضي حكمه كقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ (البقرة، ١٠٦) إلى قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير﴾ (البقرة، ١٠٦) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بسكون الثاء المثلثة وتخفيف الباء الموحدة، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء الموحدة.
تنبيه: في هذه الآية قولان:
أحدهما أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وهذا مذهب عمر وابن مسعود وغيرهما قالوا: إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليّ الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب، ومثله عن ابن مسعود وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله ﷺ وفي بعض
[ ٢ / ١٦٣ ]
الآثار: أنّ الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيردّ إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيرد إلى ثلاثين سنة. وروي أنّ الله تعالى ينزل، أي: أمره في آخر ثلاث ساعات تبقى من الليل فينظر في الساعة منهنّ في أمّ الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. والقول الثاني أنّ هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض، واختلفوا على هذا القول فقال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض، فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة، واستدل لهذا بما رواه حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكًا فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول الملك: يا رب رزقه فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد ولا ينقص» .
وقال ابن عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله تعالى، ثم يرجع لمعصية الله تعالى، فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو الذي يثبت يعمل الرجل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت. وقال الحسن: يمحو ما يشاء، أي: من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجيء أجله إلى أجله. وعن سعيد بن جبير قال: يمحو ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات كما قال تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ . (الفرقان، ٧٠) وقال السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت ما يشاء يعني الشمس بيانه قوله تعالى: ﴿فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ (الإسراء، ١٢) . وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله تعالى عند النوم، فمن أراد موته أمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته وردّه إلى صاحبه بيانه قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (الزمر، ٤٢) الآية. وقيل إنّ الله تعالى يثبت في أوّل كل سنة حكمها، فإذا مضت السنة محاه، وأثبت حكمًا آخر للسنة المستقبلة. وقيل: يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة.
وقيل: إنّ الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.
وقيل: هذا في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب، ثم يمحوها بالدعاء والصدقة ﴿وعنده﴾ تعالى ﴿أمّ الكتاب﴾ أصل الكتب والعرب تسمى كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمّا، ومنه أمّ الرأس للدماغ، وأمّ القرى، وكل مدينة فهي أمّ لما حولها من القرى فكذلك أمّ الكتاب هو الذي يكون أصلًا لجميع الكتب، وفيه قولان: الأوّل: أنه اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدّل وجميع حوادث العالم العلوي والسفلي يثبت فيه. روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة» .
والقول الثاني: أنّ أمّ الكتاب أصله الذي لا يغير منه شيء وهو الذي كتب في الأزل. وقال ابن عباس في رواية عكرمة: هما كتابان كتاب سوى أمّ الكتاب يمحو ما يشاء منه ويثبت وعنده أمّ الكتاب لا يغير منه شيء، وعلى هذا فالكتاب الذي يمحو منه ويثبت هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق. وعن ابن
[ ٢ / ١٦٤ ]
عباس قال: إنّ لله لوحًا محفوظًا مسيرته خمسمائة عام من درّة بيضاء له دفتان من ياقوتة لله فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب. وسأل ابن عباس كعبًا عن أمّ الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه. ولما كان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك البعض وإثباته ليؤمن به غيره تقريبًا لفصل النزاع قال تعالى:
﴿وإما نرينك﴾ يا محمد وأكده بتأكيد للإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلال من ضل بعد إبلاغه ﴿بعض الذي نعدهم﴾، أي: من العذاب وأنت حيّ مما تريد، أو تريد أصحابك قبل وفاتك فذلك شافيك من أعدائك، والوعد الخبر عن خير مضمون، والوعيد الخبر عن شر مضمون والمعنى عليه وسماه وعدًا لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد ﴿أو نتوفينك﴾، أي: قبل أن نرينك ذلك فلا لوم عليك ولا عتب ﴿فإنما عليك البلاغ﴾، أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم، وليس عليك أن تجازيهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات، والبلاغ، اسم أقيم مقام التبليغ، وأمّا فيه إدغام نون أن الشرطية في ما الزائدة. ﴿وعلينا الحساب﴾، أي: علينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم، فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم.
تنبيه: قال أبو حيان: هنا شرطان؛ لأنّ المعطوف على الشرط شرط، فيقدّر لكل شرط، ما يناسب أن يكون جزاء مرتبًا عليه والتقدير: وإمّا نرينك بعض الذي نعدهم، فذلك شافيك من أعدائك، وإمّا نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك ولما وعد الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأن يريه بعض ما يعده أو يتوفاه قبل ذلك بين تعالى آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت بقوله تعالى:
﴿أو لم يروا﴾، أي: كفار مكة ﴿أنّا نأت الأرض﴾، أي: نقصد أرض هؤلاء الكفرة ﴿ننقصها من أطرافها﴾ بما يفتح الله تعالى على المسلمين من ديار الشرك أرضًا بعد أرض حوالي أرضهم، هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة. وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة قال: هو قبض الناس. وعن الشعبي مثله، وعطاء وجماعة نقصانها موت العلماء وذهاب الفقهاء، ويؤيد هذا ما رواه عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . وقال الحسن: قال عبد الله بن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله. وقال عليّ: إنما مثل الفقهاء كمثل الأنف إذا قطعت لم تعد. وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأوّل حتى يتعلم الآخر، وإذا هلك الأوّل قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم، ثم أثبت تعالى لنفسه أمرًا كليًا فقال: ﴿والله﴾، أي: الملك الأعلى. ﴿يحكم﴾ في خلقه بما يريد؛ لأنه ﴿لا معقب﴾، أي: راد؛ لأنّ التعقيب ردّ الشيء بعد فصله ﴿لحكمه﴾ وقد حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره.
