مكية
في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس ﵄: إلا آيتين منها ﴿واصبر على ما يقولون﴾ والتي تليها ذكره الماوردي، وقال الثعلبي: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم﴾ إلى آخر السورة فإنه نزل بالمدينة.
وهي تسع عشرة أو عشرون آية، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثمانمائة وثمانية وثلاثون حرفًا.
﴿بسم الله﴾ الذي من توكل عليه كفاه في جميع الأحوال ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بنعمة الإيجاد المهتدي والضال ﴿الرحيم﴾ الذي خص حزبه بالسداد في الأفعال والأقوال. وقوله تعالى:
﴿يا أيها المزمّل﴾ أصله: المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، يقال: ازمّل يتزمّل تزمّلًا، فإذا أريد الإدغام اجتلبت همزة الوصل، وهذا الخطاب للنبيّ ﷺ وفيه ثلاثة أقوال: الأول: قال عكرمة: يا أيها المزمّل بالنبوّة والملتزم للرسالة، وعنه: يا أيها الذي ازمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر. والثاني: قال ابن عباس ﵄: يا أيها المزمّل بالقرآن. والثالث: قال قتادة ﵁: يا أيها المزمّل بثيابه. قال النخعي: كان متزملًا بقطيفة عائشة بمرط طوله أربعة عشر ذراعًا قالت عائشة ﵂: «كان نصفه عليّ وأنا نائمة ونصفه على النبيّ ﷺ وهو يصلي والله ما كان خزًا ولا قزًا ولا مرعزى ولا إبريسمًا ولا صوفًا كان سداه شعرًا ولحمته وبرًا» . ذكره الثعلبي، ولحمة الثوب بفتح اللام وضمها والفتح أفصح ولحمة النسب كذلك والضم أفصح ولحمة البازي بالضم لا غير لأنها كاللقمة.
قال القرطبي: وهذا القول من عائشة ﵂ يدل على أنّ السورة مدنية، فإن النبيّ ﷺ لم يبن بها إلا بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح. وقال الضحاك: تزمل لمنامه وقيل: بلغه من المشركين قول سوء فيه فاشتدّ عليه فتزمل وتدثر، فنزلت
﴿يا أيها المزمّل﴾ و﴿يا أيها المدثر﴾ (المدثر: ١)
وقيل: كان هذا في ابتداء ما أوحي إليه «فإنه ﷺ لما جاءه الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة ﵂ زوجته يرجف فؤاده، فقال: زملوني زملوني لقد خشيت على نفسي» أي: أن يكون هذا مبادئ شعر أو كهانة، وكل ذلك من الشيطان أو أن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس الملك، وكان ﷺ يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة، فقالت له، وكانت وزيرة صدق
[ ٤ / ٤١١ ]
رضي الله تعالى عنها: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق» . ونحو هذا من الكمال الذي يثبت. وقيل: إنه ﷺ كان نائمًا في الليل متزملًا في قطيفة، فنبه ونودي بما يهجن تلك الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته، فقيل له ﴿يا أيها المزمّل﴾ ﴿قم الليل﴾ أي: الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر، فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس، وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزل عليك من كلامنا، فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البرّ والبحر والسرّ والجهر، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده وهي جامعة لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة وهي عمادها فذكرها دال على ما عداها.
ولما كان للبدن حظ في الراحة قال تعالى مستثنيًا من الليل ﴿إلا قليلًا﴾ أي: من كل ليلة، فإن الاشتغال بالنوم فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن ألا ترى إلى قول ذي الرمة:
*وكائن تخطت ناقتي من مفازة ومن نائم عن نيلها متزمل*
يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب ونحوه.
*سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل*
ومن أمثالهم:
*أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل*
فذمه بالاشتمال بكسائه وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس، وأمر بأن يختار على الهجود التجهد، وعلى التزمل التشمر والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله لا جرم أنّ رسول الله ﷺ قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا له الرقاد والدعة، وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرّت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم وتراقى أمرهم إلى حدّ رحمهم له ربهم فخفف عنهم، وقال الكلبي: إنما تزمّل ﷺ بثيابه ليتهيأ للصلاة وهو اختيار الفرّاء فهو على هذا ليس بتهجين بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان عليها وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه، وعن عكرمة ﵁ أنّ المعنى يا أيها الذي زمل أمرًا عظيمًا أي حمله، والزمل الحمل.
قال البغوي: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبيّ ﷺ في أوّل الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبيّ والرسول، وقال السيهلي: ليس المزمل من أسماء النبيّ ﷺ كما ذهب إليه بعض الناس، وعدّوه في أسمائه ﷺ وإنما المزمل اسم مشتق من حاله التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدّثر.
وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان:
إحداهما: الملاطفة فإنّ العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبيّ ﷺ لعليّ حين غاضب فاطمة رضي الله تعالى عنهما فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب، فقال له: قم أبا تراب» إشعارًا له بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له، وكذلك «قوله ﷺ لحذيفة: قم يا نومان» وكان نائمًا ملاطفة له وإشعارًا بترك العتب والتأنيب، فقول الله تعالى لمحمد ﷺ ﴿يا أيها المزمل قم﴾ فيه تأنيس له وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه.
والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله أن يتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه؛ لأنّ الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من
[ ٤ / ٤١٢ ]
عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة، والليل مدّة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. قال القرطبي: واختلف هل كان قيامه فرضًا أو نفلًا؟ والدلائل تقوّي أنّ قيامه كان فرضًا؛ لأنّ المندوب لا يقع على بعض الليل دون بعض، لأنّ قيامه ليس مخصوصًا بوقت دون وقت.
واختلف هل كان فرضًا على النبيّ ﷺ وحده؟ أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء؟ أو عليه وعلى أمته؟ على ثلاثة أقوال: الأوّل قول سعيد بن جبير ﵁ لتوجه الخطاب إليه. الثاني: قول ابن عباس ﵄ قال: كان قيام الليل فريضة على النبيّ ﷺ والأنبياء قبله. والثالث: قول عائشة وابن عباس ﵃ أيضًا أنه كان فرضًا عليه وعلى أمته لما روى مسلم أنّ هشام بن عامر قال لعائشة ﵂: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: «ألست تقرأ يا أيها المزمل، فقلت: بلى. فقالت: فإنّ الله ﷿ افترض قيام الليل في أوّل هذه السورة، فقام نبيّ الله ﷺ وأصحابه حولًا وأمسك الله ﷿ خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله ﷿ في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعًا بعد فريضة» وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب، فقاموا الليل كله، وشق عليهم فنسخ بقوله تعالى آخرها: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ وكان بين الوجوب ونسخه سنة، وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد حتى نسخ بالمدينة.
وروى وكيع ويعلى عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها وكان بين نزول أوّلها وآخرها نحوًا من سنة. وقال سعيد بن جبير ﵁: مكث النبيّ ﷺ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين ﴿إنّ ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ فخفف الله تعالى عنهم. وقيل: كان قيام الليل واجبًا ثم نسخ بالصلوات الخمس.
والصحيح أنه ﷺ بعث يوم الإثنين في رمضان وهو ابن أربعين سنة، وقيل: ثلاث وأربعين وآمنت به خديجة ﵂ ثم بعدها قيل: عليّ ﵁ وهو ابن تسع سنين، وقيل: ابن عشر. وقيل: أبو بكر، وقيل: زيد بن حارثة، ثم أمر بتبليغ قومه بعد ثلاث من مبعثه، فأوّل ما فرض عليه ﷺ بعد الإنذار والدعاء إلى التوحيد من قيام الليل ما ذكر في أوّل السورة، ثم نسخ بما في آخرها ثم نسخ بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء إلى بيت المقدس بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب، هذا ما ذكره النووي في روضته.
وقال في فتاويه: بعد النبوة بخمس أو ست وجعل الليلة من ربيع الأول وخالفهما في شرح مسلم وجزم بأنها من ربيع الآخر وقلد فيها القاضي عياضًا، والذي عليه الأكثر ما في الروضة واستمرّ يصلي إلى بيت المقدس مدّة إقامته بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر، ثم أمر باستقبال الكعبة، ثم فرض الصوم بعد الهجرة بسنتين تقريبًا وفرضت الزكاة بعد الصوم، وقيل: قبله، وفي السنة الثانية قيل: في نصف شعبان. وقيل: في رجب حوّلت القبلة، وفيها فرضت صدقة الفطر، وفيها ابتدأ ﷺ صلاة عيد الفطر ثم عيد الأضحى، ثم فرض الحج سنة ست وقيل: سنة خمس ولم يحج ﷺ بعد الهجرة إلا حجة
[ ٤ / ٤١٣ ]
الوداع، واعتمر أربعًا وتوفيّ ﷺ يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة.
فائدة: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم معصومون قبل النبوة من الكفر وفي المعاصي خلاف وبعدها من الكبائر وكذا من الصغائر ولو سهوًا عند المحققين.
وقوله تعالى ﴿نصفه﴾ بدل من قليلًا وقلته بالنظر إلى الكل ﴿أو انقص منه﴾ أي: من النصف ﴿قليلًا﴾ أي: الثلث ﴿أو زد عليه﴾ أي: على النصف إلى الثلثين، وأو للتخيير فكان ﷺ مخيرًا بين هذه المقادير الثلاثة، وكان ﷺ يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب وكذا بعض أصحابه، واشتدّ ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم وقد تقدّم أنّ ذلك نسخ بإيجاب الصلوات الخمس، فصار قيام الليل تطوعًا فينبغي للمتعبد المواظبة عليه خصوصًا في الوقت الذي يبارك الله تعالى بالتجلي فيه، فإنه صح أنه ينزل سبحانه عن أن تشبه ذاته شيئًا أو نزوله نزول غيره، بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي هو كناية عن وقت استجابة الدعاء حتى يبقى ثلث الليل، وفي رواية حتى يبقى شطر الليل الآخر إلى سماء الدنيا، فيقول سبحانه هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر.
ولما أمر بالقيام وقدّر وقته وعينه أمر بهيئة التلاوة التي هي روح الصلاة على وجه عامّ، فقال تعالى: ﴿ورتل القرآن﴾ أي: اقرأه على ترسل وتؤدة وتبيين حروفه وإشباع حركاته بحيث يتمكن السامع من عدّها ويجيء المتلو منه شبيهًا بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان وأن لا يهذه هذًا ولا يسرده سردًا، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: شرّ السير الحقحقة، وشرّ القراءة الهذرمة، وقال ابن مسعود ﵁: ولا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذّ الشعر ولكن قفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة.
