مكية
إلا قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى ﴿رحيمًا﴾ فمدني، وآياتها سبع وسبعون آية، وثمانمائة واثنان وسبعون كلمة، وعدد حروفها ثلاثة آلاف وسبعمائة وثمانون حرفًا
﴿بسم الله﴾ الذي له الحجة البالغة ﴿الرحمن﴾ الذي عم الخلق بنعمه ﴿الرحيم﴾ الذي وسعت رحمته كل شيء.
﴿تبارك﴾ قال الزجاج: تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته، ومنه تبارك الله، وفيه معنيان: تزايد خيره وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وعن ابن عباس كأن معناه جاءنا بكل بركةوخير، وقال الضحاك: تبارك تعاظم، ولا يستعمل إلا لله تعالى ولا يتصرف فيه، ثم وصف ذاته الشريفة بما يدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿الذي نزل الفرقان﴾ أي: القرآن، والفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما، وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل ولأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقًا مفصولًا بين بعضه وبعض في الإنزال؛ ألا ترى قوله تعالى: ﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ (الإسراء، ١٠٦)
﴿على عبده﴾ أي: محمد ﷺ وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف، وفي عود ضمير ﴿ليكون﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعود على الذي نزل أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيرًا.
الثاني: أنه يعود على الفرقان أي: ليكون الفرقان نذيرًا، وأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ (الإسراء، ٩)
؛ قال ابن عادل: وهو بعيد؛ لأن المنذر والنذير في صفات الفاعل المخوف ووصف القرآن به مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى.
الثالث: أنه يعود على عبده أي: ليكون عبده محمد ﷺ ﴿للعالمين نذيرًا﴾ أي: وبشيرًا، وهذا أحسن الوجوه معنىً وصناعة لقربه مما يعود عليه والضمير يعود على أقرب مذكور، وللعالمين متعلق بنذيرًا، وإنما قدّم لأجل الفواصل، ونذيرًا بمعنى منذر أي: مخوف ويجوز أن يكون مصدرًا بمعى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ (القمر، ١٦)
تنبيه: المراد بالعالمين قال البقاعي: أي: المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة اه. ولكن في إرساله للملائكة خلاف بين العلماء، فقد نقل الجلال المحلي في شرحه على «جمع الجوامع» الإجماع على أنه لم يرسل إليهم، وغيره صرح بأنه أرسل إليهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
فإن قيل: قوله تعالى: تبارك يدل على كثرة الخير والبركة، فالمذكور عقبه لا بد وأن يكون مبينًا لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق ذكره بهذا الموضع؟ أجيب: بأن الإنذار يجري مجرى تأديب الوالد كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الوالد أكثر كان رجوع الخلق إلى الله تعالى أكثر، وكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا البتة، وقوله تعالى:
﴿الذي له ملك السموات والأرض﴾ إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه ﷾ حال حدوثها، وأنه تعالى هو المتصرف فيها كيف يشاء، فلا إنكار أن يرسل رسولًا إلى كل من فيها.
تنبيه: يجوز في
[ ٢ / ٦٤٦ ]
الذي الرفع نعتًا للذي الأول أو بيانًا أو بدلًا، أو خبرًا لمبتدأ محذوف والنصب على المدح، وما بعده يدل على أنه من تمام الصلة، فليس أجنبيًا فلا يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعًا له ﴿ولم يتخذ ولدًا﴾ أي: هو الفرد أبدًا ولا يصح أن يكون غيره تعالى معبودًا ووارثًا للملك عنه، وهذا رد على النصارى، ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ أي: هو المنفرد بالألوهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل من سواه تعالى ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه، وفيه ردّ على الوثنية القائلين بعبادةالنجوم والأوثان، ولما نفى تعالى الشريك، فكأن قائلًا يقول: هاهنا أقوام يعترفون بنفي الشريك والشركاء والأنداد ومع ذلك يقولون: يخلق أفعال أنفسهم، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وخلق كل شيء﴾ أي: من شأنه أن يخلق ومنه أفعال العباد، والخلق هنا بمعنى الإحداث أي: أحدث كل شيء إحداثًا مراعى فيه التقدير والتسوية ﴿فقدره تقديرًا﴾ أي: هيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة، وسمي إحداث الله خلقًا؛ لأنه لا يحدث شيئًا لحكمة إلا على وجه التقدير من غير تفاوت.
فإذا قيل: خلق الله كذا، فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره تقديرًا في إيجاده، ولم يوجده متفاوتًا، ولو حمل خلق كل شيء على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام: وقدر كل شيء فقدره، فلم يصر له كبير فائدة، وقيل: فجعل له غاية ومنتهى ومعناه: فقدره للبقاء إلى أمد معلوم، واختلف في عود الضمير في قوله تعالى:
﴿واتخذوا من دونه﴾ أي: الله تعالى أي: غيره ﴿آلهة﴾ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعود على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين.
ثانيها: أنه يعود على من ادعى لله شريكًا وولدًا لدلالة قوله تعالى: ﴿ولم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك﴾ .
ثالثها: أنه يعود على المنذرين لدلالة نذيرًا عليهم، ولما وصف نفسه ﷾ بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب من يعبد غيره من وجوه منها: أنها ليست خالقة للأشياء بقوله تعالى: ﴿لا يخلقون شيئًا﴾ والإله يجب أن يكون قادرًا على الخلق والإيجاد، ومنها: أنها مخلوقة بقوله تعالى: ﴿وهم يخلقون﴾ والمخلوق محتاج والإله يجب أن يكون غنيًا، وغلب العقلاء على غيرهم؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة، وغيرهم كالكواكب والأصنام التي ينحتونها ويصورونها، ومنها: أنها لا تملك لأنفسها ضرًا ولا نفعًا بقوله تعالى: ﴿ولا يملكون﴾ أي: لا يستطيعون ﴿لأنفسهم ضرًا﴾ أي: دفعه ﴿ولا نفعًا﴾ أي: جلبه ومن كان كذلك، فليس بإله، ومنها: أنها لا تقدر على موت ولا حياة ولا نشور بقوله تعالى: ﴿ولا يملكون موتًا ولا حياة﴾ أي: إماتة لأحد وإحياء لأحد ﴿ولا نشورًا﴾ أي: بعثًا للأموات، فيجب أن يكون المعبود قادرًا على إيصال الثواب إلى المطيعين، والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية.
تنبيه: احتج أهل السنة بقوله تعالى: ﴿لايخلقون شيئًا﴾ على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئًا، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد،
[ ٢ / ٦٤٧ ]
فلو كان العبد خالقًا لكان معبودًا إلهًا، ولما تكلم تعالى أولًا على التوحيد، وثانيًا في الرد على عبدة غيره تكلم، ثالثًا في مسألة النبوة، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد ﷺ
الشبهة الأولى: قوله تعالى:
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: مظهرو الوصف الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هذا﴾ أي: القرآن ﴿إلا إفك﴾ أي: كذب مصروف عن وجهه ﴿افتراه﴾ اختلقه محمد ﷺ ﴿وأعانه عليه﴾ أي: القرآن ﴿قوم آخرون﴾ أي: من غير قومه، وهم اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته، وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي كانوا بمكة من أهل الكتاب فزعم المشركون أن محمدًا يأخذ منهم فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى: ﴿فقد جاؤوا﴾ أي: قائلوا هذه المقالة ﴿ظلمًا﴾ وهو جعل الكلام المعجز إفكًا مختلقًا متلقفًا من اليهود، وجعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلامًا عربيًا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب ﴿وزورًا﴾ أي: بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال، والباقون بالإدغام.
تنبيه: جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته، وظلمًا مفعول به، وقيل: إنه على إسقاط الخافض أي: جاؤوا بظلم.
الشبهة الثانية: قوله تعالى:
﴿وقالوا أساطير الأولين﴾ أي: ما سطره الأولون من أكاذيبهم جمع أسطورة بالضم كأحدوثة، أو أسطار ﴿اكتتبها﴾ أي: تطلب كتابتها له من ذلك القوم وأخذها، والمعنى أن هذا القرآن ليس من الله تعالى إنما هو مما سطره الأولون الأول كأحاديث رستم واسفنديار استنسخها محمد من أهل الكتاب ﴿فهي﴾ أي: فتسبب عن تكلفه ذلك أنها ﴿تملى عليه﴾ أي: تقرأ عليه ليحفظها ﴿بكرة﴾ قبل أن تنتشر الناس ﴿وأصيلا﴾ أي: عشيًا حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائمًا ليتكلف حفظها بالانتساخ؛ لأنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب، أو ليكتب وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل، أو مروءة كيف وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء، وهم أكثر منه مالًا وأعظم أعوانًا ولا يقدرون على شيء منه، فإن قيل: كيف؟ قيل: اكتتبها فهي تملى عليه، وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتبها؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: أراد اكتتابها وطلبه، فهي تملى عليه، الثاني: أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي: تلقى عليه من كتاب ليحفظها؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب، وقرأ ﴿فهي﴾ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها، ثم أمره الله تعالى بجوابهم بقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: دالًا على بطلان ما قالوه ومهددًا لهم ﴿أنزله الذي يعلم السر﴾ أي: الغيب ﴿في السموات والأرض﴾؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارًا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار، فكيف تجعلونه أساطير الأولين مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور؟ وكذلك باطن رسول الله ﷺ وبراءته مما يبهتونه، وهو يجازيكم على ما علم منكم وعلم منه.
فإن قيل: كيف يطابق هذا قوله تعالى: ﴿إنه كان﴾ أي: أزلًا وأبدًا ﴿غفورًا رحيمًا﴾؟ أجيب: بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة
[ ٢ / ٦٤٨ ]
عليه؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل.
الشبهة الثالثة: قوله تعالى:
﴿وقالوا ما لهذا الرسول﴾ أي: ما لهذا الذي يزعم الرسالة، وفيه استهانة وتهكم وتصغير لشأنه، وتسميته بالرسول سخرية منه كأنهم قالوا: ما لهذا الزاعم أنه رسول، ونحوه قول فرعون: ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ (الشعراء، ٢٧)، أي: إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا ﴿يأكل الطعام﴾ أي: كما نأكله ﴿ويمشي﴾ أي: ويتردد ﴿في الأسواق﴾ لطلب المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة يعنون: أنه يجب أن يكون ملكًا مستغنيًا عن الأكل والشرب والتعيش، وكذلك كانوا يقولون له: لست أنت بملك؛ لأنك تأكل الطعام، والملك لا يأكل، ولأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق، وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميًا ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفته في التوراة، ولم يكن صخابًا في الأسواق، وليس شيء من ذلك ينافي النبوة، ولأنه لم يدع أنه ملك من الملوك، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكًا إلى اقتراح أن يكون إنسانًا معه ملك حتى يسانده في الإنذار والتخويف، فقالوا: ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿أنزل إليه ملك﴾ أي: يصدقه ويشهد له ﴿فيكون معه نذيرًا﴾ أي: داعيًا، ثم نزلوا أيضًا إلى أنه لم يكن مرفودًا بملك، فليكن مرفودًا بكنز، فقالوا:
﴿أو يلقى إليه كنز﴾ أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلًا له بستان، فقالوا: ﴿أو تكون له جنة﴾ أي: بستان ﴿يأكل منها﴾ أي: إن لم يلق إليه كنز فلا أقل أن يكون له بستان كالمياسير فيتعيش بريعه، وقرأ حمزة والكسائي بالنون أن نأكل نحن منها فيكون له مزية علينا بها، والباقون بالياء وقوله تعالى: ﴿وقال الظالمون﴾ وضع فيه الظاهر موضع المضمر إذ الأصل وقالوا تسجيلًا عليهم بالظلم فيما قالوا ﴿إن﴾ أي: ما ﴿تتبعون إلا رجلًا مسحورًا﴾ أي: مخدوعًا مغلوبًا على عقله، وقيل: مصروفًا عن الحق، ولما أنهى تعالى ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم التفت ﷾ إلى رسوله ﷺ مسليًا له بقوله تعالى:
﴿انظر﴾ أي: يا أفضل الخلق ﴿كيف ضربوا لك الأمثال﴾ أي: بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمر ﴿فضلوا﴾ أي: بذلك عن جميع طرق الهدى ﴿فلا يستطيعون﴾ أي: في الحال ولا في المآل بسبب الضلال ﴿سبيلًا﴾ أي: سلوك سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة وفيافي مهلكة، ولما أثبت أنهم لا علم لهم ولا قدرة ولا يمن ولا بركة أثبت لنفسه ﷾ ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء بقوله تعالى:
﴿تبارك﴾ أي: ثبت ثباتًا مقترنًا باليمن والبركة لا ثبات إلا هو ﴿الذي إن شاء﴾ فإنه لا مكره له ﴿جعل لك﴾ أي: في الدنيا ﴿خيرًا من ذلك﴾ أي: من الذي قالوه على طريق التهكم من الكنز والبستان، وقوله تعالى: ﴿جنات﴾ بدل من خيرًا، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار أعني، ثم وصفها بقوله تعالى: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: تكون أرضها عيونًا نابعة أي: في أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي
[ ٢ / ٦٤٩ ]
لا تزال ريًا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجة في استمرارها إلى سقي ﴿ويجعل لك قصورًا﴾ أيضًا وهي جمع قصر، وهو المسكن الرفيع، قال المفسرون: القصور هي البيوت المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرًا، ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر، فيكون مسكنًا ومنتزهًا، ويجوز أن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة، وقال مجاهد: إن شاء جعل جنات في الآخرة وقصورًا في الدنيا، ولم يشأ الله ﷾ ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض عليه ﷾ ما شاء في ذلك في الدنيا فأباه.
