مكية
وهي أربع وأربعون آية، ومائتانوست عشرة كلمة، وألف وأحد وستون حرفًا
﴿بسم الله﴾، أي: الذي تنقطع الأعناق والآمال دون عليائه ﴿الرحمن﴾ الذي لا مطمع لأحد في حصر أوصافه ﴿الرحيم﴾ الذي اصطفى من عباده من وفقه فكان من أوليائه.
﴿سأل سائل﴾ أي: دعا داع ﴿بعذاب واقع﴾ فضمن سأل معنى دعا، فلذلك عدى تعديته، وقيل: الباء بمعنى عن كقوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾ (الفرقان: ٥٩)، أي: عنه، أي: سأل سائل عن عذاب واقع، والأول أولى لأن التجوز في الفعل أولى منه في الحرف لقوتّه.
واختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس ﵄: هو النضر بن الحارث حيث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزل سؤاله وقتل يوم بدر صبرًا هو وعتبة بن أبي معيط لم يقتل صبرًا غيرهما، وقيل: هو الحارث بن النعمان، وذلك «أنه لما بلغه قول النبي ﷺ في عليّ: من كنت مولاه فعليّ مولاه ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالإبطح، ثم قال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه وأن نصلي خمسًا ونزكي أموالنا فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في عام فقبلناه منك وأن نحج فقبلناه منك ثم لم ترض حتى فضلت ابن عمك علينا، أفهذا شيء منك أم من الله تعالى؟ فقال النبي ﷺ «والذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله» فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله تعالى بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره
[ ٤ / ٣٨٠ ]
فقتله فنزلت.
وقال الربيع: هو أبو جهل، وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش، وقيل: هو نوح ﵇ سأل العذاب على الكافرين، وقيل: هو نبينا ﷺ استعجل بعذاب الكافرين ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك ﴿فاصبر صبرًا جميلًا﴾ أي: لا تستعجل فإنه قريب، وقرأ نافع وابن عامر بغير همز بعد السين، والباقون بهمزة مفتوحة بعد السين.
تنبيه: ما تقدم من الوجهين في كون سأل ضمن أو أن الباء بمعنى عن هو على القراءة بالهمز، وأما على عدمه ففيه وجهان: أحدهما: أنه لغة في السؤال يقال: سأل يسأل كخاف يخاف وعين الكلمة واو، قال الزمخشري: وهي من لغة قريش.
والثاني: أنه من السيل ومعناه اندفع عليهم واد بعذاب، وقيل: سال واد من أودية جهنم وقوله تعالى: ﴿للكافرين﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه يتعلق بسأل مضمنًا معنى دعا كما مر، أي: دعا لهم بعذاب واقع. الثاني: أنه يتعلق بواقع واللام للعلة، أي: نازل لأجلهم. الثالث: أن يتعلق بمحذوف صفة ثانية للعذاب، أي: كائن للكافرين. الرابع: أن يكون جوابًا للسائل فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هو للكافرين. الخامس: أن تكون اللام بمعنى على، أي: واقع على الكافرين.
﴿ليس له﴾ أي: بوجه من الوجوه ولا حيلة من الحيل ﴿دافع﴾ يردّه.
وقوله تعالى: ﴿من الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي لا كفء له يجوز أن يتعلق بدافع بمعنى ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته لتعلق إرادته به وأن يتعلق بواقع، وبه بدأ الزمخشري، أي: واقع من عنده ﴿ذي المعارج﴾ أي: المصاعد وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم أو في دار ثوابهم، أو مراتب الملائكة أو السموات، قال ابن عباس ﵄: أي: ذي السموات، سماها معارج الملائكة لأن الملائكة يعرجون فيها فوصف نفسه بذلك، أو ذي العلوّ والدرجات الفواضل والنعم، لأنها تصل إلى الناس على مراتب مختلفة، قاله ابن عباس وقتادة ﵃، فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق. وقيل: ذي العظمة والعلا، وقيل: المعارج الغرف، أي: إنه ذو الغرف، أي: جعل لأوليائه الجنة غرفًا.
وقرأ: ﴿تعرج الملائكة﴾ الكسائي بالياء التحتية، والباقون بالتاء الفوقية، وأدغم جيم المعارج في تاء تعرج هنا السوسي، واستضعف بعضهم ذلك من حيث إن مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء. وأجيب عن ذلك بأن الإدغام يكون لمجرد الصفات وإن لم يتقاربا في المخرج والجيم تشارك التاء في الاستفال والانفتاح والشدة والجملة من تعرج مستأنفة.
