مدنية
وهي ثنتان أو أربع وستون آية
﴿بسم الله﴾ الذي تمت كلمته فبهرت قدرته ﴿الرحمن﴾ الذي ظهرت الحقائق كلها بشمول رحمته ﴿الرحيم﴾ الذي شرف من اختاره بخدمته قوله تعالى:
﴿سورة﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه سورة أي: عظيمة أو سورة أنزلناها، مبتدأ موصوف والخبر محذوف أي: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقال الأخفش: لا يبعد الابتداء بالنكرة، فسورة مبتدأ، وأنزلناها خبره، ثم رغب في امتثال ما فيها مبينًا أن تنوينها للتعظيم بقوله تعالى: ﴿أنزلناها﴾ أي: بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة ﴿وفرضناها﴾ أي: قدرنا ما فيها من الحدود، وقيل: أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الراء لكثرة الفروض، والباقون بالتخفيف ﴿وأنزلنا فيها آيات﴾ من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها ﴿بينات﴾ أي: واضحات الدلالة ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي: تتعظون، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد، ثم إنه تعالى ذكر في السورة أحكامًا كثيرة: الحكم الأول: قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ أي: غير المحصنين لرجمهما بالسنة وأل فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ أي: ضربة يقال: جلده إذا ضرب جلده، ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر، ولا رجم عليه لأنه لا يتنصف.
واعلم أن الزنا من الكبائر، ويدل عليه أمور: أحدها: أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: ﴿ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا﴾ (الفرقان، ٦٨)، ثانيها: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا﴾ (الإسراء، ٣٢)، ثالثها: أن الله تعالى أوجب المائة فيه بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر وشرّع فيه الرجم، وروى حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللاتي في الآخرة فسخط الله ﷾ وسوء الحساب وعذاب النار»، وعن عبد الله قال: «قلت: يار رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك،
[ ٢ / ٥٩٥ ]
قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك» فأنزل الله تعالى تصديقًا لذلك: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾» (الفرقان، ٨٦)
والزنا إيلاج حشفة أو قدرها من مقطوعها من الذكر المتصل الأصلي من الآدمي الواضح ولو أشل وغير منتشر، وكان ملفوفًا في خرقة بقبل محرم في نفس الأمر لعينه خال عن الشبهة المسقطة للحدّ مشتهي طبعًا بأن كان فرج آدمي حيّ ولا يشترط إزالة البكارة حتى لو كانت غوراء وأدخل الحشفة فيها، ولم يزل بكارتها ترتب عليه حد الزنا بخلاف التحليل لا بدّ فيه من إزالة البكارة لقوله ﷺ «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، واختلف في اللواط هل يطلق عليه اسم الزنا أو لا؟ فقال بعضهم: يطلق عليه لقوله ﷺ «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان»، والذي عليه أكثر أصحابنا أنه غير داخل تحت اسم الزنا لأنه لو حلف لا يزني فلاط لم يحنث، والحديث محمول على الإثم بدليل قوله ﷺ «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان»، وللشافعي في حده قولان؛ أصحهما أن الفاعل إن كان محصنًا فإنه يرجم، وإلا فيجلد مائة ويغرب عامًا، وأما المفعول فلا يتصور فيه إحصان فيجلد ويغرب، والقول الثاني: يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصنًا أم لا لما روي عن ابن عباس أنه قال: من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.
وأما إتيان البهائم فحرام بإجماع الأئمة، واختلف في عقوبته على أقوال: أحدها: حد الزنا فيرجم الفاعل المحصن ويجلد غيره ويغرب، والثاني: أنه يقتل محصنًا كان أو غير محصن لما روي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه»، والثالث: وهو الأصح أنه يعزر؛ لأن الحدّ شرع للزجر عما تميل النفس إليه، وضعفوا حديث ابن عباس لضعف إسناده، وهو وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه ﷺ «نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله» .
وأما السحاق من النساء وإتيان المرأة الميتة والاستمناء باليد فلا يشرع فيه شيء من ذلك إلا التعزير والمقيم للحد هو الإمام أو نائبه، وللسيد أن يقيم الحدّ على رقيقه ولا تجوز الشفاعة في إسقاط الحدّ ولا تركه ولا تخفيفه كما قال تعالى: ﴿ولا تأخذكم﴾ أي: على أي حال من الأحوال ﴿بهما رأفة﴾ أي: رحمة ورقة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة والباقون بسكونها، والسوسي على أصله من البدل، وقيل: معنى الرأفة أن يخففوا الضرب ﴿في دين الله﴾ أي: الذي شرعه لكم، ولذلك قال ﷺ «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها»، روي أن عمر ﵁ جلد جارية له زنت، فقال للجلاد: اضرب ظهرها ورجليها، فقال له ابنه: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، فقال: يا بني إن الله تعالى لم يأمرنا بقتلها وقد ضربت فأوجبت. ثم إنه ﷾ زاد في الحض على ذلك بقوله تعالى: ﴿إن كنتم تؤمنون با﴾ أي: الذي هو أرحم الراحمين فإنه ما شرع ذلك الا رحمة للناس عمومًا وللزانين خصوصًا فلا تزيدوا في الحد ولا تنقصوا منه شيئًا، وفي الحديث «يؤتى بوال نقص من الحدود سوطًا فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أنت أرحم مني، فيؤمر به إلى النار، ويؤتي بمن زاد سوطًا فيقول: لينتهوا عن معاصيك، فيؤمر إلى النار» وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرض خير من مطر
[ ٢ / ٥٩٦ ]
أربعين ليلة ثم أتبع ذلك بما يرهبه بقوله تعالى: ﴿واليوم الآخر﴾ الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي ﴿وليشهد﴾ أي: وليحضر ﴿عذابهما﴾ أي: حدهما إذا أقيم عليهما ﴿طائفة من المؤمنين﴾ والطائفة الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء، وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلًا من المصدقين بالله تعالى، وعن الحسن: عشرة، وعن قتادة: ثلاثة فصاعدًا، وعن عكرمة: رجلان فصاعدًا، وعن مجاهد: أقلها رجل فصاعدًا، وقيل: رجلان وفضل قول
ابن عباس؛ لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الزنا ولا يجب على الإمام حضور رجم ولا على الشهود لأنه ﷺ أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور؛ لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، ويشهد له قول ابن عباس: إلى أربعين رجلًا من المصدقين بالله.
تنبيه: الضرب يكون بسوط لا حديد يجرح ولا خلق لا يؤلم، ويفرق بين السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد، واتفقوا على أنه يتقي المهالك كالوجه والبطن والفرج ويضرب على الرأس لقول أبي بكر ﵁: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه، ولا يشد يده وينزع الثياب التي تمنع ألم الضرب كالفرو، ولو فرق سياط الحدّ تفريقًا لا يحصل به التنكيل مثل أن يضرب كل يوم سوطًا أو سوطين، فإن فرق وضرب والألم موجود كفى، وإن وجب الحدّ على حامل لا يقام عليها حتى تضع وترضعه حتى ينفطم ويندب أن يحفر للمرأة إلى صدرها إن ثبت زناها بالبينة لا بإقرارها ولا يندب للرجل مطلقًا، وإن وجب الحدّ على المريض نظر إن كان يرجى زواله كصداع انتظر أو لا يرجى كالزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط بل بعثكال عليه مائة شمراخ، فيقوم ذلك مقام جلده، وأما في حال الحر والبرد الشديدين فإن كان الحدّ رجمًا لم يؤخر لأن النفس مستوفاة، وإن كان جلدًا أخر إلى اعتدال الهواء، ويقبل رجوع الزاني عن إقراره، ولو في أثناء الحدّ، وإذا مات في الحدّ يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
الحكم الثاني قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح﴾ أي: لا يتزوج ﴿إلا زانية أو مشركة﴾ أي: المعلوم اتصافه بالزنا مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ﴿والزانية لا ينكحها﴾ أي: لا يتزوجها ﴿إلا زانٍ أو مشرك﴾، أي: والمعلوم اتصافها بالزنا مقصور نكاحها على زانٍ أو مشرك إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الألفة والانضمام والمخالفة سبب النفرة والافتراق، وقال بعضهم: الجنسية علة الضم والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم، فقال: يا أهل الكوفة قد علمنا شراركم من خياركم، فقالوا: كيف وما لك إلا ثلاثة أيام؟ فقال: كان معنا شرار وخيار فانضم خيارنا إلى خياركم وشرارنا إلى شراركم، وعن الشعبي أنه قال: إنّ لله ملكًا موكلًا بجمع الأشكال بعضها إلى بعض، وقال القائل:
[ ٢ / ٥٩٧ ]
*عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإن قيل: لما قدمت الزانية على الزاني أولًا، ثم قدم عليها ثانيًا؟ أجيب: بأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما كانت أصلًا وأوّلًا في ذلك بدىء بذكرها، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الراغب فيه والخاطب، ومنه يبدو الطلب ﴿وحرم ذلك﴾ أي: نكاح الزاني والزانية تحريمًا لا مشوبة فيه ﴿على المؤمنين﴾ واختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم منهم مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي، ورواية عن ابن عباس قدم المهاجرون لمدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغاياهنّ يومئذٍ أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهنّ لينفقن عليهم فاستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك، فنزلت هذه الآية، وحرم ذلك على المؤمنين أن يتزوّجوا تلك البغايا لأنهن كنّ مشركات، وقال عكرمة: نزلت في نساء كن بمكة وبالمدينة لهن رايات يعرفن بهن منهن: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة فاستأذن رجل منهم النبي ﷺ في نكاح أم مهزول فاشترطت أن تنفق عليه فنزلت هذه الآية، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغيّ يقال لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرم الزنا، فقالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا، فأمسك رسول الله ﷺ ولم يرد عليّ شيئًا، فنزل: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا
زانٍ أو مشرك﴾، فدعاني رسول الله ﷺ وقرأها عليّ وقال: لا تنكحها» أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داوود بألفاظ متقاربة المعنى.
فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصًا في حق أولئك دون سائر الناس، وقال قوم منهم سعيد بن جبير والضحاك، ورواية عن ابن عباس: المراد من النكاح هو الجماع، ومعنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا تزني إلا بزانٍ أو مشرك، وقال يزيد بن هارون: إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وعن عائشة ﵂: إن الرجل إذا زنا بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانيًا. وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوج الزاني الزانية فهما زانيان أبدًا. وقال الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة، والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود. وقال سعيد بن المسيب وجماعة منهم الشافعي رحمه الله تعالى: إن حكم الآية منسوخ، وكان نكاح الزانية حرامًا بهذه الآية فنسخها الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ (النور، ٣٢)، وهو جمع أيم وهي من لا زوج لها، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين واحتج من جوّز نكاح الزانية بما روي عن جابر «أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال فإني
[ ٢ / ٥٩٨ ]
أحبها وهي جميلة، قال: استمتع بها، وفي رواية غيره أمسكها إذًا» وقد أجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه، وعنه ﷺ أنه سئل عن ذلك فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح»، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضرب رجلًا وامرأة زنيا، وحرض أن يجمع بينهما فأبى الغلام.
ولما نفر ﷾ عن نكاح من اتصف بالزنا من رجل أو امرأة نهى عن الرمي به فقال تعالى:
﴿والذين يرمون﴾ أي: بالزنا ﴿المحصنات﴾ جمع محصنة وهي هنا المسلمة الحرة المكلفة العفيفة وهذا هو الحكم الثالث والذي يدل على أن المراد الرمي بالزنا أمور: أحدها: تقدم ذكر الزنا، ثانيها: أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميها بضد ذلك، ثالثها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا، رابعها: قوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا﴾ أي: إلى الحكام ﴿بأربعة شهداء﴾ أي: ذكور ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير شرط إلا في الزنا وشرط القاذف الذي يحد بسبب القذف التكليف والاختيار والتزام الأحكام والعلم بالتحريم وعدم إذن المقذوف، وأن يكون غير أصل، وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض فمن الصريح قوله لرجل أو امرأة زنيت أو زنيت، أو يا زاني أو يا زانية، ولو كسر التاء في خطاب الرجل وفتحها في خطاب المرأة أو زنيت في الجبل، ومن الكناية زنأت وزنأت في الجبل بالهمز، فإن نوى بذلك القذف كان قذفًا وإلا فلا، ومن التعريض يا ابن الحلال، وأما أنا فلست بزانٍ، فهذا ليس بقذف وإن نواه.
فإن قيل: إذا كان ذلك القذف يشمل الذكر والأنثى فلم كانت الآية الكريمة في الإناث فقط؟ أجيب: بأن الكلام في حقهن أشنع وتنبيهًا على عظيم حق أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها، وحدّ القاذف الحر ثمانون كما قال تعالى: ﴿فاجلدوهم﴾ أي: أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم ﴿ثمانين جلدة﴾ لكل واحد منهم لكل محصنة وحدّ القاذف الرقيق ولو مبعضًا أو مكاتبًا أربعون جلدة على النصف من الحر لآية النساء فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين حدّ الزنا وحدّ القذف، ويدل على أن المراد بالآية الأحرار قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم﴾ أي: بعد قذفهم ﴿شهادة﴾ أي: شهادة كانت ﴿أبدًا﴾ للحكم بافترائهم؛ لأن العبد لا تقبل شهادته، وإن لم يقذف. ولما كان التقدير أنهم قد افتروا عطف عليه تحذيرًا من الإقدام عليه من غير تثبت ﴿وأولئك﴾ أي: الذين تقدم ذمهم بالقذف فنزلت رتبتهم جدًّا ﴿هم الفاسقون﴾ أي: المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف، وإن كان القاذف منهم محقًا في نفس الأمر وفي ذلك دليل على أن القذف من الكبائر؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة، واختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وحكم هذا الاستثناء المذكور في قوله:
﴿إلا الذين تابوا﴾ أي: رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره، وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا ﴿من بعد ذلك﴾ أي: الأمر الذي أوجب إبعادهم، فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، فإذا تاب وصلح حاله كما قال تعالى: ﴿وأصلحوا﴾ أي: بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الطبائع ﴿فإن الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي: ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه ﴿رحيم﴾ أي: يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة، وقبلت شهادته سواء قبل الحدّ وبعده وزال عنه اسم الفسق، وقالوا: هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة، وإلى الفسق، ويروى ذلك عن ابن عمرو وابن عباس، وجمع من الصحابة وبه قال مالك والشافعي، وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدًا وإن تاب، وقالوا: الاستثناء رجع إلى قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾، ويروى ذلك عن النخعي وشريح، وبه قال أصحاب الرأي قالوا: بنفس القذف لا تردّ شهادته ما لم يحد؛ قال الشافعي: هو قبل أن يحدّ شر منه حين يحدّ؛ لأن الحدود كفارات، فكيف يرد بها في أحسن حاليه، وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة.
فإن قيل: إذا قلتم بالأول فما معنى قوله تعالى: ﴿أبدًا﴾؟ أجيب: بأن معنى أبدًا ما دام مصرًا على القذف؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدًا؛ يراد بذلك ما دام على كفره، فإذا أسلم قبلت شهادته.
تنبيهان: الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين أو أربع كالزنا؟ فيه قولان: أصحهما أنه يثبت برجلين بخلاف فعل الزنا؛ لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه، وإذا شهد على فعل الزنا يجب أن يذكر الزاني ومن زنا بها؛ لأنه قد يراه على جارية لأبيه فيظنه زنًا يوجب الحد، وأن يقول في شهادته: رأيت ذكره يدخل في فرجها، وإن لم يقل دخول الميل في المكحلة لكن قوله ذلك أولى، فلو شهدوا مطلقًا أنه زنا لم يقبلوا لأنهم ربما يرون المفاخذة زنًا، ويشترط أيضًا أن يفسر في إقراره كالشهود ويصح رجوعه عن الإقرار، ولو في أثناء الحدّ كما مرَّ، ولا فرق في قبول الشهادة بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين كما قاله الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حدّ القذف، ولو شهد على الزنا أقل من أربعة أو أربعة وفيهم الزوج لم يثبت الزنا وعليهم الحدّ؛ لأن شهادة الزوج لا تقبل في حق زوجته؛ قال ابن الرفعة في الكفاية: لأمرين أحدهما: أن الزنا تعرض لمحل حق الزوج، فإنّ الزاني يستمتع بالمنافع المستحقة له فشهادته في حقها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له، فلم تسمع كما إذا شهد أنه جنى على عبده، والثاني: أنّ من شهد بزنا زوجته فنفس شهادته دال على إظهار العداوة؛ لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال الغير عليه وعلى ولده، وهو أبلغ من مؤلم الضرب وفاحش السب، ولو قذف رجل وجاء بأربعة فساق شهدوا على المقذوف بالزنا لم يحدّوا؛ لأن شرائط الشهادة بالزنا قد وجدت عند القاضي إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحدّ عن المشهود عليه، فكذلك أوجبنا اعتبارها في نفي الحدّ عنهم، ولما كان لفظ المحصنات عامًا للزوجات، وكان لهن حكم غير ما تقدم وهو الحكم الرابع أفردهن بقوله:
﴿والذين يرمون﴾ أي: بالزنا ﴿أزواجهم﴾ أي: من المؤمنات والكافرات الحرائر والإماء ﴿ولم يكن لهم شهداء﴾ يشهدون على صحة ما قالوه ﴿إلا أنفسهم﴾ أي: غير أنفسهم وهذا ربما يفهم أنه إذا كان الزوج أحد الأربعة كفى وهذا المفهوم معطل لكونه حكاية حال واقعة لا شهود فيها، وقوله تعالى في الآية قبلها: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي بالزنا، ولعله استثناه
[ ٢ / ٦٠٠ ]
من الشهداء؛ لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة، ومذهب الشافعي أنه لا يقبل في ذلك كما قدّمناه ﴿فشهادة أحدهم﴾ أي: فالواجب شهادة أحدهم على من رماها أو فعليهم شهادة أحدهم ﴿أربع شهادات﴾ من خمس في مقابلة أربعة شهداء ﴿بالله﴾ أي: مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال ﴿إنه لمن الصادقين﴾ أي: فيما قذفها به، وقرأ حفص وحمزة والكسائي برفع العين على أنه خبر شهادة والباقون بنصبها على المصدر ﴿والخامسة أن لعنت الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿عليه﴾ أي: القاذف نفسه ﴿إن كان من الكاذبين﴾ فيما رماها به، وقرأ نافع بتخفيف أن ساكنة ورفع لعنة، والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب لعنة ورسمت لعنة بتاء مجرورة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، ووقف الباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حدّ القذف عليه وحصول الفرقة بنفسه فرقة فسخ عندنا لقوله ﷺ «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا» وبتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد إن تعرض له فيه وثبوت حدّ الزنا على المرأة بقوله تعالى: ﴿ويدرأ﴾ أي: يدفع ﴿عنها﴾ أي: المقذوفة ﴿العذاب﴾ أي: المعهود وهو الحدّ الذي أوجبه عليها كما تقدّم ﴿أن تشهد أربع شهادات﴾ من خمس ﴿بالله﴾ الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا كما تقدم في الزوج ﴿إنه لمن الكاذبين﴾ فيما قاله عليها ﴿والخامسة﴾ من الشهادات ﴿أن غضب الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿عليها إن كان
من الصادقين﴾ أي: فيما رماها به.
روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال له النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: البينة أو حد في ظهرك، فقال هلال بن أمية: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾، فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي ﷺ يقول: والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا: إنها موجبة؛ قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي ﷺ أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» .
وقد روى البخاري أيضًا عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر ﵁ وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معًا أو متفرقة.
تنبيه: خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه
[ ٢ / ٦٠١ ]
كلماته في الجانبين فيقول: قل أشهد بالله إلخ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعًا أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعًا، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، ولو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص: والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء. ولما حرّم ﷾ بهذه الجمل الأعراض والأنساب فصان بذلك الدين والأموال، علم أن التقدير فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين لما فعل بكم ذلك ولا فضح المذنبين وأظهر سرائر المستخفين، ففسد النظام فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله تعالى:
﴿ولولا فضل الله﴾ أي: بما له من الكرم والاتصاف بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي: بكم بالستر في ذلك ﴿وإن الله﴾ أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿تواب﴾ بقبوله التوبة في ذلك وغير ذلك ﴿حكيم﴾ يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور لفضح كل عاصٍ، ولم يوجب أربعة شهداء سترًا لكم، الحكم الخامس: قصة الإفك المذكورة في قوله تعالى:
﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾ أي: أسوأ الكذب سمي إفكًا لكونه مصروفًا عن الحق من قولهم: أفك الشيء إذا صرفه عن جهته، وذلك أن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبويها كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أفضائه.
فإن قيل: لم ترك تسميتها؟ أجيب: بأنه تركه تنزيهًا لها عن هذا القال وإبعادًا لصون جانبها العلي عن هذا المراد، وقوله تعالى: ﴿عصبة﴾ خبر إنّ أي: جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون وكذا العصابة وقوله تعالى: ﴿منكم﴾ خطاب للنبي ﷺ وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن يعد عندكم في عداد المسلمين يريد عبد الله بن أبيّ وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم، وقوله تعالى: ﴿لا تحسبوه شرًّا لكم﴾ مستأنف أي: لا تنشأ عنه فتنة ولا يصدقه أحد ﴿بل هو خير لكم﴾ لاكتسابكم به الثواب العظيم؛ لأنه كان بلاءً مبينًا ومحنة ظاهرة، وظهور كرامتكم على الله تعالى بإنزال ثمان عشرة آية في براءتكم وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم، والثناء على من ظن بكم خيرًا كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن
[ ٢ / ٦٠٢ ]
رسول الله ﷺ وتسلية له، وتبرئة لأم المؤمنين رضوان الله تعالى عليها وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به، فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمّلها، ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له علل ذلك بقوله تعالى: ﴿لكل امرىء منهم﴾ أي: الآفكين ﴿ما اكتسب﴾ أي: بخوضه فيه ﴿من الإثم﴾ الموجب لشقائه ﴿والذي تولى كبره﴾ أي: معظمه ﴿منهم﴾ أي: من الخائضين وهو ابن أبيّ فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله ﷺ أو هو وحسان ومسطح فإنهما تابعاه بالتصريح به والذي بمعنى الذين على هذا ﴿له عذاب عظيم﴾ في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبيّ مطرودًا مشهورًا بالنفاق وحسان أعمى أشل اليدين ومسطح مكفوف البصر.
تنبيه: قصة الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرهما شهيرة جدًا ولكن نذكر منها طرفًا تبركًا بذكر النبي ﷺ وبذكر السيدة عائشة وأبويها رضي الله تعالى عنهم، فنقول: «عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه؛ قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين فأذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري وإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت: وأقبل الرهط الذين يرحلون بي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن ولم يغشهم اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما سار الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن معطل السهمي ثم الذكواني رضي الله تعالى عنه قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول فهلك من هلك،
وكان الذي تولى كبر الإفك منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم، ثم ينصرف فذلك الذي يريبني فيه ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأمّ مسطح
[ ٢ / ٦٠٣ ]
قبل المناصع، وكان متبرزنًا وكنا لا نخرج إلا ليلًا وذلك
قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأولى في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهدًا بدرًا، فقالت: يا هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قالت: وما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ ثم قال: كيف تيكم، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ، قالت: وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما؛ قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبويّ فقلت لأمي: يا أماه ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فوالله ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها؛ قالت: فقلت سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا، قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي؛ قالت: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على النبي ﷺ بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودِّ، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرًا، وأما عليّ فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا
خيرًا وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، ولم يدخل على أهلي إلا معي؛ قالت: فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج؛ قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن حملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك ما أحببت أن تقتله، فقام أسيد بن حضير
ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه كأنك منافق تجادل عن المنافقين قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت؛ قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت: وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع حتى أني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت: فبينما نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس؛ قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء؛ قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين
[ ٢ / ٦٠٤ ]
جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه؛ قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى لا أحس منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال، فقال: إني والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ قلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال، فقالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا: والله لقد علمت ما سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني فوالله لا أجد لي ولا لكم مثلًا إلا ما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه حين قال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم حينئذٍ أني بريئة، والله مبرئي ببراءتي؛ ولكن والله ما كنت أظن أن
الله ينزل في شأني وحيًا يتلى لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذه ما كان يأخذه عند الوحي من البرحاء حتى أنه لا ينحدر منه العرق مثل الجمان في اليوم الشاتي من ثقل الذي أنزل عليه فسجي بثوب، فوالله ما سرّي عن رسول الله ﷺ حتى ظننت أن نفس أبوي ستخرجان فرقًا من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس، فلما سرى عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة قد برأك الله فكنت أشد ما كنت غضبًا، فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي؛ لقد سمعتموه فما أنكرتموه، ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا﴾ العشر آيات كلها، فقال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾، فقال أبو بكر الصديق ﵁: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح التي كان ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا؛ قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت حجش عن أمري فقال لزينب: ما علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرًا؛ قالت عائشة: وهي التي تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع؛ قالت عائشة: «والله إنّ الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله تعالى»؛ قالت: ولما نزل عذري قام رسول الله ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن وضرب عبد الله بن أبيّ مسطحًا
وحسان وحمنة
الحدّ. قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
*
فإنّ أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
وقال الحافظ بن عمر بن عبد البر في الاستيعاب وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وجلد فيه، وروي عن عائشة أنها برأته من ذلك، انتهى. وقال غيره: والله لا أظن به ذلك أصلًا وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى كما يعرف ذلك من مارس نقل الأخبار وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي ﷺ والمدافعة عنه والذم لأعدائه، وقد شهد النبي ﷺ أن جبريل معه وهو القائل يمدح عائشة ويكذب من نقل عنه ذلك:
*حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
*حليلة خير الناس دينًا ومنصبًا
نبي الهدى والمكرمات الفواضل
*عقيلة حي من لؤي بن غالب
كرام المساعي مجدها غير زائل
*مهذبة قد طيب الله خيمها
وطهرها من كل شين وباطل
*وإن كانت ما بلغت عني قلته
فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
*فكيف وودي ما حييت ونصرتي
لآل رسول الله زين المحافل
*له رتبة عال على الناس فضلها
تقاصر عنها سورة المتطاول
وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب، فإن هذه القصة عبرة لمن اعتبر فإن أهل الإفك استمروا في هذا أكثر من شهر والله تعالى عالم بما يقولون، وإن قولهم يكاد يقطع الأكباد في أحب خلقه إليه وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه ولكنه سبحانه أراد لناس رفع الدرجات ولآخرين الهلكات ولا بأس ببيان غريب هذه الألفاظ التي وقعت في هذه القصة من كلام عائشة وغيرها قولها: إذن أي: أعلم بالرحيل، وقولها فقدت عقدًا لي من جزع أظفار: هو نوع من الخرز وهو الحجر اليماني المعروف، وقولها: لم يهبلن أي: لم يكثر لحمهنّ من السمن فيثقلن، وقولها إنما يأكلن العلقة من الطعام وهو بضم العين أي: البلغة من الطعام وهي قدر ما يمسك الرمق وقولها: ليس بها منهم داعٍ ولا مجيب أي: ليس بها أحد لا من يدعو ولا من يرد جوابًا، وقولها: فيممت أي: قصدت، وقولها: قد عرس من وراء الجيش، فأدلج التعريس نزول المسافر بالليل للراحة والإدلاج بالتشديد سيرًا آخر الليل وبالتخفيف سير الليل كله، وقولها: باسترجاعه هو قول القائل: إنا لله وإنا إليه راجعون. قولها: خمرت أي: غطيت وجهي بجلبابي أي: إزاري، وقولها: موغرين في نحو الظهيرة الوغر: شدّة الحر وكذلك نحر الظهيرة أي: أولها، وقولها: والناس يفيضون أي: يخوضون ويتحدثون، وقولها: وهو يريبني يقال: رابني الشيء يريبني أي: تشككت فيه، وقولها: ولا أرى من النبي اللطف أي: الرفق بها، واللطف في الأفعال الرفق، وفي الأقوال لين الكلام، وقولها: حين نقهت أي: أفقت من المرض والمناصع المواضع الخالية تقضى فيها الحاجة من غائط وبول، وأصله المكان الواسع الخالي والمرط كساء من صوف أو خز، قولها فقالت: تعس مسطح أي: خسر، وقولها: يا هنتاه أي: يا بلهاء كأنها نسبتها إلى البله وقلة المعرفة، وقولها: لا يرقأ أي: لا ينقطع، وقول بريرة: إن رأيت بمعنى النفي أي: ما رأيت منها أمرًا أغمصه عليها بالصاد المهملة أي: أعيبه، والداجن الشاة التي
تألف البيت وتقيم به، وقوله ﷺ من يعذرني أي: إن أنا أكافئه
[ ٢ / ٦٠٦ ]
على سوء صنيعه إن عاتبت أو عاقبت، فلا تلوموني على ذلك، وقولها: ولكن حملته الحمية أي: حمله الغضب والأنفة والتعصب على الجهل للقرابة، وقولها: فتثاور الحيان أي: ثاروا ونهضوا للقتال والمخاصمة، وقولها: فلم يزل يخفضهم أي: يهوّن عليهم ويسكت، وقوله ﷺ إن كنت ألممت قيل: هو من اللمم وهو صغار الذنوب، قيل: معناه مقارفة الذنب من غير فعل، وقولها: قلص دمعي أي: انقطع جريانه، قوله: ما رام أي: ما برح من مكانه والبرحاء الشدّة، والجمانة الدرة وجمعه جمان، وقولها: فسرّي عنه أي: كشف عنه، وقول زينب: أحمي سمعي وبصري أي: أمنعهما عن أن أخبر بما لم أسمع ولم أبصر وقولها: وهي التي كانت تساميني من السموّ وهو العلوّ والغلبة، فعصمها الله تعالى أي: منعها الله من الوقوع في الشر بالورع، وقول الرجل: ما كشفت كنف أنثى أي: ستر أنثى، وقول حسان في عائشة: حصان بفتح الحاء امرأة حصان أي: متعففة رزان أي: ثابتة ما تزن أي: ترمي ولا تتهم بريبة أي: أمر يريب الناس وتصبح غرثى أي: خائفة الموت، والغرث: الجوع من لحوم الغوافل جمع غافلة والمعنى أنها لا تغتاب أحدًا ممن هو غافل، وقرأ لا تحسبوه وتحسبونه ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها، ولما أخبر ﷾ بعقاب أهل الإفك، وكان في المؤمنين من سمعه وسكت، وفيهم من سمعه فتحدّث به متعجبًا من قائله أو متثبتًا في أمره وفيهم من أكذبه أتبعه ﷾ بعتابهم في أسلوب خطابهم مثنيًا على من كذبه، فقال ﷾ مستأنفًا محرضًا:
﴿لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿سمعتموه﴾ أيها المدعون للإيمان ﴿ظن المؤمنون﴾ أي: منكم ﴿والمؤمنات﴾ وكان الأصل ظننتم أي: أيها العصبة ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيهًا على التوبيخ، وصرح بالنساء ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفًا للذي ظن السوء من سوء الخاتمة ﴿بأنفسهم﴾ حقيقة ﴿خيرًا﴾ وهم دون من كذب عليها فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن في الناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم لأن المؤمنين كالجسد الواحد وذلك نحو ما يروى أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان كنت تظن بحرمة رسول الله ﷺ سوءًا قال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ﷺ فعائشة خير مني وصفوان خير منك ﴿وقالوا هذا إفك مبين﴾ أي: كذب بيّن.
فإن قيل: هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر؟ أجيب: بأن ذلك مبالغة في التوبيخ على طريقة الالتفات وليصرح بلفظ الإيمان دالًا على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناءً على ظنه بالمؤمن الخير هذا إفك مبين هكذا اللفظ المصرح ببراءة ساحته لا يقول كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه، ثم علل ﷾ كذب الآفكين أن قال موبخًا لمن اختلقه وأذاعه ملفتًا لمريديه إلى ظن الخير:
﴿لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿جاؤوا عليه
[ ٢ / ٦٠٧ ]
بأربعة شهداء﴾ كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها ﴿فإذ﴾ أي: حين ﴿لم يأتوا بالشهداء﴾ أي: الموصوفين ﴿فأولئك﴾ أي: البعداء من الصواب ﴿عند الله هم الكاذبون﴾ قد جعل الله التفضل بين الرمي الصادق والرمي الكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها، والذين رموا عائشة لم تكن لهم بينة على قولهم، فقامت عليهم الحجة، وكانوا عند الله أي: في حكمه وشريعته كاذبين، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة في التنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله ﷺ حبيبة حبيب رب العالمين. ولما بيّن الله ﷾ الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام وأنهم استحقوا الملام قال عاطفًا على لولا الماضية التي للتحضيض:
﴿ولولا﴾ التي هي لامتناع الشيء لوجود غيره ﴿فضل الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي: معاملته لكم بمزيد الإنعام والإكرام اللازم للرحمة ﴿في الدنيا﴾ بقبول التوبة والمعاملة بالحلم ﴿والآخرة﴾ بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم ﴿لمسكم﴾ أي: عاجلكم ﴿في ما أفضتم﴾ أي: أيها العصبة أي: خضتم ﴿فيه﴾ من حديث الإفك ﴿عذاب عظيم﴾ أي: يحتقر معه اللوم والجلد.
فائدة: في مقطوعة في الرسم من ما كما ترى، ثم بين تعالى وقت حلول العذاب وزمان تعجيله بقوله تعالى:
﴿إذ﴾ أي: مسكم حين ﴿تلقونه﴾ أي: تجتهدون في تلقي أي: قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه ﴿بألسنتكم﴾ أي: يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيًا يلقيه بعضهم إلى بعض، وحذفت من الفعل إحدى التاءين ﴿وتقولون بأفواهكم﴾ أي: كلامًا مختصًا بالأفواه فهو كلام لا حقيقة له فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل وأكد هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿ما ليس لكم به علم﴾ أي: بوجه من الوجوه وتنكيره للتحقير.
فإن قيل: القول لا يكون إلا بالفم، فما معنى قوله تعالى: ﴿بأفواهكم﴾؟ أجيب: بأن معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان وهذا الإفك ليس إلا قولًا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ (آل عمران، ١٦٧)
﴿وتحسبونه﴾ بدليل سكوتكم عن إنكاره ﴿هينًا﴾ أي: لا إثم فيه ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿عند الله﴾ أي: الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته ﴿عظيم﴾ في الوزر واستجرار العذاب فهذه ثلاثة آثام مرتبة علق بها مس العذاب العظيم تلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك، وهو عند الله تعالى عظيم:
﴿ولولا﴾ أي: وهلا ولم لا ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿سمعتموه قلتم﴾ من غير توقف ولا تلعثم ﴿ما يكون﴾ أي: ما ينبغي وما يصح ﴿لنا أن نتكلم بهذا﴾ أي: القول المخصوص ويجوز أن تكون الإشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس محرم، فكيف بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق.
فإن قيل: كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم؟ أجيب: بأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها وأنها لا انفكاك لها عنه فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها.
فإن قيل: أيّ فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلًا؟
[ ٢ / ٦٠٨ ]
أجيب: بأن الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يذبوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم.
فإن قيل: ما معنى يكون والكلام بدونه ملتئم لو قيل ما لنا أن نتكلم بهذا؟ أجيب: بأن معناه ينبغي ويصح أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وما يصح لنا كما تقدم تقريره، ونحوه ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وقوله تعالى: ﴿سبحانك﴾ تعجب من أن يخطر ذلك بالبال في حال من الأحوال.
فإن قيل: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ أجيب: بأن الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية التعجب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب، وقيل: تنزيه، فهو منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء القذفة، وعن أن لا يعاقبهم وعن أن تكون حرمة نبيه ﷺ فاجرة، قال البيضاوي: فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فإنه لا ينفر أي: ولهذا كانت امرأة نوح ولوط كافرتين، وهذا يقتضي حل نكاح الكتابية مع أنها لا تحل له ﷺ لأنها تكره صحبته؛ ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة بنكاح ولقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ (الأحزاب، ٦)
ولا يجوز أن تكون الكافرة أم المؤمنين، ولخبر «سألت ربي أن لا أزوج إلا من كانت معي في الجنة فأعطاني» رواه الحاكم وصحح إسناده.
