مكية وهي ثلاث وثمانون آية، وسبعمائة وتسعةوعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف
وتسمى أيضًا: القلب والدافعة والقاضية والمعممة تعم صاحبها بخير الدارين، وتدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة، والبيضاوي ذكر هذه التسمية عن النبي ﷺ قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره ولكن المثبت مقدم على النافي.
﴿بسم الله﴾ أي: الذي جل ملكه على أن يحاط بمقدراه ﴿الرحمن﴾ الذي جعل إنذار يوم الجمع رحمة عامة ﴿الرحيم﴾ الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم لقائه وقوله تعالى:
﴿يس﴾ كـ[ألم] في المعنى والإعراب
وقال ابن عباس: يس قسم، وروي عن شعبة أن معناه يا إنسان بلغة طيء على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به كما قيل: م الله في أيمن الله، وقال أكثر المفسرين: يعني محمدًا ﷺ قاله الحسن وسعيد بن جبير وجماعة وقال أبو العالية: يا رجل وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر.
قال ابن عادل في ذكر هذه الحروف أوائل السور: أمور تدل على أنها غير خالية من الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها والذي يدل على أنها فيها حكمة هو أن الله ﷿ ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفًا نصف ثمانية وعشرين حرفًا هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا: الهمزة ألف متحركة، ثم إن الله تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال، والتسعة الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرة في الوسط من الراء إلى الغين، وذكر من القسم الأول حرفين
[ ٣ / ٣٣٥ ]
الألف والحاء، وترك سبعة وترك من القسم الأخير حرفين هما الألف واللام، وذكر سبعة ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحدًا لم يذكره وهو الخاء، ولم يذكر من القسم الأخير من حروف الشفة إلا واحدًا لم يتركه وهو الميم والعشر الأوسط ذكر منه حرفًا وترك حرفًا فترك الزاي وذكر الراء، وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين، وليس لها أمر يقع اتفاقًا بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة لكنها غير معلومة.
وهب أن واحدًا يدعى فيه شيئًا فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة ن وق وص، وبعضها بحرفين كسورة حم ويس وطس وطه، وبعضها بثلاثة أحرف كألم وطسم والر، وبعضها بأربعة أحرف كسورة المر والمص، وبعضها بخمسة أحرف كسورة حم عسق وكهعيص.
وهب أن قائلًا يقول: إن هذه إشارة بأن الكلام إما حرف وإما فعل وإما اسم، والحرف كثيرًا ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف التشبيه وباء الإلصاق وغيرها، وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وإن للشرط وغيرها، والفعل والاسم والحرف جاءت ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألوا بالواو، وعلا يعلو في الفعل والاسم، والفعل جاء على أربعة أحرف، والاسم خاصة جاء على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة كعجل ومسجد وجردحل.
فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض بأكثر فلا يعلم ما السر إلا الله تعالى، ومن أعلمه الله تعالى به.
وإذا علم هذا فالعبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية، وكل واحد منها قسمان: قسم عقل معناه وحقيقته، وقسم لم يعلم، أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك والجهل فمنها ما لم يعلم دليله عقلًا، وإنما وجب الإيمان به والاعتقاد سمعًا كالصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف ويمر عليه المؤمن كالبرق الخاطف، والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في نظر الناظر، وكيفية الجنة والنار، فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع، ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله تعالى وصدق الرسل، وكذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات.
والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة فلا يكون الإتيان إلا لمحض الفائدة بخلاف ما لم تعلم الفائدة، فربما تأتي الفائدة وإن لم يؤمر كما لو قال السيد لعبده: انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها، ولو قال: انقلها فإن تحتها كنزًا هو لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمر.
وإذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود الإلهي فإذا قال: حم طس يس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ به امتثالًا لما أمر به، انتهى كلام ابن عادل بحروفه وهو كلام دقيق، وقرأ يس بإمالة الياء شعبة وحمزة والكسائي، والباقون بالفتح، وأظهر النون من يس عند واو.
﴿والقرآن﴾ قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة،
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وأدغم الباقون، وهي واو القسم أو العطف إن جعل يس مقسمًا به، ثم وصف القرآن بقوله تعالى: ﴿الحكيم﴾ أي: المحكم بعظيم النظم وبديع المعاني، وقوله تعالى:
﴿إنك لمن المرسلين﴾ أي: الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم فصاروا بما وهبهم الله من القوة النورانية وبما تخلقوا به من أوامره ونواهيه كالملائكة الذين تقدم ذكرهم في السورة الماضية إنهم رسله جواب القسم وهو رد على الكفار حيث قالوا: لست مرسلًا، فإن قيل: المطلب يثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقسام؟ أجيب: بأوجه: أولها: أن العرب كانوا يتقون الأيمان الفاجرة، وكانوا يقولون إن الأيمان الفاجرة توجب خراب العالم، وصحح النبي ﷺ ذلك بقوله: «اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع» ثم إنهم كانوا يقولون: إن النبي ﷺ يصيبه من آلهتهم وهي الكواكب عذاب، والنبي ﷺ يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأنًا وأمنع مكانًا فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب.
ثانيها: أن المناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب: إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة وعجزت أنا على القدح فيه، وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول فلا يجد أمرًا إلا اليمين، فكذلك النبي ﷺ أقام البراهين وقالت الكفرة ﴿ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد أباؤكم﴾ (سبأ: ٤٣)
﴿وقالوا ما هذا إلا أفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين﴾ (سبأ: ٤٣)
فالتمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل.
ثالثها: أن هذا ليس بمجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين؛ لأن القرآن معجزة، ودليل كونه مرسلًا هو المعجزة والقرآن كذلك، فإن قيل: لِمَ لم يذكر في صورة الدليل وما الحكمة في ذكر الدليل في صورة اليمين؟ أجيب: بأن الدليل إذا ذكر في صورة اليمين، واليمين لا يقع ولاسيما من العظيم الأعلى أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه فلصورة اليمين يقبل عليه السامع لكونه دليلًا شافيًا يسر به الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب وقوله تعالى:
﴿على صراط﴾ أي: طريق واسع واضح ﴿مستقيم﴾ أي: هو التوحيد والاستقامة في الأمر، يجوز أن يكون متعلقًا بالمرسلين تقول: أرسلت عليه كذا قال تعالى ﴿وأرسل عليهم طيرًا أبابيل﴾ (الفيل: ٣)
وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في ﴿لمن المرسلين﴾ لوقوعه خبرًا، وأن يكون حالًا من المرسلين، وأن يكون خبرًا ثانيًا لإنك.H
وقرأ قنبل «سراط» بالسين عوضًا عن الصاد، وخلف بالإشمام وهو بين الصاد والزاي، والباقون بالصاد الخالصة.
ولما كان كأنه قيل: ما هذا الذي أرسل به؟ كان كأنه قيل جوابًا: هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو:
﴿تنزيل﴾ أو حال كونه تنزيل ﴿العزيز﴾ أي: المتصف بجميع صفات الجلال ﴿الرحيم﴾ أي: الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم فهو الواحد المنفرد في ملكه، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي تنزيل بالنصب
[ ٣ / ٣٣٧ ]
على الحال كما مر، أو بإضمار أعني، والباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر كما مر.
ولما ذكر تعالى المرسل وهو الله تعالى، والمرسل وهو النبي ﷺ والمرسل به وهو القرآن ذكر المرسل لهم بقوله تعالى:
﴿لتنذر قومًا﴾ أي: ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة ﴿ما أنذر﴾ أي: لم تنذر أصلًا ﴿آباؤهم﴾ أي: لم ينذروا في زمن الفترة ﴿فهم﴾ أي: بسبب زمان الفترة ﴿غافلون﴾ أي: عن الإيمان والرشد وقوله تعالى:
﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ فيه وجوه: أشهرها: أن المراد بالقول هو قوله تعالى: ﴿لقد حق القول مني لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ثانيها: أن معناه لقد سبق في علمه تعالى أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول أي: وجب وثبت بحيث لا يبدل بغيره كما قال تعالى ﴿ما يبدل القول لدى﴾ (ق: ٢٩)
ثالثها: المراد لقد حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل من التوحيد وغيره ﴿فهم﴾ أي: بسبب ذلك ﴿لا يؤمنون﴾ أي: بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكبارًا في الأرض ومكر السيء.
ونزل في أبي جهل وصاحبه:
﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا﴾ أي: بأن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدًا ﷺ يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلى ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده إلى عنقه، فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته ولقد سمعت كلامًا وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ولو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال تعالى ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ وتقدم أن المراد به البرهان وقال بعد ذلك: بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه، ومنع من إرسال الحجر وهو مضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلًا، وقال أهل المعاني: هذا على طريق المثل ولم يكن هناك غل، أراد منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلًا لذلك فهو تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أيديهم.
وقال الفراء: معناه حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ (الإسراء: ٢٩)
معناه: ولا تمسكها عن النفقة، ومناسبة هذا لما تقدم أن قوله تعالى ﴿فهم لا يؤمنون﴾ يدخل فيه أنهم لا يصلون لقوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (البقرة: ١٤٣)
أي: صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة فكأنه قال: لا يصلون ولا يزكون، واختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿فهي إلى الأذقان﴾ على وجهين: أشهرهما: أنه عائد على الأغلال؛ لأنها هي المحدث عنها، ومعنى هذا الترتيب بالفاء أن الغل لغلظه وعرضه يصل إلى الذقن؛ لأنه يلبس العنق جميعه، قال الزمخشري: والمعنى أنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا ثقالًا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه.
ثانيهما: أن الضمير يعود إلى الأيدي، وإليه ذهب الطبري وعليه جرى الجلال المحلي؛ لأن الغل لا يكون إلا في العنق واليدين، ودل على الأيدي وإن لم تذكر
[ ٣ / ٣٣٨ ]
الملازمة المفهومة من هذه الآلة أعني الغل. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها والأذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين ﴿فهم مقمحون﴾ أي: رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفتة إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطؤن رؤوسهم له، والإقماح رفع الرأس إلى فوق كالإقناع وهو من قمح البعير رأسه إذا رفعها بعد الشرب إما لبرودة الماء، وإما لكراهة طعمه.
ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال تعالى:
﴿وجعلنا﴾ أي: بعظمتنا ﴿من بين أيديهم﴾ أي: الوجه الذي يمكنهم عمله ﴿سدًا﴾ فلا يسلكون طريق الاهتداء.
ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال تعالى ﴿ومن خلفهم﴾ أي: الوجه الذي هو خفي عنهم ﴿سدًا﴾ فلا يرجعون إلى الهداية فصارت كل جهة يلتفتون إليها منسدة فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق، ولا الخلوص إليه، فلذلك قال تعالى ﴿فأغشيناهم﴾ أي: جعلنا على أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة ﴿فهم﴾ أي: بسبب ذلك ﴿لا يبصرون﴾ أي: لا يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم بصر ظاهر ولا بصيرة باطنة، وأيضًا الإنسان مبدؤه من الله تعالى ومصيره إليه فعمى الكافرين بأن لا يبصروا ما بين أيديهم من المصير إلى الله تعالى، وما خلفهم من الدخول في الوجود بخلق الله تعالى كمن أحاط بهم سد فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل، وأيضًا فإن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع، فإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامته هلك.
فإن قيل: ذكر السد من بين الأيدي ومن الخلف ولم يذكره من اليمين والشمال فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم، فيجعل الله تعالى السد هناك فيمنعه من السلوك فكيفما توجه الكافر يجعل الله تعالى بين يديه سدًا، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سدًا بفتح السين في الموضعين وهو لغة فيه، والباقون بالضم.
