يمكنُ أن ألخصَ الكلامَ على هذه القضيةِ في الأمورِ الآتيةِ:
١ - عُلُوُّ كَعْبِ صاحبِها في العلمِ، ورسوخُه في التفسيرِ، الأمرُ الذي يجعلُ لاختياراتِه وترجيحاتِه قيمةً مُعْتَبَرَةً.
٢ - غَزَارَةُ المادةِ العلميةِ التي احْتَوَتْهَا هذه الدروسُ (^١)؛ فهي - كما
_________________
(١) وإذا أردت أن تعرف حقيقة ذلك فاعلم أن هذا القدر الذي وقفنا عليه من هذا التفسير المبارك لا يمثل إلا أجزاء قليلة من القرآن لا تتجاوز الأربعة، ومع ذلك تجد فيها من الأحاديث والآثار - من غير المكرر - ما يقارب الخمسمائة، وفيها من الأشعار والشواهد والمنظومات ما يزبد على ستمائة بيت، وفيها من القراءات ما يقارب خمسين ومائتي قراءة، وأكثر من عشرين ومائة فرع فقهي، وفيه نحو هذا الكم من المسائل المتعلقة بالعقيدة، كما تجد فيه أكثر من سبعين قاعدة من القواعد المتنوعة، وما يقرب من سبعين إشكالا أجاب عنها، إضافة إلى ما يذكره من الفروق المتنوعة وهي تقارب الخمسين فرقا، فضلا عن القضايا الإعرابية والصرفية والبلاغية وغير ذلك.
[ ١ / ٣٠ ]
سَبَقَ - تشتملُ على معلوماتٍ كثيرةٍ مستقاةٍ من مُخْتَلَفِ العلومِ الْمُحْتَاجِ إليها في التفسيرِ، منها ما هو موجودٌ في بعضِ كتبِ التفسيرِ، ومنها ما هو مُفَرَّقٌ في كتبٍ تتعلقُ بفنونٍ أخرى كتاريخِ ابنِ جريرٍ، وفتحِ البارِي، وكتبِ اللغةِ وغيرِها، إضافةً إلى بعضِ الفوائدِ والشواهدِ التي تَلَقَّاهَا الشيخُ (﵀) عَمَّنْ أَخَذَ عنهم العلمَ.
٣ - تجدُ في هذه الدروسِ كثيرًا من الاستنباطاتِ العلميةِ التي تَوَصَّلَ إليها الشيخُ بعد اطلاعٍ واسعٍ، وَفَهْمٍ ثَاقِبٍ، وَنَظَرٍ صحيحٍ.
٤ - من الأمورِ الْجَلِيَّةِ في هذه الدروسِ أن الشيخَ (﵀) حينما يُلْقِيهَا ليس هو مجردَ ناقلٍ يَسْرُدُ ما قَرَأَ فحسب، بل نجدُه ينقلُ كلامَ العلماءِ، ويقارنُ بين تلك المقولاتِ ويناقشُها، ويختارُ منها ما يترجحُ لَدَيْهِ.
٥ - في هذه الدروسِ تقفُ على نموذجٍ رفيعٍ من توظيفِ القواعدِ والضوابطِ العلميةِ في الفَهْمِ والاستنباطِ والترجيحِ. وهذا من أنفعِ الأمورِ التي يحتاجُ إليها طالبُ العلمِ.
٦ - تَشْتَمِلُ هذه الدروسُ على بيانِ مواطنِ الْعِبَرِ في القرآنِ، وَرَبْطِ ما جَاءَ فيه بحياةِ الناسِ وَوَاقِعِهِمْ؛ فالشيخُ لا يشرحُ الآياتِ على أنها تخاطبُ قومًا ذهبوا وَقَضَوْا، بل يُبَيِّنُهَا بطريقةٍ تجعلُ السامعَ بعيشُ معها كلمةً كلمةً، وآيةً آيةً، حتى يُدْرِكَ أنه مُخَاطَبٌ بها.
[ ١ / ٣١ ]
٧ - يتعرضُ الشيخُ (﵀) في هذه الدروسِ لتحليلِ كُلِّ كلمةٍ في الآيةِ، ويبينُ معناها وما تَدُلُّ عليه، كما يُبَيِّنُ أصلَ مَادَّتِهَا وهكذا. فهو لا يتركُ شاردةً ولا واردةً إلا ويتكلمُ عليها غالبًا. وبهذا تُدْرِكُ فَرْقًا جَلِيًّا بين هذه المادةِ التي بَيْنَ يَدَيْكَ وبينَ ما ذَكَرَهُ الشيخُ (﵀) في كتابِه: (أَضْوَاءِ الْبَيَانِ)؛ إِذْ إنه في (الأضواءِ) لا يتعرضُ لتفسيرِ جميعِ الآياتِ، بل يتكلمُ على بعضِها، كما لا يتطرقُ إلى تفسيرِ جميعِ الألفاظِ في الآيةِ التي يُفَسِّرُهَا؛ ذلك أنه قَصَدَ من تأليفِه أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ - كما صَرَّحَ بذلك في مقدمته (^١) - هما:
١ - بَيَانُ القُرْآنِ بِالْقُرْآنِ.
٢ - بيانُ الأحكامِ الفقهيةِ في جميعِ الآياتِ المُبَيَّنَةِ.