وفي القرن الثالث والرابع الهجري دخل التفسير في مرحلة جديدة وهي مرحلة الموسوعات الجامعة في التفسير، فظهرت تفاسير ضخمة مروية ومستوعبة لكثير من الأجزاء والنسخ المبثوثة في رحاب العالم الإسلامي آنذاك ذلك العالم الذي استطاعت حضارته أن تجمع وتؤلف بين العرب والعجم والبربر تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولهذا جاءت بعض تفاسير العلماء حافلة بتفاسير السابقين وشاملة للقرآن كله وذلك بسبب انتشار العجمى ومن هذه التفاسير:
_________________
(١) نشرته مكتبة الدار بالمدينة المنورة.
(٢) توجد منه أجزاء مخطوطة في المغرب وقد حققتْ في تونس، وهذه التفاسير المتقدمة ذكرت في المصادر السابقة في حاشية القائمة السابقة ويضاف إليها الرسالة المستطرفة ومفتاح السعادة ومصباح السعادة.
(٣) انظر التفسير ٢/١٩٢.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء ٨/٨٠.
(٥) المعجم المفهرس ل ٤٤ ب.
(٦) صلة الخلف بموصول السلف ص ٤٣، ٤٤.
[ ١ / ١٩ ]
تفسير عبد بن حميد الكشي ت ٢٤٠ هـ (١) .
تفسير ابن جرير الطبري ت ٣١٠ هـ.
تفسير ابن المنذر النيسابوري ت ٣١٨ هـ (٢) [[وقد اتحفني الشيخ عاصم قارئ بوريقات منه]] (*) .
تفسير ابن أبي حاتم الرازي ت ٣٢٧ هـ (٣) .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه التفاسير عند كلامه عن الذين اعتنوا بجمع التفسير المسند من طبقة الأئمة الستة فساق أسماءهم -وذكر أولهم بأنه من طبقة شيوخهم- ثم قال: فهذه التفاسير الأربعة قل أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين، وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها (٤) .
وكذلك ابن أبي حاتم فقد حاول أن يفسر كل آية بل كل كلمة وحرف وقد يسوق أكثر من عشرة أوجه في الكلمة الواحدة (٥) .
ومن هذه التفاسير الموسوعية أيضًا:
١ - تفسير الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ت ٢٤١هـ.
وتفسيره ضخم حافل بمائة وعشرين ألف رواية، صرح بهذا الرقم أبو الحسين بن المنادي في تأريخه فيما رواه عنه القاضي أبو الحسين أبو يعلى حيث ذكر عبد الله وصالح ابني الإمام أحمد فقال: كان صالح قليل الكتاب عن أبيه، فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه أكثر منه لأنه سمع المسند
_________________
(١) توجد منه قطعة في حواشي تفسير ابن أبي حاتم في المجلد الثاني.
(٢) توجد منه قطعة في ألمانيا الشرقية - مكتبة جوتا.
(٣) يوجد نصفه تقريبًا وقد حقق في جامعة أم القرى.
(٤) العجاب في بيان الأسباب د-٣.
(٥) انظر تفسير سورة آل عمران رقم ١٨١-١٩٨ عند قوله تعالى (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَة) . (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذه الزيادة نقلا عن الجزء الذي نشره المؤلف - حفظه الله - في مجلة الجامعة الإسلامية. أقول: وقد طُبعت القطعة (التي أشار إليها المؤلف) بتحقيق الدكتور سعد بن محمد السعد، وهي ضمن كتب هذا البرنامج (المكتبة الشاملة)
[ ١ / ٢٠ ]
وهو ثلاثون ألفًا، والتفسير وهو مئة ألف وعشرون ألفًا سمع منها ثمانين ألفًا والباقي وجادة (١) ونقله أيضًا الخطيب البغدادي (٢) والذهبي (٣)، وأبو موسى المديني في خصائص المسند (٤)، وصرح بهذا الرقم ابن الجوزي (٥) .
وقد ذكر هذا التفسير ابن النديم (٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، والداوودي (٨)، ومحمد السعدي الحنبلي ت٩٠٠ هـ (٩)، وحصل الروداني المغربي على إجازة روايته فذكره في ثبته ثم ساق إسناده إلى الإمام أحمد بن جعفر القطيعي عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه (١٠) .
ولكن الإمام الذهبي أنكر وجود هذا التفسير، فبعد أن ذكر قول ابن المنادي قال: لكن ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا التفسير ولا بعضه ولا كراسة منه ولو كان له وجود أو لشيء منه لنسخوه (١١) .
