مدنية وهي إحدى عشرة آية، وقيل: اثنتا عشرة آية، وقيل: ثلاث عشرةآية ومائتان وتسع وأربعون كلمة، وألف وستون حرفًا
﴿بسم الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال ﴿الرحمن﴾ الذي عم برحمته والنوال ﴿الرحيم﴾ الذي خص بتمام النعمة ذوي الهمم العوال
وقرأ: ﴿يا أيها النبي﴾ نافع بالهمزة وسهل الهمزة من إذا وأبدلها أيضًا واوًا. خصه ﷺ بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهارًا لتقدمته واعتبارًا لرآسته، وإنه لسان قومه والذي يصدرون عن رأيه، ولا يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكم كلهم وسادًا مسد جميعهم.
وقيل: إنه على إضمار قول، أي يا أيها النبي قل لأمتك ﴿إذا طلقتم النساء﴾ أي: أردتم طلاق هذا النوع واحدة منهن فأكثر. وقيل: إنه خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه كقوله: إذا حذفته رجلها، أي: ويدها، وكقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ (النحل: ٨١)
وقيل: إنه خطاب للنبي ﷺ خوطب بلفظ الجمع تعظيمًا له كقوله:
*فإن شئت أحرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولابردًا*
قال الرازي: وجه تعلق أول هذه السورة بآخر التي قبلها، هو أنه تعالى أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله تعالى: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ وفي أول هذه السورة إشارة إلى كمال علمه بمصالح النساء والأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات.
وروى ابن ماجه عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وعن أنس قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ وقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة، ذكره الماوردي، والقشيري. وزاد القشيري ونزل خروجها إلى أهلها قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ .
وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه
[ ٤ / ٣٠٩ ]
وسلم على حفصة لما أسر إليها حديثًا فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة فنزلت. وقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر «طلق امرأته حائضًا تطليقة واحدة فأمره النبي ﷺ بأن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يجامع فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» . وهو قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي: في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وقد قيل: إن رجالًا فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمر بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان فنزلت الآية فيهم. وروى الدراقطني عن ابن عباس أنه قال: «الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلالان، ووجهان حرامان.
فأما الحلال فأن يطلقها طاهرًا عن غير جماع، وأن يطلقها حاملًا مستبينًا حملها.
وأما الحرام فأن يطلقها حائضًا، أو أن يطلقها حين يجامعها لا يدري اشتمل الرحم على ولد أم لا» .
تنبيه: الطلاق ينقسم إلى سني وبدعي ولا ولا، فطلاق موطوأة ولو في دبر تعتد بإقراء سني إن ابتدأتها الإقراء عقب الطلاق، ولم يطأها في طهر طلقها فيه أو علق طلاقها بمضي بعضه، ولا وطئها في نحو حيض قبله، ولا في حيض طلق مع آخره أو علق بآخره وذلك لاستعقابه الشروع في العدة وعدم الندم فيمن ذكرت، وإلا فبدعي وإن سألته طلاقًا بلا عوض وطلاق غير الموطوأة المذكورة بأن لم توطأ أو كانت صغيرة أو آيسة أو حاملًا منه وخلع زوجته في زمن حيض بعوض لا سني ولا بدعي، والبدعي حرام للنهي عنه.
وقسم جماعة الطلاق إلى واجب كطلاق المولى، أي: واجب مخير إن لم يكن عذر، ومعين إن كان عذر شرعي كالإحرام، ومندوب كطلاق غير مستقيمة الحال كسيئة الخلق، ومكروه كمستقيمة الحال، وحرام كطلاق البدعة. وأشار الإمام إلى المباح بطلاق من لا يهواها، ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع بها، وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وعن علي عن النبي ﷺ قال: «تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش» وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ «يا معاذ ماخلق الله تعالى شيئًا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله تعالى شيئًا أبغض إليه من الطلاق» وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ «ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق» واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق، فقالت طائفة بجوازه، وهو مروي عن طاووس، وبه قال حماد الكوفي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز الاستثناء في الطلاق والعتق. وقال قتادة: لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول.
ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديدًا صرح بصيغة الأمر فقال تعالى: ﴿وأحصوا﴾ أي: اضبطوا ضبطًا كأنه في إتقانه محسوس ﴿العدة﴾ ليعرف زمان الرجعة والنفقة والسكنى، وحل النكاح لأخت المطلقة مثلًا ونحو ذلك من الفوائد الجليلة ﴿واتقوا﴾ أي: في ذلك ﴿الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر ﴿ربكم﴾ أي: لإحسانه في تربيتكم في حملكم علي الحنيفية السمحة ورفع جميع الآصار عنكم ﴿لا تخرجوهن﴾ أي: أيها الرجال
[ ٤ / ٣١٠ ]
في حال العدة ﴿من بيتوهن﴾ أي: المسكن التي وقع الفراق فيها، وهي مساكنهن التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى.
وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها ﴿ولا يخرجن﴾ أي: من بيتوهن حتى تنقضي عدتهن ولو وافق الزوج على ذلك، وعلى الحاكم المنع منه لأن في العدة حقًا لله تعالى، وقد وجبت في ذلك المسكن. وقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ مستثنى من الأول، والمعنى إلا أن تبدو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها.
وقال ابن عباس: الفاحشة المبينة أن تبدو على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء خلقها وقال ابن مسعود: أراد بالفاحشة المبينة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، ثم ترد إلى منزلها. وقال قتادة: الفاحشة النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز فتحوّل عن بيته. ويجوز أن يكون مستثنى من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة هذا كله عند عدم العذر، أما لعذر كشراء غير من لها نفقة على المفارق نحو طعام كقطن وكتان نهارًا، وغزلها ونحوه كحديثها وتأنيسها عند جارتها ليلًا وترجع وتبيت ببيتها، فإنه جائز للحاجة إلى ذلك، وكخوف على نفس أو مال من نحو هدم وغرق وفسقة مجاورين لها وشدة تأذيها بجيران وشدة تأذيهم بها للحاجة إلى ذلك، بخلاف الأذى اليسير إذ لا يخلو منه أحد ومن الجيران الإحماء وهم أقارب الزوج، نعم إن اشتد أذاها بهم أو عكسه وكانت الدار ضيقة نقلهم الزوج عنها وخرج بالجيران ما لو طلبت بيت أبويها وتأذت بهما أو هما بها فلا نقل، لأن الوحشة لا تطول بينهما، ولو انتقلت لبلد أو مسكن بإذن زوجها فوجبت العدة، ولو قبل وصولها إليه اعتدت فيه لأنها مأمورة بالمقام فيه، فإن انتقلت لذلك بلا إذن فتعتد في الأول وإن وجبت العدة بعد وصولها للثاني لعصيانها بذلك. نعم إن أذن لها بعد انتقالها أن تقيم في الثاني فكما لو انتقلت بالإذن.
ولو أذن لها في الانتقال فوجبت العدة قبل خروجها اعتدت في الأول. ولو سافرت بإذن زوجها فوجبت في الطريق فعودها أولى من مضيها، فإن مضت وجب عودها بعد انقضاء حاجتها إن سافرت لها، أو بعد انقضاء مدة الأذن إن قدر لها مدة، أو مدة إقامة المسافر إن لم تقدر لها مدة في سفر غير حاجتها.
ولو خرجت فطلقها وقال: ما أذنت في الخروج، أو قال - وقد قالت: أذنت في نقلتي: أذنت لا لنقله، صدق بيمينه، ولو كان المسكن ملكًا له ويليق بها تعين؛ لأن تعتد فيه كما مر ويصح بيعه في عدة أشهر كالمكتري، أو كان مستعارًا، أو مكري وانقضت مدة الكراء انتقلت منه إن امتنع المالك، وإن كان ملكًا لها تخيرت بين الاستمرار فيه بإعارة أو إجارة والانتقال منه كما لو كان المسكن خسيسًا، ويخير هو إن كان نفيسًا وسكنى المعتدة عن فرقة واجب على الزوج حيث تجب نفقتها عليه لو لم تفارق، سواء أكانت الفرقة بطلاق أو فسخ أو وفاة لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ (الطلاق: ٦)
وقيس به الفسخ بأنواعه بجامع فرقة النكاح في الحياة، ولخبر فريعة بنت مالك في الوفاة: «أن زوجها قتل فسألت النبي ﷺ أن ترجع إلى أهلها، وقالت: إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، فأذن لها في الرجوع، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد، دعاني فقال: امكثي في بيتك
[ ٤ / ٣١١ ]
حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا» صححه الترمذي وغيره.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء التحتية، والباقون بكسرها ﴿وتلك﴾ أي: الأحكام العالية جدًا لما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيرها ﴿حدود الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿ومن يتعد﴾ أي: يقع منه في وقت من الأوقات أنه تعمد أن يعدو ﴿حدود الله﴾ أي: الملك الذي لا كفء له أو بعضها كأن طلق بدعيًا ﴿فقد ظلم نفسه﴾ أي: عرضها للعقاب.
وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الظاء، والباقون بالإدغام ﴿لا تدري﴾ أي: نفس، أو أنت أيها النبي، أو المطلق ﴿لعل الله﴾ أي: الذي بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور ﴿يحدث﴾ أي: يوجد شيئًا حادثًا لم يكن إيجادًا ثابتًا لا تقدر الخلق على التسبب في زواله ﴿بعد ذلك﴾ أي: الحادث من الإساءة والبغض ﴿أمرًا﴾ بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها.
وقال أكثر المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، وهذا أحسن الطلاق وأحله في السنة وأبعده عن الندم..
ويدل عليه ما روي عن ابراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقون غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثًا في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو مفرقة. وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقًا في الأطهار فلا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: «ما هكذا أمر الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا وتطلقها لكل قرء تطليقة» وروي أنه قال لعمر: «مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها تحيض، ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وهو مباح. ومالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت وحده.
قال الزمخشري: فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت: نعم وهو آثم لما روي عن النبي ﷺ «أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا بين يديه فقال: أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم» وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثًا فقال له: قال: «إذًا عصيت وبانت منك امرأتك» .
