مكية
وهي خمس أو ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف
﴿بسم الله﴾ الملك الواحد القهار ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ برحمته الأبرار والفجار ﴿الرحيم﴾ الذي خص أصفياءه بما يوصلهم إلى دار القرار.
ولما ختمت المزمّل بالبشارة لأرباب البصارة بعد ما بدئت بالاجتهاد في الخدمة المهيء للقيام بأعباء الدعوة افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي النذارة فقال تعالى:
﴿س٧٤ش١/ش٧ يَا؟أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَتَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾
﴿يا أيها المدثر﴾ روي عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أوّل ما نزل من القرآن قال: ﴿يا أيها المدثر﴾ . قلت يقولون ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ (العلق: ١)
قال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ذلك الذي قلت، فقال لي جابر: لا أحدثك إلا مثل ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت عن خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماءً باردًا»، قال: فنزل ﴿يا أيها المدثر﴾ الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة، وفي رواية «فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه»، وفيه: فإذا قاعد على عرش في الهواء - يعني جبريل ﵇ فأخذتني رجفة شديدة» وعن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
[ ٤ / ٤٢٤ ]
وسلم يحدّث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه: «فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاء لي بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض فَجُئِثْتُ منه رعبًا، فقلت: زملوني زملوني فدثروني، فأنزل الله ﷿: ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله: ﴿فاهجر﴾ وفي رواية: «فَجُئِثْتُ منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي» وذكره ثم حمي الوحي وتتابع.
فإن قيل: إنّ هذا الحديث دال على أنّ سورة المدثر أوّل ما نزل، ويعارضه حديث عائشة المخرج في الصحيحين في بدء الوحي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وفيه: «فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾ (العلق: ١ - ٥)
فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده» الحديث؟ أجيب: بأنّ الذي عليه العلماء أنّ أوّل ما نزل من القرآن على الإطلاق ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ كما صرّح به في حديث عائشة. ومن قال: إنّ سورة المدثر أوّل ما نزل من القرآن فضعيف، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرّح به في رواية الزهريّ عن أبي سلمة عن جابر، ويدل عليه ما في الحديث وهو يحدّث عن فترة الوحي إلى أن قال: «وأنزل الله تعالى ﴿يا أيها المدثر﴾»، ويدل عليه قوله أيضًا: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء» .
وحاصله: أنّ أوّل ما نزل من القرآن على رسول الله ﷺ سورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وأنّ أوّل ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر، وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين.
قوله: «فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض» يريد به السرير الذي يجلس عليه. وقوله: «يحدّث عن فترة الوحي» أي: عن احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول وقوله: «فَجُئِثْتُ منه» روي بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير، وروي بثاءين مثلثتين بعد الجيم ومعناها فرعبت منه وفزعت، وقوله: «حمي الوحي وتتابع» أي: كثر نزوله وازداد بعد فترته من قولهم: حميت الشمس والنار إذا ازداد حرّها. وقوله: «وصبوا عليّ ماءً باردًا» فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصبّ عليه الماء ليسكن فزعه.
وأصل المدّثر المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفئ بها، وأجمعوا على أنه رسول الله ﷺ وإنما سمي مدّثرًا لوجوه:
أحدها: قوله ﷺ «دثروني» .
وثانيها: أنه ﷺ كان نائمًا متدثرًا بثيابه فجاءه جبريل ﵇ وأيقظه ﷺ وقال: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ أي: حذر الناس من العذاب إن لم يؤمنوا، والمعنى: قم من مضجعك واترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله ﷿ له.
وثالثها: أنّ الوليد بن المغيرة وأبا جهل وأبا لهب والنضر بن الحارث اجتمعوا وقالوا: إنّ وفود العرب يجتمعون في أيام الحج وهم يسألون عن أمر محمد وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون وقائل ساحر وقائل كاهن، وتعلم العرب أنّ هذا كله لا يجتمع في رجل واحد فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة سموا محمدًا باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه العرب به، فقام رجل منهم فقال: إنه شاعر، فلما سمع ﷺ ذلك اشتدّ عليه ورجع إلى بيته محزونًا فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ .
وقيل: إنه ليس المراد التدثر بالثياب وعلى هذا ففيه وجوه أيضًا:
أحدها: قال عكرمة: المعنى: يا أيها المدّثر بالنبوّة والرسالة من قولهم ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم. قال ابن العربي:
[ ٤ / ٤٢٥ ]
وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبيًا بعد أي: على القول بأنها أوّل سورة نزلت وأمّا على أنها نزلت بعد فترة الوحي فليس ببعيد.
وثانيها: أنّ المدّثر بالثوب يكون كالمختفي فيه، وهو ﷺ كان في جبل حراء كالمختفي من الناس فكأنه قال: يا أيها المدّثر بدثار الاختفاء قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق والدعوة إلى معرفة الحق.
وثالثها: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين فكأنه قيل له: يا أيها المدّثر بأثواب العلم العظيم والخلق الكريم والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك، وعلى كلا القولين في ندائه ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته ولم يقل: يا محمد.
﴿وربك﴾ أي: خاصة ﴿فكبر﴾ أي: عظمه عما يقول عبدة الأوثان وصفه بأنه أكبر من أن تكون له صاحبة أو ولد، وفي الحديث أنهم قالوا بم تفتتح الصلاة؟ فنزل ﴿وربك فكبر﴾ أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه يرادفه تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأنداد والأصنام دونه ولا يتخذ وليًا غيره ولا يعبد سواه.
وروي أنّ أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هبل وهو اسم صنم كان لهم فقال النبي ﷺ قولوا الله أعلى وأجل، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذانًا وصلاة وذكرًا يقول: الله أكبر، وحمل عليه لفظ النبيّ ﷺ الوارد على الإطلاق مواردها منها قوله: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعزمه. ومن موارده أوقات الإهلال بالله تعالى تخليصًا له من الشرك وإعلامًا باسمه بالنسك وإفرادًا لما شرع من أمره بالنسك، والمنقول عن النبيّ ﷺ في التكبير في الصلاة هو لفظ الله أكبر.
وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى ﴿وربك فكبر﴾ قام النبيّ ﷺ وقال: «الله أكبر» فكبرت خديجة رضي الله تعالى عنها وفرحت وعلمت أنه وحي من الله تعالى» ذكره القشيري، وقال مقاتل: هو أن يقال الله أكبر وقيل: المراد منه التكبير في الصلاة، واستشكل ذلك على القول بأنها أوّل سورة نزلت، فإنّ الصلاة لم تكن فرضت. وأجيب: بأنه يحتمل أنه ﷺ كان له صلوات تطوّع فأمر أن يكبر فيها.
تنبيه: دخلت الفاء في قوله تعالى ﴿فكبر﴾ وفيما بعده لإفادة معنى الشرط كأنه قيل: وما يكن فكبر ربك أو للدلالة على أنّ المقصود الأوّل من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه، فإنّ أوّل ما يجب معرفة الصانع، وأوّل ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه والقوم كانوا مقرّين به.
﴿وثيابك فطهر﴾ أي: من النجاسات لأنّ طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة لا تصح إلا بها وهي الأولى والأحبّ في غير الصلاة، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثًا. قال الرازي: إذا حملنا التطهير على حقيقته ففي الآية ثلاث احتمالات:
الأوّل: قال الشافعي: المقصود من الآية الإعلام بأنّ الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس.
وثانيها: روي أنهم ألقوا على رسول الله ﷺ سلاء شاة فشق عليه، فرجع إلى بيته حزينًا وتدثر في ثيابه ﷺ فقيل: ﴿يا أيها المدّثر قم فأنذر﴾ ولا تمنعك تلك الشناعة عن الإنذار ﴿وربك فكبر﴾ على أن لا يتنقم منهم ﴿وثيابك فطهر﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات.
وثالثها: قال عبد الرحمن بن زيد بن
[ ٤ / ٤٢٦ ]
أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى أن يصون ثيابه عنها.
وقيل: هو أمر بتقصيرها ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول، وذلك مما لا يؤمن معه إصابة النجاسة. قال ﷺ «إزار المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار» فجعل ﷺ الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعد على ما تحته بالنار، فما بالُ رجال يرسلون أذيالهم ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر وقال ﷺ «لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء» وفي رواية «من جرّ إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله إنّ أحد شقي إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله ﷺ «لست ممن يصنعه خيلاء» .
وقيل: هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال، ويستهجن من العادات. يقال فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب والذيل إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق، وفلان دنس الثياب للغادر وذلك لأنّ الثوب يلابس الإنسان ويشتمل عليه فكني به عنه ألا ترى إلى قولهم: أعجبني زيد ثوبه كما تقول: أعجبني زيد عقله وخلقه، ويقولون: المجد في ثوبه والكرم تحت حلته، ولأنّ الغالب أنّ من طهر باطنه ونقاه عني بتطهير الظاهر وتنقيته، وأبى إلا اجتناب الخبيث وإيثار الطهر في كل شيء. وقال عكرمة: سئل ابن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ فقال: لا تلبسها على معصية ولا على غدر ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:
*وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من عنده أتقنع*
والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء طاهر الثياب، ويقولون لمن غدر إنه لدنس الثياب. وقال أبيّ بن كعب: لا تلبسها على غدر ولا على ظلم ولا على إثم البسها وأنت برّ طاهر. وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال مجاهد وابن زيد: وعملك فأصلح. وروى منصور عن أبي رزين قال: يقول: وعملك أصلح. قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا: إنّ فلانًا نجس الثياب. ومنه قوله ﷺ «يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات عليهما يعني عمله الصالح والطالح» ذكره الماوردي. وقيل: المراد بالثياب الأهل أي: طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب والعرب تسمي الأهل ثوبًا ولباسًا وإزارًا. قال تعالى: ﴿هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ﴾ (البقرة: ١٨٧)
وقيل: المراد به الدين أي: ودينك فطهر جاء في الصحيح أنه ﵊ قال: «رأيت الناس وعليهم ثياب منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرّه قالوا: يا رسول الله، فما أولت ذلك؟ قال: الدين» .
وقوله تعالى: ﴿والرجز﴾ فسره النبيّ ﷺ بالأوثان ﴿فاهجر﴾ أي: دم على هجره. وقيل: الزاي فيه منقلبة من السين والعرب تعاقب بين السين والزاي لقرب مخرجيهما دليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (الحج: ٣٠)
وروي عن ابن عباس أنّ معناه: اترك المآثم، وقرأ حفص بضم الراء والباقون بكسرها، وهما لغتان ومعناهما واحد، وقال أبو العالية: الرجز بضم الراء الصنم
[ ٤ / ٤٢٧ ]
وبالكسر النجاسة والمعصية، وقال الضحاك: يعني الشرك. وقال الكلبي: يعني العذاب. قال البغويّ: ومجاز الآية اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال.
وقوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ مرفوع منصوب المحل على الحال أي: لا تعط مستكثرًا رائيًا لما تعطيه كثيرًا واجعله خالصًا لله تعالى ولا تطلب عوضًا أصلًا، ومعنى تستكثر أي: طالبًا للكثرة كارهًا أن ينقص المال بسبب العطاء، فيكون الاستكثار هنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ليكون عطاؤه ﷺ خاليًا عن انتظار العوض والتفات النفس إليه. وقيل: لا تعط شيئًا طالبًا للكثير نهى عن الاستقرار وهو أن يهب شيئًا وهو يطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب وهذا جائز ومنه الحديث: «المستكثر يثاب من هبته» وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون نهيًا خاصًا برسول الله ﷺ وهو ظاهر الآية؛ لأنّ الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق والثاني: أنه نهي تنزيه لا تحريم له ولأمّته. وقيل: إنه تعالى لما أمره بأربعة أشياء: إنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجر الرجز.
ثم قال: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ أي: لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله ﴿ولربك فاصبر﴾ أي: على الأوامر والنواهي متقرّبًا بذلك إليه غير ممتن به عليه. وقال الحسن: بحسناتك تستكثرها. وقال ابن عباس: ولا تعط عطية ملتمسًا بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثرًا بذلك الإنعام، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر الله ﵎ فلا منة لك به عليهم.