وقوله تعالى: ﴿ترتيلًا﴾ تأكيد في الأمر به وأنه لا بدّ منه للقارئ، وعن ابن عباس ﵄: اقرأ على هينتك ثلاث آيات أو أربعًا أو خمسًا، وروى الترمذي عن عائشة ﵂ «أنّ النبيّ ﷺ قام حتى أصبح بآية» والآية ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (المائدة: ١١٨)
وسئلت عائشة ﵂ عن قراءته ﷺ فقالت: «لا كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفها لعدها» . وسئل أنس ﵁ كيف كانت قراءة النبي ﷺ قال: «كانت مدًّا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ بسم الله ويمدّ الرحمن ويمدّ الرحيم» . وجاء رجل إلى ابن مسعود ﵁، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هذًا كهذ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان النبيّ ﷺ يقرن بينهنّ فذكر عشرين سورة من المفصل كل سورتين في ركعة.
وروى الحسن ﵁ أنّ النبيّ ﷺ «مرّ برجل يقرأ آية ويبكي فقال ألم تسمعوا إلى قول الله ﷿: ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾ هذا الترتيل» . وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن عوف قال: «قال النبيّ ﷺ يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيوقف في أوّل درج الجنة، ويقال له اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها» . وندب إصغاء إليه وبكاء عند القراءة وتحسين صوت بها وتعوذ بها جهرًا وإعادته لفصل طويل وجلوس لها واستقبال وتدبر وتخشع. وكرهت
[ ٤ / ٤١٤ ]
بفم نجس. وجازت بحمام. وهي نظرًا في المصحف أفضل منها على ظهر قلب، نعم إن زاد خشوعه وحضور قلبه في القراءة عن ظهر قلب فهي أفضل في حقه. وهي أفضل من ذكر لم يخص بمحل، وحرم توسد مصحف. وندب كتبه وإيضاحه ونقطة وشكله، ويحرم كتبه بنجس ومسه بنجس غير معفوّ عنه، وتحرم القراءة بالشواذ وهي ما نقل آحادًا وبعكس الآي وكره العكس في السور إلا في تعليم.
وندب ختم القرآن أوّل نهار وأوّل ليل وختمه في الصلاة أفضل من ختمه خارجها، وندب صيام يوم الختم إلا أن يصادف يومًا نهى الشرع عن صيامه، وندب الدعاء بعده وحضوره. والشروع بعده في ختمة أخرى. وندب كثرة تلاوته. ونسيانه كبيرة وكذا نسيان شيء منه ويحرم تفسيره بلا علم.
﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿سنلقي﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿عليك قولًا﴾ أي: قرآنًا، واختلف في معنى قوله تعالى ﴿ثقيلًا﴾ فقال قتادة ﵁: ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال مجاهد ﵁: حلاله وحرامه. وقال محمد بن كعب ﵁: ثقيلًا على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم ويبطل أديانهم. وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وسب آلهتهم.
قال السدّي ﵁: ثقيلًا بمعنى كريم مأخوذ من قولهم: فلان ثقل عليّ، أي: كرم عليّ. وقال الفراء: ثقيلًا، أي رزينًا. وقال الحسن بن الفضل: ثقيلًا أي لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ثقيل أي ثابت كثبوت الثقيل في محله. ومعناه: إنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبدًا.
وقيل: ﴿ثقيلًا﴾ بمعنى: أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدّمون، فعلمنا أنّ الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله.
والأولى أن تحمل هذه المعاني كلها فيه. وقيل: المراد هو الوحي كما جاء في الخبر «أنّ النبيّ ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها أي: صدرها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرّى عنه» . وعن الحارث بن هشام أنه سأل النبيّ ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ فقال النبيّ ﷺ أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهذا أشدّ عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصد عرقًا، أي: يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد. وقوله فينفصم عني أي: ينفصل عني ويفارقني، وقد وعيت أي: حفظت ما قال. وقال القشيري: القول الثقيل هو قول لا إله إلا الله لأنه ورد في الخبر: «لا إله إلا الله خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان» . وقال الزمخشري: هذه الآية اعتراض ثم قال: وأراد بهذا الاعتراض أنّ ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأنّ الليل وقت السبات والراحة والهدوء، فلا بدّ لمن أحياه من مضارّة لطبعه ومجاهدة لنفسه ا. هـ. فالاعتراض من حيث المعنى لا من حيث الصناعة، وذلك أنّ قوله تعالى:
﴿إنّ ناشئة الليل﴾ أي: القيام بعد النوم ﴿هي أشدّ وطأ﴾ أي: موافقة
[ ٤ / ٤١٥ ]
السمع للقلب على تفهم القرآن هي أشدّ مطابق لقوله: ﴿قم الليل﴾ فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبين، والمعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولًا ثقيلًا يثقل حمله؛ لأنّ الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس ومجاهدة الشيطان، فهو أمر ثقيل على العبد.
ولما كان التهجد يجمع القول والفعل وبين ما في الفعل لأنه أشق فكان بتقديم الترغيب بالمدحة أحق أتبعه القول فقال: ﴿وأقوم قيلًا﴾ أي: وأعظم سدادًا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب لحضور القلب، لأنّ الأصوات هادية والدنيا ساكتة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه، وقال قتادة ومجاهد ﵃: أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم لرياقة الليل بهدوء الأصوات وتجلي الرب سبحانه بحصول البركات وأخلص من الرياء، فبين الله تعالى بهذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار وأنّ الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب.