وعن عمر ﵁ أنه كان لايؤتى برجل طلق امرأته ثلاثًا إلا أوجعه ضربًا، وأجاز ذلك عليه. وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء﴾ عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صح تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟.
أجيب: بأنه لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن
[ ٤ / ٣١٢ ]
وفي بعضهن فجاز أن يراد بالنساء هذا وذلك، فلما قيل: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض.
ولما حدّ سبحانه مايفعل في العدة أتبعه مايفعل عند انقضائها بقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن﴾ أي: المطلقات ﴿أجلهن﴾ أي: شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة ﴿فأمسكوهن﴾ أي: بالمراجعة وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق مادون البائن لا سيما الثلاث ﴿بمعروف﴾ أي: حسن عشرة لا لقصد المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاد عدة أخرى، أو غير ذلك. ﴿أو فارقوهن﴾ بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها ﴿بمعروف﴾ أي: بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسنه الشرع، فلا يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلًا، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى فقط من غير مصلحة، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات.
تنبيه: قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ وقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (البقرة: ٢٢٩)
إن: الزوج له حق في بدن الزوجة ولها حق في بدنه وذمته فكل من له دين في ذمة غيره سواء أكان مالًا، أو منفعة من ثمن أو مثمن أو أجرة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، أو نحو ذلك فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ (البقرة: ١٧٨)
وكذا الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمؤدي يؤدي بإحسان.
ولما كان الإشهاد أقطع للنزاع قال تعالى حاثًا على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين العجزة: ﴿وأشهدوا﴾ أي: على الرجعة والمفارقة، وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعًا ﴿ذوي عدل منكم﴾ قطعًا للنزاع، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند الجمهور كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (البقرة: ٢٨٢)
وأوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الأخر: إن الرجعة لاتفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق.
وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرجعة فليس بمراجع، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة فهو رجعة، وكذا النظر إلى الفرج رجعة، وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة فهي رجعة، وقيل: وطؤه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. قال القرطبي: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة فهو وطء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له الرجعة في هذا الاستبراء.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿منكم﴾ قال الحسن: من المسلمين، وعن قتادة: من أحراركم، وذلك يوجد اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن ذوى للمذكر. وقوله تعالى: ﴿وأقيموا﴾ أي: أيها المأمورون حيث كنتم شهودًا ﴿الشهادة﴾ التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها ﴿لله﴾ أي: مخلصين لوجه الملك الأعلى لا لأجل المشهود له والمشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله تعالى.
[ ٤ / ٣١٣ ]
وفيه حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشاهد بترك مهماته وعسر لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه وكان للعدل في الأداء عوائق أيضًا ﴿ذلكم﴾ أي: الذي ذكرت لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام العالية المرام، وأولاها بذلك هذا الإشهاد وإقامة الشهادة ﴿يوعظ﴾ أي: يلين ويرقق ﴿به من كان﴾ أي: كونًا راسخًا من جميع الناس ﴿يؤمن بالله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿واليوم الآخر﴾ فإنه المحط الأعظم للترقيق، وأما من لم يكن متصفًا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ماوعظ به لأنه لم ينتفع به.
وقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله﴾ أي: يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية بما يرضية، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهي عنه من الطلاق وغيره، ظاهرًا وباطنًا لأن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي، وإن اقترنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي ﴿يجعل﴾ أي: بسبب التقوى ﴿له مخرجًا﴾ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على اتقائه عما نهى عنه صريحًا أو ضمنًا من الطلاق في الحيض والإضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن، وتعدى حدود الله تعالى. روي أن النبي ﷺ «سئل عمن طلق ثلاثًا أو ألفًا هل له من مخرج فتلاها» وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والثعلبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله تعالى يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضًا: يجعل له مخرجًا ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه، قاله علي بن صالح. وقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجًا من النار إلى الجنة، وقال الحسن: مخرجًا مما نهى الله عنه، وقال أبو العالية: مخرجًا من كل شدة، وقال الربيع بن خيثم: مخرجًا من كل شيء ضاق على الناس، وقال الحسين بن الفضل: ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجًا من العقوبة.
﴿ويرزقه﴾ أي: الثواب ﴿من حيث لا يحتسب﴾ أي: يبارك له فيما أتاه، وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجًا من عقوبة البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله تعالى يجعل له مخرجًا مما كلفه الله بالمعونة له، وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم، وهذا هو الذي يقوى عندي.
وقال أبو ذر: «قال النبي ﷺ إني لأعلم آيه لو أخذ الناس بها لكفتهم، وتلا: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ قال: مخرجًا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة» .