ولهذا قال تعالى: ﴿ولربك فاصبر﴾ وقيل: لا تمنن عليهم بنبوّتك لتستكثر أي: لا تأخذ منهم أجرًا على ذلك تستكثر به مالك، وقال مجاهد والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله تعالى به عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله تعالى عليك إذ جعل لك الله تعالى سبيلًا إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس.
ولما ذكر تعالى ما يتعلق بإرشاد النبيّ ﷺ ذكر بعده وعيد الأشقياء بقوله تعالى:
﴿س٧٤ش٨/ش١٧ فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ * فَذَالِكَ يَوْمَـ؟ـ؟ِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ * ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ؟ مَا؟ مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ؟ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَ؟؟ إِنَّهُ؟ كَانَ؟يَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ؟ صَعُودًا﴾
﴿فإذا نقر﴾ أي: نفخ ﴿في الناقور﴾ أي: في الصور وهو القرن النفخة الثانية فاعول من النقر أي: من التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت والفاء للسببية كأنه قال تعالى: اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك وأعداؤك عاقبة ضرهم.
وإذا ظرف لما دل عليه قوله تعالى: ﴿فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين﴾ لأنّ معناه: عسر الأمر على الكافرين وذلك إشارة إلى وقت النقر وهو مبتدأ خبره يوم عسير ويومئذ بدل أو ظرف لخبره إذ التقدير فذلك الوقت وقوع يوم عسير وقرأ على الكافرين وأصحاب النار أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح.
ولما كان العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من بعض الجهات أو يعالج فيرجع يسيرًا بين أنه ليس كذلك بقوله تعالى: ﴿غير يسير﴾ فجمع فيه بين إثبات الشيء ونفي ضدّه تحقيقًا لأمره ودفعًا للمجاز عنه، وتقييده بالكافرين يشعر بيسره على المؤمنين فإنهم لا يناقشون الحساب ويحشرون بيض الوجوه ثقال الموازين. قال الرازي: ويحتمل أنه عسير على المؤمنين والكافرين إلا أنه على
[ ٤ / ٤٢٨ ]
الكافرين أشد.
تنبيه: قال الحليمي: سمي الصور باسمين فإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان فإنّ نفخة الإصعاق بخلاف نفخة الإحياء.
وجاء في الأخبار أنّ في الصور ثقبًا بعدد الأرواح كلها وأنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية فتخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزعت منه فيعود الجسد حيًا بإذن الله تعالى.
﴿ذرني﴾ أي: اتركني على أي حالة اتفقت ﴿ومن خلقت﴾ معطوف على المفعول أو مفعول معه.
وقوله تعالى: ﴿وحيدًا﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه حال من الياء في ذرني أي: ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه، الثاني: أنه حال من التاء في خلقت أي: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه، الثالث: أنه حال من عائد المحذوف أي: خلقته وحيدًا، فوحيدًا على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف أي: خلقته في بطن أمّه وحيدًا لا مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته، قاله مجاهد. الرابع: أن ينتصب على الذم لأنه يقال: إنّ وحيدًا كان لقبًا للوليد بن المغيرة المخزومي ومعنى وحيدًا: ذليلًا قيل: إنه كان يزعم أنه وحيد في فضله وماله وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأنّ هذا اللقب له شهرة به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به وإذا كان لقبًا تعين نصبه على الذم. قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير.
قال الرازي: وردّ هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه تلك بأنه وحيد لا نظير له ذكره الواحدي وهو ضعيف من وجوه ثلاثة: لأنه قد يكون الوحيد علمًا فيزول السؤال لأنّ اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة. الثاني: أن يكون ذلك بحسب ظنه واعتقاده كقوله ﷿ ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان: ٤٩)
. الثالث: أنه وحيد في كفره وعناده وخبثه لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف. الرابع: قال أبو سعيد: الوحيد الذي لا أب له كما تقدم في الزنيم.
﴿وجعلت له﴾ أي: بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا بحول منه ولا قوة بدليل أن غيره أقوى منه بدنًا وقلبًا وأوسع فكرًا وعقلًا وهو دونه في ذلك ﴿مالًا ممدودًا﴾ أي: مالًا واسعًا كثيرًا. قال ابن عباس: هو ما كان للوليد بمكة والطائف من الإبل والبقر والغنم والحجور والجنان والعبيد والجواري، واختلفوا في مبلغه فقال مجاهد وسعيد بن جبير: ألف دينار. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري: مرة أربعة آلاف دينار ومرة ألف ألف دينار وقال ابن عباس: تسعة آلاف مثقال فضة وقال الرازي: الممدود هو الذي يكون له مدد يأتي منه الجزء بعد الجزء دائمًا ولذلك فسره عمر غلة شهر بشهر. وقال النعمان: الممدود بالزيادة كالزروع والضروع وأنواع التجارات وقال مقاتل: كان له بستان بالطائف لاتنقطع ثماره شتاء ولا صيفًا.
﴿وبنين﴾ أي: وجعلت له بنين ﴿شهودًا﴾ أي: حضورًا معه لغناهم عن الأسفار بكثرة المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور بتمام العقل وقوة الحذق، فهم في غاية المعرفة ومع ذلك فهم أعيان المجالس وصدور المحافل كأنه لا شاهد به غيرهم. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقال السدي والضحاك: كانوا اثني عشر رجلًا، وعن الضحاك سبعة ولدوا بمكة وخمسة بالطائف. وقال مقاتل: كانوا سبعة ولعله اقتصر على من ولد بمكة وعلى كل قول أسلم منهم ثلاثة خالد الذي
[ ٤ / ٤٢٩ ]
منّ الله تعالى على المسلمين بإسلامه فكان سيف الله وسيف رسوله ﷺ وهشام وعمارة.
﴿ومهدت﴾ أي: بسطت ﴿له﴾ العيش والعمر والولد، والتمهيد عند العرب التوطئة والتهيئة ومنه مهد الصبي. وقال ابن عباس: أي: وسعت له ما بين اليمن إلى الشام وعن مجاهد أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش فلم يرع هذه النعمة العظيمة.l
وقوله تعالى ﴿تمهيدًا﴾ تأكيد.
