وتسمى القيامة، وتسمى المنفكين مكية في قول يحيى بن سلام، ومدنية في قول الجمهور، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة وثلاث مائة وتسعون حرفًا.
﴿بسم الله﴾ الذي لا يخرج شيء عن مراده ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بنعمه جميع عباده ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بإسعاده.
ولما كان الكفار جنسين أهل كتاب ومشركين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه:
﴿لم يكن الذين كفروا﴾ أي: في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال ﴿من أهل الكتاب﴾ أي: من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقًا فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا. ﴿والمشركين﴾ أي: بعبادة الأصنام والنار والشمس، ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق، بأن لم يكن لهم كتاب.
تنبيه: من للبيان. وقوله تعالى: ﴿منفكين﴾ خبر يكن، أي: منفصلين وزائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكًا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا تبقى لهم به علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحمًا من فك الكتاب والختم والعظم إذا أزيل ما كان ملتصقًا أو متصلًا به، أو عن الموعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به، فإنّ أهل الكتاب كانوا يستفتحون به، والمشركين كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من
[ ٤ / ٥٦٩ ]
إحدى الأمم.
فإن قيل: لِمَ قال تعالى: ﴿كفروا﴾ بلفظ الماضي، وذكر المشركين باسم الفاعل؟ ﴿﴿
أجيب: بأنّ أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أوّل الأمر، لأنهم كانوا مصدّقين بالتوراة والإنجيل وبمبعث محمد ﷺ بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وذلك يدل على الثبات على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿حتى﴾ أي: إلى أن ﴿تأتيهم البينة﴾ متعلق بيكن أو بمنفكين، والبينة الآية التي هي البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا طورًا وضياء ونورًا، وذلك هو الرسول ﷺ وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب، وهو القرآن.
وقوله تعالى: ﴿رسول﴾ أي: عظيم جدًّا بدل من البينة بنفسه، أو بتقدير مضاف، أي: سنة رسول، أو مبتدأ وزاد عظمته بقوله تعالى واصفًا له: ﴿من الله﴾ أي: الذي له الجلال والإكرام وهو محمد ﷺ لأنه في نفسه بينة وحجة ولذلك سماه الله تعالى سراجًا منيرًا، ولأنّ اللام في البينة للتعريف، أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى ﵈. وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا التنكير وقد جمعها الله تعالى ههنا في حق الرسول ﷺ
ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه: ﴿ذو العرش المجيد فعال لما يريد﴾ (البروج، الآيتان: ١٥ - ١٦)
فنكر بعد التعريف. وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء التوراة أو الزبور أو الانجيل أو القرآن، وعبر بالمضارع لتجدّد البيان في كل وقت بتجدّد الرسالة والتلاوة. وقال البغوي: لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي: حتى أتتهم البينة، وتبعه على ذلك الجلال المحلى. وقوله تعالى: ﴿يتلو صحفًا﴾ صفة الرسول، أو خبره والرسول ﷺ وإن كان أمّيًا لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها. وقيل: المراد جبريل ﵇ وهو التالي للصحف المنتسخة من اللوح التي ذكرت في سورة عبس، ولا بدّ من مضاف محذوف وهو الوحي. والصحف جمع صحيفة وهي: القرطاس، والمراد فيها عبر بها عنه لشدّة المواصلة ﴿مطهرة﴾ أي: في غاية الطهارة والنزاهة من كل قذر مما جعلنا لها من البعد عن الأدناس بأنّ الباطل من الشرك بالأوثان، وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، وأنها لا يمسها إلا المطهرون.
﴿فيها﴾ أي: تلك الصحف ﴿كتب﴾ أي: أحكام مكتوبة ﴿قيمة﴾ أي: مستقيمة ناطقة بالحق والعدل الذي لا مرية فيه ليس فيه شرك، ولا اعوجاج بنوع من الأنواع.
﴿وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: عما كانوا عليه، وخص أهل الكتاب بالتفرق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين، لأنهم يظنون بهم علمًا فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. ﴿إلا من بعد جاءتهم البينة﴾ أي: أتتهم البينة الواضحة، والمعنيّ به محمد ﷺ أتى بالقرآن موافقًا للذي في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجمعين على نبوته فلما بعث ﷺ جحدوا نبوّته وتفرّقوا، فمنهم من كفر بغيًا وحسدًا ومنهم من آمن كقوله تعالى: ﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم﴾ (الشورى: ١٤)
. وقال تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ (البقرة: ٨٩)
وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق لا تفرّقهم
[ ٤ / ٥٧٠ ]
فيه. وقرأ حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف بعد الجيم محضة، والباقون بالفتح.
