الحمدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ في كل زمانِ فترةٍ من الرسلِ بقايا من أهلِ العلمِ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إلى الهدى، ويصبرونَ منهم على الأَذَى، يُحيُونَ بكتابِ الله الموتى، ويُبَصِّرُون بنورِ اللَّهِ أهلَ العَمَى، فَكَمْ من قتيلٍ لإبليسَ قد أَحْيَوْهُ، وكم من ضَالٍّ تَائِهٍ قد هَدَوْهُ، فما أَحْسَنَ أثرَهم على الناسِ، وأقبحَ أثرَ الناسِ عليهم. يَنْفُونَ عن كتابِ اللَّهِ تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين، الذين عَقَدُوا ألويةَ البدعةِ، وَأَطْلَقُوا عقالَ الفتنةِ، فَهُمْ مختلفونَ في الكتابِ، مُخَالِفُونَ للكتابِ، مُجْمِعون على مُفَارَقَةِ الكتابِ، يقولون على اللَّهِ وفي اللَّهِ وفي كتابِ اللَّهِ بغير علمٍ، يتكلمون بالمتشابهِ من الكلامِ، ويخدعونَ جُهَّالَ الناسِ بما يُشَبِّهُونَ عليهم، فنعوذُ باللَّهِ من فِتَنِ الْمُضِلِّينَ (^١).
_________________
(١) مقتبس من كلام الإمام أحمد (﵀) في مقدمة الرد على الزنادقة والجهمية، ص ٦. وأورد نحوه ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها ص ١٠ عن عمر بن الخطاب (﵁) بغير إسناد.
[ ١ / ١١ ]
أما بعدُ:
فإن القرآنَ العظيمَ هو مَأْدُبَةُ اللَّهِ (﷿) (^١)،فيه نَبَأُ ما قَبْلَنَا، وخبرُ ما بَعْدَنَا، وهو حَبْلُ اللَّهِ المتينُ، والذكرُ الحكيمُ، وهو الفصلُ ليس بالهزلِ، مَنْ تَرَكَهُ من جبارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومن ابْتَغَى الْهُدَى في غيرِه أَضَلَّهُ اللَّهُ، وهو الصراطُ المستقيمُ الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تلتبسُ به الألسنةُ، ولا تَشْبَعُ منه العلماءُ، ولا يَخْلَقُ على كثرةِ الردِّ، ولا تنقضي عجائبُه، مَنْ قال به صَدَقَ، ومن عَمِلَ به أُجِرَ، ومن حَكَمَ به عَدَلَ، ومن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيمٍ (^٢).
ولقد بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - حروفَ القرآنِ كما بَيَّنَ ما قد يَخْفَى من
_________________
(١) اقتباس من أثر عن ابن مسعود ﵁: أخرجه ابن المبارك في الزهد ص ٢٧٢، وعبد الرزاق في المصنف (٥٩٩٨، ٦٠١٧)، (٣/ ٣٦٨، ٣٧٥)، وسعيد بن منصور (التفسير)، (٧)، (١/ ٤٣)، والدارمي (٣٣١٠، ٣٣١٨)، (٢/ ٣٠٨، ٣١٠)، وابن نصر في قيام الليل (المختصر ص ١٧٣)، والفريابي في فضائل القرآن (٤١، ٥٩)، ص ١٥٢، ١٦٦، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٠ - ١٣١)، وتاريخ أصبهان (٢/ ٢٤٢)، والرازي في فضائل القرآن (٣١)، ص ٧٤، والبيهقي في السنن الصغير (٩٤٤)، (١/ ٣٣٣)،والشعب (١٧٨٦، ١٨٣٢)، (٤/ ٤٩٣، ٥٤٩)، وابن منده في الرد على من يقول (آلم) حرف (٩)، ص ٤٨، والشجري في الأمالي (ترتيب الأمالي)، (٤٤٧، ٥٧٦)، (١/ ١١٦، ١٥٥)،والبغوي في التفسير (١/ ٣٢). موقوفًا. وقد رُوي مرفوعًا: أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٧)، (١/ ٢٤٠)، وابن أبي شيبة في المسند (٣٧٦)، (١/ ٢٥١)، والمصنف (١٠٠٥٦)، (١٠/ ٤٨٢)، وابن نصر في قيام الليل (المختصر ص ١٧١)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٠٠)، والآجري في أخلاق أهل القرآن (١١)، ص ٥٢، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٦٤٧)، (٤/ ٢٥٢)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٢٠٢)، ص ٦٩، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٤٨)، والرازي في فضائل القرآن (٣٠)، ص ٧٣، ٧٥، والبيهقي في السنن الصغير (٩٤٣)، (١/ ٣٣٣)، والشعب (١٧٨٦، ١٨٣٢)، (٤/ ٤٩٣،٥٤٩)، والخطيب في الجامع (٧٩)، (١/ ١٠٧)، وابن منده في الرد على من يقول (آلم) حرف (١١)، ص ٥٠، والشجري في الأمالي (ترتيب الأمالي) (٤٢٧)، (١/ ١١١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٥)، (١/ ١٠١). قال ابن القيسراني في تذكرة الحفاظ (٣٠٣)، ص ١٣٠: «رواه إبراهيم بن مسلم الهجري. . . وإبراهيم هذا ليس بشيء في الحديث» ا. هـ. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٥)، (١/ ١٠٢): «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود. قال ابن معين: إبراهيم الهجري ليس حديثه بشيء» ا. هـ. وقال الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ص ٤٦ بعد أن ساق الحديث من رواية أبي عبيد في فضائل القرآن: «هذا غريب من هذا الوجه، ورواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق الهجري وهو أحد التابعين، لكن تكلموا فيه كثيرًا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي: رفاع كثير الوهم. قلت: فيحتمل - والله أعلم -أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم» ا. هـ. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٥٩٤٩)، (٦/ ٥٩٥٠): «رواه الحاكم من طريق صالح بن عمر، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عنه به، وقال: تفرد به صالح بن عمر عنه به، وهو صحيح. كذا قال! وليس كما زعم؛ فإن إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف، وصالح بن عمر لم يتفرد به عن الهجري فقد تابعه عليه أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، كما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة» ا. هـ. وأورده الألباني في الضعيفة (٦٨٤٢)، (١٤/ ٧٨٥) وفي ضعيف الترغيب (٨٦٧) (١/ ٢١٦) وصحح وقفه على ابن مسعود ﵁.
(٢) اقتباس من حديث يروى عن علي ﵁ مرفوعًا، أخرجه الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن، حديث رقم: (٢٩٠٦)، (٥/ ١٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٠٠٥٦)، (١٠/ ٤٨٢)، وأحمد (١/ ٩١)، والدارمي (٣٣٣٤، ٣٣٣٥)، (٢/ ٣١٢، ٣١٣)، والبزار (٨٣٦)، (٣/ ٧١)، وابن نصر في قيام الليل (المختصر ص ١٥٧)، والفريابي في فضائل القرآن (٨٢،٨١،٨٠،٧٩) ص ١٨٢ - ١٨٧، وأبو يعلى (٣٦٧)، (١/ ٣٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٢٠)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (١٩٩٥، ٢٠٠٠)، (٣/ ٦٠، ٦٣)، والبيهقي في الشعب (١٧٨٨)، (٤/ ٤٩٦)، والشجري في الأمالي (ترتيب الأمالي) (٤٦١)، (١/ ١٢٠)، والبغوي في شرح السنة (١١٨١)، (٤/ ٤٣٧)، وفي التفسير (١/ ٣١)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٦٧). قال الترمذي (٥/ ١٧٢): «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال» ا. هـ. وعقب عليه الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ص ١٠ بقوله: «لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات. . . والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، والله أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ» ا. هـ. وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٢/ ٨٨): «إسناده ضعيف جدًا، من أجل الحارث الأعور. ثم الظاهر أنه منقطع. .» ا. هـ. وضعفه الألباني، كما في الضعيفة (٦٣٩٣)، (١٣/ ٨٨٣).
[ ١ / ١٢ ]
معانيه؛ إذ إن بعثتَه تدورُ على ذلك، كما أخبرَ (تعالى) عن هذا المعنى بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: آية ٤٤].
وإنما المقصودُ من إنزالِ القرآنِ فَهْمُهُ والعملُ به، ولم يُنْزَلْ من أجلِ القراءةِ فَحَسْبَ - مع أنها مطلوبةٌ - كما لا يكفي فَهْمُ معانيه من غيرِ العملِ به، ولا يمكنُ العملُ به من غيرِ فَهْمِ مَعَانِيهِ.