ولما منعوا بذلك حس البصر أخبر عن حس السمع بقوله تعالى:
﴿وسواء عليهم﴾ أي: مستو ومعتدل غاية الاعتدال ﴿أأنذرتهم﴾ أي: بما أخبرناك به من الزواجر المانعة للكفر ﴿أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾؛ لأنهم ممن علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وقد سبق أيضًا في البقرة تفسيره والكلام على الهمزتين، ثم بين الله تعالى الأقل الناجي؛ لأنه المقصود بالذات بقوله تعالى:
﴿إنما تنذر﴾ أي: إنذارًا ينفع المنذر فتتأثر عنه النجاة ﴿من اتبع الذكر﴾ أي: القرآن بالتأمل فيه والعمل به ﴿وخشي الرحمن﴾ أي: خاف عقابه ﴿بالغيب﴾ أي: قبل موته ومعاينة أهواله أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه تعالى كما هو رحمن رحيم منتقم جبار ﴿فبشره﴾ أي: بسبب خشيته بالغيب ﴿بمغفرة﴾ أي: لذنوبه وإن عظمت وتكررت.
ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال تعالى ﴿وأجر كريم﴾ أي: هو الجنة فإنها دار لا كدر فيها بوجه، والمقصود منها هو النظر لوجهه الكريم، اللهم متعنا ومحبينا بالنظر إلى وجهك الكريم.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
ولما ذكر تعالى خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى بقوله تعالى:
﴿إنا نحن﴾ أي: بما لنا من العظمة التي لا تضاهى ﴿نحيي الموتى﴾ أي: كلهم حسًّا بالبعث، ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلمة الجهل ﴿ونكتب﴾ أي: جملة عند نفخ الروح وشيئًا فشيئًا بعده فلا يتعدى التفصيل شيئًا في ذلك الإجمال ﴿ما قدموا﴾ أي: وأخروا من جميع أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم من صالح وغيره فاكتفى بأحدهما لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ (النحل: ٨١)
أي: والبرد.
وقيل المعنى: ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة كقوله تعالى ﴿بما قدمت أيديهم﴾ (الجمعة: ٧)
أي: بما قدموا في الوجود وأوجدوه، وقيل: نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وقوله تعالى ﴿وآثارهم﴾ فيه وجوه: أحدها: وهو مبني على التفسير الأخير، وهو كتب النيات المراد بالآثار: الأعمال.
ثانيها: ما سنوا من سنة حسنة وسيئة، فالحسنة كالكتب المصنفة والقناطر المبنية، والسيئة كالظلامات المستمرة التي وضعتها الظلمة والكتب المضلة قال ﷺ «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا» .
ثالثها: خطاهم إلى المساجد لما روى أبو سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم عن المسجد فأنزل الله تعالى ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فقال ﷺ «إن الله يكتب خطواتكم ومشيكم ويثيبكم عليها» وقال ﷺ «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم مشيًا والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام»، فإن قيل: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال تعالى ﴿نحيي الموتى ونكتب﴾ ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم؟ أجيب: بأن الكتابة معظمة لأمر الإحياء؛ لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم يكن هناك إحياء ولا إعادة لا يبقى لها أثر أصلًا، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم الإحياء؛ لأنه تعالى قال: ﴿إنا نحن﴾ وذلك يفيد العظمة والجبروت، والإحياء العظيم يختص بالله تعالى والكتابة دونه تقرير التعريف الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم.
ولما كان ذلك الأمر ربما أوهم الاقتصاد على ما ذكر من أحوال الآدميين دفع ذلك بقوله تعالى: ﴿وكل شيء﴾ من أمور الدنيا والآخرة ﴿أحصيناه﴾ أي: قبل إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وحفظًا وكتبناه ﴿في إمام﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿مبين﴾ أي: لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال فهو تعميم بعد تخصيص؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئًا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله تعالى ولا يفوته كقوله تعالى ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر﴾ (القمر: ٥٢ - ٥٣)
يعني ليس ما في الزبر منحصرًا فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال تعالى ﴿نكتب ما قدموا﴾ بين أن قبل ذلك كتابة أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه، قيل: إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى ﴿ونكتب﴾؛ لأن من يكتب شيئًا في أوراق
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال تعالى: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى ﴿علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (طه: ٥٢)
وقوله ﷾:
﴿واضرب﴾ بمعنى واجعل ﴿لهم﴾ وقوله تعالى ﴿مثلًا﴾ مفعول أول، وقوله تعالى: ﴿أصحاب﴾ مفعول ثان والأصل: واضرب لهم مثلًا مثل أصحاب ﴿القرية﴾ فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢)
قال الزمخشري: وقيل لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى: اجعل أصحاب القرية لهم مثلًا، أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون: المراد بالقرية أنطاكية وقوله تعالى ﴿إذ جاءها﴾ إلخ بدل اشتمال من أصحاب القرية أي: إذ جاء أهلها ﴿المرسلون﴾ أي: رسل عيسى ﵇ وإضافة إلى نفسه في قوله تعالى:
﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين﴾ لأنه فعل رسوله ﵇ ﴿وإذ أرسلنا﴾ إلخ بدل من إذ الأولى، وفي هذا لطيفة وهي أن في القصة أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى ﵇ أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى ﵇ هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا تفهم يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وإنما هو رسل الله تعالى، فتكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا﴾ ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن كل وكيل للوكيل بإذن الموكل عند الإطلاق وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه، وينعزل إذا عزله الموكل الأول.
تنبيه: في بعث الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى ﵇ بإذن الله تعالى، فكان عليهما إنهاء الأمر إليه والإتيان بما أمر الله تعالى، والله سبحانه عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده، وأما عيسى ﵇ فبشر فأمر الله تعالى بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى ﵇ حجة ثابتة، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل، وحمزة والكسائي بضمهما، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها، والجميع في الوقف بسكون الميم. ﴿فكذبوهما﴾ أي: مع ما لهما من الآيات؛ لأن من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولًا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر سواء أكان عنا من غير واسطة، أو كان بواسطة رسولنا كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النورين لما ذهب إلى قومه وسأل النبي ﷺ أن تكون له آية فكانت نورًا في جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه.
ولما كان المتظافر على الشيء أقوى لشأنه وأعون على ما يراد منه تسبب عن ذلك قوله تعالى ﴿فعززنا﴾ أي: قوينا ﴿بثالث﴾ يقال: عزز المطر الأرض أي: قواها ولبدها ويقال لتلك الأرض العزاز وكذا كل أرض صلبة، وتعزز لحم الناقة أي: صلب وقوي والمفعول محذوف أي: فقويناهما بثالث، أو فغلبناهما بثالث؛ لأن المقصود من البعثة نصرة الحق لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين بالبرهان قال وهب: اسم المرسلين يحيى ويونس، واسم الثالث شمعون، وقال كعب: الرسولان صادق ومصدوق والثالث: سلوم، وقرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى، والباقون بتشديدها والزاي الثانية ساكنة بلا خلاف. ﴿فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى ﵇ اثنين فلما قربا من المدينة
[ ٣ / ٣٤١ ]
رأيا حبيبًا النجار يرعى غنمًا فسلما عليه فقال: من أنتما؟ فقالا: رسولا عيسى ﵇ يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال: أمعكما آية؟ قالا: نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال: إن لي ابنًا مريضًا منذ سنين قالا: فانطلق بنا ننظر حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحاه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحًا ففشا الخبر في المدينة وآمن حبيب النجار، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرًا من المرضى وكان لهم ملك اسمه أنطيحس وكان من ملوك الروم فانتهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: من أنتما؟ فقالا: رسولا عيسى ﵇ قال: وفيما جئتما؟ قالا: ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر قال: أولنا إله دون آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك فقال: قوما حتى أنظر في أمركما وأمر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما كذبا وضربا بعث عيسى ﵇ رأس الحواريين شمعون الصفار على أثرها لينصرهما، فدخل البلد متنكرًا وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به وأوصلوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات
يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعوا إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله تعالى الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال لهما شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك: أرأيت إن سألت إلهك يصنع مثل هذا حتى يكون لك الشرف ولآلهتك؟ فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرًا ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، ثم قال الملك لهما: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا: إلهنا قادر على كل شيء فقال الملك: إن هنا ميتًا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبًا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سرًا، فقام الميت وقال: إني دخلت سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله تعالى، ثم قال: فتحت أبواب السماء فرأيت شابًا حسنًا يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك لما علم، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن قوم وكفر آخرون، فمن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا.
وقيل: أن ابنة الملك كانت قد توفيت ودفنت فقال شمعون للملك: اطلب من هذين الرجلين أن يحييا ابنتك فطلب الملك منهما ذلك فقاما وصليا ودعوا الله تعالى وشمعون معهما في السر فأحيا الله تعالى المرأة، ثم انشق القبر عنها فخرجت وقالت: أسلموا فإنهما صادقان قالت: ولا أظنكم تسلمون ثم طلبت من الرسولين أن يرداها إلى مكانها فذرا ترابًا على رأسها فعادت إلى قبرها كما كانت، وقال ابن
[ ٣ / ٣٤٢ ]
إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر واجتمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيبًا وهو على باب المدينة بالأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين.
﴿قالوا﴾ أي: أهل القرية للرسل ﴿ما أنتم﴾ أي: وإن زاد عددكم ﴿إلا بشر مثلنا﴾ لا مزية لكم علينا فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلًا دوننا، فجعلوا كونهم بشرًا مثلهم دليلًا على عدم الإرسال، وهذا عام في المشركين قالوا في حق محمد ﷺ ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾ (ص: ٨)
وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان، فرد الله عليهم بقوله سبحانه ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ (الجن: ٢٣)
وبقوله تعالى: ﴿الله يجتبي إليه من يشاء﴾ (الشورى: ١٣)
إلى غير ذلك.
تنبيه: رفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا ثم قالوا ﴿وما أنزل الرحمن﴾ أي: العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته يقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأغرقوا في النفي بقولهم ﴿من شيء﴾ أي: وحي ورسالة ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أنتم إلا تكذبون﴾ أي: في دعوى رسالة حالًا ومآلًا.
﴿قالوا﴾ أي: الرسل ﴿ربنا﴾ أي: الذي أحسن إلينا ﴿يعلم﴾ أي: ولهذا يظهر على أيدينا الآيات ﴿إنا إليكم لمرسلون﴾ استشهدوا بعلم الله تعالى وهو يجري مجرى القسم، وزادوا اللام المؤكدة؛ لأنه جواب عن إنكارهم.
﴿وما علينا﴾ أي: وجوبًا من قبل من أرسلنا ﴿إلا البلاغ المبين﴾ أي: المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات، وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الميت وغيرهما فما كان جوابهم بعد هذا إلا أن:
﴿قالوا إنا تطيرنا﴾ أي: تشاءمنا ﴿بكم﴾ وذلك أن المطر حبس عنهم فقالوا: أصابنا هذا بشؤمكم ولاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له ونفرتهم عنه قالوا: ﴿لئن لم تنتهوا﴾ أي: عن مقالتكم هذه ﴿لنرجمنكم﴾ أي: لنقتلنكم قال قتادة: بالحجارة، وقيل: لنشتمنكم وقيل: لنقتلنكم شر قتلة ﴿وليمسنكم منا﴾ أي: لا من غيرنا ﴿عذاب أليم﴾ كأنهم قالوا: لا نكتفي برجمكم بحجر وحجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم، أو يكون المراد وليمسنكم بسبب الرجم منا عذاب أليم أي: مؤلم، وإن قلنا: الرجم: الشتم فكأنهم قالوا: ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب والإيلام الحسي، وإذا فسرنا أليم بمعنى مؤلم ففعيل بمعنى مفعل قليل، ويحتمل أن يقال: هو من باب قوله تعالى ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ٢١)
أي: ذات رضا أي: عذاب ذو ألم فيكون فعيلًا بمعنى فاعل وهو كثير، ثم أجابهم المرسلون بأن:
﴿قالوا طائركم﴾ أي: شؤمكم الذي أحل بكم البلاء ﴿معكم﴾ وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم وكفركم فأصابكم الشؤم من قبلكم، وقال ابن عباس والضحاك: حظكم من الخير والشر، والهمزة في قوله تعالى ﴿أئن ذكرتم﴾ أي: وعظتم وخوفتم همزة استفهام وجواب الشرط محذوف أي: تطيرتم وكفرتم فهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الثانية، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفًا، وورش وابن كثير بغير إدخال، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال.
ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببًا للتطير بوجه أضربوا عنه بقولهم ﴿بل﴾ أي: ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير بسبب التطير بل ﴿أنتم قوم﴾ أي: غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون ﴿مسرفون﴾ أي: عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان
[ ٣ / ٣٤٣ ]
فعوقبتم لذلك.
ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله تعالى، فلا هادي لمن يضل ولا مضل لمن هدى فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إذا أراد وكان بعد الدار ملزومًا في الغالب لبعد النسب قدّم مكان المجيء على فاعلة بيانًا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال تعالى:
﴿وجاء من أقصى﴾ أي: أبعد بخلاف ما مر في القصص ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية وقال ﴿المدينة﴾ لأنها أدل على الكبر المستلزم بعد الأطراف وجمع الأخلاط ولما بين الفاعل بقوله تعالى: ﴿رجل﴾ بين اهتمامه بالنهي عن المكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله تعالى: ﴿يسعى﴾ أي: يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصًا على نصيحة قومه.
تنبيه: في تنكير الرجل مع أنه كان معلومًا معروفًا عند الله تعالى فيه فائدتان، الأولى: أن يكون تعظيمًا لشأنه أي: رجل كامل في الرجولية، الثانية: أن يكون مفيدًا ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال: إنهم تواطؤوا، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام، وقال السدي: كان قصارًا، وقال وهب: كان يعمل الحرير وكان سقيمًا قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب في المدينة، وكان مؤمنًا وآمن بمحمد ﷺ قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله تعالى ورأى فيه نعت محمد ﷺ وبعثته وقوله: ﴿يسعى﴾ تبصير للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جهدهم في النصح.
ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه بينه بقوله تعالى:
﴿قال﴾ واستعطفهم بقوله تعالى: ﴿يا قوم﴾ وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله ﴿اتبعوا المرسلين﴾ أي: في عبادة الله تعالى وحده، فجمع بين إظهار دينه وإظهار النصيحة فقوله ﴿اتبعوا﴾ النصيحة وقوله ﴿المرسلين﴾ إظهار إيمانه، وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان؛ لأنه كان ساعيًا في النصيحة، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله ﴿يسعى﴾ دل على إردته النصح.
فإن قيل: ما الفرق بين مؤمن آل فرعون حيث قال: ﴿اتبعون أهدكم﴾ (غافر: ٣٨)
وهذا قال: ﴿اتبعوا المرسلين﴾؟ أجيب: بأن هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مرارًا فقال: اتبعوني في الإيمان بموسى وهرون ﵉، واعلموا أنه لو لم يكن خيرًا لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ولم يكن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يعلمون اتباعه لهم.
ولما قال لهم: اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال:
﴿اتبعوا من لا يسألكم أجرًا﴾ أي: أجرة؛ لأن الخلق في الدنيا سالكون طريق الاستقامة، والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه وعدم الاستماع من الدليل لا يحسن إلا عند أحد أمرين: إما لطلب الدليل الأجرة، وإما: لعدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة ﴿وهم مهتدون﴾ عالمون بالطريق المستقيم الموصلة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين أليسوا بمهتدين؟ فاتبعوهم وقوله تعالى:
﴿ومالي لا أعبد الذي فطرني﴾ أصله: وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام عنه ليكون الكلام أسرع قبولًا حيث أراد لهم ما أراد لنفسه والمراد: تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال ﴿وإليه
[ ٣ / ٣٤٤ ]
ترجعون﴾ دون وإليه أرجع مبالغة في التهديد وفي العدول عن مخاصمة القوم إلى حال نفسه مبالغة في الحكمة، وهي أنه لو قال: ما لكم لا تعبدون الذي فطركم لم يكن في البيان مثل قوله: ما لي؛ لأنه لما قال: مالي فأحد لا يخفى عليه حال نفسه، علم كل واحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد؛ لأنه أعلم بحال نفسه وقوله ﴿الذي فطرني﴾ أشار به إلى وجود المقتضى فإن قوله: ﴿مالي﴾ إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى فقوله ﴿الذي فطرني﴾ دليل المقتضي فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه ومنعم بالإيمان، والمنعم يجب على المنعم عليه شكر نعمته، وقدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم المقتضي، لأن المقتضي لظهوره كان مستغنيًا عن البيان فلا أقل من تقديم ما هو أولى بالبيان للحاجة إليه، واختار من الآيات فطرة نفسه؛ لأن خالق عمرو يجب على زيد عبادته؛ لأن من خلق عمرًا لا يكون إلا كامل القدرة واجب الوجود فهو مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلف، لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر إيجابًا.
تنبيه: أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة فكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم أليق، روي أنه لما قال ﴿اتبعوا المرسلين﴾ أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له: أفأنت تتبعهم؟ فقال ﴿ومالي لا أعبد الذي فطرني﴾ أي: أي: شيء يمنعني أن أعبد خالقي وإليه ترجعون، تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم ومعنى فطرني: خلقني اختراعًا ابتداء، وقيل: خلقني على الفطرة كما قال تعالى ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ (الروم: ٣٠)
ثم عاد إلى السياق الأول فقال:
﴿أأتخذ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار أي: لا أتخذ وبين علو رتبته تعالى بقوله ﴿من دونه﴾ أي: سواه مع دنو المنزلة وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال ﴿آلهة﴾ وفي ذلك لطيفة وهي: أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره بين أن من دونه لا تجوز عبادته؛ لأن الكل محتاج مفتقر حادث وقوله ﴿أأتخذ﴾ إشارة إلى أن غيره ليس بإله؛ لأن المتخذ لا يكون إلهًا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، وأدخل فيهما ألفًا قالون وأبو عمرو وهشام وورش وابن كثير بغير إدخال ألف، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال وإذا وقف حمزة فله تسهيل الثانية والتحقيق؛ لأنه متوسط بزائد وله أيضًا إبدالها ألفًا.
ثم بين عجز تلك الآلهة بقوله ﴿إن يردن الرحمن﴾ أي: العام النعمة على كل المخلوقين العابد والمعبود ﴿بضر﴾ أي: سوء ومكروه ﴿لا تغن عني شفاعتهم شيئًا﴾ أي: لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد ﴿ولا ينقذون﴾ أي: بالنصر والمظاهرة من ذلك المكروه أو من العذاب لو عذبني الله تعالى إن فعلت ذلك.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا: ﴿إن يردن الرحمن﴾ بصيغة المضارع وقال في الزمر: ﴿إن أرادني الله﴾ (الزمر: ٣٨)
بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك باسم الله؟ أجيب: بأن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلًا؛ لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله ﴿أأتخذ﴾ وقوله ﴿مالي لا أعبد﴾ والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله ﴿أفرأيتم﴾ (الزمر: ٣٨)
تنبيه: إن يردن شرط جوابه لا تغن عني إلخ والجملة الشرطية في محل النصب صفة
[ ٣ / ٣٤٥ ]
لآلهة.
فائدة: أثبت ورش الياء بعد النون في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفًا ووصلًا.
﴿إني إذًا﴾ أي: إن عبدت غير الله تعالى ﴿لفي ضلال مبين﴾ أي: خطأ ظاهر، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء، وسكنها الباقون وهم على مذاهبهم في المد.
ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه عله صرح بما لوح إليه من إيمانه بقوله:
﴿إني آمنت﴾ أي: أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره، وفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو، وسكنها الباقون، واختلف في المخاطب بقوله ﴿بربكم﴾ على أوجه أحدها: أنه خاطب المرسلين قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين قال ﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ أي: اسمعوا قولي واشهدوا لي، وثانيها: هم الكفار لما نصحهم وما نفعهم قال ﴿آمنت بربكم فاسمعون﴾ وثالثها: بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كقول الواعظ: يا مسكين ما أكثر أملك يريد: كل سامع يسمعه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم، وقال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي حتى قطعوه وقتلوه وقال الحسن: خرقوا خرقًا في حلقه فعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية مشهور رضي الله تعالى عنه.
تنبيه: في قوله ﴿فاسمعون﴾ فوائد: منها: أنه كلام متفكر حيث قال: اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر، ومنها: أن ينبه القوم ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرته لآمنا معك، فإن قيل: إنه قال من قبل ﴿ومالي لا أعبد الذي فطرني﴾ وقال ههنا: ﴿آمنت بربكم﴾ ولم يقل: آمنت بربي؟ أجيب: بأنا إن قلنا: الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر؛ لأنه لما قال ﴿آمنت بربكم﴾ ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال ﴿بربكم﴾ وإن قلنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان التوحيد؛ لأنه لما قال ﴿أعبد الذي فطرني﴾ ثم قال ﴿آمنت بربكم﴾ فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمنت بربي فيقول الكافر: وأنا أيضًا آمنت بربي.
فائدة: أخبر النبي ﷺ «أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث نادى قومه بالإسلام ونادى على علية بالأذان فرموه بالسهام فقتلوه» .
ثم إنه ﷾ بين حال هذا الذي قال ﴿آمنت بربكم﴾ بعد ذلك بقوله تعالى: إيجازًا في البيات لأهل الإيمان:
﴿قيل﴾ أي: قيل له بعد قتلهم إياه، فبناه للمفعول؛ لأن المقصود المقول لا قائله والمقول له معلوم ﴿ادخل الجنة﴾ لأنه شهيد والشهداء يسرحون في الجنة حيث شاؤوا من حين الموت، وقيل: لما هموا بقتله رفعه الله تعالى إلى الجنة، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف وهو المسمى بالإشمام، والباقون بالكسر.
ولما أفضى به إلى الجنة ﴿قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي﴾ أي: بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة يسيرة بعد طول عمري في الكفر ﴿وجعلني من المكرمين﴾ أي: الذين أعطاهم الدرجات العلا فنصح لقومه حيًا وميتًا بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله.
تنبيه: في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار والحلم عن أهل الجهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة
[ ٣ / ٣٤٦ ]
الله وإن كان محسنًا، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله تعالى عنهم في المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب، وفي قول من استشهد منهم في بئر معونة كما رواه البخاري في المغازي عن أنس: «بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» وفي غزوة أُحد.
كما في السيرة وغيرها: لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله ﵎: فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ (آل عمران: ١٦٩)، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من حتم بموته على الكفر ولم ينقص ما قضى له من الأجل، فالله سبحانه يؤيد هذا الدين بغيرهم لتظهر قدرته وحكمته:
﴿وما أنزلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿على قومه﴾ أي: حبيب ﴿من بعده﴾ أي: من بعد إهلاكه أو رفعه ﴿من جند من السماء﴾ لإهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك، وفيه استحقار بإهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول ﷺ وإلا لكان تحريك ريشة من جناح ملك كافيًا في استئصالهم، فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى ﴿من بعده﴾ وهو تعالى لم ينزل عليهم من قبله؟ أجيب: بأن استحقاق العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الإهلاك بقوله تعالى: ﴿وما كنا منزلين﴾ أي: ما كان ذلك من سنتنا وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿كانت﴾ أي: الواقعة التي عذبوا بها ﴿إلا صيحة﴾ صاحها بهم جبريل ﵇ فماتوا عن آخرهم وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله تعالى: ﴿واحدة﴾ أي: لحقارة أمرهم عندنا ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله تعالى: ﴿فإذا هم خامدون﴾ أي: ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت بهم حركة يومًا من الدهر شبهوا بالنار رمزًا إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد:
*وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يصير رمادًا بعد إذ هو ساطع*
وقال المعري:
*وكالنار الحياة فمن رماد أواخرها وأولها دخان*
قال المفسرون: أخذ جبريل ﵇ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة فماتوا ﴿يا حسرة على العباد﴾ أي: هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا وهي شدة التألم ونداؤها مجاز أي: هذا أوانك فاحضري، ثم بين تعالى سبب الحسرة والندامة بقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من رسول﴾ أي رسول كان في أي وقت كان ﴿إلا كانوا به﴾ أي: بذلك الرسول ﴿يستهزؤن﴾ والمستهزئ بالناصحين المخلصين أحق أن يتحسر ويتحسر عليه، وقيل: يقول الله تعالى يوم القيامة ﴿يا حسرة على العباد﴾ حين لم يؤمنوا بالرسل.