كان عليّ بن الحسين ﵁ يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: هو ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة ﵃: هو بدء الليل. وقال في الصحاح: ناشئة الليل أوّل ساعاته، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار وهو اختيار مالك، قال ابن عربي: وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة، وقالت عائشة وابن عباس أيضًا ومجاهد ﵃: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم ومن قام قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان بن كيسان: هو القيام من آخر الليل.
وأما قوله تعالى: ﴿أشدّ وطأ﴾ أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأنّ الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو وفتح الطاء، وبعدها ألف ممدودة وهمزة منوّنة، وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح الواو وسكون الطاء وبعدها همزة منونة فهي مصدر وطأت وطأ ومواطأة أي: وافقت على الأمر من الوفاق تقول: فلان يواطئ اسمه اسمي، أي: يوافقه، فالمعنى أشدّ موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان لانقطاع الأصوات والحركات قاله مجاهد وغيره قال تعالى: ﴿ليواطئوا عدّة ما حرّم الله﴾ (التوبة: ٣٧)
أي: ليوافقوا ومنه قوله ﷺ «اللهمّ اشدد وطأتك على مضر» وقيل: أشدّ مهادًا للتصرّف في الفكر والتدبر. وقيل: أشدّ ثباتًا من النهار، فإنّ الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله، فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء الثبات تقول: وطأت الأرض بقدمي وفي الجملة عبادة الليل أشدّ نشاطًا وأتم إخلاصًا وأكثر بركة وأبلغ في الثواب.
﴿إنّ لك﴾ أي: أيها المتهجد أو يا أكرم الخلق إن كان الخطاب للنبيّ ﷺ ﴿في النهار﴾ الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا ﴿سبحًا طويلًا﴾ أي: تصرّفًا وتقلبًا وإقبالًا وإدبارًا في حوائجك وأشغالك، والسبح: مصدر سبح استعير للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء وهي البعد فيه. وقال القرطبي: السبح الجري والدوران. ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح شديد الجري. وقيل: السبح الفراغ، أي: إنّ لك فراغًا لحاجات النهار. وعن ابن عباس ﵄ ﴿سبحًا طويلًا﴾ يعني فراغًا طويلًا لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقيل: إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
﴿واذكر اسم ربك﴾
[ ٤ / ٤١٦ ]
أي: المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ذكرًا من اسم وصفة وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال على علم شرعي وأدب مرعي، ودُم على ذلك في ليلك ونهارك واحرص عليه، فإذا عظمت الاسم بالذكر فقد عظمت المسمى بالتوحيد والإخلاص، وذلك عون لك على مصالح الدارين، أما الآخرة فواضح وأما الدنيا فقد أرشد النبيّ ﷺ أعز الخلق عليه فاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها لما سألته خادمًا يقيها التعب إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم.
﴿وتبتل﴾ أي: اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل والإخلاص في جميع أعمالها بالتدريج قليلًا قليلًا منتهيًا ﴿إليه﴾ ولا تزل على ذلك حتى يصير ذلك لك خلقًا فتكون نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع.
وقوله تعالى: ﴿تبتيلًا﴾ مصدر تبتل جيء به رعاية للفواصل وهو ملزوم التبتيل، قال الزمخشري: فإن قلت كيف قيل تبتيلًا؟ مكان تبتلًا قلت: لأنّ معنى تبتل بتل نفسه فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل ا. هـ.
والتبتيل الانقطاع ومنه امرأة بتول، أي: منقطعة عن النكاح، وفي الحديث أنه نهى عن التبتل وقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة - أي: مؤن النكاح - فليتزوج» والمراد به في الآية الكريمة الانقطاع إلى عبادة الله تعالى كما مرّت الإشارة إليه دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرّد قاله ابن عرفة، وقال ابن العربي: هذا فيما مضى، وأما اليوم فقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله تعالى. وكذلك قال مجاهد ﵁: معناه أخلص له العبادة ولم يرد التبتيل، فصار التبتل مأمورًا به في القرآن منهيًا عنه في السنة ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث لتبيين ما أنزل إليهم، فالتبتل المأمور به الانقطاع إلى الله تعالى بإخلاص العبادة كما قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (البينة: ٥)
والتبتل المنهي عنه هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر يفرّ بدينه من الفتن.
ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم بين سبحانه الذي أنعم بسكن الليل الذي أمرنا بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه، فقال تعالى: ﴿رب المشرق﴾ أي: موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه، ويضيء بها الصباح، وعند الصباح يحمد القوم السرى، قال العلامة تقي الدين بن دقيق العيد:
*كم ليلة فيك وصلنا السرى لا نعرف الغمض ولا نستريح*
*واختلف الأصحاب ماذا الذي يزيل من شكواهم أو يريح*
*فقيل تعريسهم ساعة وقلت بل ذكراك وهو الصحيح*
﴿والمغرب﴾ أي: الذي يكون عند الليل الذي هو موضع السكون ومحل الخلوات ولذيذ المناجاة، فلا تغرب شمس ولاقمر ولا نجم إلا بتقديره ﴿لاإله﴾ أي: لا معبود بحق ﴿إلا هو﴾ أي: ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأبهى صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص، وقرأ ﴿رب﴾
[ ٤ / ٤١٧ ]
ابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الباء على البدل من ربك، وعن ابن عباس ﵄ على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: لاإله إلا هو، كما تقول: لا أحد في الدار إلا زيد، والباقون برفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو ﴿فاتخذه﴾ أي: خذه بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه ﴿وكيلًا﴾ أي على كل من خالفك بأن تفوض جميع أمورك إليه، فإنه يكفيكها كلها، فإنه المنفرد بالقدرة عليها، ولاشيء في يد غيره فلا تهتم بشيء أصلًا.
