مكية وهي ثلاث وخمسون آية وثمانمائة وست وستون كلمةوثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفًا
﴿بسم الله﴾ الذي أحاط بصفات الكمال ﴿الرحمن﴾ الذي عمت رحمته سائر عباده ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بما ترضاه إلهيته من رحمته وقوله تعالى:
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح وسئل الحسن بن الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها سورة أولها حم فجرت مجرى نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل كهيعص والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف تهج لا غير. واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلًا، وقيل: معناها حم أي: قضى ما هو كائن، روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ح حلمه م مجده ع علمه س سناؤه ق قدرته أقسم الله تعالى بها. وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: ح: حرب قريش يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في قريش، م: ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع: عداوة لقريش يقصدهم سن سنين كسني يوسف تكون فيهم، ق: قدرة الله تعالى النافذة في خلقه. وروي عن ابن عباس أنه قال ليس من نبي صاحب كتاب إلا وأوحيت إليه حم عسق فلذلك قال تعالى:
﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن ﴿يوحى إليك﴾ أي: ما دمت حيًا لا يقطع ذلك عنك ﴿وإلى﴾ أي: وأوحى إلى ﴿الذين من قبلك﴾ أي: من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام ومن جملة ما أوحى إليهم أن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء وأخذ على كل منهم العهد باتباعك وأن يكونوا من أنصارك وأتباعك وقوله تعالى: ﴿الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال فاعل الإيحاء.
ولما كان نفوذ الأمر دائرًا على العزة والحكمة قال تعالى: ﴿العزيز﴾ أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ الذي يصنع ما يصنعه في أتقن محاله فلذلك لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه ولا نقص ما أحكمه.
تنبيه: ما تقرر من أن الله تعالى فاعل الإيحاء هو على قراءة كسر الحاء من يوحي وهي قراءة غير ابن كثير، وأما على قراءة ابن كثير بفتح الحاء فيجوز أن يرتفع بفعل مضمر كأنه قيل: من يوحيه فقيل الله ك ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ (النور: ٣٦ - ٣٧)
ويجوز أن يرتفع بالابتداء وما بعده خبر
[ ٣ / ٥٢٦ ]
والجملة قائمة مقام الفاعل وأن يكون العزيز الحكيم خبرين أو نعتين والجملة من قوله تعالى:
﴿له ما في السموات﴾ أي: من الذوات والمعاني ﴿وما في الأرض﴾ كذلك خبر أول أو ثان على حسب ما تقدم في العزيز الحكيم، قال الزمخشري: لم يقل تعالى أوحى إليك ولكن قال: يوحي إليك على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادة وكونه عزيزًا يدل على كونه قادرًا على ما لا نهاية له، وكونه حكيمًا يدل على كونه عالمًا بجميع المعلومات غنيًا عن جميع الحاجات وقوله تعالى: ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ يدل على كونه متصفًا بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجزاء السموات والأرض على عظمتها وسعتها بالإيجاد والإعدام وأن ما في السموات وما في الأرض خلقه وملكه.
ولما كان العلو مستلزمًا للقدرة قال تعالى: ﴿وهو العلي﴾ على كل شيء علو رتبة وعظمة ومكانة لا علو مكان وملابسة ﴿العظيم﴾ بالقدرة والقهر والاستعلاء وقوله تعالى:
﴿تكاد السموات﴾ قرأه نافع والكسائي بالياء التحتية، والباقون بالفوقية وقوله تعالى ﴿يتفطرن﴾ أي: يشققن قرأه شعبة وأبو عمرو بعد الياء بنون ساكنة وكسر الطاء مخففة، والباقون بعد الياء بتاء فوقية مفتوحة وفتح الطاء مشددة وقوله تعالى: ﴿من فوقهن﴾ في ضميره ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه عائد على السموات أي: كل واحدة منهن تنفطر فوق التي تليها من عظمة الله تعالى أو من قول المشركين: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ (الكهف: ٤)
كما في سورة مريم أي: يبتدئ انفطارهن من هذه الجهة فمن: لابتداء الغاية متعلقة بما قبلها، الثاني: أنه يعود على الأرضين لتقدم ذكر الأرض، الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين قاله الأخفش الصغير، وقال الزمخشري: كلمة الكفر أي: على التفسير الثاني إنما جاءت من الذين تحت السموات فكان القياس أن يقال: ينفطرن من تحتهن أي: من الجهة التي جاءت منها الكلمة ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن أي: من الجهة التي فوقهن دون الجهة التي تحتهن، ونظيره في المبالغة قوله ﷿ ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم﴾ (الحج: ١٩ - ٢٠)
فجعل الحميم مؤثرًا في أجزائهم الباطنة ا. هـ.
ولما بين تعالى أن سبب كيدودة انفطارهن جلال العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر، بين لها سببًا آخر وهو عظم قول الملائكة فقال تعالى: ﴿والملائكة يسبحون﴾ أي: يوقعون التنزيه لله تعالى متلبسين ﴿بحمد ربهم﴾ أي: بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحًا يليق بحالهم فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول ولا تثبت لها الجبال.
تنبيه: عدل عن التأنيث ولم يقل يسبحن مراعاة للفظ التذكير وضمير الجمع، إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ عام فيدخل فيه الكفار ولقد لعنهم الله تعالى فقال سبحانه: ﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ (البقرة: ١٦١)
فكيف يكونون لاعنين لهم ومستغفرين لهم؟ أجيب: بوجوه؛ الأول: أنه عام مخصوص بآية غافر ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ (غافر: ٧)، الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لمن في الأرض﴾ لا يفيد العموم لأنه يصح أن يقال استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحًا في العموم لما صح ذلك، الثالث: يجوز أن يكون المراد بالاستغفار أن لا يعاجلهم
[ ٣ / ٥٢٧ ]
بالعقاب كما في قوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ إلى أن قال تعالى ﴿إنه كان حليمًا غفورًا﴾ (الإسراء: ٤٤)
الرابع: يجوز أن يقال إنهم يستغفرون لكل من في الأرض أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم، وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، فإنا نقول اللهم اهد الكفار وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر، وهذا استغفار في الحقيقة وقوله تعالى: ﴿ألا إن الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الغفور الرحيم﴾ تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة لله تعالى، وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة.u
﴿والذين اتخذوا من دونه﴾ أي: غير الله تعالى ﴿أولياء﴾ أي: أندادًا وشركاء يعبدونهم كالأصنام ﴿الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿حفيظ﴾ أي: رقيب ومراع وشهيد ﴿عليهم﴾ أي: على أعمالهم ولا يغيب عنه شيء من أعمالهم فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعد للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عينًا وأثرًا ولم يعاقبهم، وإن شاء محاه عينًا وأبقى الأثر حتى يعاقبهم ﴿وما أنت﴾ يا أشرف الرسل ﴿عليهم بوكيل﴾ أي: حتى يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل بما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن أم قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وغير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ.
﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ذلك الإيحاء ﴿أوحينا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿إليك قرآنًا﴾ أي: جامعًا لكل حكمة مع الفرق لكل ملتبس ﴿عربيًا﴾ فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز الجناب ﴿لتنذر﴾ أي: به ﴿أم القرى﴾ أي: أهل مكة التي هي أم الأرض وأصلها منها دحيت، أو لشرفها أوقع الفعل عليها عدًا لها عداد العقلاء أو غير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ، وقوله تعالى ﴿ومن حولها﴾ معطوف على أهل المقدر قبل أم القرى، والمفعول الثاني محذوف أي: العذاب والمراد بمن حولها: قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المدر والوبر، والإنذار: التخويف ﴿وتنذر﴾ أي: الناس.
﴿يوم الجمع﴾ أي: يوم القيامة يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين ويجمع الأرواح بالأجساد ويجمع بين العامل وعمله ويجمع بين الظالم والمظلوم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ لأنه ركز في فطرة كل أحد وقوله تعالى: ﴿فريق﴾ يجوز فيه وجهان؛ أحدهما: أنه مبتدأ وساغ هذا في النكرة لأنه مقام تفصيل وخبره ﴿في الجنة﴾ أي: تفضلًا منه ورحمة، وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار، ويجوز أن يكون الخبر مقدرًا تقديره منهم فريق، وساغ الابتداء بالنكرة حينئذ لشيئين: تقديم خبرها جارًا ومجرورًا ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هم أي: المجموعون فريق، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يوم الجمع﴾ وقوله تعالى: ﴿وفريق في السعير﴾ أي: عدلًا منه فيه ما مر، وهم الذين خذلهم الله تعالى ووكلهم إلى أنفسهم، فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين والجمع بين الصنفين محال؟ أجيب: بأنهم يجتمعون أولًا ثم يصيرون فريقين قال القشيري: كما أنهم في الدنيا فريقان فريق في راحات الطاعات وحلاوات العبادات،
[ ٣ / ٥٢٨ ]
وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك فكذلك غداهم فريقان، فريق هم أهل اللقاء وفريق هم أهل البلاء والشقاء.
ورى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم قابضًا على كفيه ومعه كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يده اليسرى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم، إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذن؟ فقال: اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ: عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ: عمل ثم قال ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ عدل من الله تعالى» أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده.
﴿ولو شاء الله﴾ أي: المحيط بجميع أوصاف الكمال ﴿لجعلهم﴾ أي: المجموعين ﴿أمة واحدة﴾ للثواب أو للعذاب، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين مقسطين وظالمين ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد قهار لا يبالي بأحد، وهو معنى قوله تعالى ﴿ولكن يدخل من يشاء﴾ إدخاله ﴿في رحمته﴾ بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهم المقسطون، ويدخل من يشاء في نقمته بخلق الضلالة في قلوبهم فيكونوا ظالمين فلا تكون أفعالهم في مواضعها، فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير ﴿والظالمون﴾ أي: العريقون في الظلم الذين ساء ظلمهم وهم الكافرون فيدخلهم في لعنته ﴿ما لهم من ولي﴾ أي: يلي أمورهم فيجتهد في صلاحها فيدفع عنهم العذاب ﴿ولا نصير﴾ ينصرهم من الهوان فيمنعهم من النار، وعلى هذا التقدير: فالآية من الاحتباك وهو ظاهر ذكر الرحمة أولًا دليلًا على اللعنة ثانيًا، والظلم وما معه ثانيًا دليلًا على أضداده أولًا، وهذا تقدير لقوله تعالى: ﴿الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي: أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان ولو شاء الله تعالى لفعله لأنه أقدر منك، لكنه تعالى جعل البعض مؤمنًا والبعض كافرًا.