وقوله تعالى: ﴿والروح﴾ من عطف الخاص على العام إن أريد بالروح جبريل ﵇ كما قاله ابن عباس ﵄ لقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين﴾ (الشعراء: ١٩٣)
أو ملك آخر من جنسهم عظيم الخلقة: وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله كهيئة الناس وليس بالناس. وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين يقبض، ﴿إليه﴾ أي: مهبط أمره من السماء. وقيل: هو كقول إبراهيم ﵇: ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ (الصافات: ٩٩)، أي: إلى الموضع الذي أمرني به، وقيل: إلى عرشه، وعلق بالعروج أو بواقع قوله تعالى: ﴿في يوم﴾ أي: من أيامكم، وبين عظمه بقوله تعالى: ﴿كان﴾ أي: كونًا هو في غاية الثبات ﴿مقداره﴾ أي: لو كان الصاعد فيه آدميًا ﴿خمسين ألف سنة﴾ أي: من سني الدنيا وذلك أن تصعد من منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة، روي عن مجاهد ﵁ أن مقدار هذا خمسين ألف سنة.
[ ٤ / ٣٨١ ]
وقال محمد بن إسحاق: لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش ساروا خمسين ألف سنة. وقال عكرمة وقتادة ﵄: هو يوم القيامة وأراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ليس يعني به أن مقدار طوله هكذا دون غيره؛ لأن يوم القيامة ليس له أول وليس له آخر لأنه يوم ممدود، ولو كان له آخر لكان منقطعًا.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يوم القيامة يكون على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «قيل: لرسول الله ﷺ يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» .
وقيل: معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله تعالى لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة قال عطاء ﵁: ويفرغ الله تعالى في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، وقيل: فيه خمسون موطنًا على الكافر، كل موطن ألف سنة وما ورد ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر.
وروي عن الكلبي أنه قال: يقول الله تعالى: لو وليت حساب ذلك الملائكةُ والإنس والجن وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه في خمسين ألف سنة وأنا أفرغ منه في ساعة من النهار. وقال بيان: هو يوم القيامة فيه خمسون موطنًا كل موطن ألف سنة، وفيه تقديم وتأخير كأنه قال: ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿في يوم كان مقداره ألف سنة﴾ (السجدة: ٥)
أجيب: بأنه يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنة، ومن أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة لأن عرض كل سماء خمسمائة وما بين أسفل إلى قرار الأرض خمسمائة، فقوله في يوم من أيام الدنيا وهو مقدار ألف سنة لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى أعلى العرش.
وقوله تعالى: ﴿فاصبر صبرًا جميلًا﴾ متعلق كما قال الرازي: بسأل سائل، لأن استعجالهم بالعذاب كان على وجه الاستهزاء برسول الله ﷺ فأمر بالصبر، والمعنى: جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر على أذى قومك، والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله تعالى.
وقيل: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو، وقال ابن زيد والكلبي ﵃: هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال.
﴿إنهم﴾ أي: الكفار ﴿يرونه﴾ أي: ذلك اليوم الطويل أو عذابه ﴿بعيدًا﴾ أي: زمن وقوعه لأنهم يرونه غير ممكن، أو يفعلون أفعال من يستبعده ﴿ونراه﴾ أي: لما لنا من العظمة التي قضت بوجوده وهو علينا هين ﴿قريبًا﴾ سواء أريد بذلك قرب الزمان أو قرب المكان فهو هين على قدرتنا وهو آت لا محالة، وكل آت قريب، والقريب والبعيد عندنا على حدٍ سواء، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح.
وقوله تعالى: ﴿يوم تكون السماء﴾ متعلق بمحذوف، أي: يقع فيه من الأهوال ﴿كالمهل﴾ أي: كدردي الزيت، وعن ابن مسعود ﵁: كالفضة البيضاء في تلونها ﴿وتكون الجبال﴾ أي: التي هي أشد الأرض وأثقل ما فيها ﴿كالعهن﴾ أي: كالصوف في الخفة والطيران بالريح. وقيل: أول ما تتفرق الجبال تصير رملًا ثم عهنًا منفوشًا ثم هباء منثورًا منبثًا.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
﴿ولا يسأل﴾ أي: من شدة الأهوال ﴿حميم حميمًا﴾ أي: قريب في غاية القرب والصداقة قريبًا مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشفت لهم أنه لا تغني نفس عن نفس شيئًا وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب وعلم أنه لا عز إلا بالتقوى.
