[١/أ] / ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (٦)﴾ [الأنفال: الآيات ١ - ٦].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: الآية ١].
الجماهير من العلماء (^١) على أن سبب نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في غنائم بدر، لما اصطف المسلمون لقتال المشركين
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٢٧)، القرطبي (٧/ ٣٦٠)، ابن كثير (٢/ ٢٨٣)، الأضواء (٢/ ٣٤٢).
[ ٤ / ٤٦٧ ]
كانت المشيخة رِدْءًا لهم، وكان الشباب تلقّى العدو، وكان قوم يحرسون رسول الله ﷺ لما بُني له العريش يوم بدر. فلما هزم الله المشركين، وأخذ المسلمون غنائمهم، وقع خلاف ومشاجرة بين الصحابة، قال الذين أخذوا الغنيمة: نحن الذين احتويناها وحُزناها فليس لغيرنا نصيب فيها!
وقال المشيخة: نحن كنا رِدْءًا لكم فلو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلستم أحق منا!
وقال الآخرون: نحن ليس بنا جبن ولا بخل، وإنما خفنا أن ينال العدو غِرَّة من رسول الله ﷺ فكنا نُحدِق بنبي الله نحرسه من العدو، فلستم بأحق منا! فوقع هذا الخلاف والتنازع، وهذا سبب نزول هذه الآية الكريمة كما عليه جماهير العلماء، وحديث عبادة بن الصامت فيه (﵁) عند أحمد وأصحاب السنن مشهور (^١)، قال: فينا معاشر المسلمين نزلت، لما أخذنا غنائم بدر ساءت أخلاقنا وتنازعنا فأنزل الله الآية، وبيّن أن الأمر فيها إلى الله وإلى رسوله، ففعل فيها رسول الله ما أرضى الله، وما أصلح به ذات البين بين الجميع، وما حصل به تقوى الله، كما يأتي إيضاحه، وهذا القول -أنها نزلت في غنائم بدر جميعها- هو المعروف عند جماهير العلماء.
_________________
(١) أحمد (٥/ ٣٢٤)، والحاكم (٢/ ١٣٥، ١٣٦، ٣٢٦). وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي، والبيهقي (٦/ ٢٩٢)، والواحدي في أسباب النزول ص٢٣٢، وابن جرير (١٣/ ٣٧٠، ٣٧١). وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٩٢): «ورجال أحمد ثقات» اهـ وانظر أيضًا: (٧/ ٢٦) منه.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
وفي سبب نزولها أربعة أقوال أُخر معروفة عند العلماء.
قال بعض العلماء: () (^١) خاصة دون بعض، والذين قالوا هذا القول استدلوا بحديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد وغيره قال سعد: لما قُتِلَ أخي عمير يوم بدر -لأن عمير بن أبي وقاص من شهداء بدر كانوا يقولون: إنه قتله عمرو بن عبد ود (^٢) فكان أخوه سعد (﵁) أصابه من قتل أخيه أمر عظيم، وحمل على الكفار وقتل سعيد بن العاص، وأخذ سيفه، وكان يسمى (ذو الكتيفة) قال: فجئت به رسول الله ﷺ فقلت: أعطنيه يا رسول الله، فقال: «لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ فَاطْرَحْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، وَاجْعَلْهُ فِي القَبَضِ» - يعني محل غنائم المسلمين- قال: فخرجت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سَلَبي. قال: ثم رجعت إليه فقلت: أعطنيه؟ فرفع لي صوته: «اطْرَحْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، إلى الثالثة، قال: فذهبت به فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: «إِنَّكَ سَأَلْتَنِي السَّيْفَ وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ لِي، وَالآنَ صَارَ لِي فَخُذْهُ» (^٣). فأعطاه إياه.
فاستدلوا بهذا
_________________
(١) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. والمراد: أنها نزلت في الشيء الخاص يُسأل من الغنيمة قبل أن تُقسم. انظر ابن جرير (١٣/ ٣٧١).
(٢) في البداية والنهاية (٣/ ٣٢٧) أن الذي قتله: العاص بن سعيد. وقال الحافظ في الإصابة (٣/ ٣٥): «يقال: وقتله عمرو بن عبد ود العامري الذي قتله علي يوم الخندق» اهـ وقال في آخر الترجمة (٣/ ٣٦): «وأخرج البغوي من طريق محمد بن عبد الله الثقفي عن سعد قال: لما كان يوم بدر قُتل أخي عمير، وقتلت أنا سعيد بن العاص، كذا فيه، والصواب: العاص بن سعيد بن العاص» اهـ.
(٣) الحديث أصله في مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبي وقاص ﵁، حديث رقم: (١٧٤٨) (٤/ ١٨٧٧)، وفي الجهاد والسير، باب الأنفال، حديث رقم: (١٧٤٨)، (٣/ ١٣٦٧). وهو في مسند الإمام أحمد (١/ ١٧٨، ١٨١، ١٨٦). وللتوسع في تخريجه راجع الطبعة المحققة من المسند (١٥٣٤، ١٥٦٧، ١٦١٤).
[ ٤ / ٤٦٩ ]
على أن الأنفال المسئول عنها: الشيء الخاص، كهذا السيف ينفله النبي ﷺ أو الإمام لبعض الناس.
وقال بعض العلماء: هي نزلت في خُمس الغنيمة (^١).
وقال بعض العلماء: نزلت في خُمس الخمس خاصة.
كل هذا قال به جماعة من العلماء.
وقال عطاء وغيره (^٢): نزلت فيما يشذُّ إلى المسلمين من الكافرين من غير قتال، كالفرس يأتي المسلمين من الكفار بلا قتال.
هذه الأقوال جاءت في سبب نزول هذه الآية الكريمة، والذي عليه جماهير المفسرين: أن نزولها في غنائم بدر كما بينّا، لما اختلف الصحابة فيهم، وقال قوم: لا نصيب فيها لغيرنا؛ لأنا نحن الذين احتويناها. وقال الآخرون: كنا رِدْءًا لكم فلو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلستم أحق منّا، وقال الآخرون: نحن كنا نشتغل بحراسة رسول الله ﷺ فلستم أحق منا. ولذا لما اختصموا هذا الخصام كأن الله لامهم وقال لهم: لا تصرف لكم فيها، فالأمر فيها إلى الله وإلى رسوله. فقسمها رسول الله ﷺ بينهم على السواء، وكان بعض العلماء يقول: إنه لما التقى الجيشان رغّب وقال: مَنْ أَسرَ أسيرًا فله
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٦٥).
(٢) المصدر السابق (١٣/ ٣٦٣).
[ ٤ / ٤٧٠ ]
كذا، ومن قتل قتيلًا فله كذا. فقال له بعض أصحابه: لو وفيت لهم بهذا لم يَبْقَ للآخرين شيء!! ووقع بعض الخصام (^١).
وقال بعض العلماء: كان الخصام بسبب النفر الثمانية الذين قسم لهم رسول الله ﷺ في غنائم بدر ولم يشهدوا بدرًا. والحق أن هذا -وإن ذَكَرَهُ الأخباريون وأصحاب المغازي- أنه لم يُنْزل الخلاف، ومعروف عند أصحاب المغازي أن ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ضرب لهم النبي ﷺ بسهامهم في مغانم بدر ولم يشهدوها (^٢)، أما ثلاثة المهاجرين فهم: عثمان بن عفان (﵁)؛ لأن النبي ﷺ لما خرج إلى بدر الكبرى كانت ابنته رقية (﵂) مريضة، وكانت إذ ذاك زوجة عثمان بن عفان (﵁)، فأمره أن يبقى يمرضها، وتوفيت يوم مجيء زيد بن حارثة بالبشارة بما فتح الله على النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر، فقسم له في المغنم. قال بعضهم: والأجر، والآخران من المهاجرين: طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، أرسلهما النبي ﷺ يتجسسان على عير أبي سفيان قبل وصولها لبدر إلى جهة الشام، ففاتت بدرٌ ولم يحضرا، فقسم لهما، وأما خمسة [الأنصار] (^٣): فمنهم: أبو لبابة بن عبد المنذر كان النبي ﷺ خلّفه على المدينة، ومنهم
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. رقم: (٩٤٨٣) (٥/ ٢٣٩). وهذا الإسناد لا يصح. وقد عزاه في الدر (٣/ ١٦٠) لعبد بن حميد وابن مردويه. وهو عند ابن أبي شيبة في كتاب المغازي المفرد (١٢٨) ص١٧٨ مختصرًا دون ذكر قول بعض الصحابة هذا. ورجال إسناده ثقات.
(٢) انظر: البداية والنهاية (٣/ ٣٢٧).
(٣) في الأصل: «المهاجرين» وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٤٧١ ]
الحارث بن الصمة، وخوَّات بن جبير (رضي الله عن الجميع) أصابهما مرض فردهما رسول الله ﷺ، ومنهم الحارث بن حاطب رده النبي ﷺ إلى قباء ليكون على بَنِي عمرو بن عوف حتى يرجع ﷺ، وعاصم بن عدي العجْلاني خلّفه النبيّ ﷺ على العوالي.
والتحقيق الذي عليه الجمهور: أنها نزلت في اختلاف الصحابة في غنائم بدر؛ ولذا قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ [الأنفال: الآية ١] الأنفال: جمع نَفَل -بفتحتين- وأصل النفل الزيادة، فكل زائد يُسمى نَفَلًا، ومنه قيل للزائد على الواجبات: نفل. وإنما سُميت المغانم أنفالًا؛ لأن الله زادها من الحلال لهذه الأمة، لم تكن تحل لمن قبلها. والنَّفَل: المغنم، والأنفال: المغانم. وهذا معروف في كلام العرب (^١)، وقد نزل به القرآن، ومن إطلاق النَفَل على المغنم قول لبيد بن ربيعة (^٢):
إِنَّ تَقْوى ربِّنَا خَيْرُ نَفَلْ وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وعَجَلْ
يعني: تقوى الله خير غنيمة يغتنمها الإنسان في حياته، ومن إطلاق الأنفال على المغانم قول عنترة (^٣):
إِنَّا إِذَا احْمَرَّ الوَغَى نُروي القَنا ونَعفّ عند تَقَاسُمِ الأنْفَالِ
أي: قسم المغانم كما هو معروف. قل لهم يا نبي الله مجيبًا عن سؤالهم: الأنفال -الغنائم- أي: وعلى الأخص غنائم بدر هذه ﴿لِلَّهِ﴾؛ لأنه هو مالكها الذي أقْدَرَكُمْ على أخْذِهَا، المتصرف فيها
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٦١)، القرطبي (٧/ ٣٦١).
(٢) البيت في ابن جرير (١٣/ ٣٦٦)، الكامل للمبرد (٣/ ١٣٥١).
(٣) ديوانه ص١٠٧.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
كيف يشاء ﴿وَالرَّسُولِ﴾ ذكر الرسول ﷺ؛ لأنه جعل أمْرَهَا إليه وفَوَّضَه إليه، ليس لأحد فيها كلام؛ لينقطع خصامهم، ويضْمَحِلّ نِزَاعُهُمْ، فقسمها رسول الله ﷺ بينهم على السوية قسمة عدل على أحسن ما يكون، والتحقيق: أن النبي ﷺ خَمَّسَ غنائم بدر -أخرج منها الخُمس- كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب (﵁) في قصة الشارفين من الإبل اللتين ذبحهما حمزة بن عبد المطلب لما كان به سُكْر قبل تحريم الخمر. قال: إن أحدهما مِنْ سَهْمِه يوم بدر، وإن الشارف الثانية أعطاها له رسول الله ﷺ من خُمْس الغنيمة يوم بدر (^١). فدلّ ذلك على أنه خَمَّسَها.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال مَعْرُوف، وهو أن يقول طالب العلم: إذا قَرَّرْتُمْ أن سَبَبَ نزول الآية في المغانم جميعها لا في خصوص الذي يشذ من الكفار إلى المسلمين، ولا في خصوص الذي يُنفّله الإمام لبعض الجيش، ولا في تنفيل الإمام لبعض السرايا التي يرسلها، ولا في خصوص الخُمس، ولا في خصوص خُمس الخُمس، فكيف تكون لا حق فيها للغانمين؟ والله يقول: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤١]. وهذه الآية من هذه السورة الكريمة نص في أن أرباع الغنيمة أنها ملك للغانمين استحقوها، وأن الخارج عنهم منها هو الخمس؟ هذا سؤال
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع، باب ما يُكره من الحلف في البيع، حديث رقم: (٢٠٨٩)، (٤/ ٣١٦) وأطرافه في (٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، حديث رقم: (١٩٧٩) (٣/ ١٥٦٨).
[ ٤ / ٤٧٣ ]
معروف وقد أجاب العلماء عنه بجوابين (^١):
أحدهما: ما ذكره أبو عبيدة وعزاه القرطبي لجمهور العلماء أن آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لله وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: الآية ١] منسوخة بآية ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٤١].
القول الثاني -وليس ببعيد-: أن معنى أنها لله: أنه هو المتصرف فيها، وأن نسبتها للرسول ﷺ من حيث أنه القاسم، الذي يقسمها على ما يرضي الله (جل وعلا)، فلا ينافي أن لهم حقوقًا فيها، كما قسمها ﷺ عليهمِ بالسواء، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح كثيرة في تفسير قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٤١] إن شاء الله، وهذا معنى قوله: ﴿قُلِ الأَنفَالُ لله وَالرَّسُولِ﴾.
﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: اتقوا الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا تتخاصموا هذا الخصام بحضرة رسول الله ﷺ لعرض من الدنيا.
﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ معنى: ﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ أي: الأحوال الكائنة فيما بينكم مما يستوجب المحبة والوئام، وما يستوجب النُفرة والوحشة والفراق، هذه الأحوال التي تكون فيما بينكم أصلحوها لتكون جارية على ما ينبغي وعلى ما يرضي الله، وقد اشتهر في كلام العرب إطلاق (إصلاح ذات البين) على أن يصلح ما بين هذا وهذا من الأحوال حتى يكون الشيء الذي بينهما على الحالة التي تنبغي، خاليًا من النزاع والخصام والنفرة وغير ذلك.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٨٠)، القرطبي (٨/ ٢)، الأضواء (٢/ ٣٤٥).
[ ٤ / ٤٧٤ ]
﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ طاعة الله (جل وعلا) هي: امتثال أمره واجتناب نهيه، ومن ذلك أن لا تختصموا في عَرَضٍ من الدنيا عند رسول الله ﷺ، وأطيعوا رسوله ﷺ واقبلوا وارضوا بما يفعله بينكم من قَسْم هذه الغنائم.
قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ هذه أصلها تُشكل على بعض أهل العلم؛ لأن المعروف في كلام العرب أنَّ (إنْ) الشرطية تدل على الشك في الشرط، وهم مؤمنون لا شك في إيمانهم، فكيف يتقيّد إيمانهم بالشرط مع أنهم مؤمنون؟!
(إنْ) هذه أصلها من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين (^١)، فعلماء الكوفيين يقولون: إنَّ (إنْ) هنا بمعنى (إذ) التعليلية ﴿واتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مؤْمِنينَ﴾ قالوا: واتقوا الله إذ كنتم مؤمنين، أي: لأجل كونكم مؤمنين فاتقوا الله؛ لأن إيمانكم سبب يحملكم على تقوى الله، قالوا: وإتيان (إنْ) بمعنى (إذ) أسلوب عربي معروف، قالوا: ومنه قول الفرزدق وهو عربي فصيح (^٢):
أَتَغْضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيبةَ حُزَّتَا جِهَارًا ولم تَغضَبْ لقَتْل ابنِ خَازِمِ
معناها: أتغضب لأجل حزّ أذني قتيبة.
والبصريون يقولون: إنَّ (إنْ) هذه تستعمل استعمالين:
أحدهما: يراد به التهييج والحض على الفعل، وأن ذلك أسلوب عربي معروف، كما تقول للرجل الكريم: (إن كنت
_________________
(١) انظر: الحروف العاملة في القرآن الكريم ٦٣٩، ٦٤٧، ٧٠٤ - ٧١١، وراجع ما سبق عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
ابن الكرام فاقض حاجتي) وأنت تعلم أنه ابن الكرام، إلا أنك تهيجه بهذا الكلام وتستثيره وتحمله على الامتثال، والاستثارة بأداة الشرط في هذا المعنى أسلوب عربي معروف، العرب تقول: (إن لم أفعل كذا فلست ابن فلان)، و(إن كنت ابن فلان فافعل كذا) تهيجه على الفعل وتحضه عليه. فعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ تهييجهم وتحريضهم إلى امتثال أمر الله جل وعلا.
الثاني: في بعض الأشياء التي لا يُحتمل فيها هذا كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: الآية ٢٧] وقوله ﷺ في حديث زيارة القبور: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (^١). فإنهم لاحقون قطعًا، وداخلون المسجد قطعًا، قال بعض العلماء: جيء بـ (إنْ) في مثل هذا ليُعلِّم الناس أنهم لا يتحدثون عن المستقبل إلا معلقين بمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشيء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: الآية ٢٤] فلما كانت المشيئة يُعلق بها في الشيء الواقع لا محالة فما بالك بغيره؟! هكذا قالوا، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ١].
ثم بيّنَ صِفَات المؤمنين الذين هم مؤمنون حقًّا بمعنى الكلمة قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٢] (إنما) أداة حصر كما بينَّا؛ أي: إنما المؤمنون الكامِلُون في إيمانهم كمالًا كما ينبغي ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أي: إذا سَمِعُوا ذِكْرَ الله ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الوجل في لغة العرب معناه: الخوف؛ أي: خافت قلوبهم عند ذكر الله
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٧٦ ]
إعظامًا لله (جل وعلا) وإجلالًا له، وخوفًا من بأسه وبَطْشِهِ، فالمُؤْمِنُ الحَقِيقِيُّ إذا سَمِعَ ذكر الله وجل قَلْبُهُ، أي: خَافَ قَلْبُهُ استعظامًا لرب العالمين، وإجلالًا له، وخوفًا من عقابه، وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والعرب تقول: وَجِلَ من الأمر، يَوجَل، وجلًا: إذا خاف منه، ومنه قول إبراهيم للملائكة لما لم يرَ أيديهم تصل إلى العجل الذي قربه إليهم: ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُواْ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ [الحجر: الآيتان ٥٢، ٥٣] فالوجل الخوف.
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ (^١) أي: قُرئت عليهم آياته، والياء في ﴿تُلِيَتْ﴾ أصلها مُبدلة من واو؛ لأن مادة التلاوة من الناقص الذي لامه واو (^٢)، وأصل التلاوة مصدر سيال، والعرب تقول: تلاه يتلوه: إذا تبعه، تقول العرب: هذا يتلو هذا؛ أي: يتبعه، ومنه قيل للجمل الذي يتبع النوق لضرابها: (التالي)؛ لأنه يتبع إناث الإبل كما هو معروف، ومنه قول غيلان ذي الرمة (^٣):
إذا الجَافِر التالي تَنَاسَيْنَ عهده وعارضْنَ أنفاسَ الرياحِ الجَنَائِبِ
وإنما قيل للقراءة (تلاوة) لأن القراءة مصدر سيال لا بد من حرف يتلوه حرف، يتلوه حرف، يتلوه حرف، حتى يتجمع من هذا المتلو: المقروء ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ أي: قُرئت عليهم آياته ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: تصديقًا بالله إلى تصديقهم، وإيمانًا إلى إيمانهم.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٣٣٩.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
وهذه الآية وأمثالها في القرآن نصوص صريحة على أن الإيمان يزيد كما أنه ينقص (^١)؛ لأن الآيات الدالة على أن الإيمان يزيد متعددة في كتاب الله، كقوله هنا: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله: ﴿فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: الآية ١٢٤] ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: الآية ٤] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: الآية ٣١] ونحو ذلك من الآيات، وهذه الآيات المصرحة بزيادة الإيمان تدل بدلالة الالتزام على أن الإيمان ينقص بنقص الأعمال، وقد جاء مصرحًا بذلك من النبيّ ﷺ في أحاديث الشفاعة المتواترة: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» (^٢)
ونحو ذلك من الآيات، فالذي ليس في قلبه إلا وزن حبة أو شعيرة من إيمان فلا شك أن إيمانه ناقص، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بزيادة الأعمال الصالحة، وينقص بنقصانها، كما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فقول المتكلمين:
_________________
(١) انظر: الإيمان لأبي عبيد ص٢٤، الإيمان للعدني ص٩٤، الإيمان لابن منده (١/ ٣٤٥)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٥/ ٨٩٠)، الشريعة للآجري ص١١١، أصول السنة لابن أبي زمنين (رياض الجنة ص٢١١)، تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٥٦) الإيمان لابن تيمية ص٢١١، تفسير ابن كثير (٢/ ٢٨٥، ٤٠٢)، (٣/ ٧٤)، شرح الطحاوية ص٤٦٦، زيادة الإيمان ونقصانه لعبد الرزاق البدر، الأضواء (٢/ ٣٤٦).
(٢) البخاري في الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه. حديث رقم: (٤٤) (١/ ١٠٣) وأطرافه: (٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦). ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم: (١٩٣) (١/ ١٨٢) ..
[ ٤ / ٤٧٨ ]
«إنه لا يزيد ولا ينقص، وإنما ذلك بحسب التعلقات» قول لا يخفى بطلانه على متأمل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ التوكل على الله هو: الثقة به (جل وعلا) وتفويض جميع الأمور إليه، فهنا ذكر من صفات المؤمنين أولًا: الخوف من الله (جل وعلا)، والثانية: زيادة الإيمان، والثالثة: تفويض الأمر إلى الله والتوكل عليه في كل شيء.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم: إن الله (جل وعلا) ذكر في هذه الآية الكريمة من صفات المؤمنين أنهم إذا سمعوا ذكر الله ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت قلوبهم، مع أنه ذكر في موضع آخر أن ذكر الله يكون سببًا لطمأنينة القلوب، كما قال تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: الآية ٢٨] قالوا كيف جمع بين الوجل والطمأنينة عند ذكر الله؟!
والجواب عن هذا (^١) مشهور عند العلماء لا إشكال فيه، وهو أن الطمأنينة إنما تعتري قلوبهم إذا سمعوا ذكر الله لما انشرحت له صدورهم من معرفة الحق وتيقُّنه، فقلوبهم مطمئنة غاية الطمأنينة إلى معرفة الحق، عالمون أنه حق لا يخالجهم شك، ومع هذا يخافون من الله أن لا يتقبل منهم أعمالهم ونحو ذلك، وهذه صفة المؤمنين يطمئنون باليقين ويخافون ربهم (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٢].
_________________
(١) انظر: تفسير القاسمي (٨/ ٩).
[ ٤ / ٤٧٩ ]
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال: الآية ٣] إقامة الصلاة: وهو الإتيان بها على الوجه الأكمل المطلوب، كالمحافظة على شروطها، وأوقاتها، وصلاتها في الجماعات، وإعطائها حقها في السجود والركوع ونحو ذلك من الأركان.
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ قال بعض العلماء: يعني الزكاة؛ لأنها رديفة للصلاة في القرآن، والأظهر أنه أعم من الزكاة، أنهم ينفقون مما رزقهم الله النفقة الواجبة وغيرها من النفقات المستحبات المرغب فيها من مواساة الفقراء، وصِلَات الأرحام، ونحو ذلك (^١)، وهذا معنى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: الآية ٤] أولئك الذين هذه صفاتهم هم المؤمنون حقًّا، قال بعض العلماء: قوله: ﴿حَقًّا﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: المؤمنون إيمانًا حقًّا، والتحقيق المعروف عند علماء العربية: أن (حقًّا) هنا من نوع المصدر المُؤَكِّد لعامله، وهو الجملة قبله؛ لأن قوله: ﴿حَقًّا﴾ مُؤكِّد للإسناد الخبريّ في قوله: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أُحِقُّ ذلك حقًّا، وأُؤكِّد ذلك الإيمان توكيدًا (^٢).
﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ الدرجات: جمع درجة. قال بعض العلماء (^٣): هي درجات الجنات يوم القيامة؛ لأن الناس لهم درجات
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٨٨).
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٥٨ - ٥٥٩).
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٨٩).
[ ٤ / ٤٨٠ ]
يوم القيامة في الجنة بحسب أعمالهم ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: الآية ١٩] وقد يكون بعض الناس يتراءى أصحاب الغُرف كالكوكب الدُّري ينظره أهل الأرض لمباعدة ما بينهم، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: الآية ٢١].
وقال بعض العلماء: الدرجات: المقامات، والأول أظْهَرُ، ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ (مَفْعِلَة) من غفران الذنوب. وأصله ستر الذنوب وتغطيتها بحلم الله حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها (^١).
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو رزق الجنة؛ من مآكلها ومشاربها، كما جاء مبينًا في مواضع من كتاب الله، وهذا معنى قوله لهم: ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (٦)﴾ [الأنفال: الآيتان ٥، ٦].
الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ اختلفت فيها عبارات المفسرين إلى خمسة عشر قولًا (^٢)، كثير منها لا يظهر، بل يظهر سقوطه لعدم الدليل عليه، وعدم تمشّيه مع لغة العرب، فهي من الآيات التي كثر فيها غلط المفسرين حتى اختلفوا فيها إلى خمسة عشر طريقًا معروفة في كتب التفسير، والآية في الجملة دلت على تشبيه شيء بشيء بناء على الصحيح من أن الكاف للتشبيه.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأعراف.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٩١)، القرطبي (٧/ ٣٦٧)، الدر المصون (٥/ ٥٥٩).
[ ٤ / ٤٨١ ]
وأظهر الأقوال وأقربها: أن الله شبه فيها قصة بقصة؛ لأنه وقع في أول غزوة بدر قصتان:
إحداهما: أن الله ﵎ لما هَزَمَ المُشْرِكِينَ ونَفَّلَ المُسْلِمِينَ غَنَائِمَهُمْ، وحصلت عند المسلمين غنائم اختلفوا فيها، فجعل الله الأمر فيها إلى رسوله فقسمها رسوله ﷺ وبعضهم في نفسه غير راغب في تلك القسمة؛ لأنه كان يرى أنه أولى من غيره، فقد قضى الله عليهم شيئًا ليس هو رغبتهم لكنه هو المصلحة لهم في دينهم ودنياهم، هذه المسألة المشبّهة.
والمسألة المشبه بها: أن الله أخرج نبيه من بيته في المدينة -هنا (^١) - أخرجه إلى غزوة بدر الكبرى، فقد كان ﷺ خرج لحكمة الله (جل وعلا)، خرج وكأنه يقصد عير أبي سفيان ليأخذ المال ليس دونه قتال، فلما خرج ﷺ يريد أخذ مال لا قتال دونه في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا من أصحابه، وشاء الله أن أبا سفيان سَاحَلَ بِعِيْرِه إلى جهة ساحل البحر، وأرسل إلى قريش ضمضم بن عمرو الغفَاري ليبادروا عِيرهم، قال: لا يأخذها محمد ﷺ كما فعل بعِير ابن الحضرمي بنخلة، وجاء النفير، وأُخبر النبي ﷺ أن نفير قريش جاءهم جيش عرمرم في عَدده وعُدده، والله (﵎) أراد أن يُخرجهم إلى عِير ليسهل عليهم الخروج ويجعلهم ليسوا مستعدين للقتال ليُجَرِّئ عليهم نفير قريش.
ليقضي الله أمره -كما سيأتي تفاصيله- وسنذكر في هذه السورة الكريمة -إن شاء الله- حاصل غزوة بدر وما فيها من المهمات؛ لأنها مذكورة في هذه السورة
_________________
(١) معلوم أن الشيخ (﵀) كان يلقي هذه الدروس في المسجد النبوي.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
الكريمة -أعني غزوة بدر- والحاصل أنهما قصتان كان إحداهما شُبّهت بالأخرى، كما أن الله وكل قسم الغنائم إلى رسوله ﷺ وبعضهم لا يرغب في هذا؛ لأنه يرى أنه أحق من غيره، كذلك أخرج رسوله إلى أخذ مال من عِير فجاءها نفير، فصار بعض الصحابة يكره ملاقاة النفير ويقول: ما خرجنا مستعدِّين لقتال الرجال الذين هم في عَددهم وعُددهم، إنما خرجنا لأخذ عِير لا قتال دونها ولا سلاح، فهم كرهوا ملاقاة النفير -جيش قريش- مع أن ملاقاته فيها لهم المصلحة، فالذي كرهوه من قَسْم غنائم بدر هو الذي لهم فيه مصلحة الدنيا والآخرة، والذي كرهوه من خروج رسول الله ﷺ بهم الذي آل إلى قتال جيش قريش كرهوه وهو أيضًا خير لهم في دينهم ودنياهم، فالله (﵎) كأنه أشار بالتشبيه على هذا القول إلى أنه أعلم بمصالحهم من خلقه، وأن خلقه يكرهون شيئًا والمصلحة لهم فيما يختاره لهم ربهم كما قال جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢١٦] هذا أقرب الأقوال، وكثير من الأقوال ساقط سقوطًا بيّنًا، وهذا أقربها، واختاره غير واحد.
وقال بعض العلماء: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كما أن إخراج ربك إياك حق لا شك فيه.
وقال بعض العلماء: هي التي تدل على المجازاة والتعليل، كما تقول لِعَبْدِكَ: (كما أحسنتُ إليك فأطعني). وتقول لمن ترسله إلى مهمة: (كما قطعت عِللك ووفرت لك جميع الأسباب فافعل ما ينبغي). وأنه على هذا كأنه يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وغشاكم النعاس، وثبتكم بالملائكة، وأنزل عليكم ماء
[ ٤ / ٤٨٣ ]
السماء ليطهركم به، وليربط على قلوبكم ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢] ولا يخلو هذا من بُعد، وأقربها هو ما ذكرنا من أنهما مسألتان كلاهما أراد الصحابة فيها غير الأصلح، وكره بعضهم ما هو الأصلح لهم فيها، فبيّن الله لهم أنهم في المسألتين كرهوا ما هو الأصلح لهم، وأن الله (جل وعلا) فعل بهم ما هو الأصلح ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: الآية ٢١٦].