ولما حكى الله تعالى عنهم أولًا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم قال لنبيه محمد ﷺ ﴿لست عليهم بوكيل﴾ أي: لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان، فإن الله تعالى لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الإنكار بقوله تعالى:
﴿أم اتخذوا من دونه أولياء﴾ كالأصنام وهذه أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال، وبهمزة الإنكار أو بالهمزة فقط أو ببل فقط أي: ليس المتخذون أولياء ﴿فالله﴾ أي: المختص بصفات الكمال ﴿هو﴾ وحده ﴿الولي﴾ قال ابن عباس: وليك يا محمد وولي من اتبعك، والفاء: جواب الشرط المقدر كأنه قال: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي لا ولي سواه، وقيل: هي لمجرد العطف وجرى على هذا الجلال المحلي، وعلى الأول الزمخشري ﴿وهو﴾ أي: ومن شأن هذا الولي ﴿يحيي الموتى﴾
[ ٣ / ٥٢٩ ]
أي: يجدد إحياءها في كل وقت يشاؤه ﴿وهو﴾ وحده ﴿على كل شيء قدير﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ وليًا دون من لا يقدر على شيء.
ولما منع تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يحمل الكفار على الإيمان، منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في المخاصمات والمنازعات بقوله تعالى:
﴿وما اختلفتم﴾ أي: أنتم والكفار ﴿فيه من شيء﴾ أي: من أمور الدنيا أو الدين ﴿فحكمه إلى الله﴾ أي: مفوض إلى الذي هو الولي لا غيره، يميز المحق من المبطل بالنصر والإثابة والمعاقبة، وقيل: ما اختلفتم فيه من تأويل المتشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله ﴿ذلكم الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿ربي﴾ أي: الذي لا مربي لي غيره في ماض ولا حال ولا استقبال ﴿عليه﴾ أي: وحده ﴿توكلت﴾ أسلمت جميع أمري ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿أنيب﴾ أي: أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور فأعرف منه حكمة فافعلوا أنتم كذلك واجعلوه الحكم تفلحوا ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا، وقوله تعالى:
﴿فاطر﴾ أي: مبدع ﴿السموات والأرض﴾ خبر آخر لذلكم أو مبتدأ خبره ﴿جعل لكم﴾ أي: بعد أن خلقكم من الأرض ﴿من أنفسكم أزواجًا﴾ حيث خلق حواء من ضلع آدم فيكون بالسكون إليها بقاء نوعكم ﴿ومن﴾ أي: وجعل لكم أي: لأجلكم من ﴿الأنعام﴾ التي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم أقواتكم ﴿أزواجًا﴾ أي: ذكورًا وإناثًا يكون بها أيضًا بقاء نوعها ﴿يذرؤكم﴾ بالمعجمة أي: يخلقكم ويكثركم من الذرء وهو: البث ﴿فيه﴾ أي: في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجًا ليكون بينهم توالد فإنه كالمنبع للبث والتكثير فالضمير للأناسي والأنعام بالتغليب، واختلف في الكاف في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ فجرى الجلال المحلي على أنها زائدة لأنه تعالى لا مثل له، وجرى غيره على أنها ليست زائدة لأنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى، وحاصله كما قال التفتازاني: إن قولنا ليس كذاته شيء وقولنا ليس كمثله شيء عبارتان كلاهما من معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته، الأولى صريحًا والثانية كناية مشتملة على مبالغة، وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل، ألا ترى أن قولهم مثل الأمير يفعل كذا ليس اعترافًا بوجود المثل له، فالمعنى هنا: أن مثل مثله تعالى منفي فكيف بمثله، وأيضًا مثل المثل مثل فيلزم من نفيه نفيهما، وقال البغوي: المثل صلة أي: ليس كهو شيء فأدخل المثل للتوكيد، كقوله تعالى ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ (البقرة: ١٣٧)
وهذا كالتأويل الأول وقيل: إن المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله تعالى: ﴿مثل الجنة﴾ (الرعد: ٣٥)
فيكون المعنى: ليس كصفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره، وأما قوله تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾ (الروم: ٢٧)
فمعناه أن له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه هو لا غيره ﴿السميع البصير﴾ أي: الكامل في السمع والبصر بكل ما يسمع ويبصر، فإن قيل: هذا يفيد الحصر مع أن العباد أيضًا موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟ أجيب: بأن السمع والبصر لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال كما مر، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله تعالى فهذا هو المراد من هذا الحصر.
﴿له﴾ أي:
[ ٣ / ٥٣٠ ]
وحده ﴿مقاليد السموات والأرض﴾ أي: خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الإمطار والإنبات وغيرهما، وقد ثبت أنه ابتدعهما وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من دونه وليًا وغيره، قال القشيري: والمفاتيح الخزائن وخزائنه هي مقدوراته ا. هـ. ولما حصر الأمر فيه دل عليه بقوله تعالى: ﴿يبسط الرزق﴾ أي: يوسعه ﴿لمن يشاء﴾ امتحانًا ﴿ويقدر﴾ أي: يضيقه لمن يشاء ابتلاء كما وسع على فارس والروم وضيق على العرب، وفاوت في الأفراد بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم، فدل ذلك قطعًا على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده، فقطع بذلك أفكار الموفقين من عباده عن غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له فإن عبادته هي المقاليد بالحقيقة: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾ (نوح: ١٠)
الآيات ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ (الطلاق: ١١)
﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ (الأعراف: ٩٦)
﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ (المائدة: ٦٥)
الآية، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنه بكل شيء عليم﴾ أي: فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة فيفعله على ما ينبغي.
ولما عظم وحيه إلى محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ ذكر تفصيل ذلك بقوله تعالى:
﴿شرع لكم﴾ أي: طرّق وسنّ طريقًا ظاهرًا بينًا واضحًا لكم أيتها الأمة الخاتمة من الطرق الظاهرة المستقيمة ﴿من الدين﴾ وهو ما يعمل فيجازى عليه ﴿ما﴾ الذي ﴿وصى به﴾ توصية عظيمة بعد إعلامه بأنه شرعه ﴿نوحًا﴾ في الزمان الأقدم وهو أول أنبياء الشريعة، قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد دينًا واحدًا ﴿والذي أوحينا إليك﴾ أي: من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وما وصينا﴾ أي: بما لنا من العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات ﴿به إبراهيم﴾ الذي نجيناه من كيد نمروذ بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها، والباقون بكسر الهاء وياء بعدها ﴿وموسى﴾ الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلًا لكل شيء ﴿وعيسى﴾ الذي أنزلنا عليه الإنجيل هدى ونورًا وموعظة، وادخرناه في سمائنا لتأييد شريعة الفاتح الخاتم ﷺ
ثم بين المشروع الموصى به والموحى إلى محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿أن أقيموا﴾ أي: أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية ﴿الدين﴾ وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله تعالى، ومحله النصب على البدل من مفعول شرع أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب، وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به.
ولما عظمه بالأمر بالاجتماع أتبعه بالتعظيم بالنهي عن الافتراق بقوله تعالى: ﴿ولا تتفرقوا فيه﴾ أي: ولا تختلفوا في هذا الأصل إما فروع الشرائع المختلفة فقال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)
وقال قتادة: الموصى به تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات، وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبيًا إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإفراد لله تعالى بالطاعة فذلك دينه الذي شرعه، وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك، وجرى على هذا الجلال المحلي والكل يرجع إليه ﴿كبر﴾ أي: عظم وشق ﴿على المشركين﴾ حتى
[ ٣ / ٥٣١ ]
ضاقت به صدورهم ﴿ما تدعوهم إليه﴾ أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبدًا على ما اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار، فلأجل كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم فإن تفرقتم كنتم تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود.
ثم نبه تعالى على أن الأمور كلها بيده بقوله تعالى: ﴿الله﴾ الذي له مجامع العظمة ونفوذ الأمر ﴿يجتبي﴾ أي: يختار ﴿إليه﴾ أي: إلى هذا الدين الذي تدعوهم إليه ﴿من يشاء﴾ اجتباءه ﴿ويهدي إليه﴾ بالتوفيق للطاعة ﴿من ينيب﴾ أي: من يقبل إلى طاعته.
ولما بين تعالى أمر كل الأنبياء ﵈ والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كأن لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ أجاب بقوله تعالى:
﴿وما تفرقوا﴾ أي: المشركون من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ أي: بالتوحيد أو بمبعث الرسول ﷺ أو بأن التفرق ضلال متوعد عليه ﴿بغيًا بينهم﴾ أي: فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب ودعوا الناس إليه وقبحوا ما سواه طلبًا للذكر والرياسة، فصار ذلك سببًا لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل إلا أنه تعالى أخر عنهم العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلًا مسمى، أي: وقتًا معلومًا وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ولولا كلمة﴾ أي: لا تبديل لها ﴿سبقت﴾ أي: في الأزل ﴿من ربك﴾ أي: المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم بتأخيرهم ﴿إلى أجل مسمى﴾ ضربه لآجالهم ثم يجمعهم في الآخرة ﴿لقضي﴾ على أيسر وجه وأسهله ﴿بينهم﴾ حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق، قال ابن عباس: والذين أريدوا بهذه الصفة هم اليهود والنصارى لقوله تعالى في آل عمران: ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم﴾ (آل عمران: ١٩)
وقوله تعالى في سورة لم يكن: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ (البينة: ٤)
وكذلك في قوله تعالى: ﴿وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم﴾ (الشورى: ١٤)
أي: المتفرقين هم اليهود والنصارى الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ وقيل: هم هذه الأمة الذين أورثوا القرآن. ولما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات فورثوه كما قال تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ (فاطر: ٣٢)
فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازعة في ادعائه حال الوارث والموروث منه ﴿لفي شك منه﴾ أي: من كتاب لا يعلمونه كما هو لا يؤمنون به حق الإيمان، أو من القرآن فيقولون إنه سحر وشعر وكهانة ونحو ذلك، وقيل: في شك من محمد ﷺ وجرى على ذلك الجلال المحلي ﴿مريب﴾ أي: موقع في التهمة.