﴿يبصرونهم﴾ أي: يبصرهم بهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه ﴿يودّ المجرم﴾ أي: يتمنى الكافر أو هذا النوع سواء كان كافرًا أم مسلمًا عاصيًا علم أنه يعذب بعصيانه ﴿لو﴾ بمعنى أن ﴿يفتدى﴾ أي: يفدي نفسه ﴿من عذاب يومئذ﴾ أي: يوم إذ كانت هذه المخاوف. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم والباقون بكسرها، ﴿ببنيه﴾ أي: بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه لشدة ما يرى.
ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه نصره والذب عنه أتبعه ما يليه في الرتبة والمودة بقوله تعالى: ﴿وصاحبته﴾ أي: زوجه التي يلزمه الذب عنها لا سيما عند العرب من أقبح العار ولكونه دائمًا معها. ولما ذكر الصاحبة لما لها من تمام الوصلة أتبعها الشقيق الذي هو عليه شفيق بقوله تعالى: ﴿وأخيه﴾ أي: الذي له به النصرة على من يريد، قال الشاعر:
*أخاك أخاك إن من لا أخا له كنازل الهيجاء بغير سلاح*
ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم بقوله تعالى: ﴿وفصيلته﴾ أي: عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه، وقال ثعلب: الفصيلة الآباء الأدنون، وقال أبو عبيدة ﵁: الفخذ، وقال مجاهد وابن زيد ﵃: عشيرته الأقربون، ﴿التي تؤويه﴾ أي: تضمه إليها عند الشدائد وتحميه لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها.
ولما خصص عمم بقوله تعالى: ﴿ومن في الأرض﴾ أي: من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بدّ في كل حال منه أم لا، ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿جميعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم ينجيه﴾ أي: ذلك الافتداء عطف على يفتدى، وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردّ وردع وزجر لما يودّه، وقال القرطبي: وإنها تكون بمعنى حقًا وبمعنى لا وهي هنا تحتمل الأمرين فإذا كانت بمعنى حقًا كان تمام الكلام ينجيه، وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها إذ ليس من عذاب الله افتداء.
ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر أشار إلى أنه مستحضر في الذهن لا يغيب قال تعالى: ﴿إنها﴾ أي: النار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة لفظ عذاب عليها، وقيل: الضمير للقصة. وقيل: مبهم يفسره قوله تعالى: ﴿لظى﴾ أي: ذات اللهب الخالص المتناهي في الحرّ اسم لجهنم تتلظى، أي: تتوقد فتأكل بسببه بعضها بعضًا إن لم تجد ما تأكله وتأكل كل ما وجدته كائنًا ما كان، وقوله تعالى: ﴿نزاعة للشوى﴾ جمع شواة وهي جلدة الرأس، أي: شديدة النزع لجلود الرؤوس. وقال في «القاموس»: اليدان والرجلان والأطراف ومخ الرأس وما كان غير مقتل ا. هـ. وقرأ حفص بالنصب على الاختصاص والحال المؤكدة والمستقلة على أن لظى متلظية، والباقون بالرفع على أنها خبر إن.
﴿تدعو من أدبر وتولى﴾ عن الإيمان، تقول: إليّ يا مشرك، إليّ يا فاسق ونحو هذا، ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب.
ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين، فكان الإقبال على أحدهما دالًا على الإعراض عن الأخرى قال تعالى دالًا على إدباره بقلبه: ﴿وجمع﴾ أي: كل ما كان منسوبًا إلى الدنيا ﴿فأوعى﴾ أي: جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصًا وطول
[ ٤ / ٣٨٣ ]
أمل ولم يعط حق الله تعالى منه فكان همه الإعطاء لا إبطاء ما وجب من الحق إقبالًا على الدنيا وإعراضًا عن الآخرة، وقرأ: ﴿لظى﴾ و﴿للشوى﴾ و﴿تولى﴾ ﴿فأوعى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح.
﴿إن الإنسان﴾ أي: الجنس عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولدينه ﴿خلق هلوعًا﴾ أي: جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والسرعة فيما لا ينبغي، وعن ابن عباس ﵄: إنه الحريص على ما لا يحل له.