قوله: ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ﴾ التحقيق أن المراد به خروجه من بيته في المدينة إلى عِير أبي سفيان، وقد تَمَخَّضَ هذا الخروج عن قتال جيش قريش في بدر الكبرى. هذا هو التحقيق، خلافًا لقوم زعموا أن معنى: ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مِنْ مَسْقَطِ رأسك مكة أخرجك ربك بسبب معاداة قومك لك ﴿بِالْحَقِّ﴾ وهذا خلاف التحقيق، والأول هو الصحيح (^١).
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لكارهون للخروج لما علموا أن القتال قتال النفير، وأن الأمر ليس أمر العير، وذلك كما سيأتي شرحه وإيضاحه أن عير أبي سفيان وفيها أموال قريش، فيها أموال كثيرة، وقد ذهبت إلى الشام في رحلة الصيف، كما في قوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: الآية ٢] وقد سمع بها ﷺ أنها ذهبت إلى الشام، فتلقّاها وهي واردة إلى الشام حتى بلغ العُشيرة -وهي غزوة العُشيرة- ففاته أبو سفيان ولم يدركه، ثم كان يترقب قفول العير ليعترض لها فيستعين بما فيها من الأموال، فلما حان قُفول
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٩٤).
[ ٤ / ٤٨٤ ]
العير استنهض ﷺ مَنْ خَفَّ من أصحابه، وكانوا لا يرون أنه قتال؛ ولذا راحوا في قلة من العَدد والعُدد، خرج معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا يريدون عير أبي سفيان [١/ب] وسيأتي /شرح هذه القصة، وغزوة بدر (^١)، وعلى كل حال أنه لما خرج ﷺ وقرُب من بدر أرسل بسبس (^٢) بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء ينتظرون خبر القوم (^٣)، ثم راح هو وأبو بكر وجاءوا إلى شيخ من بني غفار (^٤)؛
لأن بدرًا أصله ماء لبني غفار سُمِّي برجل من غفار يُسمى (بدرًا) هو الذي حفر بئر بدر، فقال له ﷺ: «أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِي سُفْيَانَ؟» قال له: لا أخبرك حتى تخبرني، قال له ﷺ: «إن أخبرتنا أخبرناك»، فقال له الشيخ: ذاك بذاك؟! قال: «نعم»، قال: أُخبرت أن محمدًا ﷺ خرج في تاريخ كذا وإن كان المخبر صادقًا فهو الآن في محل كذا -وهو نفس المحل الذي فيه رسول الله ﷺ وأصحابه- وأن أبا سفيان خرج بعِيْرِه بتاريخ كذا، وإن كان المخبر صادقًا فإنه يكون في محل كذا -للمحل الذي فيه أبو سفيان، فلما أعطاهم الخبر قال: أنجزوا لي الوعد، فأخبروني؟ فقال له ﷺ: «نحْنُ مِنْ مَاءٍ». وصار الشيخ يقول: من ماء؟ من ماء العراق؟ لا يدري ما يقصده
_________________
(١) انظر تفاصيل الغزوة في السيرة لابن هشام (٢/ ٦٤٣) فما بعدها.
(٢) في صحيح مسلم (١٩٠١): «بُسَيْسَة». قال النووي في شرح مسلم (١٣/ ٤٧): «هكذا هو في جميع النسخ» اهـ ونقل عن القاضي قوله: «والمعروف في كتب السيرة: بسبس وهو بسبس بن عمرو» وعقبه النووي بقوله: «يجوز أن يكون أحد اللفظين اسمًا له والآخر لقبًا» اهـ. وانظر: إكمال المُعلم (٦/ ٣٢٢).
(٣) انظر: السيرة ص٦٥٣.
(٤) وهو سفيان الضمري كما في ابن هشام ..
[ ٤ / ٤٨٥ ]
رسول الله ﷺ (^١). فبعد أن ذهب رسول الله وأبو بكر جاء أبو سفيان أمام عِيره يتجسّس الخبر، فقصّ عليه الغفاري قصة ما جرى له مع النبي ﷺ (^٢)،
فقال: هل أناخ بعيره؟ قال: نعم، فأراه الموضع الذي أناخ فيه رسول الله، فجاء فوجد بعر البعير ففتته فإذا فيه النوى، قال: هذه والله علائف يثرب؛ لأنهم يعلفون مواشيهم النوى، وآجر في ذلك الوقت ضمضم بن عمرو الغفاري يقرن بين مشي الليل والنهار لينذر قريشًا أن عِيرَهُم تعرضها محمد ﷺ، وذهب هو بالعِير وسَاحَل بها إلى جهة ساحل البحر، وأبعد بها عن بدر، ولم يلبث الغفاري أن جاء قريشًا فاستنفروا بسرعة وجاءوا، فلما جاءوا علم بهم رسول الله ﷺ أن الجيش أتى، وأن العِير سلمت، وكان الصحابة يكرهون هذا، وكان الله -جل وعلا- وعد نبيه بأنه يعطيه إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، وكان أصحابه (﵃) يرغبون في أن يكون الوعد بالعِير لا بالنفير كما سيأتي في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧] فلما علموا أنه النفير وعلم ﷺ بجيش قريش أنه أقبل يريده، وقص خبره على أصحابه، كره جماعة منهم ملاقاته غاية الكراهة، حتى قال تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ
_________________
(١) ابن هشام ص٦٥٤، والبداية والنهاية (٣/ ٢٦٤).
(٢) المعروف أن بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء أتيا بدرًا فأناخا إلى تل قريب من الماء، وكان مجدي بن عمرو الجهني على الماء ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ وأقبل أبو سفيان حتى ورد الماء، فقال لمجدي: هل أحسست أحدًا؟ فقال: ما رأيت أحدًا أُنكره إلا أنني قد رأيت راكبَيْنِ قد أناخَا إلى هذا التل إلخ. كما في سيرة ابن هشام ص٦٥٥ ..
[ ٤ / ٤٨٦ ]
وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٦] من شدة خوفهم وكراهتهم؛ ولذا قال لنبيه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: الآية ٦] الحق تبين أن الله أمرك بالخروج ووعدك إحدى الطائفتين: إما أن يمكنك من العير، وإما أن ينصرك ويظفرك بالنفير.
وهذا حق ووعد من الله لا شك فيه، وهم يجادلون في هذا الحق بعد ما أوضحه الله لرسوله فيقولوا: نحن ما استعددنا أولًا لقتال النفير، إنما خرجنا لنأخذ عيرًا ولم نستعد للقتال فدعْنا نرجع حتى نستعد للقتال. وهذا إخراجه من بيته الذي كرهوه وكان خيرًا لهم؛ ولذا قال: ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: الآية ٥] وهذا الحق الذي أخرجه من بيته متلبسًا به هو نصرة دينه، وإعزاز كلمته، وإعلاء كلمة الله (جل وعلا) لأن أول وقعة عظُمت فيها قوة الإسلام، وارتفعت فيها كلمة الله وعلت، وعزّ بها المسلمون وانتصروا هي غزوة بدر الكبرى هذه، وسنُلم بتفاصيلها -إن شاء الله- في هذه الآيات المقبلة؛ لأن الله ذكر في هذه الآيات الآتية من سورة الأنفال غزوة بدر الكبرى؛ ولذا قال هنا: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين هم معك ﴿لَكَارِهُونَ﴾ لذلك الخروج لما علموا أنه آيل إلى قتال الجيش لا إلى العير ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ [الأنفال: الآية ٦] وهو أن الله (جل وعلا) أمرك أن تخرج خروجًا متلبسًا بالحق، ووعدك إحدى الطائفتين: إما العير وإما النفير، فأنت ظافر لا محالة، فخروجك خروج حق مصحوب بالوعد من الله بالنصر والظفر إما بالعِير وإما بالنفير، ومع هذا يخاصمون ويجادلون في الحق بعد ظهوره فيقولون: نحن ما كنا مستعدين للقتال، فما خرجنا إلا لنأخذ عيرًا لا حرب دونها.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
وهذا معنى قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ من شدة كراهتهم لقتال العدو ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ لأن من يساق إلى الموت وهو يرى وينظر هذا أعظم شيء عليه، وهذا في بعضهم لا في كلهم، كما قد أشرنا إليه سابقًا من أن النبيّ ﷺ لما سمع بأنهم استنفروا النفير وأنه آتيهم، قال بعض العلماء: كان الذي أرسله له سرًّا بذلك عمه العباس بن عبد المطلب -والله تعالى أعلم- فلما أخبر قومه به جادل قوم في الحق، وقالوا: ما خرجنا للقتال، وإنما خرجنا للعير، فدعنا نرجع فنستعد للقتال، وتكلم أبو بكر وعمر فأحسنا، وتكلم المقداد بن عمرو -وهو المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو (﵁) - وقال كلامه المشهور: والله لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغِمَاد لجالدنا من دونه معك، لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: الآية ٢٤] إلى آخر كلامه (^١). وأنه لما أعاد الكلام مرارًا، قال له سعد بن معاذ: كأنك تريدنا معشر الأنصار؟ قال: نعم، وقال له كلامه العظيم الذي يقول في جملته: لقد بايعناك على الحق، وعلمنا أنك رسول الله ﷺ، وإنا لقوم صُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء (^٢).
[وهذا يدل على أن الصحابة تباينت مواقفهم فما] (^٣) كرهوا كلهم هذا الخروج بل بعضهم رغب فيه وحبَّذه وصرح بالإعانة عليه،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
(٣) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
خلافًا للبعض الآخر. وهذا معنى قوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٦] لشدة كراهتهم لقتال ذلك الجيش.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: الآيات ٧ - ١١].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآيات ٧، ٨].
المراد بالطائفتين هنا كما أطبق عليه عامة المفسرين: هما العِير والنفير. العِير: الإبل تحمل المتاع، والنفير: الجيش في سلاحه وعدده وعُدده.
وقد ذكرنا فيما مضى أن بدرًا (الكبرى) هذه؛ لأن بدرًا ثلاث غزوات كلها تسمى بدرًا، وهي: بدر الأولى، وبدر الكبرى -هي هذه التي يُقال لها بدر العظمى- وبدر الأخيرة بعد أُحد في العام القادم كما تقدم إيضاحه في تفسير سورة آل عمران، وقد ذكرنا فيما تقدم أن أبا سفيان خرج إلى الشام في الرحلة إلى الشام معه عير فيها كثير من أموال قريش، وقد علم النبي ﷺ بذهابها إلى الشام فتلقّاها
[ ٤ / ٤٨٩ ]
وهي ذاهبة إلى الشام ليأخذ المال الذي يشترون به مِنَ الشام ففاتته العير، وبلغ (العُشيرة) ورجع منها إلى المدينة، وهي غزوة العُشيرة، ثم بعد ذلك صار يترقب رجوع عِير أبي سفيان، فلما حان وقت قفولها وعلم أنها راجعة استنفر من خفَّ من أصحابه وتلقاها وقال لهم: «اخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللهَ يُنَفِّلكُمُوهَا»؛ ليستعينوا بها على أمور دينهم ودنياهم؛ لأنهم في ذلك الوقت ينقص عليهم المال، فاستنفر ﷺ من كان ظهره حاضرًا من القوم ولم يخرجوا معدّين للقتال، لكن خرجوا يتلقّون عِيْرًا، والمؤرخون يقولون: إن العِير فيها أربعون رجلًا أو ثلاثون رجلًا من قريش، فيهم رئيسهم أبو سفيان بن حرب، وفيهم عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل، وغيرهم من قريش (^١). فسار إلى العِير في ثلاثماثة وثلاثة عشر رجلًا من أصحابه ليس عندهم من السيوف إلا ثمانية سيوف، ولا من الخيل إلا فرسان. يقولون: إن إحداهما تحت المقداد بن عمرو، والثانية تحت الزبير بن العوام، وذكر بعض أصحاب المغازي أن إحداهما عند مصعب بن عمير (﵃ أجمعين)، والأول هو المشهور عند أصحاب المغازي. عندهم ثمانية سيوف -فيما يقولون- وفرسان، ونحو من سبعين بعيرًا يعتقبون عليها، كل ثلاثة يعتقبون على بعير، وذكروا أن النبي ﷺ كان هو وعلي بن أبي طالب (﵁) ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون على بعير (^٢)،
وكانت إذا جاءت عقبة رسول الله ﷺ قالوا: «اركب حتى نمشي عنك» فلم يرض إلا أن يمشي كما يمشون، ويقول لهم:
_________________
(١) انظر: السيرة لابن هشام ص٦٤٣.
(٢) المصدر السابق ص٦٥١ ..
[ ٤ / ٤٩٠ ]
«لَسْتُمْ بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَسْتُ بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا» (^١). وما ذكره بعض المؤرخين وأصحاب المغازي من أن اللَّذَين كانا يعتقبان مع النبي ﷺ هما: علي وأبو لبابة بن عبد المنذر لا ينافي ما عليه الأكثرون من أن الثالث هو مرثد بن أبي مرثد الغنوي؛ لأنّا قدمنا أن أبا لبابة بن عبد المنذر ردّه النبيّ ﷺ من الروحاء وخلفه على المدينة، ردّه إليها من الروحاء، فلعل مُعاقبة أبي لبابة كانت قبل رجوعه، وبعد أن ردّه النبي ﷺ إلى المدينة صار مكانه مرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵁ (^٢).
ثم إنهم ذهبوا في طريقهم ذلك حتى قربوا من بدر، وقد أرسل النبي ﷺ قبل ذلك طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد يتجسسان أخبار عِير أبي سفيان إلى جهة الشام، وقد انتهت الوقعة قبل رجوعهما، وأرسل أيضًا بسبس بن عمرو الجهني -حليف بني ساعدة- وعدي بن أبي الزغباء (﵄) يتجسسان الخبر، وقد جاءاه ببعض الخبر لأنهم لما جاءا بئر بدر وأناخا بعيريهما سمعا -عدي بن أبي الزغباء هذا، وبسبس بن عمرو (﵄) - سمعا جاريتين تُداين إحداهما الأخرى، والتي تُطالَبُ تقول لها: إن عِير أبي سفيان ستنزل هنا غدًا فأشتغل عندهم وأقضيك من ذلك،
_________________
(١) أحمد (١/ ٤١٨، ٤٢٢)، والنسائي (في الكبرى) في السير، باب الاعتقاب في الدابة، حديث رقم: (٨٨٠٧) (٥/ ٢٥٠)، والحاكم (٣/ ٢٠)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٣٩)، والبزار (كشف الأستار) (٢/ ٣١٠)، وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٦٩) وعقبه بقوله: «وفيه عاصم بن بهدلة وحديثه حسن، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح» اهـ.
(٢) انظر: البداية والنهاية (٣/ ٢٦١).
[ ٤ / ٤٩١ ]
وعلى الماء رجل من بني غفار (^١)، فقال للجارية الطالبة: صدقت فسترد العير وستقضيك إذا اشتغلت عندها، فأخبرا رسول الله ﷺ بذلك (^٢). وقد جاء رسول الله ومعه أبو بكر وسأل الشيخ الغفاري الذي كان على الماء واسمه سفيان (^٣) كما ذكرنا. وأخبرهما عن موقع النبي ﷺ وعن موضع أبي سفيان، وقد قال له النبي: «نحن من ماء» كما ذكرنا.
وذكر الأخباريون (^٤) أن أبا سفيان جاء وفَتَّت بعض أبعار النواضح، بعضهم يقول: فتت بعر بعير بسبس وعدي بن أبي الزغباء فوجد في بعر البعير النوى فقال: هذه علائف يثرب. ولم يشك في أنها من النبيّ ﷺ وأصحابه، فرجع مسرعًا وردّ العِير عن بدر أصلًا وسَاحَل بها إلى جهة البحر، وأسرع بها هناك، وآجر ضمضم بن عمرو الغفاري على أن يسير سيرًا مسرعًا إلى قريش ويخبرهم أن محمدًا ﷺ تعرض لعِيرِهم فيها أموالهم، والمؤرخون يقولون: إن هذه العير فيها ألف بعير كلها تحمل الأموال، وفيها أربعون أو ثلاثون رجلًا من قريش، وهي تحمل مالًا كثيرًا، فأسرع ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش بمشي سريع وجاءهم بسرعة، ولما قرُب منهم جدع أُذني البعير الذي هو عليه. وحوَّل الرحل، وشق القميص، وصاح بصوت مزعج: يا معشر قريش اللطيمة
_________________
(١) الذي على الماء: مجدي بن عمرو الجهني، كما في ابن هشام ص٦٥٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) اسمه: سفيان الضمري. (ابن هشام ص٦٥٤) والبداية والنهاية (٣/ ٢٦٤). وهو آخر غير الجهني الذي جاءه بسبس وصاحبه.
(٤) ابن هشام ص٦٥٦، والبداية والنهاية (٣/ ٢٦٥).
[ ٤ / ٤٩٢ ]
اللطيمة. واللطيمة: الإبل تحمل المتاع، كما قال نابغة ذبيان (^١):
يَطُوفُ بها وَسْطَ اللَّطِيمَةِ بَائِعُ
إن محمدًا تعرض لعِيرِكم يريد أن يأخذها كما أخذ عِير ابن الحضرمي. وبعضهم يقول: إن بين وقعة بدر وبين قضية عِير ابن الحضرمي شهرين فقط، والله تعالى أعلم.
وقبل مجيء ضمضم بن عمرو الغفاري بثلاث ليالٍ رأت عاتكة بنت عبد المطلب (﵂) رؤيا هائلة عجيبة أَسَرَّت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب (﵁)، قالت له: إني رأيت في منامي رؤيا عجيبة أخاف أن يصل إلى قومك منها شر. قال: وما هي؟ قالت: رأيت راكبًا على بعير له، لما جاء بالأبطح رفع صوته ونادى: ألا انفروا إلى مصارعكم في ثلاث. قالت: وأناخ بعيره على ظهر الكعبة فيما ترى في نومها وصرخ بهم مرات: ألا انفروا إلى مصارعكم في ثلاث، وفعل كذلك على جبل أبي قبيس، وأرسل صخرة عظيمة من أبي قبيس فلما جاءت إلى أسفل الجبل ارفَضَّت - أي انكسرت وتفرقت شظاياها - فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا دخله منها شيء. كانت أسرّت هذه الرؤيا إلى العباس أخيها واستكتمته عليها، فأَسَرَّها العباس إلى بعض أصدقائه من بني ربيعة، فأَسَرَّها ذلك إلى غيره حتى فشى الخبر وتناقلها الناس، فأتى العباس البيت ليطوف وإذا أبو جهل في نفر من قريش، فقال له أبو جهل: إذا
_________________
(١) هذا الشطر الأخير من بيت أوله: «على ظهر مبناه جديد سيورُها» وهو في ديوانه ص٥٣.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
انتهيت من طوافك فأتنا. فلما أتاهم قال له أبو جهل: يا أبا الفضل متى حَدَثَتْ فيكم هذه النبية الجديدة؟! أما كفاكم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! هي قالت: إنّا ننفر إلى مصارعنا في ثلاث، فسننتظر هذه الثلاث، وإن انقضت ولم يكن فيها شيء كتبنا عليكم أنكم أكذب بيت من العرب، فالعباس في ذلك الوقت لم يغضب ولم يقل شيئًا إلا أنه أنكر وجحد أن أخته رأت شيئًا، فلما كان بالليل ورجع إلى أهله وجد نساء بني عبد المطلب كلهن في شدة الغضب، وقلن له: هذا الفاسق يسب رجالنا ثم شرع يسب نساءنا وأنت لا تغيّر شيئًا؟! فأوغرن صدره عليه، وغضب العباس وندم على ما فات منه، وأصبح ينوي التعرض لأبي جهل لإن عاد إلى ذلك لينتقمن منه، وكان ذلك هو اليوم الثالث من أيام الرؤيا، فجاءه في المسجد يتعرض إليه وأبو جهل مشغول؛ لأنه يسمع صوت ضمضم بن عمرو والعباس لا يسمعه، كان أبو جهل حديد السمع، فرآه مشغولًا حتى وثب إلى باب المسجد فإذا ضمضم على بعيره يقول: «اللطيمة، اللطيمة». إلى آخر ما ذكرنا (^١)،
فاشتغلوا وتجهزوا سراعًا إلى النبي ﷺ وقالوا: يظن محمد أنها كعِير ابن الحضرمي!! لا والله ليكونن غير ذلك، ثم إنهم تجهزوا مسرعين ولم يبق من أشراف قريش أحد.
وتخلف من أشرافهم: أبو لهب بن عبد المطلب -قبحه الله- واستأجر العاص بن هشام بن المغيرة لِدَيْنٍ كان له عليه، أنه يذهب مكانه وبدله إلى بدر-قبحه الله- ثم إنهم لما تهيؤوا للسفر قالوا: إن بينكم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة حربًا، إن خرجتم عن
_________________
(١) ابن هشام ٦٤٤ - ٦٤٧ ..
[ ٤ / ٤٩٤ ]
دياركم لعل بني بكر أن تأتي بلدكم بعدكم وتأخذ نساءكم وصبيانكم وأموالكم ليس دونهم رجال، وكان بين قريش وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة حرب (^١) سببها أن رجلًا من بني عامر بن لؤي وهو ابن لحفص - رجلٌ من بني عامر بن لؤي، أخو مكرز بن حفص (﵁) الصحابي المشهور- كان قتله رجل من بني بكر بن كنانة، فأخذ مكرز بن حفص بثأره فقتل الكناني، فصارت بين قريش وبين كنانة قاتل ومقتول، وصارت بينهم حرب، فلما خافوا كنانة جاءهم إبليس اللعين علنًا متمثلًا لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم (﵁)، وهو الذي ساخت به قوائم فرسه لما تبع النبيّ ﷺ في سفر الهجرة، وهو سراقة بن مالك بن جعشم (﵁) صار من أصحاب رسول الله - أسلم - وهو سيد بني مدلج من بني بكر بن كنانة، جاء الشيطان في صورته، وهم يعرفون سراقة، كأنه سراقة لا ينكرون منه شيئًا، وهو الشيطان متمثل في صورة ذلك الرجل، وقال لهم: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، إني جار لكم من كنانة، لا يمكن أن يصلوا إليكم بسوء.
كما سيأتي تفاصيل هذا في هذه السورة الكريمة؛ لأنه قال: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] هو الشيطان لما تمثل لهم بصورة سراقة بن مالك (﵁)، ولم يزل معهم يَقِيلُ معهم حيث قالوا، ويبيت معهم حيث باتوا، حتى تراءى الجمعان يوم بدر، ورأى الشيطَان الملائكة ينزلون من السماء -لنصر دين الله- لما رأى الملائكة خاف القبيح وقال لهم: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ نكص على
_________________
(١) المصدر السابق ص٦٤٨.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
عقبيه وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (^١) [الأنفال: الآية ٤٨]، وبعد ذلك تقول قريش: خذلنا سراقة وهرب عنا. ولم يعلموا أنه الشيطان حتى أسلموا وسمعوا قصته تُتلى في سورة الأنفال هذه (^٢)،
فلما قال لهم الشيطان: إني جار لكم من بني بكر، وخرجوا، وكان أمية بن خلف -من سادات قريش - هَمَّ أن لا يخرج؛ لأنه كان صديقًا لسعد بن معاذ (﵁) في الجاهلية، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل عند سعد، وكان سعد إذا مر
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (٣/ ٢٥٩، ٢٨٣).
(٢) خبر مجيء الشيطان يوم بدر على صورة سراقة بن مالك (﵁) جاء في روايات عدة عن جماعة، منهم:
(٣) ابن عباس. عند ابن جرير (١٤/ ٧) (من طريق ابن أبي طلحة)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٧١٥)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٧٩). وعزاه في الدر (٣/ ١٩٠) لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والواقدي.
(٤) رفاعة بن رافع الأنصاري. وقد ذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٧٧) وعزاه للطبراني، وقال: «وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف» اهـ وعزاه في الدر (٣/ ١٩٠) للطبراني وأبي نعيم في الدلائل.
(٥) السدي. عند ابن جرير (١٤/ ٨).
(٦) عروة بن الزبير. عند ابن جرير (١٤/ ٨).
(٧) ابن إسحاق عند ابن جرير (١٤/ ٨).
(٨) محمد بن كعب عند ابن جرير (١٤/ ١١).
(٩) يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد. عند ابن أبي حاتم (٥/ ١٧١٥). وقد ذكر ابن كثير (٢/ ٣١٧) بعض هذه الروايات، وأورد غيرها من طريق الواقدي وابن إسحاق.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
بمكة أو جاء معتمرًا نزل عند أمية، وكان سعد (﵁) بعد أن وصل إليهم النبيّ ﷺ في هجرته ذهب معتمرًا إلى مكة ونزل عند أمية بن خلف، فقال له: انظر لي وقتًا يكون البيت ليس عنده أحد لأطوف. فراح به منتصف النهار ليطوف ببيت الله الحرام، فرآه أبو جهل يطوف فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن معاذ. قال: تطوف بالبيت آمنًا وأنتم آويتم محمدًا وأصحابه؟! فقال له سعد: والله إن منعتني من مكة لأمنعنك مُتَّجرك إلى الشام!! ورفع صوته، وقال له أُمية بن خلف: يا سعد لا ترفع عليه صوتك!! هذا سيد أهل الوادي، فغضب سعد وقال لأمية: لقد سمعت رسول ﷺ يقول: «إنهُمْ قَاتِلُوكَ»، فجزع أمية جزعًا شديدًا لعلمه أن النبي ﷺ لا يقول إلا حقًّا، ورجع إلى امرأته فقال: يا أم صفوان أما سمعتِ ما قال أخي اليثربي؟! قالت: ماذا قال؟ قال: إنه سمع محمدًا ﷺ يقول: إنه قاتلي، فقالت: والله ما يكذب محمد ﷺ. هم مع كفرهم وعنادهم يعلمون أنه لا يكذب!! فلما تهيؤوا للنفير أراد أمية أن يتخلَّف، فجاءه أبو جهل وقال: يا أبا صفوان أنت من سادة أهل الوادي إذا تخلفت تخلف الناس، فلا بد أن تذهب، فلم يزل به حتى ذهب (^١).
وقال بعضهم (^٢): جاءه عقبة بن أبي معيط بطيب ومجمر فقال له: تَبَخَّرْ بهذا فإنما أنت من النساء! فلم يزالوا به حتى خرج، وخرجوا مُوعِدِين للحرب، لم يبق من سادات قريش وقادتها أحد إلا
_________________
(١) البخاري، كتاب المغازي، باب ذكر النبي ﷺ من يُقتل ببدر. حديث رقم: (٣٩٥٠) (٧/ ٢٨٢). وطرفه في (٣٦٣٢).
(٢) البداية والنهاية (٣/ ٢٥٨).
[ ٤ / ٤٩٧ ]
ما ذكرنا عن أبي لهب - قبحه الله - وذكر أصحاب المغازي المطعمين منهم (^١) فقالوا: عندما خرجوا من مكة نحر لهم أبو جهل عمرو بن هشام -قبحه الله- عشرًا من الإبل، ثم من الغد نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعًا من الإبل؛ لأنهم يومًا ينحرون عشرًا ويومًا تسعًا، ثم نحر لهم بقديد سهيل بن عمرو عشرًا من الإبل، ثم من قُديد ذهبوا إلى المياه إلى جهة ساحل البحر فأقاموا هناك يومًا، فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعًا من الإبل، ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشرًا من الإبل، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم منبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان عشرًا من الإبل، ثم نحر لهم العباس عشرًا من الإبل، ونحر لهم أبو البختري بن هشام على ماء بدر عشرًا من الأبل، وأرسل لهم إيماء بن رحفة الغفاري عشرًا من الإبل. وغير ذلك كانوا يأكلون من أزوادهم، فلما نجى أبو سفيان أرسل إلى قريش: أن ارجعوا فإنكم كنتم تريدون أن تمنعوا أموالكم وعيركم وقد نجاها الله فارجعوا فلا حاجة لكم بقتال محمد وأصحابه. فقال اللعين أبو جهل: والله لا نرجع حتى نَرِدَ بدرًا، وتعزف علينا القيان، ونشرب الخمور، وتسمع العرب بنا فتهابنا. وكانت بدر موسمًا من مواسم العرب في الزمن القديم، وكان الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، فلما سلمت العير ونجت وكان فيها رجل واحد من بني زهرة، بعضهم يقول: هو مخرمة بن نوفل، فقال الأخنس بن شريق: والله لترجعن يا بني زهرة، وهذا ابن بنتكم إن غلب الناس كُلًا فَعِزُّهُ وشرفه لكم، وإن غلبته العرب كفتكم إياه. فرجع ببني زهرة ولم يشهدها زهري أبدًا، ولم يخرج من مكة فيها عدوي أبدًا، فبنو عديّ وبنو زهرة
_________________
(١) ابن هشام ص٧٠٧.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
لم يشهد بدرًا أحد منهم مع الكفار (^١).
