مكية أو إلا ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ الآيتينوهي أربع أو ثلاث وثلاثون آية، وخمسمائة وثمانوأربعون كلمة، وألفان ومائة وعشرة أحرف
﴿بسم الله﴾ أي: الذي وسع كل شيء رحمة وعلمًا ﴿الرحمن﴾ الذي شملت نعمته سائر بريته ﴿الرحيم﴾ بأوليائه فخصهم بمعرفته قوله تعالى:
﴿ألم﴾ تقدّم الكلام عليه في أوّل سورة البقرة، وقيل: إنه أشار بذلك إلى أن الله الملك الأعلى أرسل جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام
[ ٣ / ١٧٩ ]
ولا يلحقه في ذلك نبي مدى الأيام فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أومأ بتعبيره بأداة البعد في قوله تعالى:
﴿تلك﴾ أي: الآيات التي هي من العلوّ والعظمة بمكان ﴿آيات الكتاب﴾ أي: الجامع لجميع أنواع الخير ﴿الحكيم﴾ بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقص شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء من كلامه الدال ذلك على تمام علم منزله وشمول عظمته وقدرته، والإضافة بمعنى من، وقوله تعالى:
﴿هدى ورحمة﴾ بالرفع وهي قراءة حمزة خبر مبتدأ مضمر هي أو هو، وقرأ الباقون بالنصب على الحال من آيات والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل. وقال تعالى ﴿للمحسنين﴾ إشارة إلى أنّ رحمة الله قريب من المحسنين فإنه تعالى قال في البقرة: ﴿ذلك الكتاب﴾ ولم يقل الحكيم وههنا قال: الحكيم؛ لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكرًا من أحواله فقال ﴿هدى ورحمة﴾ وقال هناك ﴿هدى للمتقين﴾ فقوله تعالى هدى في مقابلة قوله تعالى الكتاب، وقوله تعالى: ورحمة في مقابلة قوله تعالى: الحكيم، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة كقوله تعالى في عيشة راضية أي: ذات رضا. وقوله تعالى هناك: للمتقين وقوله تعالى هنا للمحسنين لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئًا آخر قال للمتقين أي: يهدي به من يتقي الشرك والعناد، وههنا زاد قوله تعالى ورحمة فقال للمحسنين كما قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس: ٢٦) فناسب زيادة
قوله تعالى ورحمة ولأنّ المحسن يتقي وزيادة ثم وصف المحسنين بقوله تعالى:
﴿الذين يقيمون الصلاة﴾ أي: يجعلونها كأنها قائمة بسبب إتقان جميع ما أمر به فيها وندب إليه، ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس مرّات إلا معظم له بالحج فعلًا أو قوّة ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي: كلها فدخل فيها الصوم؛ لأنه لا يؤّدي زكاة الفطر إلا من صامه فعلًا أو قوّة. ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعًا لجميع أنواعه وحاملًا على سائر وجوه الإحسان قال تعالى ﴿وهم بالآخرة﴾ أي: التي تقدّم أنّ المجرمين عنها غافلون ﴿هم يوقنون﴾ أي: يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئًا ينافي الإيمان، ولا يغفل عنه طرفة عين، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى كأنه يراه، فآية البقرة بداية وهذه نهاية، ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد أن زمها بزمامها فقال.
﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة ﴿على هدى﴾ أي: متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال ﴿من ربهم﴾ تذكيرًا لهم بأنه لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفًا من الإعجاب ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي: الظافرون بكل مراد، لما بين ﷾ حال من تحلى بهذا الحال فترقى إلى حلية أهل الكمال بين حال أضدادهم بقوله تعالى:
﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ أي: ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام، فإن قيل: ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث؟ أجيب: بأنّ معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه كقوله: جبة خزَ وباب ساجٍ، والمعنى: من يشترى اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث،
[ ٣ / ١٨٠ ]
والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى مِنْ التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو.
قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدّث بها قريشًا ويقول: إنّ محمدًا يحدّثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد: يعني شراء المغنيات والمغنين. ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري ذات أو ذا لهو الحديث.
وقيل: كان النضر يشتري المغنيات ولا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينة فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، وعن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ «لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهنّ وأثمانهنّ حرام» وفي مثل هذا نزلت الآية وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت»، وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ «نهى عن ثمن الكلب وكسب المزمار» وقال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيمًا عليه حتى يموت لم أصل عليه إن الله تعالى ليقول ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية، وعن الحسن وغيره قالوا: لهو الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه ومعنى يشتري لهو الحديث يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو يردّدها ثلاث مرّات. وقال إبراهيم النخعيّ: الغناء ينبت النفاق في القلب، قال وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف، وقال ابن جريج: لهو الحديث هو الطبل، وقال الضحاك: هو الشرك، وقال قتادة: هو كل لهو ولعب، وقيل: الغناء منفدة للمال مسخطة للرّب مفسدة للقلب ﴿ليضلّ عن سبيل الله﴾ أي: الطريق الواضح الموصل للملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال ضدّ ما كان عليه المحسنون من الهدى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء قبل الضاد من الضلالة بمعنى ليثبت على ضلاله، والباقون بضمها، ونكر قوله تعالى ﴿بغير علم﴾ ليفيد السلب العامّ لكل نوع من أنواع العلم أي: لأنه لا علم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها علمًا يستحق إطلاق العلم عليه، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى بغير علم؟ أجيب: بأنه تعالى لما
جعله مشتريًا لهو الحديث بالقرآن قال يشتري بغير علم بالتجارة بغير بصيرة بها حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق. ونحوه قوله تعالى ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ (البقرة: ١٦)
أي: وما كانوا مهتدين بالتجارة وبصراء بها ﴿ويتخذها﴾ أي: السبيل التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل المطلق ﴿هزوًا﴾ أي: مهزوّا بها، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بنصب الذال عطفًا على يضلّ، والباقون بالرفع على يشتري، وسكن حمزة زاي هزوًا وضمها الباقون، ولما انفتح هذا الشقاء الدائم بينه بقوله تعالى:
[ ٣ / ١٨١ ]
﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء البغضاء ﴿لهم عذاب مهين﴾ لإهانتهم الحق باستثناء الباطل عليه، ولما كان الإنسان قد يكون غافلًا فإذا نبه انتبه نبه ﷾ على أن هذا الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على ممرّ الزمان إلا مفاجأة لكل ما يرد عليه من البيان بقوله تعالى:
﴿وإذا تتلى عليه آياتنا﴾ أي: تتجدّد عليه تلاوتها أي: تلاوة القرآن من كل تال كان ﴿ولى﴾ أي: بعد السماع مطلق التولية سواء كان على المجانبة أو مدبرًا ﴿مستكبرًا﴾ أي: طالبًا للكبر موجدًا له بالإعراض عن الطاعة ﴿كأن﴾ أي: كأنه لم ﴿يسمعها﴾ فهو لم يزل على حالة الكبر ﴿كأن في أذنيه وقرًا﴾ أي: صممًا يستوي معه تكليم غيره له وسكوته (تنبيه): جملتا التشبيه حالان من ضمير ولى، أو الثانية بيان للأولى. وقرأ نافع بسكون الذال، والباقون بضمنها، ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل كبره وعظمته قال تعالى ﴿فبشره﴾ أي: أعلمه ﴿بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم، وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحارث كما مرّت الإشارة إليه، ولما بين تعالى حال المعرض عن سماع الآيات بين حال من يقبل على تلك الآيات بقوله تعالى:
﴿إن الذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا الإيمان ﴿وعملوا﴾ أي: تصديقًا له ﴿الصالحات لهم جنات﴾ أي: بساتين ﴿النعيم﴾ أي: نعيم جنات فعكس للمبالغة كما أنّ لهؤلاء العذاب المهين، ووحد العذاب وجمع الرحمة إشارة إلى أنّ الرحمة واسعة أكثر من الغضب، ولما كان ذلك قد لا يكون دائمًا وكان السرور بشيء قد ينقطع قال تعالى:
﴿خالدين فيها﴾ أي: دائمًا، وقوله تعالى ﴿وعد الله﴾ أي: الذي لا شيء أجل منه مصدر مؤكد لنفسه؛ لأنّ قوله تعالى جنات في معنى وعدهم الله تعالى ذلك وقوله تعالى ﴿حقًا﴾ مصدر مؤكد لغيره أي: لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف، فتقدير الأولى: وعد. الله ذلك وعدًا. وتقدير الثانية: أحق ذلك حقًا فأكد نعيم الجنات ولم يؤكد العذاب المهين ﴿وهو العزيز﴾ أي: فلا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي: الذي لا يضع شيئًا إلا في محله، ولما ختم بصفتي العزة وهي غاية القدرة والحكمة وهي ثمرة العلم دل عليهما بإتقان أفعاله بقوله تعالى:
﴿خلق السموات﴾ على علوّها وكبرها وضخامتها ﴿بغير عمد﴾ وقوله تعالى ﴿ترونها﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى السموات إذ ليست بعمد أصلًا وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، الثاني: أنه راجع إلى العمد ومعناه بغير عمد مرئية، وعلى كلا الوجهين هي ثابتة لا تزول وليس ذلك إلا بقدرة قادر مختار، تنبيه: أكثر المفسرين أنّ السموات مبسوطة كصحف مستوية لقوله تعالى ﴿يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتب﴾ (الأنبياء: ١٠٤)
وقال بعضهم: إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين والغزالي رحمه الله تعالى حيث قال: ونحن نوافقهم في ذلك فإنّ لهم عليّ دليلًا من المحسوسات ومخالفة الحس لا تجوز، وإن كان في الباب خبر يؤّول بما يحتمله فضلًا عن أن ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحًا بل فيه ما يدل على الاستدارة كقوله تعالى ﴿كل في فلك يسبحون﴾ (الأنبياء: ٣٣)
والفلك اسم لشيء مستدير بل الواجب أنّ السموات سواء كانت مستديرة أو صفيحة مستقيمة هي مخلوقة لله تعالى باختيار لا بإيجاب وطبع، ولما ذكر تعالى العمد المقلة ذكر الأوتاد المقرّة بقوله تعالى: ﴿وألقى في الأرض﴾ أي: التي أنتم عليها جبالًا ﴿رواسي﴾ والعجب أنها من فوقها
[ ٣ / ١٨٢ ]
وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت تثبتها عن ﴿أن تميد﴾ أي: تتحرك ﴿بكم﴾ كما هو شأن ما على ظهر الماء ﴿وبث﴾ أي: فرّق ﴿فيها من كل دابة﴾ وقوله تعالى:
﴿وأنزلنا﴾ أي: بما لنا من القوّة ﴿من السما ماء﴾ فيه التفات عن الغيبة، ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات وكان من آثار الحكمة التابعة للعلم دل عليه بقوله تعالى: ﴿فأنبتنا﴾ أي: بما لنا من العلوّ في الحكمة ﴿فيها﴾ أي: الأرض بخلط الماء بترابها ﴿من كل زوج﴾ أي: صنف من النبات متشابه ﴿كريم﴾ بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور، وفي هذا دليل على عزته التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هل كمال العلم مهدبه قاعدة التوحيد وقرّرها بقوله تعالى:
﴿هذا﴾ أي: الذي تشاهدونه كله ﴿خلق الله﴾ أي: الذي له جميع الكمال فلا كفء له، فإن ادعيتم ذلك ﴿فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ أي: غيره، بكتهم بأنّ هذه الأشياء العظيمة مما خلقه تعالى وأنشأه، فأروني ما خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة.
تنبيه: ما استفهام إنكار مبتدأ و(ذا) بمعنى الذي بصلته خبره، وأروني معلق عن العمل، وما بعده سدّ مسدّ المفعولين، ثم أضرب عن تبكيتهم بقوله تعالى: ﴿بل﴾ منبهًا على أنّ الجواب ليس لهم خلق هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى ﴿الظالمون﴾ أي: العريقون في الظلم تعميمًا وتنبيهًا على الوصف الذي أوجب لهم كونهم ﴿في ضلال﴾ عظيم جدًّا محيط بهم ﴿مبين﴾ أي: في غاية الوضوح وهو كونهم يضعون الأشياء في غير مواضعها لأنهم في مثل الظلام لا نور لهم لانحجاب شمس الأنوار عنهم بجبل الهوى فلا حكمة لهم، ثم إنه تعالى لما نفاها عنهم أثبتها لبعض أوليائه بقوله تعالى:
﴿ولقد آتينا﴾ بما لنا من العظمة والحكمة ﴿لقمان﴾ وهو عبد من عبيدنا المطيعين لنا ﴿الحكمة﴾ وهو العلم المؤيد بالعمل أو العمل المحكم بالعلم، قال ابن قتيبة: لا يقال لشخص حكيم حتى يجتمع له الحكمة في القول والفعل.
قال: ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيمًا حتى يكون عاملًا بها، وعن ابن عباس ﵄: هي العقل والفهم والفطنة، واختلف في نسبه وفي سبب حكمته فقيل: هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب ﵇ أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ وأخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود ﵇ فلما بعث قطع الفتوى فقيل: له فقال ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل كان قاضيًا في بني إسرائيل وأكثر الأقاويل أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًا.
أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل أكان لقمان نبيًا قال: لا لم يوح إليه وكان رجلًا حكيمًا، وعن ابن عباس: لقمان لم يكن نبيًا ولا ملكًا ولكن كان راعيًا أسود ورزقه الله تعالى العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في القرآن لتتمسكوا بوصيته، وقال ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطًا، وقال مجاهد: كان عبدًا أسود غليظ الشفتين مشقق القدمين، وقيل كان نجارًا، وقيل كان راعيًا، وقيل كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة حطب، وقال عكرمة والشعبي: كان نبيًا، وقيل خير بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة، وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني أسود فقلبي أبيض، وعن عكرمة قال: كان لقمان أهون مملوك على سيده وأوّل ما رؤي من حكمته أنه بينما هو
[ ٣ / ١٨٣ ]
مع مولاه إذ دخل المخرج وأطال فيه الجلوس فنادى لقمان أنّ طول الجلوس على الحاجة يسيح منه الكبد ويكون منه الباسور ويصعد الحرّ إلى الرأس فخرج وكتب حكمته على الحش. قال: وسكر مولاه فخاطر قومًا على أن يشرب ماء بحيرة فلما أفاق عرف ما وقع منه فدعا لقمان فقال لمثل هذا كنت أخبؤك قال اجمعهم فلما اجتمعوا قال على أي. شيء خاطرتموه. قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة. قال: فإن لها موادًّا فاحبسوا موادها عنه، قال: وكيف نستطيع أن نحبس موادها. قال: فكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله ﷺ «إن لقمان كان عبدًا كثير التفكر، حسن الظنّ، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله فمنّ عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل داوود فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس. قال لقمان: إن أجبرني ربي قبلت فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني وعلمني وعصمني، وإن خيرني اخترت العافية ولم أسأل البلاء فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟ قال: لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلًا فهو خير من أن يكون شريفًا ضائعًا، ومن تخير الدنيا على الآخرة. نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي داود بعده بالخلافة فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فوقع في الذي حكاه الله عنه فصفح الله تعالى عنه وتجاوز، وكان لقمان يؤازره أي: يساعده بعلمه وحكمته فقال داود طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة فاختار الحكمة فأتاه جبريل وهو نائم فذرّ عليه الحكمة فأصبح ينطق بها فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوّة وقد خيرك ربك؛ فقال إنه لو أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوّة فكانت الحكمة أحب إليّ» . وروي أنه دخل على داود وهو يصنع الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله. فقال له داود لحق ما سميت حكيمًا، وروي أنّ مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب ثم أمره بمثل ذلك وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا، وروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال ألست فلان الراعي فيم بلغت ما بلغت قال بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني، وعن ابن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان كان أسود نوبيًا ذا مشافر، وروي سادات السودان أربعة لقمان الحبشي والنجاشي وبلال ومهجع.
وعن
[ ٣ / ١٨٤ ]
أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ قال: «الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت» وقال لقمان لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس، وقال ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع، ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال الله تعالى ﴿أن اشكر لله﴾ أي: وقلنا له أن أشكر لله على ما أعطاك من الحكمة ﴿ومن يشكر﴾ أي: يجدّد الشكر ويتعاهده بنفسه كائنًا من كان ﴿فإنما يشكر لنفسه﴾ أي: لأنّ ثواب شكره له ﴿ومن كفر﴾ أي: النعمة ﴿فإن الله غني﴾ عن الشكر وغيره ﴿حميد﴾ أي: له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلق.
﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني﴾ تصغير إشفاق، وقرأ حفص بفتح الياء وسكنها ابن كثير، وكسرها الباقون ﴿لا تشرك بالله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿إن الشرك﴾ أي: بالله ﴿لظلم عظيم﴾ فرجع إليه وأسلم ثم قال له أيضًا: يا بني اتخذ تقوى الله تعالى تجارة يأتيك الفرج من غير بضاعة، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإنّ الجنائز تذكر الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعًا من شبع فاتك أن تلقيه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار وأنت النائم على فراشك، يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة، يا بنيّ لا ترغب في ودّ الجاهل فترى أنك ترضى عمله، يا بنيّ اتق الله ولا تُري الناس أنك تخشى ليكرموك بذلك وقلبك فاجر، يا بني ما ندمت على الصمت قط فإنّ الكلام إذا كان من فضة كان السكوت من ذهب، يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك فإنّ الشرّ للشرّ خلف، يا بني إياك وشدّة الغضب فإنّ شدّة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم، يا بني عليك بمجالس العلماء واستمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحي القلب الميت بنور الحكمة كما يحي الأرض بوابل المطر فإن من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم، يا بني لا ترسل رسولًا جاهلًا فإن لم تجد حكيمًا فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك فتورث بنيك حزنًا طويلًا، يا بني يأتي على الناس زمان لا تقرّ فيه عين حليم، يا بني اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله ﷿ فاجلس معهم فإنك إن تك عالمًا ينفعك علمك، وإن تك غبيًا يعلموك، وإن يطلع الله ﷿ عليهم برحمة تصبك معهم، يا بنيّ لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله تعالى فإنك إن تكن عالمًا لا ينفعك علمك، وإن تكن غبيًا يزيدوك غباوة وإن يطلع الله تعالى عليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك
العلماء، يا بني إنّ الدنيا أمر عميق وقد غرق فيها ناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله لعلك أن تنجو ولا أراك ناجيًا، يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئًا أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر، يا بني كن ممن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب مذمتهم فنفسه عنهم في غنى والناس منه في راحة، يا بُنَّي إنّ الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك، يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإنّ الله ليحي القلوب بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل السماء، يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم، يا بني إذا أردت أن تواخي رجلًا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، يا بني إنك
[ ٣ / ١٨٥ ]
منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تباعد، يا بني عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي فإن لله ساعات لا ترد، يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل، يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته وخف الله خوفًا لا يؤيسك من رحمته ا. هـ. وإنما أكثرت من ذلك لعل الله ينفعنى ومن طالعه بذلك، وسيأتي في كلام الله تعالى زيادة على ذلك واقتصرت على هذا القدر وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها لجعل منها مجلدات.
فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان ﵇ جرابًا من خردل إلى جنبه وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة فنفذ الخردل فقال: يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلًا لتفطر فتفطر ابنه. فسبحان من يعز ويذل، ويغني ويفقر، ويشفي ويمرض، ويرفع من يشاء وإن كان عبدًا فلا بدع أن يخص محمدًا ﷺ ذا النسب العالي والمنصب المنيف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها، ولما ذكر سبحانه ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأوّل الذي لم يشركه في إيجاده أحد وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة أتبعه وصيته سبحانه للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني بالسببية في وجوده بقوله تعالى:
﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ أي: أمرناه أن يبرهما ويطيعهما ويقوم بهما، ثم بين تعالى السبب في ذلك بقوله تعالى: ﴿حملته أمه وهنًا﴾ أي: حال كونها ذات وهن بحمله وبالغ في جعلها نفس الفعل دلالة على شدّة ذلك الضعف ﴿على وهن﴾ أي: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف الولادة، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بعد ذلك بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئًا بقوله تعالى: ﴿وفصاله﴾ أي: فطامه من الرضاعة بعد وضعه ﴿في عامين﴾ تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، فإن قيل وصى الله تعالى بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ؟ أجيب: بأن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأب حمله خفيفًا لكونه من جملة جسده والأم حملته ثقيلًا آدميًا مودعًا فيها وبعد وضعه وتربيته ليلًا ونهارًا وبينهما ما لا يخفى من المشقة، ومن ثم قال ﷺ لمن قال له: من أبر؟: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك ثم أباك» وقوله تعالى ﴿أن اشكر لي﴾ لأني المنعم في الحقيقة ﴿ولوالديك﴾ أي: لكوني جعلتهما سببًا لوجودك والإحسان بتربيتك تفسير لوصينا أو عدة له، ثم علل الأمر بالشكر محذرًا بقوله تعالى: ﴿إليّ﴾ لا إلى غيري ﴿المصير﴾ فأحاسبك على شركك ومعاصيك، وعن القيام بحقوقهما، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين، ولما ذكر تعالى وصيته بهما وأكد حقهما أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان من قباحة الشرك بقوله تعالى:
﴿وإن جاهداك﴾ أي: مع ما أمرتك به من طاعتهما ﴿على أن تشرك بي﴾ وقوله تعالى ﴿وما ليس لك به علم﴾ موافق للواقع لأنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع العلوم على شيء من الشرك بل العلوم كلها دالة على الوحدانية، ولما قرر ذلك على هذا المنوال البديع قال مسببًا عنه ﴿فلا تطعهما﴾ أي: في ذلك
[ ٣ / ١٨٦ ]
ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه بل خالفهما، وإن أدى الأمر إلى السيف فجاهدهما به لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه ففيه تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك، وربما أفهم ذلك الإعراض عنهما بالكلية فلهذا قال تعالى ﴿وصاحبهما في الدنيا﴾ أي: في أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دمت حيًا بها ﴿معروفًا﴾ ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ومعاملتهما بالحلم والإحتمال وما تقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، ولما كان ذلك قد يجرّ إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة نفي ذلك بقوله تعالى: ﴿واتبع﴾ أي: بالغ في أن تتبع ﴿سبيل﴾ أي: دين وطريق ﴿من أناب﴾ أي: أقبل خاضعًا ﴿إليّ﴾ لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون، فإن ذلك لا يخرجك عن برهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له.
تنبيه: في هذا حث على معرفة الرجال بالحق وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن كان عمله موافقًا لهما اتبع، ومن كان عمله مخالفًا لهما اجتنب. وإذا كان مرجع أمورهم كلها إليه في الدنيا ففي الآخرة كذلك كما قال تعالى ﴿ثم إليّ﴾ أي: في الآخرة ﴿مرجعكم فأنبئكم﴾ أي: أفعل فعل من يبالغ في التعقيب والاختبار عقب ذلك وتبيينه لأنّ ذلك أنسب شيء للحكمة وتعقب كل شيء بحسب ما يليق به ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي: تجيددون عمله من صغير وكبير، وجليل وحقير، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد، فأعد لذلك عدته، ولا تعمل عمل من ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيدًا لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال تعالى: وصينا بمثل ما وصى به وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يتبعا في الإشراك فما ظنكم بغيرهما ونزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثًا لم تطعم فيها شيئًا، ولذلك قيل من أناب إليّ هو أبو بكر الصديق ﵁ فإن سعدًا أسلم بدعوة أبي بكر له، ثم إن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتِ إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله تعالى فقال.
﴿يا بني﴾ مجيبًا له مستعطفًا مصغرًا له بالنسبة إلى حلم شيء من غضب الله تعالى ﴿إنها﴾ أي: الخطيئة ﴿إن تك﴾ وأسقط النون لغرض الإيجاز في الإيصاء ﴿مثقال﴾ أي: وزن، ثم حقرها بقوله ﴿حبة﴾ وزاد في ذلك بقوله ﴿من خردل﴾ أي: إن تكن في الصغر كحبة الخردل، وقرأ نافع مثقال بالرفع على أنّ الهاء ضمير الخطيئة كما مر أو القصة وكان تامة، وتأنيثها الإضافة المثقال إلى الحبة كقول الأعشى:
*وتشرق بالقول الذي قد ذكرته كما شرقت صدر القناة من الدم*
والشرق الغصة، يقال شرق بريقه أي: غص، والشاهد في شرقت حيث أنه لإضافة الصدر إلى القناة، وصدرها ما فوق نصفها، ثم أثبت النون في قوله مبينًا عن صغرها ﴿فتكن﴾ إشارة إلى ثباتها في مكانها وليزداد شوق النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب معبرًا عن أعظم الخفاء وأتم الأحوال ﴿في صخرة﴾ أيّ صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأخفاها، ولما أخفى وضيق أظهر ووسع ورفع وخفض ليكون أعظم لضياعها لحقارتها بقوله ﴿أو في السموات﴾
[ ٣ / ١٨٧ ]
أي: في أيّ مكان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد أونصًا على إرادة كل منهما على حدته بقوله ﴿أو في الأرض﴾ أي: كذلك وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في غيرهما أو في أحدهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن رياح أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال إنها إن تك الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله تعالى، ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته، وقال بعض المفسرين: المراد بالصخرة: صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء، وقال الزمخشري: فيه إضمار تقديره إن تكن في صخرة أو في موضع آخر في السموات أو في الأرض، وقيل: هذا من تقديم الخاص وتأخير العامّ وهو جائز في مثل هذا التقسيم، وقيل: خفاء الشيء يكون بطرق: منها: أن يكون في غاية الصغر، ومنها: أن يكون بعيدًا، ومنها أن يكون في ظلمة، ومنها: أن يكون وراء حجاب فإذا امتنعت هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت لله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط بقوله إن تك مثقال حبة من خردل إشارة إلى الصغر، وقوله فتكن في صخرة إشارة إلى الحجاب وقوله أو في السموات إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد، وقوله أو في الأرض إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله ﴿يأت بها الله﴾ أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأنّ من يظهر له شيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره، فقوله يأت بها الله أي: يظهرها للإشهاد يوم القيامة فيحاسب بها عاملها.