روي أنه ﵊ قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، أو قال: ثلاثًا أو نحو هذا فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك»، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهبًا جاءني ملك فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبيًا عبدًا وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى جبريل ﵇ فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيًا عبدًا، قالت: وكان النبي ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول: آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» .
وعن ابن عباس قال: «بينما رسول الله ﷺ جالس وجبريل ﵇ معه، فقال جبريل ﵇: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك، فلم يلبث إلا قليلًا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله ﷺ وقال: إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطه أحدًا قبلك، ولا يعطيه أحدًا بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئًا، فقال ﷺ «بل يجمعها لي في الآخرة» فنزل ﴿تبارك الذي إن شاء﴾ الآية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة برفع اللام من يجعل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف، والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيًا جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله:
*وإن أتاه خليل يوم مسألة
يقول لا غائب مالي ولا حرم
والباقون بالجزم، ويجوز في ﴿يجعل لك﴾ إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع، ثم أضرب ﷾ عن كلامهم في حق رسوله محمد ﷺ بقوله تعالى:
﴿بل﴾ أي: لا يظنوا أنهم كذبوا بما جئت به؛ لأنهم لا يعتقدون فيك كذبًا بل ﴿كذبوا بالساعة﴾ أي: القيامة، فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوي، وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فلا يرجون ثوابًا ولا عقابًا، فلا يتكلفون النظر والفكر، ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل ﴿وأعتدنا﴾ أي: والحال أنا اعتدنا أي: هيأنا بما لنا من العظمة ﴿لمن كذب﴾ من هؤلاء وغيرهم ﴿بالساعة سعيرًا﴾ أي: نارًا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء وأتباعهم، وعن الحسن: أن السعير اسم من أسماء جهنم.
تنبيه: احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: ﴿أعدت للمتقين﴾ (آل عمران، ١٣٣)
وعلى أن النار وهي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية:
﴿إذا رأتهم من مكان بعيد﴾ وهو أقصى ما تمكن رؤيتها منه، وقال الكلبي والسدي: من مسيرة عام، وقيل: من مسيرة مائة سنة،
[ ٢ / ٦٥٠ ]
روي أنه ﷺ قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا، قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم، ألم تسمع قوله تعالى: إذا رأتهم من مكان بعيد» .
وقال البيضاوي: تبعًا للزمخشري: إذا كانت بمرأى منهم كقوله ﵊: لا «تراءي ناراهما» أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز. انتهى، وهذا تأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة بخلاف الأشاعرة فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها في قوله تعالى: ﴿سمعوا لها تغيظًا﴾ أي: غليانًا كالغضبان إذ غلى صدره من الغضب ﴿وزفيرًا﴾ أي: صوتًا شديدًا إذ لا امتناع من أنها تكون رائية مغتاظة زافرة، وأشار البيضاوي إلى ذلك بعد ما ذكر بقوله: هذا. وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبينة أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر، وقال الجلال المحلي: وسماع التغيظ رؤيته وعلمه انتهى. قال عبد الله بن عمر: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه، وقيل: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبًا عل الكفار للانتقام منهم، فنسب إليها على حذف مضاف.
﴿وإذا ألقوا﴾ أي: طرحوا طرح إهانة ﴿منها﴾ أي: النار ﴿مكانًا﴾ ثم وصفه تعالى بقوله تعالى: ﴿ضيقًا﴾ زيادة في فظاعتها، قال ابن عباس: يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ﴿مقرنين﴾ أي: مصفدين زيادة قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم من الأغلال، وقد قيل: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله تعالى الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء في الأحاديث أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا، ولقد جمع الله تعالى على أهل النار أنواع الضيق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصًا كما مر عن ابن عباس: أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهو منقول أيضًا عن ابن عمر، وسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم ويقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة في أرجلهم» .Y
تنبيه: ﴿مكانًا﴾ منصوب على الظرف، ومنها في محل نصب على الحال من مكانًا؛ لأنه في الأصل صفة له، ومقرنين حال من مفعول ﴿ألقوا﴾، وقرأ ابن كثير ضيقًا بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشددة ﴿دعوا هنالك﴾ أي: في ذلك المكان البغيض البعيد عن الرفق ﴿ثبورًا﴾ قال ابن عباس: ويلًا، وقال الضحاك: هلاكًا، فيقولون: واثبوراه هذا حينك وزمانك؛ لأنه لا منادم لهم غيره، وليس يحضر أحدً منهم سواه، قال البغوي: وفي الحديث «إن أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه وهو يقول: يا ثبوراه وهم ينادون: يا ثبورهم حتى يقفوا على النار» فيقال لهم:
﴿لا تدعوا اليوم﴾ أي: أيها الكفار ﴿ثبورًا واحدًا﴾؛ لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب العذاب والهلاك ﴿وادعوا ثبورًا كثيرًا﴾ أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة، أو ادعوا أدعية كثيرة، وقال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبه، ولما وصف تعالى:
[ ٢ / ٦٥١ ]
العقاب المعدّ للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة بقوله تعالى:
﴿﴿قل﴾ أي: لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿أذلك﴾ أي: المذكور من الوعيد وصفة النار ﴿خير أم جنة الخلد﴾ أي: الإقامة الدائمة ﴿التي وعد المتقون﴾ أي: وعدها الله تعالى لهم، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف.
فإن قيل: كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول القائل: السكر أحلى أم الصبر؟ أجيب: بأنه يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالًا فتمرد وأبى واستكبر، فضربه ويقول له: هذا خير أم ذلك؟ قال أبو مسلم: جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى: ﴿لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا﴾ (الإنسان، ٩)
فإن قيل: الجنة اسم لدار الخلد، فأي فائدة في قوله تعالى: ﴿جنة الخلد﴾؟ أجيب: بأنّ الإضافة قد تكون للبيتين، وقد تكون لبيان صفة الكمال كقوله تعالى: ﴿هو الله الخالق البارئ﴾ (الحشر، ٢٤)
وهذا من هذا البيان أو للتمييز عن جنات الدنيا، ثم حقق تعالى أمرها تأكيدًا للبشارة بقوله: ﴿كانت لهم جزاء﴾ أي: ثوابًا على أعمالهم بفضل الله تعالى وكرمه ﴿ومصيرًا﴾ أي: مرجعًا.
فإن قيل: إن الجنة ستصير للمتقين جزاءً ومصيرًا لكنها بعدما صارت كذلك فلم قال تعالى: ﴿كانت﴾؟ أجيب: من وجهين: الأول: أن ما وعده الله تعالى فهو في تحققه كالواقع، الثاني: أنه كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم، فإن قيل: لم جمع تعالى بين الجزاء والمصير؟ أجيب: بأن ذلك كقوله تعالى: ﴿نعم الثواب وحسنت مرتفقًا﴾ (الكهف، ٣١)، فمدح الثواب ومكانه، كما قال تعالى: ﴿بئس الشراب وساءت مرتفقًا﴾ (الكهف، ٢٩)
فذم العذاب ومكانه؛ لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة، وإلا تنغص، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء.
تنبيه: المتقي يشمل من اتقى الكفر وإن لم يتق المعاصي وإن كان غيره أكمل، ثم ذكر تعالى تنعمهم فيها بعد أن ذكر نعيمهم بقوله تعالى:
﴿لهم فيها﴾ أي: الجنة ﴿ما يشاؤون﴾ من كل ما تشتهيه أنفسهم كما قال تعالى: ﴿ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم﴾ (فصلت، ٣١)
﴿وفيها ما تشتهي الأنفس﴾ (الزخرف، ٧١)
فإن قيل: أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لابد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم فإن أعطاها لهم لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها لهم قدح ذلك في قوله تعالى: ﴿لهم فيها ما يشاؤون﴾؟ أجيب: بأن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم، وقوله تعالى: ﴿خالدين﴾ منصوب على الحال إما من فاعل يشاؤون، وإما من فاعل لهم لوقوعه خبرًا، والعائد على ما محذوف أي: لهم فيها الذي يشاؤونه حال كونهم خالدين وقوله تعالى: ﴿كان على ربك﴾ أي: وعدهم ما ذكر ﴿وعدًا﴾ يدل على أن الجنة جعلت لهم بحكم الوعد والتفضل لا بحكم الاستحقاق، وقوله تعالى: ﴿مسؤولًا﴾ أي: مطلوبًا، اختلف في السائل، فالأكثر على أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ (آل عمران، ١٩٤)
روي أنه ﷺ قال: «ما منكم من يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من
[ ٢ / ٦٥٢ ]
السوء مثلها، قالوا: إذًا نكثر؟ قال: الله تعالى أكثر»، وروي: «أنه يدعى بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه الله تعالى بين يديه فيقول: عبدي فيقول: نعم يارب فيقول: إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟ أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغمٍ نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لغمٍ نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجًا؟ قال: نعم يارب فيقول: إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم يارب فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها؟ فيقول: نعم يارب، فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا قال رسول الله ﷺ فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عجل له في الدنيا وإما أن يكون ادخر له في الآخرة فيقول المؤمن في هذا المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه»، وروي: «لا تعجلوا في الدعاء فإنه لايهلك مع الدعاء أحد»، وروي: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» وروي: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي»، وروي: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله ما الإستعجال قال: يقول: قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر» أي: يمل عند ذلك ويدع الدعاء، فليدع الإنسان وهو موقن بالإجابة.
وقال محمد بن كعب القرظي: الطلب من الملائكة للمؤمنين سألوا ربهم للمؤمنين بقولهم ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾ وقيل: إن المكلفين سألوها بلسان الحال؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك قائمًا مقام السؤال، قال المتنبي:
*في النفس حاجات وفيك فطانة
سكوتي كلام عندها وخطاب
ولما ذكر تعالى حالهم في نفسهم أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه بقوله تعالى:
﴿ويوم﴾ أي: واذكر لهم يوم ﴿نحشرهم﴾ أي: المشركين، وقرأ ابن كثير وحفص بالياء، والباقون بالنون، واختلف في المراد بقوله تعالى: ﴿وما يعبدون من دون الله﴾ أي: غيره فقال الأكثرون: من الملائكة والجن والمسيح وعزير وغيرهم، وقال عكرمة والضحاك والكلبي: من الأصنام، فقيل لهم: كيف يخاطب الله تعالى الجماد بقوله تعالى: ﴿فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء﴾ أي: أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم ﴿أم هم ضلوا السبيل﴾ أي: طريق الحق بأنفسهم، فأجابوا بوجهين:
أحدهما: أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها.
ثانيهما: أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان الحال كما ذكره بعضهم في تسبيح الجماد وكلام الأيدي والأرجل، ويجوز أن يكون السؤال عامًا لهم جميعًا، فإن قيل: كيف صح استعمال ما في العقلاء؟ أجيب: على الأول: بأنه أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد: ما زيد تعني أطويل أم قصير، فقيه أم طبيب؟، وقال تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾ (الشمس، ٥)
﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ (الكافرون، ٣٠)، وأما على القول الثاني: فواضح، وأما على القول الثالث: فغلب غير العاقل
[ ٢ / ٦٥٣ ]
لغلبة عباده أو تحقيرًا، فإن قيل: ما فائدة هذا السؤال مع أن الله تعالى كان عالمًا في الأزل بحال المسؤول عنه؟ أجيب: بأن هذا سؤال تقريع للمشركين كما قال لعيسى ﵇: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (المائدة، ١١٦)، وقرأ ابن عامر فنقول بالنون، والباقون بالياء، وقرأ أأنتم نافع وابن كثير بتسهيل الثانية وإدخال ألف بينها وبين همزة الاستفهام، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية ولا ألف بينهما وبين الأولى ولورش وجه آخر وهو إبدال الثانية ألفًا، وهشام بتسهيل الثانية وتحقيقها مع الإدخال، والباقون بتحقيقهما، وقرأ هؤلاء أم هم نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة من أم ياء خالصة، والباقون بتحقيقها.