وطريقُ فَهْمِ القرآنِ هي تَدَبُّرُ ألفاظِهِ ومعانيه، والتفكرُ فيها، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: آية ٨٢] وقال (تعالى): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: آية ٢٤] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص: آية ٢٩].
كما أن فَهْمَهُ يحصلُ بِتَطَلُّبِ تفسيرِه من كلامِ العلماءِ الراسخين في هذا البابِ الشريفِ، الشارحين لآياتِ القرآنِ الكريمِ، وَالْمُبَيِّنِينَ لمدلولاتِها، سواءً كان الأخذُ عنهم مشافهةً، أو عن طريقِ مُصَنَّفَاتِهِمْ.
وإن من العلماءِ الأفذاذِ الذين بَلَغُوا شَأْوًا عظيمًا في علمِ التفسيرِ، العلامةَ الْمُفَسِّرَ الأصوليَّ محمد الأمين الشنقيطي (﵀)، وهو -وإن كان من المتأخرين- إلا أن سماعَ كلامِه في التفسيرِ يُذَكِّرُ سامعَه بالأئمةِ المتقدمين.
ومعلومٌ أن التأخرَ والمعاصرةَ لا يُطَفِّفَانِ حَقَّ العالِم إذا كان مُتَحَقِّقًا في العلمِ. فـ «ليس لقِدَمِ العهد يُفَضَّل القائلُ (^١)، ولا لحِدْثَانِ
_________________
(١) هكذا ضبطه القرافي وجماعة (القائل) بالقاف، وذهب الزبيدي وجماعة إلى أنه بالفاء (الفائل) من: فال رأيه إذا ضعف. انظر: تاج العروس (١/ ٢٩).
[ ١ / ١٣ ]
عهدٍ يُهْتَضَم الْمُصِيبُ، ولكن يُعْطَى كلٌّ ما يَسْتَحِقُّ» (^١).
ذلك أن نتائجَ الأفكارِ لا تنقضي لانقضاءِ عصرٍ بِعَيْنِهِ؛ بل لكلِّ عَالِمٍ ومتعلمٍ مِنْ ذلك حظٌّ بحسبِ إخَاذِهِ، وليس ثَمَّةَ ما يمنعُ أن يُدَّخَرَ لبعضِ المتأخرين ما لم يُوهَبْ لبعضِ المتقدمين، وعليه فلا عِبْرَةَ بقولِ بعضِهم: «مَا تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ»!! فإن هذه الكلمةَ بالغةُ الضررِ بالعلمِ؛ لكونها قاطعةً للآمالِ عن تحصيلِه والإضافةِ فيه، كما لا يَخْفَى. ولكن ينبغي أن يقالَ: «كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ». والشيءُ إنما يُسْتَجَادُ ويسترذلُ لِجَوْدَتِه وَرَدَاءَتِهِ لا لِتَقَدُّمِ قائلِه أو تَأَخُّرِهِ (^٢).
قال أبو محمد بن قتيبة (﵀) في مقدمةِ (الشعرِ والشعراءِ): «وَلَمْ أَسْلُكْ فيما ذكرتُه من شعرِ كُلِّ شاعرٍ مُخْتَارًا له سبيلَ مَنْ قلَّدَ أو استحسن باستحسانِ غيرِه، ولا نظرتُ إلى المتقدمِ منهم بعينِ الجلالةِ لِتَقَدُّمِهِ، وإلى المتأخرِ منهم بعينِ الاحتقارِ لِتَأَخُّرِهِ، بل نظرتُ بعينِ العدلِ على الفَرِيقَيْنِ، وأعطيتُ كُلًاّ حَظَّهُ، ووفرتُ عليه حَقَّهُ، فإني رأيتُ من علمائنا مَنْ يستجيدُ الشعرَ السخيفَ لتقدمِ قائلِه، ويضعُه في مُتَخَيَّرِهِ، ويُرْذِل الشعرَ الرصينَ، ولا عيبَ له عنده إلا أنه قِيلَ في زمانِه، أو أنه رأى قائلَه، ولم يَقْصُرِ اللَّهُ العلمَ والشعرَ والبلاغةَ على زمنٍ دونَ زمنٍ، ولا خَصَّ به قومًا دونَ قومٍ، بل جعلَ ذلك مُشْتَركًا مَقْسُومًا بين عبادِه في كُلِّ دَهْرٍ، وجعلَ كُلَّ قَدِيمٍ حديثًا
_________________
(١) ما بين الأقواس «» من كلام المبرد في «الكامل» (١/ ٤٣).