ولما بين تعالى حال الأولين قال للحاضرين:
﴿ألم يروا﴾ أي: أهل مكة القائلين للنبي ﷺ لست مرسلًا، والاستفهام للتقرير أي: اعلموا وقوله تعالى ﴿كم﴾ خبرية بمعنى كثيرًا وهو مفعول لأهلكنا تقديره: كثيرًا من القرون أهلكنا وهي معمولة لما بعدها معلقة ليروا عن العمل ذهابًا بالخبرية مذهب الاستفهامية والمعنى: أما
[ ٣ / ٣٤٧ ]
﴿أهلكنا قبلهم﴾ كثيرًا ﴿من القرون﴾ أي: الأمم، قال البغوي: والقرن أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود ﴿أنهم﴾ أي: المهلكين ﴿إليهم﴾ أي: إلى أهل مكة ﴿لا يرجعون﴾ أي: لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون، وقيل: لا يرجعون أي: الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة أي: أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم، قال ابن عادل: والأول أشهر نقلًا. والثاني: أظهر عقلًا. وقوله تعالى:
﴿وإن﴾ نافية أو مخففة وقوله تعالى ﴿كل﴾ أي: كل الخلائق مبتدأ وقرأ ﴿لما﴾ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم بمعنى إلا، والباقون بالتخفيف واللام فارقة وما مزيدة وقوله تعالى ﴿جميع﴾ أي: مجموعون خبر أول ﴿لدنيا﴾ أي: عندنا في الموقف بعد بعثهم وقوله تعالى ﴿محضرون﴾ أي: للحساب خبر ثان وما أحسن قول القائل:
*ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حيّ*
*ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء*
ولما قال ﴿وإن كل لما جميع﴾ كان ذلك إشارة إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعًا لإنكارهم واستبعادهم فقال تعالى:
﴿وآية﴾ أي: علامة عظيمة ﴿لهم﴾ أي: على قدرتنا على البعث وإيجادنا له ﴿الأرض﴾ أي: هذا الجنس الذي هم منه ثم وصفها بما حقق وجه الشبه بقوله تعالى: ﴿الميتة﴾ التي لا روح لها؛ لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفنى أو لم يكن بها شيء أصلًا، ثم استأنف بيان كونها آية بقوله تعالى: ﴿أحييناها﴾ أي: باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله، فإن قيل: الأرض آية مطلقًا فلم خصها بهم حيث قال تعالى: ﴿وآية لهم﴾؟ أجيب: بأن الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية فلا يذكر له دليل فالنبي ﷺ وعباد الله المخلصين عرفوا الله تعالى قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم.
تنبيه: آية خبر مقدم ولهم صفتها أو متعلقة بآية؛ لأنها علامة والأرض مبتدأ، وأعرب أبو البقاء آية مبتدأ ولهم الخبر والأرض الميتة مبتدأ وصفة وأحييناها خبره فالجملة مفسرة لآية وبهذا بدأ ثم قال: وقيل فذكر الوجه الأول.
ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال ﴿وأخرجنا منها حبًا﴾ أي: جنس الحب كالحنطة والشعير والأرز، ثم بين عموم نفعه بقوله ﴿فمنه﴾ أي: بسبب هذا الإخراج ﴿يأكلون﴾ أي: من ذلك الحب فهو حب حقيقة تعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين لا تقدرون تدعون أن ذلك خيال سحري بوجه من الوجوه، وفي هذه الآية وأمثالها حث عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله تعالى وكماله، وقد أنشد هنا الأستاذ القشيري في تفسيره وعيب على من أهمل ذلك:
*يا من تصدر في دست الإمامة في مسائل الفقه إملاء وتدريسًا*
*غفلت عن حجج التوحيد تحكمها شيدت فرعًا وما مهدت تأسيسًا*
ولما ذكر الزرع وهو مالا ساق له أتبعه بذكر ما له ساق بقوله:
﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة
[ ٣ / ٣٤٨ ]
﴿فيها﴾ أي: الأرض ﴿جنات﴾ أي: بساتين ﴿من نخيل وأعناب﴾ ذكر هذين النوعين لكثرة نفعهما وقدم النخل؛ لأنه نفع كله خشبه وسعفه وليفه وخوصه وعراجينه وثمره طلعًا وبسرًا ورطبًا وتمرًا وفيه زينة دائمًا لكونه لا يسقط ورقه.
ولما كانت الجنان لا تصلح إلا بالماء قال تعالى ﴿وفجرنا﴾ أي: فتحنا سيحًا عظيمًا ﴿فيها﴾ أي: الأرض ﴿من العيون﴾ شيئًا فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو العيون، ومن مزيدة عند الأخفش، قال البقاعي: والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء فكل موضع منها صالح لأن يتفجر منه الماء ولكن الله تعالى يمنعه من بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس فيها شيء غالب على الأرض، ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض ليكون موضعًا للسكن ولو شاء لفجر الأرض كلها عيونًا كما فعل بقوم نوح فأغرق أهل الأرض كلهم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين، والباقون بالكسر.
ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء أشار إلى ذلك بقوله تعالى:
﴿ليأكلوا من ثمره﴾ أي: ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل: الضمير يعود على الأعناب؛ لأنها أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى لتقديم شيئين وهما الأعناب والنخيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل: الضمير لله على طريق الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم وهي لغة فيه أو جمع ثمار، والباقون بفتحهما.
وقوله تعالى: ﴿وما عملته أيديهم﴾ عطف على الثمر والمراد: ما يتخذ منه كالعصير والدبس مما موصولة ومن الذي عملته أيديهم ويؤيد هذا قراءة حمزة والكسائي وشعبة بحذف الهاء من عملته، وما نافية على قراءة الباقين بإثباتها أي: وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها، وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد مخلوق مثل دجلة والفرات والنيل.
ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله تعالى: ﴿أفلا يشكرون﴾ أي: اشكروا فهو أمر بصيغة الاستفهام أي: ادأبوا دائمًا في إيقاع الشكر والدوام على تجديده في كل حين بسبب هذه النعم.
ولما أمرهم الله تعالى بالشكر وشكر الله تعالى بالعبادة وهم تركوها وعبدوا غيره وأشركوا قال تعالى:
﴿سبحان الذي خلق الأزواج﴾ أي: الأصناف والأنواع ﴿كلها﴾ أي: وغيره لم يخلق شيئًا ثم بين ذلك بقوله تعالى: ﴿مما تنبت الأرض﴾ دخل فيه كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها ﴿ومن أنفسهم﴾ من الذكور والإناث وقوله تعالى ﴿ومما لا يعلمون﴾ يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين من المخلوقات العجيبة الغريبة.
ولما استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي بقوله تعالى:
﴿وآية لهم الليل﴾ أي: على إعادة الشيء بعد فنائه ﴿نسلخ﴾ أي: نفصل ﴿منه النهار﴾ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكان لا يستغني عنه الجواهر، والزمان لا يستغني عنه الأعراض؛ لأن كل عرض فهو في زمان.
تنبيه: نسلخ استعارة تبعية مصرحة، شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر ﴿فإذا هم﴾ أي: بعد إزالة ما للنهار الذي سلخناه من الليل ﴿مظلمون﴾ أي: داخلون في الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساترًا له كما يستر الجلد الشاة، قال الماوردي:
[ ٣ / ٣٤٩ ]
وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم نقله ابن الجوزي عنه، وقد أرشد السياق حتمًا إلى أن التقدير: والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالبًا عليه فإذا هم مبصرون.
ولما ذكر الوقتين ذكر آيتيهما مبتدئًا بآية النهار بقوله تعالى:
﴿والشمس﴾ أي: التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها ﴿تجري لمستقر لها﴾ أي: لحد معين ينتهي إليه دورها لا تتجاوزه فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، وقيل: مستقرها بانتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة، وقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها لا تتجاوزه، وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «مستقرها تحت العرش» وروي أنه ﷺ قال لأبي ذر حين غربت الشمس: «تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾» .
ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على ممر السنين وتعاقب الأحقاب عظمه بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الأمر الباهر للعقول وزاد في عظمه بصيغة التفعيل بقوله تعالى: ﴿تقدير العزيز﴾ أي: الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة وهو غالب على كل شيء ﴿العليم﴾ أي: المحيط علمًا بكل شيء الذي يدبر الأمر فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يومًا نوع خلل، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى المستقر أي: ذلك المستقر تقدير العزيز العليم.
ولما ذكر آية النهار أتبعها آية الليل بقوله تعالى:
﴿والقمر قدرناه﴾ أي: من حيث سيره ﴿منازل﴾ ثمانية وعشرين منزلًا في ثمانية وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يومًا وليلة إن كان الشهر تسعة وعشرين يومًا، وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس ﵇، فإذا صار القمر في آخر منازله دق فذلك قوله تعالى ﴿حتى عاد﴾ أي: بعد أن كان بدرًا عظيمًا ﴿كالعرجون﴾ من النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة رقيقًا منحنيًا ثم وصفه بقوله تعالى: ﴿القديم﴾ فإنه إذا عتق يبس وتقوس واصفر فيشبه القمر في رقته وصفرته في رأي العين في آخر المنازل، قال القشيري: إن القمر يبعد عن الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدرًا ثم يدنو، فكلما ازداد من الشمس دنوًا ازداد في نفسه نقصانًا إلى أن يتلاشى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والقمر برفع الراء، والباقون بالنصب والرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال، والوجهان مستويان لتقدم جملة ذات وجهين وهي قوله تعالى: ﴿والشمس تجري﴾ فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عجزها نصبت لتعطف فعلية على مثلها.
ولما قرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها فلا يغلب ما هو آيته آية الآخر بل إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان ذاك وإذا جاء ذاك ذهب هذا قال تعالى:
﴿لا الشمس﴾ التي هي آية النهار ﴿ينبغي﴾ أي: يسهل ﴿لها﴾ أي: ما دام هذا الكون موجودًا على هذا الترتيب ﴿أن تدرك القمر﴾ أي: تجتمع معه في الليل فما النهار سابق الليل ﴿ولا
[ ٣ / ٣٥٠ ]
الليل سابق النهار﴾ أي: فلا يأتي أحدهما قبل انقضاء الآخر، فالآية من الاحتباك؛ لأنه نفى أولًا إدراك الشمس لقوتها القمر ففيه دليل على ما حذف من الثاني من نفي إدراك الشمس للقمر أي: فيغلبها وإن كان يوجد في النهار لكن من غير سلطنة فيه، بخلاف الشمس فإنها لا تكون في الليل أصلًا ونفى ثانيًا سبق الليل النهار وفيه دليل على حذف سبق النهار الليل أولًا كما قدرته. ﴿وكل﴾ أي: من الشمس والقمر ﴿في فلك﴾ محيط به وهو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة؛ لأن أهل اللغة على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها، وفلكة الخيمة هي: الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة.
فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرة وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي ويدل عليه قوله تعالى ﴿والسقف المرفوع﴾، (الطور: ٥)
أجاب الرازي: بأنه ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه والسقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفًا وكذلك على جبال.
ومن الأدلة الحسية أن السماء لو كانت مستوية لكان ارتفاع أول النهار ووسطه وآخره مستويًا، وليس كذلك وذكر غير ذلك من الأدلة وفي هذا كفاية، ولما ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل جمعها جمعهم بقوله تعالى: ﴿يسبحون﴾ وقال المنجمون: قوله تعالى ﴿يسبحون﴾ يدل على أنها أحياء؛ لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال الرازي: إن أرادوا القدر الذي يكون منه التسبيح فنقول به؛ لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئًا آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام ﴿ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون﴾ (الصافات: ٩١ - ٩٢)
ولما ذكر ﷾ ما حد له حدودًا في السباحة في وجه الفلك ذكر ما هيأ به من الفلك للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى:
﴿وآية لهم﴾ أي: على قدرتنا التامة ﴿أنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي: آباءهم الأصول، قال البغوي: واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى ﴿في الفلك﴾ للتعريف أي: فلك نوح ﵊ وهو مذكور في قوله تعالى ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ (هود: ٣٧)
وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى: ﴿المشحون﴾ أي: الموقر المملوء حيوانًا وناسًا وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا يرى أيضًا ومع ذلك فسلمها الله تعالى، وأيضًا الآدمي يرسب في الماء ويغرق فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول: الخفيف لا يرسب؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال ﴿الفلك المشحون﴾ أثقل من الثقال التي ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله.