﴿إنّ الله﴾ أي: الملك العظيم ﴿لطيف﴾ أي: نافذ القدرة يتوصل علمه إلى كل خفي عالم بكنهه، وعن قتادة لطيف باستخراجها ﴿خبير﴾ أي: عالم ببواطن الأمور فيعلم مستقرها، روي في بعض الكتب أنّ هذه آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات.
قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها، ولما نبه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب أمره بما يدخره لذلك توسلًا إليه وتخشعًا لديه وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه بقوله:
﴿يا بني﴾ مكرر للمناداة تنبيهًا على فرط النصيحة لفرط الشفقة ﴿أقم الصلاة﴾ أي: بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها تسببًا في نجاة نفسك وتصفية سرك فإن إقامتها وهو الإتيان بها على النحو المرضي مانعة من الخلل في العمل، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها الإقبال على من وحدته، فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثابتة للتوحيد وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيآتها اختلفت وترك ذكر الزكاة تنبيهًا على أنه من حكمته، والحكمة تخليه وتخلى ولده من الدنيا حتى ما يكفيهم لقوتهم ولما، أمره بتكميله في نفسه توفية لحق الحق عطف على ذلك تكميله لغيره بقوله ﴿وأمر بالمعروف﴾ أي: كل من تقدر على أمره تهذيبًا لغيرك وشفقة على نفسك لتخليص أبناء جنسك ﴿وإنه﴾ أي: كل من قدرت على نهيه ﴿عن المنكر﴾ حبًا لأخيك ما تحب لنفسك تحقيقًا لنصيحتك وتكميلًا لعبادتك، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى:
*ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإن انتهت عنه فأنت حكيم*
[ ٣ / ١٨٨ ]
لأنه أمره أولًا بالمعروف وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا أمر نفسه ونهاها ناسب أن يأمر غيره وينهاه، وهذا وإن كان من قول لقمان إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به، فإن قيل كيف قدم في وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر أنه قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فقال: لا تشرك بالله ثم قال أقم الصلاة؟ أجيب: بأنه كان يعلم أنّ ابنه معترف بوجود الإله فما أمره بهذا المعروف بل نهاه عن المنكر الذي ترتب على هذا المعروف، وأمّا ابنه فأمره أمرًا مطلقًا والمعروف يقدم على المنكر، ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر قال له ﴿واصبر﴾ صبرًا عظيمًا بحيث تكون مستعليًا ﴿على ما﴾ أي: الذي ﴿أصابك﴾ أي: في عبادتك وغيرها من الأمر بالمعروف وغيره سواء أكان بواسطة العباد أم لا كالمرض، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنهما ملاك الاستعانة قال تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ (البقرة: ٤٥)
وأخرج أحمد عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة يعني حكمة لقمان ﵇ لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطًا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطايا. وقال: مكتوب في الحكمة أو في التوراة الرفق رأس الحكمة، وقال: مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون، وقال: مكتوب في الحكمة كما تزرعون تحصدون، وقال: مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك، وقيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئًا، ومن حكمته أنه قال: أقصر عن اللجاجة ولا أنطق فيما لا يعنيني ولا أكون مضحاكًا من غير عجب ولا مشاء لغير أرب، ومنها من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزًا، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية، ومنها أنه كان يقول ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، وأخوك عند حاجتك إليه.
ولما كان ما أحكمه لولده عظيم الجدوى وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال نبه بذلك بقوله على سبيل الاستئناف أو التعليل ﴿إن ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي أوصيك به لا سيما الصبر على المصائب ﴿من عزم الأمور﴾ أي: معزوماتها تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر أي: الأمور المقطوع بها المفروضة، أو القاطعة الجازمة وبجزم فاعلها، ثم حذره عن الكبر معبرًا عنه بلازمه لأن نفي الأعم نفي للأخص بقوله.»
﴿ولا تصعر خدّك﴾ أي: لا تمله متعمدًا إمالته بإمالة العنق متكلفًا لها صرفًا عن الحالة القاصدة، قال أبو عبيدة: وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوى منه عنقه، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم بغير ألف بعد الصاد وتشديد العين، والباقون بألف بعد الصاد وتخفيف العين، والرسم يحتملها فإنه رسم بغير ألف وهما لغتان لغة الحجاز التخفيف، وتميم التثقيل، ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تدوم أشار إلى المقصود بقوله ﴿للناس﴾ بلام العلة أي: لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم وذلك لا يكون إلا تهاونًا بهم من الكبر بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشرًا منبسطًا من غير كبر ولا عتو، وعن ابن عباس لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، وقيل هو الرجل يكون بينك وبينه الشحنة فيلقاك فتعرض
[ ٣ / ١٨٩ ]
عنه، وقيل هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبرًا، وقيل معناه: لا تحقر الفقير، ليكن الفقير والغني عندك سواء، ثم أتبع ذلك ما يلزمه بقوله ﴿ولا تمش﴾ وأشار بقوله ﴿في الأرض﴾ إلى أنّ أصله تراب وهو لا يقدر أن يعدوه وسيصير إليه وأوقع المصدر موقع الحال والعلة في قوله ﴿مرحًا﴾ أي: اختيالًا وتبخترًا أي: لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر بطر متكبر فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي بل أمش هونًا فإن ذلك يفضي بك إلى التواضع فتصل إلى كل خير فترفق بك الأرض إذا صرت في بطنها ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له الكبرياء والعظمة ﴿لا يحب﴾ أي: يعذب ﴿كل مختال﴾ أي: مراء للناس في مشيه متبختر يرى له فضلًا على الناس ﴿فخور﴾ على الناس بنفسه يظن أن إسباغ النعم الدنيوية من محبة الله تعالى له وذلك من جهله، فإن الله يسبغ نعمه على الكافر الجاحد فينبغي للعارف أن لا يتكبر على عباده فإن الكبر هو الذي تردى به سبحانه فمن نازعه فيه قصمه، ولما كان النهي عن ذلك أمرًا بضدّه قال:
﴿واقصد﴾ أي: اقتصد واسلك الطريق الوسطى ﴿في مشيك﴾ بين ذلك قوامًا أي: ليكن مشيك قصدًا لا تخيلًا ولا إسراعًا أي: بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار، قال ﷺ «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» وأمّا قول عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما: كان إذا مشى أسرع، فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة لقوله تعالى يمشون: على الأرض هونًا وعن ابن مسعود: كانوا ينهون عن وثب اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان، قاله الرازي: في اللوامع وهو المشي الهون الذي ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع، ولا بتكبر ﴿واغضض﴾ أي: انقص ﴿من صوتك﴾ لئلا يكون صوتك منكرًا وتكون برفع الصوت فوق الحاجة كالأذان فهو مأمور به، وكانت الجاهلية يتمدحون برفع الصوت قال القائل:
*جهير الكلام جهير العطاس جهير الروى جهير النغم*
وقال مقاتل: اخفض من صوتك، فإن قيل: لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟ أجيب: بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا تؤذي غير من في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين واليسار ولأنّ المشي يؤذي آلة المشي، والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب فإنّ الكلام ينتقل من السمع إلى القلب، ولا كذلك المشي. وأيضًا فلأن قبح القول أقبح من قبح الفعل وحسنه أحسن، لأنّ اللسان ترجمان القلب، ولما كان رفع الصوت فوق الحاجة منكر كما أن خفضه دونها تماوت وتكبر وكان قد أشار إلى النهي عن هذا بمن فأفهم أنّ الطرفين مذمومان علل النهي عن الأوّل بقوله ﴿إن أنكر﴾ أي: أفظع وأبشع وأوحش ﴿الأصوات﴾ كلها المشتركة في المكاره برفعها فوق الحاجة، وأخلى الكلام من لفظ التشبيه، وأخرجه مخرج الاستعارة تصوير الصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حمارًا مبالغة في التهجين وتنبيهًا على أنه من الكراهة بمكان
[ ٣ / ١٩٠ ]
فقال ﴿لصوت الحمير﴾ أي: هذا الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة فإنّ كل حيوان قد يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوّله زفير وآخره شهيق وهما فعل أهل النار، وأفرد الصوت ليكون نصًا على إرادة الجنس لئلا يظن أنّ الاجتماع شرط في ذلك، ولذكر الحمار مع ذلك من بلاغة الشتم والذم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح باسمه بل يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به فيقولون الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عد في مساوئ الأداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من ذوي المروءة من العرب من لا يركب الحمار استنكافًا، وإن بلغت منه الرحلة، وإنما ركبه ﷺ لمخالفته عادتهم وإظهاره التواضع من
نفسه، وأمّا الرفع مع الحاجة فغير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع.