﴿فلذلك﴾ أي: التوحيد ﴿فادع﴾ يا أشرف الخلق والناس ﴿واستقم﴾ أي: على الدعوة ﴿كما أمرت﴾ أي: أمرك الله تعالى ﴿ولا تتبع﴾ أي: بعمل ﴿أهواءهم﴾ في شيء ما، فإن الهوى لا يدعو إلى خير، والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به ﴿وقل﴾ لجميع أهل الفرق وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق ﴿آمنت بما أنزل الله﴾ أي: الذي له العظمة الكاملة ﴿من كتاب﴾ أي: جميع الكتب المنزلة لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، روي أن رجلًا أتى عليًا فقال: يا أمير المؤمنين ما الإيمان
[ ٣ / ٥٣٢ ]
أو كيف الإيمان قال: الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصائب ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة وتأويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، والعدل على أربع شعب: على غامض الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وعلم الحكم فمن فهم جمع العلم ومن علم لم يضل في الحكم ومن علم عرف شرائع الحلم ومن حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس، والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهره، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه ومن
شنئ
الفاسقين غضب لله تعالى وغضب الله تعالى له، فقام الرجل وقبل رأسه.
﴿وأمرت﴾ أي: ممن له الأمر كله ﴿لاعدل﴾ أي: لأجل أن أعدل ﴿بينكم﴾ أيها المفترقون في الأديان من العرب والعجم من الأنس والجن، ثم علل ذلك بقوله ﴿الله﴾ أي: الذي له الملك كله ﴿ربنا وربكم﴾ أي: موجدنا ومتولي جميع أمورنا فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده.
﴿لنا أعمالنا﴾ خاصة بنا لا تعدونا إلى غيرنا ﴿ولكم أعمالكم﴾ خاصة بكم لا تعدوكم إلى غيركم فكل مجازى بعمله ﴿لا حجة﴾ أي: لا خصومة ﴿بيننا وبينكم﴾ وهذا قبل أن يؤمر بالجهاد كما قاله الجلال المحلي، وقال ابن الخازن: هذه الآية منسوخة بآية القتال وكذا قال البغوي، ولكن قال البيضاوي: وليس في الآية من يدل على متاركته رأسًا حتى تكون منسوخة بآية القتال ﴿الله﴾ أي: الذي هو أحكم الحاكمين ﴿يجمع بيننا﴾ أي: في الميعاد لفصل القضاء ﴿وإليه﴾ أي: لا إلى غيره ﴿المصير﴾ أي: المرجع حسًا ومعنىً، لتمام عزته وشمول عظمته.
﴿والذين يحاجون في الله﴾ أي: يوردون تشكيكًا في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعدما دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال ﴿من بعد ما استجيب له﴾ أي: استجاب الله تعالى لرسوله ﷺ فأظهر دينه على الدين كله قال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم فهذه خصومتهم وتشكيكهم، أو من بعد ما استجاب للرسول ﷺ الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته.
﴿حجتهم﴾ أي: التي زعموها حجة ﴿داحضة﴾ أي: زائلة باطلة ﴿عند ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بإضافة العقل الذي جعلهم به في أحسن تقويم وقال الرازي: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون أن الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه؟ فنبوة موسى ﵇ وحقية التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد ﷺ ليست متفقًا عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك أن اليهود أجمعوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى ﵇ لأجل ظهور المعجزات على قوله وها هنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد ﷺ واليهود قد شاهدوا تلك المعجزات فإن
[ ٣ / ٥٣٣ ]
كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد ﷺ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته بظهور المعجزات لأنه يكون تناقضًا.v
تنبيه: والذين يحاجون مبتدأ وحجتهم مبتدأ ثان وداحضة خبر المبتدأ الثاني والثاني وخبره خبر الأول، وأعرب مكي حجتهم بدلًا من الموصول بدل اشتمال.
ولما قرر تعالى هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وعليهم﴾ أي: زيادة على قطع الإحسان ﴿غضب﴾ أي: عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذموم ومنه الطرد فهم مطرودون عن بابه مبعدون عن جنابه مهانون بحجابه ﴿ولهم﴾ مع ذلك ﴿عذاب شديد﴾ في الآخرة لا تصلون إلى حقيقة وصفه.
﴿الله﴾ أي: الذي له جميع الملك ﴿الذي أنزل الكتاب﴾ أي: جنس الكتاب ﴿بالحق﴾ أي: متلبسًا على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل ﴿والميزان﴾ أي: الشرع الذي توزن به الحقوق ويسوي بين الناس أو العدل، قال مجاهد: سمي العدل ميزانًا لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية، وقال ابن عباس: أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس فيجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد.
ولما كان ﷺ يهددهم بيوم القيامة ولم يروا لذلك أثرًا قالوا على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة وليتها قامت حتى يظهر لنا الحق أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟ قال تعالى: ﴿وما يدريك﴾ أي: يا أكمل الخلق ﴿لعل الساعة﴾ أي: التي يستعجلون بها ﴿قريب﴾ وذكر قريب وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث، أو على معنى النسب أي: ذات قرب، أو على حذف مضاف أي: مجيء الساعة، قال مكي: ولأن تأنيثها مجازي وهذا ممنوع إذ لا يجوز الشمس طالع ولا القدر فائر.
تنبيه: لعل معلق للفعل عن العمل أي: ما بعده سد مسد المفعولين، ولما ذكر النبي ﷺ الساعة وعنده قوم من المشركين، وقالوا مستهزئين: متى الساعة تقوم؟ نزل قوله تعالى:
﴿يستعجل بها﴾ أي: يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها ﴿الذين لا يؤمنون بها﴾ أي: لا يتجدد لهم ذلك أصلًا وهم غير مشفقين ويظنون كذب القائل بها ﴿والذين آمنوا﴾ وإن كانوا في أول درجات الإيمان ﴿مشفقون﴾ أي: خائفون خوفًا عظيمًا ﴿منها﴾ لأن الله تعالى هداهم بإيمانهم فصارت صدورهم معادن المعارف وقلوبهم منابع الأنوار، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار ﴿ويعلمون أنها الحق﴾ إعلامًا بأنهم على بصيرة من أمرها لا يستعجلون بها، فالآية من الاحتباك، ذكر الاستعجال أولًا دليلًا على حذف ضده ثانيًا والإشفاق ثانيًا دليلًا على حذف ضده أولًا.
فائدة: روي: «أن رجلًا سأل النبي ﷺ بصوت جهوري في بعض أسفاره فناداه: يا محمد، فقال له ﷺ نحوًا من صوته: هاؤم فقال: متى الساعة؟ فقال له ﷺ ويحك إنها كائنة فما أعددت لها، فقال: حب الله تعالى وحب رسوله، فقال: أنت مع من أحببت» . والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها ومن أحب الله تعالى ورسوله فعل ما أَمرا به واجتنب ما نهيا عنه، فهي المحبة الكاملة نسأل الله الكريم من فضله أن يوفقنا وأحبابنا لطاعته
[ ٣ / ٥٣٤ ]
واجتناب معاصيه ﴿إلا إن الذين يمارون﴾ أي: يخاصمون ويجادلون ﴿في الساعة﴾ أي: القيامة وما تحتوي عليه ﴿لفي ضلال﴾ أي: ذهاب حائد عن الحق ﴿بعيد﴾ جدًا عن الصواب فإن لها من الأدلة الظاهرة ما ألحقها بالمحسوسات، كما قال القائل لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا.
ولما أنزل الله عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، كان ذلك من لطف الله تعالى بعباده كما قال عز من قائل:
﴿الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿لطيف﴾ أي: بالغ في اللطف والعلم وإيقاع الإحسان ﴿بعباده﴾ وقال ابن عباس: حق بهم، وقال عكرمة: بارّ بهم وقال السدي: رفيق بهم، وقال القشيري: اللطيف: العالم بدقائق الأمور وغوامضها، وقال الرازي: هو اسم مركب من علم ورحمة ورفق خفي أما لطفه بالمؤمنين فواضح، وأما الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ولا يعذبه فوق ما يستحق في الأخرى، وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعًا بمعاصيهم بدليل قوله تعالى: ﴿يرزق من يشاء﴾ أي: مهما شاء على سبيل من السعة والضيق أو التوسعة لا مانع له من شيء من ذلك، فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله تعالى أن يرزقه، قال جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين؛ أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات والثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة ﴿وهو القوي﴾ أي: القادر على ما يشاء ﴿العزيز﴾ فلا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء يريده.
ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده أتبعه ما يزهد في طلب رزق البدن ويرغب في رزق الروح فقال تعالى على سبيل الاستئناف:
﴿من كان﴾ أي: من شريف أو دني ﴿يريد﴾ أي: بعمله ﴿حرث الآخرة﴾ أي: أعمالها والحرث في اللغة الكسب ﴿نزد له﴾ أي: بعظمتنا التي لا يقدر أحد على تحويلها ﴿في حرثه﴾ قال مقاتل: بأن يعينه على الأعمال الصالحة ويضاعف بالواحدة عشرة إلى ما شاء الله تعالى من الزيادة، وقال الزمخشري: إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثًا على سبيل المجاز ﴿ومن كان﴾ أي: من قوي أو ضعيف ﴿يريد﴾ أي: بعمله ﴿حرث الدنيا﴾ أي: أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي وتستنمي به مكتفيًا به مؤثرًا له على الآخرة ﴿نؤته منها﴾ أي: ما قسمناه له ولو تهاون به ولم يطلبه لآتاه، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة بسكون الهاء، واختلس قالون كسرة الهاء، وعن هشام اختلاس الكسرة في الهاء والإشباع، والباقون بإشباع الكسرة ﴿وما﴾ أي: والحال أن طالب الدنيا بعمله ما ﴿له في الآخرة من نصيب﴾ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وروى أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكن في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» . أي: لأن هذا تهاون بالآخرة فلم يبنوها وهي أشرف من أن تقبل على من أعرض عنها فإنها ضرة الدنيا وضدها، فالدنيا بخساستها تقبل على من أعرض عنها وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في مهاويها، والآخرة تقبل على من أقبل عليها أضعاف إقباله وتنادي من أدبر عنها لينتهي عن غيه وضلاله، فلما سمى الله تعالى كلا القسمين حرثًا علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب وصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في الزائد الباقي أولى من صرفها لما يكون
[ ٣ / ٥٣٥ ]
في التناقص والانقضاء.