أما التسري بالكافرة فلا يحرم؛ لأنه ﷺ تسرى بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة ولا يشكل تعليلهم السابق من أنه أشرف أن يضع ماءه في رحم كافرة؛ لأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم منه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيهما ﴿هذا بهتان﴾ أي: كذب يبهت من يواجه به ويحيره لشدّة ما يفعل في القوى الباطنة؛ لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه، ثم هونه بقوله ﴿عظيم﴾ لعظمة المبهوت عليه، فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها، ولما كان هذا كله وعظًا لهم واستصلاحًا ترجمه بقوله:
﴿يعظكم الله﴾ أي: يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله، فيمهل بحلمه ولا يهمل بحكمته ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تعودوا لمثله أبدًا﴾ أي: ما دمتم أحياء مكلفين، ثم عظم هذا الوعظ بقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: متصفين بالإيمان راسخين فيه، فإنكم لا تعودون، فإن الإيمان يمنع عنه، وهذا تهييج وتقريع لا أنه يخرج عن الإيمان كما تقول المعتزلة.
فإن قيل: هل يجوز أن يسمى الله واعظًا كقوله تعالى: ﴿يعظكم الله﴾؟ أجيب: بأنه لا يجوز كما قاله الرازي، قال: كما لا يجوز أن يسمى الله معلمًا كقوله تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن﴾ (الرحمن، ١)
؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية.
﴿ويبين الله﴾ أي: بما له من صفات الكمال والإكرام ﴿لكم الآيات﴾ أي: الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا ﴿والله﴾ أي: المحيط بجميع الكمال ﴿عليم﴾ أي: بما يأمر به وينهى عنه ﴿حكيم﴾ لا يضع شيئًا إلا في أحكم مواضعه وإن دق عليكم فهم ذلك فلا تتوقفوا في أمر من أوامره، ولماكان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب بينه بقوله تعالى:
﴿إن الذين يحبون﴾ أي: يريدون وعبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة ﴿أن تشيع﴾ أي: تنتشر بالقول أو الفعل ﴿الفاحشة﴾ الفعلة الكبيرة القبح ﴿في الذين آمنوا﴾ أي: بنسبتها إليهم وهم العصبة، وقيل: المنافقون ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾
[ ٢ / ٦٠٩ ]
أي: بالحدّ للقذف ﴿والآخرة﴾ أي: بالنار لحق الله تعالى إن لم يتب ﴿والله﴾ أي: المستجمع لصفات الجلال والجمال ﴿يعلم﴾ أي: له العلم التام فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في إظهاره أو ستره أو غير ذلك من جميع الأمور ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أي: ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا بما علمكم فلا تتجاوزوه ولا تضلوا، وقيل: معناه يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة فيجازيه عليها وأنتم لا تعلمون ذلك، وقيل: والله يعلم انتفاء الفاحشة عنهم وأنتم أيها العصبة لا تعلمون وجودها فيهم، وقوله تعالى:
﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ أي: بكم تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة، ولذا عطف عليه ﴿وأن الله﴾ أي: الذي له القدرة التامة، فسبقت رحمته غضبه ﴿رؤوف رحيم﴾ على حصول فضله ورحمته، وجواب لولا محذوف كأنه قال: لعذبكم واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم؛ قال ابن عباس: الخطاب لحسان ومسطح وحمنة قال الرازي: ويجوز أن يكون الخطاب عامًا، وقيل: الجواب في قوله تعالى: ﴿ما زكى منكم من أحد﴾، وقرأ: رؤوف؛ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمدّ الهمزة والباقون بقصرها.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات﴾ أي: طرق ﴿الشيطان﴾ بتزيينه أي: لا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة ولا في غيرها ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه﴾ أي: المتبع ﴿يأمر بالفحشاء﴾ أي: بالقبائح من الأفعال ﴿والمنكر﴾ أي: ما أنكره الشرع وهو كل ما يكرهه الله تعالى، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون ﴿ولولا فضل الله﴾ أي: الذي لا إله غيره ﴿عليكم ورحمته﴾ أي: بكم بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وتشريع الحدود المكفرة لها ﴿ما زكى﴾ أي: ما طهر من ذنبها ﴿منكم من أحد أبدًا﴾ آخر الدهر، والآية عند بعض المفسرين على العموم قالوا: أخبر الله أنه لولا فضل الله ورحمته ما صلح منكم من أحد، وقال ابن عباس: الخطاب للذين خاضوا في الإفك ومعناه ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل بالتوبة منه ﴿ولكن الله﴾ أي: العليم بأحوال خلقه ﴿يزكي﴾ أي: يطهر ﴿من يشاء﴾ من الذنوب بقبول التوبة منها ﴿والله سميع﴾ أي: لأقوالهم ﴿عليم﴾ أي: بما في قلوبهم.
﴿ولا يأتل﴾ أي: يحلف افتعال من الآلية وهو القسم ﴿أولو الفضل﴾ أي: أصحاب الغنى ﴿منكم والسعة أن﴾ أي: أن لا ﴿يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ عنهم في ذلك ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ أي: على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر ﵁ حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكان يتيمًا في حجره، وكان ينفق عليه فلما فرط منه ما فرط قال لهم أبو بكر: قوموا لستم مني ولست منكم وكفى بذلك داعيًا في المنع، فإن الإنسان إذا أحسن إلى قريبه وكافأه بالإساءة كان أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من أجنبي؛ قال الشاعر:
*وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وضع الحسام المهند
فقال له مسطح: نشدتك الله والإسلام والقرابة لا تحوجنا إلى أحد فما كان لنا أول الأمر من
[ ٢ / ٦١٠ ]
ذنب فقال: ألم تتكلم؟ فقال: قد كان بعض ذلك عجبًا من قول حسان فلم يقبل عذره، وقال: انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرًا ولا فرجًا، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدّقوا على من تكلم بشيء من الإفك، فبعث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وقرأ عليه الآية، فلما وصل إلى قوله: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ ﴿والله غفور رحيم﴾ أي: مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه قال: بلى يا رب إني أحب أن تغفر لي، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه، وقال: قبلت ما أنزل الله تعالى على الرأس والعين وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم، وجعل له مثلي ما كان له، وقال: والله لا أنزعها أبدًا، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أعظم من مقاتلة الكفار؛ لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكفار ومجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة الكفار، ولهذا روي أنه ﷺ قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .
﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ أي: العفائف ﴿الغافلات﴾ أي: عن الفواحش وهنَّ السليمات الصدور النقيات القلوب بأن لا يقع في قلوبهن فعلها اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات؛ قال في ذلك القائل متغزلًا:
*ولقد لهوت بطفلة ميالة
بلهاءتطلعني على أسرارها
وكذلك البله من الرجال في قوله ﷺ «أكثر أهل الجنة البله»، وقيل: البله هم الراضون بنعيم الجنة والفطناء لم يرضوا إلا بالنظر إلى وجهه الكريم ﴿المؤمنات﴾ بالله ورسوله ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ أي: عذبوا في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بالنار ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ لعظم ذنوبهم؛ قال مقاتل: هذا خاص في عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وروي أنه قيل لسعيد بن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة، فقال: ذلك لعائشة ﵂ خاصة. قال الزمخشري: ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم ترَ أنَّ الله ﷿ قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه ما أنزل فيه على طرق مختلفة أو أساليب مفتنة كل واحد منها كاف في بابه ولو لم تنزل إلا هذه الثلاث آيات لكفى بها حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعًا وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم كما قال تعالى:
﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ أي: من قول وفعل، وهو يوم القيامة بما أفكوا وبهتوا فإنه تعالى يوفيهم جزاءهم الحق كما قال تعالى:
﴿يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ أي: جزاءهم الواجب الذين هم أهله ﴿ويعلمون﴾ عند ذلك ﴿أن الله هو الحق المبين﴾ حيث حقق لهم جزاء الذي كانوا يشكون فيه فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين وعبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة وما ذاك إلا لأمر عظيم، وعن ابن عباس
[ ٢ / ٦١١ ]
أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن حتى سئل عن هذه الآيات فقال: من أذنب ذنبًا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك ولقد برّأ الله تعالى أربعة بأربعة برّأ يوسف ﵇ بلسان الشاهد فقال تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ (يوسف، ٢٦)
الآية، وبرّأ موسى ﵊ من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرّأ مريم بإنطاق ولدها ﵊ حين نادى من تحتها ﴿إني عبد الله﴾ (مريم، ٣٠)
الآية، وبرّأ عائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كيف بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ والتنبيه على أنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه وتقدم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك وليتأمل كيف غضب الله تعالى له في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه، وقال قوم: ليس لمن قذف عائشة وبقية أزواج النبي ﷺ توبة؛ لأن الله تعالى لم يذكر في قذفهن توبة، وما ذكر من أول السورة فذاك في قذف غيرهن.
فإن قيل: إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل المحصنات؟ أجيب: بأنها لما كانت أم المؤمنين جمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان ولذا قيل: إن هذا حكم كل قاذف ما لم يتب.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿هو الحق المبين﴾؟ أجيب: بأن معناه ذو الحق المبين أي: العادل الظاهر العدل الذي لا ظلم في حكمه والمحق الذي لا يوصف بباطل ومن هذه صفته كان له أن يجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه، وقرأ: يشهد؛ حمزة والكسائي بالياء التحتية والباقون بالفوقية، ويوم ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم، وقرأ أبو عمرو: يوفيهم الله، بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء وضم الميم هذا كله في الوصل، وأما الوقف فالجميع بكسر الهاء وسكون الميم.
﴿الخبيثات﴾ أي: من النساء والكلمات ﴿للخبيثين﴾ من الناس ﴿والخبيثون﴾ أي: من الناس ﴿للخبيثات﴾ أي: مما ذكر ﴿والطيبات﴾ أي: مما ذكر ﴿للطيبين﴾ أي: من الناس ﴿والطيبون﴾ أي: منهم ﴿للطيبات﴾ أي: مما ذكر فاللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله ﴿أولئك﴾ أي: الطيبون والطيبات من النساء، ومنهم صفوان وعائشة ﴿مبرؤون مما يقولون﴾ أي: الخبيثون والخبيثات من النساء، وقيل: عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿فإن كان له أخوة﴾ أي: إخوان ﴿لهم﴾ أي: الطيبين والطيبات من النساء على الأول، ولصفوان وعائشة على الثاني ﴿مغفرة﴾ أي: عفو عن الذنوب ﴿ورزق كريم﴾ هو الجنة، وروي أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل ﵇ أتى بصورتها في سرقة من حرير وقال للنبي ﷺ هذه زوجتك، وروي أنه أتى بصورتها في راحته، ومنها أنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، ومنها أنه قبض ﷺ ورأسه الشريف في حجرها، ومنها أنه دفن في بيتها، ومنها أنه كان ينزل
[ ٢ / ٦١٢ ]
عليه الوحي وهو معها في لحاف، ومنها أن براءتها نزلت من السماء، ومنها أنها ابنة خليفة رسول الله ﷺ وصديقه، وخلقت طيبة، ووعدت بمغفرة ورزق كريم، وكان مسروق رحمه الله تعالى إذا روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ﷺ المبرّأة من السماء.
الحكم السادس: ما ذكره بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم﴾ أي: التي تسكنونها، فإن المؤجر والمعير لا يدخلان إلا بإذن، وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها، وفي قوله تعالى: ﴿حتى تستأنسوا﴾ وجهان: أحدهما: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش؛ لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له فقد استأنس، والمعنى حتى يؤذن لكم كقوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ (الأحزاب، ٥٣)، وهذا من باب الكناية والإرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن، والثاني: أن يكون من الاستئناس بمعنى الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا، والمعنى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا، ومنه قولهم: استأنس هل ترى أحدًا، واستأنست فلم أرَ أحدًا أي: تعرفت واستعلمت، وقال الخليل بن أحمد: الاستئناس: الاستبصار، من قولهم: آنست نارًا؛ أي: أبصرت، وقيل: هو أن يتكلم بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة ويتنحنح يؤذن أهل البيت، وعن أبي أيوب الأنصاري قال: يا رسول الله: ما الاستئناس؟ قال: «أن يتكلم الرجل» ﴿وتسلموا على أهلها﴾ كأن يقول الواحد: السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات، فإن أذن له دخل، وإلا رجع قال قتادة: المرة الأولى للتسميع، والثانية: ليتهيأ، والثالثة: إن شاء أذن، وإن شاء رد، وهذا من محاسن الآداب، فإن أول مرة ربما منعهم بعض الأشتغال من الإذن، وفي الثانية ربما كان هناك مانع يقتضي المنع، فإن لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع، ولهذا كان الأولى في الاستئذان ثلاثًا أن لا تكون متصلة، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما.
ولا بد من إذن صريح إذا كان الداخل أجنبيًا أو قريبًا غير محرم سواء كان الباب مغلقًا أم لا، وإن كان محرمًا فإن كان ساكنًا مع صاحبه فيه لم يلزمه الاستئذان، ولكن عليه أن يشعره بدخوله بتنحنح أو شدة وطء أو نحو ذلك ليستتر العريان فإن لم يكن ساكنًا فإن كان الباب مغلقًا لم يدخل إلا بإذن، وإن كان مفتوحًا فوجهان، والأوجه الاستئذان، وعن أبي موسى الأشعري أنه أتى باب عمر، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالها ثلاثًا، ثم رجع وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الاستئذان ثلاثًا»، و«استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: ألج، فقال رسول الله ﷺ لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن، قولي له يقول: السلام عليكم أدخل، فسمع الرجل فقال: أدخل» .
وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتًا غير بيته: حييتم صباحًا وحييتم مساءً، ثم يدخل، فربما أصاب صاحب البيت مع امرأته في لحاف واحد، فصدّ الله ﷿ عن ذلك، وعلم
[ ٢ / ٦١٣ ]
ما هو الأحسن الأجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به وباب الاستئذان من ذلك.
قال الزمخشري: بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن يسمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله ﷺ ولكن أين الأذن الواعية. ﴿ذلكم خير لكم﴾ أي: من تحية الجاهلية، ومن أن تدخلوا من غير استئذان. «روي أن رجلًا قال للنبي ﷺ أأستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إنها ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا، قال: فاستأذن»، وقوله تعالى: ﴿لعلكم تذكرون﴾ متعلق بمحذوف أي: أنزل عليكم، وقيل: بين لكم هذا إرادة أن تذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد.
﴿فإن لم تجدوا فيها﴾ أي: البيوت ﴿أحدًا﴾ يأذن لكم في دخولها ﴿فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم﴾ أي: حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول فيها ليس الاطلاع على العورات فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي تطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ﴿وإن قيل لكم ارجعوا﴾ أي: بعد الاستئذان ﴿فارجعوا﴾ أي: إذا كان في البيت أحد، وقال لكم: ارجعوا فارجعوا ﴿هو﴾ أي: الرجوع ﴿أزكى﴾ أي: أطهر وأصلح ﴿لكم﴾ من الوقوف على الأبواب منتظرين؛ لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصًا إذا كانوا ذوي مروءة مرتاضين للآداب الحسنة وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس، وعن أبي عبيد رحمه الله تعالى: ما قرعت بابًا على عالم قط، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾، (الحجرات، ٤)
وعن قتادة رحمه الله تعالى: إذا لم يؤذن له لا يقعد وراء الباب فإن للناس حاجات، وإن حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظرًا جاز، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يأتي باب الأنصاري لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ولا يستأذن فيخرج الرجل فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ لو أخبرتني فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم، فإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردودًا لما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من اطلع في بيت قوم فقد حل لهم يفقؤوا عينه» وفي رواية للنسائي قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما كان عليك جناح»، ولو عرض أمر في دار من حريق أو هدم أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره جاز الدخول بغير إذن ﴿والله﴾ أي: الذي لا يخفى عليه شيء ﴿بما تعملون﴾ من الدخول بإذن وبغير إذن ﴿عليم﴾ فيجازيكم عليه.
لما نزلت آية الاستئذان قالوا: يا رسول الله كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها إنسان فأنزل الله تعالى:
﴿ليس عليكم جناح﴾ أي: إثم ﴿أن تدخلوا بيوتًا غير مسكونة﴾ أي:
[ ٢ / ٦١٤ ]
بغير استئذان منكم، وذلك كبيوت الخانات والربط المسبلة ﴿فيها متاع﴾ أي: منفعة ﴿لكم﴾ والمنفعة فيها بالنزول وأنواع المتاع والاتقاء من الحر والبرد ونحو ذلك، وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها للبيع والشراء وهو المنفعة، وقال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت الأسواق إذن، وكان ابن سيرين رحمه الله تعالى إذا جاء إلى حانوت السوقي يقول: السلام عليكم أدخل ثم يلج، وقال عطاء: هي البيوت الخربة والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط، وذلك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت المسكونة وغيرها ﴿والله يعلم ما تبدون﴾ أي: تظهرون ﴿وما تكتمون﴾ أي: تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وفي ذلك وعيد من الله تعالى لمن دخل لفساد أو تطلع على عورات وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم سلموا على أنفسهم.
والحكم السابع حكم النظر المذكور في قوله تعالى:
﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ أي: عما لا يحل لهم نظره ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ أي: عما لا يحل لهم فعله بها.
تنبيه: من للتبعيض، والمراد غض البصر عما لا يحل كما مرَّ والاقتصار به على ما يحل، وجوّز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه.
فإن قيل: لم دخلت من في غض البصر دون حفظ الفرج؟ أجيب: بأن في ذلك دلالة على أن المراد أن أمر النظر أوسع بدليل جواز النظر للمحارم فيما عدا ما بين السرة والركبة، وأما نظر الفروج فالأمر فيه ضيق وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه، ويجوز أن يراد مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء، وعن ابن زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار.