وقال أكثر المفسرين: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنًا له يسمى سالمًا فأتى رسول الله ﷺ يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني؟ فقال ﷺ «اتقي الله واصبر، وآمرك وإياها أن تكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله ﷺ أمرني وإياك أن نكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقالت: نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى المدينة وهي أربعة آلاف شاة فنزلت الآية، وجعل النبي ﷺ تلك الأغنام له» وروي
[ ٤ / ٣١٤ ]
أنه جاء وقد أصاب إبلًا من العدو، وكان فقيرًا. فقال الكلبي: إنه أصاب خمسين بعيرًا، وفي رواية فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة لقوم فمر بسرح لهم فاستاقه، وقال مقاتل: أصاب غنمًا ومتاعًا، فقال أبوه للنبي ﷺ أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني قال: نعم ونزل ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ وروى الحسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» .
وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة، ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: «من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
﴿ومن يتوكل﴾ أي: يسند أموره كلها معتمدًا فيها ﴿على الله﴾ أي: الملك الذي بيده كل شيء ولا كفء له ﴿فهو﴾ أي: الله في غيبه فضلًا عن الشهادة بسبب توكله ﴿حسبه﴾ أي: كافيه ما أهمه، وحذف المتعلق للتعميم، وحرف الاستعلاء للإشارة إلى أنه كان حمل أموره كلها عليه سبحانه، لأنه القوي العزيز الذي يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فلا يبدو له عالم الشهادة شيء يشينه.
وقيل: من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية ولم يرد الدنيا، لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل، وفي الحديث: «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» ويؤخذ من هذا أن التوكل يكون مع مباشرة الأسباب لأنه ﷺ قال: تغدو وتروح وهي من المقامات العظيمة. قال البقاعي نقلًا عن المولوي: وإلا كان اتكالًا، وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة؛ لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتب المسببات على الأسباب. ا. هـ.
ولما كان ذلك أمرًا إلا يكاد يحيط به الوهم بقوله تعالى مهوّلًا له بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار: ﴿إن الله﴾ أي: المحيط بكل كمال المنزه عن كل شائبة نقص ﴿بالغ أمره﴾ أي: جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم لا، قال مسروق: يعني قاضٍ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. وقرأ حفص: بالغ، بغير تنوين وأمره بالجر مضاف إليه على التخفيف، والباقون بالتنوين، وأمره بنصب الراء وضم الهاء. قال ابن عادل: وهو الأصل خلافًا لأبي حيان ﴿قد جعل الله﴾ أي: الملك الذي لا كفء له ولا معقب لحكمه جعلًا مطلقًا من غير تقييد بجهة ولا حيثية ﴿لكل شيء﴾ كرخاء وشدة ﴿قدرًا﴾ أي: تقديرًا لا يتعداه في مقداره وزمانه وجميع عوارضه وأحواله، وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه. فمن توكل استفاد الأجر، وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه وطال غمه بشدة وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجية. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء، ولا ينقص منها شيء.
ويحكى أن رجلًا أتى عمر فقال: أولني مما أولاك الله، فقال: أتقرأ القرآن، قال: لا، قال: إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه فلما تعلم
[ ٤ / ٣١٥ ]
القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال: يا هذا أهجرتنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين لست ممن يهجر، ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن باب عمر، قال: فأي آية أغنتك قال: قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾ فمن توكل على غيره سبحانه ضاع، لأنه لا يعلم المصالح وإن علم لا يعلم كيف يستعملها، وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله ولا يعلمه حق علمه غيره.
تنبيه: الآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر عليه، وهو موافق لما روى أنه ﷺ قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الزرق بالذنب يصيبه» . وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف شيئًا من الأشياء.
وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ قال أصحاب النبي ﷺ فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا نحفظه، فنزل ﴿إن الله بالغ أمره﴾ فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خيثم: إن الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ (التغابن: ١١)
﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ ﴿إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم﴾ (التغابن: ١٧)
﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ (آل عمران: ١٠١)
﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ (البقرة: ١٨٦) .
ولما بين تعالى أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمر بن سليمان: نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن ناسًا يقولون قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء الصغار والكبار وذوات الحمل فنزل:
﴿واللائي يئسن﴾ أي: من المطلقات ﴿من المحيض﴾ أي: الحيض الآية. وقال مقاتل: لما ذكر قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (البقرة: ٢٢٨)
قال خلاد بن النعمان: يا رسول الله فما عدة التي لم تحض وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحبلى فنزلت، وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي يئست فنزلت، وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة. واختلف في سن اليأس فالذي عليه الأكثر أنه اثنان وستون سنة، وقيل: خمس وخمسون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون.
ولما كان هذا الحكم خاصًا بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم قال تعالى: ﴿من نسائكم﴾ أي: أيها المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب ﴿إن ارتبتم﴾ أي: شككتم في عدتهن ﴿فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ كل شهر يقوم مقام حيضة لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر ﴿واللائي لم يحضن﴾ أي: لصغرهن أو لأنهن لا حيض لهن أصلًا، وإن كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر أيضًا هذا كله في غير المتوفى عنهن أزواجهن، أما هن فعدتهن ما في آية ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ (البقرة: ٢٣٤)
وقرأ: ﴿واللائي﴾ في الموضعين ابن عامر والكوفيون بالهمز وياء بعده، وقرأ قالون وقنبل بالهمز ولا ياء بعده، وللبزي وأبي عمرو أيضًا إبدال الهمزة ياء ساكنة مع المد لا غير.
