مكية إلا قوله والشعراء إلى آخرها فمدنية وهي مائتان وست وعشرون آية وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة وخمسة آلاف وخمسمائة وإثنان وأربعون حرفًا
روى البغويّ عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ قال أعطيت طه والطواسين من ألواح موسى.
﵇ ﴿بسم الله﴾ الذي دلّ علوّ كلامه على عظمة شأنه وعز مرامه ﴿الرحمن﴾ الذي لا يعجل على من عصاه ﴿الرحيم﴾ الذي يحي قلوب أهل ودّه بالتوفيق لما يرضاه.
﴿طسم﴾ قال ابن عباس: عجزت العلماء عن علم تفسيرها، وفي رواية عنه: أنه قسم وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن وقال مجاهد اسم السورة، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم بطوله وسناه وملكه، ولهذا الاختلاف قال الجلال المحلي: الله أعلم بمراده بذلك، وقد قدمنا الكلام على أوائل السور في أول سورة البقرة وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بإمالة الطاء، والباقون بالفتح، وأظهر حمزة النون من سين عن الميم، وأدغمها الباقون وهي في مصحف عبد الله بن مسعود ط س م مقطوعة من بعضها.
﴿تلك﴾ أي: هذه الآيات العالية المرام الحائزة أعلى مراتب التمام المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات ألسنتكم ﴿آيات الكتاب﴾ أي: القرآن الجامع لكل فرقان ﴿المبين﴾ أي: الظاهر إعجازه المظهر الحق من الباطل ولما كان عنده ﷺ من مزيد الشفقة وعظيم الرحمة على قومه قال تعالى تسلية له.
﴿لعلك باخع﴾ أي: هالك ﴿نفسك﴾ غمًا وأسفًا من أجل
[ ٣ / ٢ ]
﴿ألا يكونوا﴾ أي: قومك ﴿مؤمنين﴾ أي: راسخين في الإيمان أي: لا تبالغ في الحزن والأسف فإن هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ ولو شئنا لهديناهم طوعًا أو كرهًا. والبخع: أن يبلغ بالذبح البخاع بالخاء والباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذابح. ولعل: للإشفاق أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إيمان قومك فصبره وعزاه وعرفه أن حزنه وغمه لا ينفع كما أن وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع، ثم إنه تعالى أعلمه بأن كل ما هم فيه إنما هو بإرادته بقوله تعالى:
﴿إن نشأ ننزل عليهم﴾ وعبر بالمضارع فيهما إعلامًا بدوام القدرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون الثانية وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، ثم قال تعالى محققًا للمراد ﴿من السماء﴾ أي: التي جعلنا فيها بروجًا للمنافع، وأشار إلى تمام القدرة بتوحيدها بقوله تعالى: ﴿آية﴾ أي: قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه.
تنبيه: هنا همزتان مختلفتان، أبدل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة الثانية المفتوحة بعد المكسورة ياء خالصة، وحققها الباقون. ثم أشار تعالى إلى تحقق هذه الآية بالتعبير بالماضي في قوله تعالى عطفًا على ننزل لأنه في معنى أنزلنا ﴿فظلت﴾ أي: عقب الإنزال من غير مهلة ﴿أعناقهم﴾ أي: التي هي موضع الصلابة وعنها تنشأ حركات الكبر والإعراض ﴿لها خاضعين﴾ أي: منقادين.
تنبيه: خاضعين: خبر عن أعناقهم، واستشكل جمعه جمع سلامة لأنه مختص بالعقلاء؟ وأجيب عنه بأوجه: أحدها: أن المراد بالأعناق رؤساءهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال لهم الرؤوس والنواصي والصدور، قال القائل:
*في محفل من رؤوس الناس مشهود*
ثانيها: أنه على حذف مضاف أي: فظل أصحاب الأعناق ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل الحذف المخبر عنه مراعاة للمحذوف.
ثالثها: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم كما يكتسب التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله:
*كما شرقت صدر القناة من الدم*
رابعها: قال الزمخشري: أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهبت أهل اليمامة كأن الأهل غير مذكور، ونوزع في التنظير لأنّ أهل ليس مقحمًا البتة لأنه المقصود بالحكم.
خامسها: أنها عوملت معاملة العقلاء، كقوله تعالى: ﴿ساجدين﴾ (يوسف، ٤) ﴿وطائعين﴾ (فصلت، ١١) في يوسف والسجدة، وقيل إنما قال تعالى: ﴿خاضعين﴾ لموافقة رؤوس الآي لتكون على نسق واحد.
﴿وما يأتيهم﴾ أي: الكفار ﴿من ذكر﴾ أي: موعظة أو طائفة من القرآن يذكروننا به فيكون سبب ذكرهم وشرفهم ﴿من الرحمن﴾ أي: الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم ﴿محدث﴾ أي: بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به وأشار تعالى إلى دوام كبرهم بقوله تعالى: ﴿إلا كانوا عنه معرضين﴾ أي: إعراضًا هو صفة لهم لازمة، ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال تعالى.
﴿فقد﴾ أي: فتسبب عن هذا الفعل منهم أنه قد ﴿كذبوا﴾ أي: بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمنًا في قوله تعالى: ﴿وسيأتيهم﴾ أي: إذا مسهم عذاب الله تعالى يوم بدر ويوم القيامة ﴿أنباء﴾ أي: عظيم أخبار
[ ٣ / ٣ ]
وعواقب ﴿ما﴾ أي: العذاب الذي ﴿كانوا به يستهزؤن﴾ أي: يهزؤون من أنه كان حقًا أو باطلًا وكان حقيقًا بأن يصدق ويعظم أمره أو يكذب فيستخف أمره.
ثم قال تعالى: معجبًا منهم.
﴿أو لم يروا إلى الأرض﴾ أي: على سعتها واختلاف نواحيها، ونبه على كثرة ما صنع من جميع الأصناف بقوله تعالى: ﴿كم أنبتنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات فيها ﴿من كل زوج﴾ أي: صنف متشاكل بعضه لبعض فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه ﴿كريم﴾ أي: كثير المنافع محمود العواقب وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى وهو ضدّ اللئيم، وههنا يحتمل معنيين أحدهما: النبات على نوعين: نافع وضار فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وخلى ذكر الضار، والثاني: أن يعم جميع النبات نافعه وضاره ويصفهما جميعًا بالكرم وينبه على أنه تعالى ما أنبت شيأً إلا فيه فائدة، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلًا إلا لحكمة بالغةٍ وإن غفل عنها الغافلون ولم يتصل إلى معرفتها العاقلون، ولما كان ذلك باهرًا للعقل منبهًا له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه وبديع اختياره، وصل به قوله تعالى:
﴿إنّ في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم ﴿لآية﴾ أي: دلالة على كمال قدرته تعالى، فإن قيل: حين ذكر الأزواج دل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال إنّ في ذلك لآية؟ وهلا قال لآيات؟ أجيب بوجهين: أحدهما: أن يكون ذلك مشارًا به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال: إنّ في ذلك الإنبات لآية، ثانيهما: أن يراد أنّ في كل واحد من تلك الأزواج لآية ﴿و﴾ الحال أنه ﴿ما كان أكثرهم﴾ أي: البشر ﴿مؤمنين﴾ في علم الله تعالى وقضائه فلذلك لا ينفعهم مثل هذه الآيات العظام، وقال سيبويه: كان زائدة
﴿وإن﴾ أي: والحال أنّ ﴿ربك﴾ أي: الذي أحسن إليك بالإرسال وسخر لك قلوب الأصفياء وزوى عنك اللد والأشقياء ﴿لهو العزيز﴾ أي: ذو العزة ينتقم من الكافرين ﴿الرحيم﴾ يرحم المؤمنين، ولما كان مع ما ذكر في ذكر القصص تسلية لنبينا ﷺ فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب وكان موسى ﵇ قد اختص بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى بمثلها أحد قبله، بدأ بذكره فقال تعالى:
﴿وإذ﴾ أي: واذكر إذ ﴿نادى ربك﴾ أي: المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به في هذه الدار، ثم ذكر المنادى بقوله تعالى: ﴿موسى﴾ أي: حين رأى الشجرة والنار، واختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى ﵇ أهو الكلام القديم أو صوت من الأصوات؟.
قال أبو الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه: هو الكلام القديم فكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دال على أنها معلومة ومرئية في الآخرة من غير كيف ولا جهة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع أنه مسموع.
وقال الماتريدي: هو من جنس الحروف والأصوات، وأما المعتزلة: فقد اتفقوا على أن ذلك النداء كان بحروف وأصوات علم به موسى من قبل الله تعالى فصار معجزًا علم به موسى أن الله تعالى مخاطبًا له فلم يحتج مع ذلك لواسطة، ثم ذكر تعالى ما له النداء بقوله تعالى: ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿أئت القوم﴾ أي: الذين فيهم قوة وأيًّ قوة ﴿الظالمين﴾ رسولًا، ووصفهم بالظلم لكفرهم،
[ ٣ / ٤ ]
واستبعادهم بني إسرائيل وذبح أولادهم وقوله تعالى:
﴿قوم فرعون﴾ أي: معه بدل أو عطف بيان للقوم الظالمين، وقوله تعالى: ﴿ألا يتقون﴾ استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار تعجبًا من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم لم يقبل.
﴿قال رب﴾ أي: أيها الرفيق بي ﴿إني أخاف أن يكذبون﴾ أي: فلا يترتب على إتياني إليهم أثر فاجعل لي قبولًا ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون.
﴿ويضيق صدري﴾ من تكذيبهم لي ﴿ولا ينطلق لساني﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه بواسطة تلك الجمرة التي لذعته في الطفولية ﴿فأرسل﴾ أي: فتسبب عن ذلك الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر طلب الإرسال ﴿إلى هارون﴾ أخي ليكون لي عضدًا على ما أمضي له من الرسالة، فيحتمل أن تكون تلك العقدة باقية عند الرسالة، وأن تكون قد زالت عند الدعوة، ولكن لا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال، وهارون كان بتلك الصفة فأراد أن يقرن به، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا﴾ (القصص: ٣٤)
ومعنى فأرسل إلى هارون: أرسل إليه جبريل واجعله نبيًا وأزرني به واشدد به عضدي، وهذا الكلام مختصر وقد بسطه في غير هذا الموضع وقد أحسن في الاختصار حيث قال: ﴿فأرسل إلى هارون﴾ فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء، ومثله في تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى: ﴿فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرًا﴾ (الفرقان، ٣٦)
حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها وهما الإنذار والتدمير، ودل بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم.
فإن قيل: كيف ساغ لموسى ﵇ أن يأمره ربه بأمر فلا يقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل، وقد علم أن الله تعالى عليم بحاله؟ أجيب: بأنه قد امتثل وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته فمهد قبل التماسه عذرًا فيما التمسه ثم التمس بعد ذلك، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر ولا بتعلل فيه، وكفى بطلب العون دليلًا على التقبل لا على التعلل، ثم زاد في الاعتذار في طلب العون خوفًا من أن يقتل قبل تبليغ الرسالة بقوله:
﴿ولهم علي ذنب﴾ أي: تبعه ذنب فحذف المضاف، أو سمى باسمه كما يسمى جزاء السيئة سيئة وهو قتله القبطي وسماه ذنبًا على زعمهم، وهذا اختصار قصته المبسوطة في مواضع. ﴿فأخاف﴾ بسبب ذلك ﴿أن يقتلون﴾ أي: يقتلونني به.
﴿قال﴾ الله تعالى ﴿كلا﴾ أي: ارتدع عن هذا الكلام فإنه لا يكون شيءُ، مما خفت لا قتل ولا غيره، وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام عليه من الصدق من البراهين المقوية لصاحبها الشارحة لصدره العلية لأمره عدّ عدمًا، وقد أجبناك إلى الإعانة بأخيك.
﴿فاذهبا﴾ أي: أنت وأخوك متعاضدين إلى ما أمرتك به مؤيدين ﴿بآياتنا﴾ الدالة على صدقكما.
تنبيه: ﴿فاذهبا﴾ عطف على ما دلّ عليه حرف الردع من الفعل كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك بآياتنا ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة
[ ٣ / ٥ ]
﴿معكم مستمعون﴾ أي: سامعون لأنه تعالى لا يوصف بالمستمع على الحقيقة لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية، ومنه قوله تعالى: ﴿قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبًا﴾ (الجن، ١)
ويقال استمع إلى حديثه وسمع حديثه: أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع، ومنه قوله ﵊: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه البرم» وهو الكحل المذاب ويروى: البيرم وهو بزيادة الياء، فإن قيل: لم قال معكم بلفظ الجمع وهما اثنان؟ أجيب: بأنه تعالى أجراهما مجرى الجمع تعظيمًا لهما، أو معكما ومع بني إسرائيل يسمع ما يجيبكم فروعون.
﴿فأتيا﴾ أي: فتسبب عن ذهاب ما ذكرت بالحراسة والحفظة أني أقول لكما ائتيا ﴿فرعون﴾ نفسه وإن عظمت مملكته وجلت جنوده ﴿فقولا﴾ أي: ساعة وصولكما له ولمن عنده ﴿إنا رسول رب العالمين﴾ أي: المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم مصالحهم، فإن قيل: هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله تعالى: ﴿إنا رسولا ربك﴾؟ (طه، ٤٧) أجيب: بأن الرسول يكون بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته، وأما ههنا فهو إما لأنه مصدر بمعنى الرسالة والمصدر يوحد ومن مجيء رسول بمعنى الرسالة قوله:
*لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسرّ ولا أرسلتهم برسول*
أي: برسالة، والواشون الساعون بالكذب عند ظالم وما فهت بمعنى ما تكلمت، وإما لأنهما ذوا شريعة واحدة فنزلا منزلة رسول، وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما فصارا كالشيئين المتلازمين كالعينين واليدين، وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع تقول العرب هذا رسولي ووكيلي وهذان رسولي ووكيلي وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال تعالى: ﴿وهم لكم عدوّ﴾ (الكهف: ٥٠)، ثم ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبرًا بأداة التفسير، لأنّ الرسول فيه بمعنى الرسالة التي تتضمن القول.
﴿أن﴾ أي: بأن ﴿أرسل﴾ أي: خل وأطلق، وأعاد الضمير على معنى رسول فقال ﴿معنا بني إسرائيل﴾ أي: قومنا الذين استعبدتهم ظلمًا ولا سبيل لك عليهم نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله تعالى بها على ألسنة الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة والسلام، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفًا، ويروى أن موسى رجع مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصاه ومكتل معلق في رأس العصا وفيه زاده فدخل داره نفسه وأخبر هارون بأن الله تعالى أرسلني إلى فرعون وأرسل إليك حتى ندعو فرعون إلى الله تعالى، فخرجت أمهما وصاحت، وقالت إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع بقولها: وذهبا إلى باب فرعون ليلًا ودقا الباب ففزع البوابون وقالوا من بالباب، وروي أن البواب اطلع عليهما وقال من بالباب ومن أنتما؟ فقال موسى أنا رسول رب العالمين فذهب البواب إلى فرعون وقال إن مجنونًا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين فقال فرعون ائذن له لعلنا نضحك منه، وقيل: لم يؤذن لهما إلى سنة فدخلا عليه وأديا رسالة الله ﷿ فعرف فرعون موسى لأنه نشأ في بيته فلما عرفه.
﴿قال﴾ له منكرًا عليه ﴿ألم نربك﴾ حذف، فأتيا فرعون فقالا له ذلك لأنه معلوم لا يشتبه وهذا النوع من الاختصار كثير في القرآن
[ ٣ / ٦ ]
﴿فينا﴾ أي: في منازلنا ﴿وليدًا﴾ أي: صغيرًا قريبًا من الولادة بعد فطامه ﴿ولبثت فينا﴾ أي: في عزنا باعتبار انقطاعك إلينا وتعززك بنا ﴿من عمرك سنين﴾ ثلاثين سنة فما لنا عليك من الحق ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا، وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدّة مقامه عنده بأنها كانت نكدة لأنه وقع فيما كان يخافه وفاته ما كان يحتاط به من ذبح الأطفال، وكان موسى يلبس من ملابس فرعون ويركب من مراكبه وكان يسمى ابنه، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء، والباقون بالإدغام، ولما ذكره ما يحمله على الحياء منه ذكره ذنبًا يخاف من عاقبته فقال مهولًا له بالكناية.
﴿وفعلت فعلتك﴾ أي: من قتل القبطي، ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيرًا إلى أنه عامله بالحلم تخجيلًا له فقال ﴿التي فعلت وأنت﴾ أي: والحال أنك ﴿من الكافرين﴾ قال الحسن والسدي من الكافرين بإلهك ومعناه: على ديننا هذا الذي تعيبه، وقال أكثر المفسرين أي: الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد يقول ربيناك فكافأتنا أن قتلت منا نفسًا وكفرت بنعمتنا وهذا رواية العوفي عن ابن عباس: وقال إنّ فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية.