بعد ذلك كان للأخنس بن شريق شرف في بني زهرة، وهو حليف لهم، أصله من بني ثقيف، وابنه أبو الحكم بن الأخنس هو الذي قتل عبد الله بن جحش المُجَدَّع يوم أُحد كما تقدم في تفسير سورة آل عمران، وعندما جاءوا ونزلوا وراء الكثيب وراء العقنقل بالعدوة القصوى من بدر كان النبي ﷺ نزل بواد فيه دهس ورمل تسوخ فيه الأقدام من وراء عدوة بدر الدنيا التي تلي المدينة، وكان أولئك نزلوا وراء العقنقل -الكثيب الكبير- فأرسل الله مطرًا تلك الليلة التي وقعة بدر من صبيحتها، وكانت ليلة الجمعة، وهي الليلة السابعة عشرة من رمضان عام اثنين من الهجرة، فكان المطر الذي نزل على رسول الله وأصحابه واقعًا موقعه؛ لأن المحل الذي كانوا فيه كان الوادي فيه دهس؛ يعني: رمل تسوخ فيه الأقدام، وكانوا في عطش، وناموا تلك الليلة؛ لأن الله سلط عليهم النعاس كما هو أحد التفسيرين على ما سيأتي في قوله: ﴿إِذْ يُغَشيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ١١] فجاءهم الشيطان ووسوس لهم وسوسة ثقلت على بعض الصحابة ثِقلًا شديدًا، فقال لهم: أنتم تقولون إنكم على الحق -هذه وسوسة إبليس التي أثر عليهم بها- أنتم تقولون إنكم على الحق، وفيكم نبيُّ الله، وأنتم في عطَش، وعليكم الجنابة لا تجدون ماء تغتسلون به، فسيجهدكم العطش حتى إذا علم القوم أن العطش قطع أعناقكم جاءوكم فقتلوا من شاءوا، وأخذوا مَنْ شاءوا، فأرسل الله المطر حتى سال الوادي فاغتسلوا من الجنابة، وتطهروا وشربوا وسقوا دوابهم، وثَبَّتَ لهم المطر الأرض الدهسة، حتى صار المشي عليها
_________________
(١) المصدر السابق ص٦٥٧.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
ليس فيه كلفة عليهم، وكانت العدوة القصوى التي بها الكفار لما جاءها المطر كان بها وحل -أي طين- تسوخ به الأقدام، فلم يقدروا على الرحيل منها في ذلك الوقت، ثم بعد ذلك لما خرجوا وجاءوهم متصوبين من الكثيب الكبير العقنقل، وكان النبي ﷺ أول الليلة التي من صبيحتها بدر أرسل طائفة من أصحابه فيهم علي، والزبير بن العوام (﵃) فوجدوا واردة لقريش، منهم غلام لمنبه ونبيه ابني الحجاج من بني سهم وغيرهم فأخذوهم فجاءوا بهم والنبي يصلي ﷺ والصحابة (﵃) كانوا
يحبون أن تكون الراوية الواردة لأبي سفيان؛ لأنهم يحبون العير ويكرهون النفير، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧] فإذا قالوا لهم: أين أبو سفيان؟ قالوا: لا علم لنا بأبي سفيان، ولكنا مع قريش: فلان بن فلان ..، ويعدّون لهم سادات قريش: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وغير ذلك من صناديد قريش، فإذا قالوا لهم هذا ضربوهم، فإذا ضربوهم تخلصوا منهم وقالوا: نحن واردة أبي سفيان. فإذا قالوا ذلك تركوهم! حتى انصرف النبي ﷺ من صلاته وقال: «إذَا صَدَقُوكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمْ، وإذا كَذَبُوكُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ؟! واللهِ إنَّهُمْ لَوَارِدَةُ الجَيْشِ»، وسألهم النبي ﷺ: «كم عددهُم»؟! فقالوا: كثير ولا ندري عددهم. فقال: «كم يَنْحَرُون؟» قالوا: يومًا عشرًا من الإبل، ويومًا تسعًا، قال: «القَوْمُ ما بين التِّسْعِمِائَةِ والأَلْفِ» وهو كما قال ﷺ. قال: «مَنْ فِيهم؟» فعدّوا صناديد قريش وأشرافها فذكروا أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وحكيم بن
[ ٤ / ٥٠٠ ]
حزام، وزمعة بن الأسود، وأبا البختري، وعمرو بن عبد وُدٍّ، وذكروا جميع سادة قريش وقادتها، وقال لهم ﷺ: «هَذِهِ مَكَّةُ رَمَتْكُمْ بِأَفْلَاذِ كَبِدِهَا» (^١).
وقد أرسل القوم عمير بن وهب الجمحي (﵁) وهو في ذلك الوقت كافر مع الكفار، وقالوا له: اذهب فاحزر لنا القوم، فجاءهم عمير وقال لهم: حزرت القوم فوجدتهم ثلاثمائة يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلًا، ولكن أنظروني أنظر هل للقوم كمين؟ فركب فرسه وجال في الوادي حتى أبعد ورجع إلى قومه فقال: والله ما لهم كمين، وقال لهم: والله لا يُقتل رجل منهم حتى يَقْتُل رجلًا منكم، والله لقد رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، رأيت البلايا تحمل المنايا، فالرأي عندي أن ترجعوا عن هؤلاء. فسمع كلامه حكيم بن حزام بن خويلد (﵁) فجاء إلى عتبة وقال له: قريش لا تطلب عند محمد ﷺ شيئًا إلا ثأر عمرو بن الحضرمي -الذي قُتل في سرية نخلة- وهو حليفك، فتول أمره وارجع بقريش، فقال عتبة بن ربيعة: هو حليفي، وعليَّ جبنها وعَقْلُ حليفي عليَّ، وارجعوا من هنا، ولا حاجة لكم بقتال محمد وأصحابه، فاتفق رأي حكيم، وعمير بن وهب، وعتبة بن ربيعة على رجوع القوم. فقال عتبة بن ربيعة لحكيم: الصواب أنه نرجع ولكن انظر إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل- فلما جاءه من عند عتبة وقال له: إن عتبة يقول لك إنه حمل عقل صاحبه، وحمل جبنها، فارجع بالناس فقال أبو جهل: انتفخ سَحَرُ عتبة من الجبن -والسَّحَر: الرئة، هم يقولون: إن الإنسان إذا اشتد خوفه انتفخت رئته في صدره فملأت
_________________
(١) المصدر السابق ص٦٥٤ - ٦٥٥.
[ ٤ / ٥٠١ ]
صدره، كذا قال- فغضب عند ذلك عتبة وقال: سيعلم مصفر استك غدًا من الجبان! وأمر أبو جهل -قبحه الله- عامر بن الحضرمي أخا عمرو بن الحضرمي أن ينشد ثأره، فقام عامر بن الحضرمي وقال: واثأراه، واعَمْرَاه، فاحتدم الناس للقتال، وأفسد أبو جهل كل ما أراد عتبة وحكيم وعمير أن يصلحوه (^١)، فلما وقع ذلك قال بعض المؤرخين (^٢):
أول قتيل قُتل من الكفار قبل المبارزة: الأسود بن عبد الأسد، جاء وأراد أن يقتحم الحوض الذي بناه ﷺ وأصحابه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه سبقوا إلى بدر، وأقام النبي ﷺ عند أول قليب فجاءه الحُباب بن المنذر بن الجموح (﵁) وقال له: يا نبي الله إن كان هذا وحيًا من الله فلا ينبغي لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه، وإن كان الرأي والحرب والمكيدة فلنا منه حول. فقال: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ والحَرْبُ والمَكِيدَةُ». قال: الأصلح في ذلك أن نذهب إلى أقرب قليب من القوم ونُغَوِّر جميع القُلُب، ونترك ذلك القليب ونبني عليه حوضًا، ونلقي فيه الأواني، فإن غلبنا القوم: شربنا ومنعناهم من الماء، وإن غلبونا قدرنا على أن نشرب (^٣).
فذلك الحوض لم يشرب منه أحد إلا مات، إلا حكيم بن حزام جاء الأسود هذا ليشرب منه فقتله حمزة بن عبد المطلب (﵁) ثم إنه لما احتدم القتال جاء ﷺ وصف أصحابه للقتال، وبُني له
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٦٤)، وانظر المصدر السابق ص٦٦١ - ٦٦٣.
(٢) انظر: السيرة لابن هشام ص٦٦٣ ..
(٣) رواه الحاكم (٣/ ١٢٦، ١٢٧)، وأورده ابن هشام في السيرة. وكذا الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٦٧). وضعفه الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص٢٤٠.
[ ٤ / ٥٠٢ ]
عريش (صلوات الله وسلامه عليه)، وكان في العريش هو وأبو بكر، وسعد بن معاذ متوشحًا سيفه في قوم من الأنصار يحرسون رسول الله ﷺ فجاء النبي ﷺ وصف الصفوف ورجع للعريش يهتف بربه ويناديه: «رَبِّ أَنْجِزْ مَا وَعَدْتَنِي، رَبِّ أَنْجِزْ مَا وَعَدْتَنِي»، فلما نظر إلى قريش مُتَصَوِّبَة من كثيب بدر من العقنقل الكبير فإذا هم ألف مقاتل، وإلى أصحابه فإذا هم نيف وثلاثمائة رجل هتف [ﷺ] (^١) بربه، وألح في مسألة رَبِّهِ والاستغاثة به كما يأتي في تفسير قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: آية ٩] فصف ﷺ الصفوف فلما جاء القوم برز عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وولده الوليد بن عتبة بن ربيعة -وربيعة: ابن عبد شمس بن عبد مناف- برزوا للقتال، فبرز لهم نفر من الأنصار، وقالوا إنهم: معاذ ومعوذ ابنا الحارث، وهما المعروفان بـ (ابني عفراء)، أمهما (عفراء) اشتهرا بها؛ لأن أولاد الحارث الثلاثة -وهم: عوف، ومعوذ، ومعاذ- اشتهروا بالنسبة إلى أمهم عفراء (رضي الله عن الجميع) قال بعض المؤرخين: قال العبشميون للأنصار: لا حاجة لنا بقتالكم إنما نريد بَنِي عَمِّنَا مِنْ قريش. وقال بعض المؤرخين: قالوا: أكفاء كرام، ولكنا نريد بني عمنا. فطلبوا مبارزين من بني عمهم، فأخرج النبي ﷺ إليهم عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف -وهو أسن أهل بدر جميعًا، وقد شهد بدرًا أخواه، وهما: الحصين والطفيل، شهدها من بني الحارث بن المطلب ثلاثة: عبيدة بن الحارث أحد المبارزين، وأخواه: الطفيل والحصين- قال: قم يا عبيدة بن
_________________
(١) في الأصل: (جل وعلا). وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٥٠٣ ]
الحارث، ويا حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب.
فجاءوهم فقالوا: مَنْ أَنْتُم؟ لأنهم لا يعرفونهم؛ لأن القوم مقنعون في الحديد، فانتسب كل واحد منهم. فقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن المطلب. وقال حمزة: أنا حمزة ابن عبد المطلب. فلما انتسبوا لهم قالوا: أكفاء كرام. فكانت المبارزة بين عبيدة وعتبة، وبين حمزة وشيبة، وبين الوليد وعلي، أما علي (﵁) فلم يلبث أن قتل الوليد، وأما حمزة (﵁) فلم يلبث أن قتل شيبة، وأما عبيدة وعتبة فاختلفا ضربتين فأثبت كل واحد منهما صاحبه، وكان عتبة قطع قدم عبيدة بنصف ساقه، فَذَفَّفَ عليه عليّ وحمزة فقتلا عتبة، وحملا صاحبهما عبيدة حتى وضعاه عند النبي ﷺ ورجله تشخب دَمًا، سقطت قدمه بنصف ساقه، وعند ذلك قال: يا رسول الله لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أنا أحق منه بقوله (^١):
وَنَمْنَعُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ وَنَذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا والحَلَائِلِ
وحملوه ومات بالصفراء، وهم قافلون من بدر.
فلما وقع هذا الْتَحَمَ القِتَالُ، واخْتَلط الحابل بالنابل، واشتدت مناجاته ﷺ واستغاثته بربه، فأنزل الله الملائكة مددًا، فقال هنا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ﴾ [الأنفال: آية ٩] وقد قدمنا في سورة آل عمران أن مددهم إلى خمسة آلاف كما تقدم في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ
_________________
(١) البيت في البداية والنهاية (٣/ ٢٧٤).
[ ٤ / ٥٠٤ ]
رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٤ - ١٢٥] وبعض العلماء يقول: هذه الخمسة الآلاف التي ذُكرت في آل عمران دلت عليها آية الأنفال هذه؛
[٢/أ] لأنه في قراءة الجمهور () (^١) / نافع من السبعة: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩] بصيغة المفعول (^٢).
واختلف العلماء: هل باشرت الملائكة القتال أو لم تباشره؟ فكثير من المؤرخين -وقد جاء في بعض الآثار وبعض الأحاديث- أن الملائكة باشرت القتال يوم بدر، وأن بعض الصحابة يتبع رجلًا حتى يسقط أمامه لا يدري مَنْ قَتَلَهُ؟ قال بعضهم: كنت أتبع رجلًا من الكفار فسمعت صوت سوط ضربه، فإذا وجهه منشق، وجميع وجهه قد اخضرّ ومات (^٣)، وبعضهم قال: أردت أن أمدّ سيفي إلى رجل فسقط رأسه قبل أن يصل إليه سيفي (^٤). لأن الملائكة تقتلهم، وأظهر القولين: أن الملائكة في ذلك اليوم قاتلت، خلافًا لمن قال: إنها للتثبيت والعدد والمدد، وأنها لم تباشر القتال. والذين قالوا: لم
_________________
(١) في هذا الموضع وُجد انقطاع في التسجيل.
(٢) ستأتي القراءات عند تفسير الآية.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، حديث رقم: (١٧٦٣) (٣/ ١٣٨٣).
(٤) أورد السيوطي نحوه في الدر (٣/ ١٧٣) عن أبي داود المازني ﵁، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه. وقد أخرجه ابن جرير (٧/ ١٧٥ - ١٧٦)، وذكره ابن هشام في السيرة ص٦٧٢. وأخرج البيهقي في الدلائل (٣/ ٥٦) بهذا المعنى عن سهل بن حنيف (﵁). وعند البيهقي في الدلائل (٣/ ٥٦)، وابن إسحاق عن أبي واقد الليثي، كما نقل ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٨١).
[ ٤ / ٥٠٥ ]
تباشر القتال قالوا: لأن مَلَكًا واحدًا لو شاء أن يفني ما على وجه الأرض لما أتعبه ذلك، فإن جبريل لما صاح بثمود أهلكهم مرة واحدة، ولما رفع قرى قوم لوط أهلكهم مرة واحدة، لو أراد أن يمسحهم بريشة من جناحة لما ترك لهم أثرًا.
وقال بعض العلماء: لا مانع من قتال الملائكة، ولم يُنسب الأمر إلى الملائكة ليجعلهم عددًا ومددًا، فيكون الفتح والظفر والنصر كأنه على أيدي الصحابة؛ إذ لو كان المَلَك أهلكهم لما كان للصحابة في هذه الوقعة العظيمة مزية، فلما اختلطوا يعني صاروا يقتلونهم فأنزل الله المدد من السماء، وثبَّت قلوب المؤمنين، وألقى الرعب في قلوب الكافرين، كما سيأتي في قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: الآية ١٢].
وقد نهى ﷺ في ذلك اليوم عن قتل بعض الناس (^١)، نهى عن قتل العباس بن عبد المطلب عمه (﵁). وقد بدرت من أبي حذيفة بن عتبة (﵁) تلك البادرة التي ندم عليها، وصار في خوف دائمًا، حتى استشهد فيمن استشهد من الصحابة في اليمامة أيام قتال مسيلمة؛ لأن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة (﵁) - أعني أبا حذيفة - لما نهى ﷺ عن قتل العباس قال: أنقتل أبناءنا وإخواننا ونترك العباس؟ والله إن لقيته لألجمنه السيف (^٢). ولما قالها ندم وجزع منها وصار خائفًا منها دائمًا حتى
_________________
(١) السيرة لابن هشام ص٦٦٨، البداية والنهاية (٣/ ٢٨٤).
(٢) البيهقي في الدلائل (٣/ ١٤٠)، السيرة لابن هاشم ص٦٦٨، البداية والنهاية (٣/ ٢٨٤).
[ ٤ / ٥٠٦ ]
استشهد، وكذلك لما جُرّ قتلى قريش إلى القليب، وكان أبوه عتبة يُجرّ إلى القليب، رُؤيت الكراهة في وجهه فاعتذر إلى رسول الله ﷺ وقال: إن الكراهية التي ظهرت في وجهي ليست انتصارًا لكافر، ولكن عتبة هذا كنت أعهد فيه عقلًا وحزمًا وحلمًا، كنت أظن أن عقله وحِجَاه يمنعه من ميتة السوء هذه، وأنه يؤمن بالله!! فاعتذر بهذا (^١).
وممن نهى عنه صلى الله علي وسلم ذلك اليوم: أبو البختري بن هشام الذي كان من أحسن الناس معاملة لرسول الله وبني هاشم، لم يؤذهم قط، وأيام حصار قريش لهم في الشِّعب كان معهم، وهو من النفر الذين سعوا في نقض الصحيفة التي كتبوا فيها مقاطعتهم، فلم يؤذهم قط، فلم يجدوا منه إلا الإحسان، فنهى ﷺ عن قتله، فالتقى به الْمجذَّر بن زياد البلوي (﵁) حليف الأنصار، فقال له: يا أبا البختري: إن نبينا ﷺ نهانا عن قتلك فلا نتعرض لك. وكان مع أبي البختري زميل يُسمى جنادة بن مليحة، فقال له أبو البختري: والزميل؟ قال: لم ينهنا ﷺ عن قتل الزميل. قال: أما أنا فلا يُقتل زميلي حتى أُقتل دونه، وذكر رجزه المشهور:
لا يُسْلِمُ ابنُ حُرةٍ زَميلَه حَتى يَمُوتَ أو يَرَى سَبيلَه
ولا يفارق جزعًا أكِيلَهُ (^٢)
ولذا صار يقاتل المُجَذَّرَ دون ذلك الزميل فقتله المُجَذَّر (﵁) وكان المُجَذَّر بن زياد البلوي (﵁) يرتجز
_________________
(١) السيرة لابن هشام ٦٨٠، البداية والنهاية (٣/ ٢٩٤).
(٢) السيرة لابن هشام ص٦٦٩.
[ ٤ / ٥٠٧ ]
في ذلك رواجز، ومن جملة ما يقول فيها (^١):
أَنَا الذي أزعمُ أَصْلي من بَلِي أَضْرِبُ بالحَرْبَةِ حَتَّى تَنْثَني
ويروى عنه: «بالصَّعْدَةِ حتى تنثني» فجاء واعتذر إلى النبي ﷺ من قَتْلِهِ بأنه ما تعرض له حتى قاتله دون زميله (^٢).
فمنح الله المسلمين أكتاف الكافرين، فقتلوا سبعين من خيارهم، وأسروا سبعين، وكان ممن قُتل في ذلك اليوم: أبو جهل بن هشام -لعنه الله- وقد صح عن عبد الرحمن بن عوف (﵁) أنه لما صف النبي ﷺ الصفوف كان بجنب عبد الرحمن -وكان رجلًا له قامة- كان بجنبه رجلان صغيران في القدر، وهما: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن الحارث المشهور: بمعاذ بن عفراء، فكأن عبد الرحمن بن عوف استنقصهما وظن أن اللَّذَيْن بجانبيه ليسا رجالًا يمنعانه؛ لأن الرجل إذا كان في صف القتال بجنبه الرجال كانوا يمنعونه ويشدون أزره، فهو استنقص هذين واستحقرهما لصغر قدرهما، فإذا أحدهما يكلمه خفية من صاحبه ويقول: يا عم أرني أبا جهل. قال: ما حاجتك به؟! قال: سمعت عداوته لرسول الله ﷺ، والله إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. ولم يلبث إذ الآخر يُسائله سرًّا من صاحبه ويقول له مثل ما قال صاحبه. قال: فعلمت أن اللذَيْن بجنبي أنهما رجال، ورأيت أبا جهل يدور في قريش كالحَرَجَة -والحرجة: الشجرة الكبيرة في الغابة يحتف بها الشجر من جميع جوانبها-
_________________
(١) السابق، ولفظ البيت هناك: أنا الذي يُقال أصْلِي مِنْ بَلِي أطْعَنُ بالصّعْدَةِ حتَّى تَنْثَنِي
(٢) السابق ص٦٦٩.
[ ٤ / ٥٠٨ ]
وقريش يحتفون به ويقولون: أبو الحكم لا يُخلص إليه، وهو -قبحه الله - يرتجز ويقول (^١):
ما تَنْقِمُ الحربُ العَوَانُ مني بَازِلُ عَامينِ حديثٌ سِنِّي
لمثلِ هذا ولَدَتْني أُمّي
فقلت لهما: هذا صاحبكما. فابتدراه بِسَيْفَيْهِمَا فأطارا رِجْلَهُ بنصف ساقه، كأنها نواة طائرة من تحت مرضخة من شدة الضربة، فسقط صريعًا وبقي -قبحه الله- في المعركة حتى انهزم عنه قومه، فجاءه عبد الله بن مسعود (﵁) ووجده في آخر رَمَقٍ فاحْتَزَّ رَأْسَهُ. قالوا: لما أخذ لحْيَتَهُ وأراد أن يقطع رأسه قال له: ارتقيت صعبًا يا رويعي الغنم!! وقال له: أخبرني لمن الدائرة؟ قال: لله ولرسوله (^٢). فجيء ﷺ برأس أبي جهل وهو في العريش (صلوات الله وسلامه عليه) (^٣)، وهزم الله الكفار، وقُتل من أشرافهم سبعون، وقتلاهم مشهورون (^٤)، ممن قُتل منهم: أبو جهل، وأمية بن خلف، وزمعة بن الحارث بن الأسود، ومنبه ونبيه ابني الحجاج،
_________________
(١) هذا الرجز ذكره ابن هشام في السيرة ص٦٧٣.
(٢) السابق ص ٦٧٣ - ٦٧٥. وأما خبر قتل أبي جهل فهو ثابت في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف وأنس بن مالك، وعند البخاري من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) خبر قطع ابن مسعود رأس أبي جهل أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٨٦، ٨٨)، والبزار (كشف الأستار) (٢/ ٣١٧) وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٧٩) وعزاه للطبراني والبزار، وقال: «وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف» اهـ. وذكره ابن كثير في تاريخه (٣/ ٢٨٨) وعزاه لابن إسحاق. كما ذكره الحافظ في الفتح (٧/ ٢٩٥) وعزاه لابن إسحاق والحاكم.
(٤) السيرة لابن هشام ص ٧٤٧.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
وممن قُتل في ذلك اليوم: النفر الذين قالوا: إنا كنا مستضعفين في الأرض، وهم علي بن أمية، والحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ابن عمه، والعاص (^١).
هؤلاء النفر كانوا أسلموا وآمنوا بالنبي ﷺ وادعوا أنهم عجزوا عن الهجرة، وخرجوا يوم بدر مع قريش فقُتلوا جميعهم -والعياذ بالله- وأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (^٢) [النساء: الآية ٩٧]- والعياذ بالله - فقُتل هذا من أشراف قريش، وأُسر من أشرافهم سبعون. وممن أُسر منهم: العباس بن عبد المطلب، وابنا أخيه وهما: عقيل بن أبي طالب (﵁) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب (﵁)، وممن أُسر: سهيل بن عمرو (﵁) كان أسره مالك بن الدخشم، وكان يقول (^٣):
أسرتُ سُهيلًا فلا أبتغي أسيرًا به من جميع الأُمم
وخِنْدفُ تعلمُ أن الفتى سهيلًا فتاها إذ يُظَّلَمْ
فمنح الله المسلمين أكتاف الكفار يقتلون ويأسرون، وكسر الله شوكة الكفر، وأعلى كلمته، وأيَّد دينه.
_________________
(١) هو العاص بن منبه بن الحجاج.
(٢) السيرة لابن هشام ص ٦٨١، البداية والنهاية (٣/ ٢٩٦). وأصل الحديث في الصحيح من غير تسميتهم، كتاب التفسير، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾. حديث رقم: (٤٥٩٦) (٨/ ٢٦٢).
(٣) السيرة لابن هشام ص٦٩٠.
[ ٤ / ٥١٠ ]
ولما جمع النبيّ ﷺ الأسارى مكث في عرصة بدر ثلاثة أيام، ثم في اليوم الثالث أمر بناقته فرُحِّلت، فتبعه أصحابه وقالوا: ما ذهب إلا لشأن!! فأمر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، ثم ناداهم بأسمائهم: «يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، إِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟!» ولما قال له عمر بن الخطاب (﵁): ماذا تخاطب من أجساد لا أرواح لها؟ قال له: «مَا أنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ لِمَا أَقُولُ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُجِيبُوا» (^١). أو كما قال ﷺ.
ولما اجتمعت عنده الأُسارى، وهزم الله الكافرين، وقتل سبعين من خيارهم، وأُسر من أشرافهم سبعون، استشار أصحابه فيما يفعل بالأُسارى؟ مع أن سعد بن معاذ (﵁) كان متوشحًا بسيفه على عريش رسول الله ﷺ، وقد رأى النبي في وجهه الكراهة، فقال: «ما بالُك؟» قال: رأيت شيئًا أكرهه، رأيت الناس يأسرون الرجال، وهذا أول مشهد في الإسلام، وكان الإثخان في القتل أحب إليَّ مِنْ أسر الرجال واستبقائهم (^٢). فلما استشارهم اختلفوا له، فكان أبو بكر (﵁) يقول: هم بنو عمك فاستبق منهم؛ لعل الله أن يهديهم أو يهدي من أصلابهم، وتستعينوا بفدائهم على أمر الحرب. وكان عمر بن الخطاب (﵁) يقول: اقتلهم جميعًا، أعط العباس لعلي فليقتله،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٩) من سورة الأعراف، وانظر السيرة لابن هشام ص ٦٧٨.
(٢) السيرة لابن هشام ص٦٦٧، البداية والنهاية (٣/ ٢٨٤).
[ ٤ / ٥١١ ]
وأعط كل رجل لقريبه فليقتله؛ ليعلم الله أن لا هوادة بيننا وبين الكفار. قال بعضهم: وقال عبد الله بن رواحة: إنك في واد كثير الحطب فأضرم عليهم نارًا. قالوا: والنبي ﷺ فيما ذكره المؤرخون قال: «إن أبَا بَكْرٍ قالَ كَمَا قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: الآية ١١٨]، وإنَّ عُمَرَ قَالَ كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: الآية ٨٨] وَإِنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ قالَ كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ (٢٦) إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: الآيتان ٢٦، ٢٧]» فاستقر أمره على أنهم يأخذونهم ليستعينوا بفدائهم على الحرب؛ لأنهم كانوا يحتاجون إلى المال (^١).
وقال بعض المؤرخين: إن جبريل قال للنبي ﷺ: خَيِّر أصحابك أن يقتلوهم أو يفدوهم ويستعينوا بالمال على أن يُقتل منهم قدر الأُسارى في العام القادم. وأنهم قالوا: نستعين بالمال الآن وينال الشهادة منا هذا العدد في العام القادم (^٢). فكر بعضهم هذا، وأنه قُتل
_________________
(١) أحمد (١/ ٣٨٣) وابن أبي شيبة (٥/ ٤١٧)، وعبد الرزاق (٥/ ٢٠٨)، والترمذي في الجهاد، باب ما جاء في المشورة، حديث رقم: (١٧١٤) (٤/ ٢١٣)، وأخرجه في موضع آخر، انظر الحديث رقم: (٣٠٨٤)، والحاكم (٣/ ٢١)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٧٣١)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٣٩) .. وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٢٠١) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.
(٢) أخرجه الترمذي في السير، باب ما جاء في قتل الأُسارى والفداء. حديث رقم: (١٥٦٧) (٤/ ١٣٥)، والنسائي في الكبرى، كتاب السير، باب قتل الأسرى. حديث رقم: (٨٦٦٢) (٥/ ٢٠٠)، والبيهقي في السنن (٩/ ٦٨)، وفي الدلائل (٣/ ١٣٩)، والحاكم (٢/ ١٤٠) وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» اهـ. ووافقه الذهبي. وابن حبان (الإحسان ٧/ ١٤٣) عن علي (﵁). وقال ابن كثير (٣/ ٢٩٨) «غريب جدًّا» اهـ. وأخرجه عبد الرزاق (٥/ ٢١٠)، وابن سعد (٢/ ١٤) عن عبيدة مرسلًا.
[ ٤ / ٥١٢ ]
منهم سبعون يوم أحد لما أسروا السبعين هذه. هكذا قاله بعض المؤرخين، والذي جاء به القرآن أن الذين رأوا أن يقتلهم ويضعفوا شوكة الكفر بقتلهم أن رأيهم كان هو الصواب، وأن الله تعالى تجاوز لأهل بدر ولو ارتكبوا غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: الآية ٦٧] ومعنى: ﴿يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ أي: يوجع فيها قتلًا ليضعف شوكة الكفر بقتل الرجال وقتل الصناديد والرؤوس، ثم قال: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: الآية ٦٨] ثم بعد ذلك قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: الآية ٦٩].
وقال النبي ﷺ للعباس: «افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخَوَيْكَ: عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفلَ بْنَ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ». فقال: لا مال عندي. قال له ﷺ: «عِنْدَما أَرَدْت الخُروج أَخَذْتَ المَالَ الفُلَانِيَّ ودَفَنْتَهُ فِي محلِّ كَذا وقُلْتَ لأُمِّ الفَضْلِ: إِنْ لَمْ أَرْجِعْ فَاسْتَعِينُوا بِهَذا». فقال: والله لا يعلم هذا غيري وغير أم الفضل، وأشهد أنك رسول الله. وفدى نفسه وابني أخويه وحليفًا له (^١).
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٣/ ٨١) وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» اهـ ووافقه الذهبي. والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٤٣)، وفي السنن (٦/ ٣٢٢)، وأبو نعيم في الدلائل (٢/ ٢٧١)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٤١. وذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٩٩) وعزاه لابن إسحاق. وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٢٠٤).
[ ٤ / ٥١٣ ]
وأنزل الله فيه -مع أنها في الأُسارى كلهم، إلا أن المفسرين يجعلونها في العباس؛ لأنه من أشهر من نزلت فيه-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٠] (^١) فلما جاء النبي ﷺ مال البحرين وجاء العباس وقال: يا نبي الله فاديت نفسي وعقيلًا. فقال له: «خُذْ مِنْ هَذَا الذَّهَبِ». فهال منه العباس في ثوبه حتى أراد أن يقوم فَنَاءَ به ولم يقدر أن يقوم، فطلب أحدًا يساعده، فقال له النبيّ ﷺ: «لَا يُسَاعِدُكَ أَحَدٌ، وَلَا تَحْمِلْ مِنْهُ إِلَاّ قَدْرَ مَا تَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ». فهال منه عن ثوبه حتى قدر على حمله (^٢)
ثم قال: «أما أحد الأمرين فقد عايناه، وهو: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ فقد آتانا خيرًا مما أُخذ منا، وأما الثانية وهي قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُم﴾ فإنا نرجوها من الله جل وعلا» (^٣).