قال البقاعي: وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل، فإن ذلك طمع فارغ، بل بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلًا في السبب لا من دون سبب، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب، ولو لم يكن في إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع الوجوه، فإن وكيلك من الناس دونك وأنت تتوقع أن يكلمك كثيرًا في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك بأن تكلمه كثيرًا في مصالحك وتسأله طويلًا، ووكيلك من الناس إذا حصل مالك سألك الأجرة وهو سبحانه يوفر مالك ويعطيك الأجر، ووكيلك من الناس ينفق عليك من مالك وهو سبحانه يرزقك وينفق عليك من ماله.
ومن تمسك بهذه الآية عاش حرًّا كريمًا ومات خالصًا شريفًا ولقي الله تعالى عبدًا صافيًا مختارًا تقيًا، ومن شرط الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل عليه ويبذل له نفسه ويفوّض إليه أمره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته ويتواضع لعظمته.
﴿واصبر على ما يقولون﴾ أي: المخالفون المفهومون من الوكالة من الأذى والسب والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم ولا تمتنع من دعواهم وفوّض أمرهم إليّ، فإني إذا كنت وكيلًا لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ﴿واهجرهم﴾ أي: أعرض عنهم ﴿هجرًا جميلًا﴾ أي: لا تتعرّض لهم ولا تشتغل بمكافأتهم، فإنّ ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، فإنه ﷺ منع في أوّل الإسلام من قتال الكفار وأمر هو وأصحابه بالصبر على أذاهم بقوله تعالى: ﴿لتبلونّ في أموالكم﴾ (آل عمران: ١٨٦)
الآية، ثم أمر به إذا ابتدؤوا بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ (البقرة: ١٩٠)
ثم أبيح له ابتداؤه في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقًا من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ (البقرة: ١٩١)
﴿وذرني﴾ أي: اتركني ﴿والمكذبين﴾ أي: لا تحتاج إلى الظفر بمرادك ومشتهاك إلا أن تخلي بيني وبينهم بأن تكل أمرهم إليّ وتستكفينيه، فإن فيّ ما يفرغ بالك، ويجلي همك وليس ثمّ منع حتى تطلب إليه أن تذره وإياه إلا ترك الاستكفاء والتفويض، كأنه إذا لم يكل إليه أمره فكأنه منعه منه فإذا وكله إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما يزيد عليه.
واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة فلم يكن إلا يسيرًا حتى قتلوا ببدر. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشر رجلًا، وقال البغوي: نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين.
وقوله تعالى: ﴿أولي النعمة﴾
[ ٤ / ٤١٨ ]
نعت للمكذبين أي أصحاب التنعم والترفه.
فائدة: النعمة بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرّة.
﴿ومهلهم﴾ أي: اتركهم برفق وتأنّ وتدريج ولا تهتم بشأنهم. وقوله تعالى: ﴿قليلًا﴾ نعت لمصدر، أي: تمهيلًا قليلًا أو لظرف زمان محذوف أي زمانًا قليلًا فقتلوا بعد يسير ببدر.
وقوله تعالى: ﴿إنّ لدينا أنكالًا﴾ جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي لا ينفك أبدًا وقال الكلبي: أغلالًا من حديد ﴿وجحيمًا﴾ أي: نارًا حامية جدًّا شديدة الاتقاد مما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب والتنعم برقيق اللباس وتكلف أنواع الراحة.
﴿وطعامًا ذا غصة﴾ أي: يغص به في الحلق وهو الزقوم أو الضريع أو الغسلين أو الشوك من نار لا يخرج ولا ينزل ﴿وعذابًا أليمًا﴾ أي: مؤلمًا. ومعنى الآية: أنّ لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا وهي هذه الأمور الأربعة: النكال والجحيم والطعام الذي يغص به والعذاب الأليم، والمراد به سائر أنواع العذاب، وروي أنه ﷺ قرأ هذه الآية فصعق.
وعن الحسن أنه أمسى صائمًا فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعه ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال: ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاؤوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق.
وقوله تعالى: ﴿يوم ترجف﴾ منصوب بالاستقرار المتعلق به لدينا والرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة فتزلزل ﴿الأرض﴾ أي: كلها ﴿والجبال﴾ أي: التي هي أشدّها ﴿وكانت﴾ أي: وتكون ﴿الجبال﴾ التي هي مراسي الأرض وأوتادها وعبر عن شدّة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد، فقال تعالى: ﴿كثيبًا﴾ أي: رملًا مجتمعًا، من كثب الشيء إذا جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله، ومنه الكثبة من اللبن ﴿مهيلًا﴾ قال ابن عباس: رملًا سائلًا يتناثر. وقال الكلبي: هو الذي إذا أخذت منه شيئًا تبعك ما بعده. قال القرطبي: وأصله مهيول وهو مفعول من قولك هلت عليه التراب أهيله إهالة وهيلًا إذا صببته، يقال: مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول ومعين ومعيون. قال الشاعر:
*قد كان قومك يحسبونك سيدًا وأخال أنك سيد معيون*
وقال ﵊ حين شكوا إليه الجدوبة: «أتكيلون أم تهيلون»؟ قالوا: نهيل. قال: «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه» .