﴿قال﴾ له موسى مجيبًا على طريقة النشر المشوش واثقًا بوعد الله تعالى بالسلامة ﴿فعلتها إذًا﴾ أي: إذ قتلته ﴿وأنا من الضالين﴾ أي: من الجاهلين بأنّ ذلك يؤدّي إلى قتله، أو المخطئين كمن يقتل خطأً من غير تعمد للقتل. قال ابن جرير: والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال. وقيل: لا أعرف ذنبًا فأنا واثق من كل جهة حتى يوجهني ربي إلى ما شاء.
﴿ففررت﴾ أي: فتسبب عن فعلها أني فررت ﴿منكم﴾ أي: منك لسطوتك ومن قومك لإغرائهم إياك عليّ ﴿لما خفتكم﴾ على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته خطأً وأنا ابن اثنتي عشرة سنة مع كونه كافرًا مهدر الدم ﴿فوهب لي ربي﴾ الذي أحسن إليّ بتربيتي عندكم تحت كنف أمي آمنة عليّ مما أحدثتم من الظلم ﴿حكمًا﴾ أي: علمًا وفهمًا، وقيل نبوّة ﴿وجعلني من المرسلين﴾ أي: فاجهد الآن جهدك فإني لا أخافك لقتل ولا غيره، ولما اجتمع في كلام فرعون منّ وتعيير، بدأه بجوابه عن التعيير ولأنه الأخير فكان أقرب ولأنه أهم، وهو معنى ما تقدم من أنه على طريقة النشر المشوش بأن يبدأ بالأخير قبل الأوّل، ولهذا كرّ على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله موبخًا له مبكتًا منكرًا عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالًا في القول وإحسانًا في الخطاب وأبى أن تسمى نعمته إلا نقمة بقوله:
﴿وتلك﴾ أي: التربية الشنيعة العظيمة في الشناعة التي ذكرتنيها ﴿نعمة تمنها عليّ أن عبدت﴾ أي: تعبيدك وتذليلك قومي ﴿بني إسرائيل﴾ أي: جعلتهم عبيدًا ظلمًا وعدوانًا وهم أبناء الأنبياء ولسلفهم يوسف ﵇ عليكم من المنة بإحياء نفوسكم أولًا وعتق رقابكم ثانيًا، ما لا تقدرون له على جزاء أصلًا ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستعبد فأمرت بقتل أبناءهم فكان ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك، ولو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليمّ فكيف تمن عليّ بذلك؟ وقيل: معناه إنك تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في تربيته. وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إنّ الذي
[ ٣ / ٧ ]
تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا منة لك عليّ لأنّ التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم وهذا ما يعد إنعامًا.
فإن قيل: لم جمع الضمير في منكم وخفتكم مع إفراده في تمنها وعبدت؟ أجيب: بأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، كما مرّت الإشارة إليه بدليل قوله تعالى: ﴿إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ (القصص: ٢٠)
وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد، ولما قال له بوابه إنّ ههنا من يزعم أنه رسول رب العالمين وأدخله عليه.
﴿قال﴾ له ﴿فرعون﴾ عند دخوله حائدًا عن جوابه منكرًا لخالقه على سبيل التجاهل كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهم أعرف الناس بغالب أفعاله كما كان فرعون يعرف لقول موسى ﵊ ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر﴾ (الإسراء: ١٠٢)
﴿وما ربّ العالمين﴾ أي: الذي زعمتما أنكما رسوله وإنما أتى بما دون من لأنها يسأل بها عن طلب الماهية كقولك ما العنقاء، ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته عدل موسى ﵇ إلى جواب ممكن فأجاب بصفاته تعالى، كما قال تعالى إخبارًا عنه:
﴿قال رب﴾ أي: خالق ومبدع ومدبر ﴿السموات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ وإن تباعدت أجرامها بعضها من بعض ﴿وما بينهما﴾ أي: بين السموات والأرض فأعاد ضمير التثنية على جمعين اعتبارًا بالجنسين وخصه بهذه الصفات لأنها أظهر خواصه وآثاره وفيه إبطال لدعواه أنه إله، ومعنى قوله ﴿إن كنتم موقنين﴾ أي: إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدّي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ينفع، أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وإنارة دليله، ولما ذكر موسى ﵇ هذا الجواب الحق.
﴿قال﴾ فرعون ﴿لمن حوله﴾ من أشراف قومه، قال ابن عباس: وكانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة وكانت للملوك خاصة ﴿ألا تستمعون﴾ جوابه الذي لم يطابق السؤال، سألته عن حقيقته وهو يجيبني بالفاعلية، ولما كان يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذاتها فهي غنية عن الخالق.
﴿قال﴾ لهم موسى زيادة في البيان ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقًا لهم ولآبائهم، إذ لا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم لأنّ المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجبًا لذاته واستحال وجوده إلا بالمؤثر فكان التعريف بهذا الأثر أظهر ولكن فرعون لم يكتف بذلك ولهذا.
﴿قال إنّ رسولكم﴾ على طريق التهكم إشارة إلى أنّ الرسول ينبغي أن يكون أعقل الناس ثم زاد الأمر بقوله: ﴿الذي أرسل إليكم﴾ أي: وأنتم أعقل الناس ﴿لمجنون﴾ لا يفهم السؤال فضلًا عن أن يجيب عنه، فكيف يصلح للرسالة من الملوك؟ فلما قال ذلك عدل موسى ج إلى طريق ثالث أوضح من الثاني بأن.
﴿قال رب المشرق والمغرب﴾ أي: الشروق والغروب ووقتهما وموضعهما ﴿وما بينهما﴾ من المخلوقات لأنّ التدبير المستمرّ على هذا الوجه العجيب لا يتمّ إلا بتدبير مدبر قادر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم ﵊ مع نمروذ، فإنه
[ ٣ / ٨ ]
استدل أولًا بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكر موسى عليه الصلاة السلام بقوله: ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ فأجابه نمروذ ﴿أنا أحي وأميت﴾ (البقرة: ٢٢٨)
فقال ﴿إنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر﴾ (البقرة: ٢٥٨)
وهو الذي ذكره موسى ج بقوله: ﴿رب المشرق والمغرب﴾ وأما قوله: ﴿إن كنتم تعقلون﴾ فكأنه ج قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لك، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فمن كان عاقلًا يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته لك، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق وعدل إلى التخويف بأن.
﴿قال لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ أي: واحدًا ممن هم في سجني على ما تعلم من حالي في اقتداري ومن سجوني وفظاعتها، ومن حال من فيها من شدّة الحصر والغلظ في الحجر. قال الكلبي: كان سجنه أشدّ من القتل لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق وحده لا يسمع ولا يبصر فيها شيئًا، وقرأ ابن كثير وحفص وعاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام، ثم ذكر موسى ج كلامًا مجملًا ليعلق فرعون قلبه به فيعدل عن وعيده، بأن.
﴿قال﴾ مدافعًا بالتي هي أحسن إرخاء للعنان لإزادة البيان معنىً لا يبقى معه عذر ولا نسيان، لأنّ من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف والرجوع إلى الحق والاعتراف ﴿أولو﴾ أي: أتسجنني ولو ﴿جئتك بشيءٍ مبين﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بشيء بدليلين يدلان على وجود الله تعالى وعلى أني رسوله فعند ذلك.
﴿قال﴾ طمعًا في أن يجد موضعًا للتكذيب أو التلبيس ﴿فأت به﴾ أي: تسبب عن قولك هذا أني أقول ائت بذلك الشيء ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي: فيما ادعيت من الرسالة.
تنبيه: الواو في أولو جئتك واو الحال وليتها الهمزة بعد حذف الفعل كما علم من التقرير، فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأوّل وهو قوله أولو جئتك بشيء مبين أي: بآية بينة والمعجز لا يدل على ذلك كدلالة سائر ما تقدم؟ أجيب: بأنه يدل بما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه ما تقدم.
﴿فألقى﴾ أي: فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى موسى ﴿عصاه﴾ التي تقدم في غير سورة أنّ الله تعالى أراه إياها ولم يصرّح باسمه اكتفاء بضميره لأنه غير ملتبس ﴿فإذا هي ثعبان﴾ أي: حية في غاية الكبر ﴿مبين﴾ أي: ظاهر ثعبانيته، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت إلى السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون أسألك بالذي أرسلك إلا ما أخذتها فأخذها فعادت عصا، فإن قيل: كيف قال هنا ﴿ثعبان مبين﴾ وفي آية أخرى ﴿فإذا هي حية تسعى﴾ (طه: ٢٠)
وفي آية ثالثة ﴿كأنها جان﴾ (النمل: ١٠)
والجان مائل إلى الصغر والثعبان إلى الكبر؟ أجيب: بأن الحية اسم الجنس ثم لكبرها صارت ثعبانًا، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى: ﴿والجانّ خلقناه من قبل من نار السموم﴾ (الحجر: ٢٧)
ويحتمل أنها كانت صغيرة
[ ٣ / ٩ ]
كالجان ثم عظمت فصارت ثعبانًا، ثم إنّ موسى ج لما أراه آية العصا قال فرعون هل غيرها قال: نعم.
﴿ونزع يده﴾ أي: التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون، وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجزوا عن إبرائها نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه ﴿فإذا هي﴾ بعد النزع ﴿بيضاء للناظرين﴾ يضيء الوادي من شدّة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر ويسدّ الأفق، فعند هذا أراد فرعون لعمية هذه الحجة على قومه فذكر أمورًا أوّلها أن.
﴿قال للملأ حوله﴾ لما وضح له الأمر يمّوه على عقولهم: خوفًا من إيمانهم ﴿إنّ هذا لساحر عليم﴾ أي: شديد المعرفة بالسحر، حوله: حال من الملأ ومفعول القول، قوله: ﴿إن هذا لساحر عليم﴾ ولما أوقعهم بما جبلهم به أحماهم لأنفسهم فقال ملغيًا لجلباب الإلهية لما قهره من سلطان المعجزة.
﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم﴾ أي: هذه التي هي قوامكم ﴿بسحره﴾ أي: بسبب ما أتى به، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد، ثم قال لقومه الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم، ما دل على أنه حارت قواه فحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه لما استولى عليه من الدهش والحيرة حتى جعل نفسه مأمورًا بعد أن كان يدعي كونه آمرًا بل إلهًا قادرًا ﴿فماذا تأمرون﴾ أي: في مدافعته عما يريد بنا.
﴿قالوا﴾ أي: الملأ الذين كانوا حوله ﴿أرجه وأخاه﴾ أي: أخر أمرهما ومناظرتهما إلى اجتماع السحرة، ولم يأمر بقتلهما ولا بما يقاربه، فسبحان من يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير خالقه. وقرأ قالون بغير همز واختلاس كسرة الهاء، وورش والكسائي بغير همز وإشباع حركة كسرة الهاء، وابن كثير وهشام بالهمزة الساكنة وصلة الهاء مضمومة، وأبو عمرو بالهمزة وضم الهاء مقصورة، وابن ذكوان بالهمزة وكسر الهاء مقصورة، وعاصم وحمزة بغير همز وإسكان الهاء ﴿وابعث في المدائن حاشرين﴾ أي: رجالًا يحشرون السحرة، وأصل الحشر: الجمع بكره، وقيل: إنّ فرعون أراد قتل موسى فقالوا له لا تفعل فإنك إن تقتله دخلت الناس شبهة في أمره، ولكن أخره واجمع له سحرة ليقاوموه ولا يثبت له عليك حجة، وعارضوا قوله ﴿إنّ هذا الساحر عليم﴾ (الأعراف: ١٠٩)
بقولهم:
﴿يأتوك بكل سحار﴾ أي: بليغ في السحر، فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغة المبالغة ليطمأنوا من نفسه ويسكنوا من بعض قلقه ﴿عليم﴾ أي: متناه في العلم به بعدما تناهى في السحرية، وعبر بالبناء للمفعول في قوله.
﴿فجمع السحرة﴾ إشارة إلى عظمة ملكه، أي: بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة ﴿لميقات يوم معلوم﴾ أي: في زمانه ومكانه وهو ضحى يوم الزينة كما مرّ في طه، وعن ابن عباس: وافق يوم السبت من أول يوم من سنتهم وهو يوم النيروز.
﴿وقيل﴾ أي: يقول من يقبل لكونه عن فرعون ﴿للناس﴾ أي: عامّة وقوله ﴿هل أنتم مجتمعون﴾ فيه استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم واستحثاثهم كما يقول الرجل لغلامه هل أنت منطلق إذا أراد أن يحرك منه ويحثه على الانطلاق، كأنما يخيل له أنّ الناس قد انطلقوا وهو واقف، ومنه قول تأبط شرًا، اسم شاعر:
[ ٣ / ١٠ ]
*هل أنت باعث دينار لحاجتنا أو عبد رب أخا عون بن مخراق*
أي: هل أنت حث على إرسال دينار أو عبد رب، اسمي رجلين، والثاني منصوب على محل الأوّل، وأخا عون منادى أو عطف بيان له، وعليه اقتصر الكشاف.
﴿لعلنا نتبع السحرة﴾ أي: في دينهم ﴿إن كانوا هم الغالبين﴾ أي: لموسى في دينه ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض الكلي أن لا يتبعوا موسى فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى، وقيل: أرادوا بالسحرة موسى وهارون وقالوا ذلك على طريق الاستهزاء وعبر بالفاء في قوله:
﴿فلما جاء السحرة﴾ أي: الذين كانوا في جميع بلاد مصر إيذانًا بسرعة حشرهم لضخامة ملكه ووفور عظمته ﴿قالوا لفرعون﴾ مشترطين الأجر في حال الحاجة إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد ومجاز القصد ﴿آئن لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين﴾ موسى، وأتوا بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفًا له بأنه إن لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له.
﴿قال﴾ مجيبًا إلى ما سألوا ﴿نعم﴾ لكم ذلك، وقرأ الكسائي بكسر العين، والباقون بالفتح وزادهم بما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكدًا بقوله ﴿وإنكم إذًا﴾ أي: إذا غلبتم ﴿لمن المقربين﴾ أي: عندي، وزاد إذًا هنا زيادة في التأكيد، ولما قال لهم فرعون ذلك قالوا لموسى ﴿إمّا أن تلقي وإمّا أن نكون نحن الملقين﴾ (الأعراف، ١١٥) .
﴿قال لهم موسى﴾ أي: مريدًا لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقاءهم ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ فإن قيل: كيف أمرهم بفعل السحر؟ أجيب: بأنه لم يرد بذلك أمرهم بالسحر والتمويه بل الأذن بتقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلًا به إلى إظهار الحق.
﴿فألقوا﴾ أي: فتسبب عن قول موسى ج وتعقبه أن ألقوا ﴿حبالهم وعصيهم﴾ أي: التي أعدّوها للسحر ﴿وقالوا﴾ مقسمين ﴿بعزة فرعون﴾ وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله تعالى أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته كقولك والله والرحمن ورب العرش وعزة الله وقدرة الله وجلال الله وعظمة الله، قال رسول الله ﷺ «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف، ثم إنهم أكدوا يمينهم بأنواع من التوكيد بقولهم: ﴿إنا لنحن﴾ أي: خاصة لا نستثني ﴿الغالبون﴾ وذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر.
﴿فألقى﴾ أي: فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى ﴿موسى عصاه﴾ التي جعلت آية له وتسبب عن إلقائه قوله تعالى: ﴿فإذا هي تلقف﴾ أي: تبتلع في الحال بسرعة وهمة ﴿ما يأفكون﴾ أي: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ويزوّرونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى بالتمويه على الناظرين أو إفكهم، سمى تلك الأشياء إفكًا مبالغة، وقرأ حفص بسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف، وشدّد البزي التاء في الوصل
[ ٣ / ١١ ]
وخففها الباقون.
﴿فألقى السحرة﴾ أي: عقب فعلها من غير تلبث ﴿ساجدين﴾ أي: فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيًا ألقاهم من قوة إسراعهم علمًا منهم بأنّ هذا من عند الله فأمسوا أتقياء بررة بعدما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة كفرة.
روي أنهم قالوا إن يك ما جاء به موسى سحرًا فلن نغلب وإن يك من عند الله فلن يخفى علينا، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به علموا أنه من عند الله فآمنوا. وعن عكرمة أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء لأنه ذكر مع الإلقاآت فسلك به طريقة المشاكلة، وفيه أيضًا: مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحًا، فإن قيل: فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟.
أجيب: بأنه الله تعالى بما خوّلهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عاينوا من المعجزة الباهرة، قال الزمخشري: ولك أن لا تقدر فاعلًا لأنّ ألقوا بمعنى خرّوا وسقطوا، ولما كان كأنه قيل: هذا فعلهم فما كان قولهم: قيل.
﴿قالوا آمنا برب العالمين﴾ أي: الذي دعا إليه موسى ﵇ أول ما تكلم وقولهم:
﴿رب موسى وهارون﴾ عطف بيان لرب العالمين، لأنّ فرعون كان يدعي الربوبية وأرادوا أن يعذلوه، ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي دعا إليه موسى وهارون ﵉، ولما آمن السحرة بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه أنّ هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى ﵇ فيسلكون طريقهم، فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه: أحدها: أن.