وفي ذلك اليوم استُشهد وقُتل من أصحاب رسول الله شهيدًا يوم بدر أربعة عشر رجلًا (^٤)، ستة من المهاجرين، والبقية من الأنصار، ستة منها من الخزرج، واثنان من الأوس. فشهداء بدر:
_________________
(١) جاء ذلك صريحًا في سياق الرواية المخرجة في الهامش السابق. وقد أورد ابن جرير (١٤/ ٧٢ - ٧٥) جملة من الروايات في هذا المعنى، وكذا ابن كثير (٢/ ٣٢٧)، والسيوطي في الدر (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٢) خبر مجيء المال من البحرين وأخذ العباس منه أخرجه البخاري في الصلاة، باب القسمة وتعليق القنو في المسجد. حديث رقم: (٤٢١) (١/ ٥١٦) .. وأخرجه في موضعين آخرين، انظر الأحاديث رقم: (٣٠٤٩، ٣١٦٥).
(٣) مضى تخريجه قريبًا.
(٤) السيرة لابن هشام ص ٧٤٦.
[ ٤ / ٥١٤ ]
ستة منهم من المهاجرين، وستة منهم من الخزرج، واثنان منهم من الأوس؛ لأن الأوس في ذلك اليوم أقل من الخزرج؛ لأن ديار الخزرج في داخل المدينة قرب رسول الله، وديار الأوس في العوالي وقباء، كديار بني عمرو بن عوف، فالذين في داخل المدينة أكثرهم من الخزرج؛ ولذا كانوا هم الحاضرين فتمكنوا من الخروج، والنبي لم ينتظر الغائبين (^١).
والستة الذين استُشهدوا من المهاجرين هم: عبيدة بن الحارث بن المطلب الذي ذكرنا أن قدمه بنصف ساقه قطعها عتبة بن ربيعة في المبارزة، ومنهم: عمير بن أبي وقاص (﵁) أخو سعد بن أبي وقاص، قتله عمرو بن عبد ود، وقد كان أخوه سعد بن أبي وقاص (﵁) قتل ذلك اليوم العاص بن هشام، ومن الذين استُشهدوا - أول من قُتل من المسلمين في ذلك اليوم - مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب (^٢)، ومِهْجَع هذا أصله رجل من بني عك، أصابه سباء فأعتقه عمر بن الخطاب (﵁) فكان مولاه، ويقال له مهجع عمر، وهو أول قتيل من المسلمين استشهد يوم بدر، ومات بعده من المسلمين رجل من الخزرج يُسَمَّى حارثة بن سراقة (﵁) (^٣)، وهو الذي سألت أمّه النبي ﷺ
_________________
(١) قال ابن هشام في السيرة (ص٧٣٢): «فجميع من شهد بدرًا من الأوس مع رسول الله ﷺ ومن ضرب له بسهمه وأجره: واحد وستون رجلًا» اهـ. ونقل عن ابن إسحاق (ص٧٤٥): «فجميع من شهد بدرًا من الخزرج مائة وسبعون رجلًا» اهـ.
(٢) السابق ص٦٦٦.
(٣) انظر: البداية والنهاية (٣/ ٢٧٤).
[ ٤ / ٥١٥ ]
عنه فقال لها: «إِنَّهُ أَصَابَ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ» (^١).
والحاصل أن الستة الذين ماتوا شهداء من المهاجرين يوم بدر هم: عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبي وقاص، وعاقل بن البُكَير، وصفوان بن وهب المعروف بصفوان بن بيضاء، وذو الشمالين، واسمه: عمير بن عَبْد (^٢). هؤلاء الستة هم الذين استشهدوا من المهاجرين: عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبي وقاص، ومهجع مولى عمر، وذو الشمالين، وصفوان بن وهب، وعاقل بن البُكَير. هؤلاء ستة من المهاجرين (^٣).
والاثنان اللذان ماتا في سبيل الله يوم بدر من الأوس هم (^٤) مبشر بن عبد المنذر -أخو أبي لبابة بن عبد المنذر- وسعد بن خيثمة (﵁)، فإن سعدًا هذا قُتل شهيدًا يوم بدر، وأبوه خيثمة قُتل شهيدًا يوم أحد.
والستة الذين استشهدوا من الخزرج -ماتوا شهداء- منهم (^٥): يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر الخزرجي
_________________
(١) البخاري في الجهاد، باب من أتاه سهم غرب، حديث رقم: (٣٩٨٢) (٦/ ٢٥)، وأخرجه في مواضع أخرى، انظر الأحاديث: (٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧).
(٢) المثبت في ابن هشام ص٧٤٦، والتمهيد (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، والاستذكار (٢/ ٢٣٣)، ونظم الفرائد للعلائي ص٦١ - ٧٠، والبداية والنهاية (٣/ ٣٢٧): ذو الشمالين بن عبد عمرو.
(٣) السيرة لابن هشام ص٧٤٦.
(٤) السابق ص٧٤٧.
(٥) السابق.
[ ٤ / ٥١٦ ]
(﵁)، وعوف ومُعَوِّذ ابنا عفراء، أولاد الحارث بن عفراء، وهما أخوان ماتا ذلك اليوم، ورافع بن المعلى، وعمير بن الحمام (﵁)، عمير بن الحمام بن الجموح، كان يأكل تمرات فسمع النبي ﷺ يقول: «أيها المسلمون قُومُوا إلى جنَّة عَرْضُهَا السماواتُ والأرْضُ، واللهِ لَنْ يَقْتُلَ هؤلاء رجلًا مِنْكُمْ مُقْبلًا غيرَ مُدْبِرٍ إلا أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». فقال له عمير بن الحمام (﵁): أما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال: «نعَم»، فلفظ التمرات من فِيه وقال: إني إن أكلت هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم أخذ سيفه (﵁) فقاتل القوم حتى قتلوه (^١).
هذه أربعة عشر رجلًا، ستة من المهاجرين وستة من الخزرج، واثنان من الأوس قُتلوا شهداء يوم بدر (﵃ وأرضاهم).
وكانت في بدر أشعار كثيرة ومداولات بين المشركين وغيرهم، تكلم فيها كثير من شعراء المسلمين والكفار، فيها من شعر حمزة بن عبد المطلب (﵁)، وحسان بن ثابت، وغيرهما، وفيها من شعر الكفار: شعر ضرار بن الخطاب الفهري وغيره من شعراء قريش، وذلك باب إذا ذكرناه يطول بنا المقام، فنذكر منه قليلًا: فحسان (﵁) شاعر رسول الله ﷺ، ومن أشهر ما كان من
_________________
(١) مسلم في الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، حديث رقم: (١٩٠١) (٣/ ١٥٠٩) وفيه التصريح أن ذلك يوم بدر، وأخرج البخاري نحوه في المغازي، باب غزوة أُحد، حديث رقم: (٤٠٤٦) (٧/ ٣٥٤) وليس فيه تسمية صاحب القصة، وفيه التصريح أن ذلك يوم أحد، وقد ذهب الحافظ إلى أنهما قصتان. الفتح (٧/ ٣٥٤).
[ ٤ / ٥١٧ ]
المداولات في بدر ما كان بين حسان وبين الحارث بن هشام (﵁) أخي أبي جهل بن هشام؛ لأن حسان دائمًا يُعيِّر الحارث بن هشام بفراره يوم بدر، وقتل إخوانه، وبقاء أخيه طريحًا في الملحمة -أعني أبا جهل قبحه الله- وكان حسان (﵁) ذكر تَمَثُّل إبليس لهم في أبيات قال -يعني تمثل إبليس في صورة سراقة بن مالك- قال في ذلك (^١):
سِرْنَا وسَارُوا إلى بدر لِحينِهمُ لو يَعْلَمُونَ يَقينَ الأَمْرِ ما سَارُوا
دَلَاّهُمُ بغرورٍ ثم أَسْلَمَهُم إن الخَبِيثَ لمن والاهُ غَرَّارُ
وقال إني لكم جَارٌ فَأَوْرَدَهُم شَرَّ المَوَاردِ فيه الخِزْيُ والعَارُ
وكان حسان (﵁) يذكر في أشعاره بدرًا، له فيها قصائد، وفيها لحمزة بن عبد المطلب وغيرهم من الصحابة، وفيها لجماعة من قريش، منهم ابن الزبعرى، ومنهم ضرار بن الخطاب الفهري وغير ذلك، وكان حسان (﵁) قال (^٢):
لَقَدْ عَلِمَتْ قُريشٌ يومَ بدرٍ غَداةَ الأَسْرِ والقَتْلِ الشَّدِيدِ
بأنَّا حينَ تشْتَجِرُ العَوَالي حُمَاةُ الحرب يومَ أبي الوليدِ
قَتَلنا ابني ربيعةَ يومَ سارُوا إلينا في مضاعَفَةِ الحديدِ
ومرَّ بها حكيمٌ يومَ جَالَتْ بنُو النجارِ تخطرُ كالأُسودِ
وَوَلَّتْ عند ذاكَ جموعُ فِهْرٍ وأَسْلَمَها الحويرثُ من بعيدِ
الحويرث: يعني الحارث بن هشام؛ لأنه ينكد عليه في شعره دائمًا، كقوله هنا:
وأَسْلَمَهَا الحويرثُ من بعيد
_________________
(١) الأبيات في السيرة لابن هشام ص٧٠٦.
(٢) ديوانه ص٨٧ - ٨٨.
[ ٤ / ٥١٨ ]
وكتعييره له في ميميته المشهورة التي هي من أشهر ما قيل في بدر (^١):
تَبَلَتْ فُؤادَكَ في المَنَامِ خريدةٌ تَسْقِي الضَّجيعَ بِبَارِدِ بَسَّامِ
كالمِسْكِ تَخْلِطُهُ بماءِ سَحَابَةٍ أو عَاتِقٍ كَدَمِ الذَّبيحِ مُدَامِ
نُفُجُ الحَقِيبَةِ بَوْصُهَا مُتَنَصِّدٌ بَلْهَاءُ غَيْرُ وشِيكةِ الأَقْسَامِ (^٢)
أما النهارُ فلا أُفَتِّرُ ذِكْرَهَا والليلُ تُوزِعُني بها أَحْلَامي (^٣)
يا مَن لِعَاذِلَةٍ تلوم سفاهة ولقد عصيتُ على الهوى لُوَّامي (^٤)
إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتِني فَنَجوتِ مَنْجى الحارِثِ بن هشَامِ
تَرَكَ الأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُم ونَجَا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجَامِ
وأجابه الحارث بن هشام (﵁)، وكان المؤرخون يقولون: أحسن اعتذار اعتذر به معتذر عن جواب: اعتذار المَخْزُومِيَّيْن، أعني: اعتذار الحارث بن هشام يخاطب حسان لما قال له:
إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتِني فنجوتِ مَنْجَى الحارِثِ بن هشامِ
تَرَكَ الأحَبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُم ونَجَا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجَامِ
أجابه الحارث يعتذر عن فراره قال (^٥):
_________________
(١) ديوانه ص٢١٣ - ٢١٤.
(٢) بعد هذا البيت بيتان أسقطهما الشيخ ﵀.
(٣) بعد هذا البيت بيت أسقطه الشيخ ﵀.
(٤) بعد هذا البيت بيتان أسقطهما الشيخ ﵀.
(٥) الأبيات في ديوان حسان (﵁) ص٢١٦ وهي أربعة أبيات أسقط الشيخ (﵀) البيت الثاني منها. وفي السيرة ص٧٧٣ ثلاثة أبيات.
[ ٤ / ٥١٩ ]
اللهُ يعلمُ ما تركتُ قتالَهُم حتى رموا فَرسي بأَشْقَرَ مُزْبد
وعَلمتُ أني إنْ أُقَاتِلْ واحدًا أُقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوي مَشْهدي
فَصَدَدْتُ عنهم والأَحِبَّةُ فيهم طمعًا لهم بقتال يوم مُرْصِدِ
هذا هو المخزومي الأول، والمخزومي الثاني: هبيرة بن أبي وهب، زوج أم هانئ بنت أبي طالب (﵂)، فإن النبي ﷺ لما فتح مكة عام ثمان هرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى نجران ومات بها كافرًا - والعياذ بالله - وكان يعتذر عن فراره من رسول الله وأصحابه يوم الفتح، ويخاطب زوجه أم هانئ بنت أبي طالب (﵂):
لَعَمْرُكِ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ جُبْنًا وَلَا خِيفَةَ القَتْلِ
وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي
وَقَفْتُ فَلَمَّا خِفْتُ ضَيْعَةَ مَوْقِفِي رَجَعْتُ لِعَوْد كالهِزَبْرِ أَبِي الشِّبْلِ (^١)
فهذا اعتذاره كاعتذار الحارث بن هشام.
ولما أخذ ﷺ الغنائم، ومكث في عرصة بدر ثلاثة أيام، ورجع قافلًا إلى المدينة، وأرسل ابن رواحة إلى العوالي يبشرهم، وزيد بن حارثة إلى أهل المدينة يبشرهم بما فتح الله على نبيه (^٢)، لما نزل وادي الصفراء راجعًا قدَّم النضر بن الحارث للقتل (^٣) -النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، وكان من بني عبد الدار، وكان شديد
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأعراف، ولفظ البيت الثالث عند ابن هشام: وقفتُ فلما لم أجد لي مُقدَّمًا صدرتُ كضرغَامِ هِزَبرٍ أبي شِبلِ
(٢) السيرة لابن هشام ص٦٨٢.
(٣) السابق ص٦٨٤.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
العداوة لرسول الله، له قينتان تغنيانه بهجاء رسول الله- قدمه للقتل فقُتِلَ صَبْرًا، ولم يُقتل من الكفار في وقعة بدر صبرًا إلا رجلان: النضر بن الحارث هذا، وعقبة بن أبي معيط، قتل أولًا النضر بن الحارث في قُفوله في وادي الصفراء؛ فلما بلغ موضعًا آخر بعده يقولون: إن اسمه عرق الظبية قدم عقبة بن أبي معيط فقتله أيضًا (^١)، ولما قَتَلَ النبيُّ ﷺ النَّضْرَ بن الحارث بن كلدة العبدري -قبحه الله- الذي سيأتي خبره في قوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الانفال: آية ٣٢] يأتي خبره في هذه السورة، وفي سورة الروم، وفي سورة المعارج -سورة (سأل سائل) - لما قتله ﷺ صبرًا وبلغ مقتله إياه بلغ أخته قتيلة بنت الحارث العَبْدَرِيَّة وقد أسلمت بعد ذلك وصارت صحابية (﵂) أرسلت إلى النبي ﷺ شعرها المشهور، الذي لما قُرئ عليه ﷺ بكى حتى أَخْضَلَ الدمع لحيته لشدة رحمته وشفقته، وذكروا أنه قال: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه (^٢).
لأنه رؤوف رحيم (صلوات الله وسلامه عليه)، وكان شعرها الذي أرسلت إليه به الذي أبكاه ﷺ وقال: لو بلغه قبل أن يقتله لعفى عنه. هو قولها (^٣):
يا راكبًا إن الأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ من صُبحِ خامسةٍ وأَنْتَ موفَّقُ
أبلغْ بها مَيْتًا بأن تحيةً ما إن تزالُ بها النجائبُ تَخْفِقُ
مني إليكَ وعبرةً مسفُوحةً جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وأُخْرى تخنُقُ
_________________
(١) السابق.
(٢) ذكره ابن هشام في السيرة ص٨٠٣.
(٣) السابق ص ٨٠٢ - ٨٠٣.
[ ٤ / ٥٢١ ]
هل يسمعنَّ النضرُ إن ناديتُه أم كيف يسمعُ ميتٌ لا ينطقُ
أمحمدٌ يا خيرَ ضَيْءِ كريمة في قومِهَا والفَحْلُ فحلٌ مُعْرِقُ
ما كان ضَرَّكَ لو مَنَنْتَ ورُبَّما مَنَّ الفَتى وهو المغيظُ المُحْنَقُ (^١)
فالنَّضْرُ أقربُ مَنْ أَسَرْتَ قرابةً وأحقُّهم إن كانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلَّتْ سيوفُ بني أبيهِ تَنُوشُه للهِ أرحامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ
صَبْرًا يُقادُ إلى المنيةِ مُتْعَبًا رَسْفُ المُقَيَّدِ وهو عان مُوثَقُ
ولما أراد قتل عقبة بن أبي معيط قال: أَأُقتل بين قريش صبرًا؟ من للصبية؟ قال له ﷺ: «لهُمُ النَّارُ» (^٢). وذكر بعض المؤرخين أنه قال: أَأُقتل بين قريش صبرًا؟ قال: «إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ يَهُودِ صفوريّة» (^٣).
كما ذكره بعضهم (^٤).
وعقبة هذا كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ذكروه أنه مرّ عليه يومًا ساجدًا فوضع رجله على عنق رسول الله ﷺ وهو ساجد حتى آذاه -قبحه الله- فقتله الله وأراح المسلمين منه.
وهذا طرف من هذا المشهد العظيم والغزوة الكبيرة سنُلمّ في بعض أطرافه بعد هذا، وهذه السورة الكريمة كلها نازلة في هذه الغزوة، وسيُكرر بعض هذا ويأتي ما لم يذكر فيه في مناسبة قرآنية من
_________________
(١) أسقط الشيخ (﵀) بيتًا بعد هذا البيت.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥/ ٢٠٥، ٢٠٦)، وأبو داود في المراسيل ص٢٣١، والبيهقي (٩/ ٦٤ - ٦٥) والحاكم (٢/ ١٢٤). وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» اهـ ووافقه الذهبي.
(٣) لم أقف على هذه الجملة الأخيرة إلا في «معجم ما استعجم» (٣/ ٨٣٧).
(٤) السيرة لابن هشام ص٦٨٤. وفي البزار (كشف الأستار) (٢/ ٣٢٠): «بكفرك بالله وافترائك على رسول الله ﷺ».
[ ٤ / ٥٢٢ ]
هذه السورة الكريمة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: الآيات ٧ - ١١].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآيتان ٧، ٨].
قد ذكرنا فيما سبق أن النبيّ ﷺ لما خرج من مدينته هذه -حرسها الله- يتلقى عِير أبي سفيان، وأن أبا سفيان سَاحَل بالعِير، أي: تيامن بها إلى جهة الساحل، وأرسل ابن عمرو الغفاري يستنفر جيش قريش، فاستنفر الجيش، وصار أصحاب رسول الله ﷺ لما علموا بذلك يُحتمل عندهم أن يلتقوا بالجيش، وأن يلتقوا بالعِير، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ووعده إحدى الطائفتين: إِما أن يعطيه العِير فيغتنمها، أو يسلطه على النفير فيهزمه. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ حين يعدكم الله وعده الصادق ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ﴾ (وَعَدَ) من الأفعال التي تطلب مفعولين، فقوله ﴿إِحْدَى﴾ هو مفعولها الثاني.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
وقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل من (إحدى) أي: وعدكم الله إحدى الطائفتين أن الله جعلها لكم، إما أن يكون لكم العِير فتغتنموها، أو يكون لكم النفير فتهزموه وتنتصروا عليه. هذا معنى قوله ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧].
ولما بشر النبي ﷺ أصحابه بنصر الله، وأنه وعده إحدى الطائفتين، كان أصحاب رسول الله يتمنَّوْنَ أن تكون الطائفة التي هي لهم عير أبي سفيان؛ لأنه مالٌ كَثِيرٌ ليس دونه قتال، وهذا معنى قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ خطاب للنبي وأصحابه ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ والذي ودّها في الحقيقة إنما هو بعض أصحاب رسول الله ﷺ. والودادة معناه: التمني ﴿وَتَوَدُّونَ﴾: تتمنون وتحبون أن تكون الطائفة التي سيحقق الله لكم إنجاز الوعد بها أن تكون الطائفة التي هي ﴿غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾، يعني: العِير، أصل الشوكة: واحدة الشوك؛ لأن رأسها فيه حِدَّة، والعرب تطلقها على كل سلاح حديد تسميه (شوكة)، فتقول للرجل الحديدِ السلاح: «فلان شائك السلاح، وشاكي السلاح». على القلب؛ لأن قولهم: «فلان شاكي السلاح». أصله: شائك السلاح. قلبوه وأخَّروا الهمزة فابدلوها ياءً، همزة مبدلة من الواو، وهو معنى معروف في كلامهم، ومنه قوله (^١):
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ له لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لم تُقَلَّمِ
تتمنون أن الطائفة الضعيفة التي لا حِدَّة عندها ولا سلاح -وهي العير- أنها هي التي يتحقق لكم فيها الوعد، وأن لا تجتمعوا بالنَّفِيرِ؛ لأنه جيش له شوكة وسلاح وَحِدَّة. وهذا معنى قوله:
_________________
(١) البيت لزهير بن أبي سُلمى، وهو في ديوانه ص٨٤.
[ ٤ / ٥٢٤ ]
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٧] كأن الله يقول: الله يريد هنا غير ما تريدون، ويحب لكم غير ما تحبون لأنفسكم؛ لأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: الآية ٢١٦] ويريد الله (جل وعلا) أن يجعل الطائفة الموعود بها -التي سينجز فيها وعده، ويحقق بها نصر نبيه- يريد أن يجعلها الطائفة ذات الشوكة، وهي: النفير، الجيش في عَدَدِه وَعُددِه؛ لأن الله يريد، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ الحق هو في نفسه حق، الحق حق مهما كان، ومعنى ﴿أَن يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أي: يظهره على الدين كله، ويجعله عاليًا غير سافل، ويجعل الكلمة والسلطة والقوة له. هذا معنى إحقاق الحق، أي: إِظهاره وإِعلاؤه، أما الحق فهو حق في نفسه مهما كان، هذا معنى قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ أن يحقق لكم الوعد في الطائفة ذات الشوكة؛ لأن الله يريد بذلك ﴿أَن يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أي: يظهر دين الإسلام ويعليه، ويعلي كلمته، ويضعف الكفرة ويهزمهم، ويهزم دينهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ معنى إحقاقه الحق بكلماته فيه أوجه متقاربة من التفسير لا يكذب بعضها بعضًا (^١).
قال بعض العلماء: المراد بكلماته التي يريد أن يحق بها حقه هي: كلمته التي أمر نبيه بها ﷺ أن ينهض وأن يقاتل النفير إذا لم يكن إلا هو، فَأَمْرُهُ (جل وعلا) بقتالهم وإلزامهم ذلك بعد أن نجت العير وصار النفير، أمره بهذا القتال هي كلمته التي أراد أن يحق الحق بها،
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٤٠٧).
[ ٤ / ٥٢٥ ]
أن يذل دين الكفر، ويقتل صناديده، ويعز دين الإسلام، ويعلي كلمته.
وقال بعض العلماء: كلماته التي يريد أن يحق بها حقه هي الكلمات التي وعد فيها بالنصر يوم بدر، والله (جل وعلا) وعد بالنصر يوم بدر في آيات من كتابه على ما قاله جماعة من المفسرين، منها في الدخان، ومنها في السجدة، ومنها في غير ذلك؛ لأن جماعة من أهل العلم قالوا: إن الله في سورة الدخان بشر بقصة بدر مع أن سورة الدخان مكية نازلة قبل الهجرة. قال غير واحد من كبار العلماء: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ هو بطشه بنفير قريش يوم بدر على أيدي أصحاب النبي ﷺ والملائكة ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: الآية ١٦] أي: من سادة الكفرة يوم بدر بما فعلنا بهم (^١). وقالت هؤلاء الجماعة: هو العذاب الأدنى في السجدة في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة: الآية ٢١] قالوا: هو عذاب النفير يوم بدر كما سلط الله عليهم رسوله وأصحابه فقتلوا منهم وأسروا (^٢).
وقال بعض العلماء هو: اللزام؛ لأنه عذاب دنيوي يلازمه عذاب الآخرة في كونه لزامًا (^٣).
ولا شك أن سورة القمر من القرآن النازل في مكة قبل وقعة بدر، وعن عمر بن الخطاب (﵁) أنه ما كان يعلم شيئًا عن معنى قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ ويقول: من هذا الجمع
_________________
(١) انظر: ابن كثير (٤/ ١٤٠).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٤٦٢).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٣٣٠).
[ ٤ / ٥٢٦ ]
المهزوم الذين يولون الدبر؟! ولم يفهم معنى الآية إلا يوم بدر لما كشف الله المشركين ونصر نبيه ﷺ فإذا رسول الله ﷺ يثب في درعه ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (^١) [القمر: الآية ٤٥] وعند ذلك عرف عمر بن الخطاب ﵁ أن آية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ وإن كانت من سورة القمر وهي من القرآن المكي النازل بمكة قبل الهجرة بلا خلاف أن الله وعد فيها في مكة نصر المؤمنين على الكفار يوم بدر، قالوا: فهذه كلمات الله التي وعد بها نبيه أن ينصره فحق الحق وأنجز وعده، كما قال هنا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ الدابر: الآخِر. وإذا كان جماعة يمشون فالذي يمشي وهو الآخر منهم تسميه العرب: دابرًا؛ لأنه يمشي عند دبر مَنْ قُدَّامه، والعرب تعبر به عن الآخر، ويقولون: «قطع الله دابرهم». معناه: أهلكهم واسْتَأْصَلَهُم ولم يُبْقِ مِنْهُمْ أحَدًا، هذا معنى قطع الدابر وأصله لغة ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ
_________________
(١) خبر وثوبه ﷺ في الدرع وقراءته الآية ثابت في الصحيح، كتاب التفسير، باب: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ حديث رقم: (٤٨٧٥) (٨/ ٦١٩). وأخرجه في مواضع أخرى، حديث رقم: (٢٩١٥، ٢٩٥٣، ٤٨٧٧)، وأما أثر عمر فقد أخرجه ابن جرير (٢٧/ ١٠٨) عن عكرمة، كما أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ٣٥٧)، وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٢١) عن عكرمة مرسلًا. وعزاه في الدر (٦/ ١٣٧) لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. كما أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٥٨) من حديث أبي هريرة (﵁)، وأورده السيوطي في الدر (٦/ ١٣٦) وعزاه لابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه. كما أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٤٥) من حديث أنس ﵁.
[ ٤ / ٥٢٧ ]
الْكَافِرِينَ﴾ أي: يهلكهم ويستأصلهم إما بالموت، وإما بانقضاء دينهم وقهره حتى لا يبقى كافر، وكانت وقعة بدر هي أول عز الإسلام وظهوره، وهي أول وقعة ذل فيها الكفر وأهله؛ ولذا قال: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآية ٨] واختلف العلماء في متعلق اللام في قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ اختلفوا في متعلقها (^١)، قال بعض العلماء: تتعلق بما قبلها؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ قطع دابر الكافرين لأجل أن يحق الحق، بأن يظهر الحق بإضعاف الكافرين وقطع دابرهم، وذهب جماعة من العلماء إلى أن متعلق اللام محذوف، قالوا: ويقدر مؤخرًا ليدل على الحصر، قالوا: وإيضاح تقديره: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ فعل ذلك الذي فعل بالكفار، أي: ما فعل بهم ذلك إِلا لأجل أن يحق الحق ويبطل الباطل. والمراد بالحق هنا: دين الإِسلام. وأصل الحق في لغة العرب: الشيء الثابت الذي لا يزول ولا يضمحل، وكذلك دين الإسلام فهو ثابت، وأعماله ثابتة في الدنيا والآخرة، يجدها صاحبها ثابتة في الآخرة، جزاؤها عظيم، كما صرح الله بضرب المثل لذلك بالنخلة ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٤] أما الباطل فهو زائل مضمحل لا ثبوت له، كما ضرب له المثل بالشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا ثبوت لها، بل هي تضمحل وتزول، وكل زائل مضمحل تسميه العرب باطلًا،
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٦٤).
[ ٤ / ٥٢٨ ]
ويجمعونه على أباطيل على غير قياس، ومنه قوله (^١):
كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مَثَلًا وما مَوَاعيدُهَا إلا الأَباطِيلُ
هذا كعب بن زهير جمع الباطل على (أباطيل) على غير قياس، ويجوز جمعه على القياس، وجمع الباطل على القياس أن يقال في جمعه: (بواطل) كما هو معروف؛ لأن (الفاعل) إذا كان اسمًا أو وصفًا لغير عاقل اطَّرد جمعه على (فواعل) كما هو معروف في محله.
قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٨] يعني يفعل ذلك والحال لو كره المجرمون ذلك، والمجرمون (^٢): جمع تصحيح للمجرم، والمجرم اسم فاعل الإجرام وهو مرتكب الجريمة، والجريمة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال. وهذا معنى قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآية ٨].
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: الآيتان ٩، ١٠].
﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩] قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير نافع وحده: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، بصيغة اسم الفاعل. وقرأه نافع من السبعة وحده:
_________________
(١) شرح قصيدة بانت سعاد للتبريزي ص١٧.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
﴿مردَفين﴾ بفتح الدال بصغية اسم المفعول (^١).
وقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ قال بعض العلماء (إذ) منصوب بـ (اذكر) مقدرًا، وقد ذكرنا أنه يكثر في القرآن نصب الظرف الذي هو (إذ) بلفظة (اذكر) كقوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ﴾ [الأحقاف: الآية ٢١] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: الآية ٨٦] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: الآية ٢٦] ونحو ذلك. قال بعض العلماء: (إذ) في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ بدل من (إِذ) في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: الآية ٧] و﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ معناه: تطلبون الإغاثة من ربكم (جل وعلا). تقول العرب: استغاث يستغيث إذا طلب الغوث. وهذه الاستغاثة كانت من رسول الله ﷺ على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وعليه جمهور العلماء. خلافًا لمن قال: كانت من جميع الأفراد الذين شهدوا بدرًا، وذلك أن النبي ﷺ لما بُني له العريش يوم بدر وجلس فيه ورأى جيش قريش متصوبين من العقنقل -كثيب بدر- فإذا عددهم كبير، وهم حول ألف مقاتل، فنظر إلى أصحابه فإذا هم قليل -ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا- قام في ذلك الوقت وتوجه إلى القبلة وهتف بربه (جل وعلا) واستغاث بخالقه يسأله ويدعوه، وأَلَحَّ في المسألة أشد إلحاح، ورداؤه على منكبيه يناشد ربه؛ ربي أنجز ما وعدتني، اللهم عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه الطائفة لن تُعبد في الأرض. ويناجي ربه ويهتف به، ويلح عليه في المسألة، ويستغيث به (جل وعلا) حتى سقط رداؤه عن منكبيه (صلوات الله وسلامه عليه)،
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٠. انظر: الدر المصون (٥/ ٥٦٥).