تنبيه: محل جملة لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذًا حكمه كما تقول: جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة تريد حاسرًا ﴿وهو﴾ عز
[ ٢ / ١٦٥ ]
وجل مع تمام القدرة ﴿سريع الحساب﴾ فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. وقال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني: حسابه للمجازاة بالخير والشرّ، فمجازاة الكفار بالإنتقام منهم، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدّم الكلام في معنى سريع الحساب قبل هذا. وقوله تعالى:
﴿وقد مكر الذين من قبلهم﴾، أي: من كفار الأمم الماضية قيل: مكروا بأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى واليهود مكروا بعيسى فيه تسلية للنبيّ ﷺ وقوله تعالى: ﴿فلله المكر جميعًا﴾، أي: أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه وإرادته؛ لأنه تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، فالمكر لا يضرّ إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره، فيه أمان له ﷺ من مكرهم، فكأنه قيل: إذا كان حدوث المكر من الله تعالى وتأثيره في الممكور به من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى لا من أحد من المخلوقين، وذهب بعض المفسرين إلى أنّ المعنى: فلله جزاء المكر، وذلك أنهم لما مكروا بالمؤمنين بيّن الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم. قال الواحدي: والأوّل أظهر القولين بدليل قوله تعالى:
﴿يعلم ما تكسب كل نفس﴾، أي: أنّ أكساب العباد معلومة لله تعالى، وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك، فلا قدرة لعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله فيجازيهم على أعمالهم، وفي ذلك وعيد وتهديد للكفار الماكرين، ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد بقوله تعالى: ﴿وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار﴾، أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبيّ ﷺ وأصحابه؟ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف بعد الكاف على الإفراد والكاف مفتوحة والفاء مكسورة مخففة، والباقون بالألف بعد الفاء على الجمع، فالكاف مضمومة والفاء مفتوحة مشدّدة، فمن قرأ بالإفراد أراد الجنس كقوله تعالى: ﴿إنّ الإنسان لفي خسر﴾ (العصر، ٢) ليوافق قراءة الجمع. وقال عطاء: المستهزؤون وهم خمسة والمقتسمون وهم ثمانية وعشرون. وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. قال الرازي: والأوّل هو الصواب، أي: ليوافق قراءة الجمع كما مرّ. ولما تقدّم قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ (الرعد، ٧) عطف عليه بعد شرح ما استتبعه قوله تعالى:
﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا﴾، أي: لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه ﷺ لم يقل يومًا: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿كفى بالله﴾ الذي له الإحاطة الكاملة ﴿شهيدًا﴾، أي: بليغ العلم في شهادته بالإطلاع على ما ظهر وما بطن ﴿بيني وبينكم﴾ يشهد بتأييد رسالتي، وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية، وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب ويشهد بتكذيبهم بادعائكم القدرة على المعارضة، وترككم لها عجزًا، وهذا أعلى مراتب الشهادة؛ لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظنّ بأن الأمر كما شهد به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولًا من عند الله، واختلف في قوله تعالى: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ فروى العوفي عن ابن عباس أنهم علماء اليهود والنصارى، أي: أنّ كل من كان عالمًا من اليهود بالتوراة، ومن النصارى بالإنجيل علم أنّ محمدًا ﷺ مرسل من عند الله لما يجد من الدلائل الدالة على نبوّته فيها شهد بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم.n
والثاني:
[ ٢ / ١٦٦ ]
أنّ المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا، وهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري. وقال الحسن ومجاهد والزجاج وسعيد بن جبير: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ هو الله تعالى. قال الحسن: لا والله لا يعني إلا الله، والمعنى كفى بالله الذي يستحق العبادة، وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيني وبينكم، وهذا أظهر كما استظهره البقاعي، وإن كان عطف الصفة على الموصوف خلاف الأصل إذ يقال: شهد بهذا زيد الفقيه، لا زيد والفقيه؛ لأنه جائز في الجملة، وقيل: معناه: أن علم أنّ القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب وعن الأمم الماضية فمن علمه بهذه الصفة كان شهيدًا بيني وبينكم والله أعلم بمراده. وما رواه البيضاويّ تبعًا للزمخشريّ وتبعهما ابن عادل من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله» حديث موضوع.