ويبدو أن الإمام الذهبي لم يحظ بجزء أو كراسة من تفسير الإمام أحمد علما بأن جزءا من تفسير أحمد كان موجودا في زمنه حيث نقله بنصه وفصه الإمام ابن قيم الجوزية -وهو معاصر للذهبي وتوفي ابن القيم سنة٧٥١ هـ أي بعد وفاة الذهبي بثلاث سنوات- فقال ابن القيم في بدائع الفوائد: ومن خط
_________________
(١) طبقات الحنابلة ١/١٨٣.
(٢) تاريخ بغداد ٩/٣٧٥.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٣/٣٢٨، ٣٢٩.
(٤) ص ٢٣ من مقدمة أحمد شاكر لمسند أحمد
(٥) مناقب الإمام أحمد ص ٢٤٨.
(٦) الفهرست ص ٢٨٥.
(٧) الفتاوي ٦/٣٨٩، ١٣/٣٥٥ ودرء تعارض العقل والنقل ٤/٢٢٨.
(٨) طبقات المفسرين ٢/٢٢.
(٩) الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد في بداية عرضه لمؤلفات الإمام أحمد.
(١٠) صلة الخلف ص ٣٩
(١١) سير أعلام النبلاء ١٣/٥٢٢ وانظر ١١/٣٢٨، ٣٢٩.
[ ١ / ٢١ ]
القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد. ثم ساقه بأكمله في تسع صفحات (١) إضافة إلى ذلك أن الحافظ ابن حجر أفاد من تفسير أحمد وصرح بنقله منه (٢) .
والحق أن تفسير الإمام أحمد لم يشتهر كشهرة مسنده الذي ذاع صيته في الآفاق وكثر قصاده إلى العراق.
٢- التفسير الكبير لأمير المؤمنين محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح ت ٢٥٦ هـ.
ذكر بروكلمان نسخة منه في باريس -المكتبة الوطنية- وقطعة منه في الجزائر في المكتبة الوطنية أيضًا (٣) . ولعلها من صحيح البخاري.
وقد سألت عن هاتين النسختين فلم أجد أحدا رآهما!! ويبدو من عنوانه أنه تفسير كبير.
٣- تفسير أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازى ت ٢٥٨ هـ.
قال إبراهيم بن محمد الطيان: سمعت أبا مسعود يقول: كتبت عن ألف وسبعمائة وخمسين رجلا أدخلت في تصنيفي ثلاث مئة وعشرة وعطلت سائر ذلك وكتبت ألف ألف حديث وخمس مئة ألف حديث فأخذت من ذلك ثلاث مئة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيره (٤) .
٤- تفسير القرآن الكريم لابن ماجة القزويني ت ٢٧٣ هـ.
وصفه ابن كثير بالحافل فقال: ولابن ماجة تفسير حافل (٥) .
_________________
(١) ٣/١٠٨-١١٦
(٢) انظر مثلا تغليق التعليق ٤/٢٢٨ ومن أراد الاستزادة في إثبات وجود تفسير أحمد فليراجع مقدمتي لمرويات أحمد في التفسير ص ٤-١١.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/١٧٩.
(٤) انظر تهذيب الكمال ١/٤٢٥.
(٥) البداية والنهاية ١١/٥٢.
[ ١ / ٢٢ ]
والحافل الكثير الممتلئ (١)، وذكره ابن خلكان والمزي والذهبي والداوودي (٢)، وللمزيد عن هذا الكتاب راجع مقالي بعنوان: استدراكات على تاريخ التراث العربي (٣)، والكتاب مفقود وقد جمعت روايات تفسيرية كثيرة من سننه، ومن الدر المنثور، ومن تهذيب الكمال في مواضع تراجم الرجال الذين رمز لهم المزي (فق) أي رجال ابن ماجة في التفسير.
٥- التفسير الكبير لإسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المشهور بابن راهويه ت ٢٣٨هـ.
ويبدو أنه كبير من عنوانه. ذكره ابن النديم والخطيب البغدادي والسمعاني والداوودي (٤) .
٦- التفسير لإبراهيم بن إسحاق الحربي ت ٢٨٥ هـ قال الذهبي في ترجمته: مصنف التفسير الكبير (٥) . وهو كسابقه وذكره ابن حجر والداوودي (٦) .
٧- التفسير لابن أبي داود عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني ت ٣١٦ هـ. روى المفسر أبو بكر النقاش أنه سمع أبا بكر بن أبي داود يقول: إن في تفسيره مائة ألف وعشرين ألف حديث (٧) .
وذكر هذا التفسير الخطيب البغدادي والعليمي والداوودي (٨) .
_________________
(١) الصحاح ٤/١٦٧٠ والنهاية ١/٤٠٩.
(٢) انظر وفيات الأعيان ٤/٢٧٩ وتهذيب الكمال ٤/٩٠، ٧/٤١٣ وسير أعلام النبلاء ١٣/٢٧٧ وطبقات المفسرين ٢/٢٧٤.