فإن قيل: لم قدم غض البصر على حفظ الفرج؟ أجيب: بأن البلوى فيه أشد. وروي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة فقال: «اصرف بصرك» . وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية» أخرجه أبو داود والترمذي، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» ﴿ذلك﴾ أي: غض البصر وحفظ الفرج ﴿أزكى﴾ أي: خير ﴿لهم﴾ لما فيه من البعد عن الريبة، سئل الشيخ الشبلي رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿يغضوا من أبصارهم﴾، فقال: أبصار الرؤوس عن المحرمات وأبصار القلوب عن المحرمات، ثم أخبر ﷾ بأنه خبير بأحوالهم وأفعالهم بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الملك الذي لا يخفى عليه شيء ﴿خبير بما يصنعون﴾ بسائر حواسهم وجوارحهم، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون.
﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ عما لا يحل لهن نظره ﴿ويحفظن فروجهن﴾ عما لا يحل لهن فعله بها، روي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة بنت الحرث إذ أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال ﷺ احتجبا
[ ٢ / ٦١٥ ]
منه فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى؟ فقال رسول الله ﷺ أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه»، وقوله تعالى: ﴿ولا يبدين﴾ أي: يظهرن ﴿زينتهن﴾ أي: لغير محرم، والزينة خفية وظاهرة، فالخفية مثل الخلخال والخضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط في الأذن والقلائد في العنق، فلا يجوز للمرأة إظهارها، ولايجوز للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة مواضعها من البدن، وذكر الزينة للمبالغة في الأمر بالصون والستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي: من الزينة الظاهرة، واختلف أهل العلم في هذه الزينة التي استثناها الله تعالى فقال سعيد بن جبير وجماعة: هي الوجه والكفان، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هي الثياب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة، يجوز للأجنبي النظر إليها إن لم يخفِ فتنة في أحد وجهين وعليه الأكثر.
وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها، ولأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدًّا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وخاصة الفقيرات، والوجه الثاني يحرم؛ لأنه محل الفتنة ورجح حسمًا للباب ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ أي: يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع، فإن جيوبهن كانت واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من قدّامهن حتى تغطيها، ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور تسمية لها باسم ما يليها ويلابسها، ومنه قولهم: ناصح الجيب بالنون والصاد أي: سليم الصدر، وقولك: ضربت بخمارها على جيبها كقولك: ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه؛ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يرحم الله تعالى نساء المهاجرات لما أنزل الله وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن بها، والمرط كساء من صوف أو خز أو كتان، وقيل: هو الإزار، وقيل: هو الدرع.
وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وعاصم بضم الجيم، والباقون بكسرها، وكرر قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ لبيان من يحل له الإبداء، ومن لا يحل له أي: الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما عدا الوجه والكفين ﴿إلا لبعولتهن﴾ أي: فإنهم المقصودون بالزينة، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج ولو الدبر ولكنه يكره، وقال ابن عباس: لا يضعن الجلباب والخمار عنهن إلا لأزواجهن ﴿أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن﴾ فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الخفية ولا ينظروا إلى ما بين السرة والركبة، وإنما سومح في الزينة الخفية لأولئك المذكورين في الآية للحاجة المضطرّة إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولقلة الفتنة من جهتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك ﴿أو نسائهن﴾ أي: المؤمنات، فإن الكافرات لا يتحرجن عن وصفهن للرجال، فلا يجوز للمسلمة أن تتجرّد من ثيابها عند النساء الكافرات؛ لأنهن أجنبيات عن الدين
[ ٢ / ٦١٦ ]
فكن كالرجال الأجانب، لكن يجوز أن ترى الكافرة منها ما يبدو عند المهنة، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمامات مع المسلمات، وقيل: النساء كلهن، وللعلماء في ذلك خلاف.
تنبيه: العورة على أربعة أقسام؛ عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وعورة الرجل مع المرأة، أما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه ما عدا ما بين السرة والركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، وأما المرأة مع الرجل أو الرجل مع المرأة، فلا ينظر أحدهما من الآخر شيئًا، وقيل: يجوز للأجنبي أن ينظر إلى وجهها وكفيها إذا أمن الفتنة ولم تكن شهوة، وقيل: يجوز لها أن تنظر منه ما عدا ما بين السرة والركبة، ويجوز لمن أراد أن يخطب حرة أن ينظر وجهها وكفيها، وهي تنظر منه إذا أرادت أن تتزوج به ما عدا ما بين السرة والركبة، وإن أراد أن يتزوج بأمة جاز أن ينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة، ويحرم أن ينظر بشهوة، ويحرم النظر بشهوة لكل منظور إليه إلا لمن أرد أن يتزوج بها وإلا حليلته ويباح النظر من الأجنبي لمعاملة وشهادة حتى يجوز النظر إلى الفرج للشهادة على الزنا والولادة، وإلى الثدي للشهادة على الرضاع وتعليم ومداواة بقدر الحاجة.
وكل ما حرم نظره متصلًا حرم نظره منفصلًا كشعر عانة من رجل أو قلامة ظفر من أجنبية، ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوب واحد إذا كانا عاريين، وإن كان كل منهما في جانب من الفراش للخبر المتقدم، ويجب التفريق بين ابن عشر سنين وإخوته وأخواته في المضجع إذا كانا عاريين، وتسن مصافحة الرجلين والمرأتين لخبر: «ما من مسلمين يلتقيان ويتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» .
وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص، والمعانقة والتقبيل في الرأس للنهي عن ذلك إلا لقادم من سفر أو تباعد عهد، ويسن تقبيل الطفل ولو لغير أبويه شفقة، ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح، ويسن تقبيل يد الحي لصلاح أو علم أو زهد أو نحو ذلك، ويكره لغني أو وجاهة أو نحو ذلك، وقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهنّ﴾ يعم الإماء والعبيد، فيحل نظر العبد العفيف غير المبعض والمشترك والمكاتب إلى سيدته العفيفة لما روى أبو داود: أنه ﷺ أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رآها النبي ﷺ وما تلقى قال ﷺ «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك» .
وعن عائشة أنها قالت لعبدها ذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر، وأما الفاسق والمبعض والمشترك والمكاتب فكالأجنبي بل قيل: إن المراد بالآية الإماء وعبدًا وأمة كالأجنبي وبه قال ابن المسيب آخرًا، وقال: لا تغرنكم آية النور فإن المراد بها الإماء ﴿أو التابعين﴾ أي: الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم ﴿غير أولي الإربة﴾ أي: أصحاب الحاجة إلى النساء ﴿من الرجال﴾ أي: ليس لهم همة إلى ذلك ولا حاجة لهم في النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئًا من أمرهن، وقيل: هم شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم، وقيل: هم الممسوحون سواء كان حرًا أم لا وهو ذاهب الذكر والأنثيين، أما ذاهب الذكر
[ ٢ / ٦١٧ ]
فقط أو الأنثيين فقط فكالفحل، وعن أبي حنيفة لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم. قال الزمخشري: فإن قلت: روي: «أنه أهدي لرسول الله ﷺ خصي فقبله» قلت: لا يقبل فيما تعم به البلوى إلا حديث مكشوف وإن صح فلعله قبله ليعتقه أو لسبب من الأسباب، انتهى. وعندنا يجوز جميع ذلك إذ لا مانع منه، وقيل: المراد بأولي الإربة هو المخنث، وقرأ ابن عامر وشعبة بنصب الراء على الاستثناء والحال، والباقون بكسرها على الوصفية، وقوله تعالى: ﴿أو الطفل﴾ بمعنى الأطفال وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس ويبينه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿الذين لم يظهروا﴾ أي: لم يطلعوا ﴿على عورات النساء﴾ للجماع فيجوز لهن أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة؛ قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: إذا لم يبلغ الطفل حدًا يحكي ما يراه فكالعدم أو بلغه من غير شهوة فكالمحرم، أو بشهوة فكالبالغ ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ وذلك أن المرأة كانت تضرب برجلها الأرض ليقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال، وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها على الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين فنهين عن ذلك لأن ذلك يورث ميلًا في الرجال، وإذا وقع النهي عن إظهار صوت
الحلي فمواضع الحلي أبلغ في النهي وأوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها، وإن ضبط نفسه واجتهد ولا يخلو من تقصير يقع منه فلذلك قال تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله﴾ أي: الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ﴿جميعًا أيها المؤمنون﴾ أي: مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره.
وشروط التوبة أن يقلع الشخص عن الذنب ويندم على ما مضى منه ويعزم على ألا يعود إليه ويرد الحقوق لأهلها، وقرأ ابن عامر في الوصل: أيها المؤمنون بضم الهاء لأنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها والباقون بفتحها، وأما الوقف فوقف أبو عمرو والكسائي بالألف بعد الهاء، ووقف الباقون على الهاء ساكنة ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: تنجون من ذلك بقبول التوبة منه، وفي الآية تغليب الذكور على الإناث، وعن ابن عباس توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.
فإن قيل: على هذا قد صحت التوبة بالإسلام لأنه يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة؟ أجيب: بأن بعض العلماء قال: إن من أذنب ذنبًا ثم تاب لزمه كلما ذكره أن يجدد التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه على عدم العودة إلى أن يلقى الله تعالى، والذي عليه الأكثر أنه لا يلزمه تجديدها.
وعن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إلى ربي كل يوم مائة مرة»، وعن ابن عمر قال: إنا كنا لنعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة»، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه»، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يسقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة» .
ولما نهى عما سيفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية
[ ٢ / ٦١٨ ]
إلى بقاء النوع بعد الزجر عنه مبالغة فيه عقبه بالحكم الثامن وهو الأمر بالنكاح المذكور في قوله تعالى:
﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ جمع أيم والأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا، والأيم هي من ليس لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا، ومن ليس له امرأة فيشمل ذلك الذكر والأنثى قال الشاعر:
*فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي
وإن كنت أفتى منكم أتأيم
أي: أقرب إلى الشباب منك وأتأيم بالرفع على قلة جواب إن تتأيمي، وما بينهما جملة معترضة، والمعنى أوافقك في حالتي التزوج والتأيم، وإن كنت أقرب إلى الشباب منك، وعنه ﷺ «اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة، والأيمة والقزم والقرم العيمة: شهوة اللبن، والغيمة: العطش، والأيمة: شهوة النكاح مع الخلو من الزوجية، والقزم: البخل، والقرم: شهوة اللحم، وهذا في الأحرار والحرائر، وأما غيرهم فهو قوله تعالى: ﴿والصالحين﴾ أي: المؤمنين ﴿من عبادكم﴾ وهو من جموع عبد، ﴿وإمائكم﴾ والخطاب للأولياء والسادة، وهذا الأمر أمر ندب، فيستحب لمن تاقت نفسه للنكاح ووجد أهبته أن يتزوج ومن لم يجد أهبته استحب له أن يكسر شهوته بالصوم لما ورد أنه ﷺ قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» أي: قاطع لشهوته لأن الوجاء بكسر الواو نوع من الخصاء وهو أن ترض عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هما، فشبه الصوم في قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع النسل، والباءة بالمد مؤن النكاح، وهي المهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه.
فإن لم تنكسر شهوته بالصوم فلا يكسرها بالكافور ونحوه بل يتزوج، ويكره لغير التائق إن فقد الأهبة أو وجدها وكان به علة كهرم فإن وجدها ولا علة به وهو غير تائق فالتخلي للعبادة أفضل من النكاح إن كان متعبدًا فإن لم يتعبد فالنكاح أفضل من تركه لقوله ﷺ «من أحب فطرتي فليستن بسنتي» وهي النكاح، وعنه ﷺ «من كان له مال يتزوج به فلم يتزوج فليس منا»، وعنه ﷺ «إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ويلاه عصم ابن آدم مني ثلثي دينه» والأحاديث في ذلك كثيرة، وربما كان واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة، وعنه ﷺ «إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال»، وفي رواية: «يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة»، ويندب النكاح للمرأة التائقة وفي معناها المحتاجة إلى النفقة، والخائفة من اقتحام الفجرة، ويستحب أن تكون المنكوحة بكرًا إلا لعذر لقوله ﷺ «هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك»، ولودًا لقوله ﷺ «تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»، وفي رواية: «يا عياض لا تتزوج عجوزًا ولا عاقرًا، فإني مكاثر دينة» لما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ﷺ قال: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» .
وقيل: المراد بالصالحين الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه، وقوله تعالى: ﴿إن يكونوا﴾ أي: الأحرار ﴿فقراء يغنهم الله﴾ أي: بالتزويج ﴿من فضله﴾ ردّ لما عساه
[ ٢ / ٦١٩ ]
أن يمنع من النكاح والمعنى لا يمنعهن فقر الخاطب والمخطوبة من المناكحة، فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غادٍ ورائح، أو وعد من الله تعالى بالغنى لقوله ﷺ «اطلبوا الغنى في هذه الآية» .
لكن ينبغي أن تكون شريطة الله تعالى غير منسية في هذا الوعد ونظائره، وهي مشيئته ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة، ونحوه: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ (الطلاق، ٣)، وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم﴾ (التوبة، ٢٨)، ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضًا بعزب كان غنيًا فأفقره النكاح.
وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكينًا، وورد: «التمسوا الرزق بالنكاح»، وشكى إلى النبي ﷺ رجل الحاجة فقال: «عليك بالباءة» أي: النكاح، وعن عمر ﵁: عجبت لمن يبتغي الغنى بغير النكاح، والله تعالى يقول: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾، وحكي عنه أنه قال: عجبت لمن لم يطلب الغنى بالباءة، وقال طلحة بن مطرف: تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع في أخلاقكم ويزيد الله في ثروتكم؛ قال الزمخشري: ولقد كان عندنا رجل رازح الحال ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته فقال: كنت في أول أمري على ما علمت وذلك قبل أن أرزق ولدًا، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر فلما ولد لي الثاني ازددت خيرًا فلما تتاموا ثلاثة صبَّ الله علي الخير، فأصبحت إلى ما ترى، انتهى. ﴿والله﴾ أي: الذي له الملك كله ﴿واسع﴾ أي: ذو سعة لخلقه لا تنفد نعمه إذ لا تنتهي قدرته ﴿عليم﴾ بهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. ولما ذكر تعالى تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك بقوله:
﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا﴾ أي: وليجهد في طلب العفة عن الزنا والحرام الذين لا يجدون ما ينكحون به من مهر ونفقة يوم التمكين وكسوة فصله، وقيل: لا يجدون ما ينكحون ﴿حتى يغنيهم الله﴾ أي: يوسع عليهم ﴿من فضله﴾ فينكحون، ولما ذكر تعالى نكاح الصالحين من العبيد والإماء حث على كتابتهم بالحكم التاسع وهو الأمر بالكتابة المذكور في قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾ أي: يطلبون الكاتبة ﴿مما ملكت أيمانكم﴾ أي: من العبيد والإماء ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ أي: أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة.
وسبب نزول هذه الآية ما روي أن غلامًا لحويطب بن عبد العزى يقال له: الصبيح، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب وأركانها أربعة رقيق وصيغة وعوض وسيد وشرط في السيد كونه مختارًا أهل تبرع وولاء وكتابة المريض مرض الموت محسوبة من الثلث، فإن خلف مثلي قيمته صحت الكتابة في كله أو مثل قيمته صحت في ثلثيه أو لم يخلف غيره صحت في ثلثه، وشرط في الرقيق اختيار وعدم صبا وجنون وأن لا يتعلق به حق آدمي لازم، وشرط في الصيغة لفظ يشعر بالكتابة كأن يقول السيد لمملوكه: كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف، فإذا أديتهما فأنت حر، فيقول العبد: قبلت ذلك، فلا يصح عقدها إلا مؤجلًا منجمًا بنجمين فأكثر، كما جرى عليه الصحابة فمن بعدهم، فلا بدّ من بيان قدرالعوض وصفته وعدد النجوم وقسط كل نجم فلا تجوز عند الشافعي
[ ٢ / ٦٢٠ ]
رضي الله تعالى عنه بنجم واحد ولا بحال لأن العبد لا يملك شيئًا فعقدها بحال يمنع من حصول الغرض لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلًا، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه تجوز حالًا ومؤجلًا ومنجمًا وغير منجم؛ لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياسًا على سائر العقود وهي سنة لا واجبة، وإن طلبها الرقيق لئلا يتعطل أثر الملك وتتحكم المماليك على الملاك بطلب رقيق أمين قوي على الكسب وبهما فسر الشافعي الخير في الآية واعتبرت الأمانة لئلا يضيع ما يحصله فلا يعتق، والطلب والقدرة على الكسب ليوثق بتحصيل النجوم. /
روي أنه ﷺ قال: «ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله»، فإن فقدت هذه الشروط أو بعضها فهي مباحة إذ لا يقوى رجاء العتق بها ولا تكره بحال لأنها عند فقد ما ذكر فقد تفضي إلى العتق، نعم إن كان الرقيق فاسقًا بسرقة أو نحوها، وعلم سيده أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب اكتسب بطريق الفسق لم يبعد تحريمها حينئذٍ لتضمنها التمكين من الفساد، وتصح على عوض قليل وكثير، ويجب أن يحط عنه قبل عتقه شيئًا متمولًا من النجوم، أو يدفعه إليه من جنسها أو من غيرها، كما قال تعالى: ﴿وآتوهم﴾ أمر للسادة ﴿من مال الله الذي آتاكم﴾ ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم أيها السادة، وفي معنى الإيتاء حط شيء متمول مما التزموه بل الحط أولى من الدفع؛ لأن القصد بالحط الإعانة على العتق وهي محققة فيه موهومة في الدفع إذ قد يصرف المدفوع في جهة أخرى، وكون ذلك في النجم الأخير أولى منه فيما قبله لأنه أقرب إلى العتق.
يروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كاتب عبدًا له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمر وقال: استعن به على كتابتك، فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك وكونه ربعًا من النجوم أولى، فإن لم تسمح به نفسه فكونه سبعًا أولى، روى حط الربع النسائي وغيره، وحط السبع مالك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وعند أبي حنيفة أمر للمسلمين على جهة الوجوب بإعانتهم للمكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال كقوله: ﴿وفي الرقاب﴾ ولما بين تعالى ما يصح من تزويج العبيد والإماء أتبع ذلك بالحكم العاشر وهو الإكراه على الزنا المذكور في قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم﴾ أي: إماءكم ﴿على البغاء﴾ أي: الزنا.