ولما فرغ من ذكر الحوائل أتبعه ذكر الحوامل بقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال﴾ أي: من جميع الزوجات المسلمات والكافرات المطلقات والمتوفى عنهن ﴿أجلهن﴾ أي: لمنتهى العدة سواء كان لهن مع الحمل حيض أم لا ﴿أن
[ ٤ / ٣١٦ ]
يضعن حملهن﴾ وهذا على عمومه مخصص لآية ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ لأن المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ذاك في قوله تعالى: ﴿أزواجًا﴾ لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم وعموم أزواجًا بالعرض لأنه بدل لا يصلح لجميع الأزواج في حال واحد، والحكم معلل هنا بوصف الحملية بخلاف ذاك، ولأن هذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة فتقديمها على تلك تخصيص، وتقديم تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم فهو نسخ، والأول هو الراجح للوفاق، ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليالٍ فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج.
تنبيه: إذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك، وقال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة: لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، فإن كانت حاملًا بتوأمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما، ولابد أن يكون الحمل منسوبًا لذي العدة، أما إذا كان من زنا فلا حرمة له والعدة بالحيض.
ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة في غاية المشقة كرر بالحث على التقوى إشارة إلى ذلك، وترغيبًا في لزوم ما حده سبحانه فقال عاطفًا على ما تقديره فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله تعالى عليه أموره: ﴿ومن يتق الله﴾ أي: يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجادًا مستمرًا ليجعل بينهم وبين سخطه وقاية من طاعته، اجتلابًا للمأمور واجتنابًا للمنهي.
﴿يجعل له﴾ أي: يوجد إيجادًا مستمرًا باستمرار التقوى، إن الله لا يمل حتى تملوا ﴿من أمره﴾ أي: كله في النكاح وغيره ﴿يسرًا﴾ أي: سهولة وفرجًا وخيرًا في الدارين بالدفع والنفع، وذلك أعظم من مطلق الخروج المتقدم في الآية الأولى، وقال مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرًا في توفيقه لطاعته.
﴿ذلك﴾ أي: الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب ﴿أمر الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له الكمال كله ﴿أنزله إليكم﴾ وبينه لكم ﴿ومن يتق الله﴾ أي: الذي لا أمر لأحدٍ معه في أحكامه فيراعي حقوقها ﴿يكفر﴾ أي: يغط تغطية عظيمة ﴿عنه سيئاته﴾ ليتخلى عن المبعدات، فإن الحسنات يذهبن السيئات ﴿ويعظم له أجرًا﴾ بأن يبدل سيئاته حسنات، ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفة فيتحلى بالقربات، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم.
﴿أسكنوهن﴾ وقال الرازي: أسكنوهن وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله﴾ كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: أسكنوهن.
وقوله تعالى: ﴿من حيث سكنتم﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن من للتبعيض، قال الزمخشري: مبعضها محذوف، معناه: أسكنوهن مكانًا من حيث سكنتم، أي: بعض مكان سكناكم كقوله تعالى: ﴿يغضوا من أبصارهم﴾ (النور: ٣٠)
أي: بعض أبصارهم. قال قتادة: إن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه. قال الرازي: وقال الكسائي: من صلة، والمعنى: اسكنوهن حيث سكنتم. والثاني: أنها لابتداء الغاية، قاله الحوفي وأبو البقاء. قال أبو البقاء: والمعنى: تسببوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم، ودل عليه قوله تعالى: ﴿من وجدكم﴾ أي: من وسعكم، أي: ما تطيقونه وفي إعرابه وجهان: أحدهما: أنه عطف بيان لقوله تعالى: ﴿من حيث سكنتم﴾ وإليه ذهب الزمخشري وتبعه البيضاوي. قال ابن عادل: أظهرهما أنه بدل من قوله ﴿من حيث﴾ بتكرار
[ ٤ / ٣١٧ ]
العامل، وإليه ذهب أبو البقاء كأنه قيل: أسكنوهن من وسعكم.
﴿ولا تضاروهن﴾ أي: حال السكنى في المساكن ولا في غيره ﴿لتضيقوا عليهن﴾ حتى تلجؤهن إلى الخروج ﴿وإن كن﴾ أي: المطلقات ﴿أولات حمل﴾ أي: من الأزواج من طلاق بائن أو رجعي ﴿فأنفقوا عليهن﴾ وإن مضت الأشهر ﴿حتى يضعن حملهن﴾ فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات البوائن والأحاديث تؤيده.
قال القرطبي: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثًا على ثلاثة أقوال: فذهب مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة، ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس قالت: «دخلت إلى رسول الله ﷺ ومعي أخو زوجي، فقلت: إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة، قال: بل لك السكنى والنفقة، فقال: إن زوجها طلقها ثلاثًا فقال ﷺ إنما السكنى والنفقة لمن له عليها رجعة» فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك فإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقة. وعن الشعبي قال: لقيني الأسود بن يزيد فقال: يا شعبي اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، فقلت: لا أرجع عن شيء. حدثتني فاطمة بنت قيس عن رسول الله ﷺ ولأنه لو كان لها سكنى لما أمر النبي ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم.