(٢) انظر: كشف الظنون (١/ ٣٩)، ولأحمد بن فارس (﵀) كلام مفيد في هذا الموضوع نقله الأُستاذ عبد السلام هارون (﵀) في مقدمة التحقيق لكتاب (المقاييس في اللغة) (١/ ١٥ - ٢٠).
[ ١ / ١٤ ]
في عصرِه، وَكُلَّ شَرَفٍ خارجيَّةً (^١) فِي أوَّله، فقد كان جَرِيرٌ، والفرزدقُ، والأخطلُ. . . وأمثالهم يُعَدُّون مُحْدَثِينَ. . .، ثم صار هؤلاء قدماءَ عندنا بِبُعْدِ العهدِ منهم، وكذلك يكونُ مَنْ بعدهم لِمَنْ بَعْدَنَا، فكلُّ مَنْ أتى بحَسَنٍ مِنْ قولٍ أو فِعْلٍ ذكرناه له وَأَثْنَيْنَا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخرُ قائلِه أو فاعلِه، ولا حداثةُ سِنِّهِ؛ كما أن الرديءَ إذا وَرَدَ علينا للمتقدمِ أو الشريفِ لم يَرْفَعْهُ عندنا شرفُ صاحبِه ولا تَقَدُّمُهُ» اهـ (^٢).
وقال في مقدمةِ (عُيُونِ الأَخْبَارِ): «وكذلك مَذْهَبُنَا فيما نختاره من كلامِ المتأخرين وأشعارِ الْمُحْدَثِينَ، إذا كان متخيَّرَ اللفظِ، لطيفَ المعنى، لم يُزْرِ به عندنا تَأَخُّرُ قائِله، كما أنه إذا كان بخلافِ ذلك لم يَرْفَعْهُ تقدُّمُه، فكلُّ قديمٍ حديثٌ في عصرِه، وكلُّ شرفٍ فَأَوَّلُهُ خارجيةٌ، وَمِنْ شأنِ عوامِّ الناسِ رفعُ المعدومِ، ووضعُ الموجودِ، ورفضُ المبذولِ، وَحُبُّ الممنوعِ، وتعظيمُ المتقدمِ وغفرانُ زَلَّتِهِ، وبخسُ المتأخرِ والتَّجَنِّي عليه، والعاقلُ منهم ينظرُ بعينِ العدلِ لا بعينِ الرِّضَا، ويزنُ الأمورَ بالقسطاسِ المستقيمِ» اهـ (^٣).
وقال ابنُ مالكٍ (﵀) في مقدمةِ التسهيلِ: «وإذا كانتِ العلومُ مِنَحًا إلهيةً، ومواهبَ اختصاصيةً، فغيرُ مُسْتَبْعَدٍ أن يُدَّخَرَ لبعضِ المتأخرين ما عَسُرَ على كثير من المتقدمين» اهـ (^٤).
_________________
(١) الخارجيَّة: خيل لا عِرقَ لها في الجودة، فتُخرَّج سوابق، والخارجي: الذي يخرج ويشرف بنفسه من غير أن يكون له قديم، وتقول: «خرجت خوارج فلان» إذا ظهرت نجابته. انظر: اللسان (مادة: خرج) (١/ ٨٠٨)، القاموس (مادة: خرج) ص ٢٣٧.
(٢) الشعر والشعراء ٢٣ - ٢٤.
(٣) عيون الأخبار (١/م - ن).
(٤) المساعد على تسهيل الفوائد (١/ ٣).