وأصل مهيل مهيول استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء فالتقى ساكنان، فسيبويه وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة أنّ ما يحذف لالتقاء الساكنين الأوّل، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ مفعل، والكسائي ومن تبعه حذفوا الياء لأنّ القاعدة حذف الأوّل كما مرّ.
ولما خوّف تعالى المكذبين أولي النعمة بأهوال يوم القيامة خوّفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا فقال تعالى: ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿أرسلنا إليكم﴾ يا أهل مكة شرفًا لكم خاصة وإلى كل من بلغته الدعوة عامّة ﴿رسولًا﴾ أي: عظيمًا جدًّا، وهو محمد ﷺ خاتم النبيين وإمامهم وأجلهم وأفضلهم قدرًا ﴿شاهدًا عليكم﴾ أي: بما تصنعون ليؤدّي الشهادة عند طلبها منه يوم ننزع من كل أمّة شهيدًا وهو يوم القيامة ﴿كما أرسلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿إلى فرعون﴾ أي: ملك مصر
[ ٤ / ٤١٩ ]
﴿رسولًا﴾ وهو موسى ﵊، وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأنّ أهل مكة ازدروا محمدًا ﷺ واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أنّ فرعون ازدرى بموسى ﵇ لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ألم نربك فينا وليدًا﴾ (الشعراء: ١٨)
وذكر الرازي السؤال والجواب. قال ابن عادل: وهو ليس بالقوي لأنّ إبراهيم ﵇ ولد ونشأ فيما بين قوم نمروذ وكان آزر وزير نمروذ على ما ذكره المفسرون، وكذا القول في هود ونوح وصالح ولوط لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة ﴿أخاهم﴾ لأنه من القبيلة التي بعث إليها انتهى. وقد يقال: الجامع بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام التربية، فإنّ أبا طالب تربى عنده النبيّ ﷺ وموسى ﵇ تربى عند فرعون ولم يكن ذلك لغيرهما.
﴿فعصى فرعون الرسول﴾ إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه أل العهدية والعرب إذا قدمت اسمًا ثم أتوا به ثانيًا أتوا به معرفًا بأل أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو: رأيت رجلًا فأكرمت الرجل أو فأكرمته، ولو قلت فأكرمت رجلًا لتوهم أنه غير الأوّل. وقال المهدوي: ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدّم ذكره ولذا اختير في أوّل الكتب سلام عليكم وفي آخرها السلام عليكم.
ثم تسبب عن عصيانه قوله تعالى: ﴿فأخذناه﴾ أي: فرعون بما لنا من العظمة، وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله تعالى: ﴿أخذًا وبيلًا﴾ أي: ثقيلًا شديدًا، وضرب وبيل وعذاب وبيل، أي: شديد قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه مطر وابل، أي: شديد قاله الأخفش. وقال الزجاج: أي: ثقيلًا غليظًا ومنه قيل للمطر وابل، وقيل: مهلكًا. والمعنى: عاقبناه عقوبة غليظة، وفي ذلك تخويف لأهل مكة.
ثم خوّفهم بيوم القيامة فقال تعالى: ﴿فكيف تتقون إن كفرتم﴾ أي: توجدون الوقاية التي تقي أنفسكم إذا كفرتم في الدنيا، والمعنى: لا سبيل لكم إلى التقوى إذا رأيتم القيامة. وقيل: معناه: فكيف تتقون العذاب يوم القيامة إذا كفرتم في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿يومًا﴾ مفعول تتقون أي: عذابه أي: بأي حصن تتحصنون من عذاب الله يوم ﴿يجعل الولدان﴾ وقوله تعالى ﴿شيبًا﴾ جمع أشيب، والأصل في الشين الضم وكسرت لمجانسة الياء، ويقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال، وهو مجاز، ويجوز أن يراد في الآية الحقيقة والمعنى: يصيرون شيوخًا شمطًا من هول ذلك اليوم وشدّته وذلك حين يقال لآدم ﵇ قم: فابعث بعث النار من ذريتك، قال رسول الله ﷺ «يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك - وفي رواية والخير بين يديك - فينادى بصوت إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار. قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد ﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد﴾ (الحج: ٢)
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ فقال النبيّ ﷺ أبشروا، فإنّ من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد، ثم قال: أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وفي رواية كالرقة في ذراع الحمار - وهي بفتح الراء وسكون القاف الأثر
[ ٤ / ٤٢٠ ]
الذي في بطن عضد الحمار - وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبر القوم، ثم قال: فثلث أهل الجنة فكبروا، ثم قال: شطر أهل الجنة فكبروا» وفي هذا إشارة إلى الاعتناء بهم لأنّ إعطاء الإنسان مرّة بعد مرّة دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته، وفي هذا أيضًا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وحمده على إنعامه عليهم وهو تكبيرهم لهذه البشارة العظيمة.
ثم وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى: ﴿السماء منفطر﴾ أي: ذات انفطار أي: انشقاق ﴿به﴾ أي: بسبب ذلك اليوم لشدّته فالباء سببية، وجوّز الزمخشري أن تكون للاستعانة فإنه قال: والباء في به مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به. وقال القرطبي: معنى به أي: فيه أي: في ذلك اليوم. وقيل: به أي: بالأمر أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيبًا، وقيل: منفطر بالله أي: بأمره.