﴿قال آمنتم له﴾ أي: لموسى ﴿قبل أن آذن﴾ أي: أنا ﴿لكم﴾ فمسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه.
تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان، قرأ الجميع بإبدال الثانية ألفًا، وحقق الثانية حمزة والكسائي وشعبة، وسهلها الباقون غير حفص فإنه أسقط الأولى والثانية عنده هي المبدوء بها.
ثانيها: قوله ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ وهذا تصريح بما رمز به أولًا وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى وقصروا في السحر ليظهروا أمر موسى وإلا ففي قوة السحر أن تفعلوا مثل ما يفعل.
ثالثها: قوله ﴿فلسوف تعلمون﴾ وهو وعيد وتهديد شديد، رابعها: قوله:
﴿لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾ أي: يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى ﴿ولأصلبنكم أجمعين﴾ وهذا الوعيد من أعظم الإهلاكات، ثم إنهم أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين: الأول: قولهم:
﴿قالوا لا ضير﴾ أي: لا ضرر علينا وخبر لا محذوف تقديره في ذلك ﴿إنا﴾ أي: بفعلك ذلك فينا إن قدّرك الله تعالى عليه ﴿إلى ربنا﴾ الذي أحسن إلينا بالهداية بعد موتنا بأي وجه كان ﴿منقلبون﴾ أي: راجعون في الآخرة، الثاني: قولهم:
﴿إنا نطمع﴾ أي: نرجو ﴿أن يغفر﴾ أي: يستر سترًا بليغًا ﴿لنا ربنا خطايانا﴾ أي: التي قدمناها على كثرتها ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم: ﴿أن كنا﴾ أي: كونا هو لنا كالجبلة ﴿أول المؤمنين﴾ أي: من أهل هذا المشهد أو من رعية فرعون أو من أهل زمانهم ولما ظهر من أمر فرعون ما شاهدوه وخيف أن يقع منه ببني إسرائيل وهم الذين آمنوا وكانوا في قوم موسى ج ما يؤدّى إلى الاستئصال أمره الله تعالى أن يسري بهم كما قال
[ ٣ / ١٢ ]
تعالى:
﴿وأوحينا﴾ أي: بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود ﴿إلى موسى أن أسر﴾ ليلًا ﴿بعبادي﴾ وذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوًّا وفسادًا، وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون ووصل الهمزة بعدها من سرى، وقرأ الباقون بسكون النون وقطع الهمزة بعدها، ثم علل أمره له بالسير في الليل بقوله تعالى: ﴿إنكم متبعون﴾ أي: لا تظنّ أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم فأسرع بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر بحري، والمراد: يوافقهم عند البحر، ولم يكتم إتباعهم عن موسى لعدم تأثره به، والمعنى: أني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدّموا ويتبعوكم حتى يدخلوا مدخلكم ويسلكوا مسلككم من طريق البحر فأطبقه عليهم.
روي: أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى أن أجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت ثم اذبحوا الجداء واضربوا بدمائها أبوابكم فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتًا على بابه دم وآمرهم بقتل أبكار القبط واختبزوا خبزًا فطيرًا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري، وروي أنّ قوم موسى قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيدًا ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك جمع قومه وتبعهم كما قال تعالى:
﴿فأرسل فرعون﴾ أي: لما أصبح وعلم بهم ﴿في المدائن حاشرين﴾ أي: رجالًا يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكًا لهممهم.
﴿إن هؤلاء﴾ إشارة بأداة القرب تحقيرًا لهم إلى أنهم في القبضة وإن بعدوا لما بهم من العجز وبآل فرعون من القوّة فليسوا بحيث يخاف قوتهم ﴿لشرذمة﴾ أي: طائفة وقطعة من الناس ﴿قليلون﴾ أي: بالنسبة إلى مالنا من الجنود التي لا تحصى فذكرهم أولًا بالاسم الدال على القلة بالشرذمة وهي الطائفة القليلة، ومنها قولهم: ثوب شرذم للذي بلي وتقطع قطعًا، ثم جعلهم قليلًا بالوصف ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلًا واختار جمع السلامة الذي هو للقلة مع أنهم كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفًا وسماهم بشرذمة قليلين وذلك بالنسبة لما أرسله خلفهم، فإنّ الذي أرسله فرعون في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور ومع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم وكان مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وعن ابن عباس خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث فلذلك استقل قوم موسى، قال الزمخشري ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والقماءة ولا يريد قلة العدد، والمعنى: أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع عليهم غلبتهم وعلوّهم ولكنهم يفعلون أفعالًا تغيظنا وتضيق صدورنا، كما قال تعالى عنهم.
﴿وإنهم لنا لغائظون﴾ أي: بما فجعونا به من أنفسهم وبما استعاروه من الزينة من الأواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة فلا رحمة في قلوبهم بجمعهم.
﴿وإنا لجميعٌ حذرون﴾ أي: من عادتنا الحذر والتيقظ واستعمال الحزم في الأمور فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه،
[ ٣ / ١٣ ]
وقرأ ابن ذكوان والكوفيون بألف بعد الحاء، والباقون بغير ألف، قال أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد يقال رجل حذر وحذور وحاذر بمعنى، وقيل بل بينهما فرق فالحذر المتيقظ والحاذر الخائف.
قيل: الأول للتجدّد لأنه اسم فاعل، والثاني: للثبات لأنه صفة مشبهة وقيل: الحاذر المتبلج الذي له شوكة، السلاح وهو أيضًا من الحذر لأنّ ذلك إنما يفعل حذرًا، يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر وأنه يجزئه أربعة أجزاء: أحدها: لوزرائه وكتابه وجنده والثاني: لحفر الأنهار وعمل الجسور والثالث: له ولولده والرابع: يفرّق في المدن، فإن لحقهم ظلم أو ظمأ أو اشتجار أو فساد غلة أو موت عوامل قوّاهم به، ويروى أنه قصده قوم فقالوا نحتاج إلى أن نحفر خليجًا لنعمر ضياعنا فأذن في ذلك واستعمل عليهم عاملًا فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت المال فسأل عن مبلغ ما أنفقوه في خليجهم فإذا هو مائة ألف دينار، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها، فقال: اطرحوها عليهم فإنّ الملك إذا استغنى بمال الرعية يعني رعيته افتقر، وإن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى واستغنوا، ولما كان التقدير فأطاعوا أمره ونفروا على كل صعب وذلوا، عطف عليه قوله تعالى بما آل إليه أمرهم.
﴿فأخرجناهم﴾ أي: فرعون وجنوده بما لنا من القدرة من مصر ليلحقوا بموسى وقومه إخراجًا حثيثًا مما لا يسمع أحد بالخروج منه ﴿من جنات﴾ أي: بساتين كانت على جانبي النيل يحق لها أن تذكر ﴿وعيون﴾ أي: أنهار جارية في الدور من النيل، وقيل: عيون تخرج من الأرض لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر.
﴿وكنوز﴾ أي: أموال ظاهرة من الذهب والفضة وسميت كنوز لأنها لم يعط حق الله منها وما لم يعط حق الله تعالى منه فهو كنز وإن كان ظاهرًا، قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام كل غلام على فرس عتيق في عنق كل فرس طوق من ذهب ﴿ومقام﴾ من المنازل ﴿كريم﴾ أي: مجلس حسن للأمراء والوزراء بحقه اتباعهم، وعن الضحاك: المنابر وقيل: السرر في الحجال، وذكر بعضهم أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من الديباج مخوصة بالذهب.
﴿كذلك﴾ أي: أخرجنا كما وصفنا ﴿وأورثناها﴾ أي: تلك النعم السنية بمجرّد خروجهم بالقوّة وبعد إغراق فرعون وجنوده بالفعل ﴿بني إسرائيل﴾ أي: جعلناهم بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعًا يمنعهم منها بعد أن كانوا مستعبدين بين أيدي أربابها، واستشكل إرثهم لها بالفعل لقوله تعالى في الدخان ﴿قومًا آخرين﴾ (الدخان، ٢٨)
وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في ذلك المحل. بل قيل: إنّ بني إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ذلك ولما وصف تعالى الإخراج وصف أثره بقوله تعالى: مرتبًا عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوّة.
﴿فأتبعوهم﴾ أي: جعلوا أنفسهم تابعة لهم ﴿مشرقين﴾ أي: داخلين في وقت شروق الشمس بطلوعها صبيحة الليلة التي سار فيها بنو إسرائيل، ولولا تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن ذلك على حكم العادة في أقل من عشرة أيام فإنه تعجز الملوك عن مثله، واستمرّوا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم.
﴿فلما تراءى الجمعان﴾ أي: رأى كل منهما الآخر ﴿قال أصحاب موسى﴾ ضعفًا وعجزًا استصحابًا لما كانوا فيه عندهم من الذل، ولأنهم
[ ٣ / ١٤ ]
أقل منهم بكثير بحيث يقال إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل وذلك محقق لتقليل فرعون لهم، وكأنه عبر عنهم بأصحاب دون بني إسرائيل؛ لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم ﴿إنا لمدركون﴾ أي: يدركنا فرعون وقومه وقد صرنا بين سدّين العدّو وراءنا والبحر أمامنا ولا طاقة لنا بذلك.
﴿قال﴾ أي: موسى ﵇ وثوقًا بوعد الله تعالى ﴿كلا﴾ أي: لا يدركونكم أصلًا، ثم علل ذلك تسكينًا لهم بقوله ﴿إن معي ربي﴾ أي: بنصره فكأنهم قالوا وما عساه يفعل وقد وصلونا قال ﴿سيهدين﴾ أي: يدلني على طريق النجاة، روي: أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى ﵇ فقال أين تذهب فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون قال: أمرت بالبحر ولعلي أؤمر بما أصنع.
﴿فأوحينا﴾ أي: فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا ونوّه باسم الكليم جزاء له على ثقته به ﷾، فقال تعالى: ﴿إلى موسى﴾ وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله تعالى: ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ أي: الذي أمامكم وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور وإلى مكة المشرّفة وما والاها، وقيل: النيل، فضربه ﴿فانفلق﴾ بسبب ضربه لما ضربه امتثالًا لأمر ربه وصار اثني عشر فرقًا على عدد أسباطهم ﴿فكان كل فرق﴾ أي: جزء وقسم عظيم منه ﴿كالطود﴾ أي: الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان ﴿العظيم﴾ المتطاول في السماء الثابت في قعره لا يتزلزل لأنّ الماء كان منبسطًا في أرض البحر فلما انفلق وانكشف فيه الطريق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في السماء بين تلك الأجزاء مسالك سلكوها لم يبتل منها سرج الراكب.
قال الزجاج: لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج كالجبال، فقال يوشع: يا كليم الله يا ابن امرأة عمران قد غشينا فرعون والبحر أمامنا، فقال موسى: ههنا فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر دابته الماء، وقال الذي يكتم إيمانه يا كليم الله أين أمرت قال ههنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه البحر فارتسب في الماء، وصنع القوم مثل ذلك فلم يقدروا فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه، فانفلق فصار فيه اثنا عشر طريقًا لكل سبط طريق فإنّ الرجل على فرسه لم يبتلّ سرجه ولا لبده.
روي: أنّ موسى قال عند ذلك يا من كان قبل كل شيء والمكوّن لكل شيء والكائن بعد كل شيء، وهذا معجز عظيم من وجوه: أحدهما: أن تفرّق ذلك الماء معجز وثانيها: أنّ اجتماع ذلك الماء فوق كل فرق منه حتى صار كالجبل معجز أيضًا، وثالثها: أنه ثبت في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي تكامل معه عدد بني إسرائيل وهذا معجز ثالث، ورابعها: أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر بعضهم إلى بعض وهذا معجز رابع، وخامسها: أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب آل فرعون فطمعوا أن يتخصلوا من البحر كما تخلص موسى ﵇ وهذا معجز خامس.
فائدة: لكل من جميع القراء في الراء من فرق الترقيق والتفخيم. ولما كان التقدير: وأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق عطف عليه.
﴿وأزلفنا﴾ أي: قربنا بعظمتنا ﴿ثم﴾ أي: هناك ﴿الآخرين﴾ أي: فرعون وقومه حتى سلكوا مسالكهم وقال أبو عبيدة: وأزلفنا أخلفنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجمع، عن عطاء بن السائب: أنّ جبريل ﵇ كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل ويقول ليلحق آخركم بأولكم ويستقبل القبط ويقول رويدكم ليلحق آخركم أولكم.
﴿وأنجينا موسى ومن معه﴾ وهم من تبعوه من قومه وغيرهم ﴿أجمعين﴾ أي: لم نقدّر على أحد منهم الهلاك بل أخرجناهم من البحر على هيئته المذكورة.
﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ أي: فرعون
[ ٣ / ١٥ ]
وقومه أجمعين بانطباق البحر عليهم لما تم دخولهم البحر وخروج بني إسرائيل منه، ويقال هذا البحر بحر القلزم، وقيل: هو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
﴿إنّ في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم العالي الرتبة من قصة موسى وفرعون وما فيها من العظات ﴿لآية﴾ أي: علامة عظيمة دالة على قدرة الله تعالى لأنّ أحدًا من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته وكون وقوعه مصلحة في الدين والدنيا أو على صدق موسى لكونه معجزة له وعلى التحذير عن مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﵇، وفي ذلك تسلية للنبيّ ﷺ لأنه قد بغتم بتكذيب قومه معه ظهور المعجزات عليه فنبه الله تعالى بهذا الذكر على أنّ له أسوة بموسى وغيره ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي: أهل مصر الذين شاهدوها والذين وعظوا بسماعها ﴿مؤمنين﴾ أي: متصفين بالإيمان الثابت، أما القبط فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف ﵇، وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم متزلزلًا يتعنت كل قليل ويقول ويفعل ما هو كفر حتى تداركهم الله تعالى على يدي موسى ﵇ ومن بعده، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلهًا كالأصنام التي مرّوا عليها، وأمّا غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف وأمرهم مشاهد مكشوف فقد سألوه بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وطلبوا رؤية الله جهرة.
﴿وإن ربك﴾ أي: المحسن إليك بإعلاء أمرك واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك ﴿لهو العزيز﴾ أي: القادر على الانتقام من كل فاجر ﴿الرحيم﴾ بعباده لأنه تعالى أفاض عليهم نعمه وكان قادرًا على أن يهلكهم، فدل ذلك على كمال رحمته وسعة جوده وفضله. ولما أتم ﷾ ما أراد من قصة موسى ﵇ ليعرف محمدًا ﷺ أن تلك المحن التي أصابته كانت حاصلة لموسى، أتبعه دلالة على رحمته وزيادة في تسلية نبيه قصة إبراهيم ﵇ وهي القصة الثانية بقوله تعالى:
﴿واتل﴾ أي: اقرأ قراءة متتابعة يا أشرف الخلق ﴿عليهم﴾ أي: كفار مكة وقوله تعالى: ﴿نبأ﴾ أي: خبر ﴿إبراهيم﴾ قراءة نافع وابن كثر وأبو عمرو في الوصل بتسهيل الهمزة الثانية، وحققها الباقون، وفي الابتداء بالثانية الجميع يحققون ويبدل منه.
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿قال لأبيه وقومه﴾ منبهًا لهم على ضلالهم لا مستعلمًا لأنه كان عالمًا بحقيقة حالهم ولكنه سألهم بقوله: ﴿ما﴾ أي: أي شيء ﴿تعبدون﴾ أي: تواطئون على عبادته ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء كما تقول للتاجر ما مالك وأنت تعلم أن ماله الرقيق، ثم تقول الرقيق جمال وليس بمال.
﴿قالوا﴾ في جوابه ﴿نعبد أصنامًا﴾، فإن قيل: قوله ﵇ ما تبعدون سؤال عن المعبود فحسب،
[ ٣ / ١٦ ]
فكان القياس أن يقولوا أصنامًا كقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ (البقرة: ٢١٩)
وكذا قوله تعالى: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ (سبأ: ٢٣)
وكقوله تعالى: ﴿ماذا أنزل ربكم قالوا خيرًا﴾؟ (النحل: ٣٠)
أجيب: بأنّ هؤلاء قد أجابوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين فاشتملت على جواب إبراهيم ﵇ وعلى ما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار، ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم: نعبد ﴿فنظل لها عاكفين﴾ ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده، ومثاله أن تقول لبعض الشطار ما تلبس في بلادك فيقول: ألبس البرد إلا تحمى فأجر ذيله بين جواري الحيّ، وإنما قالوا نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، يقال ظلّ يفعل كذا إذا فعل بالنهار، والعكوف: الإقامة على الشيء، ثم إن إبراهيم ﵇.
﴿قال﴾ منبهًا على فساد مذهبهم ﴿هل يسمعونكم﴾ أي: يسمعون دعاءكم أو يسمعونكم تدعون فحذف ذلك لدلالة ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿تدعون﴾ عليه، فعلى الأول: هي متعدّية لواحد اتفاقًا، وعلى الثاني: هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة مقام الثاني وهو قول الفارسيّ، وعند غيره الجملة المقدرة حال، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام.
