مكية وتسمى سورة السفرة
وهي اثنان وأربعون آية ومائة وثلاثون كلمة وثلاثمائة وثلاثون حرفًا
[ ٤ / ٤٨٣ ]
﴿بسم الله﴾ الواحد القهار ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بإنعامه الأبرار والفجار ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه برحمته في دار القرار.
﴿عبس﴾ أي: كلح وجهه النبي ﷺ ﴿وتولى﴾ أي: أعرض بوجهه لأجل ﴿أن جاءه الأعمى﴾ وهو ابن أمّ مكتوم وأم مكتوم أمّ ابيه واسمها عاتكة بنت عامر بن مخزوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤيّ، وذلك أنه جاءه وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية ابن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة الله تعالى، فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرّر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما اتبعه العميان والعبيد والسفلة فعبس وجهه وأعرض عنه وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: «مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي»، ويبسط له رداءه ويقول له: «هل لك حاجة؟» واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. قال أنس بن مالك: رأيته يوم القادسية راكبًا وعليه درع وله راية سوداء. ﴿﴿
﴿وما يدريك﴾ أي: أيّ شيء يجعلك داريًا بحاله ﴿لعله﴾ أي: الأعمى ﴿يزكى﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي، أي: يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وفي ذلك إيماء بأنّ إعراضه كان لتزكية غيره.
﴿أو يذكر﴾ فيه إدغام التاء في الذال أي: يتعظ وتسبب عن تزكيته وتذكره قوله تعالى: ﴿فتنفعه الذكرى﴾ أي: العظمة المسموعة منك، وقرأ عاصم بنصب العين والباقون برفعها، فمن رفع فهو نسق على قوله تعالى: ﴿أو يذكر﴾ ومن نصب فعلى جواب الترجي كقوله تعالى في غافر: ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾ (غافر: ٣٧)
. وقال ابن عطية في جواب التمني لأن قوله تعالى: ﴿أو يذكر﴾ في حكم قوله تعالى: ﴿لعله يزكى﴾ .
واعترض عليه أبو حيان: بأنّ هذا ليس تمنيًا وإنما هو ترجٍ. وأجيب عنه: بأنه إنما يريد التمني المفهوم وقت الذكرى.
وقرأ الذكرى أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح وقيل: الضمير في لعله للكافر يعني: أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر فتقرّبه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن.
﴿أما من استغنى﴾ أي: بالمال، وقال ابن عباس ﵄: استغنى عن الله وعن الإيمان بما له من المال.
﴿فأنت له﴾ أي: دون الأعمى ﴿تصدّى﴾ أي: تتعرّض له بالإقبال عليه والمصادّة المعارضة وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها والباقون بالتخفيف.
﴿وما﴾ أي: فعلت ذلك والحال أنه ما ﴿عليك﴾ أي: وليس عليك بأس ﴿ألا يزكى﴾ أي: في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم إن عليك إلا البلاغ.
﴿وأما من جاءك﴾ حال كونه ﴿يسعى﴾ أي: يسرع في طلب الخير وهو ابن أمّ مكتوم ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿يخشى﴾ أي: الله أو الكفار في أذاهم على الإتيان إليك. وقيل: جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة، وقرأ قالون وأبو عمرو والسدّي بسكون الهاء والباقون بضمها.
﴿فأنت عنه تلهى﴾ فيه حذف التاء الآخرة في الأصل، أي: تتشاغل، وقرأ ﴿وتولى﴾، ﴿الأعمى﴾، ﴿يزكى﴾، ﴿من استغنى﴾، ﴿تصدّى﴾، ﴿يزكى﴾، ﴿يسعى﴾، ﴿يخشى﴾
[ ٤ / ٤٨٤ ]
، ﴿تلهى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح.
وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع من العاتب عليه وعن معاودة مثله. فإن قيل: ما فعله ابن أمّ مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر، فكيف عاتب الله تعالى رسوله ﷺ على تأديبه، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته ﷺ لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدّة اهتمام النبيّ ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﷺ لغرض نفسه قبل تمام كلام النبيّ ﷺ معصية عظيمة، وأيضًا فإنّ الأهمّ يقدّم على المهمّ، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين، وأما أولئك الكفار فلم يكونوا أسلموا، وكان إسلامهم سببًا لإسلام غيرهم، فكان كلام ابن أمّ مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك يحرم أيضًا. فإنّ الله تعالى ذمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرّد ندائهم، فهذا النداء الذي هو كالصارف للكفار عن الإيمان أولى أن يكون ذنبًا، وأيضًا فمع هذا الاعتناء كيف لقب بالأعمى، وأيضًا فالنبيّ ﷺ له أن يؤدّب أصحابه بما يراه مصلحة، والتعبيس من ذلك القبيل؟
أجيب: بأنّ ما فعله ابن أمّ مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالمًا بأنّ النبيّ ﷺ مشغولًا بغيره وأنه يرجو إسلامهم، ولكنه لم يعلم بذلك. وأيضًا الله ﷾ إنما عاتبه على ذلك حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء، أو ليعلم أنّ المؤمن الفقير خير من الغنيّ الكافر.
وقال ابن زيد: إنما عبس النبيّ ﷺ لابن أمّ مكتوم وأعرض عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه فدفعه ابن أمّ مكتوم وأبى إلا أن يتكلم مع النبيّ ﷺ فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا نزل في حقه ذلك، وأما ذكره بلفظ الأعمى فليس للتحقير بل كان بسبب عماه يستحق أن يزيده تعطفًا وترؤفًا وتقريبًا وترحيبًا، ولقد تأدب الناس بأدب الله تعالى في هذا تأدبًا حسنًا، فقد روي عن سفيان الثوري ﵁: أنّ الفقراء كانوا بمجلسه أمراء، وأما كونه ﷺ كان مأذونًا له في تأديب أصحابه فلأنّ تقديمهم ربما يوهم ترجيح تقديم الأغنياء على الفقراء فلهذا السبب عوتب.
قال الحسن ﵁: لما تلا جبريل ﵇ على النبيّ ﷺ هذه الآيات عاد وجهه كأنما نسف فيه الرماد ينتظر ما يحكم الله تعالى عليه فلما قال: ﴿كلا﴾ سرّي عنه أي: لا تفعل مثل ذلك، وقد بينا نحن أنّ ذلك محمول على ترك الأولى. ثم قال الله تعالى: ﴿إنها﴾ أي: هذه السورة. وقال مقاتل ﵁: آيات القرآن. وقيل: القرآن، وأنثه لتأنيث خبره وهو قوله تعالى: ﴿تذكرة﴾ أي: عظة للخلق يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها.
﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: كان حافظًا له غير ناس، وذكر الضمير لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ.
ثم إنّ الله تعالى أخبر عن جلالة ذلك عنده فقال سبحانه ﴿في صحف﴾ أي: منتسخة من اللوح المحفوظ، وقيل: هي كتب الأنبياء ﵈، دليله قوله تعالى: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ (الأعلى، الآيتان: ١٨ - ١٩)
. ﴿مكرمة﴾ أي: عند الله تعالى.
﴿مرفوعة﴾ أي: في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار ﴿مطهرة﴾ أي: منزهة عن أيدي الشياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة كرام مطهرين.
كما قال تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾ أي: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وهم الملائكة الكرام الكاتبون
[ ٤ / ٤٨٥ ]
واحدهم سافر يقال: سفرت، أي: كتبت، ومنه قيل للكتاب: سفر وجمعه أسفار. وقيل: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم.
ثم أثنى تعالى عليهم بقوله سبحانه: ﴿كرام﴾ أي: على الله تعالى وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ في كرام قال: مكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إلا إذا خلا بزوجته أو برز لغائط وقيل: يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. وقوله: ﴿بررة﴾ جمع بارّ كساحر وسحرة وفاجر وفجرة، والبارّ هو الصادق المطيع. ومنه برّ فلان في يمينه أي: صدق، وفلان يبر خالقه أي: يطيعه. فمعنى بررة مطيعين صادقين لله تعالى في أعمالهم.
ولما ذكر تعالى ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب عباده المؤمنين من ذلك فقال سبحانه.