قال الرازي في اللوامع: أهل الإرادة على أصناف مريد الدنيا ومريد الآخرة ومريد الحق جل وعلا، وعلامة إرادة الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض عن فقراء المسلمين وأن تكون حاجاته في الدنيا مقصورة على الدنيا، وعلامة إرادة الآخرة بعكس ذلك، وأما علامة إرادة الله تعالى كما قال تعالى: ﴿يريدون وجهه﴾ (الكهف: ٢٨)
فطرح الكونين والعزلة عن الخلق والخلاص من يد النفس انتهى. وحاصله: أن يستغرق أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوق الخلق وتزكية النفس لا طمعًا في جنة ولا خوفًا من نار بل امتثالًا لأجل الملك الأعلى لأنه أهل لذلك، مع اعترافه بأنه لن يقدر الله تعالى حق قدره.
ولما بين تعالى أعمال الآخرة والدنيا أتبعه بيان ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال تعالى:
﴿أم﴾ أي: بل ﴿لهم﴾ أي: كفار مكة ﴿شركاء﴾ أي: على زعمهم وهم شياطينهم ﴿شرعوا﴾ أي: سنوا بالتزيين ﴿لهم﴾ أي: الكفار ﴿من الدين﴾ أي: الفاسد في العبادات والعادات ﴿ما لم يأذن به الله﴾ أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا، وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كانت سببًا لضلالهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم، كما قال إبراهيم ﵇ ﴿رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس﴾ (إبراهيم: ٣٦)
وقال ابن عباس: شرعوا لهم دينًا غير دين الإسلام ﴿ولولا كلمة الفصل﴾ أي: القضاء السابق بتأخير الجزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة ﴿لقضي بينهم﴾ أي: بين الذين امتثلوا أمره والتزموا شرعه وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت، ولكنه قد سبق القضاء في الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة فهي تجري على ما حد لها لا يتقدم شيء منها ولا يتاخر ولا يتبدل ولا يتغير وستنكشف لهم الأمور وتظهر مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق القضاء ﴿وإن الظالمين﴾ بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره ﴿لهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم بليغ إيلامه، ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب مبتدئًا بالأول منهما بقوله تعالى:
﴿ترى﴾ أي: في ذلك اليوم ﴿الظالمين﴾ أي: الواضعين الأشياء في غير مواضعها ﴿مشفقين﴾ أي: خائفين أشد الخوف كما هو الحال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو مقصر ﴿مما كسبوا﴾ أي: عملوا معتقدين أنه غاية ما ينفعهم ﴿وهو﴾ أي: جزاؤه ووباله الذي من جنسه حتى كأنه هو ﴿واقع بهم﴾ لا محالة سواء أشفقوا أم لم يشفقوا، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وهي التي أذن الله تعالى فيها غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهم في فعله وهو مغفور لهم ما فرطوا فيه ﴿في روضات الجنات﴾ أي: في الدنيا بما يلذذهم به الله تعالى من لذائذ الأقوال والأفعال والمعارف والأحوال، وفي الآخرة حقيقة بلا زوال، وروضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات وهي: البقاع الشريفة من الجنة فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى: ﴿لهم ما يشاؤون عند ربهم﴾ يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده
[ ٣ / ٥٣٦ ]
مهيأة والعندية مجاز.
تنبيه: عند ربهم يجوز أن يكون ظرفًا ليشاؤون قاله الحوفي، أو للاستقررار العامل في لهم قاله: الزمخشري: وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الخير العظيم الرتبة الجليل القدر ﴿هو الفضل الكبير﴾ أي: الذي يصغر ما لغيرهم في الدنيا يدل على أن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق وقوله تعالى:
﴿ذلك﴾ أي: الجزاء العظيم من الجنة ونعيمها مبتدأ خبره ﴿الذي يبشر الله﴾ أي: الملك الأعظم والعائد وهو به محذوف تفخيمًا للمبشر به لأن السياق لتعظيمه بالإشارة ويجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي وذكر الاسم الأعظم والتعبير بلفظ العباد في قوله تعالى ﴿عباده﴾ مع الإضافة إلى ضميره سبحانه.
ولما أشعر بصلاحهم بالإضافة نص عليه بقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا﴾ أي: صدقوا بالغيب ﴿وعملوا﴾ تحقيقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة، والباقون بفتح الياء وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة من بشره.
ولما كان كأنه قيل: فما نطلب في هذه البشارة لأن الغالب أن المبشر وإن لم يسأل يعطى بشارته، كما وقع لكعب لما أذن الله تعالى بتوبته ركض راكض على فرس وسعى ساع على رجليه فأوفى على جبل سلع ونادى: يا كعب بن مالك أبشر فقد تاب الله عليك فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءه الذي سمع صوته خلع عليه ثوبيه وهو لا يملك يومئذ غيرهما واستعار له ثوبين قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قل﴾ أي: لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين ﴿لا أسألكم﴾ أي: الآن ولا في مستقبل الزمان ﴿عليه﴾ أي: البلاغ بشارة أو نذارة ﴿أجرًا﴾ أي: وإن قل ﴿إلا﴾ أي: لكن أسألكم ﴿المودة﴾ أي: المحبة العظيمة الواسعة ﴿في القربى﴾ أي: مظروفة فيها بحيث تكون القربى موضعًا للمودة وظرفًا لها لا يخرج شيء من محبتكم عنها.
تنبيه: في الآية ثلاثة أقوال؛ أولها: قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان وسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، وكان له فيهم قرابة فقال الله ﷿ ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تودوا القربى، أي: تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة والمعنى: أنكم قربى وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي ولا تؤذوني، وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وغيرهما.
ثانيها: روى الكلبي عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة» فقالت الأنصار: «إن هذا الرجل هداكم وهو ابن أخيكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم» ونزل قوله تعالى ﴿قل لا أسألكم عليه﴾ أي: على الإيمان أجرًا إلا المودة في القربى أي: لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب، ثالثها: قال الحسن: معناه إلا أن توادوا الله تعالى وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، فالقربى على القول الأول: القرابة التي بمعنى الرحم وعلى الثاني: بمعنى الأقارب وعلى الثالث: فعلى بمعنى القرب والتقرب والزلفى، فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز
[ ٣ / ٥٣٧ ]
لوجوه؛ أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر فقال تعالى في قصة نوح: ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ (الفرقان: ٥٧)
الآية، وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام، ورسولنا أفضل الأنبياء فأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى، ثانيها: أنه ﷺ صرح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ و﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ (سبأ: ٤٧)
ثالثها: أن التبليغ كان واجبًا عليه قال تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (المائدة: ٦٧)
الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلًا عن أعلم العلماء.
رابعها: أن النبوة أفضل من الحكمة وقال تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾ (البقرة: ٢٦٩)
ووصف الدنيا بأنها متاع قليل قال تعالى ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ (النساء: ٧٧)
فكيف يحسن بالعقل مقابلة أشرف الأنبياء بأخس الأشياء، خامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي ﷺ أن يطلب أجرًا البتة على التبليغ والرسالة وههنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجر وهو المودة في القربى؟ أجيب: بأنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ وأما قوله تعالى: ﴿إلا المودة في القربى﴾ فالجواب عنه من وجهين؛ الأول: أن هذا من باب قوله:
*ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب*
يعني: أني لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجرًا لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (التوبة: ٧١)
وقال ﷺ «المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضًا» . والآيات والأخبار في هذا كثيرة، وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجبًا فحصولها في حق أشرف المرسلين أولى فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره: والمودة في القربى ليست أجرًا، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة. الثاني: أن هذا استثناء منقطع كما مر تقديره في الآية وتم الكلام عند قوله ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا﴾ ثم قال: ﴿إلا المودة في القربى﴾ أي: أذكركم قرابتي فيكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر واختلفوا في قرابته ﷺ فقيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٣)، وروى زيد بن أرقم عن النبي ﷺ أنه قال: «إني تارك فيكم كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» . قيل لزيد بن أرقم فمن أهل بيتي؟ فقال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. وروى ابن عمر عن أبي بكر ﵁ قال: ارقبوا محمدًا في أهل بيته وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا جاهلية ولا إسلامًا، وقيل: هذه الآية منسوخة وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل، قال البغوي: وهذا قول غير مرضي لأن مودة النبي ﷺ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين.
ولما كان التقدير فمن يقترف سيئة فعليه وزرها ولكنه طوى لأن المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية عطف عليه قوله تعالى ﴿ومن يقترف﴾ أي: يكتسب
[ ٣ / ٥٣٨ ]
ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج ﴿حسنة﴾ أي: ولو صغرت ﴿نزد﴾ بما لنا من العظمة ﴿له فيها﴾ أي: في الحسنة ﴿حسنًا﴾ أي: بمضاعفة الثواب من الزيادة أن يكون له مثل أجر من اقتدى به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء، قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، وقيل: المراد بها العموم في أي: حسنة كانت إلا أنها لما ذكرت عقب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة ﴿إن الله﴾ أي: الذي لا يتعاظمه شيء ﴿غفور﴾ لكل ذنب تاب منه صاحبه وكان غير الشرك وإن لم يتب منه إن شاء فلا يصدن أحدًا سيئة عملها عن الإقبال على الحبيب ﴿شكور﴾ أي: فهو يجزي بالحسنة أضعافها وإن قلت والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى: أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعًا كثيرًا من التفضيل.