[ ١ / ١٥ ]
وقال الزبيدي (﵀) في مُقَدِّمَتِهِ لشرحِ القاموسِ: «وكأني بالعالِم المصنفِ قد اطَّلَعَ عليه فَارْتَضَاهُ، وأَجَالَ فيه نَظْرةَ ذِي عَلَقٍ فَاجْتَبَاهُ، ولم يَلْتَفِتْ إلى حُدوثِ عهدِه وقربِ ميلادِه؛ لأنه إنما يُستجَاد الشيء ويُستَرذل لجودته ورداءتِه في ذاته لا لِقِدَمِه وحُدُوثِهِ، وبالجاهلِ المُشِطِّ قد سَمِعَ به فَسَارَعَ إلى تمزيقِ فروتِه وتوجيهِ المَعَابِ إليه. . . والذي غَرَّهُ أنه عَمَلٌ مُحْدَثٌ ولا عملٌ قديمٌ، وَحَسْبُكَ أن الأشياءَ تُنْتَقَدُ أو تُبَهرجُ؛ لأنها تَليدةٌ أو طَارِفَةٌ» اهـ (^١).
وقد أحسنَ القائلُ (^٢):
قُلْ لِمَنْ لَا يَرَى الْمُعَاصِرَ شَيْئًا وَيَرَى لِلأَوَائِلِ التَّقْدِيمَا
إِنَّ ذَاكَ الْقَدِيمَ كَانَ حَدِيثًا وَسَيُمْسِي هَذَا الْحَدِيثُ قَدِيمَا
والشيخُ الأمينُ (﵀) عَالِمٌ متضلعٌ في فنونٍ عِدَّةٍ مِنْ أَبْرَزِهَا التفسيرُ. وسيأتي قولُه في سياقِ ترجمتِه: «لَا توجدُ آيةٌ في القرآنِ إلَاّ دَرَسْتُهَا عَلَى حِدَةٍ» اهـ.
وللشيخِ (﵀) كتابٌ في تفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ يُعَدُّ مِنْ أَحْسَنِ التفاسيرِ وَأَجْوَدِهَا.
وإذا كان عِلْمُ التفسيرِ مَعْدُودًا في جملةِ العلومِ الضروريةِ، وكان الشيخُ الأمينُ بهذه المنزلةِ من الرسوخِ فيه، فَحُقَّ على طلبةِ العلمِ أن يُعْنَوْا بما تَرَكَهُ الشيخُ (﵀) في هذا البابِ.
وإن من هذه التركةِ النفيسةِ: عشراتٌ من الأشرطةِ الصوتيةِ التي تَحْوِي كثيرًا من دروسِ الشيخِ (﵀) في التفسيرِ.
_________________
(١) تاج العروس (١/ ٥).
(٢) البيتان لابن شرف القيرواني، كما في مسائل الانتقاد ص ٥.
[ ١ / ١٦ ]
وقد كنتُ أَعْجَبُ من إغفالِ كِتَابَتِهَا وإخراجِها للناسِ مقروءةً كي يَعُمَّ الانتفاعُ بها؛ ذلك أن تلكَ الأشرطةَ يَصْعُبُ الانتفاعُ بها بسببِ عدمِ وضوحِها في الغالبِ، سواءً من جهةِ ضَعْفِ التسجيلِ آنذَاك، أو من جهةِ سرعةِ الشيخِ (﵀) في الإلقاءِ. فصحَّ العزمُ على إخراجِ ذلك خدمةً لكتابِ اللَّهِ (تعالى)، ووفاءً للشيخِ الْمُفَسِّرِ (رحمه الله تعالى).
ولا يَخْفَى أن مثلَ هذا الأمرِ يتطلبُ جُهْدًا كبيرًا من نَاحِيَتَيْنِ:
الناحيةُ الأُولَى: صعوبةُ كتابةِ محتوياتِ الأشرطةِ لِمَا سَبَقَ.
الناحيةُ الثانيةُ: صعوبةُ توثيقِ المادةِ العلميةِ التي يُورِدُهَا الشيخُ (﵀)؛ ذلك أن دَرْسَهُ حافلٌ بالمعلوماتِ المختلفةِ من شَتَّى الفنونِ، من تفسيرٍ، ولغةٍ، وإعرابٍ، وسيرةٍ، وتاريخٍ، وأصولٍ، وقراءاتٍ، وغيرِ ذلك.
ومما يزيدُ التوثيقَ صعوبةً أن الشيخَ (﵀) لا يُعْنَى بالعَزْوِ إلى كتبِ التفسيرِ أو أعلامِه، الأمرُ الذي قَدْ لا يتميزُ معه بعضُ ما أخذَه من غيرِه مما فَتَحَ اللَّهُ به عليه.