﴿ثم﴾ أي: بعد الأمر العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسول الله ﷺ ﴿يطمع﴾ أي: بغير سبب يدلي به مما جعلناه سبب المزيد من الشكر ﴿أن أزيد﴾ أي: فيما آتيته في دنياه أو في آخرته وهو يكذب رسولنا ﷺ وقال الحسن: ثم يطمع أن أحله الجنة.
وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقًا فما خلقت الجنة إلا لي، فقال الله تعالى ردًّا عليه وتكذيبًا له ﴿كلا﴾ أي: وعزتنا وجلالنا لا تكون له زيادة على ذلك أصلًا، وأمّا النقصان فسيرى إن استمرّ على تكذيبه فليرتدع عن هذا الطمع ولينزجر وليرتجع، فإنه حمق محض وزخرف بحت وغرور صرف، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك فقيرًا.
تنبيه: كلا قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة فيكون متصلًا بالكلام الأوّل وقيل: كلا بمعنى حقًا.
ويبتدأ بقوله تعالى ﴿إنه﴾ أي: هذا الموصوف ﴿كان﴾ أي: بخلق كأنه جبلة له وطبع لا يقدر على الانفكاك عنه ﴿لآياتنا﴾ على ما لها من العظمة خاصة لكونها هادية إلى الوحدانية لا إلى غيرها من الشبه القائدة إلى الشرك ﴿عنيدًا﴾ قال قتادة: أي: جاحدًا. وقال مقاتل: معرضًا. وقال مجاهد: إنه المجانب للحق. وجمع العنيد عند، مثل رغيف ورغف والعنيد بمعنى المعاند، والعناد كما قال الملوي من كبر في النفس ويبس في الطبع وشراسة في الأخلاق أو خبل في العقل، وقد جمع ذلك كله إبليس لعنه الله تعالى لأنه خلق من نار وهي من طبعها اليبوسة وعدم الطواعية.
تنبيه: في الآية إشارة إلى أنّ الوليد كان معاندًا في أمور كثيرة منها أنه كان يعاند في دلائل التوحيد وصحة النبوّة وصحة البعث، ومنها أنّ كفره كان عنادًا لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه. وكفر العناد أفحش أنواع الكفر، ومنها أنّ قوله تعالى كان يدل على أنّ هذه حرفته من قديم الزمان.
﴿سأرهقه﴾ أي: أكلفه ﴿صعودًا﴾ أي: مشقة من العذاب لا راحة له فيها. وروى الترمذي عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ «أنه جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفًا ثم يهوي» وفي رواية أنه «كلما وضع يده في معالجة الصعود ذابت فإذا رفعها عادت وكذا رجله» وقال الكلبي: إنه صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها يجذب من أمامه بسلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها في أربعين عامًا فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها فذلك دأبه أبدًا.
﴿س٧٤ش١٨/ش٣٠ إِنَّهُ؟ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَاذَآ إِ s سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَاذَآ إِ s قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَآ أَدْرَ؟ـاكَ مَا سَقَرُ * تُبْقِى وَتَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾
أي: هذا العنيد ﴿فكر﴾ أي: ردّد فكره وأداره تابعًا لهواه لأجل الوقوع على شيء يطعن به في القرآن أو النبيّ ﷺ ﴿وقدّر﴾ أي: أوقع تقدير الأمور التي يطعن بها وقاسها في نفسه لعلمه أنها أقرب إلى القبول وذلك أنّ الله تعالى لما أنزل على النبيّ ﷺ ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿المصير﴾ (غافر: ٢ - ٣)
قام النبيّ ﷺ في المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبيّ
[ ٤ / ٤٣٠ ]
ﷺ لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينًا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينًا يا ابن أخي؟ قال: وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد وأنك داخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة تسأل من فضل طعامهم فغضب الوليد وقال: ألم تعلم أني من أكثرهم مالًا وولدًا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل، ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أنّ محمدًا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهمّ لا، قال: تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط تكهن؟ فقالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط؟ قالوا: اللهمّ لا. قال: تزعمون أنه كذاب فهل جرّبتم عليه شيئًا من الكذب؟ قالوا: اللهمّ لا. وكان رسول الله ﷺ يسمى الأمين قبل النبوّة من صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه وقدّر ما أسرّ» .
قال الله تعالى: ﴿فقتل﴾ أي: هلك وطرد ولعن في دنياه هذه ﴿كيف قدر﴾ أي: على أي: كيفية أوقع تقديره هذا.
﴿ثم قتل﴾ أي: هلك ولعن هذا العنيد هلاكًا ولعنًا هو في غاية العظمة فيما بعد الموت في البرزخ والقيامة. ﴿كيف قدر﴾ فثم للدلالة على أنّ الثانية أبلغ من الأولى ونحوه قوله:
*ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي*
ومعنى قول القائل قتله الله ما أشجعه وأخزاه الله ما أشعره للإشعار بأنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك. وأما ثم المتوسطة بين الأفعال التي بعدها فهي للدلالة على أنه تأنى في التأمل وتمهل وكان بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد.
وقوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾ عطف على فكر وقدر والدعاء اعتراض بينهما والنظر إما في وجوه قومه وإما فيما يقدح به في القرآن.
﴿ثم عبس﴾ أي: قبض وجهه وكلحه ونظر مع تقبض جلد وما بين العينين بكراهة شديدة كالمهتم للتفكر في شيء وهو لا يجد فيه فرجًا لأنه ضاقت عليه الحيل لكونه لم يجد فيما جاء به النبي ﷺ مطعنًا. وقيل: عبس وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش: إن محمدًا ساحر مرّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام فعبس في وجوههم. وقيل: عبس على النبي ﷺ حين دعاه ﴿وبسر﴾ أي: زاد في القبض والكدح، يقال: وجه باسر، أي: منقبض أسود كالح متغير اللون قاله قتادة.
﴿ثم﴾ أي: بعد هذا التروي العظيم ﴿أدبر﴾ أي: عما أداه إليه فكره من الإيمان بسلامة المنظور فيه وعلوّه عن المطاعن فحاد عن وجوه الأفكار إلى أقفيتها ﴿واستكبر﴾ أي: أوجد الكبر عن الاعتراف بالحق إيجاد من هو في غاية الرغبة فيه.