ثم ذكر الله تعالى الجواب عن طعن الكفرة في النبي ﷺ بقوله تعالى:
﴿أم﴾ أي: بل ﴿يقولون افترى﴾ أي: محمد ﷺ ﴿على الله﴾ الذي أحاط بصفات الكمال فله العلم الشامل لمن يتقول عليه والقدرة التامة على عقابه ﴿كذبًا﴾ حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله بهذا الدين ﴿فإن يشأ الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بالكمال ﴿يختم﴾ أي: يربط ﴿على قلبك﴾ بالصبر على أذاهم بهذا القول وغيره وقد فعل، وقال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذبًا لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، أي: أنه لا يجترئ على افتراء الكذب إلا من كان في هذه الحالة، والمقصود من هذا الكلام: المبالغة في تقرير الاستبعاد ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: ذلك لعل الله خذلني أعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة منه وقوله تعالى ﴿ويمح الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿الباطل﴾ وهو قولهم افترى مستأنف غير داخل في جزاء الشرط لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقًا وسقطت الواو منه لفظًا لالتقاء الساكنين في الدرج وخطا حملًا للخط على اللفظ كما كتبوا سندع الزبانية عليه وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال: ﴿ويحق﴾ أي: يثبت على وجه لا يمكن زواله ﴿الحق﴾ أي: كل ما من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره ﴿بكلماته﴾ أي: التي لو كان البحر مدادًا لها لنفذ وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام عليهم ﴿إنه عليم﴾ أي: بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي: ما هو فيها مما يعلمه صاحبها ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك ولتعلمن نبأه بعد حين، ولقد صدق الله تعالى فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله ﷺ وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه ومن أصدق من الله قيلًا، قال ابن عباس: لما نزل ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد
أن يخلطنا على أقاربه من بعده فنزل جبريل ﵇ فأخبره أنهم اتهموه فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق فنزل:
﴿وهو﴾ أي: لا غيره ﴿الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ بالتجاوز عما تابوا عنه سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك.d
وروى جابر: أن أعرابيًا دخل مسجد النبي ﷺ فقال:
[ ٣ / ٥٣٩ ]
«اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر» فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين فقال يا أمير المؤمنين ما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية وإذابتها في الطاعة كما ربيتها في المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وقال سهل بن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وقال بعضهم: هي الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل. وعن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» . وروي أنه ﷺ قال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» . وعن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» . وروى أنه ﷺ قال: «إن الله جعل في الغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها» . وروى: «أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» .
ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال الله تعالى تفضلًا منه ورحمة: ﴿ويعفو عن السيئات﴾ أي: التي كانت التوبة منها صغيرة كانت أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها إن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما يكون قبله وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان هو وراحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح» ﴿ويعلم﴾ أي: والحال أنه يعلم كل وقت ﴿ما تفعلون﴾ فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتاء الخطاب إقبالًا على الناس عامة وهذا خطاب للمشركين، وقرأ الباقون بالغيبة نظرًا إلى قوله تعالى عن عباده وقال تعالى بعد ﴿ويزيدهم من فضله﴾ .
ولما رغب بالعفو زاد بالإكرام فقال تعالى:
﴿ويستجيب﴾ أي: يوجد بغاية العناية والطلب إجابة ﴿الذين آمنوا﴾ أي: دعاء الذين أقروا بالإيمان في كل ما دعوا به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا، وعدي الفعل بنفسه ولم يقل: ﴿ويستجيب للذين آمنوا﴾ تنبيهًا على زيادة بره لهم ووصلهم به ﴿وعملوا﴾ تصديقًا لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ فيثيبهم النعيم المقيم ﴿ويزيدهم﴾ أي: مع ما دعوا به لما لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ﴿من فضله﴾ أي: تفضلًا منه عليهم ويجوز أن يكون الموصول فاعلًا أي: يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ (الأنفال: ٢٤)
واستجاب كأجاب ومنه:
*وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذلك مجيب*
وقال عطاء عن ابن عباس ﵄: معناه ويثيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[ ٣ / ٥٤٠ ]
ويزيدهم من فضله سوى ثواب أعمالهم تفضلًا منه، وروى أبو صالح عنه: «يشفعهم ويزيدهم من فضله» قال في إخوان: إخوانهم ثم أتبع المؤمنين بذكر ضدهم فقال تعالى ﴿والكافرون﴾ أي: العريقون في هذا الوصف القاطع الذين منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان ﴿لهم عذاب شديد﴾ بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضيل ولا يجيب دعاءهم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، فالآية من الاحتباك ذكر الاستجابة أولًا دليلًا على ضدها ثانيًا والعذاب ثانيًا دليلًا على ضده أولًا.
ولما قال تعالى أنه يجيب دعاء المؤمنين ورد سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى ﴿ويستجيب الذين آمنوا﴾ فأجاب تعالى عنه بقوله تعالى:
﴿ولو﴾ أي: وهو يقبل ويستجيب والحال أنه لو ﴿بسط الرزق﴾ لهم هكذا كان الأصل لكن قال: ﴿لعباده﴾ لئلا يظن خصوصية ذلك بالتائبين إذ لا فرق بين التائب وغيره ﴿لبغوا﴾ أي: طغوا ﴿في الأرض﴾ أي: لصاروا يريدون كل ما يشتهون فيكثر القتل والسلب والنهب ونحو ذلك من أنواع الفساد، قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية وذلك إنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وتمنيناها فنزلت، وذكر في كون بسط الرزق موجبًا للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل امتنع كون البعض محتاجًا إلى البعض وذلك موجب خراب العالم وتعطيل المصالح، ثانيها: أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ ومن العشب ما يشبعهم قدموا على النهب والغارة، ثالثها: أن الإنسان متكبر بالطبع فإن وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة، وقال ابن عباس ﵄: «بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبًا بعد مركب وملبسًا بعد ملبس» ﴿ولكن ينزل﴾ أي: لعباده من الرزق، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿بقدر﴾ أي: بتقدير لهم ﴿ما يشاء﴾ أي: ما اقتضته مشيأته ﴿أنه﴾ وقال تعالى: ﴿بعباده﴾ ولم يقل بهم لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم ﴿خبير بصير﴾ يعلم جميع ظواهر أمورهم وبواطنها فيقيم كل أحد فيما يصلح له من صلاح وفساد وعدل وبغي.
روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ عن جبريل ﵇ عن الله ﷿ في حديث طويل وفيه يقول الله ﷿: «ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه»، و«أن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، وذلك أني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير» . وقرأ ما يشاء أنه نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالياء ولهم أيضًا إبدالها واو أو الباقون بتحقيقهما وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفًا مع المد والقصر والروم والإشمام.
﴿وهو﴾
[ ٣ / ٥٤١ ]
أي: لا غيره ﴿الذي ينزل الغيث﴾ أي: المطر الذي يغاث به الناس وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿من بعد ما قنطوا﴾ أي: يئسوا من نزوله وعلموا أنه لا يقدر على إنزاله غيره ولا يقصد فيه سواء ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وقال تعالى: ﴿وينشر رحمته﴾ أي: يبسط مطره كما قال تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته﴾ (الأعراف: ٥٧)
وإن كان الأصل بنشره لأنه بين أنه غيث فقال رحمته بيانًا وتعميمًا، فينزل من السحاب المحمول بالريح من الماء ما لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا عمله، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار ونبات نجم وأشجار وزهر وحب وثمار وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجمًا هو في لينه ألين من الحرير وفي لطافته ألطف من النسيم ومن سوق الأشجار التي تنثني فيها المناقير أغصانًا ألطف من ألسنة العصافير، فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور أو يحيد عن ذلك بنوع من الغرور ﴿وهو﴾ أي: لا غيره ﴿الولي﴾ الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء ﴿الحميد﴾ الذي يستحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائمًا بحبله.
﴿ومن آياته﴾ أي: العظيمة على استحقاقه لجميع صفات الكمال ﴿خلق السموات﴾ التي تعلمون أنها متعددة لما ترون من أمور الكواكب ﴿والأرض﴾ أي: جنسها على ما هما عليه من الهيآت وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات وقوله تعالى: ﴿وما بث﴾ أي: فرق ونشر يجوز أن يكون مجرور المحل عطفًا على السموات أو مرفوعه عطفًا على خلق على حذف مضاف، أي: وخلق ما بث، قال أبو حيان: وفيه نظر لأنه يؤول إلى جره بالإضافة لخلق المقدر فلا يعدل عنه ﴿فيهما﴾ أي: في السموات والأرض ﴿من دابة﴾ أي: شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة والحركة من الأنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف ألوانهم وأصنافهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم وأقطارهم ونواحيهم، فإن قيل: كيف يجوز إطلاق الدابة على الملائكة؟ أجيب: بوجوه أولها: ما مر من أن الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة والملائكة لهم الروح والحركة، ثانيها: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدًا منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ (الرحمن: ٢٢)
ثالثها: قال ابن عادل: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى خلق في السموات أنواعًا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض.
وروى العباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش» الحديث. ﴿وهو﴾ أي: لا غيره ﴿على جمعهم﴾ أي: هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم للمحشر بعد تفريقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره ﴿إذا﴾ في وقت ﴿يشاء قدير﴾ أي: بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم يجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينقذهم البصر ثم خاطب المؤمنين بقوله تعالى:
﴿وما أصابكم من مصيبة﴾ أي: بلية وشدة ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ أي: من الذنوب، وقرأ نافع وابن عامر بغير فاء والباقون بالفاء لأن ما شرطية
[ ٣ / ٥٤٢ ]
أو مضمنة معناه وأما من أسقطها فقد استغنى بما في الباء من معنى السببية، فإن قيل: الكسب لا يكون باليد بل بالقدرة القائمة بها؟ أجيب: بأن المراد من لفظ اليد هنا القدرة وإذا كان هذا المجاز مشهورًا مستعملًا كان لفظ اليد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيهًا لله ﵎ عن الأعضاء، واختلفوا فيما يحصل في الدنيا من الآلام والأسقام والقحط والغرق والمصائب هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أولًا، فمنهم من أنكر ذلك لوجوه أولها قوله تعالى: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾ (غافر: ١٧)
بين تعالى أن ذلك إنما يحصل يوم القيامة وقال تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ (الفاتحة: ٤)
أي: يوم الجزاء وأجمعوا أن المراد منه يوم القيامة ثانيها: مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق فيمتنع أن تكون عقوبة على الذنوب بل حصول المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ولهذا قال ﷺ «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» . ثالثها: أن الدنيا دار تكليف فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار تكليف ودار جزاء معًا وهو محال، وقال آخرون: هذه المصائب قد تكون أجزية على ذنوب متقدمة لهذه الآية، ولما روى الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال ﷺ «والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله أكثر» . وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله ﷺ وما أصابكم من مصيبة الآية، قال ﷺ وسأفسرها لك يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله ﷾ اكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فإنه أحلم من أن يعود بعد عفوه» وتمسكوا أيضًا بقوله تعالى: بعد هذه الآية ﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾ وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك بسبب كسبهم.
قيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: إنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الآية. وأجاب الأولون بأن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء بل ذلك لزيادة درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن أعمالهم لم تبلغها فهي خير من الله تعالى لهم، ويحمل قوله تعالى: ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم ﴿ويعفو عن كثير﴾ أي: من الذنوب بفضله ورحمته فلا يعاقب عليها ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة قال الواحدي بعد أن روى حديث علي: وهذه أرجى آية في كتاب الله تعالى لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين؛ صنف: كفر عنهم بالمصائب، وصنف: عفا عنهم في الدنيا وهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنة الله تعالى مع المؤمنين وأما الكافر: فإنه لا تعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة.
﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي: فائتين ما قضى عليكم من المصائب ﴿في الأرض وما لكم من دون الله﴾ ولا في شيء أراده سبحانه منكم كائنًا ما كان ﴿من ولي﴾ أي: يكون متوليًا لشيء من أموركم بالاستقلال ﴿ولا نصير﴾ يدفع عنكم شيئًا يريده سبحانه بكم.
﴿ومن آياته﴾ أي: الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته ﴿الجواري﴾ أي:
[ ٣ / ٥٤٣ ]
السفن الجارية ﴿في البحر كالأعلام﴾ أي: كالجبال قالت الخنساء في مرثية أخيها صخر:
*وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار*
أي: جبل في رأسه نار شبهت به أخاها. روي أن النبي ﷺ «استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي هذا البيت قال: قاتلها الله تعالى ما رضيت بتشبيهه بالجبل حتى جعلت في رأسه نارًا» . وقال مجاهد: الأعلام القصور وأحدها علم، وقال الخليل بن أحمد: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم.
فإن قيل: الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفها امتنع حذف الموصوف فلا تقول: مررت بماش لأن المشي عام وتقول: مررت بمهندس وكاتب والجري ليس من الصفات الخاصة فما وجه ذلك؟ أجيب: بأن قوله تعالى: ﴿في البحر﴾ قرينة دالة على الموصوف، فذلك حذف ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح والأبرق فوليت العوامل من دون موصوفها، وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء وصلًا لا وقفًا، وابن كثير وهشام بإثباتها وقفًا بخلاف عن هشام الباقون بحذفها وقفًا ووصلًا وأمال الجواري محضة الدوري عن الكسائي وفتح الباقون.
﴿أن يشأ﴾ أي: الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها عندكم لشدة ألفكم لها ﴿يسكن الريح﴾ الذي يسيرها وأنتم مقرون بأن أمرها ليس إلا بيده، وقرأ نافع بألف بعد الياء جمعًا والباقون بغير ألف إفرادًا ﴿فيظللن﴾ أي: فيتسبب عن ذلك أنهن يظللن أي: يقمن ليلًا كان أو نهارًا ﴿رواكد﴾ أي: ثوابت لا تجري ﴿على ظهره﴾ أي: البحر ﴿إن في ذلك﴾ أي: ما ذكر في حال السفن في سيرها وركوبها بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى بدليل ما للناس كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه ﴿لآيات﴾ أي: على إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال ﴿لكل صبارٍ﴾ أي: على البلاء والشدة ﴿شكور﴾ أي: على نعمائه وهو المؤمن الكامل يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء فإن الإيمان نصفان؛ نصف: صبر، ونصف: شكر.
﴿أو﴾ أي: أو يشأ في كل وقت أراده ﴿يوبقهن﴾ أي: يهلكهن بعصف الريح بأهلهن ﴿بما كسبوا﴾ أي: أهلهن من الذنوب ﴿ويعفو﴾ أي: إن يشأ ﴿عن كثير﴾ من ذنوبهم فلا يعاقب فينجيهم بعوم أو حمل على خشبة أو غير ذلك، وإن يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة تحت المشيئة وقوله تعالى:
﴿ويعلم﴾ قرأه نافع وابن عامر برفع الميم مستأنفًا والباقون بالنصب معطوف على تعليل مقدر أي: ليغرقهم لينتقم منهم وليعلم ﴿الذين يجادلون﴾ أي: عند النجاة بالعفو ﴿في آياتنا﴾ أي: يكذبون القرآن، أي: علم ظهور للناس ﴿ما لهم من محيص﴾ أي: مهرب من العذاب وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم أو النفي معلق عن العمل، وقوله تعالى:
﴿فما أوتيتم﴾ خطاب للمؤمنين وغيرهم ﴿من شيء﴾ أي: من أثاث الدنيا ﴿فمتاع الحياة الدنيا﴾ أي: القريبة الدنية لا نفع فيه لأحد إلا مدة حياته وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما يقرب إلى الله تعالى ﴿وما﴾ أي: والذي ﴿عند الله﴾ أي: الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا من نعم الدارين ﴿خير﴾ أي: في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية المحضة لانقطاع نفعه فسماه متاعًا تنبيها على قلته وحقارته، وجعله من متاع الدنيا تنبيهًا على انقراضه وأما
[ ٣ / ٥٤٤ ]
الآخرة فهي خير ﴿وأبقى﴾ والباقي خير من الخسيس الفاني.
ثم بين تعالى أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفًا بصفات الصفة الأولى قوله ﷾ ﴿للذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا هذه الحقيقة ﴿وعلى﴾ أي: والحال إنهم على ﴿ربهم﴾ أي: الذي لم يروا إحسانًا قط إلا منه وحده بما رباهم من الإخلاص ﴿يتوكلون﴾ أي: يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم متاعه على من يتوسم منه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره أصلًا لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي وهذا يرد على من زعم أن الطاعة توجب الثواب لأنه يتوكل على عمل نفسه لا على الله تعالى فلا يدخل تحت الآية الصفة الثانية قوله ﷿:
﴿والذين يجتنبون﴾ أي: يكلفون أنفسهم أن يجانبوا ﴿كبائر الإثم﴾ أي: جنس الفعال الكبائر التي لا توجد إلا في ضمن أفرادها ويحصل بها دنس النفس فيوجب عقابها مع الجسم وعطف على كبائر قوله تعالى: ﴿والفواحش﴾ وهي ما أنكره الشرع والعقل والطبع، والكبائر كل ذنب تعظم عقوبته كالقتل والزنا والسرقة والفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، وقال مقاتل: ما يوجب الحد وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة النساء، وقرأ حمزة والكسائي: بكسر الباء الموحدة قبل الياء الساكنة وهي للجنس فهي بمعنى قراءة الجمع، كما قرأ الباقون بفتح الموحدة وألف بعدها وبعد الألف همزة مكسورة والأولى أبلغ لشمولها المفردة، الصفة الثالثة: قوله ﵎: ﴿وإذا ما غضبوا﴾ أي: غضبًا هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال تعالى: ﴿هم يغفرون﴾ أي: هم الأخصاء والأحقاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفرًا أي: محوًا للذنوب عينًا وأثرًا مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر والتكبر لا يصلح لغير الإله، وفي الصحيح: «أنه ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله تعالى» . وروى ابن حاتم عن إبراهيم النخعي قال: «كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا غفروا»، الصفة الرابعة: قوله تعالى:
﴿والذين استجابوا﴾ أي: أوجدوا الإجابة لما لهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد ﴿لربهم﴾ أي: الداعي لهم إلى إجابة إحسانه إليهم، قال الرازي: المراد من هذا تمام الانقياد، فإن قيل: أليس أنه لما جعل الإيمان فيه شرطًا قد دخل في الإيمان إجابة الله تعالى؟ أجيب: بأنه يحمل هذا على الرضا بقضاء الله تعالى من صميم القلب وأن لا يكون في قلبه منازعة، الصفة الخامسة: قوله ﷾: ﴿وأقاموا﴾ أي: أداموا ﴿الصلاة﴾ الواجبة ﴿وأمرهم﴾ أي: كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير ﴿شورى بينهم﴾ أي: يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين بما لهم من قوة الباطن ولا يعجلون في أمورهم والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، الصفة السادسة، قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم﴾ أي: أعطيناهم بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة ﴿ينفقون﴾ أي: يديمون الإنفاق في سبيل الله تعالى كرمًا منهم، وإن قل ما بأيديهم اعتمادًا على فضل الله تعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين.
﴿والذين إذا أصابهم البغي﴾ أي: وقع بهم وأثر فيهم وهو التمادي على الرمي بالشر ﴿هم ينتصرون﴾
[ ٣ / ٥٤٥ ]
أي: ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه، كما قال تعالى:
﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة قال مقاتل: يعني القصاص وهي الجراحات والدماء، وقال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله يقول: أخزاك الله وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي، قال سفيان بن عيينة: سألت سفيان الثوري عن ذلك فقال: إن شتمك رجل فتشتمه أو يفعل كذا فتفعل به فلم أجد عنده شيئًا، فسأل هشام بن حجر عن ذلك فقال: الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك وتشتمه وقد تكفلت هذه الجمل بأمهات الفضائل الثلاث، العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم وبالنفقة إلى العفة وبالانتصار إلى الشجاعة حتى لا يظن أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث فإن من علم المماثلة كان عالمًا، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفًا ومن قسر نفسه على ذلك كان شجاعًا وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول: للعاجز، والثاني: للمتغلب المتكبر بدليل البغي، فإن قيل: هذه الآية مشكلة لوجهين؛ الأول: أنه لما ذكر قبله ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾، كيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو ﴿الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾، الثاني: أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن، قال تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ (البقرة: ٢٣٧)
وقال تعالى: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ (الفرقان: ٧٢)
وقال تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ (الأعراف: ١٩٩)
أجيب: بأن العفو على قسمين؛ أحدهما: أن يصير العفو سببًا لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته، والثاني: أن يصير العفو سببًا لمزيد جراءة الجاني وقوة غيظه وغضبه، فآيات العفو محمولة على القسم الأول وهذه الآية محمولة على القسم الثاني، وحينئذ يزول التناقض روي: «أن زينب أقبلت على عائشة تشتمها فنهاها النبي ﷺ عنها فلم تنته، فقال لها النبي ﷺ سبيها» . وأيضًا فإنه تعالى لم يرغِّب ففي الانتصار بل بين أنه مشروع فقط، ثم بين أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة بقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ثم بين أن العفو أولى بقوله تعالى: ﴿فمن عفا﴾ أي: بإسقاط حقه كله أو بالنقص منه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة ﴿وأصلح﴾ أي: أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس فيكون بذلك منتصرًا من نفسه لنفسه ﴿فأجره على الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله ﷺ «ما زاد الله بعفو إلا عزًا» ﴿إنه لا يحب الظالمين﴾ أي: لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله فيترتب عليهم عقابه.