كان لعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله ﷺ فنزلت، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت مسيكة لمعاذة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيرًا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرًا فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله هذه الآية، وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يومًا ببرد، وجاءت الأخرى بدينار فقال لهما: ارجعا فازنيا، فقالا: والله لا نفعل قد جاء الإسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله ﷺ وشكيا إليه فنزلت.
ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي» ﴿إن أردن
[ ٢ / ٦٢١ ]
تحصنًا﴾ أي: تعففًا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط؛ لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فإنها بغي الطبع طوعًا، وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر ولأن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، فخرج النهي على صورة صفة السبب وإن لم تكن شرطًا فيه، وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنًا، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴿لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾ أي: تطلبوا من أموال الدنيا بكسبهن وأولادهن ﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور﴾ أي: لهن ﴿رحيم﴾ بهن، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن: والله لهن أي: لا للمكره إلا إذا تاب.
فإن قيل: إن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة؟ أجيب: بأن الزنا لا يباح بالإكراه فهي آثمة لكن لا حد عليها للإكراه، ولما ذكر تعالى في هذه السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث:
أحدها: قوله تعالى:
﴿ولقدأنزلنا إليكم آيات مبينات﴾ أي: الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء التحتية والباقون بفتحها؛ لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول السليمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿ومثلًا من الذين خلوا من قبلكم﴾ أي: من جنس أمثالهم، أي: وقصة عجيبة مثل قصصهم وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها، فإنها كقصة يوسف ومريم ﵉.
ثالثها قوله تعالى: ﴿وموعظة للمتقين﴾ أي: ما وعظ به في قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ (النور، ٢)، وقوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون﴾ (النور، ١٢)
إلخ، وفي قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه قلتم﴾ (النور، ١٦)
إلخ، وفي قوله تعالى: ﴿يعظكم الله أن تعودوا﴾ (النور، ١٧)
إلخ وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها، واختلف في معنى قوله تعالى:
﴿الله نور السموات والأرض﴾ فقال ابن عباس: الله هادي أهل السموات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلال ينجون، وقال الضحاك: منور السموات والأرض، فقال: نور السماء بالملائكة، ونور الأرض بالأنبياء، وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض، وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزين السموات والأرض؛ زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، ويقال: بالنبات والأشجار، وقيل: معناه الأنوار كلها منه؛ كما يقال: فلان رحمة أي: منه الرحمة وقد يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل:
*إذ سار عبد الله من مرو ليلة
فقد سار منها نورها وجمالها
وسبب هذا الاختلاف أن النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولًا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيران على الأجرام الكثيفة المحاذية لها وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا على ضرب من التجوز كالأمثلة المتقدمة أو على تقدير مضاف كقولك: زيد كرم وجود، ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده، والمعنى ذو نور السموات
[ ٢ / ٦٢٢ ]
والأرض ونور السموات والأرض الحق شبه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله تعالى: ﴿الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ (البقرة، ٢٥٧)
أي: من الباطل إلى الحق، وأضاف النور إلى السموات والأرض لأحد معنيين إما للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، وإما أن يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به، واختلف أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿مثل نوره﴾ فقال ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن أي: مثل نور الله في قلب المؤمن وهو النور الذي يهتدي به كما قال تعالى: ﴿فهو على نور من ربه﴾ (الزمر، ٢٢)، وقال الحسن وزيد بن أسلم: أراد بالنور القرآن، وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو محمد ﷺ وقيل: أراد بالنور: الطاعة سمى طاعة الله نورًا، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضلًا أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة ﴿كمشكاة﴾ أي: كصفة مشكاة وهي الكوة في الجدار غير النافذة ﴿فيها مصباح﴾ أي: سراج ضخم ثاقب ﴿المصباح في زجاجة﴾ أي: قنديل من زجاج شامي أزهر وإنما ذكر الزجاجة؛ لأن النور وضوء النهار فيها أبين من كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج.
ثم وصف الزجاجة بقوله تعالى: ﴿الزجاجة كأنها﴾ أي: النور فيها ﴿كوكب دري﴾ أي: مضيء شبهها في الضوء بإحدى الدراري من الكواكب الخمسة العظام وهي المشاهير المشتري والزهرة والمريخ وزحل وعطارد.
فإن قيل: لم شبه بالكواكب ولم يشبه بالشمس والقمر؟ أجيب: بأنهما يلحقهما الخسوف والكسوف والكواكب لا يلحقها ذلك.
وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام والباقون بضمها منسوب إلى الدر أي: اللؤلؤ في صفاته وحسنه، وإن كان الكوكب أكثر ضوء من الدر لكن يفضل الكواكب بصفائه كما يفضل الدر سائر الحب، وهمز مع المد أبو عمر وشعبة وحمزة والكسائي والباقون بغير همز وكل من أهل الهمز على مرتبته في المد ﴿توقد من شجرة مباركة زيتونة﴾ أي: ابتداء توقده من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت فتيلة المصباح بزيت الشجرة، وهي شجرة كثيرة البركة وفيها منافع كثيرة؛ لأن الزيت يسرج به ويدهن به وهو أدام وهو أصفى الأدهان وأضوؤها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء والواو وبتشديد القاف على وزن تفعل على الماضي أي: المصباح، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بضم التاء الفوقية وتخفيف القاف أي: المصباح ﴿لاشرقية ولاغربية﴾ أي: ليست بشرقية وحدها لاتصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس إذا طلعت بل هي مصاحبة للشمس طول النهار تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ، وهذا كما يقال: فلان ليس أسود ولا أبيض أي: ليس أسود خالصًا ولا أبيض خالصًا بل اجتمع فيه كل واحد منهما، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض أي: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة، هذا قول ابن عباس والأكثرين، وقال السدي وجماعة: معناه أنها ليست مقنأة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لايصيبها الظل فهي لا تضرها شمس ولا ظل، والمقنأة بقاف فنون فهمزة وهي بفتح النون وضمها المكان الذي لا تطلع عليه الشمس، وقول البيضاوي تبعًا للزمخشري
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وفي الحديث: «لا خير في شجرة مقنأة ولا في نبات في مقنأة، ولا خير فيهما في مضحى» قال ابن حجر العسقلاني: لم أجده، وقيل: معناه أنها معتدلة ليست في شرق يصيبها الحر، ولا في غرب يضرها البرد، وقيل: معناه هي شامية لأن الشام وسط الأرض لا شرقي ولا غربي، وقيل: ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا لأنها لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ﴿يكاد زيتها﴾ أي: من صفائه ﴿يضيء ولو لم تمسسه نار﴾ أي: يكاد يتلألأ ويضيء بنفسه من غير نار ﴿نور على نور﴾ أي: نور المصباح على نور الزجاجة.
تنبيه: اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل فقال بعضهم: وقع التمثيل لنور محمد ﷺ قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾ قال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه ﷺ فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة تتوقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة يكاد نور محمد ﷺ وأمره يتبين للناس، ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار.
وروى سالم عن عمر في هذه الآية قال: المشكاة جوف النبي ﷺ والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى فيه، لا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة إبراهيم، نور على نور نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلى الله عليهما وسلم، وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل ﵉، والمصباح محمد ﷺ سماه الله تعالى مصباحًا كما سماه سراجًا، فقال تعالى: ﴿وسراجًا منيرًا﴾ (الأحزاب، ٤٦)
توقد من شجرة مباركة، وهي إبراهيم ﵇ سماه مباركًا؛ لأن أكثر الأنبياء من صلبه، لا شرقية ولا غربية يعني إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، نور على نور نبي من نسل نبي نور محمد على نور إبراهيم ﵉، وقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن، روى أبو العالية عن أبيّ بن كعب قال: هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه توقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده، فمثله كمثل شجرة التف بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت، فكذلك المؤمن قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن، فهو بين أربع خلال؛ إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء؛ أي: يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته إياه، نور على نور؛ قال أبيّ: أي: فهو يتقلب في خمسة أنوار قوله نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة؛ قال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوء كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى، ونورًا على نور، وقال الكلبي: قوله تعالى: نور على نور يعني إيمان المؤمن وعمله، وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن، وقال الحسن وابن زيد: هذا مثل للقرآن، فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء بالمصباح يهتدى
[ ٢ / ٦٢٤ ]
بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي، يكاد زيتها يضيء يعني: تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على نور يعني القرآن نور من الله لخلقه
مع ما قام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نورًا على نور ﴿يهدي الله لنوره﴾ قال ابن عباس: دين الإسلام وقيل: القرآن ﴿من يشاء﴾ فإن الأسباب بدون مشيئته لاغية، وقيل: يوفق الله لإصابة الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يمينًا وشمالًا، ومن لم يتدبر فهو كالأعمى، سواء عليه جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس ﴿ويضرب﴾ أي: يبين ﴿الله الأمثال للناس﴾ تقريبًا للأفهام وتسهيلًا للأكدار ﴿والله بكل شيء عليم﴾ معقولًا كان أو محسوسًا، ظاهرًا كان أو خفيًا، وفيه وعيد لمن تدبرها ولم يكترث بها، وقوله تعالى:
﴿في بيوت﴾ يتعلق بما قبله أي: كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه قيل: مثل نوره، كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت، أو بما بعده وهو يسبح أي: يسبح رجال في بيوت، وفي قوله: فيها تكرير لقوله: في بيوت كقوله: زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف كقوله ﴿تعالى في تسع آيات﴾ (النمل، ١٢)
أي: سبحوا في بيوت، والبيوت هي المساجد؛ قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس قال: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض، وقيل: المراد بالبيوت المساجد الثلاثة، وقيل: المراد أربعة مساجد لم يبنها إلا نبيّ؛ الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉ فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉، ومسجد المدينة، ومسجد قباء بناهما النبي ﷺ وأتى فيها بجمع الكثرة دون جمع القلة للتعظيم ﴿أذن الله أن ترفع﴾ قال مجاهد: تبنى، نظيره قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾، وقال الحسن: تعظم أي: فلا يذكر فيها الفحش من القول وتطهر من الأنجاس والأقذار، وقوله تعالى: ﴿ويذكر فيها اسمه﴾ عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله، والمباحثة في أحكامه، وقال ابن عباس: يتلى فيها كتابه ﴿يسبح﴾ أي: يصلى ﴿له فيها بالغدو والآصال﴾ أي: بالغداة والعشي، قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضة، فالتي تؤدى بالغداةصلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين؛ لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت، وقيل: أراد به الصبح والعصر؛ قال ﷺ «من صلى البردين دخل الجنة»؛ أراد صلاة الصبح وصلاة العصر، وقال ابن عباس: التسبيح بالغدو صلاة الضحى، وروى «من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى، لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين»، وقرأ ابن عامر وشعبة بفتح
الباء الموحدة والباقون بكسرها.
﴿رجال لا تلهيهم تجارة﴾ أي: معاملة رابحة، وقيل: المراد بالتجارة الشراء لقوله تعالى: ﴿ولا بيع عن ذكر الله﴾ إطلاقًا لاسم الجنس على النوع كما تقول: رزق فلان تجارة صالحة إذا اتجه له بيع صالح أو شراء، وعلى الأول ذكر مبالغة للتعظيم والتعميم بعد التخصيص، وقيل: التجارة لأهل الجلب تقول تجر فلان في كذا أي: جلب.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿رجال﴾ فاعل يسبح بكسر الباء وعلى فتحها نائب الفاعل
[ ٢ / ٦٢٥ ]
له ورجال فاعل فعل مقدر جواب سؤال مقدر كأنه قيل: من يسبحه وحذف من قوله تعالى: ﴿وإقام الصلاة﴾ الهاء تخفيفًا أي: وإقامة الصلاة، وأراد أداءها في وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وإنما ذكر إقام الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه تعالى أراد بإقامة الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر: أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فقام الناس وغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد؛ قال ابن عمر: فيهم نزلت هذه الآية: ﴿وإيتاء الزكاة﴾ قال ابن عباس: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها أي: فيخرجون ما يجب إخراجه من المال للمستحقين، وقيل: هي الأعمال الصالحة ومع ما هم عليه ﴿يخافون يومًا﴾ هو يوم القيامة ﴿تتقلب﴾ أي: تضطرب ﴿فيه القلوب﴾ بين النجاة والهلاك ﴿والأبصار﴾ بين ناحيتي اليمين والشمال، وقيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وتنفتح الأبصار من الأغطية، وقوله تعالى:
﴿ليجزيهم الله﴾ متعلق بيسبح أو بلا تلهيهم، أو بيخافون ﴿أحسن ما عملوا﴾ في الطاعات فرضها ونقلها أي: ثوابه الموعود لهم، وأحسن بمعنى حسن ﴿ويزيدهم من فضله﴾ ما لم يستحقوه بأعمالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وقوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان وكمال جوده فكأنه ﷾ لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالله ﷾ يعطيهم الثواب العظيم على طاعتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم، وقوله تعالى:
﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب﴾ أي: فحالهم على ضد ذلك، فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله تعالى يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كسراب وهو ما يرى في الغلاة وقت الضحى الأكبر شبيهًا بالماء الجاري، وهو ليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماءً جاريًا، وقيل: هو الشعاع الذي يرى نصف النهار في شدّة الحر في البراري الذي يخيل للناظر أنه الماء السارب أي: الجاري، فإذا قرب منه انغش فلم يرَ شيئًا، وأما الآل فإنما يكون أول النهار كأنه ماء بين السماء والأرض، وقال البغوي: والآل ما ارتفع عن الأرض وهو شعاع يجري بين السماء والأرض بالغدوات شبه بالمرآة ترفع فيها الشخوص يرى فيها الصغير كبيرًا، والقصير طويلًا والرقراق يكون بالعشاء وهو ما ترقرق من السراب أي: جاء وذهب، وقوله تعالى: ﴿بقيعة﴾ جمع قاع وهي أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام قاله في القاموس، وقيل: القيعة بمعنى القاع، وهو الأرض المستوية المنبسطة، وفيها يكون السراب، وقال الفراء: جمع قاع كجار وجيرة، وقال الفارسي: جمعه قيعة وقيعان ﴿يحسبه﴾ أي: يظنه ﴿الظمآن﴾ أي: العطشان الشديد العطش من ضعف العقل ﴿ماءً﴾ فيقصده ولا يزال سائرًا ﴿حتى إذا جاءه﴾ أي: ما قدر أنه ماء، وقيل: جاء إلى موضع السراب ﴿لم يجده شيئًا﴾ مما حسبه ووجه التشبيه أن الذي جاء به الكافر إن كان من أفعال البر، فهو لا يستحق عليه ثوابًا مع أنه يعتقد أن له ثوابًا عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أن له ثوابًا، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثوابًا عند الله تعالى فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فيشبه حاله حال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في البر تعلق به قلبه، فإذا جاء له لم يجده شيئًا، فكذلك حال الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده شيئًا ولا ينفعه، وقال
مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاءه﴾ يدل على كونه شيئًا، وقوله تعالى: لم يجده شيئًا مناقض له؟ أجيب: بأن معناه ﴿لم يجده شيئًا﴾ نافعًا كما يقال: فلان ما عمل شيئًا وإن كان قد اجتهد، أو أنه إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء ﴿ووجد الله عنده﴾ أي: ووجد عقاب الله الذي توعد به الكفار أو وجد زبانية الله، أو وجده محاسبًا إياه أو قدم على الله ﴿فوفاه حسابه﴾ أي: جزاء عمله قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة فإنه قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر بالإسلام؛ قال ابن الخازن: والأصح أن الآية عامة في حق جميع الكفار ﴿والله سريع الحساب﴾ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا يشغله محاسبة واحد عن واحد، وفي هذا رد على المشبهة قبحهم الله تعالى لأنه تعالى لو كان متكلمًا بآلة كما يقولون لما صح ذلك، وقوله تعالى:
Y
﴿أو كظلمات﴾ عطف على كسراب على حذف مضاف واحد تقديره: أو كذي ظلمات، ودل على هذا المضاف قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ (النور، ٤٠)
فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف، وهو قول أبي علي، وقال غيره على حذف مضافين تقديره أو كأعمال ذي ظلمات فقدر ذي ليصح عود الضمير إليه في قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده﴾ وقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة، وأو للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب، أو للتنويع، فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب، وإن كانت قبيحة فكالظلمات أو للتقسيم باعتبار وقتين، فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿في بحر لجي﴾ صفة لظلمات فيتعلق بمحذوف، واللجي منسوب إلى اللج، وهو معظم البحر، وقيل: منسوب إلى اللجة بالتاء، وهي أيضًا معظمه، فاللجي هو العميق الكثير الماء، وقوله تعالى: ﴿يغشاه﴾ أي: يغطي هذا البحر ويعلوه ﴿موج﴾ كائن ﴿من فوقه موج﴾ أي: أمواج مترادفة متراكمة ﴿من فوقه﴾ أي: الموج الثاني المركوم، وقوله تعالى: ﴿سحاب﴾ أي: غيم غطى النجوم وحجب أنوارها صفة أخرى لبحر، وقوله تعالى: ﴿ظلمات﴾ أي: من البحر والموجين والسحاب خبر مبتدأ مضمر تقديره هذه ظلمات أو تلك ظلمات، ويجوز أن يكون ظلمات مبتدأ والجملة من قوله تعالى: ﴿بعضها فوق بعض﴾ خبره، قاله الحوفي.
فإن قيل: لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة؟ أجيب: بأنها موصوفة تقديرًا؛ أي: ظلمات كثيرة متكاثفة، وقرأ البزي سحاب بلا تنوين وجر ظلمات وقنبل ينون سحاب ويجر ظلمات، والبزي جعل الموج المتراكم بمنزلة السحاب، وأما قنبل: فإنه جعل ظلمات بدلًا من ظلمات الأولى والباقون بتنوين سحاب، وظلمات بالرفع فيهما ﴿إذا أخرج﴾ أي: الكافر في هذا البحر بدلالة المعنى، وإن لم يجرِ له ذكر ﴿يده﴾ وهي أقرب ما يرى إليه في هذه الظلمات ﴿لم يكد﴾ أي: الكائن فيه ﴿يراها﴾ أي: لم يقرب من
[ ٢ / ٦٢٧ ]
رؤيتها فضلًا عن أن يراها كقول ذي الرمة:
إذا غير النأي (أي: البعد وفي نسخة الهجر) المحبين لم يكد
رسيس الهوى (أي: ثابته بمعنى الهوى الثابت) من حب مية يبرح
أي: يزول، والمعنى لم يقرب من البراح فضلًا عن أن يبرح.