وأجيب عن ذلك: بما روت عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش فخيف على ناحيتها، وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على إحمائها، وقال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكن إلا للرجعية لقوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ (الطلاق: ١)
وقوله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ راجع لما قبله وهي المطلقة الرجعية ﴿فإن أرضعن لكم﴾ أي: بعد انقضاء علقة النكاح ﴿فآتوهن أجورهن﴾ أي: على ذلك الإرضاع وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم تبن، ويجوز عند الشافعي مطلقًا وقوله تعالى: ﴿وائتمروا﴾ خطاب للأزواج والزوجات، أي: ليأمر بعضكم بعضًا في الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك، وليقبل بعضكم أمر بعض.
وقال الكسائي: ائتمروا تشاوروا، وتلا قوله تعالى: ﴿إن الملأ يأتمرون بك﴾ (القصص: ٢٠)
وأنشد قول امرىء القيس:
*ويعدو على المرء ما يأتمر
وزادهم رغبة في ذلك بقوله تعالى: ﴿بينكم﴾ أي: إن هذا الخير لا يعدوكم، وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿بمعروف﴾ ونكره سبحانه تخفيفًا على الأمة بالرضى بالمستطاع، وهو يكون مع الأخلاق بالاتصاف، ومع النفس بالخلاف ﴿وإن تعاسرتم﴾ أي: طلب كل منكم ما يعسر على الآخر، كأن طلبت المرأة الأجرة وطلب الزوج إرضاعها مجانًا ﴿فسترضع له﴾ أي: الأب ﴿أخرى﴾ أي: مرضعة غير الأم ويغني الله تعالى عنها، وليس له أن يكرهها على ذلك، نعم إذا لم يقبل ثدي غيرها أو لم يوجد غيرها أجبرت على ذلك بالأجرة، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك.
واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد، فقال مالك: رضاع الولد على الزوجة مادامت الزوجية إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه حينئذٍ في ماله، وقال أبو حنيفة: لا يجب على الأم بحال، وقيل: يجب
[ ٤ / ٣١٨ ]
عليها بكل حال. ولو طلبت الأم أجرة المثل وهناك أجنبية ترضع بدون أجرة المثل، أو متبرعة تخير الأب بينهما ولا يضيق على الأب بدفع الأجرة لأنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثمًا أو قطيعة رحم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين، والباقون بالفتح.
﴿لينفق ذو سعة﴾ أي: مال واسع ولم يكلفه تعالى جميع وسعه بل قال تعالى: ﴿من سعته﴾ أي: لينفق الزوج على زوجته وولده الصغير على قدر وسعه إذا كان موسعًا عليه ﴿ومن قدر﴾ أي: ضيق ﴿عليه رزقه﴾ فعلى قدر ذلك فيقدر النفقة بحسب حال المنفق، والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة. قال تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ (البقرة: ٢٣٣)
وقال ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» لكن نفقة الزوجة مقدرة عند الشافعي محدودة فلا اجتهاد للحاكم ولا للمفتي فيها، وتقديرها هو بحسب حال الزوج وحده من يسار وإعسار، ولا اعتبار بحالها فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فيلزم الزوج الموسر مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد لظاهر قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر، ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها فقدرت قطعًا للخصومة.
وقوله تعالى: ﴿فلينفق﴾ أي: وجوبًا على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه الله تعالى عليه. ﴿مما آتاه الله﴾ أي: الملك الذي لا ينفد ما عنده، ولو من رأس المال ومتاع البيت ﴿لا يكلف الله﴾ أي: الذي له الملك كله ﴿نفسًا﴾ أيّ نفس كانت.
﴿إلا ما آتاها﴾ أي: أعطاها من المال ﴿سيجعل الله﴾ أي: الملك الذي له الكمال كله فلا خلف لوعده.
﴿بعد عسر﴾ أي: بعد كل عسر ﴿يسرًا﴾ وقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين بعد نزول الآية ففتح عليهم جميع جزيرة العرب، ثم فارس والروم حتى صاروا أغنى الناس وصدق الآية دائم غير أنه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين لأن إيمانهم أتم. قال القشيري: وانتظار اليسر من الله صفة المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضا، وارتقوا عن حد اليأس والقنوط، ويعيشون في إفناء الرجال، ويتعللون بحسن المواعيد ا. هـ.