فإن قيل كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حز المنشار بالمبرد ودق النحاس بالحديد أشد صوتًا؟ أجيب: من وجهين: الأوّل: المراد أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد السؤال، والثاني: أن الصوت الشديد لحاجة ومصلحة لا يستبشع ولا ينكر صوته كما مرت الإشارة إليه، بخلاف صوت الحمير، قال موسى بن أعين سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ قال: صياح كل شيء تسبيح لله تعالى إلا الحمار، وقال جعفر الصادق في ذلك: هي العطسة القبيحة المنكرة، وقال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف كلمة من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم.
قال خالد الربعي: كان لقمان عبدًا ومن حكمته أنه دفع إليه مولاه شاة فقال له: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه شاة أخرى فقال اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله مولاه فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقد مرت الإشارة إلى ذلك.
ومن حكمته أنه قال لابنه: يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك إن ذلك خير لك، ثم قال لابنه: يا بني إن الله قد بعث نبيًا هلم حتى نأتيه فنصدقه فخرج على حمار وابنه على حمار وتزودا، ثم سارا أيامًا وليالي حتى لقيتهما مفازة فأخذا أهبتها لها فدخلا فسارا ما شاء الله تعالى حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطأ حماريهما فنزلا وجعلا يشتدان على سوقهما فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هو بسواد ودخان فقال في نفسه: السواد الشجر والدخان العمران والناس، فبينما هما يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم ناتئ على الطريق فخر مغشيًا عليه فوثب إليه لقمان وضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه ثم نظر إليه لقمان فذرفت عيناه فقال: يا أبت أنت تبكي وأنت تقول هذا خير لي وقد نفد الطعام والماء وبقيت أنا وأنت في هذا المكان فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وإن أقمت معي متنا جميعًا، فقال: يا بني أمّا بكائي فرقة الوالدين، وأمّا ما قلت كيف يكون هذا خيرًا فلعل ما صرف عنك، أعظم مما ابتليت به ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم ير ذلك الدخان والسواد وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بياض وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحًا فلم
[ ٣ / ١٩١ ]
يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريبًا فتوارى عنه؛ ثم صاح به أنت لقمان قال نعم، قال أنت الحكيم، قال كذلك يقال: قال ما قال لك ابنك. قال: يا عبد الله من أنت؟ أسمع كلامك ولا أرى وجهك، قال: أنا جبريل أمرني ربي بخسف هذه القرية ومن فيها فأخبرت أنكما تريدانها فدعوت ربي أن يحبسكما عني بما شاء فحبسكما بما ابتلى به ابنك ولولا ذلك لخسفت بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل ﵇ بيده على قدم ابنه فاستوى قائمًا ومسح بيده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعامًا وعلى الذي كان فيه الماء فامتلأ ماء ثم حملهما وحماريهما فرحل
بهما كما يرحل الطير فإذا هما في الدار التي خرجا بعد أيام وليال منها.
وعن عبد الله بن دينار أن لقمان قدم من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال: ما فعل أبي؟ فقال: مات. قال: الحمد لله ملكت أمري، قال: ما فعلت أمي؟ قال: ماتت، قال: ذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال: جدد فراشي. قال: ما فعلت أختي؟ قال: ماتت. قال: سترت عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري.
وعن أبي قلابة قال: قيل للقمان أي الناس أصبر؟ قال: صبر لا معه أذى، قيل: فأيّ الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه، قيل: فأي الناس خير؟ قال: الغني، قيل الغني من المال؟ قال: لا، ولكن الغني من التمس عنده خير وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس.
وعن سفيان: قيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئًا، وعن عبد الله بن زيد قال قال لقمان ألا إن يد الله على أفواه الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله تعالى له، ولما استدل سبحانه بقوله تعالى: ﴿خلق السموات بغير عمد﴾ على الوحدانية وبين بحكمة لقمان أنّ معرفة ذلك غير مختصة بالنبوّة استدل ثانيًا على الوحدانية بالنعم بقوله تعالى:
﴿ألم تروا﴾ أي: تعلموا علمًا هو في ظهوره كالمشاهدة ﴿أن الله﴾ أي: الحائز لكل كمال ﴿سخر لكم﴾ أي: لأجلكم ﴿ما في السموات﴾ من الإنارة والإظلام والشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والبرد وغير ذلك من الإنعامات مما لا يحصى، كما قال ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ ﴿و﴾ سخر لكم ﴿ما في الأرض﴾ من البحار والثمار والآبار والأنهار والدواب والمعادن وغير ذلك مما لا يحصى ﴿وأسبغ﴾ أي: أوسع وأتم ﴿عليكم﴾ وقوله تعالى ﴿نعمه﴾ قرأه نافع وأبو عمرو وحفص بفتح العين وبعد الميم هاء مضمومة، والباقون بسكون العين وبعد الميم تاء مفتوحة منونة، ومعناها الجمع أيضًا كقوله تعالى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ (إبراهيم: ٣٤)
واختلف في قوله ﷿ ﴿ظاهرة وباطنة﴾ على أقوال: فقال عكرمة عن ابن عباس: النعمة الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة، وقال الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة، وقال مقاتل: الظاهرة تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة ما ستر من الذنوب، وقال الربيع: الظاهرة الجوارح والباطنة القلب، وقال عطاء الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة، وقال مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة، وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته، وقيل الظاهرة تمام الرزق والباطنة تمام الخلق، وقيل الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب في قلوب
[ ٣ / ١٩٢ ]
الكفار، وقيل الظاهرة الإقرار باللسان والباطنة الاعتقاد بالقلب، وقيل الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك، ويروى في دعاء موسى: ﵇ إلهي دلني على إخفاء نعمتك على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس، ويروى أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس، ونزل في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي ﷺ في الله تعالى وفي صفاته.