تنبيه: إنما لم تؤنث الصفة لوجوه، منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقف تقول هذا سماء البيت قال تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا﴾ (الأنبياء: ٣٢)
. ومنها أنها على النسبة أي: ذات انفطار، نحو امرأة مرضع وحائض أي: ذات إرضاع وذات حيض. ومنها أنها تذكر وتؤنث أنشد الفراء:
*فلو رفع السماء إليه قومًا لحقنا بالسماء وبالسحاب
ومنها: أنه اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء فيقال: سماءة واسم الجنس يذكر ويؤنث ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله تعالى ﴿منتشر﴾ (القمر: ٧)
و﴿أعجاز نخل منعقر﴾ (القمر: ٢٠)
يعني: فجاء على أحد الجائزين، أو لأنّ تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز تذكيره. قال الشاعر:
* والمها بالإثمد الحبرى مكحول*
والضمير في قوله تعالى: ﴿كان وعده مفعولًا﴾ يجوز أن يكون لله وإن لم يجر له ذكر للعلم به فيكون المصدر مضافًا لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم فيكون مضافًا لمفعوله والفاعل وهو الله تعالى مقدّر. قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولًا كائنًا لا شك فيه ولا خلف. وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كله.
﴿إن هذه﴾ أي: الآيات الناطقة بالوعيد الشديد أو السورة ﴿تذكرة﴾ أي: تذكير عظيم هو أهل لأن يتعظ به، ويعتبر به المعتبر ولاسيما ما ذكر فيها لأهل الكفر من العذاب.
ولما كان سبحانه قد جعل للإنسان عقلًا يدرك به الحسن والقبيح واختيارًا يتمكن به من اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن إلا قهر المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها سبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿فمن شاء اتخذ﴾ أي: بغاية جهده ﴿إلى ربه﴾ أي: المحسن إليه خاصة لا إلى غيره ﴿سبيلًا﴾ أي: طريقًا إلى رضاه ورحمته فليرغب فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ﴿فمن شاء ذكره﴾ (المدثر: ٥٥)
قال الثعلبي: والأشبه أنه غير منسوخ.
﴿إنّ ربك﴾ أي: المدبر لأمرك على ما يكون إحسانًا إليك ورفقًا بك ﴿يعلم أنك تقوم﴾ أي: في الصلاة كما أمرت به أوّل السورة ﴿أدنى﴾ أي: زمانًا أقل والأدنى مشترك بين الأقرب والأدون الأنزل رتبة؛ لأنّ كلًا منهما يلزم عنه قلة المسافة. ﴿من ثلثي الليل﴾ وقرأ ﴿ونصفه وثلثه﴾ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي بنصب الفاء بعد الصاد ونصب المثلثة بعد اللام ورفع الهاء فيهما عطف على أدنى والباقون بكسر الفاء والمثلثة وكسر الهاء فيهما عطف على ضمير تقوم وقيامه كذلك مطابق لما وقع التخيير فيه أوّل السورة من قيام النصف
[ ٤ / ٤٢١ ]
بتمامه، أو الناقص منه وهو الثلث، أو الزائد عليه وهو الثلثان، أو الأقل من الأقل من النصف وهو الربع.
وقوله تعالى: ﴿وطائفة من الذين معك﴾ عطف على ضمير تقوم، وجاز من غير تأكيد للفصل وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به، ومنهم من كان لا يدري كم يصلي من الليل وكم بقي منه، فكان يقوم الليل كله احتياطًا فقاموا حتى انتفخت أقدامهم سنة وأكثر، فخفف عنهم بقوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿يقدّر﴾ أي: تقديرًا عظيمًا هو في غاية التحرير ﴿الليل والنهار﴾ أي: هو العالم بمقادير الليل والنهار، فيعلم القدر الذي تقومون من الليل والذي تنامون منه.
﴿علم أن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: أنه ﴿لن تحصوه﴾ أي: الليل لتقوموا فيما يجب القيام فيه إلا بقيام جميعه، وذلك يشق عليكم ﴿فتاب عليكم﴾ أي: رجع بكم إلى التخفيف بالترخص لكم في ترك القيام المقدّر أوّل السورة.
وقوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر﴾ أي: سهل ﴿من القرآن﴾ فيه قولان:
أحدهما أن المراد بهذه القراءة القراءة في الصلاة، وذلك أنّ القراءة أحد أجزاء الصلاة فأطلق اسم الجزء على الكل، والمعنى: فصلوا ما تيسر عليكم، قال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء. قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أوّل ركعة بالحمد وأوّل آية من البقرة ثم ركع، ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة ثم ركع، فلما انصرف أقبل علينا، فقال: إنّ الله تعالى يقول: ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ .
قال القشيري: والمشهور أنّ نسخ قيام الليل كان في حق الأمة، وبقيت الفريضة في حق النبيّ ﷺ وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: بل نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلًا، وإذا ثبت أنّ القيام ليس فرضًا فقوله تعالى ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ معناه: اقرؤوا إن تيسر عليكم ذلك وصلوا إن شئتم.