ولما ذكر الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع حذر من خالف بقوله تعالى:
﴿وكأين﴾ هي كاف الجر دخلت على أيّ بمعنى: كم ﴿من قرية﴾ أي: وكثير من القرى. وقرأ ابن كثير بالألف بعد الكاف وبعد الألف همزة مكسورة وقفًا ووصلًا، وقرأ الباقون في الوصل بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعد الهاء ياء تحتية مكسورة مشددة، وعبر عن أهل القرية بها مبالغة فقال: ﴿عتت﴾ أي: استكبرت وجاوزت الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادًا ﴿عن أمر ربها﴾ أي: الذي أحسن إليها ولا يحسن إليها غيره ﴿ورسله﴾ فلم تقبل منهم ما جاؤوا به عن الله تعالى، فإن طاعتهم من طاعته ﴿فحاسبناها﴾ أي: في الآخرة وإن لم تجيء لتحقق وقوعها ﴿حسابًا شديدًا﴾ أي: بالمناقشة والاستقصاء ﴿وعذبناها عذابًا نكرًا﴾ أي: منكرًا فظيعًا، وهو عذاب النار، وقيل: العذاب في الدنيا فيكون على حقيقته، أي: جازيناها بالعذاب في الدنيا، وعذبناها عذابًا نكرًا في الآخرة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذابًا نكرًا في الدنيا بالجوع والقحط،
[ ٤ / ٣١٩ ]
والسيف، والخسف والمسخ، وسائر المصائب، وحاسبناها حسابًا شديدًا في الآخرة. وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبه بضم الكاف، والباقون بسكونها.
﴿فذاقت﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنها ذاقت ﴿وبال﴾ أي: عقوبة ﴿أمرها﴾ أي: كفرها.
﴿وكان عاقبة أمرها خسرًا﴾ أي: في الدنيا بالأسر وضرب الجزية، وغير ذلك، وفي الآخرة بعذاب النار، فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد، ومن أضاع حق الله تعالى لا يطاع في حظ نفسه، ومن احترف بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على عقوبته.
ثم استأنف الجواب عمن يقول هل لها غير هذا في غير هذه الدار بقوله تعالى:
﴿أعد الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿لهم﴾ بعد الموت وبعد البعث ﴿عذابًا شديدًا﴾ وفي ذلك تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها ﴿فاتقوا الله﴾ أي: الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿يا أولي الألباب﴾ أي: يا أصحاب العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن، وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا﴾ منصوب بإضمار أعني بيانًا للمنادى في قوله تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾ أو يكون عطف بيان للمنادى أو نعتًا له، أي: خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا الإيمان حقيقة ﴿قد أنزل الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿إليكم ذكرًا﴾ هو القرآن، وفي نصب.
﴿رسولًا﴾ أوجه:
أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله، لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولًا، ويكون ذكره الرسول قوله: محمد رسول الله، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا﴾ (البلد: ١٤ - ١٥)
الثاني: جعل نفس الذكر مبالغة فأبدل منه، ويكون محمولًا على المعنى كأنه قال: قد أظهر لكم ذكرًا رسولًا، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء، وهو هو.
الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول تقديره: أنزل ذا ذكر رسولًا.
الرابع: أنه بدل منه على حذف مضاف من الثاني أي: ذكرًا ذكر رسول.
الخامس: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: وأرسل رسولًا ﴿يتلو عليكم آيات الله﴾ هي دلائل الملك الأعظم الظاهرة جدًا حال كونها ﴿مبينات﴾ أي: لا لبس فيها بوجه. واختلف الناس في رسولًا هل هو النبي ﷺ أو جبريل؟ الأكثر على الأول واقتصر عليه الجلال المحلي، واقتصر الزمخشري على الثاني، وهو قول الكلبي. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء بعد الموحدة، والباقون بالفتح ﴿ليخرج الذين أمنوا﴾ أي: أقروا بالشهادتين ﴿وعملوا﴾ تصديقًا لما قالوه بألسنتهم وتحقيقًا لأنه من قلوبهم ﴿الصالحات﴾ أي: ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو ليخرج من علم أو قدر أنه مؤمن ﴿من الظلمات﴾ أي: الضلالة ﴿إلى النور﴾ أي: الهدى.
﴿ومن يؤمن بالله﴾ أي: يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه ﴿ويعمل﴾ على التجديد المستمر ﴿صالحًا﴾ لله وفي الله فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة كما قال تعالى: ﴿يدخله﴾ أي: عاجلًا مجازًا بما يفتح الله له من لذات المعارف ويفتح له من الأنس، وآجلًا حقيقة ﴿جنات﴾ أي: بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع الأشجار وحسن الدار وبين دوام ريها بقوله تعالى: ﴿تجري من تحتها﴾ أي: من تحت غرفها ﴿الأنهار﴾ فهي في غاية الري بحيث أن ساكنها يجري في أي موضع أراد نهرًا.
وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون، والباقون بالياء التحتيه. ﴿خالدين فيها﴾
[ ٤ / ٣٢٠ ]
وأكد معنى الخلود بقوله تعالى: ﴿أبدًا﴾ ليفهم الدوام بلا انقضاء. وقوله تعالى: ﴿قد أحسن الله﴾ أي: الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام ﴿له﴾ أي: خاصة ﴿رزقًا﴾ أي: عظيمًا عجيبًا فيه تعجب وتعظم لما رزقوا من الثواب.
وقال القشيري: الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره بسببه، ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها من غير نقصان ولا زيادة لا يقدر على الاستمرار عليها.