﴿ولمن انتصر﴾ أي: سعى في نصر نفسه بجهده ﴿بعد ظلمه﴾ أي: بعد ظلم الغير له وليس قاصدًا التعدي عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان التعدي ﴿فأولئك﴾ أي: المنتصرون لأجل دفع الظالم عنهم ﴿ما عليهم﴾ وأكد بإثبات الجار فقال تعالى: ﴿من سبيل﴾ أي: عتاب ولا عقاب لأنهم فعلوا ما أبيح لهم من الانتصار روى النسائي عن عائشة قالت: «ما علمت حتى دخلت على زينب وهي غضبى، فأقبلت علي فأعرضت
[ ٣ / ٥٤٦ ]
عنها حتى قال النبي ﷺ دونك فانتصري، فأقبلت عليها حين رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئًا، فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه» . واحتجوا بهذه الآية على أن سراية القود مهدرة لأنه فعل مأذون فيه فيدخل تحت هذه الآية.
﴿إنما السبيل﴾ أي: الطريق السالك الذي لا منع منه أصلًا ﴿على الذين يظلمون الناس﴾ أي: يوقعون بهم ظلمهم تعمدًا عدوانًا ﴿ويبغون﴾ أي: يتجاوزون الحدود ﴿في الأرض﴾ بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعًا وعلمًا وعملًا ﴿بغير الحق﴾ أي: الكامل لأن الفعل قد يكون بغيًا وإن كانت مصحوبًا بحق كالانتصار المقرون بالتعدي فيه ﴿أولئك﴾ أي: البعداء من الله تعالى ﴿لهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما آلموا من ظلموه.
﴿ولمن صبر﴾ أي: عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى ﴿وغفر﴾ أي: صرح بإسقاط العقاب والعتاب بمحي عين الذنب وأثره ﴿فإن ذلك﴾ أي: الفعل الواقع منه البالغ في العلو حدًا لا يوصف ﴿لمن عزم الأمور﴾ أي: معزوماتها بمعنى المطلوبات شرعًا. روي أنه ﷺ قال: «ما من عبد ظلم مظلمة فعفا لله إلا أعزه الله تعالى بها نصرًا» .
﴿ومن يضلل الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال بأن لم يوفقه ﴿فما له من ولي﴾ أي: يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله تعالى عنه ﴿من بعده﴾ أي: بعد إضلال الله تعالى له، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله تعالى وأن الهداية ليست في مقدر أحد سوى الله تعالى وقال تعالى: ﴿وترى الظالمين﴾ موضع وتراهم لبيان أن الضال لا يضع شيئًا في موضعه.
ولما كان عذابهم حتمًا عبر عنه بالماضي فقال: ﴿لما رأوا العذاب﴾ أي: يوم القيامة المعلوم مصير الظالم إليه ﴿يقولون﴾ أي: مكررين لما اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل ﴿هل إلى مرد﴾ أي: إلى دار العمل ﴿من سبيل﴾ أي: طريق فيتمنون حينئذ الرجوع إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات الموجبة للنجاة.
﴿وتراهم﴾ أي: في ذلك اليوم والضمير في قوله تعالى: ﴿يعرضون عليها﴾ يعود على النار لدلالة العذاب عليها. ثم ذكر حالهم عند عرضهم على النار بقوله تعالى: ﴿خاشعين﴾ أي: خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم ﴿من الذل﴾ لأنهم عرفوا إذ ذاك ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه ﴿ينظرون﴾ أي: يبتدئ نظرهم المكرر ﴿من طرف﴾ أي: تحريك الأجفان ﴿خفي﴾ أي: ضعيف النظر يسارقون النظر إلى النار خوفًا منها وذلة في أنفسهم كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر (أن) يملأ عينه منه ولا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها، ويصح أن تكون من بمعنى الباء أي: بطرف خفي ضعيف من الذل، فإن قيل: قد قال الله تعالى في صفة الكفار أنهم يحشرون عميًا فكيف قال تعالى هنا: ﴿إنهم ينظرون من طرف خفي﴾؟ أجيب: بأنهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يصيرون عميًا أو أن هذا في قوم وذاك في قوم آخرين، وقيل: ينظرون إلى النار بقلوبهم والنظر بالقلب خفي.
ولما وصف تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال تعالى: ﴿وقال﴾ أي: في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعيير لهم والتبكيت والتوبيخ والتقريع ﴿الذين آمنوا﴾ أي: أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في أدنى الرتب أو أعلاها ﴿إن الخاسرين﴾ أي:
[ ٣ / ٥٤٧ ]
الذين كملت خسارتهم ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ بما استغرقها من العذاب ﴿وأهليهم﴾ بمفارقتهم لهم، أما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان ﴿يوم القيامة﴾ أي: هو يوم فوت التدارك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء، وهذا القول يحتمل أن يكون واقعًا في الدنيا أو يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة وقوله تعالى: ﴿ألا إن الظالمين﴾ أي: الراسخين في هذا الوصف ﴿في عذاب مقيم﴾ أي: دائم يحتمل أن يكون من تمام كلام المؤمنين وأن يكون تصديقًا من الله تعالى لهم.
﴿وما كان﴾ أي: ما صح ووجد ﴿لهم﴾ وأغرق في النفي فقال تعالى: ﴿من أولياء﴾ أي: فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب أولى ﴿ينصرونهم﴾ أي: يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات ﴿من دون الله﴾ أي: الملك الأعظم، أي: لا في الدنيا بأن يقدروا على إنقاذهم من وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم من العذاب ﴿ومن يضلل الله﴾ أي: يوجد إضلاله إيجادًا بليغًا بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان أو بعدم التوفيق بعد البيان ﴿فما له﴾ بسبب إضلال من له جميع صفات الكمال وأغرق تعالى في النفي بقوله سبحانه: ﴿من سبيل﴾ أي: طريق إلى الحق في الدنيا وإلى الجنة في الآخرة.
ولما ذكر تعالى الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود فقال تعالى:
﴿استجيبوا لربكم﴾ أي: أجيبوه بالتوحيد والعبادة فإنه الذي لم تروا إحسانًا إلا وهو منه ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ هو يوم القيامة ﴿لا مرد له من الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة فإنه إذا أتى به لا يرده وإذا لم يكن له مرد منه لم يكن له مرد من غيره ومتى عدم ذلك أنتج قوله تعالى: ﴿ما لكم﴾ وأغرق في النفي بقوله تعالى: ﴿من ملجأ﴾ أي: تلجؤون إليه ﴿يومئذ﴾ أي: في ذلك اليوم وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغًا في التحذير فقال تعالى: ﴿وما لكم من نكير﴾ أي: إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائفكم تشهد عليه ألسنتكم وجوارحكم.
﴿فإن أعرضوا﴾ أي: عن الإجابة فيما دعوتهم إليه ﴿فما أرسلناك﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿عليهم حفيظًا﴾ أي: تقهرهم على امتثال ما أرسلناك به ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ لما أرسلناك به، وأما الهداية والإضلال فإلينا، وهذا كما قال الجلال المحلي: قبل الأمر بالجهاد ﴿وإنا إذا أذقنا﴾ أي: بالعظمة التي لا يمكن مخالفتها ﴿الإنسان﴾ أي: بما جبلناه عليه من النقص وعدم التمالك ﴿منا رحمة﴾ قال ابن عباس ﵄: نوعًا من أنواع الإكرام من صحة أو غنى أو نحو ذلك ﴿فرح بها﴾ أي: بتلك الرحمة وأفرد ضمير فرح نظرًا للفظ الإنسان إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه، ولو كان أهل الأرض كلهم على غير ذلك ونعمة الله تعالى عليهم، وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة القطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سميت ذوقًا، فبين تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به وعظم غروره ووقع في العجب والكبر وظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقصى السعادات، وهذه طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة وجمع ضمير الإنسان في قوله تعالى: ﴿وإن تصبهم﴾ باعتبار معناه ﴿سيئة﴾ أي: شيء يسوءهم في الحال كالمرض والفقر والقحط ﴿بما قدمت أيديهم﴾ أي: قدموه وعبر بالأيدي
[ ٣ / ٥٤٨ ]
لأن أكثر الأفعال بها ﴿فإن الإنسان﴾ أي: الآنس بنفسه المعرض عن غيره بما هو طبع له بسبب سيئة تضره ﴿كفور﴾ أي: بليغ الكفران ينسى النعمة رأسًا ويذكر البلية ويعظمها ولم يتأمل سببها وتصدير الشرطية الأولى: بإذا، والثانية: بإن لأن إذاقته النعمة محققة من حيث إنها عادة مقضيّة بالذات بخلاف إصابة البلية وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضعه الضمير في الثانية للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة، فإن كان في نعمة أشر وبطر، وإن كان في نقمة أيس وقنط، فهذا حال الجنس من حيث هو ومن وفقه الله تعالى جنبه ذلك كما قال ﷺ «المؤمن إن أصابه سراء
شكر فكان خيرًا، وإن أصابه ضراء صبر فكان خيرًا» .
ولما ذكر تعالى إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بعدها السيئة أتبع ذلك بقوله تعالى:
﴿لله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿ملك السموات﴾ كلها على علوها وتطابقها وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها ﴿والأرض﴾ جميعها على تباينها وتكاثفها واختلاف أقطارها وسكانها واتساعها ﴿يخلق﴾ أي: على سبيل التجدد والاختيار والاستمرار ﴿ما يشاء﴾ وإن كان على غير اختيار العباد لئلا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه، بل إذا علم أن الكل ملك لله وملكه وإنما حصل له ذلك القدر إنعامًا من الله تعالى عليه فيصير ذلك حاملًا له على مزيد الطاعة.
ثم ذكر من أقسام تصرفه تعالى في العالم أنه يخص بعض الناس بالأولاد الإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض محروم من الكل كما قال تعالى: ﴿يهب﴾ أي: يخلق ﴿لمن يشاء﴾ أولادًا ﴿إناثًا﴾ فقط ليس معهن ذكر ﴿ويهب لمن يشاء الذكور﴾ فقط ليس معهم أنثى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: بتسهيل الهمزة الثانية كالياء وتبدل أيضًا واوًا خالصة، والباقون بتحقيقهما وفي الابتداء الجميع بالتحقيق، وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفًا مع المد والتوسط والقصر ولهما أيضًا تسهيلها مع المد والقصر والروم والإشمام.
﴿أو يزوجهم﴾ أي: الأولاد فيجعلهم أزواجًا أي: صنفين حال كونهم ﴿ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا﴾ أي: لا يولد له.