﴿أو ينفعونكم﴾ إن عبدتموهم ﴿أو يضرّون﴾ أي: يضرونكم إن لم تعبدوهم، ولما أقام إبراهيم ﵊ عليهم هذه الحجة الباهرة وهو أنّ الذي يعبدونه لا يسمع دعاءهم حتى يعرف مقصودهم ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرّ فكيف يعبد ما هذه صفته ولم يجدوا ما يدفعون به حجته إلا التقليد.
﴿قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك﴾ أي: مثل فعلنا هذا الفعل العالي الشأن ولو لم يكن عند من نعبدهم شيء من ذلك، ثم صوّر إحالة آبائهم في نفوسهم تعظيمًا لأمرهم بقولهم: ﴿يفعلون﴾ أي: فنحن نفعل كما فعلوا فإنهم حقيقيون منا بأن لا نخالفهم مع سبقهم لنا إلى الوجود فهم أرصن منا عقولًا وأعظم تجربة فلولا أنهم رأوا ذلك حسنًا ما واظبوا عليه، وهذا تقليد محض خال عن أدنى نظر كما تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها، ثم إنّ إبراهيم ﵇.
﴿قال﴾ معرضًا عن جواب كلامهم لما رآه ساقطًا لا يرتضيه عاقل ﴿أفرأيتم﴾ أي: تسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم أرأيتم، أي: إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظرًا شافيًا ﴿ما كنتم تعبدون﴾ أي: مواظبين على عبادتهم.
﴿أنتم وآباؤكم الأقدمون﴾ أي: الذين هم أقدم ما يكون فإنّ التقدم والأولية لا يكون برهانًا على الصحة، والباطل لا ينقلب حقًا بالقدم.
﴿فإنهم عدوّ لي﴾ أي: أعداء لي، وإنما وحده على إرادة الجنس ويجيء العدوّ والصديق في معنى الواحد والجماعة، قال القائل:
*وقوم على ذوي مثرة أراهم عدوًّا وكانوا صديقًا*
ومنه قوله تعالى: ﴿وهم لكم عدوّ﴾ (الكهف: ٥٠)
تشبهًا بالمصادر كالحنين والصهيل، وقيل: هو من المقلوب أراد أني عدوّ لهم فإنّ من عاديته فقد عاداك، وقرأ نافع أفرايتم بتسهيل الهمزة التي هي عين الكلمة، ولورش أيضًا إبدالها ألفًا، وأسقطها الكسائي، وحققها الباقون.
فإن قيل: لم قال فإنهم عدوّ لي ولم يقل فإنها عدوّ لكم؟ أجيب: بأنه ﵇ صور المسألة في نفسه بمعنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي ولها عبادة للعدوّة فاجتنبتها وأراهم أنها نصيحة نصح بها
[ ٣ / ١٧ ]
نفسه فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون ذلك أدعى إلى القبول وأبعث إلى الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدوّ لكم لم يكن بتلك المثابة ولأنه دخل في باب من التعريض وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح لأنه يتأمل فيه فربما قاده التأمّل إلى التقبل، ومنه ما يحكى عن الشافعيّ ﵁ أن رجلًا واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب، وسمع رجل ناسًا يتحدثون في الحجر فقال: ما هو ببيتي ولا ببيتكم، وقوله ﴿إلا رب العالمين﴾ أي: مدبر هذه الأكوان كلها يصح أن يكون استثناء منقطعًا بمعنى أنهم عدوّ لي لا أعبدهم لكن رب العالمين فإني أعبده، وأن يكون متصلًا على أن الضمير لكل معبود عبدوه وكان من آبائهم من عبد الله تعالى فكأنه قال إلا رب العالمين فإنه ليس بعدوّي بل هو ولي ومعبودي، ثم شرع يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضدّ الأقصى من كل ما عليه أصنامهم بقوله:
﴿الذي خلقني﴾ أي: أوجدني على هيئة التقدير والتصوير ﴿فهو﴾ أي: فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره ﴿يهدين﴾ أي: إلى الرشاد ولا يعلم باطن المخلوق ويقدر على التصرف فيه غير خالقه ولا يكون خالقه إلا سميعًا بصيرًا ضارًا نافعًا له الكمال كله وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية بالمضارعة لتجددها وتكرّرها، لأنه تعالى لما أتم خلقه ونفخ فيه الروح عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعينه وإلا فمن هداه إلى أن يتغذى بالدم في البطن امتصاصًا؟ ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة وإلى معرفة مكانه؟ ومن هداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك دينًا ودنيًا.
﴿والذي﴾ أي: ﴿هو﴾ لا غيره ﴿يطعمني ويسقين﴾ أي: يرزقني ويغذيني بالطعام والشراب ولو أراد أعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلًا ولا شربًا، ونبه بذكر الطعام والشراب على ما عداهما.
تنبيه: يجوز في والذي يطعمني ويسقين أن يكون مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه وكذا الذي بعده، ويجوز أن تكون أوصافًا للذي خلقني ودخول الواو جائز كقوله:
*إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم*
وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة باقتضاء الحكم.
﴿وإذا مرضت﴾ أي: باستيلاء بعض الأخلاط على بعض لما بينهما من التنافر الطبيعي ﴿فهو﴾ أي: وحده ﴿يشفين﴾ أي: بسبب تعديل المزاج بتعديل الأخلاط وقسرها عن الاجتماع لا بطبيب ولا غيره.
فإن قيل: لم أضاف المرض إلى نفسه مع أنّ المرض والشفاء من الله تعالى؟ أجيب: بأنه قال ذلك استعمالًا لحسن الأدب كما قال الخضر ﵇ ﴿فأردت أن أعيبها﴾ (الكهف: ٧٩)
وقال ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما﴾ (الكهف، ٨٢)، وأجاب الرازي بأنّ أكثر أسباب المرض محدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قال الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم، وبأنّ الشفاء محبوب وهو من أصول النعم والمرض مكروه وليس من النعم، وكان مقصود إبراهيم ﵇ تعديد النعم ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى الله تعالى
[ ٣ / ١٨ ]
ولا ينتقض ذلك بإسناد الإماتة إليه كما سيأتي، فإنّ الموت ليس بضرّ لأنّ شرط كونه ضرًّا وقوع الإحساس به وحال الموت لا يحصل الإحساس به إنما الضرر في مقدماته وذلك هو عين المرض، ولأنّ الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصها عنها عين السعادة بخلاف المرض.
﴿والذي يميتني﴾ يقبض روحي في الدنيا ليخلصني من آفاتها ﴿ثم يحيين﴾ للمجازاة في الآخرة كما شفاني من المرض، ولهذا التراخي بين الموت والإحياء أتى بثم هنا لأنّ الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة، ولما ذكر البعث ذكر ما يترتب عليه بقوله:
﴿والذي أطمع﴾ هضمًا لنفسه وإطراحًا لأعماله ﴿أن يغفر﴾ أي: يمحو أو يستر ﴿لي خطيئتي﴾ أي: تقصيري عن أن أقدره حق قدره ﴿يوم الدين﴾ أي: الجزاء.
روي أنّ عائشة قالت قلت يا رسول الله: إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال.
فإن قيل: لم قال والذي أطمع والطمع عبارة عن الظنّ والرجاء وهو ﵇ كان قاطعًا بذلك؟.
أجيب: بأنّ في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه لأحد شيء، فإنه يحسن منه تعالى كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله.
فإن قيل: لم أسند لنفسه الخطيئة مع أنّ الأنبياء معصومون؟ أجيب: بأنّ مجاهدًا قال هي قوله: إني سقيم وقوله: بل فعله كبيرهم هذا وقوله: لسارة هي أختي، ورد بأن هذه معاريض كلام وتخيلات للكفرة وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار، والأولى في الجواب أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم لأنفسهم، ويدل عليه قوله: أطمع ولم يجزم القول بالمغفرة، وفيه تعليم لأممهم وليكون لطفًا لهم باجتنابهم المعاصي والحذر منها وطلب المغفرة مما يفرط منهم، فإن قيل: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما المغفرة في الدنيا؟ أجيب: بأنّ أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفي لا يعلم، ولما حكى الله تعالى عن إبراهيم ﵇ ثناء عليه ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته بقوله.
﴿رب﴾ أي: أيها المحسن إليّ ﴿هب لي حكمًا﴾ أي: عملًا متقنًا بالعلم، وقال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه، وقال الكلبيّ: النبوّة لأنّ النبيّ ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله، ثم بين أنّ الاعتماد إنما هو على محض الكرم فإن من نوقش الحساب عذب بقوله ﴿وألحقني بالصالحين﴾ أي: الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة وهم الأنبياء والمرسلون، وقد أجابه الله تعالى حيث قال ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ (البقرة: ١٣٠)
وفي ذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات، فإن قيل: لم لم يقتصر إبراهيم ﵇ على الثناء ولا سيما يروى عنه أنه قال حسبي من سؤالي علمه بحالي؟.
أجيب: بأنه ﵇ إنما ذكر ذلك حين اشتغاله بدعوة الخلق إلى الحق لأنه قال فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ثم ذكر الثناء ثم ذكر الدعاء لما أنّ الشارع لا بد له من تعليم الشرع فأمّا حين خلا بنفسه ولم يكن غرضه تعليم الشرع اقتصر على قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي.
تنبيه: الإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم أو يجمع بينه وبينهم في المنزلة والدرجة في الجنة، ثم إنه ﵇ طلب زيادة في الآخرة بقوله:
﴿واجعل لي لسان
[ ٣ / ١٩ ]
صدق﴾ أي: ذكرًا جميلًا وقبولًا عامًا وثناءً حسنًا بما أظهرت من خصال الخير ﴿في الآخرين﴾ أي: من الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين لأكون للمتقين إمامًا، فيكون لي مثل أجورهم، فإنّ من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، قال ابن عباس: أعطاه الله تعالى بقوله: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ (الصافات: ٧٨)
أنّ أهل الإيمان يتولونه ويثنون عليه وقد جعله الله شجرة مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيا الله تعالى بهم ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبيّ الأميّ ﷺ من قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره، ولما طلب ﵇ سعادة الدنيا وكان لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة طلبها بقوله:
d
﴿واجعلني﴾ أي: مع ذلك كله بفضلك ورحمتك ﴿من ورثة جنة النعيم﴾ لأنّ فيها النظر إلى وجه الله الكريم وهو السعادة الكبرى، شبهها بالأرض الذي يحصل بغير اكتساب إشارة إلى أنها لا تنال إلا بمنه وكرمه لا بشيء من ذلك، ولما دعا لنفسه ثنى بأحق الخلق ببره بقوله:
﴿واغفر لأبي﴾ بالهداية والتوفيق إلى الإيمان لأنّ المغفرة مشروطة بالإيمان وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط، فقوله: ﴿واغفر لأبي﴾ كأنه دعاء له بالإيمان، وقيل: إنّ أباه وعده بالإسلام لقوله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ (التوبة: ١١٤)
فدعا له قيل: أن يتبين له أنه عدوّ لله كما سبق في سورة التوبة، وقيل: إنّ أباه قال له أنه على دينه باطنًا وعلى دين نمروذ ظاهرًا وتقيةً وخوفًا فدعا له لاعتقاده أنّ الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، ولذلك قال في دعائه ﴿إنه كان من الضالين﴾ فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضالّ لما قال ذلك، وقيل: إن الاستغفار للكفار لم يكن ممنوعًا إذ ذاك.
﴿ولا تخزني﴾ أي: تفضحني ﴿يوم يبعثون﴾ أي: العباد، فإن قيل: كان قوله: ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾ كافيًا عن هذا وأيضًا قال تعالى: ﴿إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين﴾ (النحل: ٢٧)
فما كان نصيب الكفار فقط كيف يخافه المعصوم؟ أجيب: بأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكذا درجات الأبرار خزي المقرّبين وخزي كل واحد بما يليق به، ولما نبه ﵇ على أنّ المقصود هو الآخرة صرح بالتنزيه في الدنيا بقوله:
﴿يوم لا ينفع﴾ أي: أحدًا ﴿مال﴾ أي: يفتدى به أو يبذله لشافع أو ناصر وقاهر ﴿ولا بنون﴾ ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم، وفي استثناء قوله:
﴿إلا من﴾ أوجه: أحدها: أنه منقطع وجرى عليه الجلال المحلي أي: لكن من ﴿أتى الله بقلب سليم﴾ فإنه ينفعه ذلك، الثاني: أنه مفعول به لقوله تعالى: لا ينفع أي: لا ينفع المال والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البرّ وبنوه الصلحاء لأنه علمهم وأحسن إليهم، الثالث: أنه بدل من المفعول المحذوف ومستثنى منه إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحدًا من الناس إلا من كانت هذه صفته.
واختلف في القلب السليم على أوجه: قال الرازي أصحها: أنّ المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة، الثاني: أنه الخالص من الشرك والنفاق وهو قلب المؤمن وجرى على هذا الجلال المحلي وأكثر المفسرين، فإنّ الذنوب قل أن يسلم
[ ٣ / ٢٠ ]
منها أحد، وهذا معنى قول سعيد بن المسيب. السليم: هو الصحيح وهو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى: ﴿في قلوبهم مرض﴾ (البقرة: ١٠)
الثالث: أنه الذي سلم وسلّم وأسلم وسالم واستسلم، الرابع: أنه هو اللديغ أي: القلق المنزعج من خشية الله، لكن قال الزمخشريّ: أنّ القولين الأخيرين من بدع التفاسير، وقوله تعالى:
﴿وأزلفت الجنة﴾ حال من واو يبعثون، ومعنى أزلفت قربت أي: قربت الجنة ﴿للمتقين﴾ فتكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها زيادة إلى شرفهم.
﴿وبرّزت الجحيم﴾ أي: كشفت وظهرت النار الشديدة ﴿للغاوين﴾ أي: الكافرين فيرونها مكشوفة ويحشرون على أنهم المسوقون إليها زيادة في هوانهم.
تنبيه: في اختلاف الفعلين بترجيح لجانب الوعد على الوعيد حيث قال في حق المتقين وأزلفت أي: قربت وفي حق الغاوين وبرّزت أي: أظهرت ولا يلزم من الظهور القرب.
﴿وقيل لهم﴾ تبكيتًا وتنديمًا وتوبيخًا، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد تحقيرًا لهم، ولأنّ المراد نفس القول لا كونه من معين ﴿أينما﴾ أي: أين الذي ﴿كنتم تعبدون﴾ في الدنيا، ثم حقر معبوداتهم بقوله تعالى:
﴿من دون﴾ أي: من أدنى رتبة من رتب ﴿الله﴾ أي: الملك الذي لا كفء له، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شرّ هذا اليوم ﴿هل ينصرونكم﴾ بدفع العذاب عنكم ﴿أو ينتصرون﴾ بدفعه عن أنفسهم.
﴿فكبكبوا﴾ أي: فتسبب عن عجزهم أن ألقوا ﴿فيها﴾ أي: في مهواة الجحيم ﴿هم﴾ أي: الأصنام وما شابهها من الشياطين ونحوهم ﴿والغاوون﴾ أي: الذين ضلوا بهم، والكبكبة: تكرار الكب لتكرير معناه كأنّ من ألقى في النار ينكب مرّة بعد أخرى حتى يستقرّ في قعرها، وقال الزجاج: طرح بعضهم فوق بعض، وقال القتيبي: ألقوا على رؤوسهم.
﴿وجنود إبليس﴾ وهم اتباعه ومن أطاعه من الإنس والجنّ، وقيل ذريته ﴿أجمعون﴾ ولما لم يتمكنوا من قول في جواب استفهامهم قبل إلقائهم.
﴿قالوا﴾ أي: العبدة ﴿وهم فيها﴾ أي: الجحيم ﴿يختصمون﴾ أي: مع المعبودات وقولهم:
﴿تالله﴾ أي: الذي له جميع الكمال ﴿إن كنا لفي ضلال مبين﴾ أي: ظاهر جدًّا لمن كان له قلب سليم معمول قولهم وما بينهما، وهو وهم فيها يختصمون جملةً حاليةً معترضةً بين القول ومعموله وقيل: إنّ الأصنام تنطق وتخاصم العبدة، ويؤيده الخطاب في قولهم:
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿نسويكم برب العالمين﴾ في استحقاق العبادة.
تنبيه: إذ منصوب إما بمبين أو بمحذوف أي: ضللنا في وقت تسويتنا لكم بالله في العبادة.
﴿وما أضلنا﴾ أي: ذلك الضلال المبين عن الطريق البين ﴿إلا المجرمون﴾ أي: الأولون الذين اقتدينا بهم من رؤسائنا وكبرائنا كما في آية أخرى ﴿ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٧)
وعن ابن جريح: إبليس وابن آدم الأوّل وهو قابيل وهو أوّل من سنّ القتل وأنواع المعاصي.
﴿فما﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنه ما ﴿لنا﴾ اليوم وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجار فقالوا ﴿من شافعين﴾ يكونون سببًا لإدخالنا الجنة كالمؤمنين تشفع لهم الملائكة والنبيون.