وروي عنه أن تفسيره ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿إذا مسه﴾ أي: أدنى مس ﴿الشر﴾ أي: هذا الجنس، وهو ما تطاير شرره من الضرر ﴿جزوعًا﴾ أي: عظيم الجزع وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقدّ نصفين ويتفتت ﴿وإذا مسه﴾ كذلك ﴿الخير﴾ هذا الجنس وهو ما يلائمه فيجمعه من السعة في المال وغيره من أنواع الرزق ﴿منوعًا﴾ أي: مبالغًا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفًا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة، وهذا الوصف ضد الإيمان لأنه نصفان شكر وصبر.
فإن قيل: حاصل هذا الكلام أنه نفور عن المضارّ طالب للراحة، وهذا هو اللائق بالعقل فلم ذمه الله تعالى عليه؟ أجيب: بأنه إنما ذمه عليه لقصور نظره على الأمور العاجلة، والواجب عليه أن يكون شاكرًا راضيًا في كل حال.
وقوله تعالى: ﴿إلا المصلين﴾ استثناء للموصوفين بالصفات الآتية من المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل مضادّة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار العاجل على الآجل، وتلك ناشئة عن الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليها ﴿الذين هم﴾ أي: بكلية ضمائرهم وظواهرهم ﴿على صلاتهم﴾ أي: التي هي معظم دينهم وهي النافعة لهم لا لغيرهم بما أفادته الإضافة، والمراد الجنس الشامل لجميع الأنواع إلا أن معظم المقصود الفرض، ولذلك عبر بالاسم الدال على الثبات في قوله تعالى: ﴿دائمون﴾ أي: لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم منها، وقال عقبة بن عامر: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينًا ولا شمالًا، والدائم: الساكن، ومنه نهي عن البول في الماء الدائم، أي: الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التطوع منها.
فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿على صلاتهم دائمون﴾ وقال تعالى في موضع آخر: ﴿على صلواتهم يحافظون﴾ (الأنعام: ٩٢)
أجيب: بأن دوامهم عليها أن لا يتركوها في وقت، ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى تأتي على أكمل الوجوه من المحافظة على شرائطها، والإتيان بها في الجماعة وفي المساجد الشريفة، وفي تفريغ القلب عن الوسواس والرياء والسمعة، وأن لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، وأن يكون حاضر القلب فاهمًا للأذكار، مطلعًا على حكم الصلاة متعلق القلب بدخول أوقات الصلاة.
ولما ذكر تعالى زكاة الروح أتبعه زكاة عديلها، فقال تعالى مبينا للرسوخ في الوصف بالعطف بالواو: ﴿والذين في أموالهم﴾ التي منّ الله سبحانه بها عليهم ﴿حق معلوم﴾ أي: من الزكوات وجميع النفقات الواجبة. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق ﴿للسائل﴾ أي: الذي
[ ٤ / ٣٨٤ ]
يسأل ﴿والمحروم﴾ أي: الذي لا يسأل، فيحسب غنيًا فيحرم فهو يتلظى بناره في ليله ونهاره، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وسره إلا إلى إفاضة مدامعه بذلة وانكسار، وهذا من الله تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى، وقد كان للسلف الصالح في هذا قصب السبق، حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سواد كأنها السيور، فعجبوا منها فقال بعد موته نسوة أرامل: كان شخص يأتي إلينا ليلًا بقرب الماء على ظهره وأجربة الدقيق ففقدناه واحتجنا، فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ذلك، وحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن شخصًا رآه ماشيًا في زمن خلافته في الليل فتبعه، فجاء إلى بيت نسوة أرامل فقال: أعندكن ماء وإلا املأ لكنّ، فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهنّ. والحكايات عنهم في هذا كثيرة.
﴿والذين يصدّقون﴾ أي: يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجدّدونه كل وقت ﴿بيوم الدين﴾ أي: الجزاء الذي ما مثله يوم وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه على النقير والقمطير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة، فالذين يعلمون لذلك اليوم هم العمال، وأما المصدّقون بمجرّد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال.
﴿والذين هم﴾ أي: بجميع ضمائرهم وظواهرهم ﴿من عذاب ربهم﴾ أي: المحسن إليهم لا من عذاب غيره فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه ﴿مشفقون﴾ أي: خائفون في هذه الدار خوفًا عظيمًا هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو في الدنيا أو فيهما، فهم لذلك لا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه.