والقول الثاني: أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ دراسته وتحصيل حفظه وأن لا يعرض للنسيان سواء كان في صلاة أم غيرها، قال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد: خمسين آية. قال القرطبي: قول كعب أصح لقوله ﷺ «من قام بعشر آيات من القرآن لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» خرجه أبو داود والطيالسي. وروى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر» فقوله من المقنطرين أي: أعطي قنطارًا من الأجر. وجاء في الحديث «أنه ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض» .
وقال أبو عبيدة: القناطير واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه ولا واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب: المعوّل عليه عند العرب أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة، فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل: إنّ القنطار ملء جلد ثور ذهبًا. وقيل: ثمانون ألفًا. وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال نقله ابن الأثير. قال القرطبي: والقول الثاني أصح حملًا للخطاب على ظاهر اللفظ والقول الأوّل مجاز؛ لأنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله، وإذا كان ذلك على قيام لا في
[ ٤ / ٤٢٢ ]
قدر القراءة فلا دليل فيه على أنّ الفاتحة لا تتعين في الصلاة، بل هي متعينة في كل ركعة لخبر الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» ولخبر «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما، ولفعله ﷺ كما في مسلم مع خبر البخاري «صلوا كما رأيتموني أصلي» ويحمل قوله تعالى ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ مع خبر «ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن» على الفاتحة أو على العاجز عنها جمعًا بين الأدلة.
ولما كان هذا نسخًا لما كان واجبًا من قيام الليل أوّل السورة لعلمه سبحانه بعدم إحصائه فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بيانًا لحكمة أخرى للنسخ، فقال تعالى: ﴿علم أن﴾ مخففة من الثقيلة أي: أنه ﴿سيكون﴾ أي: بتقدير لا بدّ منه ﴿منكم مرضى﴾ جمع مريض وهذه السورة من أوّل ما نزل على النبيّ ﷺ ففي ذلك إشارة بأنّ أهل الإسلام يكثرون جدًّا ﴿وآخرون﴾ غير المرضى ﴿يضربون﴾ أي: يوقعون الضرب ﴿في الأرض﴾ أي: يسافرون لأنّ الماشي يجد ويضرب برجله في الأرض ﴿يبتغون﴾ أي: يطلبون طلبًا شديدًا ﴿من فضل الله﴾ أي: بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده بالتجارة وغيرها ﴿وآخرون﴾ أي: منكم أيها المسلمون ﴿يقاتلون﴾ أي: يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله تعالى، ولذلك بينه بقوله تعالى ﴿في سبيل الله﴾ أي: الملك الأعظم، وكل من الفرق الثلاث يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل، وسوّى سبحانه في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال لنفقته على نفسه وعياله والإحسان فكان هذا دليلًا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله، قال ﷺ «ما من جالب يجلب طعامًا من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ .
وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء وقرأ ﴿وآخرون﴾ الآية. وقال ابن عمر: ما خلق الله تعالى موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليّ من الموت بين شعبتي رجل ابتغى من فضل الله ضاربًا في الأرض، وقال طاووس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأعاد قوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ أي: من القرآن للتأكيد.
﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي: المكتوبة وهي خمس بجميع الأمور التي تقوم بها من أركانها وشروطها وأبعاضها وهيئاتها ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي: زكاة أموالكم. وقال عكرمة وقتادة: صدقة الفطر لأنّ زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة التطوع. وقيل: كل فعل خير وقال ابن عباس: طاعة الله تعالى والإخلاص.
﴿وأقرضوا الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق من أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم ﴿قرضًا حسنًا﴾ من نوافل الخيرات كلها برغبة تامّة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه. وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقيل: صلة الرحم وقرى الضيف. وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله.
﴿وما تقدّموا لأنفسكم﴾ أي: خاصة سلفًا لأجل ما بعد الموت حيث لا تقدرون على الأعمال ﴿من خير﴾ أي
[ ٤ / ٤٢٣ ]
خير كان من عبادات البدن والمال ﴿تجدوه﴾ أي: محفوظًا لكم ﴿عند الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿هو﴾ أي: لا غيره ﴿خيرًا﴾ أي: لكم وجاز ضمير الفصل بين غير معرفتين؛ لأن أفعل منه كالمعرفة ولذلك يمتنع دخول أداة التعريف عليها. والمعنى: هو خير من الذي تدخرونه إلى الوصية عند الموت، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: خيرًا لكم من متاع الدنيا. وروى البغوي بسنده عن عبد الله أنّ رسول الله ﷺ قال: «أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وراثه.
قال: اعلموا ما تقولون قالوا: ما نعلم إلا ذاك يا رسول الله. قال: إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر» .
﴿وأعظم أجرًا﴾ قال أبو هريرة: يعني الجنة ويحتمل أن يكون أعظم أجرًا لإعطائه بالجنة أجرًا.
ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح له ربه ربما أدركه الإعجاب بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله تعالى حق قدره فلا يزال مقصرًا فلا يسعه إلا العفو، فقال عز من قائل: ﴿واستغفروا الله﴾ أي: اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته، فكيف بأداء حق خدمته لتقصيركم عينًا وأثرًا بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه.
﴿إنّ الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿غفور﴾ أي: بالغ الستر لأعيان الذنوب وآثارها حتى لا يكون عنها عقاب ولا عتاب ﴿رحيم﴾ أي: بالغ الإكرام بعد الستر إفضالًا وإحسانًا وتشريفًا وامتنانًا.
وقول البيضاوي تبعًا للزمخشري إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة المزمّل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة» حديث موضوع.