﴿قالوا سبحانك﴾ أي: تنزيهًا لك عما لا يليق بك، أو تعجبًا مما قيل لهم؛ لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون فما أبعدهم عن الضلال الذي هو مختص بإبليس وجنوده، أو جمادات وهي لا تقدر على شيء، أو إشعارًا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟ ﴿ما كان ينبغي﴾ أي: يستقيم ﴿لنا أن نتخذ﴾ أي: نتكلف أن نأخذ باختيارنا بغير إرادة منك ﴿من دونك﴾ أي: غيرك ﴿من أولياء﴾ للعصمة أو لعدم القدرة، فكيف يستقيم لنا أن نأمر بعبادتنا؟ فإن قيل: ما فائدة أنتم وهم، وهلا قيل: أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟ أجيب: بأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده؛ لأنه لولا وجوده؛ لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.
تنبيه: من أولياء مفعول أول، ومن زائدة لتأكيد النفي، وما قبله المفعول الثاني، ولما تضمن كلامهم أنا لم نضللهم ولم نحملهم على الضلال حسن الاستدراك بقولهم: ﴿ولكن متعتهم وآباءهم﴾ وهو أن ذكروا سببه أي: أنعمت عليهم وعلى آبائهم من قبلهم بأنواع النعم والصحة وطول العمر في الدنيا، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم عكس القضية ﴿حتى نسوا الذكر﴾ أي: تركوا الإيمان بالقرآن، وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه ﴿وكانوا﴾ أي: في علمك بما قضيت عليهم في الأزل ﴿قومًا بورًا﴾ أي: هلكى، وهو مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، أو جمع بائر كعائذ وعوذ، وقوله:
﴿فقد كذبوكم﴾ فيه التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول، والمعنى: فقد كذب المعبودون العابدين ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿تقولون﴾ أي: أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة، وأنهم يشفعون لكم وأنهم أضلوكم، ولما تسبب عن تخليهم عن عبدتهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر قال تعالى: ﴿فما يستطيعون﴾ أي: المعبودون ﴿صرفًا﴾ أي: لشيء من الأشياء عن أحد من الناس لا أنتم ولا غيركم من عذاب ولا غيره بوجه حيلة ولا شفاعة ولا معاداة ﴿ولا نصرًا﴾ أي: منعًا لكم من الله تعالى إن أراد بكم سوءًا، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾ (الإسراء، ٥٦)، وقرأ حفص بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة ﴿ومن يظلم﴾ أي: بالشرك ﴿منكم﴾ أي: أيها المكلفون ﴿نذقه﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿عذابًا كبيرًا﴾ أي: شديدًا في الدنيا بالقتل أو الأسر أو ضرب الجزية، وفي الآخرة بنار جهنم، روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: لما عير المشركون رسول الله ﷺ بقولهم: ﴿ما لهذا الرسول﴾ إلى آخرها أنزل الله تعالى:
﴿وما أرسلنا قبلك﴾ أي: يا أشرف الخلق أحدًا ﴿من
[ ٢ / ٦٥٤ ]
المرسلين إلا﴾ وحالهم ﴿أنهم ليأكلون الطعام﴾ كما تأكل ويأكل غيرك من الآدمين ﴿ويمشون في الأسواق﴾ كما تفعل فهذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله وهم يعلمون ذلك بالسماع من أخبارهم، وهذا تأكيد من الله تعالى؛ لأنهم لا يكذبونه ﷺ وقيل: معنى الآية وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قد قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾ (فصلت، ٤٣)
﴿وجعلنا﴾ أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة ﴿بعضكم﴾ أي: أيها الناس ﴿لبعض فتنة﴾ أى: بلية والمعنى: أنه تعالى ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم والعدواة لهم وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف، وجعل الغني فتنة للفقير والصحيح فتنة للمريض والشريف فتنة للوضيع، يقول الثاني من كل: مالي لا أكون كالأول؟ وقال ابن عباس: جعلت بعضكم بلاءً لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم فتتبعوا الهدى أم لا، وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاصي بن وائل والنضر بن الحرث، وذلك أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمارًا وبلالًا وصهيبًا وعامر بن فهيرة ومن دونهم قد أسلموا قبلهم، فقالوا: أنسلم ونكون مثل هؤلاء؟ وقيل: جعلناك فتنة لهم؛ لأنك لو كنت غنيًا صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا، فتكون ممزوجة بالدنيا، وإنما بعثناك فقيرًا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي وقوله تعالى: ﴿أتصبرون﴾ أي: على ما تسمعون مما ابتليتم، به استفهام بمعنى الأمر أي: اصبروا ﴿وكان ربك﴾ أي: المحسن إليك إحسانًا لم يحسنه إلى أحد سواك لا سيما بجعلك نبيًا عبدًا ﴿بصيرًا﴾ أي: بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان لم يفده ذلك علمًا لم يكن عنده، ولكن يعلم ذلك شهادة كما يعلم علم الغيب، ولتقوم عليهم بذلك الحجة فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم، فإن صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين.
روي أنه ﷺ قال: «إذا نظر أحدكم من فضل عليه في المال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم»، وروي: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم حذر أن تزدروا نعمة الله عليكم» . الشبهة الرابعة: لمنكري نبوة محمد ﷺ قوله تعالى:
﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا﴾ أي: لا يخافون البعث، قال الفراء: الرجاء بمعنى الخوف لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارًا﴾ (نوح، ١٣)
أي: لا تخافون لله عظمة ﴿لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿أنزل﴾ أي: على أي وجه كان من أي منزل كان ﴿علينا الملائكة﴾ كما نزلت عليه فيما يزعم وكانوا رسلًا إلينا، أو فتخبرنا بصدقه ﴿أو نرى ربنا﴾ بما له علينا من الإحسان، وبما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة؛ قال الله ردًّا عليهم: ﴿لقد استكبروا﴾ أي: تعظموا ﴿في﴾ شأن ﴿أنفسهم﴾ أي: أظهروا الاستكبار عن الحق، وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه كما قال تعالى: ﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ (غافر، ٥٦)
﴿وعتوا﴾ أي: تجاوزوا الحد في الظلم ﴿عتوًا كبيرًا﴾ أي: بالغًا أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات الظاهرة، فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية، واللام جواب قسم محذوف، وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ تعجب، ألا ترى
[ ٢ / ٦٥٥ ]
أن المعنى ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم؟ ثم بين تعالى لهم حالهم عند بعض ما طلبوا بقوله تعالى:
﴿يوم يرون الملائكة﴾ أي: يوم القيامة، وقال ابن عباس: عند الموت ﴿لا بشرى﴾ أي: من البشر أصلًا ﴿يومئذٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿للمجرمين﴾ أي: الكافرين إما ظاهر في موضع ضمير، وإما؛ لأنه عام فقد تناولهم بعمومه بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة.
تنبيه: في نصب يوم أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله تعالى: ﴿لا بشرى﴾ أي: يمنعون البشرى يوم يرون، الثاني: باذكر فيكون مفعولًا به. الثالث: بيعذبون مقدرًا ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى لوجهين: أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله، والثاني: أنها منفية بلا، وما بعد لا لا يعمل فيما قبلها. وقوله: ﴿ويقولون﴾ أي: في ذلك الوقت ﴿حجرًا محجورًا﴾ عطف على المدلول ويقول الكفرة لهم حينئذٍ: هذه الكلمة استعاذة وطلبًا من الله تعالى أن يمنع لقاء الملائكة عنهم مع أنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم؛ لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو والشدة النازلة أو نحو ذلك: حجرًا محجورًا يضعونها موضع الاستعاذة، فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة. قال سيبويه: يقول الرجل للرجل: تفعل كذا وكذا فيقول: حجرًا، وهي من حجره إذا منعه؛ لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه عنه فلا يلحقه، وكأن المعنى: أسأل الله أن يمنع ذلك منعًا ويحجره حجرًا، وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حرامًا محرمًا أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله، وقيل: إذا خرج الكفار من قبورهم تقول الملائكة لهم: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى، ولما كان المريد لإبطال شيء لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر تعالى بقوله:
﴿وقدمنا﴾ أي: وعمدنا بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أم في الآخرة ﴿إلى ما عملوا من عمل﴾ أي: من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونحو ذلك ﴿فجعلناه﴾ لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان ﴿هباءً﴾ وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من كوّة مما يشبه الغبار ﴿منثورًا﴾ أي: مفرقًا أي: مثله في عدم النفع إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا، فتكون النار مستقرهم ومقيلهم، ولهذا بين حال أضدادهم وهم المؤمنون بقوله تعالى:
﴿أصحاب الجنة يومئذٍ﴾ أي: يوم إذ يرون الملائكة ﴿خير مستقرًا﴾ من الكفار ﴿وأحسن مقيلًا﴾ منهم، والمستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين يتجالسون ويتحادثون، والمقيل: المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وملامستهن كما أن المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب، روي: أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار؛ قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب في ذلك اليوم في أوله، وقال: يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس.
تنبيه: في أفعل قولان: أحدهما: أنها على
[ ٢ / ٦٥٦ ]
بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة مستقرًا من مستقر الكفار، وأحسن مقيلًا من مقيلهم ولو فرض أن يكون لهم ذلك أو على أنهم خير في الآخرة منهم في الدنيا.
والثاني: أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة ومن ذلك المعنى قوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون﴾ (يس، ٥٥)
ذكروا في تفسير الشغل افتضاض الأبكار، وإنما سمي مكان دعتهم واسترواحهم الحور مقيلًا مع أنه لا نوم في الجنة على طريق التشبيه. ثم عطف تعالى على قوله تعالى يوم يرون قوله تعالى:
﴿ويوم تشقق السماء﴾ أي: كل سماء ﴿بالغمام﴾ أي: كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها، وهو غيم أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم.
تنبيه: في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها سببية، أي: بسبب الغمام يعني سبب طلوعه منها، ونحوه ﴿السماء منفطر به﴾ (المزمل، ١٨)
كأنه الذي تتشقق به السماء، الثاني: أنها للحال أي: ملتبسة بالغمام، الثالث: أنها بمعنى عن أي: عن الغمام كقوله تعالى: ﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعًا﴾ (ق، ٤٤)
والباء وعن يتعاقبان تقول: رميت عن القوس، وبالقوس، وقرأ أبو عمرو والكوفيون بتخفيف الشين، والباقون بتشديدها، ثم أشار تعالى إلى جهل من طلب نزول الملائكة دفعة واحدة بقوله تعالى: ﴿ونزل الملائكة﴾ أي: بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه بأمر من الأمور وغيره من الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد ﴿تنزيلًا﴾ أي في أيديهم صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس: تتشقق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل سماء الدنيا وأهل الأرض جنًا وإنسًا، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يدورون على السماء التي قبلها، ثم تنزل الكروبيون ثم حملة العرش.
فإن قيل: ثبت أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف تسع الأرض هؤلاء؟ أجاب بعض المفسرين: بأن الملائكة تكون في الغمام والغمام يكون مقر الملائكة، ويجوز أن الله تعالى يوسع الأرض حتى تسع الجميع، وقرأ ابن كثير بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الزاي ورفع اللام، ونصب الملائكة، والباقون بنون واحدة والزاي مشددة ونصب اللام ورفع الملائكة، ثم بين تعالى أن ذلك اليوم لا يقضي فيه غيره بقوله تعالى:
﴿الملك يومئذٍ﴾ أي: إذ تشقق السماء بالغمام، ثم وصف الملك بقوله تعالى: ﴿الحق﴾ أي: الثابت ثباتًا لا يمكن زواله، ثم أخبر عنه بقوله تعالى: ﴿للرحمن﴾ أي: العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل وده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله تعالى: ﴿يومئذٍ﴾؟ أجيب: بأن في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام ﴿وكان﴾ أي: ذلك اليوم الذي تظهر فيه الملائكة الذي طلب الكفار رؤيتهم له ﴿يومًا على الكافرين عسيرًا﴾ أي: شديد العسر والاستعار.
تنبيه: هذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين عسيرا جاء في الحديث «أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه
[ ٢ / ٦٥٧ ]
أخف من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا» وقوله تعالى:
﴿ويوم يعض الظالم﴾ أي: المشرك لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال، معمول لمحذوف أو معطوف على يوم تشقق، وأل في الظالم تحتمل العهد والجنس لكن قال ابن عباس: أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا ودعا إليه جهرًا جيرانه وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعامًا ودعا الناس ودعا النبي ﷺ فلما قرب الطعام قال النبي ﷺ «ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فأكل ﷺ من طعامه، وكان عقبة صديقًا لأبي بن خلف، فلما أتى أبيّ بن خلف قال له: يا عقبة صبأت؟ فقال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحيت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، والشهادة ليست في نفسي، فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبدًا إلا أن تأتيه وتبصق في وجهه وتطأ قفاه وتلطم وجهه وعينه، فوجده ساجدًا في دار الندوة ففعل ذلك عقبة، فقال النبي ﷺ «لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» فقتل عقبة يوم بدر صبرًا أمر عليًا ﵁ فقتله، وقيل: قتله عاصم بن ثابت بن أفلح الأنصاري، وأما أبي بن خلف فقتله النبي ﷺ بيده يوم أحد طعنه في المبارزة فرجع إلى مكة ومات.
قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه النبي ﷺ عاد بصاقه في وجهه فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى مات، وقال الشعبي: كان عقبة خليل أمية، فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدًا، فكفر وارتد، فأنزل الله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم﴾ أي: عقبة ﴿على يديه﴾ قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق، ثم تنبت ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت، وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم يقال: عض أنامله وعض على يديه وهو لا يشعر حال كونه مع هذا الفعل ﴿يقول﴾: أي: يجدد في كل لحظة قوله: ﴿يا ليتني اتخذت﴾ أي: أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا ﴿مع الرسول﴾ أي: محمد ﷺ ﴿سبيلًا﴾ أي: طريقًا إلى الهدى، ولما تأسف على مجانبة الرسول ندم على مصادقة غيره بقوله:
﴿يا ويلتي﴾ أي: يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره؛ لأنه ليس يحضرني سواه ﴿ليتني لم أتخذ فلانًا﴾ أي: أبيًا ﴿خليلًا﴾ أي: صديقًا أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها، فكنى عن اسمه وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلًا كان لخليله اسم علم عليه لا محالة فجعله كناية عنه، وقرأ أبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وأظهر الدال عند التاء ابن كثير وحفص، وأدغمها الباقون ثم استأنف قوله: الذي يتوقع كل سامع أن يقوله:
﴿لقد﴾ أي: والله لقد ﴿أضلني عن الذكر﴾ أي: عمى علي طريق القرآن الذي لا ذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما قبلها ﴿بعد إذ جاءني﴾ ولم يكن لي منه مانع يردني عن الإيمان به، وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال، والباقون بالإدغام وقوله تعالى: ﴿وكان الشيطان﴾ إشارة إلى خليله سماه شيطانًا؛ لأنه أضله كما يضل الشيطان، أو إلى كل من كان سببًا للضلال من عتاة الجن والإنس ﴿للإنسان خذولًا﴾ أي:
[ ٢ / ٦٥٨ ]
شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكون لا ينصره ولو أراد ما استطاع بل هو في شر من ذلك؛ لأن عليه إثمه في نفسه، ومثل إثم من أضله.
تنبيه: حكم هذه الآية عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله تعالى قال ﷺ «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثة» وقال ﷺ «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقال ﷺ «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»، ولما ذكر تعالى أقوال الكفار ذكر قول رسوله محمد ﷺ بقوله تعالى:
﴿وقال الرسول يا رب﴾ أي: أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان وعبر بأداة البعد هضمًا لنفسه، ومبالغة في التضرع ﴿إن قومي﴾ أي: قريشًا الذين لهم قوة ومنعة ﴿اتخذوا هذا القرآن﴾ أي: المقتضي للإجماع عليه والمبادرة إليه ﴿مهجورًا﴾ أي: متروكًا بعيدًا لم يؤمنوا به ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه.
تنبيه: أشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجًا كثيرًا لما يرون من حسن نظمه ويذوقون من لذيذ معانيه ورائق أساليبه، ولطيف عجائبه وبديع غرائبه، وأكثر المفسرين على أن هذا القول وقع من النبي ﷺ وقال أبو مسلم: بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ (النساء، ٤١)
الآية، والأول أولى؛ لأن قوله تعالى:
﴿وكذلك﴾ أي: كما جعلنا لك عدوًا من مشركي قومك ﴿جعلنا لكل نبي﴾ من الأنبياء قبلك رفعة لدرجاتهم ﴿عدوًا من المجرمين﴾ أي: من المشركين تسليةً له ﷺ كأنه تعالى يقول له: فاصبر كما صبروا، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع القول منه ﴿وكفى بربك﴾ أي: المحسن إليك ﴿هاديًا﴾ أي: يهدي بك من قضى بسعادته ﴿ونصيرًا﴾ أي: ينصرك على من حكم بشقاوته.
تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر؛ لأن قوله تعالى: ﴿لكل نبي عدوًا﴾ يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى وتلك العداوة كفر، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا﴾ كقول نوح ﵇: ﴿رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا﴾ (نوح: ٥، ٦)
فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب، فكذلك ما هنا فكيف يليق هذا بمن وصفه الله تعالى بالرحمة في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء، ١٠٧)
أجيب: بأن نوحًا ﵇ لما ذكر ذلك دعا عليهم، وأما النبي ﷺ لما ذكر هذا لم يدع عليهم، بل انتظر فلما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا﴾ كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم فافترقا.
الشبهة الخامسة: لمنكري النبوة ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى:
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: الذين غطوا عداوة وحسدًا ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام الله تعالى لإعجازه لهم مفرقًا فضلًا عن كونه مجتمعًا ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿نزل عليه القرآن﴾ أي: أنزل كخير بمعنى أخير؛ لئلا يناقض قولهم ﴿جملة﴾ وأكدوا بقولهم ﴿واحدة﴾ أي: من أوله إلى آخره كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود لتحقق أنه من عند الله تعالى، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه الذي يرتبه قليلًا قليلًا، وهذا
[ ٢ / ٦٥٩ ]
الاعتراض في غاية السقوط؛ لأن الإعجاز لا يتخلف بنزوله جملة أو متفرقًا مع أن للتفريق فوائد منها:
ما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿كذلك﴾ أي: أنزلناه شيئًا فشيئًا على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه ﴿لنثبت﴾ أي: نقوي ﴿به فؤادك﴾ أي: قلبك فتعيه وتحفظه؛ لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئًا فشيئًا وجزءًا عقب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لتعيا بحفظه والرسول ﷺ فارقت حاله حال داود وموسى ﵈ وعيسى حيث كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وهم كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ، فأنزله الله عليه منجمًا في عشرين سنة، وقيل: في ثلاث وعشرين سنة، وأيضًا فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين؛ ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقًا.
فإن قيل: ذا في كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدم هو إنزاله جملة، فكيف فسر كذلك بأنزلناه مفرقًا؟ أجيب: بأن الإشارة إلى الإنزال مفرقًا لا إلى جملة، والدليل على فساد هذ الاعتراض أيضًا أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدوا بسورة واحدة من أقصر السور فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المجاذبة، ثم قالوا: هلا نزل جملة واحدة؟ كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته، وقوله تعالى: ﴿ورتلناه ترتيلًا﴾ معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك كأنه قال تعالى: كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلًا، ومعنى ترتيله قال ابن عباس: بيناه بيانًا، والترتيل التبيين في تؤدة وتثبت، وقال السدي: فصلناه تفصيلًا، وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض، وقال الحسن: تفريقًا آية بعد آية ووقعة عقب وقعة، ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾ (المزمل، ٤)
أي: اقرأه بترتل وتثبت.
ومنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صفة قراءته: لا كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها، وقيل: هو أن ننزله مع كونه متفرقًا على تمكث وتمهل في مدة متباعدة، وهي عشرون سنة، ولم نفرقه في مدة متقاربة، ولما كان التقدير قد بطل ما أتوا به من هذا الاعتراض عطف عليه.
﴿ولا يأتونك﴾ أي: يا أشرف الخلق أي: المشركون ﴿بمثل﴾ أي: باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظًا ومعنى ﴿إلا جئناك﴾ في جوابه ﴿بالحق﴾ أي: الذي لا محيد عنه، فيزهق ما أتوا به لبطلانه، فسمى ما يوردون من الشبه مثلًا، وسمى ما يدفع به الشبه حقًا ﴿وأحسن﴾ أي: من مثلهم ﴿تفسيرًا﴾ أي: بيانًا وتفصيلًا، ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه، فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا، أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك؟ نحو أن يقرن بك ملك ينذر معك أو يلقي إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة واحدة إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفًا لما بعثت عليه ودلالة على صحته، ثم بين تعالى: حال هؤلاء المعاندين في الآخرة بقوله تعالى:
﴿الذين﴾ أي: هم الذين ﴿يحشرون﴾ أي: يجمعون قهرًا ماشين مقلوبين ﴿على وجوههم﴾
[ ٢ / ٦٦٠ ]
مسحوبين ﴿إلى جهنم﴾ أي: كما أنهم لم ينظروا في الدنيا بعين الإنصاف فإن الآخرة مرآة الدنيا مهما عمل هنا رآه هناك كما أن الدنيا مزرعة الآخرة مهما عمل فيها جنى ثمره هناك. روى البخاري أن رجلًا قال: «يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة»، وروى البيهقي: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على الوجوه، وصنف على الأقدام»، ولما وصف الله تعالى المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف استأنف الإخبار عنهم بقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿شر﴾ أي: شر الخلق ﴿مكانًا﴾ هو جهنم ﴿وأضل سبيلًا﴾ أي: أخطأ طريقًا من غيرهم وهو كفرهم، ولما قال تعالى ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا من المجرمين﴾، وذكر ذلك في معرض التسلية له ﷺ ذكر قصص جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم زيادة في تسليته، القصة الأولى: قصة موسى ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿ولقد آتينا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ أي: التوراة ﴿وجعلنا معه أخاه هارون وزيرًا﴾ أي: معينًا، فإن قيل: كونه وزيرًا كالمنافي لكونه شريكًا له في النبوّة والرسالة؟ أجيب: بأنه لا منافاة بين النبوّة والرسالة والوزارة قد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء متعددون، ويؤمرون بأن يؤازر بعضهم بعضًا.
تنبيه: هارون بدل أو بيان أو منصوب على القطع ووزيرًا مفعول ثان، وقيل: حال والمفعول الثاني معه ويدل على رسالة هارون ﵇ قوله تعالى:
﴿فقلنا اذهبا إلى القوم﴾ أي: الذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط فرعون وقومه ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ فذهبا إليهم بالرسالة فكذبوهما ﴿فدمرناهم تدميرًا﴾ أي: أهلكناهم إهلاكًا أي: فأنت يا محمد لست أوّل من كذب من الرسل فلك أسوة بمن قبلك، فإن قيل: الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقب بعثة موسى وهارون إليهم بل بعده بمدة مديدة؟ أجيب: بأن فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بإهلاكهم لا على الوقوع أو على أنه على إرادة اختصار القصة فاقتصر على حاشيتيها أي: أولها وآخرها لأنهما المقصودان من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
تنبيه: قوله تعالى: كذبوا بآياتنا إن حملنا تكذيب الآيات على الآيات الإلهية فهو ظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوّة فاللفظ، وإن كان للماضي فالمراد به المستقبل، القصة الثانية: قصة نوح ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿وقوم﴾ أي: ودمرنا قوم ﴿نوح لما كذبوا الرسل﴾ كأنهم كذبوا نوحًا ومن قبله من الرسل صريحًا أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيبًا للجميع بالقوة، لأن المعجزات هي البرهان على صدقهم وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق لا يقدر على معارضتها فالتكذيب بشيء منها تكذيب للجميع أولم يروا بعثة الرسل أصلًا كالبراهمة وهم قوم يمنعون بعثة الرسل نسبوا إلى رجل يقال له برهام قد مهد لهم ذلك وقرره في عقولهم، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر، ثم بين تعالى تدميرهم بقوله تعالى: ﴿أغرقناهم﴾ قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يومًا، وأخرج ماء الأرض أيضًا في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحرًا واحدًا ﴿وجعلناهم﴾ أي:
[ ٢ / ٦٦١ ]
قوم نوح في ذلك ﴿للناس آية﴾ أي: لمن بعدهم عبرة ليعتبر كل من سلك طريقهم ﴿وأعتدنا﴾ أي: هيأنا في الآخرة ﴿للظالمين﴾ أي: للكافرين، وكان الأصل لهم ولكنه تعالى أظهر تعميمًا وتعليقًا للحكم بالوصف ﴿عذابًا أليمًا﴾ أي: مؤلمًا سوى ما يحل بهم في الدنيا. القصة الثالثة: قصة هود ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿وعادًا﴾ أي: ودمرنا عادًا قوم هود بالريح. القصة الرابعة: قصة صالح ﵇ المذكورة في قوله: ﴿وثمودًا﴾ أي: ودمرنا ثمودًا قوم صالح بالصيحة. القصة الخامسة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وأصحاب الرس﴾ أي: البئر التي هي غير مطوية أي: مبنية قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر أي: ودمرناهم بالخسف.