﴿فقال﴾ أي: عقب ما جرّه إليه طبعه الخبيث من إيقاع الكبر على هذا الوجه لكونه رآه نافعًا لهم في الدنيا ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هذا﴾ أي: الذي أتى به محمد ﷺ ﴿إلا سحر﴾ أي: أمور تخييلية لا حقائق لها وهي لدقتها بحيث تخفى أسبابها، أما رأيتموه يفرّق
[ ٤ / ٤٣١ ]
بين الرجل وأهله وماله وولده ومواليه، فما هو إلا سحر ﴿يؤثر﴾ أي: من شأنه أن ينقله السامع عن غيره، فهو ينقله من مسيلمة وأهل بابل كما قال:
﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو﴾ أي: القرآن ﴿إلا قول البشر﴾ أي: ليس فيه شيء عن الله تعالى فلا يغتر أحد به ولا يعرج عليه فارتج النادي فرحًا، ثم تفرّقوا معجبين بقوله متعجبين منه قيل: وهذا شبيه بما قال بعضهم:
*لو قيل كم خمس وخمس لاغتدى يومًا وليلته يعدّ ويحسب*
*ويقول معضلة عجيب أمرها ولئن فهمت لها لأمري أعجب*
*خمس وخمس ستة أو سبعة قولان قالهما الخليل وثعلب
*
فكان قوله هذا سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم:
*احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان*
*كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان*
وقوله تعالى: ﴿سأصليه﴾ أي: أدخله ﴿سقر﴾ أي: جهنم بوعد لا بدّ منه عن قريب بدل من ﴿سأرهقه صعودًا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما سقر﴾ تعظيم لشأنها.
وقوله تعالى: ﴿لا تبقي ولا تذر﴾ بيان لذلك أو حال من سقر، والعامل فيها معنى التعظيم، والمعنى: لا تبقي شيئًا يلقى فيها إلا أهلكته، فإذا أهلكته لم تذره هالكًا حتى يعاد أو لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة، وسميت سقر من سقرته الشمس إذا أذابته، ولا تنصرف للتعريف والتأنيث. قال ابن عباس: سقر اسم للطبقة السادسة، فإنّ درك النار سبعة جهنم ولظى والحطمة والسعير والجحيم وسقر والهاوية.
﴿لوّاحة﴾ من لوح الهجير قال:
*تقول ما لاحك يا مسافر يا ابنة عمي لاحني الهواجر
﴿للبشر﴾ أي: محرقة لظاهر الجلد فتدعه أشدّ سوادًا من الليل قال تعالى: ﴿تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾ (المؤمنون: ١٠٤)
والبشر أعالي البشرة وهو جمع بشرة وجمع البشر أبشار. وعن الحسن: تلوح للناس كقوله تعالى: ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ (التكاثر: ٧)
وقيل: اللوح شدة العطش يقال: لاحه العطش ولوحه، أي: غيره. وقال الأخفش: والمعنى: أنها معطشة للبشر، أي: لأهلها وأنشد:
*سقتني على لوح من الماء شربة سقاها من الله الرهام النواديا*
يعني باللوح شدّة العطش والرّهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة، وأرهمت السحابة أتت بالرهام.
﴿عليها تسعة عشر﴾ أي: من الملائكة وهم خزنتها مالك ومعه ثمانية عشر، وقيل: التسعة عشر نقباء. وقال أكثر المفسرين: تسعة عشر ملكًا بأعيانهم. وقيل: تسعة عشر ألف ملك. قال ابن جريج: نعت النبيّ ﷺ خزنة جهنم فقال: «أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي، وأشعارهم تمس أقدامهم يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفًا فيرميهم حيث أراد من جهنم» . قال عمرو بن دينار: إنّ واحدًا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. قال ابن الأثير: الصياصي قرون البقر.
قال ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه الآية قال
[ ٤ / ٤٣٢ ]
أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمّهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبر أنّ خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم - يعني الشجعان - أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم؟ فقال أبو الأشد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهري وسبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين. وروي أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وسبعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي فندخل الجنة، فأنزل الله ﷿:
﴿وما جعلنا﴾ أي: لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من عمي قلبه ﴿أصحاب النار﴾ أي: خزنتها ﴿إلا ملائكة﴾ أي: لم نجعلهم رجالًا فتغالبوهم وإنما جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنسي الفريقين من الجنّ والإنس فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرحمة والرأفة ولأنهم أشدّ بأسًا وأقوى بطشًا فقوّتهم أعظم من قوّة الإنس والجنّ ولذلك جعل الرسول إلى البشر من جنسهم ليكون له رأفة ورحمة بهم.
فإن قيل: ثبت في الأخبار أنّ الملائكة مخلوقون من النور فكيف تطيق المكث في النار؟ أجيب: بأنّ الله تعالى قادر على كل الممكنات فكما أنه لا استبعاد في أنه يبقى الحي في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد في إبقاء الملائكة هناك من غير ألم.
﴿وما جعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿عدّتهم﴾ أي: مذكورة ومحصورة ﴿إلا فتنة﴾ أي: بلية ﴿للذين كفروا﴾ وقال ابن عباس ﵄: ضلالة وفتنة مفعول ثان على حذف مضاف أي: إلا سبب فتنة وللذين صفة الفتنة وليست فتنة مفعولًا له. وقول البيضاوي وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر تبعًا للزمخشري، قال أبو حيان: إنه تحريف لكتاب الله إذ زعم أنّ معنى إلا فتنة للذين كفروا إلا تسعة عشر وهذا لا يذهب إليه عاقل ولا من له أدنى ذكاء.