تنبيه: في كيفية هذا التشبيه وجوه؛ أحدها: قال الحسن: إن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمة؛ ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب؛ كذا الكافر له ظلمات ثلاثة: ظلمةالاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، ثانيها: قال ابن عباس: شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث، ثالثها: أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاثة شبه تلك الظلمات الثلاث، رابعها: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم، خامسها: أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره، قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه.
﴿ومن لم يجعل الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿له نورًا فما له من نور﴾، قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينًا وإيمانًا فلا دين له، وقيل: من لم يهده الله فلا هادي له؛ لأنه تعالى قادر على ما يريد، ولما وصف تعالى أنوار القلوب قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد بقوله تعالى:
﴿ألم ترَ﴾ أي: تعلم علمًا يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي والاستدلال ﴿أن الله﴾ أي: الحائز لصفات الكمال ﴿يسبح له﴾ أي: ينزهه عن كل شائبة نقص ﴿من في السموات والأرض﴾ لأن التسبيح لا يرى بالبصر بل يعلم بالقلب، وهذا استفهام والمراد به التقرير والبيان، وهذا التسبيح إما أن يكون المراد منه دلالته بخلق هذه الأشياء على كونه تعالى منزهًا عن النقائص موصوفًا بنعوت الجلال، أو يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه، وفي حق الباقين النطق باللسان؛ قال الرازي: والأول أقرب؛ لأن القسم الثاني متعذر؛ لأن في الأرض من لا يكون مكلفًا لا يسبح بهذا المعنى، والمكلفون منهم من لا يسبح أيضًا بهذا المعنى كالكفار، وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: إن من في السموات وهم الملائكةيسبحون باللسان، وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح باللسان، ومنهم من يسبح على لسان الدلالة، فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معًا وهو غير جائز أي: عند أكثر العلماء فلم يبق إلا القسم الأول وهو أن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله تعالى وقدرته وإلهيته وتوحيده وعدله، فسمي ذلك تنزيهًا توسعًا.
فإن قيل: فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات، فما وجه تخصيصه ههنا بالعقلاء؟ أجيب: بأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع ﷾؛ لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر، وهي العقل والنطق والفهم، ولما كان أمر الطير دلالته أعجب، ولأنها قد تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من فيهما خصها بالذكر من جملة الحيوان بقوله تعالى: ﴿والطير صافات﴾ أي: باسطات أجنحتها في جو السماء لا شبهة في أنه لا يمسكها إلا الله تعالى وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة وإقداره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته تعالى.
واختلف في عود الضمائر في قوله تعالى: ﴿كل﴾ أي: من المخلوقات ﴿قد علم
[ ٢ / ٦٢٨ ]
صلاته وتسبيحه﴾ على قولين أحدهما: أنها كلها عائدة على كل أي: كل قد علم هو صلاة نفسه وتسبيحها؛ قال ابن عادل: وهذا أولى لتوافق الضمائر، ثانيهما: أن الضمير في علم عائد إلى الله تعالى وفي صلاته وتسبيحه عائد على كل ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: المحيط علمًا وقدرة ﴿عليم بما يفعلون﴾ وقيل: إن ضرب أجنحة الطير صلاته وتسبيحه، وهذا يؤيد أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأمور على التنزيه لا النطق باللسان روي أن أبا ثابت قال: كنت جالسًا عند أبي جعفر الباقر فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ قال: لا، قال: فإنهن يقدسن الله ربهن ويسألنه قوت يومهن؛ قال بعض العلماء: إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالًا لطيفة يعجز عنها كثير من العقلاء، فإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه، وبيان أنه تعالى ألهمها الأعمال اللطيفة بوجوه.
أحدها: أن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاد يشمه ويتجسس نفسه، ويصعد الشجرة أخف صعود، ويهشم الجوز بين كفيه تفريقًا بالواحدة، وصدمة بالأخرى، ثم يفتح فاه فيذر قشره، ويتغذى به، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة.
ثانيها: أمر النحل وما لها من الرياسة، والبيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين.
ثالثها: انتقال الكركي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طالبًا لما يوافقه من الأهوية، ويقال: من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس الذي قاتله وقتًا ما، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال لها القطقاط، وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطائر كالشوكة فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطائر تأذى من تلك الشوكة فيفتح فاه، فيخرج ذلك الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية سعترًا جبليًا، ثم تعود وقد عوفيت من ذلك، وحكي عن بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحباري تقاتل الأفعى وتنهزم عنها إلى بقلة تتناول منها ثم تعود، ولا تزال كذلك، وكان ذلك الشخص قاعدًا في كن، وكانت البقلة قريبة من مسكنه، فلما اشتغل الحباري بالأفعى قلع البقلة، فعاد الحباري إلى منبتها فلم يجدها فأخذ يدور حول منبتها دورانًا متتابعًا حتى خرَّ ميتًا، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة، وتلك البقلة هي الجرجير البري، وابن عرس يستظهر في مقاتلة الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية تنفر منها الأفعى، والكلاب إذا مرضت بطونها أكلت سنبل القمح، وإذا جرحت داوت الجراحة بالسعتر الجبلي.
رابعها: القنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب، فتغير المدخل إلى جحرها، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالرياح قبل هبوبها، وينفع الناس بإنذاره، وكان السبب فيه قنفذًا في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به، والخطاف صناع في اتخاذ العش من الطين، وقطع الخشب، فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرًا من الطين، وإذا فرخ بالغ في تعهد الفراخ وتأخذ رزقها بمنقارها، وترميها من العش، والغرانيق تصعد في الجو عند الطيران، فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها حفيفًا مسموعًا يتبع به بعضها بعضًا، وإذا باتت على جبل فإنها تضع رأسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه
[ ٢ / ٦٢٩ ]
وإذا سمع جرسًا صاح، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضهًا بعضًا أمر عجيب، وإذا كشف عن بيوتها الساتر الذي كان يسترها، وكان تحته بيض لها، فإن كل نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت، والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان، والمقصود في ذلك أن الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال تلك الحيل وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال: إنها تسبح الله تعالى وتثني عليه، وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي تعرفها الناس، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ (الإسراء، ٤٤)، وقوله ﷺ «إن نوحًا ﵇ أوصى بنيه عند موته بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو كن في حلقة مبهمة قصمتهن، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء، وقال الغزالي في الإحياء: روي «أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: تولت عني الدنيا، وقلت ذات يدي، فقال له رسول الله ﷺ فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، وبها يرزقون؛ قال: فقلت: وما هي يا رسول الله، قال: قل سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله ﷿ من كل كلمة ملكًا يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه»، ثم نبه ﷾ بقوله:
﴿ولله ملك السموات والأرض﴾ على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث، والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب الوجود ويدخل في هذا جميع الأجرام والأعراض، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وفي قوله تعالى: ﴿وإلى الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿المصير﴾ دليل على المعاد وأنه لا بد من مصير الكل إليه بعد الفناء. والرؤية في قوله تعالى:
﴿ألم ترَ﴾ نظرية ﴿أن الله﴾ أي: ذا الجلال والجمال ﴿يزجي سحابًا﴾ أي: يسوقه برفق بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل وتارة من العلو ضعيفًا رقيقًا متفرقًا؛ قال أبو حيان: وهو اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى سحابة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ثم يؤلف بينه﴾ أي: بين أجزائه بعد أن كان قطعًا في جهات مختلفة، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة، ﴿ثم يجعله ركامًا﴾ في غاية العظمة متراكمًا بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة ﴿فترى﴾ أي: في تلك الحالة المستمرة ﴿الودق﴾ أي: المطر ﴿يخرج من خلاله﴾ أي: من فتوقه التي حدثت بالتراكم وإرهاص بعضه في بعض.
فإن قيل: بين إنما تدخل على مثنى فما فوقه فلم دخلت هنا على مفرد؟ أجيب: بأن المراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير على حكمه أو على حذف مضاف أي: بين أجزائه كما مر وبين قطعه فإن كل قطعة سحابة، وقرأ السوسي فترى في الوصل بالإمالة بخلاف عنه والباقون بالفتح، وأما في الوقف فأبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح، ﴿وينزل من السماء﴾ أي: من الغمام وكل ما علا فهو سماء ﴿من جبال فيها﴾ أي: في السماء وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال وقوله تعالى: ﴿من برد﴾ بيان للجبال، والمفعول محذوف أي: ينزل مبتدئًا من السماء من جبال فيها من برد بردًا، فمن الأولى: لابتداء الغاية باتفاق، والثانية: للتبعيض، والثالثة: للبيان، ويجوز أن تكون الثانية لابتداء الغاية أيضًا
[ ٢ / ٦٣٠ ]
ومجرورها بدل من الأولى بإعادة العامل والتقدير وينزل من جبال أي: من جبال فيها فهو بدل اشتمال، والأخيرة للتبعيض واقع موقع المفعول.
فإن قيل: ما معنى من جبال فيها من برد؟ أجيب: بأن فيه معنيين؛ أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر وليس في العقل قاطع يمنعه، الثاني: أن يراد الكثرة بذكر الجبال كما يقال: فلان يملك جبالًا من ذهب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، ثم بيّن تعالى أن ذلك باختياره وإرادته بقوله تعالى: ﴿فيصيب به﴾ أي: بكلٍ من البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة ﴿من يشاء﴾ أي من الناس وغيرهم ﴿ويصرفه عن من يشاء﴾ صرفه عنه: فائدة: عن مقطوعة من من في الرسم، ثم نبه تعالى على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النور الذي ربما نزل منه صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار بقوله تعالى.
﴿يكاد﴾ أي يقرب ﴿سنا﴾ أي ضوء ﴿برقه﴾ وهو اضطراب النور في خلاله ﴿يذهب﴾ أي هو ملتبسًا ﴿بالأبصار﴾ أي الناظرة له أي يخطفها لشدّة لمعانه وتلألئه فتكون قوة البرق دليلًا على تكاثف السحاب وبشيرًا بقوة المطر ونذيرًا بنزول الصواعق، واعلم أن البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون نارًا عظيمة خالصة، والنار ضد الماء والبرد فظهوره يقتضي ظهور الضدّ من الضدّ وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم، ثم ذكر تعالى ما هو أدل على الاختيار بقوله تعالى مترجمًا لما يشمل ما مضى وزيادة:
﴿يقلب الله﴾ أي الذي له الأمر كله بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلامًا والنقص تارة والزيادة أخرى مع المطر تارة والصحو أخرى ﴿الليل والنهار﴾ فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والتنويع واليبس ما يبهر العقول، ولهذا قال منبهًا على النتيجة ﴿إن في ذلك﴾ الأمر العظيم الذي ذكر من جميع ما تقدم ﴿لعبرة﴾ أي دلالة على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته وإحاطة علمه، ونفاذ مشيئته، وتنزيهه عن الحاجة وما يفضي إليها ﴿لأولي الأبصار﴾ أي لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده، ولما استدل تعالى أولًا بأحوال السماء والأرض وثانيًا بالآثار العلوية استدل ثالثًا بأحوال الحيوانات بقوله تعالى:
﴿والله﴾ أي: الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة ﴿خلق كل دابة﴾ أي: حيوان ﴿من ماء﴾ وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الخاء وكسر اللام ورفع القاف وكسر لام كل والباقون بفتح اللام والخاء ولا ألف بينهما ونصب لام كل.
فإن قيل: كثير من الحيوانات لم يخلق من الماء كالملائكة خلقوا من النور وهم أعظم الحيوانات عددًا، وكذا الجن وهم مخلوقون من النار وخلق آدم من التراب كما قال تعالى: ﴿خلقه من تراب﴾ وخلق عيسى من الريح، كما قال تعالى: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ ونرى كثيرًا من الحيوانات يتوالد لا من نطفة؟ أجيب: بوجوه؛ أحسنها: ما قال القفال: إن من ماء صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق. والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى، ثانيها: إن أصل جميع المخلوقات من الماء على ما روي «أن أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم قسم ذلك الماء فخلق منه النار والهواء والنور والتراب»، والمقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة، فكان أصل الخلقة الماء،
[ ٢ / ٦٣١ ]
فلهذا ذكره الله تعالى، ثالثها: المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنها هنالك، فتخرج الملائكة والجن، رابعها: لما كان الغالب من هذه الحيوانات كونها مخلوقة من الماء إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء أطلق عليها لفظ كل تنزيلًا للغالب منزلة الكل.
فإن قيل: لم نكر الماء في قوله تعالى ﴿من ماء﴾ وعرفه في قوله تعالى ﴿من الماء كل شيء حي﴾ (الأنبياء، ٣٠)
أجيب: بأنه جاء ههنا منكرًا لأن المعنى خلق كل دابة من نوع من الماء مختصًا بتلك الدابة، وعرفه في قوله تعالى: ﴿من الماء كل شيء حيّ﴾؛ لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وههنا بيان أن ذلك الجنس.
ينقسم إلى أنواع كثيرة ﴿فمنهم﴾ أي: الدواب ﴿من يمشي على بطنه﴾ . كالحية والحيتان والديدان واستعير المشي للزحف على البطن كما قالوا في الأمر المستمر: قد مشى هذا الأمر ويقال فلان ما مشى له أمر أو سمي بذلك للمشاكلة بذكر الزاحف مع الماشي ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ أي: فقط كالآدمي والطير ﴿ومنهم من يمشي عل أربع﴾ أي: من الأيدي والأرجل كالنعم والوحش فإن قيل: لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي، وقد نجد من يمشي على أكثر من أربع كالعناكب والعقارب والحيوان الذي له أربع وأربعون رجلًا الذي يسمى دخال الأذن؟ أجيب: بأن هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر، فكان ملحقًا بالعدم، وقال النقاش: إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر من أربع؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوائم مشيه وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها وبأن قوله تعالى: ﴿يخلق الله ما يشاء﴾ كالتنبيه على سائر الأقسام فإن قيل: لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟.
أجيب: بأنه قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع.
تنبيه: إنما أطلق من على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المفصل بمن، وهو كل دابة وكان التعبير بمن أولى ليوافق اللفظ، ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر وكانوا منكرين له أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الذي له الكمال المطلق ﴿على كل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿قدير﴾ لأنه القادر على الكل والعالم بالكل، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها، وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها؛ بل هو الذي يخلق ما يشاء كيف يشاء، ولا يمنعه منه مانع، ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص وقامت أدلة الوحدانية على ساق واتسقت براهين الألوهية أيّ اتساق؛ قال تعالى مترجمًا لتلك الأدلة:
﴿لقد أنزلنا﴾ أي: في هذه السورة وما تقدمها بما لنا من العظمة ﴿آيات﴾ أي: مما لنا من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال ﴿مبينات﴾ للحقائق بأنواع الدلائل التي لا خفاء فيها ﴿والله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿يهدي من يشاء﴾ من عباده ﴿إلى صراط﴾ طريق ﴿مستقيم﴾ هو دين الإسلام الموصل إلى دار الحق والفوز بالجنة، ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم ولكنهم لم يفعلوه بقلوبهم، فقال تعالى:
﴿ويقولون﴾ أي: الذين ذمهم الله تعالى: ﴿آمنا بالله﴾ أي:
[ ٢ / ٦٣٢ ]
الذي أوضح لنا جلاله وعظمته وكماله ﴿وبالرسول﴾ أي: الذي علمنا كمال رسالته وعمومها بما قام عليها من الأدلة ﴿وأطعنا﴾ أي: وأوجدنا الطاعة لله ولرسوله، ثم عظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال تعالى: ﴿ثم يتولى﴾ أي: يرتد بإنكار القلب، ويعرض عن طاعة الله ورسوله ضلالًا منهم عن الحق ﴿فريق منهم﴾ أي: ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ﴿من بعد ذلك﴾ أي: القول السديد المؤكد مع الله الذي هو أكبر من كل شيء، ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق ﴿وما أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء الذين صاروا بتوليهم في محل البعد ﴿بالمؤمنين﴾ أي: المعهودين الموافقة قلوبهم ألسنتهم فإن قيل: إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون: آمنا، ثم حكى عن فريق منهم التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم: وما أولئك بالمؤمنين مع أن المتولي فريق؟ أجيب: بأن قوله تعالى: ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، ولو رجع إلى الجملة الأولى لصح، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿ثم يتولى فريق منهم﴾ أي: يرجع عن هذا الفريق إلى الباقي، فيظهر بعضهم لبعض الرجوع كما أظهروه بينهم، ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم قبح عليهم ما أظهروه فقال تعالى معبرًا بأداةالتحقيق:
n
﴿وإذا دعوا﴾ أي: الفريق الذين ادعوا الإيمان من أيّ داعٍ كان ﴿إلى الله﴾ أي: إلى ما نصب الملك الأعظم من أحكامه ﴿ورسوله﴾ وأفرد الضمير في قوله تعالى: ﴿ليحكم﴾ وقد تقدمه اسمان وهما الله ورسوله، فهو كقوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة، ٦٢)
؛ لأن حكم رسوله هو حكمه. قال الزمخشري: كقولك: أعجبني زيد وكرمه، تريد كرم زيد ومنه قوله:
*ومنهل من الفلافي أوسطه
غلسته قبل القطا وفرّطه
أي: قبل فرط القطا ﴿بينهم﴾ أي: بما أراه الله ﴿إذا فريق منهم﴾ أي: ناس مجبولون على الأذى ﴿معرضون﴾ أي: فاجؤوا الإعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه.