واختلف في نبيهم، فقيل: شعيب وقيل غيره، كانوا قعودًا حولها فانهارت بهم وبمنازلهم فهلكوا جميعًا، وقال الكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله تعالى وفلج بفتح الفاء واللام والجيم قرية عظيمة بناحية اليمن من مساكن عاد وبسكون اللام وادٍ قريب من البصرة، وقيل: الرس الأخدود، وقيل: بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبًا النجار، وقيل: أصحاب حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له: تخ، قيل: هو بتاء فوقية، فخاء معجمة أو مهملة، وبياء تحتية وجيم وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
﴿وقرونًا﴾ أي: ودمرنا قرونًا ﴿بين ذلك﴾ أي: الأمر العظيم المذكور وهو بين كل أمتين من هذه الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة، ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعدادًا متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود، ثم قال الله تعالى: ﴿كثيرًا﴾ وناهيك بما يقول فيه ﷾ أنه كثير وأسند البغوي في تفسير أمة وسطًا في البقرة عن أبي سعيد الخدري قال: «قام فينا رسول الله ﷺ يومًا بعد صلاة العصر فما ترك شيئًا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله ﷿»، ثم إنه تعالى قال تسلية لنبيه محمد ﷺ وتأسية وبيانًا لشريعته بالعفو عن أمته:
﴿وكلًا﴾ أي: من هذه الأمم ﴿ضربنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿له الأمثال﴾ حتى وضح له السبيل وقام من غير شبهة الدليل ﴿وكلًا تبرنا تتبيرًا﴾ أي: أهلكنا إهلاكًا، وقال الأخفش: كسرنا تكسيرًا، وقال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته.
﴿ولقد أتوا﴾ أي: هؤلاء المكذبون من قومك ﴿على القرية التي أمطرت﴾ أي: وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة ولذا قال تعالى: ﴿مطر السوء﴾ مصدر ساء وهي قرى قوم لوط، قال البغوي: كانت خمس قرى، فأهلك الله تعالى أربعًا منها لعملهم الفاحشة، وبختنصر واحدة منهم وهي صغر وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث فإن قيل: لم عبر تعالى بالقرية وهي قرى؟ أجيب: بأنه تعالى قال ذلك تحقيرًا لشأنها في جنب قدرته تعالى وإهانة لمن يريد عذابه. ولانهماكهم على الفاحشة جميعهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون﴾ أي: لا يخافون ﴿نشورًا﴾ أي: بعثًا بعد الموت؛ لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة واستمروا عليه قرنًا بعد قرن حتى تمكن منهم ذلك تمكينًا لا ينفع معه الاعتبار إلا من شاء الله.
﴿وإذا رأوك﴾ أي: مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك ولو لم تأتهم بمعجزة فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول ﴿إن﴾ أي: ما ﴿يتخذونك إلا هزوًا﴾ أي: مهزوء بك وعبر تعالى بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده ﷺ عن ذلك يقولون: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولًا﴾ أي: في دعواه محتقرين له أن تأتيه الرسالة، وقولهم.
﴿إنْ﴾ مخففة من الثقيلة أي: إنه ﴿كاد ليضلنا﴾ أي: يصرفنا ﴿عن آلهتنا﴾ أي: عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يورد مما سبق إلى الذهن أنها حجج ومعجزات ﴿لولا أن صبرنا﴾ أي: بما لنا من الاجتماع والتعاضد ﴿عليها﴾ أي: على التمسك بعبادتها قال الله تعالى: ﴿وسوف يعلمون﴾ أي: في حال لا ينفعهم فيه العمل ولا العلم وإن طالت مدة الإمهال في التمكين ﴿حين يرون العذاب﴾ عيانًا في الآخرة ﴿من أضل سبيلًا﴾ أي: أخطأ طريقًا أهم أم المؤمنون، ولما كان ﷺ حريصًا على رجوعهم ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم سلاه تعالى بقوله تعالى متعجبًا من حالهم:
﴿أرأيت﴾ أي: أخبرني ﴿من اتخذ إلهه هواه﴾ أي: أطاعه وبنى عليه دينه، لا سمع حجة ولا نظر دليلًا فإن قيل: لم أخر هواه والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهًا؟ أجيب: بأنه ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية كما تقول: علمت منطلقًا زايدًا لفضل عنايتك بالمنطلق، ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله تعالى تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله تعالى: ﴿أفأنت تكون عليه وكيلًا﴾ أي: حافظًا تحفظه من اتباع هواه لا قدرة لك على ذلك.
﴿أم تحسب أن أكثرهم﴾ أي: هؤلاء المدعوّين ﴿يسمعون﴾ أي: سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم ﴿أو يعقلون﴾ أي: كالبهائم ما يرون، وإن لم يكن لهم سمع حتى تطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث إليهم الرسول، فإن من شرط التكليف العقل؟ أجيب: بأنه ليس المراد أنهم لا يعقلون شيئًا بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى وأصم فإن قيل: لم خص الأكثر بذلك دون الكل؟ أجيب: بأنه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق فكابر استكبارًا وخوفًا على الرياسة.
ولما كان هذا الاستفهام مفيدًا للنفي استأنف ما أفهمه بقوله تعالى: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هم إلا كالأنعام﴾ أي: في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات ﴿بل هم أضل﴾ أي: منها ﴿سبيلًا﴾ لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي،
[ ٢ / ٦٦٣ ]
ولما بين تعالى جهل المعرضين عن دلائل التوحيد وبين فساد طريقهم ذكر أنواعًا من الدلائل على وجود الصانع أولها: الاستدلال بالنظر إلى حال الظل مخاطبًا رأس المخلصين الناظرين هذا النظر حثًا لأهل وده على مثل ذلك بقوله تعالى:
﴿ألم ترَ﴾ أي: تنظر ﴿إلى ربك﴾ أي: إلى صنعه وقدرته ﴿كيف مد الظل﴾ وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بجعله ممدودًا؛ لأنه ظل لا شمس معه، كما قال تعالى في ظل الجنة: ﴿وظل ممدود﴾ (الواقعة، ٣٠)
إذ لم يكن معه شمس وإن كان بينهما فرق وهو الليل لأن ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس عما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه وضرب فسطاطه كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم وغفلة طباعهم نفوذ أسماعهم ﴿ولو شاء لجعله﴾ أي: الظل ﴿ساكنًا﴾ أي: دائمًا ثابتًا لا يزول ولا تذهبه الشمس لاصقًا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجر غير منبسط فلم ينتفع به أحد، سمى انبساط الظل وامتداده تحركًا منه وعدم ذلك سكونًا لكنه تعالى لم يشأ بل جعله متحركًا كما يسوق الشمس له، وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال سمي فيئًا؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب ﴿ثم جعلنا الشمس عليه﴾ أي: الظل ﴿دليلًا﴾ أي: أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتًا في مكان أو زائلًا ومتسعًا أو متقلصًا فلو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.
﴿ثم قبضناه﴾ أي: الظل ﴿إلينا﴾ أي: إلى الجهة التي أردنا لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها، والقبض جمع المنبسط من الشيء ومعناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت قبض الله الظل ﴿قبضًا يسيرًا﴾ أي: على مهل، وفي هذا القبض اليسير شيئًا بعد شيء من المنافع ما لم يعد ولا يحصى، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعًا، وقيل: المراد من قبضها يسيرًا قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الظلال، وقوله تعالى: يسيرًا كقوله تعالى: ﴿حشر علينا يسير﴾ (ق، ٤٤)
فإن قيل: ثم في هذين الموضعين كيف موقعها؟ أجيب: بأن موقعها بيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما تشبيهًا لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت، ولما تضمنت هذه الآية الليل والنهار وهو النوع الثاني قال تعالى مصرحًا بهما:
﴿وهو﴾ أي: ربك المحسن إليك وحده ﴿الذي جعل﴾ دليلًا على الحق وإظهارًا للنعمة على الخلق ﴿لكم الليل﴾ أي: الذي تكامل به مد الظل ﴿لباسًا﴾ أي: ساترًا للأشياء، شبه ظلامه باللباس في ستره ﴿والنوم سباتًا﴾ أي: راحة للأبدان بقطع المشاغل، وهو عبارة عن كونه موتًا أصغر طاويًا لما كان من الإحساس قاطعًا لما كان من الشعور والتقلب فيه دلائل لأهل البصائر، قال البغوي وغيره: وأصل السبت القطع، وفي جعله تعالى لذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد ولا يحصى، وكذا في قوله تعالى: ﴿وجعل﴾ أي: وحده ﴿النهار نشورًا﴾ أي: منشورًا فيه لابتغاء الرزق وغيره، وفي ذلك إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذجان للموت والنشور. يحكى
[ ٢ / ٦٦٤ ]
أن لقمان قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر، ثم ذكر النوع الثالث بقوله تعالى:
﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿الذي أرسل الرياح﴾ وقرأه ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس وقرأه الباقون بالجمع لكونها تارة صبا وتارة دبورًا وتارة شمالًا وتارة جنوبًا وغير ذلك، ويسن الدعاء عند هبوب الريح ويكره سبها لخبر «الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها» رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، وقوله تعالى: ﴿نشرًا﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين أي: ناشرات للسحاب، وقرأه ابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف، وقرأه عاصم بالباءالموحدة مضمومة وسكون الشين جمع بشور بمعنى مبشر، وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وصف به ﴿بين يدي رحمته﴾ أي: قدام المطر، ولما كان الماء مسببًا عما تحمله الريح من السحاب أتبعه به بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿من السماء﴾ أي: من السحاب أو الجرم المعهود ﴿ماء﴾ ثم أبدل منه بيانًا للنعمة به، فقال تعالى: ﴿طهورًا﴾ أي: طاهرًا في نفسه مطهرًا لغيره كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ليطهركم به﴾، فهو اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به، وكالسحور اسم لما يتسحر به والفطور اسم لما يفطر به. قال ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» أراد به المطهر فالماء المطهر؛ لأنه يطهر الإنسان من الحدث والخبث.
وذهب بعض الأئمة إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوّز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة مثل الخل، وردّ بأنه لو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها، وذهب بعض منهم إلى أن الطهور ما يتكرر به التطهير، كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، حتى جوّز الوضوء بالماء الذي يتوضأ به مرة بعد مرة وردَّ بأن فعولًا يأتي اسمًا للآلة كسحور لما يتسحر به كما مر فيجوز أن يكون طهور كذلك، ولو سلم اقتضاؤه التكرر فالمراد جمعًا بين الأدلة فإن الصحابة ﵃ لم يجمعوا الماء في أسفارهم القليلة الماء، بل عدلوا عنه إلى التيمم ثبوت ذلك لجنس الماء أو في المحل الذي كان يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه.
﴿لنحيي به﴾ أي: بالماء ﴿بلدة ميتًا﴾ أي: بالنبات وذكر ميتًا باعتبار المكان ﴿ونسقيه﴾ أي: بالماء وهو من أسقاه مزيد سقاه وهما لغتان قال ابن القطاع: سقيتك شرابًا وأسقيتك، والله تعالى أسقى عباده وأرضه ﴿مما خلقنا أنعامًا﴾ أي: إبلًا وبقرًا وغنمًا ﴿وأناسي كثيرًا﴾ جمع إنسان وأصله أناسين فأبدلت النون ياء وأدغمت فيها الياء أو جمع أنسي وقدم تعالى النبات؛ لأن به حياة الأنعام، والأنعام على الإنسان؛ لأن بها كمال حياته فإن قيل: لما خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان؟ أجيب: بأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام ولأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها، فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم.
فإن قيل: لما نكر الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة؟ أجيب: بأن جل الناس منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء فبهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم، وهم كثير منهم لا يعيشون إلا بما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه، وكذلك قوله تعالى: ﴿لنحيي به بلدة ميتًا﴾ (الفرقان، ٤٩)
يريد به بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان
[ ٢ / ٦٦٥ ]
الماء، واختلف في عود الهاء في قوله تعالى:
﴿ولقد صرفناه بينهم﴾ على ثلاثة أوجه: أولها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى المطر أي: صرفنا نزول الماء من وابل وطل وغير ذلك مرة ببلد ومرة ببلدة أخرى، قال ابن عباس: ما عام بأمطر من عام آخر، ولكن الله تعالى يصرفه في الأرض، وقرأ هذه الآية وهذا كما روي مرفوعًا «ما من ساعة من ليل أو نهار إلا والسماء تمطر فيها فيصرفه الله تعالى حيث يشاء»، وروي عن ابن مسعود يرفعه قال: «ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق فجعلها في السماء في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار»، وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر مقداره في كل عام لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد، ثانيها: قال أبو مسلم: الضمير راجع إلى المطر والسحاب والظلال، وسائر ما ذكره الله من الأدلة، ثالثها: صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر ﴿ليذكروا﴾ أي: ليتفكروا ويعملوا كمال القدرة وحق النعمة، ويقوموا بشكره.
تنبيه: أصل يذكروا يتذكروا أدغمت التاء في الذال وقرأ حمزة والكسائي بسكون الذال ورفع الكاف مخففة، والباقون بفتح الذال والكاف مشددتين ﴿فأبى﴾ أي: لم يرد ﴿أكثر الناس﴾ أي: بعبادتهم ﴿إلا كفورًا﴾ أي: جحودًا للنعمة وقلة الاكتراث بها وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وهو بفتح النون وهمزة آخره وقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة المطر إلى الأنواء فيكره أن يقول ذلك لإيهامه أن النوء فاعل المطر حقيقة، فإن اعتقد أنه الفاعل له حقيقة كفر، روى زيد بن خالد الجهني قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قال أصبح من عبادي من هو مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب»، وأفاد تعليق الحكم بالباء أنه لو قال: مطرنا في نوء كذا لم يكره، ونقل الشافعي عن بعض الصحابة أنه كان يقول عند المطر: مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾ (فاطر، ٢)
﴿ولو شئنا لبعثنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة ﴿في كل قرية نذيرًا﴾ أي: رسولًا ينذرهم من البشر أو الملائكة أو غيرهم كما قسمنا المطر عليها وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك به، وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل.