ولما كان حال من أضل على علم أشنع زاد في فضيحتهم فقال تعالى:
﴿وما أمروا﴾ أي: هؤلاء في التوراة والإنجيل ﴿إلا ليعبدوا الله﴾ أي: يوحدوا الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره، واللام بمعنى أن كقوله تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ (النساء: ٢٦)
. وقوله تعالى: ﴿مخلصين له الدين﴾ فيه دليل على وجوب النية في العبادات لأنّ الإخلاص من عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله تعالى لا غيره، ومن ذلك قوله: ﴿إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين﴾ (الزمر: ١١)
. ﴿حنفاء﴾ أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصل الحنف في اللغة: الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير، وسموا الميل إلى الشرّ إلحادًا والحنيف المطلق الذي يكون متبرئًا عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين. وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات، وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح، وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأوّل من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى ما يعنى وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص. الناظر: أحدهما: إلى الحق، والثاني: إلى الخلق.
ولما ذكر أصل الدين أتبعه الفروع، وبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع التجرّد عن العوائق، فقال عز من قائل: ﴿ويقيموا﴾ أي: يعدلوا من غير اعوجاج بجميع الشرائط والأركان والحدود ﴿الصلاة﴾ لتصير بذلك أهلًا بأن تقوم بنفسها، وهي من التعظيم لأمر الله تعالى.
ولما ذكر تعالى صلة الخالق أتبعها صلة الخلائق بقوله تعالى: ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ أي: يدفعوها لمستحقيها شفقة على خلق الله تعالى إعانة على الدين، أي: ولكنهم حرّفوا ذلك وبدّلوه بطبائعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله تعالى في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل وجاه، وغير ذلك كما هو واضح من قوله تعالى: ﴿وممارزقناهم ينفقون﴾ (البقرة: ٣)
. ﴿وذلك﴾ أي: والحال أنّ هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور ﴿دين القيمة﴾ أي: الملة المستقيمة، وأضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين، وأنث القيمة ردًّا بها إلى الملة. وقيل: الهاء للمبالغة فيه. وقيل: القيمة هي الكتب التي جرى ذكرها، أي: وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال تعالى: ﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ (البقرة: ٢١٣)
. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ فقال: القيمة جمع القيم، والقيم والقائم واحد. قال البغوي: ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله تعالى بالتوحيد.
ثم ذكر تعالى ما للفريقين فقال سبحانه:
﴿إنّ الذين كفروا﴾ أي: وقع منهم الستر لمرأى عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك، وإن لم يكونوا عريقين فيه ﴿من أهل الكتاب﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿والمشركين﴾ أي: العريقين في الشرك ﴿في نارجهنم﴾ أي: النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة ﴿خالدين فيها﴾ أي: يوم القيامة، أو في الحال لسعيهم لموجباتها. واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي في النوع، بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء البغضاء ﴿هم﴾ أي: خاصة بما لضمائرهم من الخبث ﴿شر البرية﴾ أي:
[ ٤ / ٥٧١ ]
الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم وفرّطوا في حوائجهم ومآربهم، وهذا يحتمل أن يكون على التعميم، وأن يكون بالنسبة لعصر النبيّ ﷺ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ (البقرة: ٤٧)
أي: عالمي زمانهم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل من هو شرّ منهم، مثل فرعون وعاقر ناقة صالح.