وقال أكثر المفسرين: إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد: إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح ﵊ وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ (الزخرف: ١٢)
وقوله تعالى ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ (فاطر: ١٢)
وقوله تعالى ﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾ (العنكبوت: ٦٥)
إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس، فإن كان المراد: سفينة نوح ﵇
[ ٣ / ٣٥١ ]
ففيه وجوه.
الأول: أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي: لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل: ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر؛ لأن الموجودين كانوا كفارًا لا فائدة في وجودهم فقال تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي: لم يكن الحمل حملًا لهم وإنما كان حملًا لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقًا لا قيمة له وفيه جواهر قيل: إنه لم يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه.
ثانيها: أن المراد بالذرية الجنس أي: حملنا أجناسهم؛ لأن ذلك الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي ﷺ عن قتل الذراري أي: النساء لأن المرأة، وإن كانت صنفًا غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذرارينا أي: أمثالنا.
ثالثها: أن الضمير في قوله تعالى ﴿وآية لهم الليل﴾ للعباد وكذا ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم﴾ وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال: وآية للعبادة أنا حملنا ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصًا معينين كقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (النساء: ٢٩)
﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ و(الأنعام: ٦٥)
لذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم: هم قتلوا أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائدًا إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصًا معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى ﴿وآية لهم﴾ أي: آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا المراد: جنس الفلك قال ابن عادل: وهو الأظهر؛ لأن سفينة نوح ﵇ لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد.
وقوله تعالى في سفينة نوح ﵇ ﴿وجعلناها آية للعالمين﴾ (العنكبوت: ١٥)
أي: بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى ﴿ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (لقمان: ٣١)، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ ﴿وآية لهم الليل﴾ ولم يقل: وآية لهم الفلك؟ أجيب: بأن حملهم في الفلك هو العجب أما نفس الفلك فليس بعجيب؛ لأنه كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل فعجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله.
فإن قيل: قال تعالى ﴿وحملناكم في البر والبحر﴾ (الإسراء: ٧٠)
ولم يقل: ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة. أجيب: بأنه تعالى لما قال ﴿في البر والبحر﴾ عم الخلق جميعًا؛ لأن ما من أحد إلا وحمل في البر والبحر، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية على الجمع، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد واختلف في تفسير قوله تعالى:
﴿وخلقنا لهم من مثله﴾ أي: من مثل الفلك ﴿ما يركبون﴾ فقال ابن عباس: يعني الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل: أراد به السفن التي عملت بعد سفينة نوح ﵇ على هيأتها، وقال قتادة والضحاك وغيرهما: أراد به السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار.
﴿وإن نشأ﴾ أي: لأجل ما لنا من القوة الشاملة والدرة التامة ﴿نغرقهم﴾ أي: مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس
[ ٣ / ٣٥٢ ]
كالماء الذي حملنا آباءهم ﴿فلا صريخ لهم﴾ أي: مغيث لهم لينجيهم مما نريد بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم: أتاهم الصريخ ﴿ولا هم﴾ أي: بأنفسهم من غير صريخ ﴿ينقذون﴾ أي: يكون لهم إنقاذ أي: خلاص لأنفسهم أو غيرها.
﴿إلا رحمة﴾ أي: فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة ﴿منا﴾ أي: لهم لا وجوبًا علينا ولا لمنفعة تعود منهم إلينا ﴿ومتاعًا﴾ أي: وتمتيعنا إياهم بلذاتهم ﴿إلى حين﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم.
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿اتقوا ما بين أيديكم﴾ أي: من عذاب الدنيا كغيركم ﴿وما خلفكم﴾ من عذاب الآخرة ﴿لعلكم ترحمون﴾ تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام، وقال ابن عباس ﵄ ما بين أيديكم يعني: الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني: الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، وقال قتادة ومقاتل: ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة.
تنبيهان: أحدهما: ﴿إلا رحمة﴾ منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ وقيل: مستثنى منقطع وقيل: على المصدر بفعل مقدر وقيل: على إسقاط الخافض أي: إلا برحمة والفاء في قوله تعالى ﴿فلا صريخ لهم﴾ رابطة لهذه الجملة بما قبلها، فالضمير في لهم عائد على المغرقين.
ثانيهما: جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾ وعلى هذا فلفظ كانوا زائد.
﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾ أي: المحسن إليهم ﴿إلا كانوا﴾ أي: مع كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه ﴿عنها معرضين﴾ أي: دائمًا إعراضهم.
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿أنفقوا﴾ أي: على من لا شيء له شكرًا لله على ما أعطاكم قال ﷺ «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء» .
وبين تعالى أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه بقوله تعالى: ﴿مما رزقكم الله﴾ أي: مما أعطاكم الله الذي له جميع صفات الكمال ﴿قال الذين كفروا﴾ أي: ستروا وغطوا ما دلهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات ﴿للذين آمنوا﴾ أي: استهزاء بهم ﴿أنطعم من لو يشاء الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة كما زعمتم في كل وقت يريده ﴿أطعمه﴾ وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله ﷾، وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأموالهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ لكنا ننظره لا يشاء ذلك، فإنه لم يطعمهم مما ترى من فقرهم فنحن أيضًا لا نشاء ذلك موافقة لمراد الله تعالى فيه فتركوا لتأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض إرادة الله المنهي عن الجري معها والاستسلام لها، وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله تعالى وهذا الذي يزعمونه باطل؛ لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا عن الفقير لا بخلًا وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلوا الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني، فلا اعتراض لأحد في مشيئة الله وحكمه في خلقه وما كفاهم حتى قالوا لمن أرشدهم إلى الخير ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أنتم إلا في ضلال﴾ أي: محيط بكم ﴿مبين﴾ أي: في غاية الظهور وما دروا أن الضلال إنما هو لهم.
فإن قيل: قولهم ﴿من لو يشاء الله أطعمه﴾ كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذم؟ أجيب: بأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله تعالى أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق
[ ٣ / ٣٥٣ ]
مع قدرة الله تعالى وكلاهما فاسد فبين ذلك تعالى بقوله سبحانه ﴿مما رزقكم الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء؛ لأن من كان له مع الغير مال وله في خزانته مال مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من في يده مال في خزانتك أكثر مما في يدي أعطه منه.
فإن قيل: ما الحكمة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على من لو يشاء الله رزقه؛ لأنهم أمروا بالإنفاق فكان جوابهم أن يقولوا: أننفق فلم قالوا: أنطعم؟ أجيب: بأن هذا بيان غاية مخالفتهم؛ لأنهم إنما أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فلم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وهذا كقول القائل لغيره: أعط زيدًا دينارًا فيقول: لا أعطيه درهمًا مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه دينارًا ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك هنا.
تنبيه: إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضلال مبين لظنّهم أن كلام المؤمنين متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال، قال الرازي: ووجه ذلك أنهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ وهذا إشارة إلى أن الله تعالى إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمرًا بتحصيل الحاصل، وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام، فكيف تأمروننا به؟ ووجه آخر: وهو أنهم قالوا: إن أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعيًا في إبطال فعل الله تعالى وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال، واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر، وذلك لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي الإطلاع على المقصود الذي لأجله أمر به، مثاله: إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال للعبد: أحضر المركوب فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لتسبب إلى أن يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه وكشف سره فالأدب في الطاعة: هو امتثال الأمر لا تتبع المراد، فالله سبحانه إذا قال ﴿أنفقوا مما رزقكم الله﴾ لا يجوز أن يقال لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه؟ وقد تقدم ماله بهذا تعلق.
﴿ويقولون﴾ أي: عادة مستمرة مضمومة إلى ما تقدم ﴿متى هذا﴾ وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعدًا فقالوا ﴿الوعد﴾ أي: البعث الذي تهددوننا به تارة تلويحًا وتارة تصريحًا عجلوه لنا ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيه قال الله تعالى:
﴿ما ينظرون﴾ أي: ينتظرون ﴿إلا صيحة﴾ وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله ﷿ ﴿واحدة﴾ وهي نفخة إسرافيل ﵇ الأولى المميتة ﴿تأخذهم﴾ وقوله تعالى ﴿وهم يخصمون﴾ قرأه حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم والمعنى: يخصم بعضهم بعضًا فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالون بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد، ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنهم باختلاس فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل في القراءات الثلاث يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنافع وابن كثير وهشام نقلوا فتحها إلى الساكن قبلها نقلًا كاملًا، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنبيهًا على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان لذلك فكسروا أولهما فهذه أربع قراءات.
ولما كانت هذه
[ ٣ / ٣٥٤ ]
هي النفخة المميتة تسبب عنها قوله تعالى:
﴿فلا يستطيعون توصية﴾ أي: يوجدون الوصية في شيء من الأشياء ﴿ولا إلى أهلهم﴾ أي: فضلًا عن غيرهم ﴿يرجعون﴾ أي: فيروا حالهم بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجؤه الصيحة وربما أفهم التعبير بإلى أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها، وفي الحديث: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها» . ولما دل ذلك على الموت قطعًا عقبه بالبعث بقوله تعالى:
﴿ونفخ في الصور﴾ أي: القرن النفخة الثانية للبعث وبين النفختين أربعون سنة. ولما كان هذا النفخ سببًا لقيامهم عنده من غير تخلف عبر تعالى بما يدل على التعقب والتسبب والفجأة بقوله تعالى: ﴿فإذا هم﴾ أي: حين النفخ ﴿من الأجداث﴾ أي: القبور واحدها جدث المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ، فإن قيل: كيف يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال؟ أجيب: بأن الله تعالى يجمع أجزاء كل ميت في الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه ﴿إلى ربهم﴾ أي: إلى الموقف الذي أعده لهم من أحسن إليهم بالتربية ﴿ينسلون﴾ أي: يسرعون المشي مع تقارب الخطا بقوة ونشاط فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى.u
فإن قيل: المسيئ إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلًا ويؤخر أخرى والنسلان سرعة المشي فكيف يوجد منهم؟ أجيب: بأنهم ينسلون من غير اختيارهم، فإن قيل: قال في آية أخرى ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ (الزمر: ٦٨)
وقال ههنا ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾ والقيام غير النسلان وقوله تعالى في الموضعين ﴿إذا هم﴾ يقتضي أن يكونا معًا؟ أجيب: بأن القيام لا ينافي المشي السريع؛ لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وبأن ذلك لسرعة الأمور كان الكل في زمان واحد كقول القائل:
* مكر مفر مقبل مدبر معًا*
واعلم أن النفختين يورثان تزلزلًا وانقلابًا للأجرام فعند اجتماع الأجرام يفرقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو المراد النفخة الثانية.
ولما تشوقت النفوس إلى ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون استأنف قوله تعالى:
﴿قالوا﴾ أي: الذين هم من أهل الويل ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ويلنا﴾ أي: هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ قال أبي بن كعب وابن عباس وقتادة: إنما يقولون هذا؛ لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل.
وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها دعوا بالويل وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم فعدوا مكانهم الذي كانوا فيه مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ مرقدًا هينًا بالنسبة إلى ما انكشف لهم من العذاب الأكبر فقالوا: من بعثنا من مرقدنا، فإن قيل: ما وجه تعلق من بعثنا من مرقدنا بقولهم يا ويلنا؟ أجيب: بأنهم لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل عليهم الصلاة والسلام فقالوا: يا ويلنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نيامًا فنبهنا؟ كما إذا كان الإنسان موعودًا بأن يأتيه عدو لا يطيقه، ثم يرى رجلًا هائلًا يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول: أهذا ذاك أم لا؟ ويدل على هذا قولهم ﴿من مرقدنا﴾ حيث جعلوا القبور
[ ٣ / ٣٥٥ ]
موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيامًا فتنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا، وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من مرقدنا إشارة إلى متوهمهم احتمال الانتباه.