﴿إن عذاب ربهم﴾ أي: الذي هم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان ﴿غير مأمون﴾ أي: لا ينبغي لأحد أن يأمنه بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة؛ لأن الملك مالك وهو تام الملك، له أن يفعل ما شاء، ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحًا بين الخوف والرجاء.
﴿والذين هم﴾ أي: ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم ﴿لفروجهم﴾ أي: سواء أكانوا ذكورًا أم إناثًا ﴿حافظون﴾ أي: حفظًا ثابتًا دائمًا عن كل ما نهى الله تعالى عنه ﴿إلا على أزواجهم﴾ أي: من الحرائر بعقد النكاح، وقدمهنّ لشرفهنّ وشرف الولد بهنّ، ثم أتبعه قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ أي: من السراري التي هي محل الحرث والنسل واللاتي هن أقل عقلًا من الرجال، ولهذا عبر بما التي هي في الأغلب لغير العقلاء، وفي ذلك إشارة إلى اتساع النطاق في احتمالهن.
﴿فإنهم﴾ أي: بسبب إقبالهم بالفروج عليهن وإزالة الحجاب من أجل ذلك ﴿غير ملومين﴾ أي: في الاستمتاع بهن من لائم ما، كما نبه عليه البناء للمفعول، فهم يصحبونهن للتعفف وصون النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله تعالى، واكتفى في مدحهم بنفي اللوم لإقباله عن تحصيل ما له من المرام.
﴿فمن ابتغى﴾ أي: طلب وعبر بصيغة الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال عظيم من النفس واجتهاد في الطلب. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. ﴿وراء ذلك﴾ أي: شيئًا من هذا خارجًا عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى له، والذي هو أعلى المراتب في أمر النكاح وقضاء اللذة وأحسنها وأجملها ﴿فأولئك﴾ أي: الذين هم
[ ٤ / ٣٨٥ ]
في الحضيض من الدناءة وغاية البعد عن مواطن الرحمة ﴿هم﴾ أي: بضمائرهم وظواهرهم ﴿العادون﴾ أي: المختصون بالخروج عن الحدّ المأذون فيه. ﴿والذين هم لأماناتهم﴾ أي: من كل ما ائتمنهم الله تعالى عليه من حقه وحق غيره، وقرأ ابن كثير بغير ألف بعد النون على التوحيد، والباقون بالألف على الجمع ﴿وعهدهم﴾ أي: ما كان من الأمانات بربط وتوثيق ﴿راعون﴾ أي: حافظون لها معترفون بها على وجه نافع غير ضار.
﴿والذين هم﴾ أي: بغاية ما يكون من توجه القلوب ﴿بشهادتهم﴾ التي شهدوا بها أو يستشهدون بها بطلب أو غيره، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها ﴿قائمون﴾ أي: يتحملونها ويؤدّونها على غاية التمام والحسن أداء من هو متهيىء لها واقف في انتظارها، وقرأ حفص بألف بعد الدال على الجمع اعتبارًا بتعدد الأنواع والباقون بغير ألف على التوحيد إذ المراد الجنس. قال الواحديّ: والإفراد أولى لأنه مصدر فيفرد كما تفرد المصادر وإنّ أضيف إلى الجمع كصوت الحمير. قال أكثر المفسرين: يقومون بالشهادة على من كانت عليه من قريب وبعيد، يقومون بها عند الحكام ولا يكتمونها. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بشهادتهم أنّ الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله.
﴿والذين هم على صلاتهم﴾ أي: من الفرض والنفل ﴿يحافظون﴾ أي: يبالغون في حفظها ويجددونه حتى كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها لتحفظهم ويسابقون غيرهم في حفظها، وتقدم أنّ المداومة غير المحافظة، فدوامهم عليها محافظتهم على أوقاتها وشروطها وأركانها ومستحباتها في ظواهرها وبواطنها من الخشوع والمراقبة وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها كانت ناهية لفاعلها ﴿إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (العنكبوت: ٤٥)
فتحمل على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها، فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة والمحافظة إلى أحوالها ذكره القرطبي.