﴿قتل الإنسان﴾ أي: لعن الكافر، وقوله تعالى: ﴿ما أكفره﴾ استفهام توبيخ، أي: ما أشدّ تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك مما حمله على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿من أي شيء خلقه﴾ استفهام تقرير. ﴿﴿
ثم بينه بقوله تعالى: ﴿من نطفة﴾ أي: ماء يسير جدًّا لا من غيره. ﴿خلقه﴾ أي: أوجده مقدّرًا على ما هو عليه من التخطيط ﴿فقدّره﴾ أي: علقة ثم مضغة إلى آخر خلقه فكأنه قيل: وأي سبب في هذا الترفع مع أنّ أوّله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين الوقتين حامل عذرة، فإنّ خلقة الإنسان تصلح أن يستدل بها على وجود الصانع؛ لأنه يستدل بها على أحوال البعث والحشر. قيل: نزلت في عتبة بن أبي لهب والظاهر العموم.
فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز فالقادر على الكل كيف يليق به ذلك، والتعجب أيضًا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فالعالم به كيف يليق به ذلك؟ أجيب: بأنّ ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء: قاتله الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا.
وقيل: الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أوّل مراتبه وهو قوله تعالى: ﴿من نطفة خلقه﴾ ولا شك أنّ النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر وقوله تعالى: ﴿فقدّره﴾ أي: أطوارًا وقيل: سوّاه كقوله تعالى: ﴿ثم سوّاك رجلًا﴾ (الكهف: ٣٧)
أو قدّر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدّره تقديرًا﴾ (الفرقان: ٢)
ثم ذكر المرتبة الوسطى بقوله تعالى: ﴿ثم﴾ بعد انتهاء المدّة ﴿السبيل﴾ أي: طريق خروجه من بطن أمّه ﴿يسره﴾ أي: سهل له أمره في خروجه بأن فتح له الرحم وألهمه الخروج منه، ولا شك أنّ خروجه من أضيق المسالك من أعجب العجائب يقال: إنه كان رأسه في بطن أمّه من فوق ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام المراد، ومنه قوله تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد: ١٠)
أي: التمييز بين الخير والشرّ.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال: سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن زيد: سبيل الإسلام. قال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر عليه لقوله ﷺ «كل ميسر لما خلق له» . ثم ذكر المرتبة الأخيرة بقوله تعالى: ﴿ثم أماته﴾ وأشار إلى إيجاب المبادرة بالتجهيز بالفاء المعقبة في قوله تعالى: ﴿فأقبره﴾ أي: جعله في قبر يستره إكرامًا له، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض تأكله الطير وغيرها.
﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ أي: أحياه بعد موته للبعث، ومفعول شاء
[ ٤ / ٤٨٦ ]
محذوف أي: شاء إنشاره وأنشره جواب إذا، وقرأ قالون وأبو عمرو البزي بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وسهل الثانية ورش وقنبل ولهما أيضًا إبدالها ألفًا والباقون بتحقيقهما.
وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع للإنسان عما هو عليه، وقيل: معناها حقًا. قال الأوّل الزمخشري وتبعه البيضاوي، وقال الثاني الجلال المحلي. ﴿لما يقض﴾ أي: يفعل ﴿ما أمره﴾ به ربه من الإيمان وترك التكبر. وقيل: لم يوف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم ﵇. وقيل: المعنى: إن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به من التأمّل في دلائل الله تعالى والتدبر في عجائب خلقه.
ولما كانت عادة الله تعالى جارية في القرآن أنه كلما ذكر دلائل الإنسان ذكر عقبها دلائل الآفاق بدأ من ذلك بما يحتاج إليه الإنسان بقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان﴾ أي: يوقع النظر التامّ بكل شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ﴿إلى طعامه﴾ أي: الذي هو قوام حياته كيف هيأ له أسباب المعاش ليستعدّ بها للمعاد.
قال الحسن ومجاهد: فلينظر إلى طعامه إلى مدخله ومخرجه. وروي عن الضحاك أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ «يا ضحاك، ما طعامك؟» قلت: يا رسول الله، اللحم واللبن، قال: «فشرابك ماذا؟» قلت: الماء قد علمته، قال: «فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا» .
وروي عن ابن عمر أنّ الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه فيأتيه الملك فيقول انظر إلى ما تحليت به إلام صار.
وقرأ ﴿أنا صببنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الماء﴾ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة على أنه بدل اشتمال بمعنى أنّ صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، أو أنه تقدير لام العلة، أي: فلينظر لأنا ثم حذف الخافض، وقال البغوي: أنا بالفتح على تكرير الخافض مجازه فلينظر إلى أنا وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف تعديدًا لنعمه تعالى عليه، وقوله تعالى ﴿صبًا﴾ تأكيد، والمراد بالماء المطر.