وقال الرازي: إنما صار هذا العدد سببًا لفتنة الكفار من وجهين: الأوّل: أنّ الكفار يستهزئون ويقولون لم لا يكونون عشرين، وما المقتضي لتخصيص هذا العدد. والثاني: أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر العالم من الجنّ والإنس من أوّل ما خلق الله إلى قيام الساعة؟
وأجيب: عن الأوّل بأنّ هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض، وعن الثاني بأنه لا يبعد أن الله تعالى يرزق ذلك العدد القليل قوّة تفي بذلك، فقد اقتلع جبريل ﵇ مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وأيضًا فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا ولا للعقل فيها مجال. وذكر أرباب المعاني في تقرير هذا العدد وجهين:
أحدهما: ما قاله أرباب الحكمة إنّ سبب فساد النفس الإنسانية في قوّتها النظرية والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية هي الخمسة الظاهرة والخمسة الباطنة والشهوة والغضب فهذه اثنا عشر، وأما القوى الطبيعية فهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فالمجموع تسعة عشر فلما كانت هذه منشآت لا جرم كان عدد الزبانية هكذا.
ثانيهما: أنّ أبواب جهنم سبعة فستة منها للكفار وواحد للفساق، ثم إن الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة فالمجموع ثمانية عشر، وأما باب الفساق
[ ٤ / ٤٣٣ ]
فليس هناك إلا ترك العمل فالمجموع تسعة عشر مشغولة بغير العبادة فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر.
وقوله تعالى: ﴿ليستيقن الذين﴾ متعلق بجعلنا لا بفتنة. وقيل: بفعل مضمر أي: فعلنا ذلك ليستيقن الذين ﴿أوتوا الكتاب﴾ أي: أعطوا التوراة والإنجيل، فإنه مكتوب فيهما إنه تسعة عشر، فذلك موافقة لما عندهم ﴿ويزداد الذين آمنوا﴾ أي: من أهل الكتاب ﴿إيمانًا﴾ أي: تصديقًا لموافقة النبيّ ﷺ لما في كتبهم ﴿ولا يرتاب﴾ أي: يشك ﴿الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون﴾ في عددهم.
فإن قيل: قد أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وزيادة الإيمان للمؤمنين فما فائدة ﴿ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون﴾؟ أجيب: بأنّ الإنسان إذا اجتهد في أمر غامض دقيق الحجة كثير الشبه، فحصل له اليقين فربما غفل عن مقدّمة من مقدّمات ذلك الدليل الدقيق فيعود الشك فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، ففائدة هذه الجملة نفي ذلك الشك، وإنه حصل لهم يقين جازم لا يحصل عقبه شك البتة.
﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض﴾ أي شك ونفاق وإن قل ونزول هذه السورة قبل وجود المنافقين فهو علم من أعلام النبوّة فإنه إخبار بمكة عما سيكون بالمدينة بعد الهجرة ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور علة إصلاح ناس وفساد آخرين؛ لأنه لا يسأل عما يفعل على أن العلة قد تكون مقصودة لشيء بالقصد الأوّل ثم يترتب عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول خرجت من البلد لمخافة الشر ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض.
﴿والكافرون﴾ أي: ويقول الراسخون في الكفر الجازمون بالتكذيب الساترون لما دلت عليه الأدلة من الحق ﴿ماذا﴾ أي: أي شيء ﴿أراد الله﴾ أي: الملك الذي له جميع العظمة ﴿بهذا﴾ أي: العدد القليل في جنب عظمته ﴿مثلًا﴾ قال الجلال المحلي: سموه لغرابته بذلك، وأعرب حالًا. وقال الليث: المثل الحديث ومنه ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ (الرعد: ٣٥)
أي: حديثها والخبر عنها. وقال الرازي: إنما سموه مثلًا لأنه لما كان هذا العدد عددًا عجيبًا ظنّ القوم أنه ربما لم يكن مراد الله تعالى منه ما أشعر به ظاهره، بل جعله مثلًا لشيء آخر وتنبيهًا على مقصود آخر لا جرم سموه مثلًا على سبيل الاستعارة لأنهم لما استغربوه ظنوا أنه ضرب مثلًا لغيره، ومثلًا تمييز أو حال وتسمية هذا مثلًا على سبيل الاستعارة لغرابته.
ولما كان التقدير أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا يبالي وهداية من اهتدى وهو لا يبالي كان كأنه قيل: هل يفعل مثل ذلك في غير هذا فقال تعالى: ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية ﴿يضل الله﴾ أي: الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ﴿من يشاء﴾ بأي كلام شاء، كإضلال الله تعالى أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم ﴿ويهدي﴾ بقدرته التامّة ﴿من يشاء﴾ بنفس ذلك الكلام أو بغيره كهداية أصحاب محمد ﷺ وهذه الآية تدل على مذهب أهل السنة لأنه تعالى قال في أوّل الآية ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾ الخ، ثم قال تعالى: ﴿كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء﴾ .
﴿وما يعلم جنود ربك﴾ أي: المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر لأمرك ﴿إلا هو﴾ أي: الله ﷾. قال مقاتل ﵁: وهذا جواب لأبي جهل حيث قال: ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر. وقال مجاهد ﵁: ﴿وما يعلم جنود ربك﴾ يعني: من الملائكة الذين خلقهم
[ ٤ / ٤٣٤ ]
لتعذيب أهل النار، ولا يعلم عدتهم إلا الله تعالى.
والمعنى: أن تسعة عشر هم خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولو أراد لجعل الخزنة أكثر من ذلك، فقد روي أنّ البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة لا تعود لهم نوبة أخرى. وروي أنّ الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة، وكل سماء في التي فوقها كذلك، وورد في الخبر: أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع - وفي رواية موضع قدم - إلا وفيه ملك قائم يصلي - وفي رواية ساجد - وإنما خص هذا العدد لحكم لا يعلمها إلا هو.
ثم رجع إلى ذكر سقر فقال تعالى: ﴿وما هي﴾ أي: النار التي هي من أعظم جنوده ﴿إلا ذكرى للبشر﴾ أي: ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله وأنه سبحانه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار، وللبشر مفعول بذكرى واللام فيه مزيدة، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة. وقرأ ورش بين بين، والباقون بالفتح. وقوله تعالى:
﴿س٧٤ش٣٢/ش٤٧ كَ s وَالْقَمَرِ * وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ * إِنَّهَا؟حْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْس؟ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ؟ * إِ؟ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِى جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُوا؟ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآ؟ـ؟ِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى؟ أَتَـ؟ـانَا الْيَقِينُ﴾
﴿كلا﴾ ردع لمن أنكرها أو إنكار لأن يتذكروا بها قاله البيضاوي. وقال البغويّ: هذا قسم يقول حقًا. وقال الجلال المحلي: استفتاح بمعنى إلا ﴿والقمر﴾ أي: الذي هو آية الليل الهادية من ضل بظلامه.