قال الرازي: وفي الآية سؤالات؛ الأول: أنه قدم الإناث في الذكر على الذكور أولًا ثم قدم الذكور على الإناث ثانيًا فما السبب أي: فما الحكمة في هذا التقديم والتأخير؟ الثاني: أنه نكر الإناث وعرف الذكور، وقال في الصنفين معًا: أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا؟ الثالث: أنه لما كان حصول الولد هبة من الله تعالى فيكفي في عدم حصوله أن لا يهب فأي: حاجة في عدم حصوله إلى قوله تعالى: ﴿ويجعل من يشاء عقيمًا﴾ الرابع: هل المراد بهذا الحكم جمع معينون أو الحكم على الإنسان المطلق ثم قال: والجواب عن الأول: أن الكريم يسعى في أن يقع الختم على الخير والراحة فإذا وهب الأنثى أولًا ثم أعطى الذكر بعدها فكأنه نقله من الغم إلى الفرح وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطى الذكر أولًا ثم أعطى الأنثى ثانيًا فكأنه نقله من الفرح إلى الغم، فذكر الله تعالى هبة الأنثى أولًا ثم ثنى بهبة الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون أليق بالكرم، قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث، وأما تقديم ذكر الذكور على ذكر الإناث ثانيًا فلأن الذكر أكمل وأفضل من الأنثى والأفضل مقدم على المفضول، وأما الجواب عن تنكير الإناث وتعريف
[ ٣ / ٥٤٩ ]
الذكور فهو أن المقصود منه التنبيه على أن الذكر أفضل من الأنثى.
وأما قوله تعالى: ﴿أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا﴾ فهو أن كل شيئين يقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان وكل واحد منهما يقال له: زوج والكناية في يزوجهم عائدة على الإناث والذكور، والمعنى: يجعل الذكور والإناث أزواجًا أي: يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿عقيمًا﴾ فالعقيم: هو الذي لا يلد ولا يولد له يقال: رجل عقيم وامرأة عقيم، وأصل العقم: القطع، ومنه قيل الملك عقيم لأنه تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق، وأما الجواب عن الرابع: فقال ابن عباس ﵄: يهب لمن يشاء إناثًا يريد لوطًا وشعيبًا ﵉ لم يكن لهما إلا البنات ويهب لمن يشاء الذكور يريد إبراهيم ﵇ لم يكن له إلا الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا يريد محمدًا ﷺ كان له من البنين ثلاثة على الصحيح القاسم وعبد الله وإبراهيم ومن البنات أربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ويجعل من يشاء عقيمًا يريد يحيى وعيسى ﵉، وقال أكثر المفسرين: هذا على وجه التمثيل وإنما الحكم عام في كل الناس لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأشياء كيف شاء فلا معنى للتخصيص ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إنه عليم﴾ أي: بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها ﴿قدير﴾ أي: شامل القدرة على تكوين ما يشاء.
ولما بين تعالى حال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه فقال تعالى:
﴿وما كان﴾ أي: وما صح ﴿لبشر﴾ من الأقسام المذكورة وحل المصدر الذي هو اسم كان ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم الوجوه فقال تعالى: ﴿أن يكلمه﴾ وأظهر موضع الإضمار إعظامًا للوحي وتشريفًا لمقداره فقال تعالى: ﴿الله﴾ أي: يوجد الملك الأعظم الجامع بصفات الكمال في قلبه كلامًا ﴿إلا﴾ أن يوحي إليه ﴿وحيًا﴾ أي: كلامًا خفيًا يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إما بمشافهة كما ورد في حديث المعراج، وإما بإلهام أو رؤية منام كما رأى إبراهيم ﵇ في المنام أن يذبح ولده، أو بغير ذلك سواء خلق الله تعالى في المتكلم قوة السماع له وهو أشرف هذه الأقسام أم لا ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ (القصص: ٧)
﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ (النحل: ٦٨)
﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ (فصلت: ١٢)
﴿أو﴾ إلا ﴿من وراء حجاب﴾ أي: من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام على وجه الجهر كما وقع لموسى ﵇ ﴿أو يرسل رسولًا﴾ من الملائكة إما جبريل ﵇ أو غيره.
تنبيه: ذكر المفسرون: أن اليهود قالوا للنبي ﷺ ألا تكلم الله تعالى وتنظر إليه إن كنت نبيًا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: «لم ينظر موسى إلى الله ﷿ فأنزل الله تعالى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا﴾، ﴿فيوحي﴾ أي: الرسول إلى المرسل إليه أن يكلمه ﴿بإذنه﴾ أي: الله تعالى ﴿ما يشاء﴾ أي: الله ﷿، وقرأ نافع برفع اللام من يرسل وسكون الياء من يوحي والباقون بنصب اللام والياء أما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو يرسل، ثانيها: أنه عطف على وحيًا على أنه حال لأن وحيًا في تقدير الحال أيضًا فكأنه قال: إلا موحيًا إليه أو مرسلًا، ثالثها: أن يعطف على ما يتعلق به
[ ٣ / ٥٥٠ ]
من وراء إذ تقديره أو يسمع من وراء حجاب ووحيًا في موضع الحال عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه أو يرسل، والتقدير: إلا موحيًا أو مسمعًا من وراء حجاب أو مرسلًا.
وأما القراءة الثانية: ففيها ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يعطف على المضمر الذي يتعلق به من وراء حجاب إذ تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وهذا الفعل المقدر معطوف على وحيًا، والمعنى: إلا بوحي أو سماع من وراء حجاب أو إرسال رسول، ولا يجوز أن يعطف على أن يكلمه لفساد المعنى إذ يصير التقدير: وما كان لبشر أن يرسل الله رسولًا بل يفسد لفظًا ومعنى، وقال مكي: لأنه يلزم منه نفي الرسل ونفي المرسل إليهم، ثانيها: أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين على وحيًا ووحيًا حال فيكون هذا أيضًا حالًا والتقدير: إلا موحيًا أو مرسلًا، ثالثها: أنه معطوف على معنى وحيًا فإنه مصدر مقدر بأن والفعل والتقدير: إلا بأن يوحي إليه أو بأن يرسل ذكره مكي وأبو البقاء ﴿إنه﴾ أي: هذا الذي له هذا التصرف العظيم في هذا الوحي الكريم ﴿علي﴾ أي: بالغ العلو جدًا عن صفات المخلوقين ﴿حكيم﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بواسطة وتارة بغير واسطة إما عيانًا وإما من وراء حجاب.
﴿وكذلك﴾ أي: ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل ﴿أوحينا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إليك﴾ يا أفضل الرسل ﴿روحًا﴾ قال ابن عباس: نبوة وقال الحسن: رحمة وقال السدي: وحيًا وقال الكلبي: كتابًا وقال الربيع: جبريل وقال مالك بن دينار: القرآن، وسمي الوحي روحًا؛ لأنه مدبر الروح كما أن الروح مدبر للبدن وزاد عظمته بقوله تعالى: ﴿من أمرنا﴾ أي: الذي نوحيه إليك.
ثم بين تعالى حال نبيه محمد ﷺ قبل الوحي بقوله سبحانه: ﴿ما كنت﴾ أي: فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك ﴿تدري﴾ أي: تعرف قبل الوحي إليك ﴿ما الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿ولا الإيمان﴾ أي: تفصيل الشرايع على ما جددناه لك بما أوحيناه إليك وهو ﷺ وإن كان قبل النبوة قد كان مقرًا بوحدانية الله تعالى وعظمته، فإنه كان يصلي ويحج ويعتمر ويبغض اللات والعزى ولا يأكل ما ذبح على النصب لكنه لم يكن يعلم الرسل على ما هم عليه، ولا شك أن الشهادة له ﷺ نفسه بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك وكذلك الملائكة، فصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: الإيمان هنا الصلاة لقوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (البقرة: ١٤٣)
أي: صلاتكم، وقيل: هذا على حذف ومعناه: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلًا في المهد، وقيل: الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به، وقال بعضهم: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقول ومنها: ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة.
تنبيه: ما؛ الأولى نافية والثانية استفهامية والجملة الاستفهامية معلقة للدراية فهي في محل نصب لسدها مسد مفعولين والجملة المنفية بأسرها في محل نصب على الحال من الكاف في إليك، وفي الآية دليل على أنه ﷺ لم يكن متعبدًا قبل النبوة بشرع وفي المسألة خلاف للعلماء فقيل: كان يتعبد على دين إبراهيم ﵇ وقيل: غيره والضمير في قوله تعالى ﴿ولكن جعلناه نورًا﴾ يعود إما لروحًا وإما للكتاب وإما لهما وهو أولى لأنهما
[ ٣ / ٥٥١ ]
مقصود واحد فهو كقوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة: ٦٢)
وقال ابن عباس ﵄: يعني الإيمان وقال السدي: يعني القرآن ﴿نهدي﴾ على عظمتنا ﴿به من نشاء﴾ خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا ﴿من عبادنا﴾ بخلق الهداية في قلبه بالتوفيق فهذه لا يقدر عليها أحد غير الله تعالى، وأما الهداية بالتبيين والإرشاد فهي قوله تعالى: ﴿وإنك﴾ يا أفضل الخلق ﴿لتهدي﴾ أي: تبين وترشد وأكده لإنكارهم ذلك ﴿إلى صراط﴾ أي: طريق واضح جدًا ﴿مستقيم﴾ أي: شديد التقوم وهو دين الإسلام وقوله تعالى:
﴿صراط الله﴾ أي: الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال وقرأ سراط في الموضعين قنبل بالسين وخلف: بالإشمام أي: بين الصاد والزاي والباقون بالصاد الخالصة. ثم وصف ﷾ نفسه بأنه مالك لما في السموات والأرض بقوله تعالى: ﴿الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ خلقًا وملكًا وعبيدًا ﴿ألا إلى الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال الذي تعالى عن مثل وند وهو الكبير المتعال لا إلى غيره ﴿تصير﴾ أي: على الدوام وإن كانت في الظاهر في ملك غيره بحيث يظن الجاهل أن ملكها مستقر له.
قال أبو حيان: أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله: زيد يعطي ويمنع أي: من شاء ذلك ولا يراد به حينئذ حقيقة المستقبل ﴿الأمور﴾ كلها من الخلق والأمر معنى وحسًا كما كانت الأمور كلها مبتدأة منه وحده وفي ذلك وعد للمطيعين ووعيد للمجرمين فيجازي كلًا منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب، وما قاله البيضاوي تبعًا للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون ويسترحمون له» حديث موضوع.