[ ٤ / ٥٣٠ ]
فجاءه أبو بكر من خلفه وجعل رداءه على منكبيه وقال: «يَكْفِيكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّ رَبَّكَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ» (^١). هذا معنى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٩].
وهذه الآية وأمثالها في القرآن تُؤخذ منها أسرار ينبغي لنا معاشر المسلمين أن نسير عليها، هذا سيد الخلق محمد (صلوات الله وسلامه عليه) لما جاءه أعظم كرب يكون كربًا للأنبياء؛ لأن الكروب إنما تعظم على الأنبياء من جهة ضياع الدين؛ لأن الدنيا لا أهمية لهم فيها، وهذه الطائفة جزم ﷺ أنها لو هلكت وقُتلت لانكسرت شوكة الإسلام، ولضاع الإسلام، ولم يُعبد الله في أرضه، وانتشر الكفر، وظهرت قوته، وطائفة الإسلام قليلة ضعيفة ليست بذات عددٍ ولا عُدد، وطائفة الكفر كثيرة قوية؛ هذا أعظم كرب دهم رسول الله ﷺ، فلما دهمته هذه الكروب جعل التجاءه الصادق إلى خالق السماوات والأرض. ومن ذلك يُعلم أن من دهمته الكروب وجاءته البلايا والزلازل أنه في ذلك الوقت إنما يكون الْتِجاؤه كما كان الْتِجَاء رسول الله ﷺ إلى خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، فعلى كل مسلم أن يفهم هذا ويعقله، ويفهم أن العبد إذا دهمته الكروب، وجاءته البلايا والمحن والزلازل، أن التجاءه في ذلك الوقت يجب انصرافه إلى ما صرف إليه النبي ﷺ التجاءه في ذلك الوقت، وهو الاستغاثة بخالق السماوات والأرض جل وعلا.
والله قد بين لنا معاشر المسلمين أن الإنسان إذا اضطر بأن دهمته الكروب، وأحدقت به النوائب والحوادث، أن الالتجاء في
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، حديث رقم: (١٧٦٣) (٣/ ١٣٨٣).
[ ٤ / ٥٣١ ]
ذلك الوقت من خصائص خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، فلا يجوز صرفه لغيره كائنًا من كان، وأوضح الله لنا هذا إيضاحًا شافيًا في آيات كثيرة من كتابه، من أوضح تلك الآيات: آيات سورة النمل، لأنه إيضاح لا لَبْسَ فيه كهذا النهار؛ لأن الله يقول: ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [النمل: الآية ٥٩] وفي القراءة الأخرى: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١). ثم شرع تعالى يُعدد خصائص ربوبيته التي لا حق فيها لغيره ألبتة فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ الجواب: لا ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ثم ذكر خاصية أخرى من خصوص الربوبية فقال: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ الجواب: لا إله مع الله. ثم قال: وهو محل الشاهد: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: الآيات ٦٠ - ٦٢] الجواب: لا والله، فهذه توضح ما وضَّحه رسول الله ﷺ بفعله أن مَنْ ألجأته الكروب واضطرته النوائب والزلازل أنه لا إله مع الله في ذلك الوقت يرفع إليه ذلك إلا خالق السماوات والأرض؛ ولذا كان ﷺ في ذلك الوقت الضنك، والموقف الحرج، رفع ذلك الالتجاء إلى خالقه (جل
[٢/ب] وعلا)، وأثنى الله عليه في ذلك، وأجابه بمدد السماء ملائكة منزلين [وهكذا شأن] (^٢) / الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم)
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٣٤.
(٢) في هذا الموضع مسح في التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٤ / ٥٣٢ ]
يلتجئون إليه في تلك الظروف الحرجة والأوقات الضنكة. وكان الكفار -لأَن عندهم عقلًا معيشيًّا دنيويًّا- إذا نزلت بهم البلايا ودهمتهم الكروب أخلصوا في ذلك الوقت الدعاء لله، وأعطوا الحق لمن له الحق، حتى إذا أنقذهم الله من ذلك رجعوا إلى كفرهم.
والآيات الدالة على هذا لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: وخافوا من الموت من هيجان تلك الأمواج ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: الآية ٣٢] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ أي: ودهمتهم الأمواج، وعاينوا الهلاك ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: الآية ٦٥] ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: الآيتان ٢٢، ٢٣] ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: الآية ٦٧ - ٦٩] والآيات بهذا المعنى لا تكاد تحصيها في المصحف، والمعروف في التاريخ أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل (﵁) أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) لما فتح مكة -وكان عكرمة شديد العداوة له ﷺ- هرب من مكة ذاهبًا إلى الحبشة، فركب في البحر الأحمر ذاهبًا إلى الحبشة، فلما لَجَّجُوا في البحر هاجت عليهم عواصف الريح، واضطربت عليهم الأمواج، فخافوا الهلاك وعاينوا الموت، فإذا كل
[ ٤ / ٥٣٣ ]
من في السفينة يتناذرون ويقول بعضهم لبعض: لا تدعوا في هذا الوقت غير الله؛ لئلا تغرقونا؛ لأن هذه الكروب لا ينجي منها إلا الله (جل وعلا) وحده.
ففهمها عكرمة وقال: والله إن كان لا ينجي في ظلمات البحر إلا هو فلا ينجي من كربات البر إلا هو. ثم قال: اللهم لك علي عهد إن أنْجَيْتَنِي من هذه لأضعن يدي في يد محمد ﷺ فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا (^١). وأمثال هذا في القرآن لا تحصى، فعلينا معاشر المسلمين أن نضع كل شيء في موضعه، ونمشي في نور القرآن العظيم، ونعلم أن الواحد منا إذا نزلت به البلايا ودهمته الكروب أن الالتجاء في ذلك الوقت من خصائص خالقه (جل وعلا)، فخصوص ذلك لخالقه (جل وعلا) مما يرضي الله، ويرضي رسوله، ويكفل له النجاح. وهذا سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) صرحت هذه الآية من سورة الأنفال أنه لما دهمه هذا الكرب العظيم صدق في ذلك الالتجاء، وصرفه إلى من له الحق في ذلك، وهو خالقه (جل وعلا). ومن حِكَم ذلك أن يعلم أمته الاقتداء به في ذلك، فعلينا معاشر المسلمين محبة لنبينا وتعظيمًا له ورغبة في اتباع ديننا أن نفعل كما كان يفعل نبيّنا ﷺ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: الآية ٣١] ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: الآية ٨٠] ونصرف الحقوق لمستحقها، ولا نصرف حق خالقنا إلى بشر، ولا إلى ملك مقرب، ولا إِلى مخلوق كائنًا من كان؛ لأن إعطاء حقوق الله لله مما يرضي الله ويرضي رسول الله، وهو الذي يتَّبع صاحبه المرسلين (صلوات الله وسلامه عليهم). وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الفاء سببية والإجابة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
مسببة عن الاستغاثة بالله.
وهذا يدل على أنَّ مَنِ اسْتَغَاثَ بالله كانت استغاثته بالله سببًا للإجابة وإزالة المكروه عنه؛ ولأجل هذا الذي كنا نقرر لما أنزل الله مدد السماء من الملائكة علَّم أصحاب نبيه أن لا يعتمدوا عليهم فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ١٠] لا تظنوا أن النصر من الملائكة وإن نزلت عليكم الآلاف المؤلفة منهم، الذي بيده النصر وبيده كل شيء ويُفْزَعُ إِلَيْهِ في كل شيء، ويُطلب منه كل شيء، هو خالق الملائكة وخالق الرسل (جل وعلا) صلوات الله وسلامه عليهم.
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم﴾ استجاب لهم بأنه ممدهم. وقوله: ﴿مُمِدُّكُم﴾ أي: جاعلها لكم مددًا يمدكم الله ويعينكم بها. وقد أوضح وجه هذا الإمداد وبينه في هذه الآيات في قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: الآية ١٢] وهذا معنى قوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ﴾ العرب تقول: أَمَدَّنَا الإمام بكذا، معناه: جاءنا بزيادة من الجيش مددًا؛ أي: زائدة على الأول، فقوله: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩] قراءة الجمهور: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قال بعض العلماء: كان الإمداد يوم بدر بألف واحدة بدليل آية الأنفال هذه.
وقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ معناه: متتابعين يتبع بعضهم بعضًا، ذكروا في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ خفق في العريش خفقة -أصابته نعسة وغفوة خفيفة- فاستيقظ يتبسم وقال لأبي بكر: أبشر جاء نصر الله. فذكر له أنه رأى جبريل نازلًا وعلى ثناياه
[ ٤ / ٥٣٥ ]
النقع (^١)، والنقع: الغبار الذي يكون على الثَّنِيَّتَيْن من أسنان الرجل فيكون عليها.
قال بعض العلماء: نزل جبريل في خمسمائة من الملائكة على الميمنة وفيهم أبو بكر، ونزل ميكائيل في خمسمائة من الملائكة على الميسرة وفيهم علي (^٢). والأظهر أن المدد يوم بدر كان أكثر من ألف كما قدمناه في سورة آل عمران؛ لأن أصح القولين أن المدد من الملائكة المذكور إلى خمسة في آل عمران أنه في بدر، وأن قول من قال: إنه وُعد به في أُحد والصحابة لم يفوا بالشرط.
أن ذلك خلاف الظاهر وخلاف التحقيق؛ لأن الله قال في سورة آل عمران مشيرًا إلى وقعة بدر هذه التي بَسَطَهَا وشرحها في الأنفال مشيرًا إلى النصر بالملائكة والإمداد بهم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٣، ١٢٤] والتحقيق: إذ تقول لهم يوم بدر لما أمدكم الله بالملائكة: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٤، ١٢٥] والقصة هذه المذكورة في آل عمران هي قصة بدر هذه المذكورة في الأنفال والسياق واحد كما ترى؛ لأنه قال في الأنفال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ
_________________
(١) هذا الحديث أورده ابن هشام في السيرة ص٦٦٦، وابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٧٦)، وقد أورده السيوطي في الدر (٣/ ١٨٨) وعزاه لابن إسحاق وابن المنذر.
(٢) أورد ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٩٠) والبداية والنهاية (٣/ ٢٧٥) في هذا المعنى أثرًا عن ابن عباس (﵄) من طريق علي بن أبي طلحة.
[ ٤ / ٥٣٦ ]
بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: الآية ١٠] وقال في آل عمران: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: الآية ١٢٦] وقال هنا: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٧] وقال في آل عمران: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٧] فالسياق هو السياق.
ولكن هنا سؤال، وهو أن يُقال: المدد الذي ذكرتم أنهم إلى خمسة آلاف، وأن ذلك في يوم بدر، فكيف يجمع به مع الاقتصار على ألفٍ واحدة هنا في الأنفال في قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩].
أُجيب عن هذا: بأنه لا تعارض؛ لأن آية الأنفال هذه أشارت إلى أن المدد من الملائكة لا يقتصر على الألف؛ لأن قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ على قراءة الجمهور معناه: يتبع بعضهم بعضًا، من أردف الرجل الرجل إذا كان وراءه رِدْفًا له، فدل على أنهم وراءهم شيء أُردفوا به، ويوضح هذا المعنى قراءة نافع: ﴿مُرْدَفين﴾ بصيغة اسم المفعول، معناه: مردَفين بغيرهم، أنهم متبوعون بغيرهم.
وقال بعض العلماء: الوعد بخمسة آلاف كان يوم أُحد، ولكن الله شرط عليهم شرطًا وقال: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٥] قالوا: ولم يصبروا ولم يتقوا ذلك اليوم؛ لأنهم زلت بهم أقدامهم كما نص الله عليه في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٥] قال: ولما لم يثبتوا لم ينزل عليهم ملك واحد؛ لأنهم لم يفوا بالشرط. هذا قاله جماعة من أهل العلم.
[ ٤ / ٥٣٧ ]
والأول أظهر، والسياق واحد. وهذا مبنيٌّ على قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ فصرح تعالى أن ذلك ببدر والكلام متصل آخره بأوله ﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٣] إلى أن قال: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ في ذلك اليوم الذي نصركم الله فيه وأنتم أذلة ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٤].
والحاصل أنه مختلف في المَدَدِ هَلْ هو ألف واحدة أو إلى خمسة آلاف؟ وأظهر القولين: أن المدد المذكور في آل عمران هو المذكور في الأنفال هذه، وأنه خمسة آلاف، ومما يؤيده: أنه لم يعلم أن الملائكة نزلت للقتال ظاهرًا إلا يوم بدر، وغير ذلك تنزل جنودًا لم يرها الناس كما جاء في حنين وغيرها والأحزاب؛ لأن الله بين أن الملائكة نزلت في الأحزاب وفي حنين حيث قال في الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: الآية ٩] وقال في قصة حنين: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: الآية ٢٦] ولم يقل أحد من العلماء: إن جنود الملائكة التي نزلت في غزوة الأحزاب وفي غزوة حنين أنهم قاتلوا، وإنما اختلفوا في ذلك في [بدر] (^١)، فذهب جماعة من أهل العلم وجاءت به آثار: أن الملائكة قاتلوا. وظاهر سياق آية الأنفال هذه تدل على أن الملائكة هم الذين أُمروا بالضرب فوق الأعناق وضرب البنان؛ لأنه قال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ﴾ فهذا السياق للملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢] فهذا السياق ظاهر في الملائكة،
_________________
(١) في الأصل: «أُحد» وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٥٣٨ ]
وقد ذكرنا روايات عن بعض الصحابة أن بعضهم قال: بينما أنا أتبع رجلًا إذ سقط ميتًا أمامي، وسمعت ضربة سوط فوجدت وجهه مشقوقًا مخطومًا واخْضَرَّ محل الضربة كله (^١). وأن رجلًا قال: أردت أن أقتل رجلًا فَسَقَطَ رَأْسُهُ قبل أن أضربه (^٢). وأنهم أَعْلَموا النبي ﷺ، وأنه قال: «ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ».
والذين قالوا: إن الملائكة لم تقاتل يوم بدر لا حجة قوية معهم؛ لأنهم إنما استدلوا على ذلك بأن ملكًا واحدًا يقدر على إبادة جميع الناس، وأن جبريل رفع مدائن قوم لوط على ريشة من جناحه، ولا مانع من أن الله يجعل الملائكة مددًا وعونًا يَقْتُلُون معهم ليكون شرف الهزيمة لأصحاب محمد ﷺ؛ لأن الملك لو أهلكهم ما كان للصحابة في ذلك من فضل ولا من شرف، ولكن الله أعانهم ليكون النصر بأيديهم، وإهانة الكفار بأيديهم، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤)﴾ الآية [التوبة: الآية ١٤]، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى﴾ [الأنفال: الآيتان ٩، ١٠] هذه الآية مما استدل بها من قال: إن الملائكة لم تقاتل؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ راجع إلى الإمداد بالملائكة الذين يتبع بعضهم بعضًا ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: إمدادكم بالملائكة يقاتلون معكم ﴿إِلَاّ بُشْرَى﴾ أي: إلا بشارة لكم بالنصر، قالوا: فالله (جل وعلا) قصره على البشرى، ولم يقل: إن فيه قتالًا. وبعضهم يقول: لما قيل لهم: إنهم معكم، يقاتلون
_________________
(١) تقدم تخريجه في بداية تفسير الآية.
(٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير الآية.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
معكم، كانت البشرى أعظم؛ لأنهم يعاونونهم في قتل عدوهم، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ بُشْرَى﴾ فالبشرى (فُعْلى) مؤنث بِأَلِف التأنيث اللفظية. والبشرى: هي الإخبار بما يسر، وقد قَدَّمْنَا مرارًا أن العرب تسمِّي الإخْبَار بما يسر (بشرى) و(بشارة)، وتقول: «بَشَّرَه وبَشَرَه». إذا أخبره بما يسره، كما هو معروف. وقد قدمنا: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن: إطلاق البشرى أيضًا على الإخبار بما يسوء، كأن تقول له: بشِّره بما يسوءُه، بشره بويل وعذاب.
كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: الآيتان ٧، ٨] ومعلوم أَنَّ العرب تطلق البشارة في لغتها على الإخبار بما يَسُرُّ أكْثَر، وربما أطلقتها على الإخبار بما يَسُوءُ. ومن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء قول الشاعر (^١):
وَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتي جَفَونِي وقَالُوا: الودُّ مَوْعِدُهُ الحشْرُ
وقول الآخر (^٢):
يُبشرنُي الغرابُ ببينِ أَهْلي فقلتُ لهُ ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ
وعلماء البلاغة يقولون: إن البشارة بما يسوء من نوع ما يسمونه (الاستعارة العنادية) ويقسمون الاستعارة العنادية إلى (تهكُّمِيَّة، وتلميحية) كما هو معروف في فن البيان عندهم (^٣).
ونحن نقول: إن الذي يظهر أن هذه أساليب عربية، نطقت بها
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
العرب، ونزل بها القرآن. وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٦] أي: فعل الله ذلك لكم لأجل أن يبشركم؛ ولأجل أن تطمئن قلوبكم به. الطمأنينة معناها: السكون وعدم القلق والانزعاج. ومحل الطمأنينة والانزعاج: القلب؛ لأنه محل الإدراك؛ ولذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كان عددهم قليلًا، فلما نزل المدد من السماء وثقوا من النصر، وسكنت قلوبهم، واطمأنت، وزال عنها الخوف والقلق والانزعاج، وهذا معنى قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ ثم إن الله بيّن أن الخير كله من قِبَله فكأنه يقول للمسلمين: لا تظنوا -وإن أنزلت عليكم ألفًا من ملائكة السماء- أن النصر بيد الملائكة! لا، النصر بيدي وحدي؛ ولذا قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ١٠] هذا حصر بالنفي والإثبات، وهو أبلغ غايات الحصر. معناها: لا نصر يوجد ألبتة كائنًا من كان إِلا من عند الله (جل وعلا). وأصل النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم ﴿إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ العزيز في لغة العرب: هو الغالب. والعزة في لغة العرب: الغلبة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: الآية ٨] أي: ولله الغلبة ولرسوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: الآية ٢٣] غلبني في الخصام. والعرب تقول: (مَنْ عَزَّ بَزَّ) (^١) يعنون: من غلب استلب. وقد قالت الخنساء في شعرها (^٢):
كَأَنْ لم يكونُوا حِمىً يُخْتَشَى إذِ النَّاسُ إذْ ذاكَ مَنْ عزَّ بَزّا
تعني: مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٥٤١ ]
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: غالب لا يغلبه شيء؛ ولذا قهر جند أبي جهل ورؤساء الكفر وقمعهم وقتلهم بعزته حيث كانت العزة له، وأعز عباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: الآية ٨].
وقوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ الحكيم في الاصطلاح: هو مَنْ يَضَعُ الأمُورَ في مواضعها ويوقعها في مواقعها، ولا تتم الحكمة إلا بتمام العلم، فكل نقص في الحكمة إنما يتسبب عن نقص في العلم، فترى الرجل القُلَّب البصير الحاذق يفعل الأمر يظنه في غاية السداد ثم ينكشف الغيب عن أن فيه هلاكه ومضرة عظيمة عليه، فيندم وقد فات الأوان، ويقول: ليتني لم أفعل، لو فعلت لكان كذا!!
لَيْتَ شِعْري وَأَيْنَ مِنِّي لَيْت إِنَّ ليتًا وإنَّ لوًّا عَنَاءُ (^١)
لأن: (ليتني فعلت)، و(لو فعلت كذا لكان أصوب!!) كل هذا في اختلال الحكمة من عدم العلم بعواقب الأمور.
أُلامُ عَلَى لوٍّ ولَوْ كُنْتُ عَالمًا بِأَذْنَابِ لَوٍّ لم تَفُتْنِي أَوَائِلُه (^٢)
الله (جل وعلا) وحده هو الذي لا يجري عليه: (لو فعلت كذا لكان أصوب)، أو: (ليتني لم أفعل)؛ لأنه عالم بعواقب الأمور وما تؤول إليه، فلا يضع أمرًا إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه؛ لإحاطة علمه (جل وعلا) بالخبايا والخفايا، وبما يكون وبما ينكشف عنه الغيب؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ١٠].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٤٢ ]
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: الآية ١١].
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات (^١): قرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ مضارع غشَّاه يُغَشِّيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ [النجم: الآية ٥٤]. وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿إذ يُغْشِيكُم النعاس﴾ مضارع أغشى يُغشي، من قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: الآية ٩]. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أمنة منه﴾.
فعلى قراءة نافع: (النعاس) منصوب مفعول: ﴿يُغْشِيْكُم﴾ وكذلك هو على قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ هو مفعول ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ ولا فرق بين قراءتهم وبين قراءة نافع، إلا أن الفعل على قراءتهم مُعدّى بالتضعيف، وعلى قراءة نافع مُعدّى بالهمزة، والتعدية بالهمز والتضعيف معروفان متساويان، أما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (النعاسُ) مرفوع، فاعل ﴿يغشاكم﴾ (^٢) وقد جاء النعاس فاعلًا -كقراءة أبي عمرو، وابن كثير هنا جاء ذلك- في سورة آل عمران في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] أي: النعاس ﴿طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ كما قال هنا: ﴿إذ يَغْشَاكم النعاسُ أمنة منه﴾ النعاس: معروف، وهو أوائل النوم.
_________________
(١) انظر المبسوط لابن مهران ص٢٢٠.
(٢) انظر حجة القراءات ص٣٠٨.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
وأجرى الله العادة أن النعاس لا يكون للخائف -أن الخائف يطير منه النعاس ويطير منه النوم فلا ينعس ولا ينام- وأن الذي يصيبه النعاس فينام هو الآمن؛ ولذا كانوا يقولون: (الأمن مُنيم، والخوف مُسهر)؛ لأن صاحب الأمن ينعس فينام، فترى الآمن ناعسًا ونائمًا، والخائف قلقًا لا يأتيه النعاس ولا النوم. وأجرى الله العادة أنه إذا أراد نصر حزبه ألقى عليهم النعاس؛ لأن النعاس لا يغشاهم إلا وقد زال من صدورهم الخوف وقلق الجزع والحزن، وهذا تأمين منه لهم، وتثبيت لهم، كما تقدم في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] وقد قدمنا في تفسيرها في آل عمران عن أبي طلحة أنه ذكر أنه سقط منه سيفه ثلاث مرات وهو قائم في الصّف من شدة النعاس (^١)، وأنهم يميدون تحت السلاح لشدة نعاسهم. وقد ذكر هنا أنه غشاهم النعاس في وقعة بدر.
وقوله: ﴿أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ١١] مفعول من أجله. إذ يغشيكم (جل وعلا) النعاس لأجل الأَمَنَة منه. والأَمَنَة: مصدر أمِن يأمن أَمَنَةً وأمنًا وأمانًا. والأَمَنَة والأمان ضد الخوف؛ أي: لأجل أن تكونوا آمنين ليس في قلوبكم خوف ولا جزع ولا قلق، وهذا من تثبيت الله لعباده المؤمنين.
وقد اختلف العلماء في وقت هذا النعاس الذي صرّح الله أنه غشَّاه أهل بدر، فقال بعض العلماء: كان هذا النعاس غشاهم الله إياه
_________________
(١) البخاري، كتاب المغازي، باب: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ حديث رقم: (٤٠٦٨) (٧/ ٣٦٥)، وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم: (٤٥٦٢).
[ ٤ / ٥٤٤ ]
في الليلة التي في صبيحتها وقعة بدر، وكانت ليلة الجمعة، وهي السابعة عشرة من شهر رمضان، في عام اثنين من الهجرة. المفروض أنهم كانوا يكونون في خوف وقلق؛ لأنهم غدًا يتلاقون مع عدوهم، وهو جيش عرمرم قوي، فالعادة أن من هو إذا أصبح يلاقي جيشًا عرمرمًا، وينتظر الموت أنه يبيت والنعاس طائر عنه، والنوم طائر من عينيه لما يصيبه من خوف الموت والفزع والقلق، إلا أن الله خرق العادة لحزبه هنا، وغشاهم النعاس. قالوا: ففي تلك الليلة ناموا ملء عيونهم نومًا مستغرقًا كنوم الآمنين في غاية الأمن حتى احتلموا وأصبح كثير منهم جُنبًا من الاحتلام!! والغالب أن الرجل لا يحتلم إلا إذا كان نومه مستغرقًا، والنوم لا يكون ثقيلًا مستغرقًا إلا للآمن الذي لا يخالجه خوف؛ لأن الخائف والقلق ولو قدرنا أنه أصابته غفوة فعن قليل يستقظ فزِعًا مرعوبًا، فهم في تلك الليلة غشاهم الله النعاس فباتوا في أمن ونوم عميق نائمين، وأجنبوا تلك الليلة. قالوا: ومن حكمة ذلك أن النوم الثقيل العميق تستريح منه الأعضاء من التعب، فأصبحوا مستريحين قادرين على كفاح العدو، قال المفسرون: أُخبر النبي ﷺ وأصحابه أن نفير قريش سبقهم إلى الماء، وكانوا في العدوة الدنيا من بدر، وكان الوادي الذي هم فيه فيه رمال دهسة، يصعب المشي فيها؛ لأن الأقدام تسوخ فيها، وأجنبوا وعطشوا، فجاءهم إبليس برِجْزِه فوسوس لهم وسوسة عظيمة ثقلت على بعض الصحابة، وقال: تزعمون أنكم على الحق وأنتم في عطش، والقوم قد سبقوكم إلى الماء وغلبوكم عليه، فإذا أجهدكم العطش جاءوكم فقتلوا من شاءوا، وأسروا من شاءوا، وأنتم تُصلّون بالجنابة في عطش، وأرجلكم تسوخ في الرمل، والعدو بخلاف
[ ٤ / ٥٤٥ ]
هذا (^١)!!
فأنزل الله مطرًا من السماء، وسلط عليهم النوم، فسال الوادي، فاغتسلوا من الجنابة، وشربوا، وسقوا دوابهم، ولبَّد لهم الأرض حتى صارت الخُطا تثبت عليها، والأقدام تثبت عليها ولا تسيخ فيها؛ لأن الرمل المتهائل إذا ضربه المطر اشتد وصار الإنسان يمشي عليه ولا تسوخ قدمه فيه، وإن كان يابسًا صعُب المشي فيه؛ لأن الرِّجْل تسوخ فيه.
وقال بعض العلماء: النعاس الذي غشاهم إياه: بعد أن التحم القتال أصاب المسلمين نعاس يوم بدر كما أصابهم يوم أحد. والله تعالى أعلم (^٢). ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ١١] لأجل الأمن، سواء قلنا: إنه في الليل، أو إنه في النهار وقت التحام الصفين، هذا معنى قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هو هذا المطر الذي كنا نذكر خبره الآن.
وقرأه السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بتشديد الزاي وفتح النون. مضارع نَزَّله يُنَزِّله. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿ويُنْزِلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ (^٣) أي: من الجنابة كما طهر باطنكم طَهّر لكم ظاهركم من الجنابة.
﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوسة الشيطان الذي أثقل عليكم بها: أنكم تصلون بالجنابة، وأنكم عطاش يهلككم العطش فيأخذكم العدو. أذهب عنكم بنزول ذلك الماء. أنزل ذلك المطر
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (٣/ ٢٨٢) ..
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٤٦).
(٣) انظر: الإتحاف (٢/ ٧٧).
[ ٤ / ٥٤٦ ]
ليطهركم من الجنابة، وكل حدث أصغر وأكبر. ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوسته التي كان يوسوس لكم بها.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ حيث أزال عنكم وسوسة الشيطان: أن العطش يُضعفكم، وأن القوم يأخذونكم حيث شربتم من ذلك المطر وتقويتم ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ معناه: يشدها ويقويها حيث أزال وساوس الشيطان التي أثقل عليكم بها.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ يعني: يثبت بالمطر أقدامكم على دهس الرملة؛ لأنها قبل المطر كانت تسوخ فيها الأقدام. وعلى هذا القول أكثر المفسرين. وقال بعض العلماء (^١): الربط على القلوب وتثبيت الأقدام هنا: الربط على القلوب: هو تثبيت الجأش والشجاعة. وتثبيت الأقدام: هو تثبيتها في الميدان، وأن السبب المُسَبِّب لهذا هو الإمداد بالملائكة. وهذا يبعد من ظاهر القرآن، والذي عليه الجمهور: هو ما ذكرنا أن تثبيت الأقدام هنا تثبيت حسي؛ لأن المطر لبَّد الأرض الدهسة فصارت الأقدام تثبت عليها ولا تسوخ فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ [الأنفال: الآيات ١٢ - ١٧].
_________________
(١) انظر هذا القول والرد عليه في ابن جرير (١٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨).
[ ٤ / ٥٤٧ ]
يقول الله جل وعلا: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: الآية ١٢].
قال بعض العلماء: قوله: (إذ) بدل من (إذ) قبله. قالوا: قوله: ﴿إِذْ يُغَشيكُمُ النُّعَاسَ﴾ [الأنفال: الآية ١١] بدل من قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: الآية ٧] وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي﴾ بدل من قوله: ﴿يُغَشيكُمُ النُّعَاسَ﴾. وقال بعض العلماء: العامل في (إذ) ﴿إِذْ يُوحِي﴾ هو العامل في (إذ) المتكررة قبلها. وقال بعض العلماء: العامل فيه: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ١١] حين يوحي إلى الملائكة. وقال بعضهم: منصوب بقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ﴾ [الأنفال: الآية ١١] أي: يثبتهم حين أوحى إلى الملائكة أن ثبتوا الذين آمنوا (^١).