ولما كان الإنسان محتاجًا إلى جميع ما في الوجود ولو نقص منه شيء اختل أمره وبدأ أولًا بالسماوي لأنه أشرف وبالماء الذي هو حياة كل شيء تنبيهًا له على ابتداء خلقه. ثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال تعالى ﴿ثم﴾ أي: بعد مهلة من إنزال الماء ﴿شققنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الأرض﴾ أي: بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء فكيف بالأرض اليابسة، وقوله تعالى ﴿شقًا﴾ تأكيد.
ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له فقال تعالى: ﴿فأنبتنا﴾ أي: بما لنا من القدرة التامة ﴿فيها﴾ أي: بسبب الشق ﴿حبًا﴾ أي: قمحًا وشعيرًا وسلتًا وسائر ما يحصد ويدخر، وقدّم ذلك لأنه كالأصل في التغذية ﴿وعنبًا﴾ وذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه ﴿وقضبًا﴾ قال ابن عباس ﵄: هو الرطب لأنه يقتضب من النخل، أي: يقطع ورجحه بعضهم لذكره بعد العنب لأنهما يقترنان كثيرًا، وقيل: القت الرطب، وقيل: كل ما يقضب من البقول لبني آدم، وقيل: هو الرطبة والمقضاب أرضه، سمي بمصدر قضبه إذا قطعه لأنه يقضب مرة بعد أخرى. وقال الحسن: القضب العلف للدواب.
﴿وزيتونًا﴾ وهو ما يعصر منه الزيت يكون فيه حرافة وغضاضة فيه إصلاح المزاج. وقوله تعالى: ﴿ونخلًا﴾ جمع نخلة، وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع المرافقة في الأرض والسقي.
وقوله تعالى ﴿وحدائق غلبًا﴾ جمع أغلب وغلباء
[ ٤ / ٤٨٧ ]
كحمر في أحمر وحمراء، أي: بساتين كثيرة الأشجار. والأصل في الوصف بالغلب الرقاب، يقال: رجل أغلب وامرأة غلباء غليظا الرقبة فاستعير. قال عمرو بن معد يكرب:
*يمشي بها غلب الرجال كأنهم بزل كسين من الكحيل جلالا*
وقال مجاهد ومقاتل: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض. وقال ابن عباس ﵄: الطوال. وقيل: غلاظ الأشجار.
﴿وفاكهة﴾ وهي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ، قال النووي في منهاجه: ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمّان وأترج ورطب ويابس أي: كالتمر والزبيب، قال: قلت: وليمون ونبق وبطيخ ولب فستق وبندق وغيرها في الأصح. ﴿وأبًا﴾ وهو ما تأكله الدواب لأنه يؤب أي: يؤمّ وينتجع إليه. وقال عكرمة: الفاكهة ما يأكله الناس، والأب ما تأكله الدواب، وقيل: التبن. وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سئل عن الأب فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا علم لي به. وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا عرفنا فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت بيده، ثم قال: هذا لعمر الله التكلف وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه.
فإن قيل: هذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟ أجيب: بأنه لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم كانت أكثر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم الذي لا يعمل به تكلفًا عندهم، فأراد أنّ الآية مسوقة عندهم في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأب بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعًا له أو لإنعامه، فعليك بما هو أهمّ من النهوض بالشكر لله تعالى على ما بين لك، ولم يشكل مما عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك من مشكلات القرآن.
﴿متاعًا﴾ أي: العشب، أي: منفعة أو تمتيعًا كما تقدّم في السورة قبلها ﴿لكم﴾ أي: الفاكهة ﴿ولأنعامكم﴾ وتقدّم أيضًا في السورة التي قبلها معرفة الأنعام والحكمة في الاقتصار عليها.