﴿فلا تطع الكافرين﴾ فيما قصدوا من التنفير عن الدعاء بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة أو من القلق من صادع الإنذار ويخيلون لك أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك وقابل ذلك بالتشدد والتصبر ﴿وجاهدهم﴾ أي: بالدعاء ﴿به﴾ أي: القرآن الذي تقدم التحدث عنه في قوله تعالى: ولقد صرفناه، أو بترك طاعتهم المدلول عليه بقوله تعالى: فلا تطع أو بالسيف والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان ﴿جهادًا كبيرًا﴾ أي: جامعًا لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة؛ لأن في ذلك إقبال كثير
[ ٢ / ٦٦٦ ]
من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيقوى أمرك ويعظم خطبك وتضعف شوكتهم وتنكسر سورتهم، فإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، ثم ذكر النوع الرابع بقوله تعالى:
﴿وهو الذي مرج البحرين﴾ أي: الماءين الواسعين الكبيرين بأن خلاهما متجاورين متلاصقين، وهو بقدرته تعالى يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿هذا عذب﴾ أي: حلو سائغ ﴿فرات﴾ أي: شديد العذوبة بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى الحلاوة لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض، وما كان في بطنها ﴿وهذا ملح﴾ أي: شديد الملوحة ﴿أجاج﴾ أي: مر محرق بملوحته ومرارته لا يصلح لسقي ولا شرب.
تنبيه: أشار تعالى بأداة القرب في الموضعين تنبيهًا على وجود الوصفين مع شدة المقاربة لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب جدًا منه خرج الماء عذبًا ﴿وجعل﴾ أي: الله تعالى ﴿بينهما برزخًا﴾ أي: حاجزًا من قدرته مانعًا من اختلاطهما، ثم إنه تعالى أتم تقرير النعمة في منعهما من الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ تشبيهًا لكل منهما بالمتعوذ بقوله تعالى: ﴿وحجرًا محجورًا﴾ فكأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له ذلك كما قال تعالى: ﴿لا يبغيان﴾ (الرحمن، ٢٠)
أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه بالملوحة أو العذوبة، فانتقاء البغي كالتعوذ ههنا، ثم جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه وهو من أحسن الإستعارات وأشهدها على البلاغة فإن قيل: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله تعالى هنا؟ أجيب: بأن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون ومن البحر الأجاج البحار الكبار. ثم ذكر النوع الخامس بقوله تعالى:
﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿الذي خلق من الماء﴾ أي: المني من الرجل والمرأة ﴿بشرًا﴾ أي: إنسانًا ﴿فجعله﴾ أي: بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة والتدوير في أدوار التربية ﴿نسبًا﴾ أي: ذكرًا ينسب إليه ﴿وصهرًا﴾ أي: أنثى يصاهر بها فيقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين عذبًا وملحًا ونحو هذا قوله تعالى: ﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ (القيامة، ٣٩)، وقيل: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، فالنسب ما يوجب الحرمة، والصهر ما لا يوجبها، قال البغوي: وقيل وهو الصحيح: النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد ذكر الله تعالى أنه حرم للنسب سبعًا في قوله تعالى في النساء: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (النساء، ٢٣)
﴿وكان ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك ﴿قديرًا﴾ حيث خلق من مادة واحدة بشرًا ذا أعضاء مختلفة وطبائع متباعدة، وجعله قسمين ذكرًا وأنثى، وربما يخلق من نطفة واحدة نوعين ذكرًا وأنثى فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء فيجعله مر الأخلاق كثير الشقاق غريقًا في النفاق، ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم، فقال تعالى:
﴿ويعبدون﴾ أي: هؤلاء الكفرة ﴿من دون الله﴾ أي: مما يعلمون أنه في الرتبة دون الله المستجمع لصفات الكمال والعظمة بحيث أنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده ﴿ما لا ينفعهم﴾ بوجه من الوجوه إن عبدوه في إزالة كربة ﴿ولا يضرهم﴾ في أزلة نعمة من نعم الله تعالى عليهم إن تركوه ﴿وكان الكافر﴾ أي: مع علمه بضعفه وعجزه ﴿على ربه﴾ أي: المحسن إليه
[ ٢ / ٦٦٧ ]
لا غيره ﴿ظهيرًا﴾ أي: معينًا للشيطان من الإنس والجن على أولياء الله تعالى، روي أنها نزلت في أبي جهل ويجوز أن يراد بالظهير الجماعة كقوله تعالى: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (التحريم، ٤)، كما جاء الصديق والخليط وعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، فإن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله قال تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾ (الأعراف، ٢٠٢)
وهذا أولى لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق لظاهر قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله﴾، وقيل: معناه وكان الذي يفعل هذا الفعل وهو عبادة ما لا ينفع ولا يضر على ربه هينًا مهينًا من قولهم ظهرت به إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه وهو نحو قوله تعالى: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ (آل عمران، ٧٧)، ولما كان التقدير تسلية له ﷺ فالزم ما نأمرك به ولا يزد همك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلًا عطف عليه قوله تعالى:
﴿وما أرسلناك﴾ يا أشرف الخلق بما لنا من العظمة ﴿إلا مبشرًا﴾ بالثواب على الإيمان والطاعة ﴿ونذيرًا﴾ أي: مخوفًا بالعقاب على الكفر والمعصية، ثم كأنه قيل: فماذا أقول لهم إذا طعنوا في الرسالة؟ فقال تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهم يا أكرم الخلق حقيقة وأعدلهم طريقة محتجًا عليهم بإزالة ما يكون موضعًا للتهمة ﴿ما أسألكم عليه﴾ أي: على تبليغ ما أرسلت به ﴿من أجر﴾ فتتهموني أني أدعوكم لأجله إذ لا غرض لي إلا نفعكم، ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى مستثنيًا؛ لأن الاستثناء معيار العموم ﴿إلا من﴾ أي: إلا أجر من ﴿شاء أن يتخذ﴾ أي: يكلف نفسه ويخالف هواه، ويجعل له ﴿إلى ربه سبيلًا﴾ فإنه إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره لا نفع لي من جهتكم إلا هذا فإن سميتم هذا أجرًا فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لاينقص أحدًا شيئًا من دنياه فأفاد فائدتين؛ الأولى: أنه لا طمع له أصلًا في شيء ينقصهم، والثانية: إظهار الشفقة البالغة حيث لم يقصد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثوابًا لنفسه، وقيل: الاستثناء منقطع أي: لكن من يشاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا فليفعل، وجرى على هذا الجلال المحلي، وقال ابن عادل: في الأول نظر؛ لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير؟ انتهى. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر وسهّل ورش وقنبل الثانية، ولهما أيضًا إبدالها ألفًا والباقون بتحقيق الهمزتين، ولما بين تعالى أن الكفار يتظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجرًا أمره أن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وجلب جميع المنافع بقوله تعالى:
﴿وتوكل﴾ أي: أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم من عنادهم ﴿على الحي الذي لا يموت﴾ فلا ضياع لمن توكل عليه، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق ﴿وسبح﴾ متلبسًا ﴿بحمده﴾ أي: نزهه عن كل نقص مثبتًا له كل كمال، وقيل: صلِّ له شكرًا على نعمه، وقيل: قل سبحان الله والحمد لله وحده وعلى هذا اقتصر الجلال المحلى ﴿وكفى به بذنوب عباده﴾ أي: ما ظهر منها وما بطن وكل ما سواه عبد ﴿خبيرًا﴾ أي: عالمًا مطلقًا فلا يخفى عليه خافية شيء منها، وإن دق فلا عليك إن آمنوا أو كفروا، وهذه الكلمة يراد بها المبالغة
[ ٢ / ٦٦٨ ]
يقال: كفى بالعلم كمالًا وكفى بالأدب مالًا وهو معنى حسبك أي: لا تحتاج معه إلى غيره، لأنه تعالى خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم، وهذا وعيد شديد، ولما أمر الله تعالى رسوله محمد ﷺ أن يتوكل عليه وصف تعالى نفسه بأمور منها أنه حي لا يموت، ومنها أنه عالم بجميع المعلومات، ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله تعالى:
﴿الذي خلق السموات والأرض﴾ على عظمهما ﴿وما بينهما﴾ من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها ألا يعلم من خلق وقوله تعالى: ﴿في ستة أيام﴾ أي: من أيام الدنيا تعجيب للغبي الجاهل وتدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله تعالى في دعوتهم، فإن قيل: الأيام عبارة عن حركة الشمس في السموات، فقبل السموات لا أيام فكيف قال تعالى: في ستة أيام؟ أجيب: بأنه تعالى خلقها في مدة مقدارها هذه الأيام، فإن قيل: يلزم على هذا قدم الزمان وهو ممنوع؟ أجيب: بأن الله تعالى خلق هذه المدة أولًا ثم خلق السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام فلا يلزم من ذلك قدم الزمان، وقيل: في ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة وهو بعيد؛ لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول.
فإن قيل: لما قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار؟ أجيب: بأنه يجب على المكلف أن يقطع الطمع عن مثل هذا فإنه بحر لا ساحل له من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية والشهور بإثني عشر والسموات بالسبع وعدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات والحدود والكفارات، فالإقرار بأن كل ما قاله الله حق هو الدين والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء، وقد نص الله تعالى على ذلك في قوله ﷿: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلًا﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ (المدثر، ٣١)
وهذا جواب أيضًا عن أنه لم لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك، وعن سعيد ابن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها في لحظة واحدة، تعليمًا لخلقه الرفق والتثبت، وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيدًا للمسلمين، وعن مجاهد أول الأيام يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ولما كان تدبير هذا الملك أمرًا باهرًا أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ أي: شرع في التدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده، ولا يجوز أن يفسر بالاستقرار، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب وكل ذلك على الله محال، فإن قيل: يلزم من ذلك أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات، وقال الله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ (هود، ٧)
أجيب: بأن كلمة ثم ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على السموات وهو في اللغة سرير الملك وفي رفع قوله تعالى ﴿الرحمن﴾ أوجه؛ أحدها: أنه خبر الذي خلق أو خبر مبتدأ مضمر أي: هو الرحمن ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش، ثم يبتدىء الرحمن أي: هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، أو يكون بدلًا من الضمير في استوى، وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي.
واختلف في معنى الفاء في قوله تعالى: ﴿فاسأل به﴾ على
[ ٢ / ٦٦٩ ]
قولين؛ أحدهما: أنها على بابها وهي متعلقة بالسؤال، والمراد بقوله: ﴿خبيرًا﴾ أي: عالمًا يخبرك بحقيقته هو الله تعالى، ويكون من التجريد كقوله: رأيت به أسدًا والمعنى: فاسأل الله الخبير بالأشياء قال الزمخشري: أو فاسأل بسؤاله خبيرًا كقولك: رأيت به أسدًا أي: برؤيته انتهى. فقال الكلبي: فقوله به يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش، والباء من صلة الخبير وذلك الخبير هو الله تعالى، لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق السموات والأرض، والاستواء على العرش، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، والثاني: أن تكون الباء بمعنى عن إما مطلقًا وإما مع السؤال خاصة كهذه الآية، وكقول علقمة بن عبيدة:
*فإن تسألوني بالنساء فإنني
خبير بأدواء النساء طبيب
والضمير في به لله وخبيرًا من صفات الملك وهو جبريل ﵇، فعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبريل وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم، وقال ابن جرير: الباء في به صلة والمعنى: فاسأله خبيرًا، وخبيرًا نصب على الحال وقيل: به يجري مجرى القسم كقوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به﴾، وقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى تعرف من ينكره ومن ثم كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، وكان يقال له: رحمن اليمامة، وقيل: فاسأل بسبب سؤالك إياه خبيرًا عن هذه الأمور وكل أمر تريده فيخبرك بحقيقة أمره ابتداءً وحالًا ومآلًا، فلا يضيق صدرك بسبب هؤلاء المدعوين، فإنه ما أرسلك إلا وهو عالم بهم فسيعلي كعبك عليهم ويحسن لك العاقبة، وقرأ ابن كثير والكسائي بالنقل، وكذا يقرأ حمزة في الوقف، والباقون بسكون السين وفتح الهمزة، ولما ذكر تعالى إحسانه إليهم وإنعامه عليهم ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم بقوله:
﴿وإذا قيل لهم﴾: أي: من أي قائل قال لهؤلاء الذين يتقلبون في نعمه: ﴿اسجدوا﴾ أي: اخضعوا بالصلاة وغيرها ﴿للرحمن﴾ أي: الذي لا نعمة لكم إلا منه ﴿قالوا وما الرحمن﴾ متجاهلين في معرفته فضلًا عن كفر نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل، وقال ابن عربي: إنما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم بالصفة دون الموصوف، ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه بقولهم: ﴿أنسجد لما تأمرنا﴾ فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره، والإنكار على الداعي إليه أيضًا بأداة ما لا يعقل ﴿وزادهم﴾ أي: هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكرًا للنعمة وطمعًا في الزيادة ﴿نفورًا﴾ أي: عن الإيمان والسجود.