﴿ولا صديق حميم﴾ أي: قريب يشفع لنا يقول ذلك الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، والصديق: هو الصادق في ودادك الذي يهمه
[ ٣ / ٢١ ]
ما أهمك مع موافقة الدين، وعن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم فيقول الله تعالى أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميم» قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإنّ لهم شفاعة يوم القيامة، فإن قيل: لم جمع الشافع ووحد الصديق؟ أجيب: بأنّ الشفعاء كثيرون في العادة رحمة له وحسبة وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك، قال الزمخشري: فأعز من بيض الأنوق انتهى. قال الجوهريّ: الأنوق على فعول طير وهو الرخمة وفي المثل أعز من بيض الأنوق لأنها محرزة فلا يكاد يظفر بها لأنّ أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة، وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال اسم لا معنى له: أي: لا يوجد ولما وقعوا في هذا الهلاك وانتفى عنهم الخلاص تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا.
﴿فلو أن لنّا كرّة﴾ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فنكون من المؤمنين﴾ أي: الذين صار الإيمان لهم وصفًا لازمًا فأزلفت لهم الجنة.
تنبيه: انظر ما أحسن ما رتب إبراهيم ﵇ كلامه مع المشركين حين سألهم أوّلًا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع وعلى تقليدهم آباؤهم الأقدمين فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلًا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله ﷿ فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله تعالى وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
﴿إن في ذلك﴾ أي: المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿لآية﴾ أي: عظة على بطلان الباطل وحقوق الحق ﴿وما﴾ أي: والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم﴾ أي: الذين شهدوا منهم هذا الأمر العظيم الذي سمعوه عنه ﴿مؤمنين﴾ أي: بحيث صار الإيمان صفة لهم ثابتة وفي ذلك أعظم تسلية لنبينا ﷺ
﴿وإن ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك ﴿لهو العزيز﴾ أي: القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه ﴿الرحيم﴾ أي: الفاعل فعل الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم ودفع النقم وإرسال الرسل ونصب الشرائع لكي يؤمنوا أو أحد من ذرّيتهم، ولما أتم ﷾ قصة الأب الأعظم الأقرب إبراهيم ﵇ أتبعها بقصة الأب الثاني وهو نوح ﵇ وهي القصة الثالثة مقدمها لها على غيرها لما له من القدم في الزمان إعلامًا بأنّ البلاء قديم ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنعمة اللتين هما أثرًا لغرة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم ثم تعميم النعمة مع كونهم جميع أهل الأرض فقال:
﴿كذبت قوم نوح﴾ وهم أهل الأرض كلها من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرّق اللغات ﴿المرسلين﴾ أي: بتكذيبهم نوحًا ﵇ لأنه أقام الدليل على نبوته بالمعجزة ومن كذب بالمعجزة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي
[ ٣ / ٢٢ ]
أقدامها في الدلائل على صدق الرسول، وقد سئل الحسن البصري عن ذلك فقال: من كذب واحدًا من الرسل فقد كذب الكل لأنّ الأخير جاء بما جاء به الأوّل.
تنبيه: القوم يؤنث باعتبار معناه ولذا يصغر على قويمة، ويذكر باعتبار لفظه وتذكيره أشهر، واختير التأنيث ههنا للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال وإلى أنهم مع عتوّهم وكثرتهم كانوا عليه ﷾ أهون شيء وأضعفه بحيث جعلهم هباءً منثورًا وكذا من بعدهم ولأجل التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة.
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي: في النسب لا في الدين ﴿نوح﴾ وذكر الأخوة زيادة في تسلية النبيّ ﷺ وأشار تعالى إلى حسن أدب نوح ﵇ مع قومه واستجلابهم برفقه ولينه بقوله لهم ﴿ألا تتقون﴾ الله بأن تجعلوا بينكم وبينه وبين الحفظة وقاية بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله:
﴿إني لكم﴾ أي: مع كوني أخاكم يسرّني ما يسرّكم ويسوءني ما يسوءكم ﴿رسول﴾ أي: من عند خالقكم فلا مندوحة لي عما أمرت به ﴿أمين﴾ أي: مشهور بالأمانة بينكم لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم لي ثم تسبب عن ذلك الرفق الجزم بالأمر فقال:
﴿فاتقوا الله﴾ أي: أوجدوا الخوف والحذر والتحرز الذي اختص بالجلال والجمال لتحوزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة ﴿وأطيعون﴾ فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته ثم نفى عن نفسه التهمة بعد أن أثبت أمانته بقوله.
﴿وما أسألكم عليه﴾ أي: على هذا الحال الذي أتيتكم به وأشار إلى الإغراق في النفي بقوله ﴿من أجر﴾ لتظنوا أني جعلت الدعاء سببًا لذلك، ثم أكد النفي بقوله ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أجري﴾ أي: ثوابي في دعائي لكم ﴿إلا على رب العالمين﴾ أي: الذي دبر جميع الخلائق ورباهم، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص بفتح الياء في أجري في المواضع الخمسة في هذه السورة، والباقون بالسكون ولما انتفت التهمة تسبب عن انتفائها إعادة ما قدمه إعلامًا بالاهتمام به زيادة في الشفقة عليهم فقال:
﴿فاتقوا الله﴾ أي: الذي حاز جميع صفات العظمة ﴿وأطيعون﴾ ولما أقام الدليل على نصحه وأمانته.
﴿قالوا﴾ أي: قومه منكرين عليه ومنكرين لاتباعه استنادًا إلى الكبر الذي ينشأ عنه بطر الحق وغمص الناس أي: احتقارهم ﴿أنؤمن لك﴾ أي: لأجل قولك هذا وما أوتيته من أوصافك ﴿و﴾ الحال أنه قد ﴿اتبعك الأرذلون﴾ أي: فيكون إيماننا بك سببًا لاستوائنا معهم، والرذالة: الخسة والذلة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، قيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة والصناعة لا تزري بالديانة وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله ﷺ وما زالت أتباع الأنبياء كذلك حتى كادت من سماتهم وأماراتهم، ألا ترى إلى هرقل حيث سأل أبا سفيان عن أتباع رسول الله ﷺ فلما قال ضعفاء الناس وأراذلهم قال: مازالت أتباع الأنبياء كذلك، وعن ابن عباس هم الفاتحة، وعن عكرمة الحاكة والإساكفة، وعن مقاتل السفلة ولما كانت هذه الشبهة في غاية الركاكة لأنّ نوحًا بعث إلى جميع قومه فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها أجابهم
[ ٣ / ٢٣ ]
بقوله:
﴿قال وما﴾ أي: أي شيء ﴿علمي بما كانوا يعملون﴾ قبل أن يتبعوني أي: مالي وللبحث عن سرائرهم، وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿الذين هم أراذلنا بادي الرأي﴾ (هود: ٢٧)
ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله:
﴿إن﴾ أي: ما ﴿حسابهم﴾ أي: في الماضي والآتي ﴿إلا على ربي﴾ أي: المحسن إليّ فهو محاسبهم ومجازيهم، وأمّا أنا فلست بمحاسب ولا مجاز ﴿لو تشعرون﴾ أي: لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم ما هو دائر على أمور الدنيا فقط ولا نظر له إلى يوم الحساب، فإنّ الغنى غنى الدين والنسب نسب التقوى، ولما أوهم قولهم: هذا استدعاء طرد هؤلاء الذين آمنوا معه وتوقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا أتباعهم المانع عنه أجابهم بقوله ﵇.
﴿وما﴾ أي: ولست ﴿أنا بطارد المؤمنين﴾ أي: الذين صار الإيمان لهم وصفًا راسخًا فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من أتباع شهواتكم، ثم علل ذلك بقوله:
﴿إن أنا إلا نذير﴾ أي: محذر لا وكيل فاتش على البواطن ولامتنعت عن الاتباع ﴿مبين﴾ أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبسًا، وقرأ قالون بمدّ أنا في الوصل بخلاف عنه، والباقون بالقصر، ولما أجابهم بهذا الجواب وقد أيسوا مما راموه لم يكن منهم إلا التهديد بأن.
﴿قالوا لئن لم تنته﴾ ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب بقولهم: ﴿يا نوح﴾ عما تقوله ﴿لتكونن من المرجومين﴾ قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة، وقال الضحاك: من المشتومين فعند ذلك حصل اليأس لنوح ﵇ من فلاحهم فلذلك.
﴿قال﴾ شاكيًا إلى الله ما هو أعلم به منه توطئة للدّعاء عليهم ومعرضًا عن تهديدهم له صبرًا واحتسابًا لأنه من لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿رب﴾ أي: أيها المحسن إليّ ﴿إنّ قومي كذبون﴾ أي: فيما جئت به فليس الغرض من هذا إخبار الله بالتكذيب لعلمه بأنه عالم الغيب والشهادة ولكنه أراد لا أدعوك عليهم لما آذوني وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوك في وحيك ورسالتك.
﴿فافتح﴾ أي: احكم ﴿بيني وبينهم فتحًا﴾ أي: حكمًا يكون لي فيه فرج وبه من المضيق مخرج فأهلك المبطلين ﴿ونجني ومن معي﴾ أي: في الدين ﴿من المؤمنين﴾ مما تعذب به الكافرين، ثم لما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف أظهره في مظهر العظمة بقوله تعالى:
﴿فأنجيناه ومن معه﴾ أي: الذين اتبعوه في الدين على ضعفهم وقلتهم ﴿في الفلك﴾ أي: السفينة وجمعه فُلك قال الله تعالى: ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ (فاطر: ١٢)
قالوا حد بوزن قفل والجمع بوزن أسد، وقال تعالى ﴿المشحون﴾ أي: الموقور المملوء من الناس والطير والحيوان لأنّ سلامة المملوء جدًا أغرب، ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد فقال تعالى:
﴿ثم أغرقنا بعد﴾ أي: بعد إنجاء نوح ومن معه ﴿الباقين﴾ أي: من بقي على الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوّتهم وكثرتهم.
﴿إن في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك ﴿لأية﴾ أي: عظة لمن شاهد ذلك أو سمع به ﴿وما﴾ أي: والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم﴾ أي: العالمين بذلك ﴿مؤمنين﴾ وقد كان ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان بمحض الدليل أن يبادروا بالإيمان حين رأوا أوائل العذاب.
﴿وإن ربك﴾ المحسن
[ ٣ / ٢٤ ]
إليك بإرسالك وتكثير أتباعك وتعظيم أشياعك ﴿لهو العزيز﴾ أي: القادر بعزته على كل من قسرهم على الطاعة وإهلاكهم في أوّل أوقات المعصية ﴿الرحيم﴾ أي: الذي يخص من شاء من عباده بخالص وداده.
ولما فرغ من ذكر قصة نوح ﵇ شرع في قصة هود ﵇ وهي القصة الرابعة فقال تعالى:
﴿كذبت عاد﴾ أي: تلك القبيلة التي مكن الله تعالى لها في الأرض بعد قوم نوح ﴿المرسلين﴾ بالأعراض عن معجزة هود ﵇، ثم سلى محمدًا ﷺ بقوله تعالى:
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي: في النسب لا في الدين ﴿هود﴾ بصيغة العرض تأدبًا معهم وتلطفًا بهم ﴿ألا تتقون﴾ أي: يكون منكم تقوى لربكم الذي خلقكم فتعبدونه ولا تشركون به ما لا يضرّكم ولا ينفعكم، ثم علل ذلك بقوله:
﴿إني لكم رسول﴾ أي: فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك ﴿أمين﴾ أي: لا أكتم عنكم شيئًا مما أمرت به ولا أخالف شيئًا منه.
﴿فاتقوا﴾ أي: فتسبب عن ذلك أن أقول لكم اتقوا ﴿الله﴾ أي: الذي هو أعظم من كل شيء ﴿وأطيعون﴾ أي: في كل ما آمركم به من طاعة الله وترك معاصيه ومخالفته ثم نفى عن نفسه التهمة في دعائه لهم بقوله:
﴿وما﴾ أي: والحال أني ما ﴿أسألكم عليه﴾ أي: دعائي لكم ﴿من أجر﴾ فتتهموني به وإنما أنا رسول داع ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أجري﴾ أي: ثوابي ﴿إلا على رب العالمين﴾ فهو الذي يثيب العبد على عمله، ولما فرغ من دعائهم إلى الإيمان أتبعه إنكار بعض ما هم عليه لأنّ حالهم حال الناسي لذلك الطوفان الذي أهلك الحيوان وأهدم البنيان بقوله لهم:
﴿أتبنون بكل ريع﴾ جمع ريعة وهو في اللغة المكان المرتفع، ومنه قولهم: كم ريع أرضك وهو ارتفاعها، وقال ابن عباس: الريع كل شرف، وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين، وقال الضحاك: هو كل طريق ﴿آية﴾ أي: علامة على شدتكم لأنه لو كان لهداية أو نحوها لكفى بعض ذلك ولكنكم ﴿تعبثون﴾ بمن يمرّ في الطريق إلى هود ﵇ وتسخرون منه، والجملة حال من ضمير تبنون، وقيل: كانوا يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم فنهوا عن ذلك ونسبوا إلى العبث، وقال سعيد بن جبير: هي بروج الحمام لأنهم كانوا يلعبون بالحمام، ثم ذكرهم بزوال الدنيا بقوله.
﴿وتتخذون مصانع﴾ قال مجاهد: قصورًا مشيدة، وقال الكلبي هي الحصون، وقال قتادة: هي مأخذ الماء يعني الحياض واحدها مصنعة، ولما كان هذا الفعل حال الراجي للخلود قال لهم ﴿لعلكم﴾ أي: كأنكم ﴿تخلدون﴾ فيها فلا تموتون، ثم بين لهم أفعالهم الخبيثة بقوله:
﴿وإذا بطشتم﴾ أي: أردتم البطش بأحد بضرب أو قتل ﴿بطشتم جبارين﴾ أي: من غير رأفة، قال البغويّ: والجبار: الذي يضرب ويقتل على الغضب.
تنبيه: إنما قدّرنا الإرادة لئلا يتحد الشرط والجزاء، وجبارين حال، ولما خوّفهم هود ﵇ بهذا الإنكار وهو أنّ اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب الدنيا واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء والجبارية تدل على حب التفرد بالعلوّ وهي ممتنعة الحصول للعبد وخوّفهم بهذا الإنكار عقاب الجبار تسبب عن ذلك قوله:
﴿فاتقوا الله﴾ أي: الذي له صفات الجلال والإكرام ﴿وأطيعون﴾ زيادة في دعائهم إلى الآخرة وزجرًا لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالشرف والتجبر، ثم وصل هذا
[ ٣ / ٢٥ ]
الوعظ بما يؤكد القبول بأن نبههم على نعم الله تعالى عليهم بقوله:
﴿واتقوا الذي أمدّكم﴾ أي: جعل لكم مددًا وهو اتباع الشيء ما يقوّ به على الانتظام ﴿بما تعلمون﴾ أي: ليس فيه نوع خفاء حتى تغفلوا عن تقييد بالشكر، ثم فصل ذلك المجمل بقوله:
﴿أمدّكم بأنعام﴾ تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون ﴿وبنين﴾ .
يعينونكم على ما تريدون عند العجز.
﴿وجنات﴾ أي: بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها ﴿وعيون﴾ أي: أنهار تشربون منها وتسقون أنعامكم وبساتينكم ثم خوّفهم بقوله:
﴿إني أخاف عليكم﴾ قال ابن عباس: إن عصيتموني أي: فإنكم قومي يسوءني ما يسوءكم ﴿عذاب يوم عظيم﴾ في الدنيا والآخرة فإنه كما قدر على الإنعام فهو قادر على الانتقام وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب، ولما بالغ ﵇ في وعظهم وتنبيههم على نعم الله تعالى حيث أجملها ثم فصلها مستشهد بعلمهم وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال: ﴿أمدّكم بما تعلمون﴾ ثم عدّدها عليهم وعرّفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه النعمة قادر على الانتقام منكم ولم يقدّر الله تعالى هدايتهم.
﴿قالوا﴾ له راضين بما هم عليه ﴿سواء علينا أوعظت﴾ أي: خوفت وحذرت ﴿أم لم تكمن من الواعظين﴾ فإنا لا نرعوي عما نحن فيه، فإن قيل: لو قيل أوعظت أم لم تعظ كان أخصر والمعنى واحد؟ أجيب: بأنّ ذلك لتواخي القوافي، أو لأنّ المعنى ليس واحدًا بل بينهما فرق لأنّ المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلًا من أهله ومباشريه فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ، وقرأ قوله تعالى:
أي: ما ﴿هذا﴾ أي: الذي جئتنا به ﴿إلا خلق الأولين﴾ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الخاء واللام أي: ما هذا الذي نحن فيه إلاعادة الأولين في حياة ناس وموت آخرين وعافية قوم وبلاء آخرين، وقرأ الباقون بضم الخاء وسكون اللام أي: ما هذا إلا كذب الأولين.