(٣) نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عدد ٦٧، ٦٨.
(٤) انظر الفهرست ص ٢٦٨، وتاريخ بغداد ٨/٣٦٩، والتحبير في المعجم الكبير ٢/١٩٠، وطبقات المفسرين ١/١٠٣.
(٥) تذكرة الحفاظ ٢/٧٠١.
(٦) تهذيب التهذيب ١٠/٢٨١ وطبقات المفسرين ١/٧.
(٧) انظر سير أعلام النبلاء ١٣/٢٨١ ولسان الميزان ٣/٢٩٥.
(٨) انظر تاريخ بغداد ٩/٤٦٤ والمنهج الأحمد ٢/١٥ وطبقات المفسرين ١/٣٣٦، ٣٣٧.
[ ١ / ٢٣ ]
٨- التفسير لسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ت ٣٦٠ هـ.
قال الداوودي في طبقات المفسرين: وله تفسير كبير. ا. هـ.
وقد جمعت روايات تفسيرية من معاجمه الثلاثة وكتاب الدعاء، ومكارم الأخلاق، وجزء من سمع من عطاء. كلها للطبراني المذكور.
٩- تفسير القاضي أبي محمد إسحاق بن إبراهيم بن إسحاق البستي ت ٣٠٧ هـ.
توجد منه نسخة في مكتبة البلدية بالإسكندرية بمصر وقد وصل إلى النصف الثاني ويبدأ من سورة الكهف إلى نهاية التفسير، وصورته من مكتبة فضيلة الشيخ حماد الأنصاري ﵀.
وقد قرأت هذا التفسير الجليل ولاحظت عدم التصريح باسم المؤلف في الغلاف ولكن صرح باسمه في الورقة ١٢٦ ب، ومما يؤكد أن هذا التفسير لهذا المؤلف ما نقله العيني من هذا التفسير بأسانيد مماثلة له كما صرح باسم المؤلف أيضًا (١) .
ووجدت لهذا التفسير مزايا كبرى:
أولها: أن [[أغلب]] (*) أسانيده على شرط الصحيحين.
ثانيها: أن مؤلفه طويل النفس في إيراد الأحاديث والآثار وعمله كصنيع ابن أبي حاتم في التفسير بالمأثور المجرد من أي قول آخر.
ومن أجل ذلك اقترحت تحقيقه على فضيلة د. عوض العمري وفضيلة د. عثمان المعلم وقد حققاه ونالا به درجة الدكتوراه.
١٠- تفسير عمر بن أحمد بن عثمان المشهور بابن شاهين ت ٣٨٥ هـ.
قال الخطيب البغدادي في ترجمته: له التفسير الكبير. ا. هـ.
_________________
(١) عمدة القاري ١٩/١٤، ٢٢، ٨/٢٨٣، ١٨/١٥٣، ٢١٨ (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذه الزيادة نقلا عن الجزء الذي نشره المؤلف - حفظه الله - في مجلة الجامعة الإسلامية
[ ١ / ٢٤ ]
وتفسيره كبير كما وصف حيث احتوى على تفاسير منها تفسير أبي الجارود (١) .
وقال الكتاني: وهو في ألف جزء ووجد بواسط في نحو من ثلاثين مجلدا (٢) .
فهذه نماذج من كتب التفسير في ذلك العصر الذي برز فيه صرح التفسير بالمأثور شامخا مسندا كاملا للقرآن الكريم، فقد تكاملت أسسه التي أرسيت بثمار تلك الجهود المباركة السابقة، فاجتمعت مع جهود المتقدمين عنايةُ اللاحقين حيث جمعوا وأضافوا ونقدوا، وكان جميعهم عاكفين على هذا العلم، وعضوا عليه بالنواجذ لأنه جمع بين القرآن والسنة، وقد زاد اهتمامهم عندما تلوث هذا العلم بالدخيل بسبب تساهل بعض العلماء في إيرادهم الإسرائيليات بأنواعها، وبسبب صنيع الزنادقة والقصاص والكذابين وأهل الأهواء فوقع التحريف والتأويل والوضع.
فما ورد عن المفسرين الكذابين طرح وفضح كتفسير محمد بن السائب (٣) الكلبي وتفسير محمد بن مروان السدي الصغير (٤)، وكذلك ما ورد عن أهل الأهواء كصالح بن محمد الترمذي فقد كان مرجئا جهميا داعية يقول بخلق القرآن (٥)، وكمقاتل بن سليمان البلخي وقد نسبوه إلى الكذب، وقال الشافعي مقاتل قاتله الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر: وإنما قال الشافعي فيه ذلك لأنه
_________________
(١) انظر تاريخ بغداد ١١/٢٦٧.