﴿والليل إذ أدبر﴾ أي: مضى فانقلب راجعًا من حيث جاء فانكشف ظلامه، وقرأ نافع وحمزة وحفص بسكون الذال المعجمة والدال المهملة بعدها وهمزة قطع مفتوحة بين المعجمة والمهملة الساكنين، والباقون بفتح الذال المعجمة وبعدها ألف وفتح المهملة بعد الألف، فالقراءة الأولى إذ أدبر والثانية إذا دبر وكلاهما لغة. يقال: دبر الليل وأدبر إذا ولى مدبرًا ذاهبًا. قال أبو عمرو: ودبر لغة قريش، وقال قطرب: دبر أي: أقبل، تقول العرب دبرني فلان أي: جاء خلفي فالليل يأتي خلف النهار.
وقوله تعالى: ﴿والصبح إذا أسفر﴾ أي: أضاء وتبين.
وقوله تعالى: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ جواب للقسم أو تعليل لكلا، والقسم معترض للتوكيد، والكبر جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتائها، فلما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها. ونظير ذلك القواصع في جمع القاصعاء كأنها جمع فاعلة، أي: لإحدى البلايا والدواهي الكبر. ومعنى كونها إحداهنّ أنها من بينهنّ واحدة في العظم لا نظير لها، كما تقول: هو أحد الرجال وهي إحدى النساء.
وقوله تعالى: ﴿نذيرًا﴾ تمييز من إحدى على معنى أنها لإحدى الدواهي إنذارًا كما تقول هي إحدى النساء عفافًا وقيل: هي حال وقيل: هو متصل بأوّل السورة أي: قم نذيرًا ﴿للبشر﴾ قال الزمخشري: وهو من بدع التفاسير.
وقوله تعالى: ﴿لمن شاء﴾ أي: بإرادته ﴿منكم﴾ بدل من البشر ﴿أن يتقدّم﴾ أي: إلى الخير أو إلى الجنة بالإيمان ﴿أو يتأخر﴾ أي: إلى الشر أو النار بالكفر.
﴿كل نفس﴾ أي: ذكر أو أنثى على العموم ﴿بما كسبت﴾ أي: خاصة لا ما كسب غيرها ﴿رهينة﴾ أي: مرهونة مأخوذة وليست بتأنيث رهين في قوله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ (الطور: ٢١)
لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين، لأنّ فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن.
ومنه بيت الحماسة:
*أبعد الذي بالنعف تعف كويكب رهينة رمس ذي تراب وجندل*
كأنه قال: والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك.
﴿إلا أصحاب اليمين﴾ وهم المؤمنون
[ ٤ / ٤٣٥ ]
فإنهم فكوا رقابهم بإيمانهم وبما أحسنوا من أعمالهم وقيل: هم الملائكة، وروي عن علي أنهم أطفال المسلمين. وقال مقاتل ﵁: هم أهل الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق حين قال لهم الله: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وعنه أيضًا: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقال الحسن ﵁: هم المسلمون الخالصون. وقال القاسم: كل نفس مأخوذة بكسبها بخير أو شر إلا من اعتمد على الفضل، فكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ.
ولما أخرجهم من حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه استأنف بيان حالهم فقال تعالى: ﴿في جنات﴾ أي: بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا ﴿يتساءلون﴾ أي: فيما بينهم يسأل بعضهم بعضًا أو يسألون غيرهم.
﴿عن المجرمين﴾ أي: عن أحوالهم ويقولون لهم بعد إخراج الموحدين من النار:
﴿ما﴾ محتملة للاستفهام والتعجب والتوبيخ ﴿سلككم﴾ أي: أدخلكم أيها المجرمون إدخالًا هو في غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب، وقرأ السوسي بإدغام الكاف في الكاف والباقون بالإظهار ﴿في سقر﴾ .
فأجابوا بأن ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ أي: صلاة يعتدّ بها فكان هذا تنبيهًا على أنّ رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم وعلى أنهم معاقبون على فروع الشريعة وإن كانت لا تصلح منهم، فلو فعلوها قبل الإيمان لم يعتدّ بها وعلى أنّ الصلاة أعظم الأعمال وأنّ الحسنات بها تقدّم على غيرها.
﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ أي: نعطيه ما يجب علينا إعطاؤه له.
﴿وكنا نخوض﴾ أي: نوجد الكلام الذي هو في غير مواقعه ولا علم لنا به إيجاد المشي من الخائض في ماء غمر ﴿مع الخائضين﴾ بحيث صار لنا هذا وصفًا راسخًا، فنقول في القرآن: إنه سحر، وإنه شعر، وإنه كهانة، وغير هذا من الأباطيل لا نتورّع عن شيء من ذلك ولا نقف مع عقل ولا نرجع إلى صحيح نقل، فليأخذ الذين يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت منزلتهم من هنا.
﴿وكنا نكذب﴾ أي: بحيث صار ذلك وصفًا ثابتًا ﴿بيوم الدين﴾ أي: بيوم البعث والجزاء.
﴿حتى أتانا اليقين﴾ أي: الموت أو مقدّماته الذي قطعنا عن دار العمل. قال الله تعالى ﴿حتى يأتيك اليقين﴾ (الحجر: ٩٩)
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أخس الخصال الأربع؟ أجيب: بأنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين بيوم الدين، والغرض تعظيم الذنب كقوله تعالى: ﴿كان من الذين آمنوا﴾ . ولما أقرّوا على أنفسهم بما أوجب العذاب الدائم فكانوا ممن فسد مزاجه فتعذر علاجه سبب عنه قوله تعالى:
﴿س٧٤ش٤٨/ش٥٦ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَة؟ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِى؟ٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً * كَ s؟ بَل s يَخَافُونَ ا؟خِرَةَ * كَ؟ إِنَّهُ؟ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ؟ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِ؟ أَن يَشَآءَ اللَّهُ؟ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾
﴿فما تنفعهم﴾ أي: في حال اتصافهم بهذه الصفات ﴿شفاعة الشافعين﴾ أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثم شفاعة غير نافعة. كقوله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (الأنبياء: ٢٨)
وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين. قال عبد الله بن مسعود ﵁: يشفع نبيكم ﵊ رابع أربعة جبرائيل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم ﷺ وعليهم أجمعين ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصدّيقون ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم يقال لهم ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ .
[ ٤ / ٤٣٦ ]
قال عبد الله بن مسعود ﵁: فهؤلاء الذين في جهنم.
﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ أي: فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عن القرآن قال مقاتل ﵁: معرضين عن القرآن من وجهين: أحدهما: الجحود والإنكار، والثاني: ترك العمل بما فيه، وقيل: المراد بالتذكرة العظة بالقرآن وغيره من المواعظ ومعرضين حال من الضمير في الجار الواقع خبرًا عن ما الاستفهامية، ومثل هذه الحال تسمى حالًا لازمة، وعن التذكرة متعلق به، أي: أيّ شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ.
﴿كأنهم﴾ في إعراضهم عن التذكرة من شدة النفر ﴿حمر﴾ أي: من حمر الوحش وهي أشد الأشياء نفارًا، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل بسرعة السير بالحمر في عدوها إذا وردت ماء فأحست بما يريبها ﴿مستنفرة﴾ أي: موجدة للنفار بغاية الرغبة حتى كأنها تطلبه من أنفسها لأنه شأنها وطبعها، وقرأ ابن عامر ونافع بفتح الفاء على أنه اسم مفعول أي: نفرها القناص والباقون بكسرها بمعنى نافرة.
﴿فرّت من قسورة﴾ قال مجاهد ﵁: هي جماعة الرماة الذين يتصيدونها لا واحد له من لفظه، وهي رواية عن ابن عباس ﵄ وقال سعيد بن جبير ﵁: هو القناص، وعن زيد بن أسلم: فريق من رجال أقوياء. وكل ضخم شديد عند العرب قسور وقسورة، وعن أبي المتوكل هي لغط القوم وأصواتهم. وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: حبال الصيادين. وقال أبو هريرة ﵁: هي الأسد، وهو قول عطاء والكلبي، وذلك أن الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبيّ ﷺ يقرأ القرآن هربوا، وعن عكرمة ﵁ ظلمة الليل ويقال لسواد الليل قسورة، وفي تشبيههم بالحمر مذمّة ظاهرة وتهجين لحالهم بين كما في قوله تعالى ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾ (الجمعة: ٥)
شهادة عليهم بالبله وقلة العقل.
ولما كان الجواب قطعًا لا شيء لهم في إعراضهم هذا أضرب عنه بقوله تعالى: ﴿بل يريد﴾ أي: على دعواهم في زعمهم ﴿كل امرئ منهم﴾ أي: المعرضين من ادّعائة الكمال في المروءة ﴿أن يؤتى﴾ أي: من السماء ﴿صحفًا﴾ أي: قراطيس مكتوبة ﴿منشرة﴾ أي: مفتوحة، وذلك أنّ أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: من ربّ العالمين إلى فلان بن فلان ونؤمر فيه باتباعك ونظيره ﴿لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه﴾ (الإسراء: ٩٣)
وعن ابن عباس ﵄ كانوا يقولون: إن كان محمد صادقًا ليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته من النار. وقال الكلبي ﵁: إن المشركين قالوا: يا محمد بلغنا أنّ الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبًا عند رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك. وقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه، فما لنا لا نرى ذلك. قال البغوي: والصحف جمع الصحيفة ومنشرة منشورة.
قال الله تعالى: ﴿كلا﴾ أي: لا يؤتون الصحف. وقيل: حقًا قال البغوي: وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه. قال ابن عادل: والأول أجود لأنه ردّ لقولهم. ثم بين تعالى سبب إعراضهم بقوله تعالى: ﴿بل لا يخافون﴾ أي: في زمن من الأزمان ﴿الآخرة﴾ فهذا هو السبب في إعراضهم.
وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ استفتاح قاله الجلال المحلي. وقال البيضاوي: ردع عن إعراضهم. وقال البغوي وتبعه ابن عادل: حقًا ﴿إنه﴾ أي: القرآن ﴿تذكرة﴾ أي: عظيمة توجب إيجابًا
[ ٤ / ٤٣٧ ]
عظيمًا اتباعه وعدم الانفكاك عنه بوجه، فليس لأحد أن يقول: أنا مغرور لم أجد مذكرًا ولا معرّفًا فإنّ عنده أعظم مذكر وأشرف معرّف.
﴿فمن شاء﴾ أي: أن يذكره ﴿ذكره﴾ أي: اتعظ به وجعله نصب عينيه وعلم معناه وتخلق به فمن فعل ذلك سهل عليه لفظه وبعض معانيه فإنه كالبحر الفرات فمن شاء اغترف.
﴿وما يذكرون﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ذكرهم أو مشيئتهم كقوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ (الإنسان: ٣٠)
وهو تصريح بأنّ فعل العبد بمشيئة الله تعالى. وقرأ نافع بتاء الخطاب وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون بياء الغيبة حملًا على ما تقدم من قوله تعالى: ﴿كل امرئ﴾ .
﴿هو﴾ أي: الله ﷾ وحده ﴿أهل التقوى﴾ أي: أن يتقيه عباده ويحذروا غضبه بكل ما تصل قدرهم إليه لما له من الجلال والعظمة والقهر. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ﴿وأهل المغفرة﴾ أي: وحقيق أن يطلب غفرانه للذنوب لا سيما إذا اتقاه المذنب؛ لأنّ له الجمال واللطف وهو القادر ولا قدرة لغيره فلا ينفعه شيء ولا يضرّه روى الترمذي وأحمد والحاكم عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ يقول الله تعالى: «أنا أهل أن أتقى فمن اتقى أن يشرك بي غيري فأنا أهل أن أغفر له» ووقف الكسائي على ﴿أهل المغفرة﴾ بالإمالة على أصله وورش بترقيق الراء وقفًا ووصلًا على أصله.
وقول البيضاوي تبعًا للزمخشري إنّ رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة المدثر أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به» حديث موضوع.