﴿ومن الناس﴾ أي: أهل مكة ﴿من يجادل﴾ أي: يحاجج فلا لهو أعظم من جداله ولا كبر مثل كبره ولا ضلال مثل ضلاله وأظهر زيادة التشنيع على هذا المجادل بقوله تعالى: ﴿في الله﴾ أي: المحيط علمًا وقدرة ثم بين تعالى مجادلته أنها ﴿بغير علم﴾ أي: مستفاد من دليل بل بألفاظ في ركاكة معانيها لعدم إسنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العجم فكان بذلك حمارًا تابعًا للهوى ﴿ولا هدى﴾ أي: من رسول عُهِد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات فوجب أخذ أقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها ﴿ولا كتاب﴾ أي: من الله تعالى، ثم وصفه بما هو لازم له بقوله تعالى: ﴿منير﴾ أي: بين غاية السبيان؛ بل إنما يجادل بالتقليد كما قال تعالى:
﴿وإذا قيل﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿لهم﴾ أي: المجادلين هذا الجدال ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ أي: الذي خلقكم وخلق آباءكم الأوّلين ﴿قالوا﴾ جحودًا لا نفعل ﴿بل نتبع﴾ وإن أتيتنا بكل دليل ﴿ما وجدنا عليه آباءنا﴾ لأنهم أثبت منا عقولًا وأقوم قيلًا وأهدى سبيلا، فهذه المجادلة في غاية القبح فإن النبيّ ﷺ يدعوهم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله تعالى وبين كلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله تعالى وكلام الجهال ﴿أولو﴾ أي: أيتبعونهم ولو ﴿كان الشيطان﴾ أي: البعيد من الرحمه، المحترق باللعنة ﴿يدعوهم﴾ إلى الضلال فيوبقهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم لك ﴿إلى عذاب السعير﴾ وجواب لو محذوف مثل لا تتبعوه، والاستفهام للإنكار والتعجب، والمعنى أن الله تعالى يدعوهم إلى الثواب والشيطان يدعوهم إلى العذاب وهم مع هذا يتبعون الشيطان، ولما بين تعالى حال المشرك والمجادل في الله بين تعالى حال المسلم المستسلم لأمر الله تعالى بقوله تعالى:
﴿ومن يسلم﴾ أي: في الحال والاستقبال ﴿وجهه﴾ أي: قصده وتوجهه وذاته كلها ﴿إلى الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال بأن فوض أمره إليه فلم يبق لنفسه أمر أصلًا فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿محسن﴾ أي: مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائمًا في حال الشهود ﴿فقد استمسك﴾ أي: أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوّة في تأدية الأمور ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي: اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه؛ لأنّ أوثق العرى جانب الله تعالى فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له، وهذا من باب التمثيل مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، فإن قيل كيف قال ههنا ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله﴾ فعداه بإلى، وقال في البقرة ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ (البقرة: ١١٢)
فعداه باللام؟ أجيب: بأن أسلم يتعدّى تارة
[ ٣ / ١٩٣ ]
باللام، وتارة بإلى، كما يتعدّى أرسل تارة باللام وتارة بإلى قال تعالى ﴿وأرسلناك للناس رسولًا﴾ وقال تعالى ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا﴾ ﴿وإلى الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿عاقبة الأمور﴾ أي: مصير جميع الأشياء إليه، كما أنّ منه باديتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادية، ولما بين تعالى حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال تعالى:
﴿ومن كفر﴾ أي: ستر ما أداه إليه عقله من أن الله تعالى لا شريك له وأن لا قدرة أصلًا لأحدٍ سواه ولم يسلم وجهه إليه ﴿فلا يحزنك﴾ أي: يهمك ويوجعك ﴿كفره﴾ كائنًا من كان، فإنه لم يفتك شيء فيه ولا معجز لنا ليحزنك ولا تبعة عليك بسببه في الدنيا وفي الآخرة، وأفرد الضمير في كفره اعتبارًا بلفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأوّل بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجًا عنه فالآية من الاحتباك، ذكر الحزن ثانيًا دليلًا على حذف ضدّه أوّلًا، وذكر الاستمساك أوّلًا دليلًا على حذف ضدّه ثانيًا ﴿إلينا﴾ أي: في الدارين ﴿مرجعهم فننبئهم﴾ أي: بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم ﴿بما عملوا﴾ أي: ونجازيهم عليه إن أردنا ﴿إن الله﴾ أي: الذي لا كفء له ﴿عليم﴾ أي: محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿بذات الصدور﴾ أي: لا يخفى عليه سرّهم وعلانيتهم فينبئهم بما أسرّت صدورهم.
﴿نمتعهم﴾ أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا ﴿قليلًا﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم فإن كل آت قريب، وإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل ﴿ثم نضطرّهم﴾ أي: نلجئهم ونردّهم في الآخرة ﴿إلى عذاب غليظ﴾ أي: شديد ثقيل لا ينقطع عنهم أصلًا ولا يجدون لهم منه محيصًا من جهة من جهاته فكأنه في شدّته وثقله جرم عظيم غليظ جدًّا إذا ترك على شيء لا يقدر على الخلاص منه، ثم إنه تعالى لما سلى قلب النبيّ ﷺ بقوله تعالى: ﴿فلا يحزنك كفره﴾ أي: لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا على أنه لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل يتبين قبل يوم القيامة كما قال تعالى:
﴿ولئن﴾ اللام لام قسم ﴿سألتهم من خلق السموات﴾ أي: بأسرها ومن فيها ﴿والأرض﴾ كذلك وقوله تعالى ﴿ليقولنّ الله﴾ أي: المسمى بهذا الاسم حذف منه نون الرفع لتوالي والأمثال وواو الضمير لالتقاء الساكنين، فقد أقرّوا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته، ولما تبين بذلك صدقه ﷺ وكذبهم قال الله تعالى مستأنفًا ﴿قل الحمد﴾ أي: الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي: الذي له الإحاطة الشاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ أي: ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك، ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال استدلّ على ذلك بقوله تعالى:
﴿لله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿ما فيّ السموات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ملكًا وخلقًا فلا يستحق العبادة فيهما غيره، ولما ثبت ذلك أنتج قطعًا قوله تعالى ﴿إن الله﴾ أي: الذي لا كفء له ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الغني﴾ مطلقًا لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه وليس محتاجًا إلى شيء أصلًا ﴿الحميد﴾ أي: المستحق لجميع المحامد لأنه المنعم على الإطلاق المحمود بكل
[ ٣ / ١٩٤ ]
لسان من ألسنة الأحوال والأقوال لأنه هو الذي أنطقها ومن قيد الخرس أطلقها، ولما قال تعالى ﴿لله ما في السموات والأرض﴾ أوهم تناهي ملكه لانحصار ما في السموات والأرض فيهما وحكم العقل الصريح بتناهيهما، بين تعالى أنه لأحد ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده بقوله تعالى:
﴿ولو أن ما في الأرض﴾ أي: كلها، ودل على الاستغراق وتقضي كل فرد فرد من أفراد الجنس بقوله تعالى: ﴿من شجرة﴾ حيث وحدها ﴿أقلام﴾ أي: والشجرة يمدّها من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات وأنّ ما في الأرض من البحر مداد لتلك الأقلام ﴿والبحر﴾ أي: والحال أنّ البحر ﴿يمده﴾ أي: يكون مدادًا له وزيادة فيه ﴿من بعده﴾ أي: من ورائه ﴿سبعة أبحر﴾ تكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له دواة ﴿ما نفدت كلمات الله﴾ وفنيت الأقلام والمداد، قال المفسرون: نزل بمكة قوله تعالى.
﴿ويسئلونك عن الروح﴾ (الإسراء، ٨٥)
الآية فلما هاجر رسول الله ﷺ أتاه أحبار اليهود فقالوا يا محمد بلغنا أنك تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أفعنيتنا أم قومك فقال ﷺ «كلًا قد عنيت، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنّا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال: ﷺ هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية»، وقال قتادة إنّ المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فنزلت، فإن قيل كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلام والبحر مداد؟ أجيب: بأنه أغنى عن ذكر المداد قوله تعالى يمدّه لأنه من مدّ الدواة وأمدّها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوأة مدادًا فهي تصب فيه مدادها أبدًا صبًا لا ينقطع، والمعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد كقوله تعالى ﴿قل لو كان البحر مداد الكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ (الكهف: ١٠٩)
لأنّ المحصور لا يفي بما ليس بمحصور، فيا لها من عظمة لا تتناهى، ومن كبرياء لا يجارى ولا يضاهى.
فإن قيل لم قيل من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس؟ أجيب: بأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلامًا، فإن قيل الكلمات جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل فهلا قيل كلم الله؟ أجيب: بأنّ معناه أنّ كلماته لا تفي بها البحار فكيف بكلمه، وقرأ أبو عمرو: والبحر بنصب الراء وذلك من وجهين: أحدهما: العطف على اسم أن، أي: ولو أنّ البحر، ويمدّه الخبر، والثاني: النصب بفعل مضمر يفسره يمدّه والواو حينئذ للحال والجملة حالية، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال وصاحبها للاستغناء عنه بالواو، والتقدير: ولو أنّ الذي في الأرض حال كون البحر ممدودًا بكذا، وقرأ الباقون برفع الراء وذلك من وجهين: أيضًا أحدهما: العطف على أن وما في حيزها، والثاني: أنه مبتدأ، ويمدّه الخبر، والجملة حالية والرابط الواو تنبيه: قوله تعالى سبعة، ليس لانحصارها في سبعة وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، وإنما خصصت السبعة
[ ٣ / ١٩٥ ]
بالذكر من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة، ويدل على ذلك وجهان: الأوّل: أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان فالزمان منحصر في سبعة أيام والمكان منحصر في سبعة أقاليم، ولأنّ الكواكب السيارة سبعة والمنجمون ينسبون إليها أمورًا فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير.
ومنه قوله ﷺ «المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» الثاني: أن في السبعة معنى يخصها ولذلك كانت السموات سبعًا والأرضون سبعًا وأبواب جهنم سبعًا وأبواب الجنة ثمانية، لأنها الحسنى وزيادة، فالزيادة هي الثامن؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واو تقول القراء لها واو الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف لأنّ العدد تم بالسبعة، ثم بين نتيجة ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿عزيز﴾ أي: كامل القدرة لا نهاية لمقدوراته ﴿حكيم﴾ أي: كامل العلم لا نهاية لمعلوماته.