﴿وما نحن بمعذبين﴾ أي: على ما نحن عليه لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة وبلاغة وبراعة، لما تضمن هذا التكذيب تسبب عنه قوله تعالى:
﴿فكذبوه﴾ ثم تسبب عن تكذيبهم قوله تعالى: ﴿فأهلكناهم﴾ أي: في الدنيا بريح صرصر، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة الحاقة ﴿إن في ذلك﴾ أي: الإهلاك في كل قرن للمكذبين والإنجاء للمصدقين ﴿لآية﴾ أي: عظيمة لمن بعدهم على أنه تعالى فاعل ذلك وحده وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذلّ وأنه على أعدائه ومن كان عليه لا يعز ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي: أكثر من كان بعدهم ﴿مؤمنين﴾ أي: فلا تحزن أنت يا أشرف الرسل على من أعرض عن الإيمان.
﴿وإن ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم ﴿لهو العزيز﴾ في انتقامه ممن عصاه ﴿الرحيم﴾ في إنعامه وإكرامه وإحسانه مع عصيانه وكفرانه وإرسال المرسلين وتأييدهم بالآيات المعجزة.
ثم أتبع قصة هود ﵇ قصة صالح ﵇ وهي القصة الخامسة بقوله تعالى:
﴿كذبت ثمود﴾ وهم أهل الحجر ﴿المرسلين﴾ وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار المثناة عند المثلثة، والباقون بالإدغام وأشار تعالى إلى زيادة التسلية بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا توقف بقوله تعالى:
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿قال لهم أخوهم﴾
[ ٣ / ٢٦ ]
أي: في النسب لا في الدين ﴿صالح﴾ بصيغة العرض تأدبًا معهم وتلطفًا بهم كقول من تقدم قبله ﴿ألا تتقون﴾ الله، ثم علل ذلك بقوله:
﴿إني لكم رسول﴾ من رب العالمين فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك ﴿أمين﴾ في جميع ما أرسلت به إليكم من خالقكم الذي لا أحد أرحم منه بكم، ثم تسبب عن قوله: ﴿إني لكم رسول﴾ قوله:
﴿فاتقوا الله﴾ أي: الذي له الغنى المطلق ﴿وأطيعون﴾ فيما أتيت به من عند الله، ثم نفى عنه ما فديتموهم ممن لا عقل له بقوله:
﴿وما أسألكم عليه﴾ أي: ما جئتكم به، وأغرق في النفي بقوله ﴿من أجر﴾ ثم زاد في تأكيد هذا النفي بقوله: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أجري﴾ على أحد ﴿إلا على رب العالمين﴾ فهو المتفضل المنعم على خلقه، ثم شرع ينكر عليهم أكل خيره وعبادة غيره بقوله:
﴿أتتركون﴾ أي: من أيدى النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى ﴿في ما ههنا﴾ أي: في بلادكم هذه من النعم حالة كونكم ﴿آمنين﴾ لا تخافون وأنتم تبارزون الملك القهار بالعظائم.
فائدة: تكتب في ما ههنا في مقطوعة عن ما، ثم فسر ما أجمله بقوله:
﴿في جنات﴾ أي: بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة أشجارها ﴿وعيون﴾ تسقيها من مالها من البهجة وغير ذلك من المنافع.
﴿وزروع﴾ أي: من سائر الأنواع ﴿ونخل طلعها﴾ أي: ما يطلع منها من الثمر ﴿هضيم﴾ قال ابن عباس: هو اللطيف، ومنه قوله: كشح هضيم، وقيل: هو الجواد الكريم من قولهم: يد هضوم إذا كانت تجود بما لديها، وقال أهل المعاني هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر، والطلع: عنقود الثمر قبل خروجه من الكمّ، وقال الزمخشري: الطلع هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو والقنوهر اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه.
فإن قيل: لم قال ونخل بعد قوله: ﴿في جنات﴾ والجنة تتناول النخل أول شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخيل كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير:
*تسقى جنة سحقًا*
وسحقًا: جمع سحوق، ولا يوصف به إلا النخل؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهًا على انفراده عنها بفضله عليها، الثاني: أن يريد بالجنات غيرها من الشجر لأنّ اللفظ يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل، ولما ذكر ما أنعم الله تعالى به عليهم أتبعه أفعالهم الخبيثة بقوله:
﴿وتنحتون﴾ أي: والحال أنكم تنحتون إظهارًا للقدرة ﴿من الجبال﴾ وقرأ ﴿بيوتًا﴾ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء، والباقون بكسرها، وقرأ ﴿فرهين﴾ ابن عامر والكوفيون بألف بعد الفاء، أي: حاذقين، وقرأ الباقون بغير ألف، أي: بطرين لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك.
﴿فاتقوا﴾ أي: فتسبب عن ذلك. أني أقول لكم اتقوا ﴿الله﴾ الذي له جميع العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره واجتناب زواجره ﴿وأطيعون﴾ أي: في كل ما أمرتكم به عنه فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم.
﴿ولا تطيعوا أمر المسرفين﴾ أي: المجاوزين للحدود، وقال ابن عباس: المشركين، وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة.
تنبيه: استعير الطاعة التي هي انقياد للآمر لامتثال الأمر، أو جعل الأمر مطاعًا على المجاز الحكمي والمراد الآمر، ومنه قولهم: لك على أمرة مطاعة وقوله تعالى: ﴿وأطيعوا أمري﴾ (طه: ٩٠)
[ ٣ / ٢٧ ]
ثم وصف المسرفين بما بين سرفهم بقوله.
﴿الذين يفسدون في الأرض﴾ بالمعاصي ﴿ولا يصلحون﴾ أي: ولا يطيعون الله في أمرهم به، فإن قيل: فما فائدة ولا يصلحون بعد قوله: يفسدون؟ أجيب: بأنّ في ذلك دلالة على خلوص فسادهم فليس فيه شيء من الصلاح كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطًا ببعض الصلاح، ولما عجزوا عن الطعن في شيء مما دعاهم إليه عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن.
﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ قال مجاهد وقتادة: من المسحورين المخدوعين، أي: ممن سحر مرة بعد مرة، أي: حتى غلب على عقله، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ولست بملك وعلى هذا يكون قولهم:
﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾ تأكيدًا له، قيل المسحور: هو المخلوق بلغة بجيلة أي: فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة ﴿فأت بآية﴾ أي: علامة تدل على صدقك ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي: الراسخين في الصدق فقال لهم صالح: ما تريدون قالوا نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقبًا فأخذ صالح يتفكر فقال له جبريل صلّ ركعتين وسل ربك الناقة ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبًا مثلها في العظم، وعن أبي موسى رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعًا فلما رآها.
﴿قال﴾ لهم صالح ﴿هذه ناقة﴾ أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم ﴿لها شرب﴾ أي: نصيب من الماء في يوم معلوم ﴿ولكم شرب يوم﴾ أي: نصيب من الماء في يوم ﴿معلوم﴾ لا زحام بينكم وبينها، وعن قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم ولا تشرب في يومهم ماء.
﴿ولا تمسوها بسوء﴾ كضرب وعقر، ثم خوّفهم بما تسبب عن عصيانهم بقوله: ﴿فيأخذكم﴾ أي: يهلككم ﴿عذاب يوم عظيم﴾ بسبب ما حل فيه من العذاب فهو أبلغ من وصف العذاب بالعظيم، وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله.
﴿فعقروها﴾ أي: فقتلوها بضرب ساقها بالسيف وأسند العقر إلى كلهم لأنّ عاقرها إنما عقر برضاهم فكأنهم فعلوا ذلك ﴿فأصبحوا﴾ أي: فتسبب عن عقرهم لها أنهم أصبحوا حين رأوا مخايل العذاب ﴿نادمين﴾ على عقرها من حيث إنه يفضي إلى العقاب والهلاك لا من حيث إنه معصية الله ورسوله وليس على وجه التوبة، أو كان ذاك عند رؤية البأس فلم ينفعهم.
﴿فأخذهم العذاب﴾ أي: العذاب الموعود على عقرها ﴿إن في ذلك﴾ أي: ما تقدم في هذه القصة من الغرائب ﴿لآية﴾ أي: دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به عن الله ﴿وما﴾ أي: والحال أنه مع ذلك ما ﴿كان أكثرهم مؤمنين﴾ بل استمرّوا على ما هم عليه.
﴿وإنّ ربك﴾ أي: المحسن إليك بأحسن الأخلاق ﴿لهو العزيز﴾ أي: فلا يخرج شيء عن قبضته وإرادته ﴿الرحيم﴾ أي: في كونه لم يهلك أحدًا حتى يرسل إليهم رسولًا يبين لهم ما يرتضيه الله تعالى وما يسخطه.
ثم أتبع قصة صالح ﵇ قصة لوط ﵇ وهي القصة السادسة فقال:
أي: كتكذيب من تقدم كأنهم تواصوا به ﴿قوم لوط المرسلين﴾ لأنّ من كذب رسولًا كما مضى فقد كذب الكل ثم بين إسراعهم في الضلال بقوله تعالى:
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي: في البلد لا في الدين ولا في النسب لأنه ابن أخي إبراهيم ﵉ وهما من بلاد الشرق من أرض بابل، وكأنه عبر بالأخوة لاختياره
[ ٣ / ٢٨ ]
لمجاورتهم ومناسبتهم بمصاهرتهم وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدة وسنين عديدة وإتيانه بالأولاد من نساءهم مع موافقته لهم في أنه قروي ثم بينه بقوله تعالى: ﴿لوط﴾ بصيغة العرض كغيره ممن تقدم ﴿ألا تتقون﴾ الله فتجعلون بينكم وبين سخطه وقاية، ثم علل ذلك بقوله:
﴿إني لكم﴾ أي: خاصة ﴿رسول﴾ فلا تسعني المخالفة ﴿أمين﴾ لا غش عندي ولا خيانة، ثم تسبب عن ذلك قوله:
﴿فاتقوا الله﴾ أي: الملك العظيم فإنه قادر على ما يريد فلا تعصوه ﴿وأطيعون﴾ أي: لأنّ طاعتي سبب نجاتكم لأني لا آمركم إلا بما يرضيه ولا أنهاكم إلا عما يغضبه ثم نفى عن نفسه ما يتوهم كما تقدم لغيره بقوله:
﴿وما أسألكم عليه﴾ أي: الدعاء إلى الله تعالى ﴿من أجر﴾ أي: فتتهموني بسببه ﴿إن أجري إلى على رب العالمين﴾ أي: المحسن إليّ بإيجادكم ثم بتربيتكم، ثم وبخهم ووعظهم بقوله:
﴿أتأتون الذكران﴾ وقوله ﴿من العالمين﴾ يحتمل عوده إلى الآتي، أي: أنتم من جملة العالمين مخصوصون بهذه الصفة وهي إتيان الذكور ولم يفعل هذا الفعل غيركم من الناكحين من الخلق، ويحتمل عوده إلى المأتي: أي: أنتم اخترتم الذكران من العالمين كالإناث منهم وعلى هذا يحتمل أن يراد الذكران من الآدميين ومن غيرهم توغلًا في الشرّ وتجاهرًا بالتهتك، قال البقاعي: وإن يراد الآدميون وجرى عليه البغوي وأكثر المفسرين أي: تريدون الذكران من أولاد آدم مع كثرة الإناث وغلبتهنّ.
﴿وتذرون﴾ أي: تتركون لهذا الغرض ﴿ما خلق لكم﴾ أي: للنكاح ﴿ربكم﴾ أي: المحسن إليكم وقوله ﴿من أزواجكم﴾ يصلح أن يكون تبيينًا أي: وهن الإناث وأن يكون للتبعيض ويكون المخلوق لذلك هو القبل، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم، ثم كأنهم قالوا نحن لم نترك نساءنا أصلًا ورأسًا وإن كانوا قد فهموا أنّ مراده تركهن حال الفعل في الذكور، فقال مضربًا عن مقالهم لما أرادوا به حيدة عن الحق وتماديًا في الفجور ﴿بل أنتم قوم عادون﴾ أي: متجاوزون عن حدّ الشهوة حيث زادوا على سائر الناس بل والحيوانات أي: مفرطون في المعاصي، وهذا من جملة ذلك، أو أحقاء بأن توصفوا بالعدوان بارتكابكم هذه الجريمة، ولما اتضح الحق عندهم وعرفوا أن لا وجه لهم في ذلك وانقطعت حجتهم.
﴿قالوا﴾ مقسمين ﴿لئن لم تنته﴾ وسموه باسمه جفاء وغلظة بقولهم: ﴿يا لوط﴾ أي: عن مثل إنكارك هذا علينا ﴿لتكونن من المخرجين﴾ أي: ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع من تعنيف واحتباس أملاك كما هو حال الظلمة إذا أجلوا بعض من يغضبون عليه وكما كان يفعل بعض أهل مكة بمن يريد المهاجرة، وفي هذا إشارة إلى أنه غريب عندهم وأنّ عادتهم المستمّرة نفي من اعترض عليهم.
﴿قال﴾ مجيبًا لهم ﴿إني﴾ مؤكدًا المضمون ما يأتي به ﴿لعملكم من القالين﴾ أي: المبغضين غاية البغض لا أقف عن الإنكار عليه بالإبعاد.
تنبيه: قوله من القالين: أبلغ من أن يقول إني لعملكم قالٍ كما تقول فلان من العلماء فيكون أبلغ من قولك فلان عالم لأنك تشهد له بكونه معدودًا في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم، والقلي: البغض الشديد كأنّ البغض يقلي الفؤاد والكبد والقالي المبغض كما قال القائل:
*ووالله ما فارقتكم قاليًا لكم ولكن ما يقضى عليّ يكون*
[ ٣ / ٢٩ ]
ثم إنه ﵇ دعا إلى الله تعالى بقوله:
﴿رب نجني وأهلي﴾ وقوله: ﴿مما يعملون﴾ يحتمل أن يريد من عقوبة عملهم، قال الزمخشري: وهو الظاهر، ويحتمل أن يريد بالتنجية العصمة، ثم إنّ الله تعالى قبل دعاءه كما قال تعالى:
﴿فنجيناه وأهله﴾ مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين استخفافهم له ولم نؤخره عنهم إلى حين خروجهم إلا لأجله، وأكد بقوله تعالى: ﴿أجمعين﴾ إشارة إلى أنه نجى أهل بيته ومن تبعه على دينه، ثم استثنى تعالى من أهل بيته قوله تعالى:
﴿إلا عجوزًا﴾ وهي امرأته كائنة ﴿في﴾ حكم ﴿الغابرين﴾ أي: الماكثين الذين تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لم ننجها لقضائنا بذلك في الأزل لكونها لم تتابعه في الدين ولم تخرج معه وكانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم، وقيل: أنها خرجت فأصابها حجر في الطريق فأهلكها.
فإن قيل: كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة فكيف استثنيت الكافرة منهم؟ أجيب: بأنّ الاستثناء إنما وقع من أهل بيته كما مرّت الإشارة إليه وفي هذا الاسم لها معهم مشركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان، فإن قيل: في الغابرين صفة لها كأنه قيل إلا عجوزًا في الغابرين غابرة ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم؟ أجيب: بأنّ معناه إلا عجوزًا مقدّرًا غبورها، أو في حكمهم كما مرت الإشارة إليه.
﴿ثم دمرنا﴾ أي: أهلكنا ﴿الآخرين﴾ أي: المؤخرين عن اتباع لوط وفي التعبير بلفظ الآخرين إشارة إلى تأخرهم من كل وجه، ثم لما كان المراد بقوله تعالى: دمرنا حكمنا بتدميرهم عطف عليه قوله:
﴿وأمطرنا عليهم مطرًا﴾ قال وهب بن منبه: الكبريت والنار، وقال قتادة: أمطر الله تعالى على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكتهم ﴿فساء مطر المنذرين﴾ اللام فيه للجنس حتى يصح وقوع المضاف إلى المنذرين فاعل ساء وذلك لأنّ فاعل فعل الذمّ أو المدح يجب أن يكون معرفًا بلام الجنس، أو مضافًا إلى المعرف بلام الجنس ليحصل الإبهام المقصود ثم التفصيل ولا يأتي ذلك في لام العهد، والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم.
﴿إن في ذلك﴾ أي: إنجاء لوط ومن معه وإهلاك هؤلاء الكفار الفجار ﴿لآية﴾ أي: دلالة عظيمة على ما يصدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم، ولما كان من أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن بعدهم قد علموا أخبارهم وضموا إلى تلك الأخبار نظر الديار والتوسم في الآثار، قال تعجبًا من حالهم في ضلالهم ﴿وما﴾ أي: والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم مؤمنين﴾ بما وقع لهؤلاء.
﴿وإن ربك﴾ وحده ﴿لهو العزيز﴾ أي: في بطشه لأعدائه ﴿الرحيم﴾ في لطفه بأوليائه.