وقولهم ﴿هذا﴾ إشارة إلى البعث ﴿ما﴾ أي: الذي ﴿وعد﴾ أي: به ﴿الرحمن﴾ أي: العام الرحمة الذي رحمته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ويجازي كلًا بعمله من غير حيف وقد رحمنا بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إلينا بذلك وطالما أنذرونا حلوله وحذرونا صعوبته وطوله ﴿وصدق﴾ أي: في أمره ﴿المرسلون﴾ أي: الذين أتونا بوعد الله تعالى ووعيده.
تنبيه: في إعراب هذا وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقف تامًا على قوله تعالى ﴿من مرقدنا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى أو من قول الملائكة أو من قول المؤمنين، الثاني: أنها من كلام الكفار فتكون في محل نصب بالقول الثاني من الوجهين الأولين هذا صفة لمرقدنا وما وعد منقطع عما قبله، ثم في (ما) وجهان أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي: الذي وعده الرحمن وصدق المرسلون فيه حق عليكم وإليه ذهب الزجَّاج والزمخشري، والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: في هذا الذي وعد الرحمن.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿كانت﴾ أي: النفخة التي وقع الإحياء بها ﴿إلا صيحة واحدة﴾ أي: كما كانت صيحة الإماتة واحدة ﴿فإذا هم﴾ أي: فجأة من غير توقف أصلًا ﴿جميع﴾ أي: على حالة الاجتماع لم يتأخر منهم أحد ﴿لدينا﴾ أي: عندنا ﴿محضرون﴾ ثم بين تعالى ما يكون في ذلك اليوم بقوله تعالى:
﴿فاليوم لا تظلم نفس﴾ أي: أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة ﴿شيئًا﴾ أي: لا يقع لها ظلم ما من أحد ما في شيء ما ﴿ولا تجزون﴾ أي: على عمل من الأعمال شيئًا من الجزاء من أحد ﴿إلا ما كنتم تعملون﴾ ديدنًا لكم بما ركز في جبلاتكم ثم بين تعالى حال المحسن بقوله تعالى:
﴿إن أصحاب الجنة﴾ أي: الذين لا حظ للنار فيهم ﴿اليوم﴾ أي: يوم البعث وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم ودخول بعضهم إليها ووقوف الباقين للشفاعات ونحوها من الكرامات عند دخول أهل النار النار، وعبر بما يدل على أنهم بكلياتهم مقبلون عليه ومطرقون له مع توجههم إليه بقوله ﴿في شغل﴾ أي: عظيم جدًا لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في الطاعات.
وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم العين، والباقون بالإسكان ثم بين ذلك الشغل بقوله ﴿فاكهون﴾ أي: متلذذون في النعمة، واختلف في هذا الشغل فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في افتضاض الإبكار، وقال وكيع بن الجراح ﵄: في السماع، وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم، وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضًا، وقيل: في ضيافة الله تعالى فاكهون، وقيل: في شغل عن هول اليوم يأخذون ما آتاهم الله تعالى من الثواب فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب.
وقوله تعالى ﴿فاكهون﴾ متمم لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شغل جاز أن يقال: هم في شغل أعظم من التفكر في اليوم وأهواله فإن من تصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخسران وقع في ماله يقول: أنا مشغول عن هذا بأهم منه فقال: فاكهون أي: شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور، وقال ابن عباس ﵄: فاكهون:
[ ٣ / ٣٥٦ ]
فرحون.
ولما كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال تعالى:
﴿هم﴾ أي: بظواهرهم وبواطنهم ﴿وأزواجهم﴾ أي: أشكالهم الذين لهم في غاية الملاءمة كما كانوا يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون ويصفون أقدامهم في خدمتنا وهم يبكون من خشيتنا، وفي هذا إشارة إلى عدم الوحشة ﴿في ظلال﴾ أي: يجدون فيها برد الأكباد وغاية المراد فلا تصيبهم الشمس كما كانوا يشوون أكبادهم في دار العمل بحر الصيام والصبر في مرضاتنا على الآلام ويعرون أيديهم وقلوبهم من الأموال ببذل الصدقات في سبيلنا على ممر الليالي وكر الأيام.
تنبيه: ظلال جمع ظل كشعاب أو ظله كقباب ويؤيده قراءة حمزة والكسائي بضم الظاء ولا ألف بين اللامين وهم مبتدأ وخبره في ظلال كما قاله أبو البقاء.
ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من زيادة العلم الموجب لارتياح النفس وبهجة العين بانفساح البصر عند مد النظر قال تعالى ﴿على الأرائك﴾ أي: السرر المزينة العالية التي هي داخل الحجال قال ثعلب لا تكون أريكة حتى تكون عليها حجلة وقال ابن جرير الأرائك الحجال فيها السرر وروى أبو عبيدة في (الفضائل) عن الحسن قال: كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا رجل من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة فيها السرير وهذا جزاء لما كانوا يلزمون المساجد ويغضون أبصارهم ويضعون نفوسهم لأجلنا ﴿متكئون﴾ كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين بين أيدينا في أغلب الأحوال، والاتكاء الميل على شق مع الاعتماد على ما يريح الاعتماد عليه أو الجلوس مع التمكن على هيئة المتربع وفي هذا إشارة إلى الفراغ وقوله تعالى:
﴿لهم﴾ أي: خاصة بهم ﴿فيها فاكهة﴾ أي: لا تنقطع أبدًا ولا مانع لهم من تناولها ولا يتوقف ذلك على غير الإرادة إشارة إلى أن لا جوع هناك؛ لأن التفكه لا يكون لدفع الجوع ﴿ولهم ما يدعون﴾ أي: يتمنون.
تنبيه: في ما هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية نكرة موصوفه، والعائد على هذين محذوف مصدرية، ويدعون مضارع ادعى افتعل من دعا يدعو أشرب معنى التمني، وقال الزجاج: هو من الدعاء أي: ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من دعوت غلامي فيكون الافتعال بمعنى: الفعل كالاحتمال بمعنى: الحمل والارتحال بمعنى: الرحل، وقيل: افتعل بمعنى: تفاعل أي: ما يتداعونه كقولهم: ارتموا وتراموا بمعنى واحد، ثم فسر الذي يدعونه أي: يطلبونه بغاية الاشتياق إليه واستأنف الإخبار عنه بقوله تعالى:
﴿سلام﴾ أي: عظيم جدًا عليكم يا أهل الجنة والسلام يجمع جميع النعم ثم بين هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله ﴿قولًا من رب﴾ أي: دائم الإحسان ﴿رحيم﴾ أي: عظيم الإكرام بما ترضاه الإلهية كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا فيرحمهم في حال السلام وسماع الكلام بلذّة الرؤية مع التقوية على الدهش والضعف لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه.
روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته
[ ٣ / ٣٥٧ ]
عليهم في ديارهم»، وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم لقوله تعالى ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ (الرعد: ٢٣ - ٢٤)
أي: يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وقيل: يعطيهم السلامة الأبدية.
ولما ذكر ما للمؤمنين من النعيم ذكر ما للكافرين من الجحيم بقوله تعالى:
﴿وامتازوا﴾ أي: ويقال للمجرمين امتازوا أي: انفردوا ﴿اليوم أيها المجرمون﴾ عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم قال الضحاك: لكل كافر في النار بيت يدخل ذلك البيت فيردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى، وقيل: إن قوله تعالى ﴿وامتازوا﴾ أمر تكوين فحين يقول ﴿امتازوا اليوم﴾ فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم وفي وجوههم سواد كما قال تعالى ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ (الرحمن: ٤١)
ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال تعالى موبخًا لهم:
﴿ألم أعهد إليكم﴾ أي: أوصيكم إيصاء عظيمًا بما نصبت من الأدلة ومنحت من العقول وبعثت من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت من الكتب في بيان الطريق الموصل إلى النجاة.
ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتبكيتهم وكانت هذه السورة قلبًا وكان القلب أشرف الأعضاء وكان الإنسان أشرف الموجودات خصه بالخطاب بقوله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ أي: على لسان رسلي عليهم الصلاة والسلام، واختلف في معنى: هذا العهد على وجوه أقواها: ألم أوص إليكم كما مر، وقيل: آمركم، وقيل: غير ذلك، واختلفوا في هذا العهد أيضًا على أوجه:
أظهرها: أنه مع كل قوم على لسان رسلهم كما مر، وقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله تعالى ﴿ولقد عهدنا إلى آدم﴾ (طه: ١١٥)
وقيل: هو الذي كان مع ذريته ﵇ حين أخرجهم وقال ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ (الأعراف: ١٧٢)
﴿أن لا تعبدوا الشيطان﴾ أي: البعيد المحترق بطاعتكم فيما يوسوس به إليكم والطاعة قد تطلق على العبادة.
ثم علل النهي عن عبادته بقوله تعالى: ﴿إنه لكم﴾ والتأكيد؛ لأن أفعالهم أفعال من يعتقد صداقته ﴿عدو مبين﴾ أي: ظاهر العداوة جدًا من جهة عداوته لأبيكم التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشرف منها ومن جهة أمركم بما ينغص الدنيا من التخالف والخصام، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه فكيف إذا كان أكثره أكدارًا وأدناسًا؟ فكيف إذا كان شاغلًا عن الباقي؟ فكيف إذا كان عائقًا عن المولى؟ فكيف إذا كان مغضبًا له حاجبًا عنه؟ فإن قيل: إذا كان الشيطان عدوًا للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزنا، والشرب، ونحو ذلك، ويكره ما يسخطه من المجاهدة، والعبادة ونحو ذلك؟ أجيب: بأنه يستعين عليه بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله تعالى، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سببًا لفساد حاله، ويدعوه بها إلى مسالك المهالك، وكذا يستعين بغضبه الذي خلقه الله تعالى فيه لدفع المفاسد ويجعله سببًا لوباله وفساد أحواله، وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى المضار، وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد في مرضه ومن معدته فاسدة لا تهضم القليل من الغداء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه.
ولما منع من عبادة الشيطان
[ ٣ / ٣٥٨ ]
أمر بعبادة الرحمن بقوله عاطفًا على أن لا:
﴿وأن اعبدوني﴾ أي: وحدوني وأطيعوني ﴿هذا﴾ أي: الأمر بعبادتي ﴿صراط﴾ أي: طريق ﴿مستقيم﴾ أي: بليغ الاستقامة وعبادة الشيطان طريق ضيق معوج غاية الضيق والعوج، وقرأ قنبل بالسين وخلف بالإشمام أي: بين الصاد والزاي والباقون بالصاد.
ثم ذكر ما ينبه لعداوة الشيطان بقوله تعالى:
﴿ولقد أضل منكم﴾ أي: عن الطريق الواضح السوي بما سلطه به من الوسوسة ﴿جبلًا﴾ أي: أمماًاكبارًا عظامًا ما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد، ومع ذلك كان يلعب بهم كما تلعب الصبيان بالكرة، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيدًا وأحقر أمرًا، وقرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء الموحدة وتشديد اللام مع التنوين، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضم الجيم وسكون الموحدة، والباقون بضم الجيم والموحدة وكلها لغات ومعناها: الخلق والجماعة أي: خلقًا ﴿كثيرًا﴾ ثم زاد في التوبيخ والإنكار بقوله تعالى: ﴿أفلم تكونوا تعقلون﴾ أي: عداوته وإضلاله، وما حل بهم من العذاب فتؤمنوا ويقال لهم في الآخرة:
﴿هذه جهنم﴾ أي: التي تستقبلكم بالعبوسة، والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين ﴿التي كنتم توعدون﴾ أي: إن لم ترجعوا عن غيّكم.