ولما ذكر تعالى خلالهم أتبعه ما أعطاهم، فقال عز من قائل مستأنفًا أو منتجًا من غير فاء إشارة إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب منهم في الحقيقة: ﴿أولئك﴾ أي: الذين في غاية العلوّ لما لهم من الأوصاف العالية ﴿في جنات﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه الأوصاف حتى تخلقوا بها أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة المناجاة لا يساويها شيء أصلًا، والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات والمستلذات والسرور وانتفى عنه جميع المكروهات والشرور، وضدها النار. وزادهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿مكرمون﴾ معبرًا باسم المفعول إشارة إلى عموم الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره، لأنه سبحانه قضى بأن يعلي مقدارهم فيكرمهم بأنواع الكرامات فيتلقاهم بالبشرى حين الموت وفي قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى دخولهم إلى قصورهم هذا حال المؤمنين.
وأما حال الكافرين فقال الله تعالى في حقهم:
﴿فما للذين كفروا﴾ وقف أبو عمرو على الألف بعد الميم والكسائي يقف على الألف وعلى اللام، ووقف الباقون على اللام، وأما الابتداء فالجميع يبتدؤون أوّل الكلمة أي: أيّ شيء من السعادات للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرار بمضمون هذا
[ ٤ / ٣٨٦ ]
الكلام الذي هو أوضح من الشمس حال كونهم ﴿قبلك﴾ أي: نحوك أيها الرسول الكريم وفيما أقبل عليك ﴿مهطعين﴾ أي: مسرعين مع مد الأعناق وإدامة النظر إليك في غاية العجب من مقالك، هيئة من يسعى إلى أمر لا حياة له بدونه ﴿عن﴾ أي: متجاوزين إليك مكانًا عن جهة ﴿اليمين﴾ أي: منك حيث يتيمنون به ﴿وعن الشمال﴾ أي: منك وإن كانوا يتشاءمون به، وقوله تعالى: ﴿عزين﴾ حال من الذين كفروا، وقيل: من الضمير في مهطعين فتكون حالًا متداخلة، أي: جماعات جماعات وحلقًا حلقًا متفرقين فرقًا شتى أفواجًا لا يتمهلون ليأتوا جميعًا. جمع عزة وأصلها عزوة لأنّ كل فرقة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى فهم متفرقون قال الكميت:
*ونحن وجندل باغ تركنا كتائب جندل شتى عزينا*
وجمع عزة جمع سلامة شذوذًا.
وقيل: كان المستهزؤون خمسة أرهط روي أنّ المشركين كانوا يجتمعون حول النبيّ ﷺ يستمعون كلامه ويستهزؤون به ويكذبونه ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فندخلها قبلهم، فردّ الله تعالى عليهم بقوله عز من قائل: ﴿أيطمع﴾ أي: هؤلاء البعداء البغضاء، وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له.
ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال تعالى: ﴿كل امرئ منهم﴾ أي: على انفراده ﴿أن يدخل﴾ أي: وهو كافر من غير إيمان يزكيه كما يدخل المسلم، فيستوي المسيء والمحسن ﴿جنة نعيم﴾ أي: لا شيء فيها عير النعيم.
وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع لهم عن طمعهم ودخولهم الجنة، أي: لا يكون ما طمعوا فيه أصلًا؛ لأنّ ذلك ثمن فارغ لا سبب له بما دل عليه التعبير بالطمع دون الرجاء. ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنا خلقناهم﴾ أي: بالقدرة التي لا يقدر أحد أن يقاومها ﴿مما يعلمون﴾ أي: أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا يستهزؤون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى: ﴿إنا خلقناهم ممايعلمون﴾ أي: من القذر وهو منصبهم الذي لا منصب أوضع منه ولذلك أبهم وأخفى إشعارًا بأنه منصب يستحيا من ذكره، فلا يليق بهم هذا التكبر ويدعون التقدم ويقولون: ندخل الجنة قبلهم.
قال قتادة في هذه الآية إنما خلقت يا ابن آدم من قذر، فاتّقِ الله. وروي أنّ مطرّق بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز، فقال له: يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله تعالى؟ فقال له: أتعرفني؟ قال: نعم، أوّلك نطفة مزرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته.
فائدة: قال ابن عربي في «الفتوحات»: خلق الله الناس على أربعة أقسام: قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم ﵇، وقسم من ذكر فقط وهو حوّاء، وقسم من أنثى فقط وهو عيسى ﵇، وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس.