ثم أتبع قصة لوط ﵇ بقصة شعيب ﵇ وهي القصة السابعة قال تعالى:
﴿كذب أصحاب الأيكة﴾ أي: الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت الشجر الكثير الملتف ﴿المرسلين﴾ لتكذيبهم شعيبًا ﵇ فيما أتى به من المعجزة المساوية في خرق العادة وعجز المتحدين بها عن مقاومتها لبقية المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر لَيكة بلام مفتوحة من غير ألف وصل وياء ساكنة ولا همزة قبلها وفتح تاء التأنيث، والباقون بإسكان اللام وقبلها وصل وبعد اللام همزة مفتوحة بعدها ياء ساكنة وخفض تاء التأنيث، قال أبو عبيدة: وجدنا في بعض التفاسير الفرق
[ ٣ / ٣٠ ]
بين ليكة والأيكة فقيل: ليكة هو اسم للقرية التي كانوا فيها، والأيكة: البلاد كلها فصار الفرق بينهما شبيهًا لما بين مكة وبكة، ثم بين تعالى وقت تكذيبهم بقوله تعالى:
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿قال لهم شعيب﴾ برفق ولطف ﴿ألا تتقون﴾ الله الذي تفضل عليكم بنعمه ولم يقل أخوهم شعيب لأنه لم يكن من أهل الأيكة في النسب لأنهم كانوا أهل بدو وكان ﵇ قرويًا، لأنّ الله تعالى لم يرسل نبيًا إلا من أهل القرى تشريفًا لهم، لأنّ البركة والحكمة في الاجتماع، ولذلك نهى النبي ﷺ عن التعرب بعد الهجرة وقال: «من يرد الله به خيرًا ينقله من البادية إلى الحاضرة ولما ذكر مدين قال أخاهم شعيبًا لأنه كان منهم وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وأصحاب الأيكة، ثم أكد ما قاله بقوله:
﴿إني﴾ وأشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه بقوله ﴿لكم رسول﴾ أي: من عند الله فهو أمرني أن أقول لكم ذلك ﴿أمين﴾ أي: لا خيانة عندي ولا غش فلذلك أبلغ جميع ما أرسلت به ولذلك تسبب عنه قوله:
﴿فاتقوا الله﴾ أي: المحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها ﴿وأطيعون﴾ لما ثبت من نصحي لكم، ثم ذكر ما ذكر من تقدّمه من الأنبياء من نفي ما يتوهم أنّ لهم رغبة في أجرة على دعائهم فقال:
﴿وما أسألكم عليه﴾ أي: دعائي لكم إلى الإيمان بالله تعالى ﴿من أجر﴾ ثم زاد في البراءة من الطمع في أحد من الخلق بقوله ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أجري إلا على رب العالمين﴾ أي: المحسن إلى الخلائق كلهم فأنا لا أرجو أحدًا سواه، ثم نصحهم بقوله:
﴿أوفوا الكيل﴾ أي: أتموه إتمامًا لا شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا اكتلتم ﴿ولا تكونوا من المخسرين﴾ أي: الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن كما قال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ (المطففين: ١، ٢) أي: الكيل ﴿وإذا كالوهم﴾ (المطففين: ٢)
أي: كالوا لهم ﴿أو وزنوهم﴾ أي: وزنوا لهم ﴿يخسرون﴾ (المطففين: ٣)
ينقصون الكيل أو الوزن.
﴿وزنوا﴾ أي: لأنفسكم ولغيركم ﴿بالقسطاس﴾ أي: الميزان الأقوم وأكد معناه بقوله ﴿المستقيم﴾ وقيل: هو بالرومية العدل، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف، والباقون بالضمّ.
تنبيه: الكيل على ثلاثة أضرب: واف، وطفيف، وزائد، فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله تعالى: ﴿أوفوا الكيل﴾ ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا من المخسرين﴾
ولم يذكر الزائد لأنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا إثم عليه، والوزن في ذلك كالكيل، ولهذا عمم في النهي عن النقص بقوله:
﴿ولا تبخسوا﴾ أي: تنقصوا ﴿الناس أشياءهم﴾ أي: في كيل أو وزن أو غير ذلك، ثم أتبع ذلك بما هو أعم بقوله ﴿ولا تعثوا﴾ أي: لا تنصرفوا ﴿في الأرض﴾ من غير تأمل حال كونكم ﴿مفسدين﴾ أي: في المال أو غير ذلك كقطع الطريق والقتل، ثم خوفهم بعد أن وعظهم ونهاهم عن الفساد من سطوة الجبار ما حل بمن هو أعظم منهم بقوله:
﴿واتقوا الذي خلقكم﴾ أي: من نطفة فإعدامكم أهون شيء عليه وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله ﴿والجبلة﴾ أي: الجماعة والأمم ﴿الأولين﴾ الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا من أشدّ منا قوّة، وقد أخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ثم إنهم أجابوه بالقدح في الرسالة أولًا: باستصغار الوعيد ثانيًا: بأن.
[ ٣ / ٣١ ]
﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ أي: الذين كرّر سحرهم مرّة بعد أخرى حتى اختلفوا فصار كلامهم على غير نظام، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح ﵇ أي: فأنت بعيد عن الصلاحية للرسالة، ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر لها مطلقًا ولو كان أعقل الناس بقولهم:
﴿وما أنت إلا بشر مثلنا﴾ أي: فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك وأتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين مناقضين منافيين للرسالة مبالغة في تكذيبه، ولهذا قالوا ﴿وإن نظنك لمن الكاذبين﴾ أي: في دعواك.
تنبيه: مذهب البصريين أنّ ﴿إن﴾ هذه هي المخففة من الثقيلة، أي: وإنا نظنك، والذي يقتضيه السياق ترجيح مذهب الكوفيين هنا في أنّ ﴿إن﴾ نافية، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في وما أنت المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظنّ يتوجه إلى غير الكذب، وهو أبلغ من إثبات الظنّ به، ثم إنّ شعيبًا ﵇ كان توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا.
﴿فأسقط علينا كسفا﴾ أي: قطعًا ﴿من السماء﴾ أي: السحاب أو الحقيقة ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي: العريقين في الصدق المشهورين فيما بين أهله لنصدّقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب.
تنبيه: انظر إلى حسن نظر شعيب ﵇ كيف هدّدهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشدّ منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسلهم، وقرأ حفص بفتح السين، والباقون بالسكون وهنا همزتان مكسور، فقالون والبزي يسهل الهمزة الأولى من المدّ والقصر، وأسقطها أبو عمرو مع المدّ، والباقون بتحقيق الأولى.
﴿قال﴾ لهم شعيب في جوابهم ﴿ربي أعلم بما تعلمون﴾ فيجازيكم به فإن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم، وأمّا أنا فليس عليّ إلا البلاغ، وأنا مأمور به فلم أخوّفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم فطلبكم ذلك مني مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب.
﴿فكذبوه﴾ أي: استمرّوا على تكذيبه ﴿فأخذهم﴾ أي: فتسبب عن تكذيبهم أن أخذهم ﴿عذاب يوم الظلة﴾ وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، روي أنّ الله تعالى حبس عنهم الريح سبعًا وتسلط عليهم الرمض: وهو شدّة الحرّ مع سكون الريح فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردًا ونسيمًا فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا، وروي أن شعيبًا بعث إلى أمّتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، فأهلكت مدين بصيحة جبريل، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة ﴿إنه كان عذاب يوم عظيم﴾ وقدمنا أن تعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب.
﴿إن في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من الإنجاء المطرد لكلّ رسول ومن أطاعه والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر بحيث لا يشذ من الفريقين إنسان قاصٍ ولا دان ﴿لآية﴾ أي: دلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا جديرين بتصديق العباد لهم في جميع ما قالوه من البشائر والنذائر، بأن الله تعالى يهلك من عصاه وينجي من والاه لأنه الفاعل المختار لما يريد ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي: أكثر قومك كما كان من قبلهم ﴿مؤمنين﴾ مع أنك قد أتيت قومك بما لا يكون معه شك لو لم يكن لهم بك معرفة قبل ذلك، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة
[ ٣ / ٣٢ ]
أصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة وأغزرهم عقلًا وأعلاهم همة وأبعدهم عن كل ذي دنس.
﴿وإنّ ربك﴾ أي: المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك ويوضح برهانك ﴿لهو العزيز﴾ فلا يعجزه أحد ﴿الرحيم﴾ بالإمهال لكي يؤمنوا أو أحد من ذرّيتهم: وهذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله ﷺ تهديدًا للمكذبين له.
فإن قيل: كيف كرّر في هذا السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرّر؟.
أجيب: بأنّ كل قصة منها كتنزيل برأسه وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق على أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وأن تختم بما ختمت به، ولأنّ في التكرير تقريرًا للمعاني في الأنفس وتثبيتًا لها في الصدور، ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا بترديد ما يراد حفظه منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد من النسيان، ولأنّ هذه القصص طرقت بها آذان وقرعن الإنصات للحق وقلوب غلف عن تدبره فكوثرت بالوعظ والتذكير وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنًا أو يشق ذهنًا أو يصقل عقلًا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهمًا قد غطى عليه تراكم الصدا وفي ذلك دلالة على أنّ البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما يقرّب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه، وأنّ الأنبياء متفقون على ذلك وإن اختلفوا في بعض التفاريع، مبرؤون عن المطامع الدينية والأغراض الدنيوية، ولما ذكر الله تعالى قصص الأنبياء ﵈ أتبعه بما يدلّ على نبوّته ﷺ بقوله تعالى.
﴿وإنه﴾ أي: الذكر الذي أتاهم بهذه الأخبار وهم عنه معرضون وله تاركون ﴿لتنزيل رب العالمين﴾ أي: الذي ربّاهم بشمول علمه وعظيم قدرته بما يعجز عن أقل شيء منه غيره.
﴿نزل به﴾ أي: نجومًا على سبيل التدريج من الأفق الأعلى الذي هو محل البركات، وعبر عن جبريل ﵇ بقوله ﴿الروح﴾ دلالة على أنه مادّة خير، وأنّ الأرواح تحيا بما ينزله من الهدى وقال تعالى ﴿الأمين﴾ إشارة إلى كونه ﵇ معصومًا من كل دنس فلا يمكن منه خيانة.
﴿على قلبك﴾ يا أشرف الرسل ففي هذا تقرير لحقية تلك القصص.
وتنبيه: على إعجاز القرآن ونبوة محمد ﷺ وأنّ الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيًا من الله تعالى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص بتخفيف الزاي، والروح الأمين برفعهما والباقون بتشديد الزاي والروح الأمين بنصبهما.
فإن قيل: قال على قلبك وهو إنما نزل عليه؟ أجيب: بأنه ذكر ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ والمرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير ولأنّ القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأمّا سائر الأعضاء فمسخرة له، ويدلّ على ذلك الكتاب والسنة والمعقول فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ واستحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب قال الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ (البقرة: ٢٢٥)
ومن السنة قوله: ﷺ «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» ومن المعقول أنّ القلب إذا غشي عليه وقطع سائر الأعضاء لم يحصل به الشعور وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات وإذا فرح
[ ٣ / ٣٣ ]
القلب أو حزن تغير حال الأعضاء عند ذلك، ولأنّ المعاني الروحانية إنما تنزل أوّلًا على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش منه لوح المخيلة.
ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير قال تعالى معللًا للجملة التي قبله ﴿لتكون من المنذرين﴾ أي: المخوفين المحذرين لمن أعرض عن الإيمان وفعل ما نهى عنه من المعاصي وقوله تعالى:
﴿بلسان عربي﴾ يجوز أن يتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد ﷺ ويجوز أن يتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربي لينذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجميّ لتجافوا عنه أصلًا ولقالوا ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به، قال ابن عباس: بلسان قرشيّ ليفهموا ما فيه، ولما كان في العربيّ ما قد يشكل على بعض العرب قال تعالى: ﴿مبين﴾ أي: بين في نفسه كاشف لما يراد منه غير تارك لبسًا عند من تدبره على ما يتعارفه العرب في مخاطباتها من سائر لغاتها بحقائقها ومجازاتها على اتساع إرادتها وتباعد مراميها في محاوراتها وحسن مقاصدها في كناياتها واستعاراتها ومن يحيط بذلك حق الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير، ولما كان الاستكثار من الأدلة مما يسكن النفوس وتطمئن به القلوب قال تعالى.
﴿وإنه﴾ أي: هذا القرآن أصوله وكثيرًا من قصصه وأمّهات فروعه ﴿لفي زبر﴾ أي: كتب ﴿الأولين﴾ كالتوراة والإنجيل وقيل: وإنه أي: محمدًا ونعته لفي كتب الأوّلين.
﴿أو لم يكن لهم﴾ أي: لكفار مكة ذلك ﴿آية﴾ أي: على صحة القرآن أو نبوّة محمد ﷺ وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية ورفع آية على أنها الاسم والخبر لهم، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها الاسم والخبر لهم، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها خبر وقوله تعالى ﴿أن يعلمه﴾ أي: هذا الذي يأتي به نبينا من عندنا هو اسمها ﴿علماء بني إسرائيل﴾ أي: يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم، والمعنى أو لم يكن لهؤلاء المنكرين، علم بني إسرائيل علامة ودلالة على نبوّة محمد ﷺ لأنّ العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم كعبد الله بن سلام وابن يامين وثعلبة وأسد وأسيد، قال الله تعالى: ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ (القصص: ٥٣)
قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد ﷺ فقالوا: إنّ هذا لزمانه وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته فكان ذلك آية على صدقه.
فائدة: خط في المصحف علماء بواو قبل الألف على لغة من يميل الألف إلى الواو، وعلى هذه اللغة كتبت الصلاة والزكاة والربا، قال الله تعالى:
﴿ولو نزلناه﴾ أي: القرآن على ما هو عليه من الحكمة والإعجاز ﴿على بعض الأعجمين﴾ أي: على رجل ليس بعربيّ اللسان أو بلغة العجم.
﴿فقرأه عليهم﴾ أي: كفار مكة ﴿ما كانوا به مؤمنين﴾ لفرط عنادهم واستكبارهم أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم، وقالوا ما نفقه قولك وجعلوه عذرًا بجحودهم، ونظيره ﴿ولو جعلنا قرآنا أعجميًا لقالوا لولا فصلت آياته﴾ (فصلت، ٤٤) .
تنبيه: الأعجمين جمع أعجميّ بياء النسب على التخفيف بحذفها من الجمع ولكونه جمع أعجميّ جمع جمع سلامة لأنه حينئذ ليس من باب أفعل فعلاء بخلاف ما لو كان جمع أعجم فإنّ مؤنثه عجماء بوزن أفعل فعلاء وهو عند البصريين لا يجمع هذا الجمع إلا لضرورة كقوله:
[ ٣ / ٣٤ ]
*حلائل أسودين وأحمرين*
وقال ابن عطية: جمع أعجم، يقال الأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان غربيّ النسب يقال له أعجم وذلك يقال للحيوانات، ومنه قوله ﷺ «جرح العجماء جبار» وأسند الطبريّ عن عبد الله بن مطيع أنه كان واقفًا بعرفة وتحته جمل فقال جملي هذا أعجم ولو أنه أنزل عليهم ما كانوا يؤمنون، ولما كان ذلك محل تعجب وكأنه ربما ظنّ له أنّ الأمر على خلاف حقيقته قرّر مضمونه وحققه بقوله تعالى:
﴿كذلك﴾ أي: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجم ﴿سلكناه﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أدخلنا الشرك والتكذيب ﴿في قلوب المجرمين﴾ أي: كفار مكة بقراءة النبيّ ﷺ وهذا يدل على أنّ الكل بقضاء الله تعالى وقدره، وقيل: الضمير في سلكناه عائد إلى القرآن، قال ابن عادل: وهو الظاهر أي: سلكناه في قلوب المجرمين كما سلكناه في قلوب المؤمنين ومع ذلك لم ينجع فيهم، وفي جملة.
﴿لا يؤمنون به﴾ وجهان: أحدهما: الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبله، والثاني: أنها حال من الضمير في سلكناه أي: سلكناه غير مؤمن به أي: من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام وجعل على قلوبهم من الطبع والختام ﴿حتى يروا العذاب الأليم﴾ أي: الملجئ للإيمان فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان، ولما كان إتيان الشرّ فجأة أشدّ، قال تعالى:
﴿فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ بإتيانه.
﴿فيقولوا﴾ أي: تأسفًا واستسلامًا وتلهفًا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه ﴿هل نحن منظرون﴾ أي: مفسوح لنا في آجالنا فنسمع ونطيع.
فإن قيل: ما معنى التعقيب في فيأتيهم بغتة فيقولوا؟ أجيب: بأنه ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى يكون رؤيتهم للعذاب عما هو أشدّ منها وهو لحوقه بهم مفاجأة عما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة، مثال ذلك: أن تقول لمن تعظه: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنه لا يقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقب مقت الصالحين وإنما قصدك إلى ترتيب شدّة الأمر على المسيء، فإنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين عما هو أشدّ من مقتهم وهو مقت الله، ونرى ثم تقع في هذا الأسلوب فيجمل موقعها، ولما أوعدهم النبيّ ﷺ بالعذاب قالوا إلى متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا العذاب قال الله تعالى:
﴿أفبعذابنا﴾ أي: وقد تبين لهم كيف أخذه للأمم الماضية والقرون الخالية والأقوام العاتية ﴿يستعجلون﴾ أي: بقولهم: أمطر علينا حجارة أسقط علينا كسفًا من السماء ونحو ذلك.