﴿اصلوها﴾ أي: قاسوا حرها وتوقدها وهول أمر ذلك اليوم فإن ذكره على حد ما مضى بقوله تعالى: ﴿اليوم﴾ ليكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة وشتان ما بين الشغلين ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم تكفرون﴾ أي: تسترون ما هو ظاهر جدًا بعقولكم من آياتي في دار الدنيا.
تنبيه: في هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه أحدها: قوله تعالى ﴿اصلوها﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان: ٤٩)
ثانيها: قوله تعالى ﴿اليوم﴾ يعني: العذاب حاضر ولذاتهم قد مضت وبقي اليوم العذاب. ثالثها: قوله تعالى ﴿بما كنتم تفكرون﴾ فإن الكفر والكفران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام كما قيل:
*أليس بكاف لذي همة حياء المسيئ من المحسن*
ولما كان كأنه قيل هل يحكم في ذلك اليوم بعلمه، أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا في العمل بالبينة؟ نبه على أظهر من قواعد الدنيا بقوله تعالى مهولًا:
﴿اليوم﴾ على النسق الماضي في مظهر العظمة؛ لأنه أليق بالتهويل ﴿نختم﴾ أي: بما لنا من عظيم القدرة ﴿على أفواههم﴾ أي: الكفار لاجترائهم على الكذب كقوله سبحانه ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ (الأنعام: ٢٣)
﴿وتكلمنا أيديهم﴾ أي: بما عملوا إقرارًا هو أعظم شهادة ﴿وتشهد أرجلهم﴾ أي: عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار ﴿بما كانوا﴾ أي: في الدنيا بجبلاتهم ﴿يكسبون﴾ فكل عضو ينطق بما صدر عنه، فالآية من الاحتباك أثبت الكلام للأيدي أولًا: لأنها كانت مباشرة دليلًا على حذفه من حيز الأرجل ثانيًا: وأثبت الشهادة للأرجل ثانيًا؛ لأنها كانت حاضرة دليلًا على حذفها من حيز الأيدي أولًا.
وتقريبه: أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة، وفي كيفية هذا الختم وجهان أقواهما أن الله تعالى يسكت ألسنتهم، وينطلق جوارحهم فتشهد عليهم، وإن ذلك في قدرة الله تعالى يسير، أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق فإن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فجاز تحريك غيره
[ ٣ / ٣٥٩ ]
بمثلها والله سبحانه قادر على كل الممكنات.
والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم، وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس لا يجدون عذرًا فيعتذرون، ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهور الأمر بحيث لا يسمع منه الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن.
والصحيح الأول لما روى أبو هريرة: «أن ناسًا سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: فهل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤيتهما قال: فيلقى العبد فيقول: ألم أكرمك ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تتزايد وتترافع قال: بلى يا رب قال: فظننت أنك ملاقي فيقول: لا يا رب فيقول اليوم أنساك كما نسيتني إلى أن قال: ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ثم قال: فيقال له: أفلا نبعث عليك شاهدنا قال: فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه، فيقال لفخذه: انطقي قال: فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، قال: وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط الله عليه» .
ولما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك قال: قلنا: الله ورسوله أعلم قال: من مخاطبة العبد ربه قال: يقول العبد: يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول: بلى فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني فيقول تعالى ﴿كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا﴾ (الإسراء: ١٤)
وبالكرام الكاتبين شهودًا فيختم على فيه ويقول لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بُعدًا لَكُنَّ أو سحقًا فعنكن كنت أناضل» وقال ﷺ «أول ما يسأل من أحدكم فخذه وكفه» .
تنبيه: ههنا سؤالات: الأول: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال ﴿نختم﴾ وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل، الثاني: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل، الثالث: أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة وإن كان عدلًا، وغير الصديقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم، والأيدي والأرجل صدرت الذنوب عنها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتهم؟
أجيب: عن الأول: بأنه لو قال: نختم على أفواههم وننطِق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبرًا وقهرًا والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال ﴿وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ أي: بالاختيار بعدما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم.
وأجيب عن الثاني: بأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى ﴿وما عملته أيديهم﴾ أي: ما عملوه وقال تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (البقرة: ١٩٥)
أي: ولا تلقوا أنفسكم فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهن.
وأجيب عن الثالث: بأن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكلف ولا ينسب إليها عدالة ولا فسق إنما المنسوب من ذلك إلى
[ ٣ / ٣٦٠ ]
العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقال: ورد أن العين تزني وأن الفرج يزني وأن اليد كذلك؛ لأن معناه أن المكلف يزني بها لا أنها هي تزني، وأيضًا فإنا نقول: في رد شهادتها قبول شهادتها؛ لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لابد أن يكون مذنبًا في الدنيا وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا، وهذا كمن قال لفاسق: إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر فقال الفاسق: كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد؛ لأنه إن صدق في قوله: كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووقع الجزاء، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم فقد وجد الشرط أيضًا بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني: كذبت في نهار ذلك اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه، ثم بين ﷾ أنه قادر على إذهاب الأبصار كما هو قادر على إذهاب البصائر بقوله تعالى:
k
﴿ولو نشاء﴾ وعبر بالمضارع ليتوقع في كل حين فيكون أبلغ في التهديد ﴿لطمسنا على أعينهم﴾ أي: الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى الطمس كقوله تعالى ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ (البقرة: ٢٠)
يقول: إنا أعمينا قلوبهم ولو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة وقوله تعالى ﴿فاستبقوا الصراط﴾ أي: ابتدروا الطريق ذاهبين كعادتهم عطف على لطمسنا ﴿فأنى﴾ أي: فكيف ﴿يبصرون﴾ الطريق حينئذ وقد أعمينا أعينهم أي: لو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميًا يترددون فلا يبصرون الطريق وهذا قول الحسن والسدي، وقال ابن عباس ومقاتل: معناه لو نشاء لطمسنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم.
ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال تعالى:
﴿ولو نشاء﴾ أي: مسخهم ﴿لمسخناهم﴾ أي: حولناهم عن تلك الحالة فجعلناهم حجارة أو جعلناهم قردة وخنازير.
ولما كان المقصود من المفاجأة بهذه المصائب بيان أنه سبحانه لا كلفة عليه في شيء من ذلك قال تعالى ﴿على مكانتهم﴾ أي: المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منهم شاغلًا له بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه، وقرأ شعبة بألف بعد النون على الجمع، والباقون بغير ألف على الإفراد ﴿فما استطاعوا﴾ أي: بأنفسهم بنوع معالجة ﴿مضيا﴾ أي: إلى جهة من الجهات ثم عطف على جملة الشرط قوله تعالى ﴿ولا يرجعون﴾ أي: يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من أنها خيال وسحر قيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع.
﴿ومن نعمره﴾ أي: نطل عمره إطالة كثيرة ﴿ننكسه﴾ قرأه عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح النون الثانية وتشديد الكاف مكسورة من نكسه مبالغة، والباقون بفتح النون الأولى وسكون الثانية وتخفيف الكاف مضمومة من نكسه وهي محتملة للمبالغة وعدمها ومعنى ننكسه: ﴿في الخلق﴾ أي: خلقه نرده إلى أرذل العمر يشبه الصبي في الخلق، وقيل: ننكسه في الخلق أي: ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بعد زيادتها؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنتين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلا تزيد فيه غريزة ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء هذا
[ ٣ / ٣٦١ ]
في البدن، وأما في المعارف فتارة وتارة وهذا أيضًا في غير الأنبياء ﵈، أما هم فلا ينقص شيء من قواهم بل تزداد كما روي أن النبي ﷺ كان يمشي غير مكترث وأن الصحابة ﵃ يجهدون أنفسهم فيكون جهدهم أن لا يدركوا مشيته الهوينا و«أنه ﷺ صارع ركانة» الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقًا من نفسه أنه يصرع من صارعه فلم يملكه النبي ﷺ نفسه وعاد إلى ذلك ثلاث مرات كل ذلك لا يتمسك في يده حتى خرج يقول: إن هذا لعجب يا محمد تصرعني»، وحتى: «أنه دار على نسائه وهن تسع كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد» إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس.
ولم يحك عن نبي من الأنبياء ﵈ ممن عاش منهم ألفًا وممن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة: «أن ملك الموت ﵇ أرسل إلى موسى ﵇ ليقبض روحه فلما جاءه صَكّهُ ففقأ عينه فقال لربه: أرسلتني لعبد لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي: رب ثم ماذا؟ قال: الموت قال: فالآن» وكان موسى وقت قبضه ابن مائة وعشرين سنة ﴿أفلا يعقلون﴾ أي: أن القادر على ذلك عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وقرأ نافع وابن ذكوان بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة.
ولما منح الله تعالى نبينا محمدًا ﷺ غرائز من الفضائل مما عجز عنها الأولون والآخرون، وأتى بقرآن أعجز الأنس والجن، وعلوم وبركات فاقت القوى ليس بشعر خلافًا لما رموه به بغيًا وكذبًا وعدوانًا قال تعالى:
﴿وما علمناه﴾ أي: نحن ﴿الشعر﴾ فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم، ورويِّ مقصود وقافية يلتزمها ويدير المعاني عليها ويحتلب الألفاظ تكلفًا إليها كما كان زهير وغيره في قصائدهم ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ (ص: ٨٦)
لأن ذلك، وإن كنتم أنتم تعدونه فخرًا لا يليق بجنابنا؛ لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافية ملتزمة على أن فيه نقيصة أخرى وهي أعظم ما يوجب النفرة عنه وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني، ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ثم أسكنا فيه ينابيع الحكمة ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة بما ألهمنا إياه، ثم ألقاه إليه جبريل ﵇ مما أمرناه به من جوامع الكلم والحكم فلا تكلف عنده أصلًا: «ما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم» .
ولما كان الشعر مع ما يبنى عليه من التكلف الذي هو بعيد جدًا عن سجايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف شرفهم بما يكسب مدحًا وهجوًا فيكون أكثره كذبًا إلى غير ذلك.
قال تعالى ﴿وما ينبغي له﴾ أي: وما يصح له الشعر ولا يسهل له على ما أختبرتم من طبعه نحوًا من أربعين سنة؛ لأن منصبه أجل وهمته أعلى من أن يكون مداحًا أو عيابًا أو أن يتقيد بما قد يجر نقيصة في المعنى وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له، كما جعلناه أميًا لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض، وما كان يتزن له بيت شعر حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرًا روى الحسن: «أن النبي
[ ٣ / ٣٦٢ ]
ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:
*كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيًا*
فقال أبو بكر ﵁: إنما قال الشاعر:
*كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا
فقال عمر ﵁: أشهد أنك رسول الله يقول الله ﷿ ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ وعن ابن شريح قال: قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر قالت: «كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت: وربما قال:
*ويأتيك بالأخبار من لم تزود*
وفي رواية قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بين قيس طرفة العبدي:
*ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزود*
فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله فقال: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي» وقيل: معناه ما كان متأتيًا له، وأما قوله ﷺ كما رواه مسلم والبخاري: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» وقوله كما رواه الشيخان أيضًا:
* «هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت» *
فاتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك وقد يقع مثله كثيرًا في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرًا، هذا وقد روى أنه حرك الباءين في قوله: أنا النبي لا كذب وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية من قوله هل أنت إلا إصبع إلخ.
وقيل: الضمير للقرآن أي: وما يصح أن يكون القرآن شعرًا، فإن قيل: لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي ﷺ أشياء من جملتها السحر والكهانة ولم يقل: وما علمناه السحر وما علمناه الكهانة؟ أجيب: بأن الكهانة إنما كانوا ينسبون النبي ﷺ إليها عندما كان يخبر عن الغيوب وتكون كما يقول وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكليم الجذع والحجر وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو القرآن عليهم لكنه ﷺ ما كان يتحدى إلا بالقرآن كما قال تعالى ﴿إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ (البقرة: ٢٣)
إلى غير ذلك ولم يقل: إن كنتم في شك من رسالتي فأخبروا بالغيوب أو أشبعوا الخلق الكثير بالشيء اليسير. فلما كان تحديه ﷺ بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم.