تنبيه: قد علم مما تقرّر أنّ الآية من الاحتباك ذكر الأقلام دليلًا على حذف مدادها وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلًا على حذفها في الأشجار، ولما ختم تعالى بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء ذكر بعض آثارها في البعث بقوله تعالى:
﴿ما خلقكم﴾ أي: كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة، وأعاد النافي نصًا على كل واحد من الخلق والبعث على حدته بقوله تعالى: ﴿ولا بعثكم﴾ أي: كلكم ﴿إلا كنفس﴾ أي: كبعث نفس، وبين الأفراد تحقيقًا للمراد تأكيدًا للسهولة بقوله تعالى: ﴿واحدة﴾ فإن كلماته مع كونها غير نافذة نافذة وقدرته مع كونها باقية بالغة فنسبة القليل والكثير إلى قدرته على حدّ سواء؛ لأنه لا يشغله شأن، عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله تعالى: مؤكدًا ﴿إن الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿سميع﴾ أي: بالغ السمع يسمع كل مسموع ﴿بصير﴾ أي: بليغ البصر يبصر كل مبصر لا يشغله شيء عن شيء، ولما قرّر تعالى هذه الآية الخارقة دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرّتين بقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ وهو محتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الخطاب مع النبيّ ﷺ الأكثر وكأنه تعالى ترك الخطاب مع غيره؛ لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة في الخطاب معهم ومن هو غيره من المؤمنين فهم تبع له، والوجه الثاني: المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولايعين أحدًا فيقول لجمع عظيم: يا مسكين إلى الله مصيرك فمن نصيرك ولماذا تقصيرك ﴿أنّ الله﴾ أي: بجلاله وعز كماله ﴿يولج﴾ أي: يدخل إدخالًا لا مرية فيه ﴿الليل في النهار﴾ فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه فإذا النهار قد عمّ الأرض كلها أسرع من اللمح ﴿ويولج النهار﴾ أي: يدخله كذلك ﴿في الليل﴾ فيخفى حتى لا يبقى له أثر فإذا الليل قد طبق الآفاق مشارقها ومغاربها في مثل الطرف فيميز سبحانه كلًا منهما من الآخر بعد اضمحلاله فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره ﴿وسخر الشمس﴾ آية للنهار يدخل الليل فيه ﴿والقمر﴾ أي: آية لليل كذلك ثم استأنف ما سخرا فيه بقوله تعالى: ﴿كل﴾ أي: منهما ﴿يجري﴾ أي: في فلكه سائرًا متماديًا وبالغًا ومنتهيًا ﴿إلى أجل مسمى﴾ لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك
[ ٣ / ١٩٦ ]
لا يزيد ولا ينقص هذا في الشهر مرّة وتلك في السنة مرّة، لا يقدر واحد منهما أن يتعدّى طوره ولا أن ينقض دوره ولا أن يغير سيره.
تنبيه: قال تعالى يولج بصيغة المستقبل، وقال في الشمس والقمر وسخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدّد كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمرّ كما قال تعالى ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ (يس: ٣٩)
وقال ههنا إلى أجل، وفي الزمر لأجل؛ لأن المعنيين لائقان بالحرفين فلا عليك في أيهما وقع. قال الأكثرون: هذا خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين، وقيل: عامّ، ولما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أنّ ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى عليه بقوله تعالى: ﴿وإنّ الله﴾ أي: بما له من صفات الكمال ﴿بما تعملون﴾ أي: في كل وقت على سبيل التجدّد ﴿خبير﴾ أي: لا يخفى عليه شيء منه؛ لأنه الخالق له كله دقه وجله ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العليا أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله تعالى:
قال تعالى ﴿ذلك﴾ أي: المذكور ﴿بأنّ﴾ أي: بسبب أن ﴿الله﴾ أي: الذي لا عظيم سواه ﴿هو﴾ وحده ﴿الحق﴾ أي: بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته المستحق للعبادة ﴿وأنّ ما يدعون﴾ أي: هؤلاء المختوم على مداركهم وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله تعالى: ﴿من دونه﴾ أي: غيره ﴿الباطل﴾ أي: العدم في حدّ ذاته لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص يدعون بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب وإن مقطوعة من ما في الرسم ﴿وأنّ الله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿هو العليّ﴾ على خلقه بالقهر فله الصفات العليا والأسماء الحسنى ﴿الكبير﴾ أي: العظيم في ذاته وصفاته. ولما قال تعالى ﴿ألم تر أنّ الله يولج الليل في النهار وسخر الشمس والقمر﴾ ذكر آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبب ذكر بعده آية أرضية تدلّ على باهر قدرته وكمال نعمته وشمول إنعامه وأشار إلى السبب والمسبب بقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ وفي المخاطب بذلك ما تقدّم ﴿أنّ الفلك﴾ أي: السفن كبارًا وصغارًا ﴿تجري﴾ أي: بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البرّ ﴿في البحر﴾ أي: على وجه الماء ﴿بنعمة الله﴾ أي: بإنعام الملك الأعلى المحيط علمًا وقدرة المحسن إليكم بتعليم صفتها حتى تهيأت لذلك على يد أبيكم نوح العبد الشكور ﵇، وقيل: نعمة الله هنا هي الريح التي تتحرك بأمر الله ﴿ليريكم من آياته﴾ أي: عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها ﴿إن في ذلك﴾ أي: الأمر الهائل البديع الرفيع ﴿لآيات﴾ أي: دلالات واضحات على ماله من صفات الكمال ﴿لكل صبار﴾ على المشاق فيبعث نفسه في التفكير في عدم غرقه وفي مسيره إلى البلاد الشاسعة والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهابًا وإيابًا تارة بريحين، وتارة بريح واحدة. وفي إنجاء أبيه نوح ﵇ ومن أراد الله تعالى من خلقه بها وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه وأموره ﴿شكور﴾ أي: مبالغ في كل من الصبر والشكر لأنهما الإيمان، كما ورد: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، وعلم من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من
[ ٣ / ١٩٧ ]
عظمة الله ما كان يعرفه في الشدّة إلا من طبعهم الله تعالى على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه، ولهذا قال تعالى ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ (سبأ: ١٣)
وها أنا أسأل الله الحنان المنان من فضله أن يجعلني منهم ويفعل ذلك بأهلي وأحبابي فإنه كريم جواد، ولما ذكر تعالى أن في ذلك لآيات ذكر أنّ الكل معترفون غير أنّ البصير يدركه أوّلًا ومن في بصيرته ضعف لا يدركه أوّلًا كما قال تعالى:
﴿وإذا غشيهم﴾ أي: علاهم وهم في الفلك حتى صار كالمغطي لهم ﴿موج﴾ أي: هذا الجنس وأفرده لشدّة اضطرابه وإتيانه شيئًا في أثر شيء متابعًا يركب بعضه بعضًا كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام واختلف في قوله تعالى ﴿كالظلل﴾ فقال مقاتل: كالجبال، وقال الكلبي: كالسحاب. والظلل جمع ظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، فإن قيل: كيف جعل الموج وهو واحد كالظلل وهو جمع؟ أجيب: بأنّ الموج يأتي منه شيء بعد شيء فلما صاروا إلى هذه الحالة ﴿دعوا الله﴾ أي: مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله عالمين بجميع مضمون الآية السابقة من حقيته وعلوّه وكبريائه وبطلان ما يدعونه من دونه ﴿مخلصين له الدّين﴾ أي: الدعاء بأن ينجيهم لا يدعون شيئًا سواه بأنفسهم ولا قلوبهم لما اضطرّهم إلى ذلك ﴿فلما نجاهم﴾ أي: خلصهم من تلك الأهوال ﴿إلى البر﴾ نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين وانقسموا قسمين ﴿فمنهم﴾ أي: تسبب عن نعمة الإنجاء أنه كان منهم ﴿مقتصد﴾ أي: عدل موف في البرّ بما قد عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، بمعنى أنه ثبت على ذلك وهم قليل كما دل عليه التصريح بالتبعيض، قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب في عام الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن نجاني الله من هذه لأرجعنّ إلى محمد ﷺ ولأضعنّ يدي في يده فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، قال مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، قال الكلبي: مقتصد في القول أي: من الكفار لأنّ بعضهم كان أشدّ قولًا وأعلى في الافتراء من بعض ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلبات الحياء في التصريح بذلك وهو الأكثر كما دل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿فلما نجاهم إلى البرّ إذا هم يشركون﴾ (العنكبوت: ٦٥)
وقال هنا ﴿فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد﴾؟ أجيب: بأنه لما ذكر ههنا أمرًا عظيمًا وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر، فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أثر وقوله تعالى ﴿وما يجحدنا بآياتنا إلا كل ختار﴾ أي: غدّار فإنه نقض للعهد الفطري أي: لما كان في البحر والختر أشدّ الغدر ﴿كفور﴾ أي: للنعم في مقابله قوله تعالى إن في ذلك لآيات أي: يعترف بها الصبار الشكور، ويجحدها الختار الكفور، فالصبار في موازنة الختار لفظًا ومعنى، والكفور في موازنة الشكور كذلك أما لفظا فيهما فظاهر، وأمّا كون الختار في موازنة الصبار معنى فلأن الختار هو الغدّار الكثير الغدر أو شديد الغدر مثال مبالغة من الختر وهو أشدّ الغدر، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر؛ لأنّ الصبور لا يعهده منه الإضرار فإنه يصبر ويفوّض الأمر إلى الله تعالى، وأما الغدّار ليعاهدك ولا يصبر على العهد فينقضه. وأما أن الكفور في