﴿أفرأيت﴾ أي: هب أنّ الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني ﴿إن متعناهم﴾ أي: في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة ﴿سنين﴾ .
﴿ثم جاءهم﴾ أي بعد تلك السنين المتطاولة والدهور المتواصلة ﴿ما كانوا يودعون﴾ من العذاب.
﴿ما﴾ أي: أيّ شيء ﴿أغنى عنهم﴾ أي: فيما أخذهم من العذاب ﴿ما كانوا يمتعون﴾ برفع العذاب أو تخفيفه، أي: لم يغن عنهم طول التمتع شيئًا ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط، وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزد على تلاوة هذه الآية، فقال له ميمون لقد وعظت فأبلغت.
﴿وما أهلكنا من قرية﴾ أي: من القرى السالفة بعذاب الاستئصال ﴿إلا لها منذرون﴾ أي: رسولهم
[ ٣ / ٣٥ ]
ومن تبعه من أمّته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبلهم، ثم علل الإنذار بقوله تعالى:
﴿ذكرى﴾ أي: تنبيهًا عظيمًا على ما فيه النجاة، أو جعل المنذرين نفس الذكرى، كما قال تعالى ﴿قد أنزلنا إليكم ذكرًا رسولًا﴾ (الطلاق: ١٠ - ١١)
وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه ﴿وما كنا ظالمين﴾ أي: في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا وعبدوا غيرنا بعد الإعذار إليهم ومتابعة الحجج ومواصلة الوعيد.
تنبيه: الواو في قوله: ﴿وما كنا﴾ واو الحال من نون أهلكنا فإن قيل: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾؟ (الحجر: ٤)
أجيب: بأنّ الأصل عزل الواو لأنّ الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله تعالى: ﴿سبعة وثامنهم كلبهم﴾ (الكهف: ٢٢)
ولما كان الكفرة يقولون إنّ محمدًا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما تتنزل به الشياطين، أكذبهم الله ﷾ بقوله.
﴿وما تنزلت به الشياطين﴾ أي: ليكون سحرًا أو كهانةً أو شعرًا أو أضغاث أحلام كما يقولون.
﴿وما ينبغي﴾ أي: وما يصح ﴿لهم﴾ أن يتنزلوا به ﴿وما يستطيعون﴾ أي: التنزل به وإن اشتدّت معاجلتهم على تقدير: أن يكون لهم قابلية لذلك، ثم علل هذا بقوله تعالى:
﴿إنهم عن السمع﴾ أي: لكلام الملائكة ﴿لمعزولون﴾ أي: محجوبون بالشهب، ولما كان القرآن داعيًا إلى الله تعالى ناهيًا عن عبادة غيره تسبب عن ذلك قوله تعالى:
﴿فلا تدع مع الله﴾ أي: الحائز لكمال الصفات ﴿إلهًا آخر فتكون﴾ أي: فيتسبب عن ذلك أن تكون ﴿من المعذبين﴾ من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله، وهذا خطاب لنبيه ﷺ والمراد غيره لأنه معصوم من ذلك، قال ابن عباس: يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق لديّ وأعزهم عليّ ولئن اتخذت إلهًا غيري لعذبتك فيكون الوعيد أزجر له ويكون هو أقبل، روى محمد بن إسحاق بسنده عن عليّ ﵁ أنه قال لما نزلت على النبيّ ﷺ
﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعاني رسول الله ﷺ فقال يا عليّ إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وضقت بذلك ذرعًا، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك فاصنع لي صاعًا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسًا من لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم إليه وهم يومئذ أربعون رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصون رجلًا فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعته فجئت به فلما وضعته تناول ﷺ جذبة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصفحة، ثم قال كلوا بسم الله فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدّمت لجميعهم، ثم قدّمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعًا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بادره أبو لهب فقال سحركم محمد صاحبكم فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله ﷺ فقال يا عليّ إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن أكملهم فأعد لنا الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم، ففعلت ثم جمعتهم
[ ٣ / ٣٦ ]
ثم دعاني بالطعام فقدمته ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله ﷺ يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري ويكون أخي ووصي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جميعًا، فقلت وأنا أحدثهم سنًا: أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه قال فأخذ برقبتي ثم قال: إنّ هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لعليّ وتطيع.
وعن ابن عباس: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عديّ لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي قالوا: نعم ما جرّبنا عليك إلا الصدق قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب تبًا لك ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام فنزلت ﴿تبت﴾ أي: خسرت ﴿يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ (المسد: ١ - ٢)
وفي رواية فخرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدّقي» إلى آخر ما مرّ.
وعن أبي هريرة قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله هذه الآية فقال يا معشر قريش أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا ويا فاطمة بنت محمد سلي ما شئت من مال لا أغني عنك من الله شيئًا» .
وروى أبو يعلى عن الزبير بن العوام: «أنّ قريشًا جاءته فحذرهم وأنذرهم فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وعيسى في إحياء الموتى ونحو ذلك وأن يسير الجبال ويفجر الأنهار ويجعل الصخرة ذهبًا فأوحى الله تعالى إليه وهم عنده فلما سري عنه أخبرهم أن أعطي ما سألوه ولكنه إن أراهم فكفروا عوجلوا، فاختار ﷺ الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة فلما كانت النذارة إنما هي للمشركين، أمر بضدّها لأضدادهم» بقوله تعالى:
﴿واخفض جناحك﴾ أي: لمن غاية اللين وذلك لأنّ الطائر إذا أراد أن يرتفع رفع جناحيه، وإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما فجعل ذلك مثلًا في التواضع، ومنه قول بعضهم:
*وأنت الشهير بخفض الجناح فلأنك في رفعه أجدلا*
ينهاه عن التكبر بعد التواضع ﴿لمن اتبعك من المؤمنين﴾ أي: سواء كانوا من الأقربين أم من الأبعدين، فإن قيل: المتبعون للرسول هم المؤمنون؟.
أجيب: بوجهين: أحدهما: أن تسميتهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، الثاني: أن يريد بالمؤمنين المصدّقين بألسنتهم وهم صنفان صنف: صدّق واتبع رسول الله ﷺ فيما جاء به، وصنف: ما وجد منه إلا التصديق فقط، أما أن يكونوا منافقين أو فاسقين والفاسق والمنافق لا يخفض لهما الجناح فمن على هذا للتبعيض، وإن أريد عموم الإتباع فهي للتبيين واختلف في الواو في قوله تعالى:
﴿فإن عصوك﴾
[ ٣ / ٣٧ ]
على أوجه: أحدها: أنها ضمير الكفار، أي: فإن عصاك الكفار في أمرك لهم بالتوحيد، الثاني: أنها ضمير العشيرة، وهذا أقرب كما جرى عليه السلف والجلال المحلي، الثالث: أنها ضمير المؤمنين أي: فإن عصاك المؤمنون في فروع الإسلام وبعض الأحكام بعد تصديقك والإيمان برسالتك، وهذا كما قال ابن عادل: في غاية البعد ﴿فقل﴾ أي: تاركًا لما كنت تعاملهم من اللين ﴿إني بريء﴾ أي: منفصل غاية الانفصال ﴿مما تعملون﴾ أي: من العصيان الذي أنذر منه القرآن.
﴿وتوكل﴾ أي: فوّض في عصمتك ونجاتك وجميع أمورك ﴿على العزيز﴾ أي: القادر على الدفع عنك والانتقام منهم ﴿الرحيم﴾ أي: الذي نصرك عليهم برحمته، وقرأ نافع وابن عامر فتوكل بالفاء على الإبدال من جواب الشرط، والباقون بالواو، ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف المقتضى لجميع أوصاف الكمال بقوله تعالى:
﴿الذي يراك﴾ أي: بصرًا وعلمًا ﴿حين تقوم﴾ من نومك إلى التهجد، وقال مجاهد: أي: يراك أينما كنت، وقال أكثر المفسرين كما قال البغويّ حين تقوم إلى الصلاة أي: من نوم أو غيره.
﴿و﴾ يرى ﴿تقلبك﴾ في الصلاة قائمًا وراكعًا وساجدًا ﴿في الساجدين﴾ قال عكرمة عن ابن عباس أي: في المصلين، وقال مقاتل: مع المصلين في الجماعة يقول يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين جماعة، وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر أمامه.
وروى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «هل تدرون قبلتي ههنا فو الله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري»، وقال عطاء عن ابن عباس: أراد وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأمة، وقيل: تردّدك في تصفح الأحوال المتهجدين من أصحابك لتطلع عليهم من حيث لا يشعرون، وتستبطن سرائرهم وكيف يعبدون الله وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات فوجدها كبيوت الزنابير.
﴿إنه هو﴾ أي: وحده ﴿السميع﴾ أي: لجميع أقوالكم ﴿العليم﴾ أي: بجميع ما تسرونه وتعلنونه من أعمالكم وشمول العلم يستلزم تمام القدرة فصار كأنه قال: إنه السميع البصير العليم القدير تثبيتًا للتوكل عليه، ولما بين ﷾ أنّ القرأن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين، أكد ذلك بأن بين أنّ محمدًا ﷺ لا يصح أن ينزلوا عليه من وجهين ذكرهما بقوله تعالى:
﴿هل أنبئكم﴾ أي: أخبركم خبرًا جليًا نافعًا في الدين عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان ﴿على من تنزل﴾ وتتردّد ﴿الشياطين﴾ حين تسترق السمع ولما كان كأنه قيل: نعم أشار إلى أحد الوجهين بقوله تعالى:
﴿تنزل﴾ على سبيل التدريج والتردّد ﴿على كل أفاك﴾ أي: كذاب ﴿أثيم﴾ أي: فاجر مثل مسيلمة الكذاب وغيره من الكهنة أشار إلى ثاني الوجهين بقوله تعالى:
﴿يلقون السمع﴾ أي: الآفكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها، كما جاء في الحديث الكلمة يخطفها الجنيّ فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة، ولا كذلك محمد صلى
[ ٣ / ٣٨ ]
الله عليه وسلم فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها، ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين، ومعنى إلقائهم السمع إنصاتهم إلى الملأ الأعلى قبل أن يرجموا فيخطفون منهم بعض المغيبات ويوحونه إلى أوليائهم أو يلقون الشيء المسموع إلى الكهنة ﴿وأكثرهم﴾ أي: الفريقين ﴿كاذبون﴾ أما الشياطين فإنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، وأمّا الآفكون: فإنهم يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم.
فإن قيل: كيف قال وأكثرهم كاذبون بعدما حكم عليهم أنّ كل واحد منهم أفاك؟ أجيب: بأنّ الأفاكين هم الذين يكثرون الكذب لأنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب فأراد أنّ هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجنيّ وأكثرهم مفتر عليه، ولما قال الكفار لم لا يجوز أن يقال الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء، ثم إنه تعالى فرق بين محمد ﵊ وبين الكهنة، وذكر ما يدلّ على الفرق بينه وبين الشعراء بقوله تعالى:
﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ أي: الضالون المائلون عن سنن الأقوم إلى كل فساد يجرّ إلى الهلاك وأتباع محمد ﷺ ليسوا كذلك بل هم الساجدون الباكون الزاهدون رضي الله تعالى عنهم، وقرأ نافع بسكون التاء الفوقية وفتح الباء الموحدة، والباقون بتشديد الفوقية وكسر الموحدة، ولما قرّر حال أتباعهم، علم منه أنهم هم أغوى منهم لتهّتكهم في شهوة اللقلقة باللسان حتى حسن لهم الزور والبهتان، دلّ على ذلك بقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ أي: تعلم ﴿أنهم﴾ أي: الشعراء ومثل حالهم بقوله تعالى: ﴿في كل واد﴾ من أودية القول من المدح والهجو والتشبب والرثاء والمجون وغير ذلك ﴿يهيمون﴾ أي: يسيرون سير البهائم حائرين وعن طريق الحق حائدين كيفما جرّهم القول أنجرّوا من القدح في الأنساب والتشبب بالحرم والهجو ومدح من لا يستحق المدح ونحو ذلك، ولذلك قال تعالى:
﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ أي: لأنهم لا يقصدونه وإنما ألجأهم إليه الفنّ الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها، وقيل: إنهم يمدحون الجود والكرم ويحثون عليه ولا يفعلونه ويذمّون البخل ويصرّون عليه ويهجون الناس بأدنى شيء صدر منهم.
تنبيه: قال المفسرون: أراد شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله ﷺ وذكر مقاتل أسماءهم فقال: منهم عبد الله بن الزبعري السهميّ وهبيرة بن أبي وهب المخزوميّ وشافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحيّ وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقالوا: نحن نقول كما قال محمد وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين هجوا النبيّ ﷺ وأصحابه، ويروون عنهم قولهم: فذلك قوله تعالى: ﴿يتبعهم الغاوون﴾ وهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين، وقال قتادة: هم الشياطين، ثم.
إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف، استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجتنبون شعر الجاهلية ويهجون الكفار وينافحون عن النبيّ ﷺ وأصحابه، منهم: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، فقال تعالى:
﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي: بالله ورسوله ﴿وعملوا﴾ أي: تصديقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: التي شرعها الله تعالى ورسوله ﴿وذكروا الله﴾ مستحضرين ما له من الكمال ﴿كثيرًا﴾ أي:
[ ٣ / ٣٩ ]
لم يشغلهم الشعر عن الذكر، روي أنّ كعب بن مالك قال للنبيّ ﷺ «إنّ الله قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال النبيّ ﷺ إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل» وعن أنس ﵁ أنّ النبيّ ﷺ «دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول:
*خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضر بكم على تنزيله*
*ضربًا يزيل الهمام عن مقيله ويذهب الخليل عن خليله*
فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول شعرًا فقال النبيّ ﷺ خل عنه يا عمر فهي أسرع فيهم من نضح النبل» وعن البراء أنّ النبيّ ﷺ قال يوم قريظة لحسان: «أهج المشركين فإنّ جبريل معك» وعن عائشة ﵂ قالت أنّ النبيّ ﷺ قال: «اهجوا قريشًا فإنه أشدّ عليهم من رشق النبل فأرسل إلى ابن رواحة فقال اهجهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فقال حسان قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد ثم أدلع لسانه فجعل يحرّكه فقال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال النبيّ ﷺ لا تعجل فإنّ أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإنّ لي فيهم نسبًا حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال يا رسول الله لقد أخلص لي نسبك والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما يسلّ الشعر من العجين، قالت عائشة فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إنّ روح القدس لا يزال يؤدّيك ما نافحت عن الله ورسوله قالت وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «هجاهم حسان فشفى وأشفى» قال حسان:
الكتاب: السراج المنير للخطيب الشربينى
*هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء*
*هجوت محمدًا برًّا حنيفًا رسول الله شيمته الوفاء*
*فإنّ أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وفاء*
*فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء*
*وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء*
وورد في مدح الشعر عن أبيّ بن كعب أنّ رسول الله ﷺ قال: إنّ من الشعر حكمة» وعن ابن عباس قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ ﷺ يومًا فقال: هل معك من شعر أمية ابن أبي الصلت شيء؟ قال: نعم قال هيه، فأنشده بيتًا فقال هيه حتى أنشده مائة بيت» وعن جابر بن سمرة قال: «جالست رسول الله ﷺ أكثر من مئة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون شيئًا من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم» وعن عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح، وعن: الشعبيّ كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان عليّ أشعر الثلاثة، وعن ابن عباس: أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ واستنشده القصيدة التي أوّلها:
[ ٣ / ٤٠ ]
*أمن آل نُعْمٍ أنت غاد مبكر غداة غد أم رائح فمهجر*
فأنشد ابن ربيعة القصيدة إلى آخرها وهي قريبة من سبعين بيتًا، ثم إنّ ابن عباس أعاد القصيدة جميعًا وكان حفظها بمرّة واحدة. ثم بين ﷾ ما حمل المؤمنين على الشعر وهو انتصارهم من المشركين بقوله تعالى: ﴿وانتصروا﴾ أي: بهجوهم الكفار ﴿من بعدما ظلموا﴾ بهجو الكفار لهم لأنهم بدؤا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين وغيرهم من الكفار بقوله تعالى: ﴿وسيعلم الذين ظلموا﴾ بالشرك وهجو رسول الله ﷺ ﴿أي: منقلب﴾ أي: مرجع ﴿ينقلبون﴾ أي: يرجعون بعد الموت، قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير، وفي هذا تهديد شديد لما في سيعلم من الوعيد البليغ، ﴿وفي الذين ظلموا﴾ من الإطلاق والتعميم وفي ﴿أيّ منقلب ينقلبون﴾ من الإبهام والتهويل، وقد تلا أبو بكر لعمر ﵄ حين عهد إليه هذه الآية.
اللهمّ اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها، وروى الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس: أنّ النبيّ ﷺ قال: «أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأوّل وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي تذكر فيها البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة» وعن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله أعطاني السبع مكان التوراة وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهنّ نبيّ قبلي»، وما رواه البيضاويّ تبعًا للزمخشريّ من أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدّق بمحمد ﷺ حديث موضوع.