﴿وإن يكن لهم﴾ أي: على سبيل الفرض ﴿الحق﴾ أي: بلا شبهة ﴿يأتوا إليه﴾ أي: الرسول ﴿مذعنين﴾ أي: منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم لأنهم يعلمون أنه دائر مع الحق لهم وعليهم، فليس انقيادهم لطاعة الله ورسوله.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿إليه﴾ يجوز تعليقه بيأتوا لأن أتى وجاء قد يتعديان بإلى، ويجوز أن يتعلق بمذعنين؛ لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة، وصححه الزمخشري قال: لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص ومذعنين حال، ثم قسم تعالى الأمر في عدولهم عن حكومته ﷺ إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب بقوله تعالى:
﴿أفي قلوبهم مرض﴾ أي: نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال، أو مرتابين في نبوته بقوله تعالى: ﴿أم ارتابوا﴾ أي: بأن رأوا منك تهمة فزالت ثقتهم ويقينهم بك أو خائفين الحيف في قضائه بقوله تعالى: ﴿أم يخافون أن يحيف﴾ أي: يجور ﴿الله﴾ أي: الغني عن كل شيء لأن له كل شيء ﴿عليهم ورسوله﴾ أي: الذي لا ينطق عن الهوى، ثم أضرب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول بقوله تعالى: ﴿بل أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿هم الظالمون﴾ أي: الكاملون في الظلم، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني: إما أن يكون محققًا
[ ٢ / ٦٣٣ ]
عندهم أو متوقعًا، وكل منهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته تمنعه فتعين الأول فظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف وضمير الفصل لنفي ذلك عن غيرهم فإن قيل: إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدنيا، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض والكل واحد فأي فائدة في التعديد؟
أجيب: بأن قوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض﴾ أشار به إلى النفاق، وقوله تعالى: ﴿أم ارتابوا﴾ إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا حيث يتركون الدين بسببه فإن قيل: هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة أم؟ أجييب بأنه تعالى نبههم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق وكان فيها شك وارتياب وكانوا يخافون الحيف من الرسول، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال مقاتل: نزلت في بشر المنافق وكان قد خاصم يهوديًا في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمدًا يحيف علينا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد مضت قصتها في سورة النساء.
وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي رضي الله تعالى عنه أرض تقاسماها فوقع إلى علي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة فقال المغيرة: بعني أرضك فباعه إياها وتقابضا، فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء، فقال لعلي: اقبض أرضك فإنما أشتريتها إن رضيتها ولم أرضها، فقال علي: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله ﷺ فقال المغيرة: أما محمد فلا نأتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ، فنزلت الآية.
وقال الحسن: نزلت في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر، ولما نفى تعالى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به كان كأنه سئل عن حال المؤمنين، فقال تعالى:
﴿إنما كان﴾ أي: دائمًا ﴿قول المؤمنين﴾ أي: العريقين في ذلك الوصف ﴿إذا دعوا﴾ أي: من أي داع كان ﴿إلى الله﴾ أي: إلى ما أنزل الملك الذي لا كفء له من أحكامه ﴿ورسوله﴾ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿ليحكم﴾ أي: الرسول ﴿بينهم﴾ بما أراه الله تعالى أي حكومة من الحكومات لهم أو عليهم ﴿أن يقولوا سمعنا﴾ أي: الدعاء ﴿وأطعنا﴾ أي: بالإجابة لله ولرسوله ﷺ وهذا ليس على طريق الخبر ولكنه تعليم أدب الشرع بمعنى أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا هكذا ﴿وأولئك﴾ أي: العالوا الرتبة ﴿هم المفلحون﴾ الذين وصفهم الله تعالى في أول المؤمنين، وهذا يدل على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي، ولما رتب تعالى الفلاح على هذا النوع الخاص أتبعه عموم الطاعة بقوله تعالى:
﴿ومن يطع الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿ورسوله﴾ أي: فيما ساءه وسره ﴿ويخش الله﴾ أي: فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ليحمله ذلك على كل خير ﴿ويتقه﴾ أي: الله فيما بقي من عمره بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من المباحات فيتركها ورعًا ﴿فأولئك﴾ أي: العالوا الرتبة ﴿هم الفائزون﴾ بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم، وعن ابن عباس في تفسير هذه الآية ومن يطع الله في فرائضه ورسوله في سننه ويخش الله على ما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل، وعن بعض
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت عليه هذه الآية.
وقرأ أبو عمرو وشعبة وخلاد ويتقه بسكون الهاء بخلاف عن خلاد وقالون باختلاس كسرة الهاء وحفص بسكون القاف، وقصر كسرة الهاء، والباقون وخلاد في أحد وجهيه بإشباع كسرة الهاء، ولما ذكر تعالى ما رتب على الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد الباطن ذكر حال المنافقين بقوله تعالى:
﴿وأقسموا بالله﴾ أي: الذي له الكمال المطلق، وقوله تعالى: ﴿جهد أيمانهم﴾ مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها، وعن ابن عباس: من قال بالله فقد بالغ في اليمين، وبلغ غاية شدتها ﴿لئن أمرتهم﴾ أي: أمر من الأمور ﴿ليخرجن﴾ مما هم متلبسون به من خلافه كائنًا ما كان، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ولئن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال الله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿لا تقسموا﴾ أي: لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام، وههنا قد تم الكلام، ولو كان قسمهم صادقًا لما نهوا عنه؛ لأن من حلف على القيام بالبر لا ينهى عنه، فثبت أن قسمهم كان لنفاقهم، وكان باطنهم يخالف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه قبيح؛ قال المتنبي:
*وفي اليمين على ما أنت واعده
ما دل أنك في الميعاد متهم
وفي رفع قوله تعالى: ﴿طاعة معروفة﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره أمرنا طاعة أو المطلوب طاعة، ثانيها: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: أمثل أو أولى أو خير أي: طاعة معروفة للنبي ﷺ خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه، ثالثها: طاعة مبتدأ أي: هذه الحقيقة ومعروفة هو الخبر أي: معروفة منكم ومن غيركم وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها؛ لأن العموم الذي تصلح له قد تخصص بإرادة الحقيقة كما قالوه في أعرف المعارف.
والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها عل شمائله، وكذا المعصية؛ لأنه «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها» رواه الطبراني عن عثمان، وعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: لو أن رجلًا دخل بيتًا في جوف بيت فأدى هناك عملًا أوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل عمل عملًا إلا كساه الله رداء عمله إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، وعن سعيد: لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة لخرج عمله للناس كائنًا من كان ﴿إن الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿خبير بما تعملون﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من سرائركم فإنه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على نفاقكم، ولما نبه الله تعالى على خداعهم، وأشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم أمر بترغيبهم وترهيبهم مشيرًا إلى الإعراض عن عقوبتهم بقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهم ﴿أطيعوا الله﴾ أي: الذي له الكمال المطلق ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي: الذي له الرسالة المطلقة ظاهرًا وباطنًا، وقوله تعالى: ﴿فإن تولوا﴾ أي: عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم أي: فإن تتولوا فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم ﴿فإنما عليه﴾ أي: محمد ﷺ ﴿ما حمل﴾ أي: ما حمله الله تعالى من أداء الرسالة، وإذا أدّى فقد خرج من عهدة التكليف ﴿وعليكم﴾ أي: وأما
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أنتم فعليكم ﴿ما حملتم﴾ أي: ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم أنفسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، فالنفع والضر عائد إليكم ﴿وإن تطيعوه﴾ بالإقبال على كل ما يأمركم به ﴿تهتدوا﴾ أي: إلى كل خير ﴿وما على الرسول﴾ أي: من جهة غيره ﴿إلا البلاغ﴾ أي: وما الرسول إلا ناصح وهاد، وما عليه إلا أن يبلغ ما له نفع في قبولكم، ولا عليه ضرر في توليتكم، والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية، ومعنى ﴿المبين﴾ كونه مقرونًا بالآيات والمعجزات. روي أنه ﷺ قال على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب»، وقال أبو أمامة الباهلي: عليكم بالسواد الأعظم، فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم، وقوله تعالى:
﴿وعد الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿الذين آمنوا منكم وعملوا﴾ أي: تصديقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ خطاب للنبي ﷺ وللأمة أو له ولمن معه ومن للبيان، ثم أكد غاية التأكيد بلام القسم لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك بقوله تعالى: ﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾ أي: أرض العرب والعجم بأن يمد زمانهم وينفذ أحكامهم، فيجعلهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم ﴿كما استحلف الذين من قبلهم﴾ أي: من الأمم من بني إسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في الزبور أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وكما قال موسى ﵇: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وقرأ أبو بكر بضم التاء الفوقية وكسر اللام، والباقون بفتح التاء واللام ﴿وليمكنن لهم﴾ أي: في الباطن والظاهر ﴿دينهم الذي ارتضى لهم﴾ وهو دين الإسلام، وتمكينه تثبيته وتوكيده، وأضافه إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه، وأنه الذي لا ينسخ، ولما بشرهم بالتمكين أشار لهم إلى مقداره بقوله تعالى: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم﴾ أي: الذي كانوا عليه ﴿أمنا﴾ وذلك أن النبي ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، فقال ﷺ «لا تصبرون إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليس فيه حديدة» وأنجز الله تعالى وعده وأظفرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعض بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا واستعبدوا أبناء القياصرة وتمكنوا اشرقًا وغربًا مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم، كما قال ﷺ «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها»، ولما قتلوا عثمان ﵁ وخرجوا على عليّ
ثم ابنه الحسن نزع الله ذلك الأمر كما أشير إليه بمن، وتنكير أمنا، وجاءالخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلًا قليلًا إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم، وذلك تصديق لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يملك الله من يشاء، فتصير ملكًا ثم تصير بزيزي قطع سبيل
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وسفك دماء وأخذ أموال بغير حقها»، والثلاثون: خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشرة، وخلافة عثمان اثنا عشر، وخلافة علي ستة، والبِزَّيزي بكسر الباء وتشديد الزاي الأولى، والقصر السلب والتغلب، وقوله: قطع سبيل إما عطف بيان لقوله: نصب بِزَّيزي، أو بدل منه، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بسكون الباء الموحدة وتخفيف الدال، والباقون بفتح الموحدة وتشديد الدال، ثم أتبع ذلك بنتيجته بقوله تعالى تعليلًا للتمكين وما معه ﴿يعبدونني﴾ أي: وحدي، وقوله تعالى: ﴿لا يشركون بي شيئًا﴾ حال من الواو أي: يعبدونني غير مشركين فإن قيل: فما محل يعبدونني؟ أجيب: بأنه مستأنف لا محل له كأن قائلًا قال ما لهم مستخلفين ويؤمنون؟ فقال: يعبدونني ويجوز أن يكون حالًا عن وعدهم أي: وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلافهم فمحله النصب، ولما كان التقدير فمن ثبت على دين الإسلام وانقاد لأحكامه واستقام، نال هذه البشرى عطف عليه قوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾ أي: ارتد وكفر هذه النعمة ﴿بعد ذلك﴾ أي: بعد الوعد أو الخلافة ﴿فأولئك﴾ أي: البعداء من الخير ﴿هم الفاسقون﴾ أي: الخارجون عن الدين خروجًا كاملًا لا يقبل معه معذرة، ولا يقال لصاحبه عثرة، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره، ولا يراعى منهم ملام ولا تؤخذ بهم رأفة عند انتقام كما تقدم أول السورة فيمن لزمه الجلد، وقيل: المراد بالكفر كفران النعمة لا الكفر بالله، وقوله تعالى: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ أي: العاصون لله، وقوله تعالى:
﴿
وأقيموا الصلاة﴾ أي: فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم معطوف على أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؛ قال الزمخشري: وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال؛ لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ﴿وآتوا الزكاة﴾ فإنها نظام ما بينكم وبين إخوانكم ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي: في كل حال يأمركم به، وكررت طاعة الرسول تأكيدًا لوجوبها ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي: لتكونوا على رجاء من الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره. والفاعل في قوله تعالى:
﴿لا تحسبن﴾ ضمير المخاطب أي: لا تحسبن أيها المخاطب ﴿الذين كفروا﴾ أي: وإن ازدادت كثرتهم على العدِّ وتجاوزت عظمتهم الحدّ ﴿معجزين﴾ أي: لأهل ودنا، وقيل: لنا ﴿في الأرض﴾ أي: فإنهم مأخوذون لا محالة، وقرأ ابن عامر وحمزة، بالياء على الغيبة قال النحاس: ما علمت أحدًا من أهل العربية بصريًا ولا كوفيًا إلا وهو يلحن قراءة حمزة فمنهم من يقول: هي لحن؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن، وأجيب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن المفعول الأول محذوف تقديره: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين إلا أن حذف أحد المفعولين ضعيف عند البصريين، ومنه قول عنترة:
*ولقد نزلت فلا تظني غيره
مني بمنزلة المحب المكرم
أي: فلا تظني غيره واقعًا.
والثاني: أن المفعولين هما قوله: ﴿معجزين في الأرض﴾ قاله الكوفيون، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب، وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة، وكسرها الباقون، وقوله تعالى: ﴿ومأواهم النار﴾ أي: مسكنهم معطوف على لا تحسبن الذين كفروا معجزين، كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون أهل ودنا أو لا يفوتوننا ومأواهم النار المراد بهم المقسمون عليه بالله جهد
[ ٢ / ٦٣٧ ]
أيمانهم، ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد المصير إليه، قال تعالى: ﴿ولبئس المصير﴾ أي: المرجع مصيرها، فكيف إذا كان على وجه السكنى؟ واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ الآية، فقال ابن عباس: وجه رسول الله ﷺ غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو إلى عمر رضي الله تعالى عنه وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت فكرهته فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فنزلت، واللام في ﴿ليستأذنكم﴾ للأمر، وملك اليمين يشمل العبيد والإماء. قال بعض المفسرين: هذا الخطاب وإن كان ظاهره للرجال، فالمراد به الرجال والنساء؛ لأن التذكير يغلب على التأنيث قال الرازي: والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي؛ لأن النساء في باب العورة أشد حالًا من الرجال، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة التأفيف، وقال ابن عباس: هي في الرجال والنساء أي: البالغين أو من قاربوا البلوغ يستأذنون على كل حال في الليل والنهار للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم، واختلف العلماء في هذا الأمر فقيل: للندب، وقيل: للوجوب، واستظهر ﴿والذين﴾ أي: وليستأذنكم الذين ظهروا على عورات النساء، ولكنهم ﴿لم يبلغوا الحلم﴾ وقيده بقوله تعالى: ﴿منكم﴾ ليخرج الكفار والأرقاء، وعبر عن البلوغ بالاحتلام؛ لأنه أقوى دلائله ﴿ثلاث مرات﴾ في اليوم والليلة، وقيل: ثلاث استئذانات في كل مرة، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما تقدم المرّة الأولى من الأوقات الثلاث ﴿من قبل صلاة الفجر﴾؛ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم ﴿و﴾ المرّة الثانية ﴿حين تضعون ثيابكم﴾ أي: التي للخروج بين الناس ﴿من الظهيرة﴾ أي: شدة الحرّ، وهو انتصاف النهار ﴿و﴾ المرّة الثالثة ﴿من بعد صلاة العشاء﴾؛ لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة والاتصال بثياب النوم، وخص هذه الأوقات؛ لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب
والالتحاف باللحاف، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه؛ لأنه غير منضبط، ثم علل بقوله تعالى: ﴿ثلاث عورات﴾ أي: اختلالات في التستر والتحفظ ﴿لكم﴾؛ لأنها من ساعات وضع الثياب والخلوة؛ قال البيضاوي: وأصل العورة الخلل، ومنها اعورَّ المكان، ورجل أعور إذا بدا فيه خلل انتهى.
وسميت هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فربما تبدو عورته، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي في الوصل ثلاث بالنصب بتقدير أوقات منصوبًا بدل من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، والباقون بالرفع على أنها خبر مبتدأ مقدر بعده مضاف، وقام المضاف إليه مقامه أي: هي أوقات، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده، ثم بين ﷾ حكم ما عدا ذلك بقوله تعالى مستأنفًا ﴿ليس عليكم﴾ أي: في ترك الأمر ﴿ولا عليهم﴾ أي: المماليك والصبيان في ترك الاستئذان ﴿جناح﴾ أي: إثم وأصله الميل في الدخول عليكم في جميع الساعات ﴿بعدهن﴾ أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة إذا
[ ٢ / ٦٣٨ ]
هجموا عليكم، ثم علل الإباحة في غيرها مخرجًا لغيرهم بقوله تعالى: ﴿طوّافون عليكم﴾ أي: لعمل ما تحتاجون في الخدمةكما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام ﴿بعضكم﴾ طوّاف ﴿على بعض﴾ لعمل يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج.