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ﴾ [الأنفال: الآية ١٢] يمكن أن يكون وحي إلهام، وأن يكون وحي إعلام، كل ذلك جائز للملائكة (صلوات الله وسلامه عليهم). يوحي إليهم الله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ معيّة نصر وإعانة ﴿فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ يعني النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر. وتثبيت الملائكة لهم كان من جهات متعددة (^٢): منها: أن الملائكة يلقون في قلوبهم الأمن والطمأنينة، كما يلقي الله الرعب في قلوب الكفرة. ومنها: أنهم يثبتونهم بالقتال معهم وإعانتهم؛ لأنهم بذلك يوقنون بالنصر فتقوى قلوبهم وتثبت أقدامهم. وقال بعض العلماء: كانوا يثبتونهم بغير ذلك، كان الملك يتمثل للناس بصفة رجل يعرفونه ويمشي بين الصفوف ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم عليهم ومظهركم عليهم، وكان الملك
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٧٧).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٤٢٨)، القرطبي (٧/ ٣٧٨)، ابن كثير (٢/ ٢٩٢).
[ ٤ / ٥٤٨ ]
يتمثل في صورة الرجل يعرفونه - كما قال به بعض العلماء - ثم يقول للمسلمين: أبشروا فإِني سمعتهم يخافون منكم ويقولون: إنكم إن حملتم عليهم انكشفوا هاربين عنكم؛ لتقوى قلوب المؤمنين وتثبت، ويستحقرون الكفرة. هذا معنى قوله: ﴿فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ كان بعض من شهد بدرًا كافرًا أسلم بعد ذلك، وكان الناس يسألونه ويقولون له: صِفْ لنا الرعب الذي ألقى الله في قلوبكم يوم بدر، فيأخذ حصاة ويضربها على طشت من الحديد فيُسمع لها دويّ عظيم، فيقول: كنا نسمع مثل هذا في أجوافنا من شدة الخوف (^١)، وهذا معنى قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾.
قرأ هذا الحرف من السبعة: نافع، وابن كثير، وعاصم، وحمزة - كل هؤلاء الأربعة - من السبعة قرؤوا: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ بإسكان العين من قوله: ﴿الرُّعْبَ﴾ وقرأه ابن عامر، وحمزة (^٢)، والكسائي: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعُبَ﴾ بضمتين. فالذي قرأ: (الرُّعُب) بضم العين: هو ابن عامر، وحمزة (^٣)، والكسائي. والذي قرأ (الرُّعْب) بسكون العين: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم (^٤)، هؤلاء الأربعة قرؤوا: (الرعْب) بسكون العين، وأولئك الثلاثة قرءوا: (الرُّعُب) بضمتين (^٥). وهما لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان.
والرعب شدة الخوف في قلوب الذين كفروا؛ لأن القلب هو محل الإدراك، وهو الذي يكون فيه الأمن ويكون فيه الخوف، وهذا معنى قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾.
_________________
(١) ابن جرير (١٤/ ٨٨)، البيهقي في الدلائل (٣/ ٨٠)، (٥/ ١٤٥)، البداية والنهاية (٤/ ٣٣٣).
(٢) ذِكْر حمزة هنا وهم، وإنما قراءته بإسكان العين كما ذكر الشيخ قبل ذلك.
(٣) ذِكْر حمزة هنا وهم، وإنما قراءته بإسكان العين كما ذكر الشيخ قبل ذلك.
(٤) ومعهم حمزة.
(٥) انظر: السبعة ص٢١٧، المبسوط لابن مهران ص١٧٠.
[ ٤ / ٥٤٩ ]
وقوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ المأمور بالضرب في قوله: ﴿فَاضْرِبُواْ﴾ أصله فيه وجهان معروفان (^١):
أحدهما: أن المأمور به الملائكة، قال بعض العلماء: ما كان الملائكة يعرفون مَقَاتِلَ الضرب حتى علمهم الله ذلك يوم بدر فقال: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ وكون هذا الخطاب للملائكة (صلوات الله وسلامه عليهم) هو أظهر القولين؛ لأن ظاهر السياق يقتضيه؛ لأن هذا في الظاهر من جملة ما أوحي إلى الملائكة.
والقول الثاني: أن المأمور بقوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ المسلمون من أصحاب محمد ﷺ.
وقوله: ﴿فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ المراد بالفوقية هنا فيه أوجه معروفة للعلماء لا يكذب بعضها بعضًا (^٢): أما الذين قالوا: إن لفظة (فوق) زائدة، وأن المراد: فاضربوا الأعناق، واستدلوا بقوله: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: الآية ٤] فهذا القول لا يجوز أن يقال به في القرآن؛ لأن لفظًا جاء في القرآن لا ينبغي لأحد أن يحكم عليه بأنه زائد لا معنى له.
وقال بعض العلماء: (فوق) هنا بمعنى (على) العرب تقول: ضربته على عنقه، وضربته فوق عنقه، وعلى هذا القول فمفعول الضرب محذوف، أي: فاضربوهم فوق الأعناق، أي: فاضربوهم على الرقاب، وهذا قول ليس ببعيد.
وقال بعض العلماء: المراد بما فوق الأعناق: الرؤوس؛ لأن
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٣٧٨).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٤٢٩)، القرطبي (٧/ ٣٧٨).
[ ٤ / ٥٥٠ ]
الرأس فوق العنق، قال: ومعناه فاضربوا رؤوسهم، والعرب معلوم أنها في الحرب تبادر لضرب الرؤوس، ويمدحون الرجال بضرب الرؤوس وفلق الهام، وهو معنى مشهور، كثير في كلام العرب وفي أشعارها، قال الشاعر (^١):
غَشَّيْتُه وهو في جَأْوَاءَ باسلةٍ عَضْبًا أَصَابَ سَواءَ الرأسِ فانْفلقا
يفتخر بضرب الهام. ومنه قول عمرو بن الإطنابة (^٢):
أَبَتْ لي هِمَّتي وأَبَى إِبَائي وأَخْذِيْ المَجْدَ بالثمنِ الرَّبيحِ
وإقداميِ على المَكْروهِ نفْسي وضَربي هَامةَ البطلِ المُشيحِ
والآخر قال (^٣):
نُفَلِّقُ هَامًا من رجالٍ أَعِزَّةٍ علينا وهُم كانُوا أَعَقّ وأَظْلَمَا
وضرب الهام مشهور في كلام العرب وفخرها وأشعارها، ومن مدح الرجل للفارس: هذا يضرب القوانس، وهذا يضرب القونس. والقوانس: جمع القونس، والقونس: هو مقدم البيضة من الحديد على رأس الفارس. وقال بعض العلماء: القونس على البيضة، وضرب القوانس: كناية عن ضرب الهام، وهي فوق الرقاب. ومن هذا المعنى قول امرئ القيس بن عابس الكندي (^٤):
_________________
(١) البيت لبلعاء بن قيس، وهو في البحر (٤/ ٤٧٠)، الدر المصون (٥/ ٥٧٩).
(٢) البيتان في وفيات الأعيان (٥/ ٢٤١)، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٤٢) مع اختلاف في بعض الألفاظ والبيت الثاني في اللسان (٢/ ٣٩٠)، الدر المصون (٥/ ٥٧٩).
(٣) البيت في ابن كثير (٢/ ٢٩٣).
(٤) مضى عند تفسير الآية (١٦٥) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٥٥١ ]
كلَاهُما كان رَئِيسًا بَيْئَسَا يضربَ في يوم الهياج القَونسَا
ومنه شعر العباس بن مرداس -المشهور- السلمي (^١):
فَلَمْ أَرَ مثل الحي حيًّا مُصَبَّحًا ولا مثلنا يوم التقَيْنَا فوارسَا
أكرّ وأَحْمَى للحقيقةِ مِنْهُمُ وأضْرَب مِنَّا بالسُّيُوفِ القوانسَا
هذا قال به بعض العلماء، أن المراد بما فوق الأعناق: الرؤوس؛ لأن الرأس فوق العنق، أي: فاضربوا رؤوسهم وفَلِّقُوا هامهم. وأظهر الأقوال وأقربها للصواب ما قاله بعض العلماء: أن الله علّم الملائكة أو أصحاب النبي ﷺ حز الرؤوس، وبين لهم مفصل الرأس الذي يُطير الرأس عن الجثة، وأنه فوق الأعناق؛ لأن الرقبة المحل الذي تركب منه في الرأس هو مفصل للحز إذا ضَرَبَه الإنسان طار الرأس بسرعة، وكان ذلك أهْوَن لإِبَانَةِ الرأس؛ ولذا كانت العرب تَفْتَخِرُ بِضَرْبِ القَمَاحِدِ، والقَمَاحِدُ جمع قُمْحُدَة وهو العَظْم الذي خلف الأذن؛ لأنه تحت عظم الرأس وفوق عظم الرقبة، وذلك وهو مفصل الرقبة وموضع حزها الذي يسهل به إطارة الرأس وإبانته عن الجثة كما هو معروف وَمِنْ هذا المعنى قَوْلُ الشاعر يمدح خالد بن الوليد ﵁ (^٢):
رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ كَثِيرَةً وَلَمْ أرَ في القوم القيام كَخَالِدِ
كَسَاكَ الوَلِيدُ بن المغيرة مَجْدَهُ وعلَّمَكَ الشَّيْخَانِ ضَرْبَ القَمَاحِدِ
والقَماحِد جمع القُمْحُدَة، وهي العظم الذي خلف الأذن؛ لأنه
_________________
(١) مضى هذان البيتان عند تفسير الآية (١١٧) من سورة الأنعام.
(٢) البيت لحزن بن أبي وهب المخزومي. وهو في الإصابة (١/ ٣٢٥) مع اختلاف يسير في لفظ صدر البيت الأول، وبين البيتين بيت آخر.
[ ٤ / ٥٥٢ ]
نازل عن عظم الرأس، مرتفع عن عظم الرقبة، محلّه من جوانب الرقبة محل المذبح، تسهل منه إبانة الرأس وإطارته عن الجثة، وهذا معنى قوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢].
قال بعض العلماء: واحد البنان بنانة. والتحقيق أن البنان أطراف الأصابع، كما هو معناه المشهور في كلام العرب، والعرب يعرفون ضرب البنان؛ لأن الرجل إذا ضرِبَ أطراف يده -أصابعِهِ- بالسيف لا يقدر أن يحمل سيفًا ولا رُمْحًا، فبَقِيَ لا بأْسَ فيه ولا نكاية عنده، من جاءه قدر على قتله، فالضرب الذي عُلِّمُوه على نوعين: إصابة المقاتل، وإصابة الشَّوَى، وهي الأطراف التي تمنع صاحبها من أن يفعل شيئًا، وكانت العرب تعرف هذا، ومنه قول عنترة بن شداد (^١):
وكانَ فتى الهيجاءِ يَحْمي ذِمَارَهَا ويضربُ عند الكربِ كلَّ بَنَانِ
والعرب تسمي أطراف الأصابع: بنانًا، ومنه قول عنترة أيضًا (^٢):
وإِنَّ الموتَ طوعُ يدي إذا ما وصَلْتُ بنانها بالهندُواني
وما زعمه بعض علماء العربية من أن المراد بالبنان هنا يصدق بجميع المفاصل وبالوجه والعينين، هو خلاف التحقيق المعروف من اللغة؛ لأن المعروف في اللغة: أن البنان أطراف الأصابع، بعضهم يقول: أطراف أصابع اليد. وبعضهم يقول: تدخل فيه
_________________
(١) البيت في القرطبي (٧/ ٣٧٩)، الدر المصون (٥/ ٥٨٠).
(٢) ديوانه ص١٤٨.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
أطراف أصابع الرِّجْل، والإطلاق المشهور: إطلاق البنان على أطراف أصابع اليد. والعرب تقول: بنانٌ مُطَرَّف، ومُطَرَّفَة: إذا خضبت المرأة أطراف أصابعها بالحناء، وهذا هو المعنى المشهور المتعارف في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (^١):
بَدَا ليَ منها مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ وكَفٌّ خَضيبٌ زُيِّنَت بِبَنَانِ
فوالله ما أدري وإني لحاسبٌ بسبع رميتُ الجَمْرَ أمْ بثَمَانِ
فقوله: «كف خضيب زُيِّنَتْ ببنان» أي: بأصابع. والبنان مؤنثة، وربما ذكَّرتها العرب نادرًا، ومن تذكيرها النادر قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي أيضًا (^٢):
وأَرْسَلَت فَجَاءني بنانُها المُطرَّف
ولم يقل: المُطَرَّفَة، والمُطَرَّفُ: هو الذي خُضب أعاليه بالحناء، وهذا معنى قوله: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢].
﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الذي ذاقوه من ضرب الأعناق، وضرب البنان، وتسليط الله عليهم أصحاب رسوله وملائكته، ذلك كله واقع بسبب أنهم ﴿شَآقُّواْ اللَّهَ﴾. شاقوه: معناه خالفوه ولم يتبعوا أمره، بل كذبوا رسوله وتمردوا على أوامره، وعبدوا معه الأصنام، وجعلوا له الأولاد والأنداد، فالمشاقة في لغة العرب: المخالفة. وفلان وفلان في شقاق، أي: في خلاف. وقد تقدم إيضاحه في تفسير قوله:
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الأنعام.
(٢) البيت في ديوانه ص٢٥٢.
[ ٤ / ٥٥٤ ]
﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: آية ١٣٧] أي: في خلاف، ومن المعنى قوله الشاعر (^١):
وإلَاّ فاعلْموا أَنَّا وأنتُم بغاةٌ ما بقينا في شِقَاقِ
قال بعض العلماء: أصل اشتقاق الشقاق من الشِّق؛ لأن المُتَخَالِفَين المُتَعَادِيَيْن كل منهما يكون في الشق الذي ليس فيه الآخر. فقيل: هو من شقِّ العصا بمعنى الاختلاف، وقيل: هو من المشقة؛ لأن كلًا من المُتَخَالِفَين المُتَعَانِدَين يطلب لصاحبه الإيقاع في المشقات. فمعنى مشاققتهم لله: مخالفتهم لأوامره ونهيه وتكذيبهم رسله، وجعلهم له الأنداد والشركاء. وهذا معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: الآية ١٣] وشاقوا رسوله محمدًا ﷺ، ثم قال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ الظاهر أن جواب الشرط في قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والتقدير: من يشاقق الله يعاقبه، فإن الله شديد العقاب لمن عاقب، والشدة: ضد اللين. والعقاب: هو التنكيل على الجريمة. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عقابًا؛ لأنه يأتي عقب الذنب من أجله. وهو معروف في كلام العرب، يقولون: عَاقِب هذا عقابًا ومعاقبة؛ أي: نَكِّل به؛ لأنه عصاك أو أَجْرَمَ إليك. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان يخاطب النعمان بن المنذر (^٢):
ومن عصاكَ فعاقِبْهُ مُعَاقَبَةً تَنْهى الظلومَ ولا تَقعُد على ضَمِدِ
_________________
(١) البيت لبشر بن أبي خازم، وهو في الدر المصون (٤/ ٢٧٦).
(٢) مضى هذا الشاهد عند تفسير الآية (١٦٧) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٥٥٥ ]
والله (جل وعلا) هو شديد العقاب وحده، ولا عقاب هو العقاب الشديد إِلا عقاب الله (جل وعلا)، فعلى المسلمين أن يحذروا عقاب الله، ولا يتعرَّضوا لسخط الله الموجب لعقابه؛ لأن الله لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد؛ لأن أعظم جبار من ملوك الدنيا ليس في وسعه من التعذيب والتنكيل إلا قدر ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإن شدد التعذيب على المُعَذَّب إلى قدر يقتل صاحبه عادةً مات وانتهى ذلك العقاب، أما خالق السماوات والأرض شديد العقاب فإنه ينكل المذنب بآلاف التنكيل المستوجبة للموت وصاحبه لا يموت. فهذا هو العقاب الذي لا ينقطع ولا ينجي منه موت، فهو الذي يجب أن يُحذر ويُخاف منه، وتتجنب أسبابه في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، والله (جل وعلا) يقول: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: الآية ١٧] ويقول تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: الآية ٥٦] هذا هو العذاب الذي يُخشى، والعقاب الذي يجب على () (^١).
[٣/أ] () / لأن الأمر كله بيد الله؛ ولأجل فهم النبي ﷺ لهذا كان يكثر في دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (^٢).
اعلموا كُلاّ أيها الناس أن قلوبكم بيد خالقكم (جل وعلا) يُصرفها كيف شاء، يوفق من شاء، ويضل من شاء ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: الآية ٨٨] وعلينا معاشر المسلمين أن نتفهم في هذه الآية، وأن نبتهل ونتضرع إلى ربنا أن يُثبتنا، وأن
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بعده متعلق بتفسير الآية (٢٤).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
لا يزيغنا، وأن لا يُحوِّل قلوبنا إلا لما يرضيه (جل وعلا)؛ لأن هذه الآية يخافها العاقل جدًّا، فقد جاء عن النبي ﷺ أن كل إنسان قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن (جل وعلا) يصرفه كيف يشاء (^١). فيا مقلب القلوب، مثبت من شاء، ومضل من شاء، وهادي من شاء، ومضل من شاء؛ [ثبت قلوبنا على دينك] (^٢) ولذا أثنى (جل وعلا) على عباده الراسخين في العلم بأنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ﴾ [آل عمران: الآية ٧] إلى أن قال عنهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: الآية ٨].
ومعنى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: الآية ٢٤] إنما عبر بالقلب؛ لأن القلب محل العقل الذي به الإدراك، لا كما يقوله الملاحدة: إن محله الدماغ (^٣). يحول بينه وبين قلبه فيصرف قلبه حيث شاء، وكيف شاء، يصرفه من هُدى إلى ضلالة، ومن ضلالة إلى هدى، قال بعض العلماء (^٤): وكذلك يصرفه من أمنٍ إلى خوف، ومن خوف إلى أمن، كما نقل قلوب أصحاب النبي ﷺ من الخوف إلى الأمن، وقلوب الكفرة من الأمن إلى الرعب والخوف الذي ألقاه في قلوبهم، والأول هو الصحيح في معنى الآية؛ لأن هذه الآية تدل على أن الأمور كلها بيد الله، وأنه يصرف القلوب كيف يشاء، فيهدي من يشاء هداه، ويضل من يريد إضلاله.
وما يزعمه المعتزلة من أن الله لا يريد الشر، وأن العبد يخلق
_________________
(١) السابق.
(٢) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
(٤) انظر: القرطبي (٧/ ٣٩١).
[ ٤ / ٥٥٧ ]
معاصيه باستقلال مشيئة العبد وقدرته مذهب لا يخفى سقوطه على عاقل، فإن خالق السماوات والأرض لا يمكن أن يكون في ملكه شيء إلا بمشيئته وقدرته جل وعلا.
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٢٤] ﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: الله ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وحده. الحشر في لغة العرب معناه: الجمع. تقول: حشر الإمامُ العلماءَ أي: جمعهم، وحشر الناس أي: جمعهم. ومنه قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: الآية ١١١] أي: جامعين يجمعون لك السحرة. فالحشر في لغة العرب: الجمع. والناس كلهم يُجمعون يوم القيامة إلى رب السماوات والأرض كما قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: الآية ٤٧] وقد بين في سورة الأنعام أنه يحشر جميع الدواب والطير وجميع ذلك كله، يحشرهم ويجمعهم يوم القيامة، كما تقدم في قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شيء ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: الآية ٣٨] فكما أنه يحشر الناس كذلك يحشر الدواب والطير وغير ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ () (^١).
وهذه الآية جاءت ناهية عن ذلك، مبينة أن الناس إذا رأوا المنكر يُرتكب علنًا ولم يغيروه وهم قادرون على أن يغيروه أن الله يعم الجميع بعذاب من عنده، ولا يصيب ذلك خصوص الذين
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل والكلام الآتي يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
ظلموا وارتكبوا المعاصي، بل يصيب الجميع، هؤلاء بمعصيتهم، وهؤلاء بسكوتهم على المعصية وعدم نهيهم عنها. هذا الذي عليه جمهور المفسرين.
﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً﴾ [الأنفال: الآية ٢٥] قد قدمنا في هذه الدروس مرارًا أن الفتنة أُطلقت في القرآن إطلاقات متعددة (^١):
أطلقت الفتنة بمعنى الابتلاء. وهذا أكثر إطلاقها، ومنه قوله: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: الآية ٣٥] أي: ابتلاء، ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ [الجن: الآية ١٦] أي: لنختبرهم، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: الآية ١٥] أي: امتحان وابتلاء واختبار.
وأصل الفتنة في لغة العرب (^٢): هي الوضع في النار، تقول العرب: فتنت الذهب: إذا وضعته في النار وأذبته فيها ليظهر أخالص هو أم زائف. ولذا كان أحد إطلاقات الفتنة: هي الإحراق بالنار، ومنه بهذا المعنى قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [الذاريات: الآية ١٣] أي: يُجعلون فيها ويحرقون فيها، ومنه على أصح التفسيرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: الآية ١٠] أي: أحرقوهم بنار الأُخدود.
وتُطلق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة، ومن هنا أُطلقت الفتنة على الكفر وعلى المعاصي، كما قال:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: الآية ١٣] أي: لا يبقى شرك على وجه الأرض، كما يدل له قوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ» (^١). وجاء في سورة الأنعام إطلاق الفتنة على الحجة في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: الآية ٢٣] وفي القراءة الأخرى: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ (^٢) () (^٣) وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾. ودخول نون التوكيد على ﴿لَاّ تُصِيبَنَّ﴾ [مع أنه في غير قسم، ولا طلب، ولا شرط، فيه سؤال معروف،] (^٤) واختلف علماء العربية في توجيهه (^٥)، والذي يظهر أنه يُفهم من هذا أن نون التوكيد تدخل في مثل هذا الأُسلوب؛ إذ لا حاجة إلى التعسفات التي يرتكبها من يريد الجواب عن هذا، مع أن القرآن في أعلى درجات الإعجاز.
و﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ معناه: ارتكبوا المعاصي فظلموا أنفسهم.
﴿خَآصَّةً﴾ أي: في حال كونها خاصة بهم لا تتعداهم إلى غيرهم؛ بل هي تتعداهم إلى غيرهم، أي: لا تصيب خصوصهم بلِ تعمّ وتصيب الجميع. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
_________________
(١) مضى تخريجه في الموضع السابق.
(٢) مضت عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأعراف.
(٣) في هذا الموضع انقطع التسجيل.
(٤) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٥) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٨٩ - ٥٩٣).
[ ٤ / ٥٦٠ ]
﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ العقاب: هو النكال على الذنب، قيل: سُمي عقابًا لأنه يأتي عَقِبَه من أجله.
فعلينا معاشر المسلمين أن نتفهم هذه الآية، وأنّا إذا رأينا السفهاء ومن لا يطيعون الله يتعالنون بمعاصي الله أن نغيرها بحسب استطاعتنا؛ لئلا يعُمنا الله بعذاب من عنده، وقد بين النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري (﵁) مراتب تغيير المنكر فقال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَهُوَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (^١).
فمن قدر منا أن يُغير بيده فليغير بيده، ومن لم يقدر على التغيير باليد فباللسان، ومن عجز عن ذلك كله فبالقلب، وهو أضعف الإيمان. ويوشك أن المعاصي إذا لم تزل تُرتكب ولا ينهى عنها أحد أن ينزل عذاب من الله عَامّ يعم الصالح والطالح، والعاجز حقيقة يبعثه الله على نيته، ولا يناله شيء من إثم أولئك الآثمين، إلا أن العذاب وقت نزوله يعم الجميع كما جاءت الأحاديث بذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: الآية ٢٥] كونه شديد العقاب فيه تحذير شديد وتخويف لمن يُقصر في امتثال أمره واجتناب نهيه، فليس للمسلم أن يُقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وجد إلى ذلك سبيلًا.
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ
_________________
(١) مسلم في الإيمان، باب (بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص ..) حديث رقم: (٤٩) (١/ ٦٩).
[ ٤ / ٥٦١ ]
النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: الآية ٢٦].
[أي: واذكروا حين كان] (^١) عددكم قليل جدًّا مستضعفون في الأرض، أي: يستضعفكم أعداؤكم، يرونكم ضعفاء، ويعاملونكم معاملة القوي للضعيف، وهذا قبل هجرة النبي ﷺ؛ لأنهم كانوا في [مكة] (^٢) قبل الهجرة عددهم قليل، والكفار يستضعفونهم، ويضربونهم، ويعذبون بعض أصحاب رسول الله ﷺ، وكانوا مختفين في دار الأرقم بن أبي الأرقم قبل إسلام عمر بن الخطاب (﵁)، وكان لهم بعض عزة نسبيًّا بإسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب (﵄). واذكروا نعمة الله وتذكروا ما نقلكم به من حال الضعف إلى حال القوة، ومن حال القلة إلى حالة الكثرة، وتذكروا هذا الإنعام لتشكروا لمن أنعم عليكم به، وهذا معنى قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ القليل: ضد الكثير، والمستضعف: الذي يراه غيره ضعيفًا ويعامله معاملة القوي للضعيف.
﴿فِي الأَرْضِ﴾ هي: أرض مكة التي كانوا فيها قبل الهجرة.
﴿تَخَافُونَ﴾ الخوف في لغة العرب: هو الغم من أمر مستقبل. والحزن في لغة العرب: الغم من أمر فائت (^٣) -أعاذنا الله منهما- وربما وضعت العرب الخوف في معنى الحزن، والحزن في معنى الخوف.
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) في الأصل: «المدينة» وهو سبق لسان.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٦٢ ]
﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: الآية ٢٦] التخطف: هو أن يَقَعَ منهم الخطف مرة بعد مرة. والخطف في لغة العرب معناه: الأخذ بسرعة، فكل ما أخَذْتَهُ بِسُرْعَة شديدة فقد خَطَفْتَهُ ﴿أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ لقلتكم وضعفكم ليست لكم مناعة بكثرة ولا بقوة، فالناس قادرون على أن يتخطفوكم ويأخذوكم بسرعة واحدًا واحدًا فيقتلوكم.
﴿فَآوَاكُمْ﴾ جل وعلا، أي: ضَمَّكُمْ إِلَى عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ بأن ضمكم إلى هذه المدينة -حرسها الله- وقَوَّاكُمْ بالأنصار، هداهم فأسْلَمُوا، وكان لكم محل مأوى وقوة.
﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ العرب تقول: «أَيَّدَهُ» إذا قَوَّاه. و«رجل أيِّدٌ». معناه: قوي، و(الأَيْد) في اللغة و(الآد) معناه: القوة (^١)، ومنه: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: الآية ٤٧] أي: بقوة، فليست من آيات الصفات. ووزن (أَيْد): (فَعْل) (^٢)، أما (الأيدي) التي هي جمع (يَد) فوزنها بالميزان الصرفي (أفْعُل) (^٣)، فوزن قوله: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَيْد معناه: (فَعْل) من (أَيَدَ) بمعنى: القوة، والعرب تقول: «فلان أيِّد» أي: قوي، و«رجل ذو أيْد وآد» أي: ذو قوة ﴿وَأَيَّدَكُم﴾ قواكم بنصره.
والنصر في لغة العرب: إعانة المظلوم. نصرهم الله بالأنصار، وقواهم بكثرة المؤمنين وقوة شوكتهم، وبما أوقع بالكفار يوم بدر،
_________________
(١) انظر: القاموس (مادة آد) ص٤١.
(٢) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٤١.
(٣) السابق ص٢٩٤.
[ ٤ / ٥٦٣ ]
وبإنزال الملائكة تثبتهم، وتلقي الرعب في قلوب عدوهم. وهذا معنى قوله: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ كأن في الكلام محذوفًا دل المقام عليه ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ فقراء لا أموال لكم ﴿فَآوَاكُمْ﴾ الله وقواكم بنصره وجعل لكم الأموال ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ كما رزقكم بغنائم يوم بدر، وهو مال طيب أطابه الله لهم بعد أن لامهم عليه لومًا شديدًا، وقال: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: الآية ٦٨]، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: الآية ٦٩] وهي الطيبات التي رزقهم ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٢٦] لله نعمه.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^١) أن الشكر في القرآن يُطلق من الرب لعبده، ويُطلق من العبد لربه.
فإطلاق الشكر من الرب لعبده كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: الآية ٣٤] ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ١٥٨].
وإطلاقه من العبد لربه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: الآية ١٣] ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥].
فشكر الرب لعبده معناه: أن يُثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل.
وشكر العبد لربه قال بعض العلماء: ضابطه المنطبق على جزئياته: هو أن يستعمل جميع نعم الله فيما يرضي الله، فهذه العيون
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٣) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٥٦٤ ]
التي فتحها في أوجهكم تبصرون بها، نعم عظمى منه إليكم، فشكرها: أن لا تستعملوها إلا في طاعة الله، ولا تنظروا بها إلا فيما يرضي من خلقها ومنّ عليكم بها، وهكذا الأيدي والأرجل وسائر النعم. أما العبد المسكين الضعيف الذي يُنعم عليه خالق السماوات والأرض بنعمه ثم يصرف نعمه فيما يسخطه ويغضبه فهذا مجنون. وهذا معنى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لأجل أن تشكروا على ذلك الإنعام.
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: آية ٢٧] قال جماعة من المفسرين (^١): نزلت هذه الآية الكريمة في أبي لبابة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري (﵁)، كان بنو قريظة حلفاء الأوس من الأنصار، وكان أبو لبابة صديقًا لهم، وكان في بني قريظة أمواله وأهله، فلما حاصر النبي ﷺ بني قريظة وأرادوا أن يُحكّموا فيهم سعد بن معاذ (﵁) قال بنو قريظة -أرسلوا- للنبي أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر (﵁)، وكان مناصحًا لقريظة يثقون فيه أشد الثقة، فلما جاءهم استشاروه: هل ينزلون على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار بيده إلى حلقه، يعني: أنه الذبح إذا نزلتم على حكمه. قال أبو لبابة (﵁): والله ما برحت قدماي مكانهما حتى علمت أني خنت الله ورسوله وخنت أمانته. فندم أبو لبابة (﵁) ندمًا شديدًا، ولم يرجع إلى رسول الله ﷺ، فرجع من قريظة إلى هذا المسجد الشريف -مسجد رسول الله ﷺ- فربط نفسه في سارية من سواري هذا المسجد، وحلف بالله أن لا يأكل ولا يشرب حتى يموت
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٣٩٤)، ابن كثير (٢/ ٣٠٠).