وما نفى أن يكون ما أتى به من جنس الشعر قال تعالى:
﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو﴾ أي: هذا الذي آتاكم به ﴿إلا ذكر﴾ أي: شرف وموعظة ﴿وقرآن﴾ أي: جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والنظر إلى وجه الله العظيم ﴿مبين﴾ أي: ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ (ص: ٨٦)
كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جدًا إنما ذكر للأذكياء جدًا وقوله تعالى:
﴿لينذر﴾ ضميره للنبي ﷺ ويدل له قراءة نافع وابن عامر بالتاء الفوقية على الخطاب وقيل: للقرآن ويدل له قراءة الباقين بالياء التحتية على الغيبة، واختلف في قوله تعالى ﴿من كان حيًا﴾ على قولين: أحدهما:
[ ٣ / ٣٦٣ ]
أن المراد به المؤمن؛ لأنه حي القلب والكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه﴾ (الأنعام: ١٢٢)
والثاني: المراد به العاقل فهمًا فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت ﴿ويحق﴾ أي: يجب ويثبت ﴿القول﴾ أي: العذاب ﴿على الكافرين﴾ أي: الغريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء، ويمكن أن تكون هذه الآية من الاحتباك حذف الإيمان أولًا لما دل عليه من ضده ثانيًا، وحذف الموت ثانيًا لما دل عليه من ضده أولًا، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء، وجمع في الثاني على المعنى إعلامًا بكثرة الأشقياء.
﴿أو لم يروا﴾ أي: يعلموا علمًا هو كالرؤية، والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف ﴿أنا خلقنا لهم﴾ أي: في جملة الناس ﴿مما عملت أيدينا﴾ أي: مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد المبالغة في الاختصاص والتفرد في الإحداث، كما يقول القائل: عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد ﴿أنعامًا﴾ على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها، وإنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلقه وإيجاده، لأن الأنعام أكثر أموال العرب والنفع بها أعم ﴿فهم لها مالكون﴾ أي: خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك أو فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم:
*أصبحت لا أملك السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا*
*والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا*
والشاهد في قوله: ولا أملك رأس البعير أي: لا أضبطه والمعنى: لم نخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة كما قال تعالى:
﴿وذللناها لهم﴾ أي: يسرنا قيادها ولو شئنا جعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف، فمن قدر على تذليل الأشياء الصعبة جدًا لغيره قادر على تطويع الأشياء لنفسه ثم سبب عن ذلك قوله تعالى ﴿فمنها ركوبهم﴾ أي: ما يركبون وهي الإبل؛ لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ﴿ومنها يأكلون﴾ أي: ما يأكلون لحمه.
ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار وكانت منافعها لغير ذلك كثيرة قال تعالى:
﴿ولهم فيها منافع﴾ أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها وغير ذلك ﴿ومشارب﴾ أي: من ألبانها جمع مشرب بالفتح، وخص الشرب من عموم المنافع بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة، ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان لو فقدها الإنسان لتكدرت معيشته تسبب عنها استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله تعالى: ﴿أفلا يشكرون﴾ أي: المنعم عليهم بها فيؤمنون. ولما ذكرهم تعالى نعمه وحذرهم نقمه عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم بقوله تعالى موبخًا لهم:
﴿واتخذوا من دون﴾ أي: غير ﴿الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال والعظمة ﴿آلهة﴾ أي: أصنامًا يعبدونها بعدما رأوا منه تعالى تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة وعلموا أنه المنفرد بها ﴿لعلهم ينصرون﴾ أي: رجاء أن ينصروهم فيما أحزنهم من الأمور والأمر بالعكس
[ ٣ / ٣٦٤ ]
كما قال تعالى:
﴿لا يستطيعون﴾ أي: الآلهة المتخذة ﴿نصرهم﴾ أي: العابدين ﴿وهم﴾ أي: العابدون ﴿لهم﴾ أي: للآلهة ﴿جند محضرون﴾ أي: الكفار جند الأصنام فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيرًا ولا تستطيع لهم نصرًا، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جنده يحضرون في النار وهذا كقوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (الأنبياء: ٩٨)
وقوله تعالى: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ (الصافات: ٢٢ - ٢٣)
ولما بين تعالى ما تبين من قدرته الظاهرة الباهرة ووهن أمرهم في الدنيا والآخرة ذكر ما يسلى نبيه ﷺ بقوله تعالى:
﴿فلا يحزنك قولهم﴾ أي: في تكذيبك كقولهم: ﴿لست مرسلًا﴾ (الرعد: ٤٣)
﴿إنا نعلم ما﴾ أي كل ما ﴿يسرون﴾ أي: في ضمائرهم من التكذيب وغيره ﴿وما يعلنون﴾ أي: يظهرونه بألسنتهم من الأذى وغيره من عبادة الأصنام فنجازيهم عليه.
ولما ذكر تعالى دليلًا على عظم قدرته ووجوب عبادته بقوله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا﴾ ذكر دليلًا من الأنفس أبين من الأول بقوله تعالى:
﴿أولم ير﴾ أي: يعلم ﴿الإنسان﴾ علمًا هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر ﴿أنا خلقناه﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿من نطفة﴾ أي: شيء حقير يسير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام ﴿فإذا هو﴾ أي: فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه ﴿خصيم﴾ أي: بليغ الخصومة ﴿مبين﴾ أي: في غاية البيان عما يريده حتى إنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك:
*أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني*
*وكم علمته علم القوافي فلما قال قافية هجاني*
وفي هذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وفيه تقبيح بليغ لإنكاره، حيث تعجب منه وجعله إفراطًا في الخصومة بينًا ومنافاته لجحود القدرة على ما هو أهون مما علمه في بدء خلقه ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفًا مكرمًا بالعقوق والتكذيب.
﴿وضرب﴾ أي: هذا الإنسان ﴿لنا﴾ أي: على ما يعلم من عظمتنا ﴿مثلًا﴾ أي: أمرًا عجيبًا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى، روي: «أن أبي بن خلف الجمحي وهو الذي قتله النبي ﷺ بأحد مبارزة، أتى النبي ﷺ بعظم بال يفتته بيده فقال: أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال ﷺ نعم ويبعثك ويدخلك النار» فنزلت. وقيل: هو العاصي بن وائل قاله الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول ﴿ونسي﴾ أي: هذا الذي تصدى على مهانة أصله لمخاصمة الجبار ﴿خلقه﴾ أي: بدء أمره من المني وهو أغرب من مثله، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول وأن يكون بمعنى الترك، ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بأن ﴿قال﴾ أي: على طريق الإنكار ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ أي: صارت ترابًا تمرّ مع الرياح ورميم قال البيضاوي: بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسمًا بالغلبة ولذلك لم يؤنث، أو اسم مفعول من رممته، وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء ا. هـ.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
قال البغوي: ولم يقل: رميمة؛ لأنه معدول عن فاعله فكل ما كان معدولًا عن وجهه ووزنه كان مصروفًا عن إعرابه كقوله تعالى ﴿وما كانت أمك بغيا﴾ (مريم: ٢٨)
أسقط الهاء؛ لأنها مصروفة عن باغية.
تنبيه: هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر؛ لأن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلًا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون ﴿أءذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد﴾ (السجدة: ١٠)
﴿أءذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أئنا لمبعوثون﴾ (المؤمنون: ٨٢)
﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ قالوا: ذلك على طريق الاستبعاد فأبطل الله تعلى استبعادهم بقوله تعالى: ﴿ونسي خلقه﴾ أي: نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذان بهما استحقوا الإكرام، فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة مذرة لم تكن محلًا للحياة أصلًا، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه واختاروا العظم بالذكر؛ لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوى جانب الاستبعاد من البلاء والتفتت.
والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وضرب لنا مثلًا﴾ أي: جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، ومنهم من ذكر شبهة وإن كان في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لم يبق شيئًا فكيف الحكم على العدم بالوجود؟ فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بأن قال تعالى لنبيه ﷺ
﴿قل﴾ أي: لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿يحييها﴾ أي: بعد أن أنشأها أول مرة ﴿الذي أنشأها﴾ أي: من العدم ثم أحياها ﴿أول مرة﴾ فكما خلق الإنسان ولم يكن شيئًا مذكورًا كذلك يعيده إن لم يبق شيئًا مذكورًا.
الوجه الثاني: أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضها في أبدان السباع وبعضها في حواصل الطيور وبعضها في جدران الربوع كيف تجتمع.
وأبعد من هذا لو أكل إنسان إنسانًا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيدت أجزاء الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تنخلق منها أعضاؤه وإما أن تعاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك، فإذا أكل إنسان إنسانًا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليًا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله ﴿وهو بكل خلق﴾ أي: مخلوق ﴿عليم﴾ أي: يجمع الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحه وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البقاع المتبددة بحكمته وقدرته.
ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم بقوله تعالى:
﴿الذي جعل لكم﴾ أي: في جملة الناس ﴿من الشجر الأخضر﴾ أي: الذي تشاهدون فيه الماء ﴿نارًا﴾ قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما: المرخ والأخرى: العفار، الأول: بفتح الميم والخاء المعجمة شجر سريع الوري أي: القدح، والثاني: بفتح المهملة وفاء وراء بعد ألف الزند فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل
[ ٣ / ٣٦٦ ]
السواكين وهما أخضران يقطران الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب ﴿فإذا أنتم﴾ أي: فتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنه ﴿منه﴾ أي: من الشجر الموصوف بالخضرة ﴿توقدون﴾ أي: توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى وهذا أدل على القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب فلا الماء يطفئ النار ولا النار تحرق الخشب.
ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى:
﴿أوليس الذي خلق﴾ أي: أوجد من العدم ﴿السموات والأرض﴾ أي: على كبرهما وعظم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع، وأثبت الجار تحقيقًا للأمر وتأكيدًا للتقرير فقال تعالى ﴿بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ أي: مثل هؤلاء الأناسي في الصغر أي: يعيدهم بأعيانهم، وقيل: الضمير يعود على السموات والأرض لتضمنهم من يعقل والأول أظهر؛ لأنهم المخاطبون وقوله تعالى ﴿بلى﴾ جواب ليس وإن دخل عليها الاستفهام المصير لها إيجابًا أي: هو قادر على ذلك أجاب نفسه تعالى ﴿وهو﴾ مع ذلك أي: مع كونه عالمًا بالخلق ﴿الخلاق﴾ أي: الكثير الخلق ﴿العليم﴾ أي: البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب.
ولما تقرر ذلك أنتج قوله تعالى مؤكدًا لأجل إنكارهم القدرة على البعث:
﴿إنما أمره﴾ أي: شأنه ووصفه ﴿إذا أراد شيئًا﴾ أي: خلق شيء من جوهر أو عرض أي شيء كان ﴿أن يقول له كن﴾ أي: أن يريده ﴿فيكون﴾ أي: يحدث وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعًا لمادة الشبهة وهو قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، وقرأ ابن عامر والكسائي بنصب النون عطفًا على يقول، والباقون بالرفع أي: فهو يكون.
ولما كان ذلك تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من الأمثال فلذلك قال:
﴿فسبحان﴾ أي: تنزه عن كل شائبة نقص تنزهًا لا يبلغ أفهامكم كنهه وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال ﴿الذي بيده﴾ أي: قدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره ﴿ملكوت كل شيء﴾ أي: ملكه التام وملكه ظاهرًا وباطنًا.
ولما كان التقدير فمنه تبدؤون عطف عليه قوله تعالى ﴿وإليه﴾ أي: لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي: معنى في جميع أموركم وحسًّا بالبعث لينصف بينكم فيدخل بعضًا النار وبعضًا الجنة، وعن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به فإذا به لهذه الآية.
وما رواه البيضاوي عنه ﷺ «إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس»، و«أيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفًا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون قبض روحه وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه»، و«أيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو
[ ٣ / ٣٦٧ ]
ريان» حديث موضوع.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ سورة يس في ليلة أصبح مغفورًا له» وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات» . وعن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أن من قرأ يس حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي لم يزل في فرح حتى يصبح.