[ ٣ / ١٩٨ ]
مقابلة الشكور معنى فظاهر، ولما ذكر تعالى الدلائل من أول السورة إلى هنا وعظ بالتقوى بقوله تعالى:
﴿يا أيها الناس﴾ أي: عامّة. وقيل: أهل مكة ﴿اتقوا ربكم﴾ أي: الذي لا محسن إليكم غيره ﴿واخشوا﴾ أي: خافوا ﴿يومًا﴾ لا يشبه الأيام ولا يعدّ هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئًا بوجه ﴿لا يجزي﴾ أي: لا يقضي ولا يغني ﴿والد عن ولده﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي: لا يجزي فيه. وفي التعبير بالمضارع إشارة إلى أنّ الوالد لا تزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد ويتجدّد عنده العطف والرقة. والمفعول إما محذوف لأنه أشدّ في النفي وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. وقوله تعالى ﴿ولا مولود﴾ عطف على والد أو مبتدأ وخبره ﴿هو جاز عن والده﴾ أي: فيه ﴿شيئًا﴾ من الجزاء وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة ﴿إنّ وعد الله﴾ أي: الذي له معاقد العز والجلال ﴿حق﴾ أي: أنّ هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن؛ لأنّ الله تعالى وعد به ووعده حق، وقيل: إنّ وعد الله حق بأن لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا لأنه وعد بأن لا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق ﴿فلا تغرّنكم الحياة الدنيا﴾ بزخرفها ورونقها فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق ﴿ولا يغرّنكم بالله﴾ أي: الذي لا أعظم منه ولا مكافئ مع ولايته معكم ﴿الغرور﴾ أي: الكثير الغرور المبالغ فيه وهو الشيطان الذي لا أحقر منه لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها ويلهيكم به من تعظيم قدرها وينسيكم كيدها وغدرها وتعبها وأذاها فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم فلا تعدّونه معادًا فلا تتخذون له زاد لما اقترن بغروره من حلم الله تعالى وإمهاله، قال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة، وروي أنّ الحارث بن عمرو أتى رسول الله ﷺ فقال متى قيام الساعة وإني قد ألقيت حبًا في الأرض فمتى السماء تمطر، وحمل امرأتي أذكر أم
أنثى وما أعمل غدًا وأين أموت؟ فنزل قوله تعالى:
﴿إن الله﴾ أي: بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال ﴿عنده﴾ أي: خاصة ﴿علم الساعة﴾ أي: وقت قيامها لا علم لغيره بذلك أصلًا ﴿وينزل الغيث﴾ أي: في أوانه المقدّر له والمحل المعين له في علمه، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ أي: من ذكر أو أنثى أحيّ أو ميت تامّ أو ناقص ﴿وما تدري نفس﴾ أي: من الأنفس البشرية وغيرها ﴿ماذا تكسب غدًا﴾ أي: من خير أو شرّ وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه.
﴿وما تدري نفس بأي: أرض تموت﴾ أي: كما لا تدري في أي: وقت تموت ويعلمه الله تعالى، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال: يا رسول الله إنّ امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد، وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن عكرمة أنّ رجلًا يقال له الوارث من بني حازن جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد متى قيام الساعة وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب، وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد، وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدًا، وقد علمت بأيّ أرض ولدت
[ ٣ / ١٩٩ ]
فبأي أرض أموت؟ فنزلت هذه الآية، وعن قتادة قال: خمس من الغيب استأثر الله بهنّ فلم يطلع عليهنّ ملكًا مقرّبًا ولا نبيًا مرسلًا: إنّ الله عنده علم الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي: سنة ولا في أي: شهر أليلًا أم نهارًا، وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل أليلًا أم نهارًا، ويعلم ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى أحمر أم أسود، ولا تدري نفس ماذا تكسب غدًا أخيرًا أم شرًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في برّ أم سهل أم جبل.
وعن أحمد وابن أبي شيبة موقوفًا على شهر بن حوشب أنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت، فقال: فكأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند، فأمر سليمان الريح فحلمته إلى بلاد الهند فوق سحابة فلما استقرّ فيها قبض روحه ملك الموت، ﵇ ثم جاء إلى سليمان ﵇ فسأله عن نظره إلى الرجل، فقال ملك الموت: كان دوام نظري إليه تعجبًا منه إذا أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك، وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأي: أرض تموت إلا الله» .
وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أنّ رجلًا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثكم بأشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة الرعاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها. وخمس من الغيب لا يعلمهنّ إلا الله، ثم تلا إنّ الله عنده علم الساعة إلى آخر الآية، وعن أبي أمامة أنّ إعرابيًا وقف على النبي ﷺ يوم بدر على ناقة له عشراء فقال: يا محمد ما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له رجل من الأنصار: دع عنك رسول الله ﷺ وهلم إلي حتى أخبرك، وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم قال: «إنّ الله يحب كل حيي كريم ويبغض كل قاس لئيم متفحش ثم أقبل على الأعرابي فقال خمس لا يعلمهنّ إلا الله إنّ الله عنده علم الساعة الآية» وعن سلمة بن الأكوع قال: كان رسول الله ﷺ في قبة حمراء إذ جاءه رجل على فرس فقال له من أنت: «قال أنا رسول الله قال متى الساعة قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال ما في بطن فرسي قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال فمتى نمطر قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله» وعن ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إنّ الله عنده علم الساعة الآية» .
وعن ابن مسعود قال أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس: إنّ الله عنده علم الساعة الآية، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لم يعم على نبيكم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان: إنّ الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة، وعن ربعي قال حدّثني رجل من بني عامر أنه قال: يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ فقال: «لقد علمني الله خيرًا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله الخمس إن الله عنده علم الساعة الآية» .
وعن بنت معوّذ قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله
[ ٣ / ٢٠٠ ]
عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتقولان: وفينا نبيّ يعلم ما في غد فقال: «أما هذا فلا تقولاه ما يعلم ما في غد إلا الله» وعن ابن عزة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ رسول الله ﷺ وما تدري نفس بأي: أرض تموت»، وعن أبي مالك أنّ النبي ﷺ «بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه جاءه جبريل في غير صورته يحسبه رجلًا من المسلمين فسلم فردّ، ﵇ ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ وقال له: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تسلم وجهك لله وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت قال نعم ثم قال ما الإيمان قال أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والموت والحياة بعد الموت والجنة والنار والحساب والميزان والقدر خيره وشرّه، قال فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال نعم ثم قال ما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك قال فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت قال نعم ثم قال فمتى الساعة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ سبحان الله خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله: إنّ الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت» .
﴿إن الله﴾ أي: المختص بأوصاف الكمال ﴿عليم﴾ أي: شامل علمه للأمور كلها كلياتها وجزئياتها، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه عن الغير في هذه الخمس ﴿خبير﴾ أي: يعلم خبايا الأمور وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها كل عنده على حدّ سواء فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده؛ لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم باختلال هذا النظام على ما فيه من الأحكام فقد انطبق آخر السورة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة على أوّلها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه، لا سيما الإيقان بالآخرة كان حيكمًا.
فسبحان من هذا كلامه وتعالى كبرياؤه وعز مرامه. وما رواه البيضاوي تبعًا للزمخشري من أنّ رسول الله ﷺ قال: من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقًا يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرًا بعدد من عمل المعروف ونهى عن المنكر» حديث موضوع.