﴿فلا﴾ زيدت فيه لا ﴿أقسم برب﴾ أي: سيد ومبدع ومدبر ﴿المشارق﴾ أي: التي تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة، كل يوم في موضع منها على المنهاج الذي دبره والطريق والقانون الذي أتقنه وسخره ستة أشهر صاعدة وستة أشهر هابطة
[ ٤ / ٣٨٧ ]
﴿والمغارب﴾ كذلك وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول الأربعة، فكان بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب وغير ذلك من المآرب، فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم والشجر كذلك عادة مستمرة دالة على أنه تعالى قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما يريده من غير كلفة ما. كما قال تعالى: ﴿إنا﴾ أي: على ما لنا من العظيمة ﴿لقادرون﴾ .
﴿على أن نبدل﴾ أي: تبديلًا عظيمًا بما لنا من الجلالة عوضًا عنهم ﴿خيرًا منهم﴾ أي: بالخلق أو بتحويل الوصف فيكونون أشدّ بطشًا في الدنيا وأكثر أموالًا وأولادًا وأعلى قدرًا وأكثر حشمًا وجاهًا وخدمًا، فيكونون عندك على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير وكل ما يضيق به صدرك، وقد فعل ذلك سبحانه بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان بالسعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر والتمكين في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة، ففرجوا الكرب عن رسول الله ﷺ وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ أي: لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده بوجه من الوجوه.
﴿فذرهم﴾ أي: اتركهم ولو على أسوأ أحوالهم ﴿يخوضوا﴾ أي: في باطلهم من مقالهم وفعالهم ﴿ويلعبوا﴾ أي: يفعلوا في دنياهم فعل اللاعب الذي لا فائدة لفعله إلا ضياع الزمان واشتغل أنت بما أمرت به ﴿حتى يلاقوا﴾ أي: يلقوا ﴿يومهم الذي يوعدون﴾ وهو يوم كشف الغطاء الذي أوّل مجيئه عند الغرغرة، وتناهيه النفخة الثانية، ودخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره، وهذه الآية منسوخة بآية السيف كما قاله البقاعيّ وابن عادل.
وقوله تعالى: ﴿يوم يخرجون﴾ يجوز أن يكون بدلًا من يومهم أو منصوبًا بإضمار أعني ﴿من الأجداث﴾ أي: القبور التي صاروا بتغييبهم فيها تحت وقع الحوافر والخف، فهم بحيث لا يدفعون شيئًا يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ، فإنّ الجدث: القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم.
وقوله تعالى: ﴿سراعًا﴾ أي: نحو صوت الداعي ذاهبين إلى المحشر، حال من فاعل يخرجون جمع سريع كظراف في ظريف، وقرأ قوله تعالى: ﴿كأنهم إلى نصب﴾ ابن عامر وحفص بضم النون والصاد، والباقون بفتح النون وإسكان الصاد على أنه مصدر بمعنى المفعول كما تقول هذا نصب عيني وضرب الأمير، والنصب كل ما نصب فعبد من دون الله ﴿يوفضون﴾ أي: يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إلى نصب، أي: إلى غاية وهي التي ينتصب إليها بصرك، وقال الكلبي: هو شيء منصوب علم أو راية. وقال الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى لا يلوي أوّلهم على آخرهم.
وقوله تعالى: ﴿خاشعة﴾ حال إما من فاعل يوفضون وهو أقرب، أو من فاعل يخرجون وفيه بعد منه، وفيه تعدد الحال لذي حال واحدة وفيه الخلاف المشهور. وقوله تعالى: ﴿أبصارهم﴾ فاعل، والمعنى ذليلة خاضعة لا يرفعونها لما يتوقعونه من عذاب الله تعالى ﴿ترهقهم﴾ أي: تغشاهم فتعمهم وتحمل عليهم، فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع عليهم ﴿ذلة﴾ أي: ضد ما كانوا عليه في الدنيا؛ لأن
[ ٤ / ٣٨٨ ]
من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة، ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة.
﴿ذلك﴾ أي: الأمر الذي هو في غاية ما يكون من علوّ الرتبة في العظمة ﴿اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ أي: يوعدون في الدنيا أنّ لهم فيه العذاب، وأخرج الخبر بلفظ الماضي؛ لأنّ ما وعد الله تعالى به فهو حق كائن لا محالة، وهذا هو العذاب الذي سألوا عنه أوّل السورة، فقد رجع آخرها على أوّلها.
وما قاله البيضاويّ تبعًا للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله تعالى ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون» . حديث موضوع.