ثم بين كمال قدرته بقوله تعالى: ﴿الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال التي القدرة الشاملة إحداها: ﴿الذي خلق﴾ أي: أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال الغريب البديع ﴿سبع سموات﴾ أي: وأنتم تشهدون عظمة ذلك، وتشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام القدرة والعلم الكامل ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ أي: سبعًا أما كون السموات سبعًا بعضها فوق بعض فلا خلاف فيه لحديث الإسراء وغيره.
وأما الأرضون فقال الجمهور: إنها سبع أرضين طباقًا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك: إنها سبع أرضين ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات. قال القرطبي: والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري وغيره روى أبو مروان عن أبيه أن كعبًا حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أن صهيبًا حدثه «أن محمدًا ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر من فيها» وروى مسلم عن سعيد بن زيد قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ظلم قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» قال البقاعي: رأيت في التعدد حقيقة حديثًا صريحًا لكن لا أدري حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه الأسماء الحسنى، قال: إن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما تحت هذه الأرض، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هواء أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أرض، أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم حتى عد سبع أرضين» ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه: «هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضًا أخرى خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة» ثم رأيت في الفردوس عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما بين السماء إلى السماء خمسمائة عام وعرض كل سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام وما بين السماء السابعة وبين الكرسي والعرش مثل ذلك وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام،
والأرضون وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك» ا. هـ.
قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين، وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان: أحدهما أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم، ويستمدون الضياء منها، قال
[ ٤ / ٣٢١ ]
ابن عادل: وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. الثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، قال ابن عادل: وهذا قول من جعل الأرض كروية. وحكى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض تفرق بينها البحار وتظل جميعهم السماء، فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بهذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام لإمكان الوصول إليهم، لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه، واحتمل أن لا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها واردًا ولكان النبي ﷺ بها مأمورًا.
وقال بعض العلماء: السماء في اللغة عبارة عما علاك، فالأولى بالنسبة إلى السماء الثانية أرض، وكذلك السماء الثانية بالنسبة إلى الثالثة أرض، وكذا البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء، وبالنسبة إلى ما فوقه أرض. فعلى هذا تكون السموات السبع وهذه الأرض الواحدة سبع سموات وسبع أرضين ﴿يتنزل﴾ أي: بالتدريج ﴿الأمر﴾ قال مقاتل وغيره: أي: الوحي، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿بينهن﴾ إشارة إلى ما بين هذه الأرض العليا التي هي أولاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، والأكثرون على أن الأمر هو القضاء والقدر فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى ﴿بينهن﴾ إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، فيجري أمر الله وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمه فيهن.
وعن قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. وقيل: هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره. وعن ابن عباس ﵄: أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرض من خلق؟ قال: نعم قال: فما الخلق؟ قال: إما ملائكة أو جن. وقال مجاهد: يتنزل الأمر من السموات السبع إلى الأرضين السبع، وقال الحسن: بين كل سماءين أرض وأمر، وقيل: يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض، وموت بعض، وغنى قوم، وفقر قوم. وقيل: ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي الليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيآتها، فينقلهم من حال إلى حال.
قال ابن كيسان: وهذا على اتساع اللغة كما يقال للموت: أمر الله، وللريح والسحاب ونحوها. وقوله تعالى: ﴿لتعلموا﴾ متعلق بمحذوف، أي: أعلمكم بذلك الخلق والإنزال لتعلموا ﴿أن الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها ﴿على كل شيء﴾ أي: من غير هذا العالم يمكن أن يدخل تحت المشيئة ﴿قدير﴾ بالغ القدرة فيأتي بعالم آخر مثل هذا العالم وأبدع منه وأبدع من ذلك إلى مالا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له، لأنه لا فرق في ذلك بين قليل وكثير، وجليل وحقير ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ (الملك: ٣)
قال البقاعي: وإياك أن تصغي إلى من قال: إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص في إبطاله، وإن نسبه بعض الملحدين إلى الغزالي، فإني لا أشك أنه مدسوس عليه، وإن مذهبه فلسفي خبيث بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي «دلائل البرهان» على أن في الإمكان أبدع مما كان قال: ومع كونه مذهب الفلاسفة
[ ٤ / ٣٢٢ ]
أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه في فصوصه، وغير ذلك من كتبه، وأسند في بعضها للغزالي والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره انتهى. والبقاعي ممن يقول بكفر ابن عربي، وابن المقري يقول بكفره وكفر طائفته، وقد تقدم الكلام على كلامهم ﴿وأن الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال.
﴿قد أحاط﴾ لتمام قدرته ﴿بكل شيء﴾ مطلقًا ﴿علمًا﴾ فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العالم بمصالحة ومفاسده، فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته فعاملوه معاملة من يعلم أنه رقيب عليه تسلموا في الدنيا وتسعدوا في الآخرة.
تنبيه: علمًا منصوب على المصدر المؤكد، لأن أحاط بمعنى علم، وقيل: بمعنى والله أحاط إحاطة علمًا. وما قاله البيضاوي تبعًا للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله ﷺ حديث موضوع.