ولما ذكر تعالى الأعداء وبدأ بهم لأنّ ذلك أردع لهم أتبعه الأولياء فقال تعالى مؤكدًا ما للكفار من الإنكار:
﴿إنّ الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان ﴿وعملوا﴾ تصديقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: هذا النوع ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء العالو الدرجات ﴿هم﴾ أي: خاصة ﴿خير البرية﴾ أي: على التعميم، أو برية عصرهم يأتي فيه ما مرّ. وقرأ نافع وابن ذكوان بالهمز في الحرفين لأنه من قولهم برأ الله الخلق، والباقون بالياء المشدّدة بعد الراء كالذرية ترك همزه في الاستعمال. ثم ذكر ثوابهم بقوله تعالى: ﴿﴿
﴿جزاؤهم﴾ أي: على طاعاتهم وعظمه بقوله تعالى: ﴿عند ربهم﴾ أي: المربي لهم والمحسن إليهم ﴿جنات عدن﴾ أي: إقامة لا يحولون عنها ﴿تجري﴾ أي: جريًا دائمًا لا انقطاع له ﴿من تحتها﴾ أي: تحت أشجارها وغرفها ﴿الأنهار خالدين فيها﴾ أي: يوم القيامة، أو في الحال لسعيهم في موجباتها وأكد معنى الخلود تعظيمًا لجزائهم بقوله تعالى: ﴿أبدًا رضي الله﴾ أي: بما له من نعوت الجلال والجمال ﴿عنهم﴾ أي: بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق ﴿ورضوا عنه﴾ لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه تفضل في جميع ذلك لا يجب عليه لأحد شيء، ولا يقدره أحد حق قدره فلو أخذ الخلق بما يستحقونه لأهلكهم كما قال تعالى: ﴿لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ (فاطر: ٤٥)
. وقال ابن عباس: ورضوا عنه بثواب الله ﷿. ﴿ذلك﴾ أي: الأمر العالي الذي جوزوا به ﴿لمن خشي ربه﴾ أي: خاف المحسن إليه خوفًا يليق به فلم يركن إلى التسويف والتكاسل، فإنّ الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير وهي للعارفين، فإنّ الإنسان إذا استشعر عذابًا يأتيه لحقته حالة يقال لها: الخوف، وهي انخلاع القلب عن طمأنينته، فإن اشتدّ سمي: وجلًا لجولانه في نفسه، فإن اشتدّ سمي: رهبًا لأدائه إلى الهرب وهي حالة المؤمنين الفارّين إلى الله تعالى. ومن غلب عليه الحب لاستغراقه في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة ووراء هذا الخشية ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨)
فمن خاف ربه هذا الخوف أنفك عن جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه تعالى، وما فارق الخوف قلبًا إلا خرب. روى أنس «أنّ النبيّ ﷺ قال لأبيّ بن كعب: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ قال أبيّ: وسماني لك؟ قال النبيّ ﷺ نعم فبكى أبيّ» . قال البقاعي: سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبيّ ﷺ فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما قال: فسقط في نفسي من التكذيب أشدّ ما يكون في الجاهلية، فضرب ﷺ في صدري ففضت عرقًا وكأنما أنظر إلى الله فرقًا، أي: خوفًا ثم قصَّ عليّ خبر التخفيف بالسبعة الأحرف، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل، وفيها أنه تعالى يبعث رسوله ﷺ يوم البعث شهيدًا، وأنه نزل عليه الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا،
[ ٤ / ٥٧٢ ]
وأنّ اليهود اختلفوا في السبت.
وسورة لم يكن على قصرها حاوية إجمالًا لكل ما في النحل على طولها وزيادة، وفيها التحذير من الشك بعد البيان، وتقبيح حال من فعل ذلك وأنّ حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد فيكون شر البرية فقرأها ﷺ تذكيرًا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصوّرًا، فيكون أرسخ في النفس، وأثبت في القلب، وأعشق للطبع، فاختصه الله بالتثبيت، وأراد له الثبات فكان من المريدين المرادين لما وصل إلى قلبه بركة ضربة النبيّ ﷺ لصدره، وصار كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبًا عن تلاوة نفسه مصغيًا بإذن قلبه إلى روح النبوّة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي وصل إليه بسر تلك الضربة، ولثبوته في هذا المقام قال ﷺ «اقرؤكم أُبيّ» . قال القرطبي: وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم. وقال بعضهم: إنما قرأ النبيّ ﷺ على أبيّ ليعلم الناس التواضع، لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على دونه في المنزلة. وقيل: إنّ أبيًا كان أسرع أخذًا لألفاظ رسول الله ﷺ فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع رسول الله ﷺ يقرأ عليه ويعلم غيره وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ؛ إذ أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقرأ عليه. وقول البيضاوي تبعًا للزمخشري عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلًا» . حديث موضوع.