(٢) الرسالة المستطرفة ص ٧٦، ٧٧.
(٣) انظر العجاب د-١٠ وانظر ترجمته في الضعفاء الكبير ٤/٧٦ والمجروحين ٢/٢٥٢، والكامل في الضعفاء ص ٢١٢٧.
(٤) انظر العجاب د-١٠ وانظر ترجمته في الضعفاء الكبير ٤/١٢٦ والمجروحين ٢/٢٨٦، والكامل ١٢٦٦.
(٥) انظر العجاب د-١٠ وانظر ترجمته في المجروحين ١/٢٧٠ وميزان الاعتدال ٢/٢٠٠.
[ ١ / ٢٥ ]
اشتهر عنه القول بالتجسيم (١) . قال إبراهيم الحربي مصنف التفسير الكبير (٢): وإنما جمع مقاتل تفسير الناس وفسر عليه من غير سماع. قال إبراهيم: لم أدخل في تفسيري منه شيئا (٣) .
وكذا الحال بالنسبة للزنادقة فقد وضعوا روايات وأحاديث كثيرة ومن المعروف أن كثيرا من هذه الروايات والأحاديث لها علاقة وطيدة بالتفسير.
أخرج ابن عساكر عن ابن علية قال: أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله ﵌ كلها ما فيها حرف نطق به؟ قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا (٤)؟.
ولهذا انبرى جهابذة السلف إلى نقد الروايات والتفتيش عن الأسانيد، وقد بدأ هذا التحري بعد اندلاع الفتنة في خلافة عثمان - ﵁ - أو في زمن ابن الزبير وقد رجح الرأي الأخير مؤرخ السيرة أ. د. أكرم ضياء العمري (٥) .
أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن محمد بن سيرين: قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (٦) . فكان أهل السنة بالمرصاد لكل من تسول له نفسه أن يأتي بدخيل ولهذا وضعوا ضوابط محكمة وقواعد دقيقة للرواية.
_________________
(١) العجاب د-١٦ وأنظر ترجمته في الضعفاء الكبير ٤/٢٢٨ والمجروحين ٢/١٤والكامل ٢٤٢٧.
(٢) انظر تذكرة الحفاظ ٢/٧٠١.
(٣) انظر تهذيب التهذيب ١٠/٢٨١.
(٤) انظر تاريخ الخلفاء ص ٢٩٣.
(٥) انظر بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص ٤٨-٥٠.
(٦) المقدمة - باب بيان أن الإسناد من الدين ١/١٥.
[ ١ / ٢٦ ]
قال محمد بن حاتم بن المظفر: وهذه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تناهى أخبارهم ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأضبط فالأضبط والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها أو أكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطون حروفه ويعدوه عدا (١) .
هكذا كان منهجهم في الرواية والتصنيف واستمر الحال على ذلك إلى القرن الثالث والرابع الهجري وكان أكثر المفسرين المصنفين يروون بالإسناد، فبرأوا ذمتهم لأنهم سموا شيوخهم ورواتهم وكانوا يميزون بين الصحيح والسقيم، وبعضهم يرى وجوب هذا التمييز بل وجوب نقد الرواة لمعرفة الثقة من الضعيف مثل ابن أبي حاتم وهو الذي صنف موسوعته في الجرح والتعديل من أجل بيان الثابت من التفسير ومن سنن البشير النذير ﷺ التي تبين القرآن الكريم، فها هو يقول في تقدمة الجرح والتعديل: فلما لم نجد سبيلا إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله ﷺ إلا من جهة النقل والرواية وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة (٢) .
إن هذا المنهج الدقيق وتلك الحلقات التفسيرية كانت متصلة من القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع الهجري، وبدخول القرن الخامس الهجري بدأ تدريجيا إهمال الأسانيد بحذفها أو باختصارها مما ساعد على شيوع الإسرائيليات ورواج الأحاديث الواهية والموضوعة ونسب الأقوال الباطلة إلى الصحابة والتابعين، وهم برآء منها، وكانت فرصة سانحة للكذابين والوضاعين والزنادقة وأهل الأهواء، فاختلط الصحيح بالسقيم والحق بالباطل وانتشر ذلك في كتب
_________________
(١) رواه السخاوي من طريق أبي العباس الدغولي عنه (فتح المغيث ٣/٣) .
(٢) تقدمة الجرح والتعديل ص ٥.
[ ١ / ٢٧ ]
التفسير بالمأثور، ولم يسلم منها إلا القليل كتفسير البغوي (١) وابن كثير وعبد الرزاق بن رزق الرسعني ت ٦٦١هـ (٢) الذي روى أغلب تفسيره بإسناده واستمر الحال على ذلك إلى يومنا هذا.