ولما ذكر تعالى هذه الأشياء وكان المقصود منها ثلاثة: أوّلها: الدلائل الدالة على التوحيد، وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. وثالثها: أنّ هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان لا يليق بالعاقل أن يتمرّد على طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد لهذه الأغراض وهو شرح أحوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمّل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضًا إلى ترك التكبر على الناس وإلى إظهار التواضع فقال تعالى:
﴿فإذا جاءت﴾ أي: كانت ووجدت لأنّ كل ما هو كائن لاقيك وجاء إليك ﴿الصاخة﴾ أي: صيحة القيامة وهي النفخة الثانية التي تصخ الأذن، أي: تصمها لشدّة وقعتها. مأخوذة من صخه بالحجر أي: صكه به. وقال الزمخشري: صخ لحديثه مثل أصاخ فوصفت النفخة بالصاخة مجازًا، لأنّ الناس يصخون لها. وقال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم وإنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة كقوله:
[ ٤ / ٤٨٨ ]
*أصمني سرّهم أيام فرقتهم وهل سمعتم بسرّ يورث الصمما*
وجواب ﴿إذا﴾ محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا جاءت الصاخة﴾ أي: اشتغل كل واحد بنفسه.
وقوله تعالى: ﴿يوم يفرّ المرء﴾ بدل من إذا ﴿من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته﴾ أي: زوجته ﴿وبنيه﴾ لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئًا كقوله تعالى: ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئًا﴾ (الدخان: ٤١) ﴿﴿
فيفرّ المرء من هؤلاء الذين كان يفرّ إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم لكثرة ما يشغله. وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب، ثم بالأمّ لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ، وهو لها آلف وعليها أحنّ وعليها أرق وأعطف، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف لأنه أقرب منها في النوع، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله، ثم بالصاحبة لأنّ الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد، ثم بالولد لأنّ له من المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره.
فقدّم أدناهم مرتبة في الحب والذب، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل: يفرّ المرء من أخيه بل من أمّه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه، وقيل: يفرّ منهم حذرًا من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ: لم تواسني بمالك، والأبوان: قصرت في برّنا، والصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون: لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل: أوّل من يفرّ من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم ﵇، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح.
ولما ذكر الفرار أتبعه سببه فقال تعالى: ﴿لكل امرئ﴾ وإن كان أعظم الناس مروءة ﴿منهم يومئذ﴾ أي: إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام. ﴿شأن﴾ أي: أمر عظيم. وقوله تعالى: ﴿يغنيه﴾ حال، أي: يشغله عن شأن غيره. وعن سودة رضي الله تعالى عنها زوج النبيّ ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ «يبعث الناس حفاة عراة غرلًا - أي: بالقلفة - قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان» فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال ﷺ «قد شغل الناس ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾» . وقال قتيبة: يغنيه أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغن عني وجهك أي: اصرفه. وقال أهل المعاني: يغنيه أي: ذلك الهمّ الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهم آخر، فصار شبيهًا بالغنى في أنه ملك شيئًا كثيرًا.
ولما ذكر تعالى حال القيامة في الهول بين أنّ المكلفين على قسمين: سعداء وأشقياء فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ﴾ أي: إذ كان ما تقدّم من الفرار وغيره ﴿مسفرة﴾ أي: مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء. وعن ابن عباس: من قيام الليل لما روي في الحديث «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهارِ» . وعن الضحاك من آثار الوضوء. وقيل: من طول ما اغبرّت في سبيل الله تعالى.
﴿ضاحكة﴾ أي: مسرورة فرحة. قال الكلبيّ: يعني بالفراغ من الحساب ﴿مستبشرة﴾ أي: بما آتاها الله تعالى من الكرامة.
ثم وصف الشقيّ بقوله تعالى: ﴿ووجوه يومئذ﴾ أي: إذ وجد ما ذكر. ﴿عليها غبرة﴾ أي: غبار.
﴿ترهقها﴾ أي: تعلوها ﴿قترة﴾ أي: سواد كالدخان ولا يرى أوحش من
[ ٤ / ٤٨٩ ]
اجتماع الغبرة والسواد في الوجه كما يرى في وجوه الزنوج إذا اغبرّت.
﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء الذين يصنع بهم هذا ﴿هم﴾ أي: خاصة ﴿الكفرة الفجرة﴾ جمع الكافر والفاجر وهو الكاذب والمفتري على الله تعالى فجمع تعالى إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر.
وقول البيضاوي تبعًا للزمخشري إنه ﷺ قال: «من قرأ سورة عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» حديث موضوع، وكان من حق البيضاوي أن لا يعبر بقال بل بعن كالزمخشري أو نحوها، ويأتي مثله في نظائره.