تنبيه: هذه السجدة من عزائم سجود التلاوة يسن للقارئ والمستمع والسامع أن يسجد عند قراءتها أو سماعها، وقرأ وإذا قيل لهم هشام والكسائي بالإشمام وضم القاف مع سكون الياء والباقون بكسر القاف، وقرأ لما يأمرنا حمزة والكسائي بالياء التحتية والباقون بالتاء الفوقية، وأبدل ورش والسوسي الهمزة وقفًا ووصلًا وحمزة وقفًا لا وصلًا، ولما حكى تعالى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن قال عز من قائل:
﴿تبارك﴾ أي: ثبت ثباتًا لا نظير له ﴿الذي جعل في السماء﴾ التي تقدم أنه اخترعها، واختلف في معنى قوله: ﴿بروجًا﴾ فقال الزجاج ومجاهد وقتادة: هي النجوم الكبار سميت بروجًا
[ ٢ / ٦٧٠ ]
لظهورها، وقال عطية العوفي: هي القصور فيها الحرس كما قال تعالى: ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ (النساء، ٧٨)
وقال عطاء عن ابن عباس: هي الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة وهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربعة فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
﴿وجعل فيها﴾ أي: السماء وقيل: البروج ﴿سراجًا﴾ أي: شمسًا وقرأ حمزة والكسائي بضم السين والراء على الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك من حيث أنه أعظم من ألوف من السرج فهو قائم مقام الوصف كما في الذي بعده كما سيأتي وقيل: المراد بالجمع الشمس والكواكب الكبار، والباقون بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على التوحيد ﴿وقمرًا منيرًا﴾ أي: مضيئًا بالليل، ولما ذكر تعالى هاتين الآيتين ذكر ماهما آيتاه بقوله تعالى:
﴿وهو الذي جعل الليل﴾ أي: الذي آيته القمر ﴿والنهار﴾ أي: الذي آيته الشمس ﴿خلفة﴾ أي: ذوي حالة معروفة في الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك بضد ما له من الأوصاف، وقال ابن عباس والحسن: يعني خلفًا وعوضًا يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر قال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: فاتتني الصلاة الليلة قال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله ﷿ جعل الليل والنهار خلفة ﴿لمن أراد أن يذكر﴾ أي: يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد، وقرأ حمزة بسكون الذال وضم الكاف مخففة من ذكر بمعنى تذكر والباقون بفتح الكاف والذال مشددتين.
﴿أو أراد شكورًا﴾ أي: شكر نعمة ربه عليه من الإتيان بكل منهما بعد الآخر لاجتناء ثمراته ولو جعل أحدهما دائمًا لفاتت مصالح الآخر ولحصلت السآمة والملل منه والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير، وعن الحسن من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب، ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب، ولما ذكر الله تعالى عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزبًا ولم يضفهم إلى اسم من أسمائه إيذانًا بإهانتهم لهوانهم عنده أشار إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه قوله تعالى:
﴿وعباد الرحمن﴾ فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان الخلق كلهم عباده وأضافهم إلى وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيرًا لهم، ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بصفات كثيرة؛ الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿الذين يمشون﴾ وقال تعالى: ﴿على الأرض﴾ تذكيرًا بما يصيرون إليه وحثًا على السعي في
[ ٢ / ٦٧١ ]
معالي الأخلاق ﴿هونًا﴾ أي: هينين أو مشيًا هينًا مصدر وصف به مبالغة والهون الرفق واللين، ومنه الحديث: «أحبب حبيبك هونًا ما»، وقوله: المؤمنون هينون، والمثل: إذا عز أخوك فهن، والمعنى إذا عاسر فياسر، والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع ووقار لا يضربون لوقارهم بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرًا وبطرًا ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق لقوله تعالى: ﴿ويمشون في الأسواق﴾ (الفرقان، ٣٠)
تنبيه: عباد مرفوع بالإبتداء وفي خبره وجهان؛ أحدها: الجملة الأخيرة في آخر السورة أولئك يجزون وبه بدأ الزمخشري والذين يمشون وما بعده صفات للمبتدأ، والثاني: أن الخبر الذين يمشون. الصفة الثانية ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ أي: بما يكرهون ﴿قالوا سلامًا﴾ أي: تسلمًا منكم لا نجاهلكم ومتاركة لا خير بيننا ولا شر أي: فنسلم منكم تسلمًا فأقيم السلام مقام التسلم وقيل: قالوا: سدادًا من القول أي: يسلمون فيه من الإثم والإيذاء وليس المراد التحية؛ لأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على المشركين، وعن أبي العالية: نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ادعاء النسخ بآية القتال ولا غيرها؛ لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة أسلم للعرض والورع، وأطلق الخطاب إعلامًا بأن أكثر خصال الجاهل وهو الذي يخالف العلم والحكمة الجهل وهو السفه وقلة الأدب من قوله:
*ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ولما ذكر تعالى ما بينهم وبين الخلق ذكر ما بينهم وبينه وهي الصفة الثالثة بقوله تعالى:
﴿والذين يبيتون﴾ من البيتوتة قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقًا والمعنى يبيتون ﴿لربهم﴾ أي: المحسن إليهم ﴿سجدًا﴾ على وجوههم في الصلاة وقدّمه لأنه أنهى الخضوع، وأخر عنه قوله تعالى: ﴿وقيامًا﴾ أي: على أقدامهم وإن كان تطويل القيام أفضل للروي، وتخصيص البيتوتة؛ لأن العبادة في الليل أشق وأبعد من الرياء، قال الزمخشري: والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره، وقيل: من قرأ شيئًا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدًا وقائمًا، وقال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجدًا وقائمًا، وقيل: هما لركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء، وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من صلى عشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة كان كقيام ليلة»، ولما ذكر تعالى تهذيبهم للخلق والخالق وصفهم الله تعالى أنهم مع ذلك خائفون وجلون وهي الصفة الرابعة بقوله تعالى:
﴿والذين يقولون ربنا﴾ أي: المحسن إلينا ﴿اصرف عنا عذاب جهنم﴾ قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول، ثم علل سؤالهم بقوله تعالى: ﴿إن عذابها كان﴾ أي: كونًا جبلت عليه ﴿غرامًا﴾ أي: هلاكًا وخسرانًا ملحًا لازمًا لا ينفك عنه كما قال:
*إن يعاقب يكن غرامًا وإن يع
ط جزيلًا فإنه لا يبالي
ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه فهم يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم، ولما ثبت لهم هذا الوصف أنتج قوله تعالى.
﴿إنها ساءت﴾
[ ٢ / ٦٧٢ ]
أي: تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء وهي في معنى بئست في جميع المذام ﴿مستقرًا﴾ أي: موضع استقرار ﴿ومقامًا﴾ أي: موضع إقامة.
تنبيه: ساءت في حكم بئست كما مر ففيها ضمير مبهم يفسره مستقرًا، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقرًا ومقامًا هي وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرًا لها، ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت ففيها ضمير اسم إن ومستقرًا حال أو تمييز والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين أو مترادفين وأن يكونا من كلام الله تعالى وحكاية لقولهم، ولما ذكر تعالى أفعالهم وأقوالهم أتبع ذلك بذكر إنفاقهم وهو الصفة الخامسة بقوله تعالى:
﴿والذين إذا أنفقوا﴾ أي: للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب أو مباح ﴿لم يسرفوا﴾ أي: لم يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير فيضيعوا الأموال في غير حقها ﴿ولم يقتروا﴾ أي: لم يضيقوا فيضيعوا الحقوق ﴿وكان﴾ أي: إنفاقهم بين ذلك أي: الإسراف والإقتار ﴿قوامًا﴾ أي: وسطًا.
تنبيه: اسم كان ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله تعالى: أنفقوا وخبرها قوامًا، وبين ذلك معمول له، وقيل: غير ذلك وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوهًا؛ أحدها: قال الرازي وهو الأقوى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقتير، وبمثله أمر ﷺ بقوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ (الإسراء، ٢٩)
إذ يقال: ما عال من اقتصد، وسأل رجل بعض العلماء ما البناء الذي لا سرف فيه قال: ما سترك من الشمس وأكنك من المطر، قال: فما الطعام الذي لا سرف فيه؟ قال: ما سد الجوعة، قال: فما اللباس الذي لا سرف فيه؟ قال: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد، ثانيها: وهو قول ابن عباس: الإسراف النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار منع حق الله تعالى، وقال مجاهد: لو أنفق أحد مثل جبل أبي قبيس ذهبًا في طاعة الله تعالى لم يكن سرفًا، ولو أنفق صاعًا في معصية الله تعالى كان سرفًا، وقال الحسن: لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي وأنشدوا:
*ذهاب المال في حمد وخير
ذهاب لا يقال له ذهاب
وسمع رجل رجلًا يقول: لا خير في الإسراف، فقال: لا إسراف في الخير، وعن عمر بن عبد العزيز أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن إليه فقال: وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام كثير حسن فقال ابن لعبد الملك إنما هو كلام أعده لهذا المقام، فسكت عبد الملك، فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله، فقال: النفقة بين الشيئين، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه: يا بني هذا أيضًا مما أعده، وثالثها السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا وإن كان من حلال؛ لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فكانت الصحابة لا يأكلون طعامًا للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبًا للجمال والزينة ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ويقيهم من الحر والبرد، وقال عمر بن الخطاب ﵁: كفى سرفًا أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا اشتراه فأكله، وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم التحتية وكسر الفوقية من أقتر، وابن كثير وأبو عمر بفتح التحتية وكسر الفوقية والكوفيون بفتح التحتية وضم الفوقية، ولما
[ ٢ / ٦٧٣ ]
ذكر تعالى ما تحلوا به من أصول الطاعات أتبعه بذكر ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر وهو الصفة السادسة بقوله تعالى:
﴿والذين لا يدعون﴾ أي: رحمة لأنفسهم واستعمالًا للعدل ﴿مع الله﴾ أي: الذي اختص بصفات الكمال ﴿إلهًا آخر﴾ أي: دعاءً جليًا بالعبادة ولا خفيًا بالرياء، ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها أتبعه نفي قتل غيرهم بقوله سبحانه: ﴿ولا يقتلون النفس﴾ رحمة للخلق وطاعة للخالق ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له بين المراد بقوله تعالى: ﴿التي حرم الله﴾ أي: منع من قتلها ﴿إلا بالحق﴾ أي: بأن تعمل بما يبيح قتلها، ولما ذكر القتل الجلي أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد بقوله تعالى: ﴿ولا يزنون﴾ أي: رحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم مع رحمته لنفسه على أن الزنا أيضًا جار إلى القتل والفتن وفيه التسبب إلى إيجاد نفس بالباطل كما أن القتل سبب إلى إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه سأل النبي ﷺ أي الذنب أعظم وفي رواية أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندًا وهو خلقك قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك، ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ الآية.
وقد استشكل تصديق هذه الآية للخبر من حيث أن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص، والتقييد بكونه أكبر والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم؟ وأجيب: بدفع الإشكال بأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه؛ الأول: الاعتراض من بين المبتدأ الذي هو وعباد الرحمن وما عطف عليه والخبر الذي هو أولئك يجزون الغرفة على إحدى الروايتين بذكر هذه الثلاثة خاصة وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام، الثاني: الإشارة بأداة البعد في قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي: هذا الفعل العظيم القبيح مع قرب المذكورات فدل على أن البعد من رتبتها فهو إشارة إلى جميع ما تقدم؛ لأنه بمعنى ما ذكر، فلذلك وحده وأدغم لام يفعل في الذال أبو الحارث والباقون بالإظهار، الثالث: التعبير باللقي مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله: ﴿يلق أثامًا﴾ دون يأثم ويلق إثمًا أي: جزاء إثمه، الرابع: التقييد بالمضاعفة في قوله تعالى مستأنفًا:
﴿يضاعف﴾ بأسهل أمر ﴿له العذاب﴾ جزاء ما أتبع نفسه هواها، الخامس: التهويل بقوله تعالى: ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو أهول من غيره بما لا يقاس، السادس: الإخبار بالخلود الذي أقل درجاته أن يكون مكثًا طويلًا بقوله تعالى: ﴿ويخلد فيه﴾ وقرأ يضاعف ويخلد ابن عامر وشعبة برفع الفاء والدال، والباقون بجزمهما وأسقط الألف من يضاعف مع تشديد العين ابن كثير وابن عامر فالجزم على أنهما بدلان من يلق بدل اشتمال، والرفع على الاستئناف، السابع: التصريح بقوله تعالى: ﴿مهانًا﴾ فلما أعظم الأمر من هذه الأوجه علم أن كلًا من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيرًا كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم؛ لأنه زاد عليه بما صار به خاصًا فثبت بهذا أنها كبائر وإن قتل الولد والزنا بحليلة الجار أكبر ما ذكر فوجد تصديق الآية للخبر.