فإن قيل: بما رفع ﴿بعضكم على بعض﴾؟ أجيب: بأنه رفع بالابتداء وخبره على بعض أي: طوّاف على بعض، وحذف؛ لأنّ طوافون يدل عليه، ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمرًا لتلك الدلالة ﴿كذلك﴾ أي: كما بين ما ذكر ﴿يبين الله﴾ أي: بما له من إحاطة العلم والقدرة ﴿لكم﴾ أيتها الأمة ﴿الآيات﴾ في الأحكام وغيرها بعلمه وحكمته ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة العامةبكل شيء ﴿عليم﴾ بكل شيء ﴿حكيم﴾ فيما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ، واختلف في ذلك فقال الزمخشري: عن ابن عباس أنه قال: آية لا ىؤمن بها أكثر الناس آية الأذن، وإني لآمر جاريتي أي: زوجتي أن تستأذن علي، وسأله عطاء: أستأذن على أختي؟ قال: نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية، وعنه ثلاث آيات جحدهنّ الناس؛ الإذن كله، وقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فقال الناس: أعظمكم بيتًا، وقوله: ﴿وإذا حضر القسمة﴾، وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم، وعن الشعبي: ليست منسوخة، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان، وعن سعيد بن جبير: إن الناس يقولون: هي منسوخة والله ما هي منسوخة، ولكن الناس تهاونوا بها، وقال قوم: هي منسوخة.l
روى البغوي عن ابن عباس أنه قال: لم يكن للقوم ستر، ولا حجاب فكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور، فلعل الرواية اختلفت عن ابن عباس، ولما بيّن تعالى حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خبر أتبعه حكم البالغين من الأحرار بقوله تعالى:
﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ أي: إذا بلغ أطفالكم الأحرار بلوغ السن الذي يكون فيه إنزال المني سواء رأى منيًا أم لا، واختلف في ذلك السن، فقال عامة العلماء: هو خمس عشرة سنة، أي: قمرية تحديدية لا فرق في ذلك بين الذكر وغيره، وقال أبو حنيفة: هو ثماني عشرة سنة في الغلام، وسبع عشرة سنة في الجارية، وعن علي ﵁: أنه تعتبر القامة وتقدر بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله:
*ما زال مذ عقدت يداه إزاره
وسما فأدرك خمسة الأشبار
واعتبر غيره الإنبات أي: للعانة، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه سأل عن غلام له فقال: هل اخضر إزاره، أي: نبت شعر عانته؟ فأسند الاخضرار إلى الإزار على المجاز، ولأنه مما اشتمل عليه الإزار، ونبات العانة الخشن عندنا علامة على بلوغ ولد الكافر فقط أما إذا رأى المني في وقت إمكانه وهو استكمال تسع سنين قمرية فإنا نحكم ببلوغه سواء كان ذكرًا أم أنثى مسلمًا أم كافرًا، وأما الخنثى فلا بدّ أن يمني من فرجيه أو يحيض بالفرج، ويمني من الذكر ﴿فليستأذنوا﴾ أي: على غيرهم في جميع الأوقات ﴿كما استأذن الذين من قبلهم﴾ أي: من الأحرار الكبار الذين
[ ٢ / ٦٣٩ ]
جعلوا قسيمًا للمماليك، فلا يدخل في ذلك الأرقاء، فلا يستدل بذلك على أن العبد البالغ يستأذن على سيدته، وقيل: المراد الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ ﴿كذلك﴾ أي: كما بين لكم ما ذكر ﴿يبين الله﴾ أي: الذي له الإحاطة والقدرة ﴿لكم﴾ أيتها الأمة ﴿آياته﴾ أي: دلالاته ﴿والله﴾ أي: الذي يعلم السر وأخفى ﴿عليم﴾ أي: بأحوال خلقه ﴿حكيم﴾ أي: فيما دبر لهم، قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك، وسئل حذيفة: أيستأذن الرجل على والدته؟ فقال: نعم إن لم تفعل رأيت منها ما تكره، وعن أنس قال: لما كانت صبيحة يوم احتلمت دخلت على النبي ﷺ فأخبرته أني قد احتلمت، فقال: «لا تدخل على النساء فما أتى علي يوم كان أشد منه» . ولما ذكر تعالى إقبال الشباب في تعيين حكم الحجاب أتبعه الحكم عند إدبار الشباب في اتقاء الظاهر من الشباب بقوله تعالى:
﴿والقواعد من النساء﴾ أي: اللاتي قعدن عن الولد والحيض من الكبر، فلا يلدن ولا يحضن، واحدتهن قاعد بلا هاء، وقيل: قعدن عن الأزواج وهو معنى قوله: ﴿اللاتي لا يرجون نكاحًا﴾ أي: لا يردن الرجال لكبرهن، قال ابن منبه: سميت المرأة قاعدًا إذا كبرت؛ لأنها تكثر القعود، وقال ربيعة: هن العجز اللواتي إذا رآهن الرجل استقذرهن، فأما من كان فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية ﴿فليس عليهن جناح﴾ أي: حرج في ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ أي: الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال كالجلباب والرداء والقناع فوق الخمار، أما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي: من غير أن يردن بوضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن، ثم إن الزينة الخفية في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج، والتبرج هو أن تظهر المرأة محاسن ما ينبغي لها أن تستره، ولما ذكر الله تعالى الجائز عقبه بالمستحب بعثًا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها بقوله تعالى: ﴿وأن يستعففن﴾ أي: فلا يلقين الرداء أو الجلباب ﴿خير لهن﴾ من الإلقاء كقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾، ﴿وأن تصدقوا﴾ لأنه أبعد عن التهمة ﴿والله﴾ أي: الذي جلت عظمته ﴿سميع﴾ لقولكم ﴿عليم﴾ بما في قلوبكم، واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿ليس على الأعمى حرج﴾ أي: في مؤاكلة غيره ﴿ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ كذلك، فقال ابن عباس لما أنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾: تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمني والعمى والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي من الطعام حقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلى هذا تكون على بمعنى في؛ أي: ليس في الأعمى أي: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج.
وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما: كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن الناس يستقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، وعن عكرمة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، وكان
[ ٢ / ٦٤٠ ]
هؤلاء يقولون: الأعمى ربما أكل أكثر، وربما سبقت يده إلى ما سبقت عين آكليه إليه، وهو لا يشعر، والأعرج ربما أخذ في مجلسه مكان اثنين فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة تؤذي أو جرح يبض أو نحو ذلك فنزلت، وقال مجاهد: نزلت الآية ترخيصًا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون محل الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيت أبيه وبيت أمه، وبعض من سمى الله تعالى في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من هذا الطعام ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره فنزلت الآية.
وقال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا غلقوا منازلهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله تعالى هذه الآية رخصة لهم، وقال الحسن: نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، وقال: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿ولا على المريض حرج﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا في بيوتكم﴾ كلام مستأنف منقطع عما قبله فإن قيل: أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامًا في بيته؟ أجيب: بأن المراد من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيه بيوت الأولاد؛ لأن بيت ولده كبيته؛ قال ﷺ «أنت ومالك لأبيك»، وقال ﷺ «إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه»، وقيل لما نزل قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ()
قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم ﴿أو بيوت آبائكم﴾ أي: وإن بعدت أنسابهم قال البقاعي: ولعله جمع لذلك فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم ﴿أو بيوت أمهاتكم﴾ كذلك وقدم الأب؛ لأنه أجل وهو حاكم بيته دائمًا والمال له ﴿أو بيوت إخوانكم﴾ أي: من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين؛ لأنهم منكم، وهم أولياء بيوتهم ﴿أو بيوت أخواتكم﴾، فإنهن بعدهم من أولي البيت، فإن كن مزوجات فلا بد من إذن الزوج ﴿أو بيوت أعمامكم﴾ فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أم لأم، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط، فإنه أحق بالاسم ﴿أو بيوت عماتكم﴾ فإنهن بعد الأعمام لضعفهن؛ ولأنهن ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج ﴿أو بيوت أخوالكم﴾ لأنهم شقائق أمهاتكم ﴿أو بيوت خالاتكم﴾ أخرهن لما ذكر في العمات ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ قال ابن عباس: عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر، وملك المفاتح كونها في يده وحفظه، وقال الضحاك: يعني من بيوت عبيدكم ومماليككم؛ لأن السيد يملك منزل عبده والمفاتح الخزائن بقوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ ()
ويجوز أن تكون الذي يفتح به، وقال عكرمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير، وقال السدي: الرجل يولي طعام غيره ويقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه، وقيل: أو ما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه عندكم، وقال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما ادخرتم وملكتم ﴿أو صديقكم﴾ أي: أو بيوت أصدقائكم، والصديق هو الذي
[ ٢ / ٦٤١ ]
صدق في المودة ويكون واحدًا وجمعًا، وكذا الخليط والقطين والعدو قال ابن عباس: نزلت في الحرث بن عمرو خرج غازيًا مع رسول الله ﷺ وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودًا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أكل طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه الآية. يحكى عن الحسن أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالًا من تحت سريره فيها الخبيص ولطائف الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورًا وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين، وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها، فأخبرته أعتقها سرورًا بذلك، وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله تعالى في الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ.
وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا: ﴿فمالنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ (،)، والمعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة ظاهرة الحال، فإن ذلك يقوم مقام الإذن الصريح، ولذلك خصص هؤلاء فإنهم يعتادون التبسط بينهم وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدّم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه، فإن قيل: إذا كان ذلك لا بد فيه من العلم بالرضا فحينئذٍ لا فرق بينهم وبين غيرهم؟ أجيب: بأن هؤلاء يكفي فيهم أدنى قرينة بل ينبغي أن يشترط فيهم أن لا يعلم عدم الرضا بخلاف غيرهم لا بد فيه من صريح الإذن أو قرينة قوية، هذا ما ظهر لي ولم أرَ من تعرض لذلك، وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والأكل من طعامه بغير إذنه لهذه الآية، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع؛ لأن الله تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم.
فإن قيل: فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه؟ أجيب: بأن من سرق من ماله لا يكون صديقًا له، وقيل: إن هذا كان أول الإسلام ثم نسخ فلا دليل له فيه، وقرأ بيوتكم وبيوت وبيوتًا ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بالكسر، وقرأ حمزة والكسائي أمهاتكم في الوصول بكسر الهمزة، والباقون بالضم، وكسر الميم حمزة، وفتحها الباقون، ولما ذكر تعالى معدن الأكل ذكر حاله بقوله تعالى:
﴿ليس عليكم جناح﴾ أي: إثم ﴿أن تأكلوا جميعًا﴾ أي: مجتمعن ﴿أو أشتاتًا﴾ أي: متفرقين، واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال الأكثرون: نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظرًا نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة، وقال عطاء عن ابن عباس: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته، فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأجنح أي: أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه الآية، وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاؤوا مجتمعين أو أشتاتًا متفرقين، وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعامًا عزلوا للأعمى طعامًا وحده، وكذلك الزمن والمريض، فبين الله تعالى لهم أن ذلك غير
[ ٢ / ٦٤٢ ]
واجب، وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض.
تنبيه: ﴿جميعًا﴾ حال من فاعل تأكلوا، وأشتاتًا عطف عليه وهو جمع شتت، وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت، روي أن رجلًا قال للنبي ﷺ إنا نأكل ولا نشبع، قال: «فلعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه»، وروي أنه ﷺ قال: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا واذكروا اسم الله فإن البركة مع الجماعة» .
ولما بين تعالى مواطن الأكل وكيفيته ذكر الحال التي عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها بقوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم﴾ أي: بسبب ذلك أو غيره ﴿بيوتًا﴾ أي: من هذه البيوت ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ أي: على أهلها الذين هم منكم دينًا وقرابة، جعل أنفس المؤمنين كالنفس الواحدة كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (النساء، ٢٩)
وقال ابن عباس: إذا لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق بالسلام ممن سلمت عليهم، وإذا دخلت بيتًا لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، حدثنا أن الملائكة ترد عليه ﴿تحية من عند الله﴾ أي: ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ﴿مباركة﴾ أي: لأنه يرجى بها زيادة الخير والثواب ﴿طيبة﴾ أي: تطيب بها نفس المستمع، والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب؛ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله تعالى زيادة الخير وطيب الرزق، وعن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وقيل: تسع سنين، فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء تركته: لم تركته؟ وكنت واقفًا على رأسه أصب الماء على يديه، فرفع رأسه فقال: «ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها» قلت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال: «متى لقيت من أمتي أحدًا فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلِّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين» .
تنبيه: تحية منصوب على المصدر من معنى فسلموا، فهو من باب قعدت جلوسًا فكأنه قال: فحيوا تحية، وقال القفال: وإن كان في البيت أهل الذمة، فليقل: السلام على من اتبع الهدى، وكرر قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله﴾ أي: الذي أحاط علمه بكل شيء ﴿لكم الآيات﴾ ثالثًا لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به، وفصل الأولين بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه، فقال تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾ أي: عن الله أمره ونهيه وأدبه، ولما كان أمر رسول الله ﷺ أجل موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان قال تعالى:
﴿إنما المؤمنون﴾ أي: الكاملون في الإيمان ﴿الذين آمنوا بالله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿ورسوله﴾ أي: ظاهرًا وباطنًا ﴿وإذا كانوا معه﴾ أي: الرسول ﷺ ﴿على أمر جامع﴾ أي: يجمعهم من حرب حضرت أو صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة أو من الإسناد المجازي؛ لأنه لما كان سببًا في جمعهم نسب الفعل إليه مجازًا ﴿لم يذهبوا﴾ أي: يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له لعذر لهم ﴿حتى يستأذنوه﴾ قال الكلبي: كان النبي ﷺ يعرض في خطبته بالمنافقين، ويعيبهم فينظر المنافقون يمينًا وشمالًا فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد لبثوا وصلوا خوفًا، فنزلت هذه الآية، فكان المؤمن بعد نزولها لا يخرج لحاجةحتى يستأذن رسول الله ﷺ وكان المنافقون يخرجون بغير إذن، قال مجاهد: إن إذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قال أهل العلم: كذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، فإن حدث سبب يمنعه عن المقام كأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة أو يجنب الرجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان، ولما كان اعتبار الإذن كالمصدق لصحة كمال الإيمان، والمميز للمخلص فيه أعاده مؤكدًا على أسلوب أبلغ بقوله تعالى: ﴿إن الذين يستأذنونك﴾ أي: تعظيمًا لك ورعاية للأدب ﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿الذين يؤمنون بالله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿ورسوله﴾ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك، ولما نص على الاستئذان تسبب عن ذلك إعلامه ﷺ بما يفعل إذ ذاك بقوله تعالى: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم﴾ وهو ما تشتد الحاجة إليه، ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ بالانصراف أي: إن شئت فأذن، وإن شئت فلا تأذن، ففي ذلك تفويض الأمر إلى رسول الله ﷺ واستدل به
على أن بعض الأحكام مفوّض إلى رأيه.
قال الضحاك ومقاتل: المراد عمر بن الخطاب وذلك «أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له وقال: انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقون ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا: ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم وإذا استأذناه أبى، فوالله ما نراه يعدل»، قال ابن عباس: «إن عمر استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له ثم قال: يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك»، ولما كان في الاستئذان ولو لعذر قصور؛ لأن فيه تقديمًا لأمر الدنيا على أمر الدين أمره الله تعالى بأن يستغفر لهم بقوله تعالى: ﴿واستغفر لهم الله﴾ أي: الذي له الأمر كله بعد الإذن ليكون ذلك شاملًا لمن صحت دعواه وغيره، ثم علل ذلك ترغيبًا في الاستغفار وتطييبًا لقلوب أهل الأوزار بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الذي لا يخفى عليه شيء ﴿غفور﴾ أي: لفرطات العباد ﴿رحيم﴾ أي: بالتستر عليهم، ولما أظهرت هذه السورة بعمومها، وهذه الآيات بخصوصها من شرف الرسول ما أبهر العقول صرح بتفخيم شأنه وتعظيم مقامه بقوله تعالى:
﴿لا تجعلوا﴾ أي: يا أيها الذين آمنوا ﴿دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ قال سعيد بن جبير وجماعة: معناه: لا تنادوه باسمه فتقولوا: يا محمد، ولا بكنيته فتقولوا: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير، فقولوا: يا رسول الله يا نبي الله، وعلى هذا يكون المصدر مضافًا لمفعوله، وقال المبرد والقفال: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض، فتتباطؤون عنه كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر بل يجب عليكم المبادرة لأمره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ (النور، ٦٣)، وعلى هذا يكون المصدر مضافًا للفاعل، وقال ابن عباس: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، وروي عنه أيضًا: لا ترفعوا أصواتكم في دعائه، وهو المراد من قوله: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله﴾ (الحجرات، ٣)، وقول المبرد كما قال ابن عادل: أقرب إلى نظم الآية.
ولما كان بعضهم يظهر الموافقة ويبطن المخالفة
[ ٢ / ٦٤٤ ]
حذر من ذلك بقوله تعالى: ﴿قد يعلم الله﴾ أي: الذي لا تخفى عليه خافية ﴿الذين يتسللون منكم﴾ أي: ينسلون قليلًا قليلًا ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء، ونظير تسلل تدرج وتدخل، وقوله تعالى: ﴿لواذًا﴾ حال أي: ملاوذين، واللواذ والملاوذة التستر يقال: لاذ فلان بكذا إذا استتر به، وقال ابن عباس: أي: يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة لا سيما في خطبة النبي ﷺ وكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار، وقد للتحقيق وتسبب عن علمه تعالى قوله تعالى: ﴿فليحذر﴾ أي: يوقع الحذر ﴿الذين يخالفون عن أمره﴾ أي: يعرضون عن أمر رسول الله ﷺ وينصرفون عنه بغير إذنه، وقال أبو بكر الرازي: الضمير في أمره لله؛ لأنه يليه، وقال الجلال المحلي: أي: الله ورسوله وكلٌ صحيح، فإن مخالفة أمر أحدهما مخالفة أمر الآخر ﴿أن﴾ أي: لئلا ﴿تصيبهم فتنة﴾ قال مجاهد: بلاء في الدنيا، وعن ابن عباس: فتنة قتل، وعن عطاء: زلازل وأهوال، وعن جعفر بن محمد: يسلط الله عليهم سلطانًا جائرًا ﴿أو يصيبهم عذاب أليم﴾ أي: وجيع في الآخرة.
تنبيه: الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك، ولما أقام تعالى الأدلة على أنه نور السموات والأرض وختم بالتحذير لكل مخالف أنتج ذلك أن له كل شيء فقال تعالى:
﴿ألا إن لله ما في السموات والأرض﴾ خلقًا وملكًا وعبيدًا، فإن قيل: ما فائدة ذكر عبيدًا بعد ملكًا؟ أجيب: عنه إنما ذكر لئلا يتوهم أن ما لما لا يعقل فقط، ولما كانت أحوالهم من جملة ما هو له، وإنها بخلقه قال تعالى: ﴿قد يعلم ما أنتم﴾ أي: أيها المكلفون ﴿عليه﴾ أي: من الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق، وإنما أكد علمه بقد لتأكيد الوعيد، وذلك أنَّ قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قول بعضهم:
*فإن تمس مهجور الفناء فربما
أقام به بعد الوفود وفود
ونحوه يقول زهير:
*أخي ثقة لا تهلك الخمر
ماله ولكنه قد يهلك المال نائله
والمعنى: أن جميع ما في السموات والأرض مختص به تعالى فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها؟ وقوله تعالى: ﴿ويوم﴾ أي: ويعلم يوم ﴿يرجعون إليه﴾ فيه التفات عن الخطاب أي: متى تكون، أو ويوم يرجع المنافقون إليه للجزاء ﴿فينبئهم﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنه يخبرهم ﴿بما عملوا﴾ أي: من الخير والشر فيجازيهم عليه ﴿والله﴾ أي: الذي لا تخفى عليه خافية ﴿بكل شيء﴾ أي: من أعمالهم وغيرها ﴿عليم﴾ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبويها قالت: قال رسول الله ﷺ «لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور» أخرجه أبو عبد الله في البيع في صحيحه، وأما قول البيضاوي: تبعًا للكشاف: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي» فهو حديث موضوع.
[ ٢ / ٦٤٥ ]