وقرأ حفص مع ابن كثير بصلة الهاء بالياء من فيه قبل مهانًا، فإن قيل: ذكر أن من صفات عباد الرحمن صفات حسنة فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل
[ ٢ / ٦٧٤ ]
والزنا فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ أجيب: بأن الموصوف بتلك الصفات السابقة قد يكون متمسكًا بالشرك تدينًا وبقتل الموؤدة تدينًا وبالزنا تدينًا فبين تعالى أن المراد لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يجتنب تلك الكبائر، وأجاب الحسن بأن المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال تعالى: وعباد الرحمن الذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر، وأنتم تدعون ولا يقتلون وأنتم تقتلون الموؤدة ولا يزنون وأنتم تزنون، ولما أتم تعالى: تهديد الفجار على هذه الأوزار أتبعه ترغيب الأبرار إلى العزيز الغفار بقوله تعالى:
﴿إلا من تاب﴾ أي: رجع عن كل شيء كان فيه من هذه النقائص ﴿وآمن﴾ أي: أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدونه وهو الإيمان وأكد رجوعه بقوله تعالى: ﴿وعمل عملًا صالحًا﴾ أي: مؤسسًا على أساس الإيمان، فإن قيل: العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح يستغني عنه؟ أجيب: بأنهما أفردا بالذكر لعلو شأنهما.
تنبيه: اختلف في هذا الاستثناء على وجهين؛ أحدهما: أنه استثناء متصل وهو ما دل عليه كلام الجمهور لأنه من الجنس، والثاني: أنه منقطع ورجحه أبو حيان معللًا بأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب، فيصير التقدير إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف بخلافه في المنقطع، فإن التقدير لكن من تاب إلى آخره، فلا يلقى عذابًا البتة، ووجه كلام الجمهور بأن ما ذكر ليس بلازم إذ المقصود الإخبار بأن من فعل كذا فإنه يحل به ما ذكر إلا أن يتوب وأما إصابة أصل العذاب وعدمه فلا تعرض في الآية له، ثم زاد تعالى في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطًا للجزاء بالشرط دليلًا على أنه سببه، فقال تعالى: ﴿فأولئك﴾ أي: العالو المنزلة ﴿يبدل الله﴾ أي: الذي له العظمة والكبرياء ﴿سيئاتهم حسنات﴾ قال ابن عباس ومجاهد: هذا التبديل في الدنيا فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانًا وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا إحصانًا وعفة، فكأنه تعالى يبشرهم بتوفيقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب.
وقال الزجاج: إن السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب مع التوبة حسنة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات، وقال سعيد بن المسيب ومكحول: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية وهذا هو ظاهر الآية ويدل له ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال له اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فيعر ض عليه صغارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم فلا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له: إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول: يا رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا، قال أبو هريرة: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه» ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق أزلًا وأبدًا ﴿غفورًا﴾ أي: ستور الذنوب كل من تاب بهذا الشرط ﴿رحيمًا﴾ به بأن يعامله بالإكرام كما
[ ٢ / ٦٧٥ ]
يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة.
روى البخاري عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك ولما نزل صدرها قال أهل مكة: قد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش فأنزل الله إلا من تاب إلى رحيمًا. روى البخاري في التفسير أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمد ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية ونزل ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (الزمر، ٥٣)
:
﴿ومن تاب﴾ أي: عن ذنوبه غير ما ذكر ﴿وعمل﴾ تصديقًا لادعائه التوبة ﴿صالحًا﴾ ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفًا ورغب سبحانه في ذلك بقوله تعالى معلمًا أنه يصل إلى الله ﴿فإنه يتوب﴾ أي: يرجع واصلًا ﴿إلى الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال فهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ﴿متابًا﴾ أي: رجوعًا مرضيًا عند الله بأن يرغبه الله تعالى في الأعمال الصالحة فلا يزال كل يوم في زيادة بنيته وعمله فيخف عليه ما كان ثقيلًا ويتيسر عليه ما كان عسيرًا، ويسهل عليه ما كان صعبًا كما مرّ في أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها بأن يوفقه للخير فلا يسمع إلا ما يرضيه وهكذا، ولما وصف ﷾ عباده بأنهم تحلوا بأصول الفضائل وتخلوا عن أمهات الرذائل ورغب في التوبة؛ لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص مدحهم بصفة أخرى وهي الصفة المذكورة في قوله تعالى:
﴿والذين لا يشهدون﴾ أي: لا يحضرون ﴿الزور﴾ أي: القول المنحرف عن الصدق كذبًا كان أو مقاربًا له فضلًا عن أن يتفوهوا به للخبر فلا يسمعوا أو يقروا عليه في مواعظ عيسى بن مريم ﵇ إياكم ومجالسة الخطائين ويحتمل أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعن قتادة مجالس الباطل وعن ابن الحنفية اللهو والغناء، وعن مجاهد أعياد المشركين، ثم عطف عليه بما هو أعم منه بقوله تعالى: ﴿وإذا مروا باللغو﴾ أي: الذي ينبغي أن يطرح من الكلام القبيح وغيره ﴿مروا كرامًا﴾ أي: آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر إن تعلق بهم أمر أو نهي إشارة أو عبارة على حسب ما يرون نافعًا، فإن لم يتعلق بهم ذلك كانوا معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه لقوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ (القصص، ٥٥)، ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما ما يستهجن التصريح به، وعن الحسن لم تشقهم المعاصي، وقيل: إذا سمعوا من الكفار الأذى أعرضوا عنه، ثم ذكر الصفة الثامنة بقوله تعالى:
﴿والذين إذا ذكروا﴾ أي: ذكرهم غيرهم كائنًا من كان لأنهم يعرفون الحق بنفسه لا بقائله ﴿بآيات ربهم﴾ أي: الذي وفقهم ليذكر إحسانه إليهم في حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة ﴿لم يخرّوا﴾ أي: لم يسقطوا ﴿عليها صمًا﴾ أي: غير واعين لها ﴿وعميانًا﴾ أي: غير متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر كأبي جهل والأخنس بن شريق بل خروا سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال وهي: صمًا وعميانًا دون
[ ٢ / ٦٧٦ ]
الفعل وهو الخرور، فالمراد نفي القيد دون المقيد كما تقول: لا يلقاني زيد مسلمًا هو نفي للسلام لا للقاء، الصفة التاسعة المذكورة في قوله تعالى:
﴿والذين يقولون﴾ أي: علمًا منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا﴾ اللاتي قرنتهن بنا كما فعلت بنبيك محمد ﷺ فمدحت أزواجه في كلامك القديم، وجعلت مدحهن يتلى على تعاقب الأزمان والسنين ﴿وذرياتنا قرة أعين﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك ولا شيء أسر للمؤمن من أن يرى حبيبه يطيع الله تعالى، وعن محمد بن كعب ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده يطيعون الله، وعن ابن عباس هو الولد إذا رآه يكتب الفقه وخصوا الأزواج والذرية بذلك؛ لأن الأقربين أولى بالمعروف.
تنبيه: من في قوله تعالى من أزواجنا يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل: هب لنا قرة أعين، ثم بينت القرة وفسرت بقوله: من أزواجنا وذرياتنا، ومعناه أن اجعلهم لهم قرة أعين وهو من قولهم رأيت منك أسدًا أي: أنت أسد، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وإصلاح وأتوا بجمع القلة في أعين؛ لأن المتقين الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها قليلون في جنب العاصين، وقيل: سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم ووحد القرّة لأنها مصدر، وأصلها من البرد لأن العرب تتأذى من الحر وتتروح إلى البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة العين عند الحزن ويقال: دمع العين عند السرور بارد وعند الحزن حار، وقال الأزهري: معنى قرة العين أن يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه عن النظر إلى غيره، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بألف بعد الياء على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ أي: أئمة يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كقوله تعالى: ﴿ثم يخرجكم طفلًا﴾ (غافر، ٦٧)
أو أرادوا واجعل كل واحد منا أو أرادوا جمع آم كصائم وصيام أو أرادوا اجعلنا إمامًا واحدًا لاتحادنا واتفاق كلمتنا، وعن بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يحسن أن تطلب ويرغب فيها، وقال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي المتقون بنا، وقيل: هذا من المقلوب، أي: واجعل المتقين لنا إمامًا واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد، وقيل: نزلت هذه الآية في العشرة المبشرين بالجنة، ولما بين تعالى صفات المتقين المخلصين بين بعده إحسانه إليهم بقوله تعالى:
﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة العظيمة العظيمو المنزلة ﴿يجزون﴾ أي: فضلًا من الله تعالى على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية والأحوال الصافية ﴿الغرفة﴾ أي: الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصارًا على الواحد الدال على الجنس والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وهم في الغرفات آمنون﴾ (سبأ، ٣٧)، وقيل: هي من أسماء الجنة، ولما كانت القرب في غاية التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن رغب فيها بأن جعلها سببًا لهذا الجزاء بقوله تعالى: ﴿بما صبروا﴾ أي: أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وغير ذلك من معالي خلالهم، ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة.
قال تعالى ﴿ويلقون فيها﴾ أي: الغرفة ﴿تحية﴾ أي: دعاء
[ ٢ / ٦٧٧ ]
الحياة من بعضهم لبعض ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ولا يمترى في إخبارهم، لأنهم عن الله تعالى ينطقون وذلك على وجه الإعظام والإكرام مكان ما أهانهم عباد الشيطان وقيل: ملكًا وقيل: بقاءً دائمًا ﴿وسلامًا﴾ أي: من الله والملائكة وغيرهم وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب: اللهم وفقنا لطاعتك واجعلنا من أهل رحمتك وارزقنا مما رزقتهم في دار رضوانك يا أرحم الراحمين، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من لقي كما قال تعالى: ﴿فسوف يلقون غيًا﴾ (مريم، ٥٩)، والباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف أي: يجعلهم الله تعالى لاقين بأيسر أمر كما قال تعالى ﴿ولقاهم نضرة وسرورًا﴾ (الإنسان، ١١)
﴿خالدين فيها﴾ أي: الغرفة لا يموتون ولا يخرجون مكان ما أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا ودلَّ على علو أمرها وعظيم قدرها بإبراز مدحها في مظهر التعجب بقوله تعالى: ﴿حسنت﴾ أي: ما أحسنها ﴿مستقرًا﴾ أي: موضع استقرار ﴿ومقامًا﴾ أي: موضع إقامة وهذا مقابل ساءت ومثله في الإعراب، ولما شرح ﷾ صفات المتقين وأثنى عليهم من أجلها وشرح ثوابهم أمر رسوله ﷺ بقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: لكفار مكة ﴿ما يعبأ﴾ أي: ما يصنع ﴿بكم﴾ أيها الكافرون من عبأت الجيش أو لا يعتد بكم ﴿ربي﴾ أي: المحسن إليّ وإليكم برحمانيته المخصص لي بالإحسان برحيميته وإنما خص بالإضافة لاعترافه دونهم ﴿لولا دعاؤكم﴾ أي: عبادتكم وما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر كأنه قيل: وأي عبء يعبأ بكم لولا عبادتكم وطاعتكم إياه كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات، ٥٦)
﴿فقد كذبتم﴾ بما أخبرتكم به حيث خالفتموه وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد، وقال قوم: ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة وما يفعل بعذابكم لولا شرككم كما قال تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ لولا دعاؤكم أي: نداؤكم في الشدائد كما قال تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (العنكبوت، ٦٥)، وقوله تعالى: ﴿فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون﴾ (الأنعام، ٤٢)
ويجوز أن تكون ما نافية وجرى على ذلك الجلال المحلي ﴿فسوف﴾ أي: فتسبب عن تكذيبهم أن يجازيكم على ذلك ولكنه مع قدرته واختياره وقوته لا يعاجلكم بل ﴿يكون﴾ جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال ﴿لزامًا﴾ أي: لازمًا يحيق بكم لا محالة، فاعتدوا وتهيؤوا لذلك اليوم فكل آت قريب وكل بعيد عنكم قريب عنده، وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وإنه لوزم بين القتلى لزامًا قتل منهم تسعون وأسر منهم سبعون، وعن ابن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام، وما رواه البيضاوي تبعًا للزمخشري عن رسول الله ﷺ من أن «من قرأ سورة الفرقان لقي الله وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير حساب» حديث موضوع والله أعلم.
[ ٢ / ٦٧٨ ]