[ ٤ / ٥٦٥ ]
أو يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتى خرّ مغشيًا عليه، فأنزل الله التوبة عليه، وقيل له: «تِيبَ علَيْكَ فحُل عنك الرّباط» فقال: «واللهِ لَا أحِلّه ولا يُحله عني غَيْرُ رسُول الله ﷺ» فجاء فحله عنه (^١).
وكان بعض العلماء يقول: إن الآية التي تاب الله عليه فيها هي التي بعد هذه وهي قوله: ﴿إن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] فهو قد اتقى الله بالندم على ما فات منه، ونية أن لا يعود، وتأنيبه نفسه على الزلة التي صدرت منه بالعطش والجوع حتى خَرَّ مغْشِيًّا عليه، واعترافه بما وقع منه، وجعل الله له فرقانًا أي: مخْرَجًا من ذلك بأن تاب عليه كما يأتي في شرحها. وهذا معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: الآية ٢٧] خيانة الله: هي تقصيرهم في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخيانة الرسول: هي التقصير في طاعته كهذا الصحابي الذي أفشى سِرَّهُ إلى يهود بني قريظة، فقد خان الله ورسوله ثم تاب الله عليه.
﴿وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾ لأن جميع التكاليف كلها أمانات عند
_________________
(١) روى هذا الحديث جماعة منهم:
(٢) الزهري. عند ابن جرير (١٣/ ٤٨١)، وعزاه في الدر (٣/ ١٧٨) لسنيد.
(٣) عبد الله بن أبي قتادة مرسلًا (مختصرًا). عند ابن جرير (١٣/ ٤٨٢)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٨٤)، وعزاه في الدر (٣/ ١٧٨) لسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
(٤) الكلبي. وعزاه في الدر (٣/ ١٧٨) لعبد بن حميد.
(٥) السدي. وعزاه في الدر (٣/ ١٧٨) لأبي الشيخ. وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٣٥ من غير تعيين راويهِ.
[ ٤ / ٥٦٦ ]
المكلفين كما سيأتي إيضاحه في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: الآية ٧٢].
وكان بعض العلماء يقول (^١): الأمانات: أوامر الله ونواهيه التي لا يطّلع عليها أحد ولا يعلمها إلا هو؛ لأن الإنسان في بيته قد تكون عليه الجنابة لا يعلم بها الناس، وقد يكون عليه الحدث، وقد يجيء المسجد ولم يغتسل ولم يصل، وقد يغتسل وقد يصلي. هذه أمانات أمَّنَها الله عند هذا لا يعلمها إلا هو، فليس عليه أن يخونها.
والتحقيق: أن الأمانة تشمل جميع التكاليف.
[٣/ب] / [وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: الآية ٢٨].
نزلت هذه الآية في أبي لبابة (﵁) حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار] (^٢) بيده إلى حلقه أنه الذبح إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ (﵁). كان سبب ذلك أن أولاده وماله في بني قريظة فأشفق على أولاده وماله، فأنزل الله: ﴿وَاعْلَمُواْ﴾ أيها الناس ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^٣) أي: ابتلاء واختبار كما أوقع الأموالُ والأولادُ - الإشفاقُ عليهم - أوقع أبا لبابة في الزلة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أجر الله أعظم من
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٤٨٥).
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٣) في الروايات التي وقفت عليها أن الآية النازلة فيه هي الآية قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ﴾ وذلك أنه كان حليفًا لهم، فلما قدم إليهم قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقَّ لهم إلخ.
[ ٤ / ٥٦٧ ]
الأموال والأولاد، فما عند الله خير من غيره، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٢٨].
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُواْ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآيات ٢٩ - ٣٣].
يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] نادى الله المؤمنين في هذه الآية الكريمة باسم الإيمان، وبين لهم أنهم إن اتقوا الله فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه أنه يجعل لهم بسبب ذلك فرقانًا فيغفر لهم الذنوب ويكفر عنهم السيئات ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون بامتثال أمره واجتناب نهيه ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ روى ابن وهب وابن القاسم عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة (﵀) أنه سُئل عن قوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ قال: معناه يجعل لكم مخرجًا. وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (^١) [الطلاق: الآية ٢] والعرب تسمي المخرج من الشيء: فرقانًا. كأنه مصدر زيدت فيه الألف والنون؛ لأن من كان في
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٣٩٦).
[ ٤ / ٥٦٨ ]
كرب من كروب الدنيا أو الآخرة وقد فارقه ووجد منه مخرجًا كأنه وجد فارقًا يفرق بينه وبينه ويفصل بينه وبينه. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومن إطلاق الفرقان بمعنى المخرج قول الراجز (^١):
ما لَكَ مِنْ طُولِ الأَسَى فُرْقَانُ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وَبَانُوا
أي: ما لك من طول الأسى مخرج، ومنه قول الآخر (^٢):
وكيف أُرَجِّي الخُلد والموتُ طالبي وَمَا لِيَ مِنْ كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقَانُ
أي: ما لي من الموت مخرج ولا بد.
وقال بعض العلماء: ﴿فُرْقَانًا﴾: نصرًا وتأييدًا؛ لأن الله سمى يوم بدر: (يوم الفرقان) في قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] لأنه يوم نصر فَرَقَ الله به بين الحق والباطل بأن نصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة.
قال بعض العلماء: فرقانًا: فَتْحًا.
وقال بعض العلماء: يجعل الله لكم بسبب تقوى الله فُرْقَانًا، أي: علمًا تُفَرِّقُون به بين الحق والباطل، والحسن والقبيح. والأقوال متقاربة (^٣). وتقوى الله (جل وعلا) كفيلة بكل خير من خيري الدنيا والآخرة ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] مادة الكاف والفاء والراء في لغة العرب أصل معناها: الستر والتغطية (^٤). فمعنى:
_________________
(١) البيت في السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: الأضواء (٢/ ٣٤٩).
(٤) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٥٦٩ ]
﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يسترها ويغطيها بحلمه وعفوه حتى لا يظهر لها أثر تتضررون به ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ كذلك الغفران معناه أيضًا: الستر والتغطية؛ لأنه (جل وعلا) يغفر الذنوب، أي: يَسْتُرها ويغطيها (^١). فالتعبير بالتكفير والغفران كلاهما معناه ستر الذنوب وتغطيتها حتى لا يظهر لها أثر. وفي ذلك التوكيد من الترغيب في التقوى ما لا يخفى، ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ففضله عظيم، ومن فضله ما تَفَضَّلَ عليكم به، وما نصركم به يوم بدر، وغير ذلك من فضله وإنعامه العظيم. قال بعض علماء التفسير: هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال هي التي نزلت فيها توبة الله على أبي لبابة لما قال ما قال لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وجاء تائبًا إلى الله نادمًا، وربط نفسه في سارية من سواري هذا المسجد الكريم، وحلف أن لا يأكل ولا يشرب حتى يموت أو يتوب الله عليه، وأُغشي عليه بعد سبع فتاب الله عليه، قالوا: هذه فيها توبته؛ لأنه اتقَى الله بالندم على ما فات، والإقلاع، وربطه نفسه، واعترافه بالزلة، فجعل الله له من زلته في بني قريظة فرقانًا، أي: مخرجًا أخرجه به من مَأْزق الذَّنْب، وتاب عليه (جل وعلا)، هكذا قاله بعض العلماء، والله تعالى أعلم، وهذا معنى قوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: الآية ٢٩] فضله عظيم على خلقه إذ يتفضل عليهم بخيرات الدنيا والآخرة.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: الآية ٣٠].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٥٧٠ ]
قال بعض العلماء: هذه الآية من سورة الأنفال مكية (^١)، مع أن الأنفال مدنية. والأظهر أن هذه الآية كغيرها من سورة الأنفال مدنية؛ وذلك أن الله لما فتح على نبيه، ونصره يوم بدر، وأنزل سورة الأنفال في وقعة بدر، ذكَّر نبيه بنعمه الماضية عليه في مكة قبل هجرته منها، وعرَّفه إنعامه عليه حيث أنجاه من مكر أعدائه ﴿وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٣٠]. واذكر يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- أيام كنت في مكة بعد أن مات عمك الذي كان ينصرك ويحوطك، وهو أبو طالب، وتمكنت قريش من أن يؤذوك ويخرجوك، ودبروا لك ذلك المكر العظيم، اذكر إنعامي حيث مكرتُ بهم وجعتلها عليهم لا لهم. واذكر إذ ﴿يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ المكر: المكيدة، وهو إخفاء الكيد ليوصل الشر إلى الممكور به في خفاء.
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ كفار مكة؛ وذلك أن أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمر محمد ﷺ، وجاءهم شيخ في صفة شيخ جليل، فقالوا له: ممن أنت؟ فقال: أنا شيخ من أهل نجد، وهو الشيطان، تمثل لهم في صورة ذلك الشيخ، قال لهم: لست من أهل تهامة وإنما أنا من أهل نجد -وكان أهل نجد في ذلك الوقت كفارًا، وقريش يثقون فيهم لكفرهم، وأن الجميع على ملة واحدة- قال لهم إبليس في صفة ذلك الشيخ اللعين: سمعت أنكم تجتمعون لتتشاوروا في رأي هذا الرجل فجئتكم، ولا تعدمون مني رأيًا حسنًا في هذا الأمر.
فقال بعض قريش - فقالوا: ممن قاله: أبو البختري -: خلونا
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٠٢).
[ ٤ / ٥٧١ ]
نكبله بالحديد، ونسجنه في دار، ونقفل بابها، ولا تترك إلاّ كوة ندخل إليه منها الطعام والشراب ونتربص به الدوائر حتى يموت كما مات من قبله من الشعراء، زهير والنابغة وأمثالهم من الشعراء، وفي ذلك يقول الله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: الآية ٣٠] وهذا الرأي هو المراد بقوله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٠] أي: يكبلوك بالحديد ويسجنوك ويتربصوا بك الدوائر حتى تموت.
وقال بعضهم: ويروى أن ممن قاله هشام بن عمرو: اطردوه عنا، نجعله على بعير ونبعده من أرضنا وما علينا ما فعل.
فلما قال أبو البختري الرأي الأول قال له ذلك الشيخ الذي في صورته الشيطان: بئس الرأي رأيك، هذا ليس برأي؛ لأنكم إن أثبتموه بقيود الحديد وأغلقتم عليه الأبواب جاء قومه فأخرجوه وقاتلوكم عليه حتى يخرجوه، وهذا ليس برأي.
فلما قال الثاني: نبعده ونطرده من بلادنا وما علينا فيما فعله هو وسائر العرب. فقال ذلك اللعين: بئس الرأي الذي رأيت، أنتم تعلمون حلاوة لسانه، واستجلابه لقلوب الناس، فإذا خرج عنكم فلا يأمن أن يأخذ بقلوب الناس حتى يكونوا تبعًا له، ثم يغزوكم في بلادكم.
فقال اللعين عمرو بن هشام بن المغيرة المعروف بأبي جهل: الرأي عندي الذي لا رأي غيره: أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش شابًّا، وتعطوه سيفًا صارمًا، فيأتيه ذلك الشباب من جميع قبائل قريش فيبتدرونه فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في قبائل
[ ٤ / ٥٧٢ ]
قريش، ولا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدرون على محاربة جميع قريش، فعند ذلك سيرضون بالدِّية، فإذا رضوا بديته دفعنا لهم عقله واسترحنا منه.
فقال ذلك اللعين: هذا هو الرأي الذي لا رأي غيره، أما هذا الفتى فهو أجودكم رأيًا. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: بالسجن وقفل الأبواب عليك ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ إلى غير مكة من البلاد ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ قتلة رجل واحد حتى يتفرق دمك في قبائل قريش. ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ هذا المكر ليوصلوا إليك الشر في خفية. ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٠]- مكر لك بهم، وأخرجك، ونجاك، وأظفرك بهم يوم بدر حتى قتلتهم وأسرتهم، هذا مكرهم وهذا مكر الله.
ولما أجمعوا على هذا الرأي، واتفقت عليه كلمة الجميع، جاء جبريل إلى النبي ﷺ فأخبره بجميع ما قالوا، وقال له: «لا تَبِت الليلة في موضع مبيتك» فنادى علي بن أبي طالب (﵁) وأمره أن ينام في المحل الذي كان ينام فيه رسول الله ﷺ، وخرج رسول الله، وقريش محدقون بمنزله، ينتظرون أن يخرج فيقتلوه القتلة التي أشار عليهم بها أبو جهل وإبليس، فأعمى الله عيونهم، وخرج رسول الله ﷺ، وهو يقرأ أوائل سورة (يس) وفي يده تراب، فَذَرَّ التراب على رؤوسهم ويقرأ إلى قوله: ﴿فَأَغْشينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (^١) [يس: الآية ٩] وأذن له في ذلك الوقت في الهجرة
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٨٩)، الطبقات لابن سعد (١/ ١٥٣)، تاريخ الطبري (٢/ ٢٤٢)، تفسير الطبري (١٣/ ٢٩٤، ٤٩٨)، السيرة لابن هشام ص٥٠٢.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
فخرج هو وصاحبه إلى الغار، فانتظرت قريش حتى الصبح، فوثبوا عليه ليقتلوه، فوجدوا المكان فيه علي بن أبي طالب (﵁) فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! فاقتصوا أثره حتى جاءوا الجبل الذي فيه الغار فخفي عليهم أثره، وجاءوا الغار، قال بعض علماء السير: فوجدوا على الغار نسج العنكبوت (^١)،
فقالوا: لو دخل هنا لما كان على الغار نسج العنكبوت، ومكث هو وصاحبه في الغار ثلاث ليال -كما قاله بعضهم- واتفقوا مع عبد الله بن الأريقط من بني دئل من كنانة، وأعطوه مراكبهم، وجاءهم في الوعد؛ لأنهم في ذلك الوقت محتاجون إلى دليل خبير بالأرض فيما بين مكة والمدينة؛ لأن الطرق السابلة المعروفة عليها العيون والرصد؛ لأن قريشًا جعلت الجعائل والأموال الطائلة لمن يأتيها بمحمد ﷺ، فصار يحتاج إلى أن يمشي في طرق غير معهودة، وسبل غير معروفة، فآجر لذلك عبد الله بن الأريقط الدئلي، فلما كان بالموعد وأيس قريش من أن يجدوه ورجعوا جاءه فركبوا، وأخذ بهم طرقًا غير الطرق المعهودة فلم يطلع عليهم أحدٌ من العرب، حتى مروا ببلاد بني مدلج بن بكر بن كنانة، ذكرهم أحد فقال: أخاف أن يكون هو الرجل الذي يطلبه قريش. فقال له سراقة بن مالك بن جعشم (﵁):
_________________
(١) قصة نسج العنكبوت هذه أخرجها أحمد (١/ ٣٤٨)، وعبد الرزاق (٥/ ٣٨٩)، وابن سعد (١/ ١٥٤)، وابن جرير في التفسير (١٣/ ٤٩٧). وقد حسنها الحافظان: ابن كثير وابن حجر. انظر: البداية والنهاية (٣/ ١٨١) وقال: «هذا إسناد حسن، وهو من أجود ما رُوي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار» اهـ. يعني إسناد الإمام أحمد. وانظر الفتح (٧/ ٢٣٦)، أحاديث الهجرة ص١٣٨ - ١٤٠ ..
[ ٤ / ٥٧٤ ]
ليس هو. يريد أن يستأثر بأخذه؛ ليأخذ المال من قريش، فركب على فرسه في أثرهم، وقصته مشهورة، وعلماء التاريخ يقولون: إن فرسه ساخت به في الأرض، وكاد أن تبتلعه الأرض مرات، وأنه طلب النبي ﷺ أن يكتب له أمانًا (^١) ورجع خائبًا لم ينل النبيَ ﷺ بسوء. وسافر في الهجرة، ومر في سفره هذا بالجحفة، ونزلت عليه في الطريق في الجحفة آية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (^٢) [القصص: الآية ٨٥] حتى جاء الأنصار (﵃). وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: الآية ٣٠].
وفي قصة الهجرة هذا دليل يبين للناس ويوضح لهم حقيقة أمر ضل فيه الآن أكثر الناس؛ لأن غالب الناس الآن -وإنا لله وإنا إليه راجعون- اجترفتهم التيارات، فذهبوا يقلدون كل ناعق من كفرة الإفرنج وملاحدتهم؛ لأنهم رأوا عندهم بعض القوة المادية وبعض الصنائع، ولو كانوا يقتفون أثر رسول الله ﷺ ويعلمون كيف كان يفعل لعرفوا ما يأخذون من ذلك وما يتركون؛ لأن المسلمين يجوز لهم أن يأخذوا من الكفار ما ينفعهم من علوم الكفار الدنيوية، وألاّ يتبعوهم في شيء مما يمس دينهم وطاعة ربهم -جل وعلا- وهذا
_________________
(١) البخاري في فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، حديث رقم: (٣٦٥٢) (٧/ ٨)، وأخرجه في موضعين آخرين، انظر الحديثين رقم: (٣٩٠٦، ٣٩٠٨)، ومسلم في الزهد والرقائق، باب في حديث الهجرة، حديث رقم: (٢٠٠٩) (٤/ ٢٣٠٩)، كما أخرجه في موضع آخر قبله (٣/ ١٥٩٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك مرسلًا (٩/ ٣٠٢٦)، وانظر ابن كثير (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
[ ٤ / ٥٧٥ ]
النبي ﷺ لمّا تكالبت عليه قوى الشر، واتفق الكفار وشيخهم إبليس على أن يمكروا به، واضطر إلى خبير له خبرة بالأرض، ووجد رجلًا كافرًا هو عبد الله بن الأُريقط لم يمنعه كفره من أن يستفيد من خبرته الدنيوية، فاستفاد من خبرته حتى أوصله المدينة بسلام، ومع ذلك لم يأخذ عنه من الكفر شيئًا، بل هو مرضٍ ربه. فعلى المسلمين أن يعتبروا بأمثال هذا، وينتفعوا من الكفار بخبرتهم الدنيوية، ولا يتبعوهم فيما يضر دينهم ويسخط ربهم. وأمثال هذا كثيرة، وسنضرب لكم بعض الأمثلة منها:
من ذلك ما يأتي في تفسير سورة الأحزاب من تفاصيل وقعة الخندق، وأن النبي ﷺ فيما يذكره الأخباريون لما سمع بمقدم أهل الأحزاب قال له سلمان الفارسي: كنّا إذا خفنا خَنْدَقْنَا (^١). والخندق هذا هو خطة عسكرية ابتدعتها أفكار الفرس، وهم قوم يعبدون النار، فالنبي ﷺ لعلمه ومعرفته بالخير والشر لم يمنعه من هذه الخطة العسكرية أن الذين اخترعوها كفرة، بل انتفع بعلم الكفرة الدنيوي وخَنْدَق، مع أنه لا يقلدهم في شيء يضر بدينه صلوات الله وسلامه عليه.
ومن أمثلة ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه هَمَّ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يزعمون أن الرجل إذا أتى امرأته في رضاعها أن ذلك يُضعف ولدها، ويضعف عظمه، وكانوا إذا ضرب الرجل ونبا سيفه عن الضريبة ولم يقطع قالوا: هذا وُطئت أمه وهو يرضع؛ لأن الغيلة تضعف الرجال،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٧٦ ]
وكان شاعرهم يقول (^١):
فَوارسُ لم يُغالُوا في رَضَاعٍ فَتَنْبُو في أكُفِّهم السُّيُوفُ
فأخبرته فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم (^٢). فأخذ هذه الخطة الطبية من فارس والروم وهم كفرة، وأخذ تلك الخطة العسكرية من الفرس وهم كفرة، وانتفع بخبرة ذلك الخبير الكافر وهو كافر.
وهذا يعلمنا أن نفرق بين حضارة الإفرنج -عليهم لعائن الله- ونفصل بين ضارها ونافعها، فننتفع بنافعها وهو منافعها الدنيوية، ونجتنب سمومها الفتاكة القاتلة، وهي ما تدعو إليه من سوء الأخلاق وضياع كل قيمة، والتمرد على خالق السماوات والأرض (جل وعلا). ففيها ماء زلال وسُمٌّ قاتل، فعلينا أن نجتنب السم، ونأخذ الماء الزلال كما كان ﷺ يفعل كما مثلنا له (^٣).
ومن المؤسف كل المؤسف أن الذين صار عندهم شيء من هذه القشور التي يعبرون عنها بالتقدم والحضارة وأمثال ذلك لا يأخذون عن الكفار إلا السم القاتل الفتاك، من الانحلال الخلقي، وضياع الأخلاق، والتمرد على نظام السماء، ومجاهرة رب العالمين بالمعاصي، والتزهيد في القرآن وفي الرسل، في الوقت الذي لا ينتفعون من مائها الزلال وقوتها المادية شيئًا!! فإنا لله وإنا إليه راجعون من عاقل يأخذ السم ويترك الماء، فهذا من طمس البصائر
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
(٢) تقدم تخريجه في الموضع السابق.
(٣) السابق.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
لا يعلمه إلا من رآه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: الآية ٣٠] مكرهم: هو ما أرادوا من قتل النبي ﷺ بعد ما أجمعوا عليه، وتفرّق دمه في قبائل قريش. ومكر الله: هو أن نَجَّاهُ مِنْهُمْ، وأنْقَذَهُ منهم، وأدْخَله في الغار لحكمة يعلمها (جل وعلا) مع أنه قادر على أن يهلكهم بالجنود، ومع أنه مختفٍ منهم في الغار، فجنود السماء حوله تحوطه لا يقدر أحدٌ أن يأتيه، كما سيأتي في براءة في قوله: ﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: الآية ٤٠] تلك الجنود يعلمها الله ويراها، والناس لا يرونها، فالكفار لا يقدرون على شيء معها، ولكن الله أمره بهذه الأسباب، مع أن جنود الملائكة تحوطه لحكمة يعلمها هو (جل وعلا)، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن مكره بالغ من الجمال ما لا يخفى؛ لأنه لا يوصل الشر فيه إلا لمن يستحق الشر، ولا يدفع الشر فيه إلا عمن هو أهل أن يدفع عنه الشر كما لا يخفى.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال: الآية ٣١].
قال بعض العلماء (^١): نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، كان ذهب في تجارته إلى بلاد فارس، وجاء الحيرة
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٠٣)، تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٨٩). ابن كثير (٢/ ٣٠٤).
[ ٤ / ٥٧٨ ]
وغيرها، واشترى كتبًا وفيها تاريخ رستم وإسفنديار، وكان إذا وجد النبي ﷺ يقرأ القرآن ويقص فيه أخبار الأمم الماضية. جلس هو يقرأ عليهم من تلك الأساطير من أخبار رستم وإسفنديار ويقول لهم: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد.
وقال بعض العلماء: إن قريشًا كذبوا فقالوا: نحن نقدر على أن نتكلم بمثل هذا القرآن، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا﴾ [الأنفال: الآية ٣١] سمعنا هذا الذي يتلوه لو نشاء معارضته بمثله لقلنا مثله، وقدرنا على الإتيان بمثله، وهذا كذب محض منهم، سواء قلنا: إن قائله النضر بن الحارث، وأنه يعارضه بأساطير الأولين مما أتى به من تاريخ فارس، أو قلنا: إنه قاله غيره من قريش، ومعلوم أن القرآن العظيم لا يقدر أحدٌ أن يأتي بمثله، وأن هذه الدعوى كاذبة، وأن صاحبها من أظلم الظالمين كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شيء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: الآية ٩٣] أي: لا أحد أظلم من هذا ولا هذا.
فقد ذكرنا مرارًا أن الله ﵎ تحدى الكفار بسورة من هذا القرآن العظيم، في سورة واحدة، في سورة البقرة وسورة يونس، قال في سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: الآية ٢٣] ثم قال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: الآية ٢٤] فصرّح بأنهم لن يفعلوا أبدًا ولا يقدرون أبدًا، وتحداهم بسورة واحدة أيضًا في سورة يونس في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: الآية ٣٨] وتحداهم في سورة هود
[ ٤ / ٥٧٩ ]
بعشر سور، قال في هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: الآية ١٣] ثم أوضح عجزهم وأنه منزل من رب العالمين حيث قال: ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ [هود: الآية ١٤] ثم تحداهم في سورة الطور بالقرآن كله، وذلك في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [بالطور: الآية ٣٤]. ثم صرّح في سورة بني إسرائيل وهي سورة (سبحان الذي أسرى) أن جميع البشر من الإنس والجن لا يقدرون على معارضة هذا القرآن، ولا الإتيان بمثله حيث قال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: الآية ٨٨] وبذلك يُعلم كذب النضر بن الحارث وغيره من قريش في قوله: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ [الأنفال: الآية ٣١] مفعول (نشاء) محذوف- لو شئنا قولًا مثل هذا لقلناه. وقد قدمنا مرارًا (^١)
أن فعل المشيئة إذا عُلق بأداة الشرط يُحذف مفعوله؛ لأن جزاء الشرط يكفي عنه، وهو الغالب في القرآن وفي لغة العرب، وربما ذكر المفعول في القرآن، ولم أجده مذكورًا في كتاب الله إلا إن كان مصدرًا منسبكًا من (أن) وصلتها، كقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ [الأنبياء: الآية ١٧] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: الآية ٤] وربما ذُكر مثل هذا في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ عَلَيْك وَلَكِنْ سَاحة الصَّبرِ أوسَعُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأنعام ..
(٢) السابق.
[ ٤ / ٥٨٠ ]
وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ (إن) هذه هي النافية، والإشارة في (هذا) إلى القرآن المعبَّر عنه بالآيات التي تتلى في قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي: تُلي عليهم هذا القرآن قالوا: كذا وكذا، وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن المعبَّر عنه بالآيات التي تتلى ﴿إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ الأساطير: جمع أسطورة أو إسطارة، وهي ما كتبته الأمم الماضية من تاريخ ونحوه (^١)، كما كان النضر بن الحارث يأتي بالأساطير التي كانت مكتوبة عن فارس، وهذا معنى قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣١] يزعمون أن النبي استملاها من غيره، فأملاها عليه غيره فكتبها، كما قال في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: الآية ٥] قبحهم الله، ما أوضح كذبهم! وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣١].
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآيتان ٣٢، ٣٣] ثبت في صحيح مسلم والبخاري من حديث أنس بن مالك أن قائل هذه المقالة: أبو جهل -لعنه الله- عمرو بن هشام بن المغيرة (^٢). والأكثرون من المفسرين
_________________
(١) انظر: المفردات للراغب (مادة: سطر) ص٤٠٩، المعجم الوسيط (مادة: سطر) (١/ ٤٢٩).
(٢) البخاري في التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ حديث رقم: (٤٦٤٨) (٨/ ٣٠٨). ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. حديث رقم: (٢٧٩٦) (٤/ ٢١٥٤).
[ ٤ / ٥٨١ ]
يقولون (^١): إن قائل هذه المقالة: النضر بن الحارث، وهذا الدعاء هو العذاب الأليم المذكور في أول سورة المعارج سورة سأل سائل (^٢) ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ أي: دعا داع ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِّلْكَافِرينَ﴾ [المعارج: الآيتان ١، ٢] قالوا: هو قوله: ﴿اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: الآية ٣٢]. ولن يُعْقَل أحمق من قريش حيث قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾. ولو كانوا في مرتبة أدنى العقلاء لقالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه!! زعم بعضهم (^٣): أن يهوديًّا مر بابن عباس وقال له: أنت من قريش؟! قال: نعم.
قال: إن قومك من أجهل خلق الله حيث قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ ولم يقولوا: فاهدنا إليه!! فقال له ابن عباس: وكذلك قومك أنت من أجهل خلق الله فإنهم وأرجلهم بها بلل البحر الذي أنقذهم الله منه وأهلك به عدوهم، قالوا في ذلك الوقت لنبيهم ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فقال نبيهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: الآية ١٣٨] فسكت
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٠٥)، ابن كثير (٢/ ٣٠٤).
(٢) النسائي في التفسير (٢/ ٤٦٣)، والحاكم (٢/ ٥٠٢)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٩٠)، والواحدي في أسباب النزول ص٤٤٥، وعزاه في الدر (٦/ ٢٦٣) للفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
(٣) نقله القرطبي (٧/ ٣٩٨) مُصَدِّرًا له بقوله: «حُكي عن ابن عباس ». ولم يعزه.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
اليهودي مفحمًا. وعلى كل حال من يقول مقالة قريش هذا فهو من أجهل خلق الله، وأشدهم تمردًا وعتوًّا على الله.
وقوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ ذكروا عن سفيان بن عيينة أنه ما جاء في القرآن العظيم المطر إلا بمعنى العذاب، أما الماء النازل قال: فإن العرب تقول له الغيث (^١). كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: الآية ٢٨] واستدرك عليه بعض العلماء (^٢)، قال: في سورة النساء كلمة أطلق فيها المطر على النازل من السماء وهي قوله: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: الآية ١٠٢].
ومعنى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾. معناه: أنزلها من السماء متتابعة كما ينزل المطر، وهي حجارة السجيل التي تنزل من السماء محماة بالنار في غاية الحرارة. والحجارة: جمع حجر، وجمع (فَعَل) على (فِعَالَة) موجود في أوزان قليلة، كحجر وحِجارة، وجَمَل وجِمَالة، وذَكَر وذِكَارَة. وهذا الجمع وجوده قليل، وهو من جموع الكثرة.
﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ تكون هذه الحجارة نازلة من السماء، وذلك مفهوم من قوله: ﴿فَأَمْطِرْ﴾ إلا أن هذا النوع من التوكيد أسلوب عربي معروف كثير في القرآن وفي كلام
_________________
(١) أورده البخاري في التفسير، في ترجمة باب ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ ﴾ الفتح (٨/ ٣٠٨).
(٢) انظر: فتح الباري (٨/ ٣٠٨)، فقه اللغة للثعالبي ص٣٥٣، المفردات للراغب ص٧٧٠، تفسير ابن عاشور (١/ ١٢٤).
[ ٤ / ٥٨٣ ]
العرب (^١)، كقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨] ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه وقوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: الآية ٧٩] ومعلوم أنه لا يكتبونه إلا بأيديهم. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: الآية ١٠] وهم لا يأكلون إلا في بطونهم. وكذلك قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ قوله: ﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ مع أنه لا مطر إلا من السماء.
وهذا معنى قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قرأه بعضهم بتسهيل الهمزة الثانية، وبعضهم بتحقيقها، وبعضهم بإبدالها ياءً. وكلها قراءات معروفة (^٢). وهذا معنى قوله: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: الآية ٣٢] أي: مؤلم شديد الألم.
ثم إن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآية ٣٣] هذه الآية الكريمة تُشكل كثيرًا على العلماء وعلى من يتعاطون التفسير (^٣)، ونحن -إن شاء الله- سنوضح ما فيها من الإشكال حتى يفهمها طالب العلم فهمًا واضحًا، حاصل هذا أنه أولًا جعل لهم أمانين من العذاب:
أحد الأمانين: وجود رسول الله ﷺ بين أظهرهم، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ لأن الله (جل وعلا) لم ينزل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة، والآية (٤٨) من سورة الأنعام، وانظر: الدر المصون (٥/ ٥٩٧).
(٢) مضت عند تفسير الآية (٧٧) من سورة الأعراف.
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٠٩)، ابن كثير (٢/ ٣٠٥).
[ ٤ / ٥٨٤ ]
العذاب بأمة ونبيها موجود فيها، بل إذا أراد إنزال العذاب بهم أمر نبيهم أن يخرج عنهم فينزل عليهم العذاب بعد أن فارقهم.
الأمان الثاني هو المذكور في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ومع ذكر الأمانين قال بعده: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: آية ٣٤] أيُّ شيء ثبت لهم يمنعهم من التعذيب ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ الناس ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ويفعلون ويفعلون؟ فيقول طالب العلم: كيف يقول: إن لهم أمانين ويصرح بأنه لا شيء يمنعهم من العذاب؟ هذا محل الإشكال الذي أشكل على كثير من المنتسبين للعلم.
والجواب عن هذا من أربعة أوجه:
أحدها: أن المعنى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، فخرج رسول الله ﷺ فبقي المستغفرون.
واعلموا أن هذا الاستغفار فيه أقوال معروفة عند العلماء متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، كل واحد منها مروي عن جماعة من السلف من علماء التفسير (^١)، قال بعض العلماء: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هذا من إطلاق المجموع مُرادًا به بعضه، وأن المراد بالمستغفرين خصوص المؤمنين المستضعفين. الكائنين بين أظهرهم، ومن أساليب اللغة العربية: إطلاق المجموع مرادًا بعضه (^٢). كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: الآية ١٤] والعاقر واحد،
_________________
(١) المصدران السابقان.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٥٨٥ ]
كما قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: الآية ٢٩] ومما يوضح هذا قراءة حمزة والكسائي (^١): ﴿فإن قتلوك فاقتلوهم﴾ [البقرة: الآية ١٩١] بالفعلين من القتل بالفعل المجرد؛ لأن المقتول لا يقتل قاتله، والمعنى: فإن قتلوكم، أُسند الفعل إلى مجموعهم الصادق ببعضهم وهو المقتولين، والمراد بالقتال: الذين بقوا ولم يُقتلوا منهم. وهذا أسلوب عربي معروف، ونظيره في القرآن بأن الله بين في سورة الحديبية أن وجود أولئك المستضعفين كان سببًا مانعًا من نزول العذاب الدنيوي بالكفار، كما سيأتي إيضاحه في تفسير قوله: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: الآية ٢٥] ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو يتميز بعضهم عن بعض، فتميز المشركون عن ضعفاء المسلمين الكائنين فيهم لعذبناهم عذابًا شديدًا، فرفع الله عنهم العذاب لوجود ضعفاء المسلمين الكائنين بين أظهرهم. والذين قالوا هذا القول قالوا: خرج رسول الله ﷺ فبقي لهم أمان، وهو استغفار المؤمنين الكائنين فيهم، منع الله به أن ينزل العذاب؛ لأنه إذا نزل عَمَّ الصالح والطالح.
فبعد ذلك خرج المؤمنون الذين كانوا يستغفرون فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] وقد زال عنهم الأمانان بخروج رسول الله ﷺ وخروج المستضعفين الذين كانوا يستغفرون.
واختار كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير (﵀) (^٢) أنه جعل لهم أمانين: أحدهما على التعليق، والمعنى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
_________________
(١) السابق.
(٢) جامع البيان (١٣/ ٥١٧).
[ ٤ / ٥٨٦ ]
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآية ٣٣] لو استغفروا. إلا أنك أنت خرجت وهم لم يستغفروا فانتفى الأمانان فحق عليهم العذاب؛ ولذا قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤]. وهذا معنى معروف في كلام العرب؛ لأن المعنى: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون لو استغفروا، إلا أنهم لم يستغفروا فصار لا مانع من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: الآية ١١٧] أي: لو كانوا مصلحين لما نزل بهم العذاب، لكنهم لم يصلحوا فنزل بهم العذاب.
وقال بعض العلماء: المستغفرون هم المشركون، وذلك أنهم كانوا إذا لبوا تلبيتهم المعروفة وقالوا: «لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك» ابتهلوا بعد ذلك يستغفرون وقالوا: «غفرانك ربنا، غفرانك ربنا، غفرانك ربنا» قال بعض العلماء: هذا الاستغفار الدنيوي دفع لله عنهم به العذاب. وهذا أضعفها وأبعدها.
القول الثاني: أن معنى ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يتوبون إلى الله من كفرهم ويُسلمون؛ لأن الله علم بأن في أهل مكة وقت قولهم: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٢] علم بعلمه الأزلي أن فيهم ناسًا وطائفة سينيبون إلى الله ويستغفرونه ويؤمنون بالله كما آمنت خلائق منهم يوم الفتح وناس قبل ذلك. وعلى هذا القول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ﴾ في علمه ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ويتوبون من الكفر إلى الإيمان، فلذلك أخَّر عنهم العذاب.
[ ٤ / ٥٨٧ ]
وعلى هذا القول: فقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ في الذين علم في سابق علمه أنهم لا يسلمون ولا يتوبون، وهم الذين عذبهم الله وقتلهم يوم بدر، وجعل لهم عذاب الآخرة متصلًا بعذاب الدنيا والعياذ بالله.
وهذه هي الأوجه في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٣] ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أيُّ شيء ثبت لهم يمنعهم من تعذيب الله لهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] (يصدون) تستعمل استعمالين (^١): تستعمل متعدية ولازمة، فإذا استعملت متعدية فمصدرها (الصَّد) على القياس، ومضارعها (يصُد) بضم الصاد لا غير، وإذا استُعملت لازمة فمصدرها (الصدود) على الأغلب، وفعلها المضارع يجوز في عينه الكسر والضم، تقول: صَدَّ زيدٌ عَمْرًا يَصُدُّه صَدًّا، وَيصُد بالضم لا غير، وتقول: صَدَّ زيدٌ عن هذا الأمر إلى غيره، يَصِدُّ ويَصُدُّ صدودًا، وعلى ذلك القراءتان (^٢) في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: الآية ٥٧] ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ﴾ [الزخرف: الآية ٥٧] والفعل هنا متعدٍّ، والمفعول محذوف، أي: يصدون الناس عن بيت الله الحرام، عن المسجد الحرام، كما صدوا النبي ﷺ وأصحابه في غزوة الحديبية، كما سيأتي في قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: الآية ٢٥] وكما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة: الآية ٢] وإخراجهم
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: صدد) ص٤٧٧.
(٢) مضت عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٥٨٨ ]
النبي ﷺ وأصحابه من مكة من صدهم عن المسجد الحرام.
وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] وكانت قريش إذا صدوا بعض الناس عن المسجد الحرام قالوا: هذا البيت بيتنا، ونحن أولياؤه، فولايته لنا، فنترك من نشاء، ونصد من نشاء!! فبيّن الله كذبهم فقال: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَاّ الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] ما أولياء هذا البيت ولاية حقيقية إلا الذين يؤمنون بالله ويتقون الله، أما الكفرة الفجرة فليسوا بأوليائه، وإن زعموا أنهم أولياؤه. فهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَاّ الْمُتَّقُونَ﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال بعض العلماء (^١): عبر هنا بالأكثر عن الجميع، والعرب تعبر بالأكثر عن الجميع، وبالقلة عن لا شيء، وهو أسلوب معروف.
وقال بعض العلماء: الأكثر على ظاهره؛ لأن بعضهم يعلم أن ولاية بيت الله لمن هو مطيع لله لا من هو عاصٍ له. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤].
[٤/أ] / ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ [الأنفال: الآيات ٣٥ - ٣٧].
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٨/ ٥٥)، البحر المحيط (٤/ ٤٩١)، وراجع ما مضى عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٨٩ ]
يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ [الأنفال: الآية ٣٥].
بَيَّنَ اللهُ (جَلَّ وعلا) في هذه الآية أن كُفَّارَ مَكَّةَ الذين يزعمون أنهم أولياء البيت، ما كانوا يصلون عنده، ولا يعبدون الله عنده، يعني: ليس لهم من الصلاة فيه إلا شيء هو بعيد كل البعد عن الصلاة، يعني: ما كان صلاتهم عند البيت الذي هو أول بيت وضعه الله للناس ما كانت صلاتهم عنده إلا مكاء وتصدية والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في معنى المكاء والتصدية (^١): أن المكاء هو: الصفير، والتصدية هي: التصفيق. كانت قريش يجتمعون ويطوفون بالبيت عراة، يصفرون ويصفقون، يزعمون أن هذا التصفير والتصفيق والعري عند بيت الله أنه عبادة، ومن أغراضهم بالتصفير والتصفيق: ألاّ يسمع الناس ما يتلوه النبي ﷺ؛ لأن التصفيق والتصفير أصله من إلغائهم ليمنعوا من سمع القرآن، الآتي في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: الآية ٢٦].
العرب تقول: مَكَا، يَمْكُو، مَكْوًا، ومُكًا، ومُكَاءً، إذا: صفر.
والصفير: هو الصوت الذي يخرجه الإنسان من فيه، المعروف، وهذا معنى معروف في كلام العرب، يُسمون التصفير: المكاء. وقد أطلقه عنترة في معلقته على صوت الطعنة العظيمة يشخب منها الدم ويُسمع لها صوت كالصفير في قوله (^٢):
وَحَلِيل غَانيةٍ تركت مُجَدِّلًا تَمكُو فريصتُه كَشِدْق الأعْلَمِ
قال بعض العلماء: أصله كصوت المُكَّاء. والمُكَّاء: طائر
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٢١)، ابن كثير (٢/ ٣٠٦)، الأضواء (٢/ ٣٥١).
(٢) ديوانه ص١٢٣.
[ ٤ / ٥٩٠ ]
أبيض معروف يصوّت تصويتًا كالصفير، وهذا الطائر معروف في كلام العرب، وفيه يقول الشنفرى (^١):
ولا خَرِقٍ هَيْقٍ كَأَنَّ فُؤَادَهُ يَظَلُّ بِهِ المُكَّاءُ يَعْفُو وَيَسْفُلُ
وقال بعضهم (^٢):
إذا غَرَّدَ المُكَّاء في غَيْرِ رَوْضَةٍ فَوَيلٌ لأهْلِ الشَّاءِ والحُمُراتِ
وقوله: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ التحقيق أنه مصدر (صدَّى، يُصدِّي، تصدية) إذا صفَّق. لأن التصفيق يرتفع به صدى الصوت، هذا هو الصحيح في المعنى خلافًا لمن قال: إن أصله: تَصْدِيدَة أُبْدلت الدال الأخيرة ياء، وأنها (تَفْعِلَة) من الصَّد؛ لأنهم يصدون الناس عن المسجد الحرام (^٣). والأول هو الصحيح. والمعنى: أن هؤلاء الكفار الذين يزعمون أنهم أولياء البيت الحرام كيف يكونون أولياءه، وكيف يمتنعون من نزول العذاب ولا صلاة لهم عند البيت إلا الصفير والتصفيق؟ هذه صلاتهم عند البيت!! وإذا كانوا لا صلاة لهم عند البيت إلا الصفير والتصفيق فمعنى ذلك أنهم لا صلاة لهم أصلًا عنده ألبتة. وهذا أسلوب عربي معروف، تقول العرب: «لا له كذا إلا كذا» ويكون ذلك بعيدًا منه، فيدل على الانتفاء المطلق، وهذا
_________________
(١) البيت في ديوانه ص٥٧.
(٢) البيت في القرطبي (٧/ ٤٠٠)، الدر المصون (٥/ ٦٠٠).
(٣) قال في الدر المصون (٥/ ٦٠١) ما ملخصه: والتصدية فيها قولان: أحدهما: أنها من الصَّدى، وهو ما يُسمع من رجع الصوت في الأمكنة الخالية الصلبة. يُقال منه: صَدِي يَصْدَى تَصْدِيَة. وقيل: هي مأخوذة من التَّصْدِدَة وهي الضجيج والصياح والصفيق، فأُبدلت إحدى الدالين ياءً تخفيفًا. والثاني: أنه من الصَّد، وهو المنع، والأصل: (تَصْدِدَة).
[ ٤ / ٥٩١ ]
أسلوب عربي معروف يكثر في القرآن وفي كلام العرب، قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: الآية ٢٩] إن كانوا لا يُغاثون إلا بهذا الماء الذي يشوي الوجوه فلا إغاثة لهم أبدًا، وهذا كثير في كلام العرب، ومنه قول بشر بن أبي حازم (^١):
غَضِبَتْ تَميمٌ أن تُقتَّل عامرٌ يَوْمَ النسار فأُعْتِبُوا بالصَّيْلَمِ
معناه: أُرضوا بالسيف، فإن كانوا لا عُتْبَى لهم ولا رضا إلا السيف معناه: لا عُتْبى ولا رضًا لهم أصلًا، ومنه قول الآخر يصف ناقته (^٢):
شَجْعَاءَ جرتها الذميل تلوكُه أصلًا إذا راح المطي غراثا
يقول: إن ناقته ليس لها من الجِرَّة إلا الذميل. والذميل: ضرب من السَّيْر. والجِرَّة: هي أن الناقة -مثلًا- في النهار تأكل المرعى، فإذا كان الليل أخرجت ما في بطنها فمضغته لترققه، يعني: إن كانت لا جرة لها إلا جرر المشي فلا مأكل لها ولا جرة. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ أيها الكفرة الزاعمون كذبًا أنكم أولياء البيت وأنكم قُطَّان بيت الله الحرام، وأنكم أهدى من محمد ﷺ ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الباء سببية، و(ما) مصدرية، أي: بسبب كفركم.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن التصفيق والتصفير ليسا من العبادة في شيء، وبه يُعلم أن ما يفعله كثير من الجهلة المدعين
_________________
(١) البيت في الدر المصون (٩/ ٥٦).
(٢) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ص٦٦.
[ ٤ / ٥٩٢ ]
للتصوف كذبًا من الرقص والتصفيق والصراخ، زاعمين أنه عبادة أن ذلك من الخذلان وتلبيس الشيطان، وأن ذلك لا يكون عبادة أبدًا، بل أول من رقص وصفق في شيء يظنه عبادة هم عبدة العجل، وكان ذلك من أفعال الكفار، فالنبي ﷺ وأصحابه كانوا في مجالسهم كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا رأيتم الذين يصفقون ويضربون بالمعازف، ويزعمون أن هذا دين وأحوال ووجدان، فهو غرور من الشيطان، فلا ينبغي أن يُغترَّ بهم، كما ظن قريش أن مكاءهم وتصديتهم عند بيت الله الحرام عبادة، فقد وبخهم الله على ذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ [الأنفال: الآية ٣٥].
ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] قال بعض العلماء (^١): نزلت هذه الآية في المطعمين في بدر الذين ينحرون عشرًا أو تسعًا، وقد ذكرناهم في ذكرنا لهذه الغزوة (^٢)، وبينّا أن المؤرخين يقولون: إن أول من نحر لهم: أبو جهل عشرًا من الإبل، ثم نحر لهم أمية بن خلف تسعًا بعسفان، ثم نحر لهم سهيل بن عمرو عشرًا بقديد، ثم ذهبوا إلى المياه من ناحية الساحل، وأقاموا هناك يومًا، فنحر لهم شيبة بن أبي ربيعة (^٣) ذلك القدر من الإبل، ثم أصبحوا بالجحفة، فنحر لهم أخوه عتبة، ثم
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٩٢).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥) من سورة الأنفال.
(٣) هكذا في الأصل، والصواب: ابن ربيعة.
[ ٤ / ٥٩٣ ]
أصبحوا بالأبواء فنحر لهم منبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان المشهوران الذين هم ممن قُتلوا يوم بدر، ثم نحر لهم العباس بن عبد المطلب (﵁)، ونحر لهم أبو البختري بن هشام عشرًا على ماء بدر، فهذه الإبل التي ينحرون ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله.
وقال بعض العلماء (^١): نزلت في أبي سفيان بن حرب، أنفق أربعين أوقية على جماعة من الأحابيش -والأحابيش: جمع أُحبوش، وهم جماعة متجمعون ساكنون في ظواهر مكة، أنفق عليهم- أربعين أُوقية ليذهب معه جماعة منهم إلى أُحُد.
والذي عليه جمهور العلماء من المفسرين وأصحاب المغازي والتاريخ: أن هذه الآية من سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] نزلت في قضية قريش مع عير أبي سفيان؛ لأن عير أبي سفيان لما نجت وقُتل من قُتل من أشرافهم يوم بدر اجتمع أشراف قريش وطلبوا كل من كانت له تجارة في تلك العير أن يمنحهم ذلك المال ليستعينوا به ويستعدوا على حرب النبي ﷺ طالبين منهم إدراك الثأر، فكانت إمكانيات أُحد هي من أموال تجارات تلك العير، وأن ذلك هو معنى إنفاقهم ليصدوا عن سبيل الله. هذا هو الأصوب إن شاء الله، وعليه جماهير العلماء.
﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ كإنفاقهم أرباح تجارة عير أبي سفيان ليحاربوا بها النبي ﷺ، ليصدوا الناس عن سبيل الله، في زعمهم أنهم يأخذون ثأرهم من محمد ﷺ فَيُضْعِفُون الإسلام ويُقَوُّون الكفر.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٢٩)، ابن كثير (٢/ ٣٠٧).
[ ٤ / ٥٩٤ ]
هذا معنى صدهم عن سبيل الله.
وقد قدمنا مرارًا (^١) أن لفظة (صد) تستعملها العرب استعمالين، تستعملها (صد) متعدية إلى المفعول ومضارع هذه (يصُد) بالضم على القياس لا غير، ويستعملون (صد) لازمة لا متعدية، ومضارع هذه فيه الضم والكسر، ومصدرها (الصدود)، تقول: «صد زيدٌ عَمْرًا، يصُده صَدًّا، وصد عمرو عن هذا الأمر، يَصِد ويصُد صدودًا». هذا معروف في كلام العرب، ومن اللازمة ولُغَتَيْها: القراءتان (^٢) في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ﴾ [الزخرف: الآية ٥٧] وهذه متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، وحذف الفضلة إذا دل الدليل عليها مطرد شائع في القرآن وفي كلام العرب، أي: ليصدوا الناس عن سبيل الله، لإضعاف الإسلام في زعمهم وقوة شوكة الكفر، حتى يسيطر على الناس فلا يتركهم يسلمون. هذا معنى قوله: ﴿لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾ كأنه قال: إن الذين أرادوا ذلك سيفعلونه وينفذونه، ثم تكون العاقبة وخيمة ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الحسرة: أشد الندامة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ [البقرة: الآية ١٦٧] أي: ندامات شديدة ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: الآية ٣٠] أي: يا ندامتهم احضري فهذا وقتك، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: ندامة شديدة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
(٢) مضت عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٥٩٥ ]
حيث أضاعوها ولم تُجْدِ عنهم شيئًا، بل كانت الدائرة منتهاها عليهم، والغلبة عليهم، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] ثم يكون المآل أن يُغلبوا ويُقهروا كما كان المآل أن قُتل هؤلاء وفُتحت مكة يوم فتح مكة، وصاروا الطلقاء، وضاعت تلك الأموال، ولم تُجْدِ عنهم شيئًا، ولم تغن لهم شيئًا.
وهذه الآية الكريمة أشارت إلى ركنٍ من ركني ما يسمى (الاقتصاد)؛ لأن القرآن العظيم تنزيل رب العالمين، يوضح الله به أصول جميع الأشياء التي يحتاج لها البشر، والنبي ﷺ يبسط ذلك ويبينه، وهذا الذي يعبر الناس عنه اليوم في عرفهم بـ (الاقتصاد)، أشارت هذه الآية الكريمة إلى أحد ركنيه، وإيضاح ذلك أن ما يسمى بـ (الاقتصاد) أن جميع مسائله المتشعبة راجعة في الحقيقة إلى أصلين لا ثالث لهما:
أحد هذين الأصلين: هو حسن النظر في اكتساب المال، ومعرفة الوجوه التي يحصل بها ذلك.
والثاني منهما: حسن النظر في صرف المال في مصارفه، ولا بد لأحدهما من الآخر، فالاقتصاد إذن عمل مزدوج لا يصح أحد ركنيه دون الآخر؛ لأن الذي لا يقدر على اكتساب المال، ولا يعرف الطرق التي يكتسبه بها لا يكون صاحب اقتصاد، وكذلك الذي يعرف طرقه وهو ماهر في تحصيله، إذا كان لا يعرف صرفه بالحكمة فإنه لا يجديه شيئًا؛ لأن الإناء المخروق لو جعلت فيه البحر لما ملأه، فلا بد من حسن النظر في الاكتساب أولًا، ثم حسن النظر في الصرف ثانيًا. وهذه الآية الكريمة من سورة الأنفال أشارت إلى أحد الركنين،
[ ٤ / ٥٩٦ ]
وهو حسن النظر في الصرف في المصرف؛ لأن الصنيعة إذا لم تطابق مصرفها فلا فائدة فيها:
إن الصَّنيعة لا تُعَدّ صنيعةً حتى يُصَاب بها طريق المَصْنَعِ (^١)
والبذل فيما لا يجدي ليس من الاقتصاد في شيء، وإنما هو تبذير، وقد ذم بعض الأدباء من يعطي ويمنع غير مركز ذلك على الحكمة فقال (^٢):
لا تَمْدَحَنَّ ابنَ عباد وإن هَطَلتْ يداهُ كالمُزنِ حتى تُخْجِل الدِّيَما
فإنها فلتات من وسَاوسه يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرما
فقوله في هذه الآية: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [لأنفال: الآية ٣٦] بينت أن الصرف فيما لا يرضي الله أنه ندامة وحسرة، وأنه إخلال بأحد ركني الاقتصاد، فلا بد أن يكون الصرف واقعًا موقعه فيما يرضي من خلق هذا الكون.
وهذا الأمر - الذي هو الاقتصاد - أمر عظيم؛ لأن المال شريان الحياة، ولا سيما في هذا الزمن التي كانت طرق الاقتصاد إنما مهّدها ومهد جميع الطرق إلى اكتساب الأموال كائنة ما كانت، مهدها كفرة فجرة لا يدينون لله، ولا يأتمرون بأمره، فجعلوا أسسها مبنية على الربا وعلى الحرام، وعلى الغرر وعلى جميع المعاملات التي لا ترضي الله، ومع الأسف كان المتسمون باسم الإسلام ذَنَبًا
_________________
(١) البيت في تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٩٤)، الكامل ص١٧٩ وذكره الشيخ (﵀) في الأصول (١/ ٤٧) وهو لعيسى بن يزيد البجلي، أو للهذيل الأشجعي.
(٢) البيتان لدعبل بن علي الخزاعي، وهما في ديوانه ص١٧٠.
[ ٤ / ٥٩٧ ]
لهم يرتكبون المحرمات في تلك المعاملات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ونحن نلم بشيء قد دلت عليه هذه الآية كأصول لهذا الأمر المهم؛ لأن هذه الآية والآيات غيرها من كتاب الله دلت على أن له أربعة أمور، إذا نظر الناس فيها وأتقنوها كان اقتصادهم على الوجه المطلوب؛ لأنا ذكرنا الآن أن جميع مسائل الاقتصاد وإن تشتتت وتشعبت راجعة في الحقيقة إلى أصلين لا ثالث لهما، هما: حسن النظر في اكتساب المال، وحسن النظر بعد أن يحصل المال في صرفه في مصارفه. وهذان الركنان لا بد لكل منهما من نظرتين مختلفتين، فتكون أربعًا من ضرب اثنين في اثنين، والنظرتان المختلفتان لا بد منهما لكل من الركنين.
أما أحدهما: فهو معرفة حكم الله (جل وعلا) في نوع ذلك الاكتساب، وفي نوع ذلك الصرف؛ لأن الله (جل وعلا) خلق الإنسان محتاجًا للنساء، ومفتقرًا للغذاء، وخلق له ما في الأرض جميعًا، ولم يتركه سدىً يتصرف فيه باختياره، بل التصرف لا بد أن يكون بإذن مالك الملك، خالق هذا الكون (جل وعلا)، فالنظرة الأولى إذا أردت أن تكتسب مالًا بوجه من أوجه الاكتساب، أو تصرف مالًا في وجه من أوجه الصرف أن تعرض هذا الاكتساب أو هذا الصرف على ضوء هذا المحكم المنزل، ونور هذا الوحي الذي جاء به محمد ﷺ، فتنظر أيجيزه أو يمنعه؟ فإن عرفت أنه يمنعه تركته؛ لأن خالق هذا الكون المشرع لهم ما جعل عليهم تضييقًا في التشريع، وما شرع لهم إلا ما فيه السعة الكاملة لهم تكفيهم كل مهماتهم، وإذا نظرت في حكم الله، في طرق الاكتساب، وفي حكم الله في صرف المال؛ لأن
[ ٤ / ٥٩٨ ]
بعض المصارف التي يصرف فيها المال قد تكون على صاحبها حسرة ثم يغلب، كما قال هنا: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] وبهذه النظرة أن تنظر في وجه اكتساب المال وفي وجه صرفه في مصرفه إذا عرضتها على ضوء القرآن، وما جاء به محمد ﷺ كفاك هذا من الفِكَر الهدامة، والمذاهب المفقرة الخسيسة -عليها وعلى من جاء بها لعائن الله- كنظرة الماركسيين، واللينيّين، وأتباعهم -دمرهم الله جميعًا- فإن هذا إذا عرضته على كتاب الله وجدت ذلك الذي يدعون إليه ويبنون عليه نحلتهم لا يجيزه الله ولا يرضاه، فاكتفيت شره بالكلية.
ثم بعد ذلك إذا عرضت وجه الاكتساب ووجه الصرف على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وعرفت أنه جائز؛ فالنظرة الثانية: هي تحقيق المناط وتطبيق هذا، فقد يكون هذا الوجه الاكتساب به حلالًا إلا أنه ما كل الناس يقدر على تحصيل هذا الوجه والاكتساب بهذه الطريق، فيُنظر له من يعرف ذلك بالخبرة الدنيوية ليقدر على تحصيل المال به في ضوء الشرع الكريم، وكذلك الصرف في المصارف يحتاج إلى من يقدر عليه؛ لأن بعض المصارف لا يقدر كل الناس أن يقوم به، ولا سيما ما يسمونه (المشاريع العامة) فإنه ما كل الناس يقدر على تنفيذها، فإن المشروع العام الذي عُرف أن الشرع يجيزه، وأن فيه مصلحة لجميع المسلمين، وأن ولي أمر المسلمين إذا بذل فيه من مال المسلمين كان ذلك البذل جائزًا، لعظم المصلحة العائدة لعامة المسلمين منه، فإنه يحتاج إلى خبراء دنيويين يعرفون كيف ينفذون ذلك الصرف على الوجه المطلوب.
[ ٤ / ٥٩٩ ]
فهذه الأركان الأربعة أشارت إليها هذه الآية، وهي أصول الاقتصاد، ولو وفق الله المسلمين ونظروا في أصول الاقتصاد، وما جاء به من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ لأمكنهم استغلال ثرواتهم، والانتفاع بها في ضوء كتاب الله على طريق يغمرهم فيها المال، ولا يزاولون ما يسخط ربهم (جل وعلا)؛ لذا قال تعالى: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾.
ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] ومن جملتهم: الذين ينفقون المال ليصدوا بإنفاقه عن سبيل الله ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي: إلى النار، كما قال (جل وعلا)، في أصحاب جهنم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: الآية ٤٤] والعياذ بالله ﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يُجمعون يوم القيامة، وقد بين الله كيفية جمعهم إليها في آيات كثيرة من كتابه، كما قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: الآية ٨٦] وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ الآية [الزمر: الآية ٧١] وهذا معنى قوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ وتقديم المعمول الذي هو الجار والمجرور يؤذن بالحصر؛ أي: لا يحشرون إلى شيء غير النار والعياذ بالله جل وعلا.
وقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٧] قال بعض العلماء (^١): اللام في قوله ﴿لِيَمِيزَ﴾ تتعلق بقوله:
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٩٣).
[ ٤ / ٦٠٠ ]
﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦].
قرأه حمزة والكسائي: ﴿ليُمَيِّزَ الله الخبيث من الطيب﴾ وقرأ باقي السبعة: ﴿لِيَمِيزَ﴾ بفتح الياء وكسر الميم (^١).
كما أن حمزة والكسائي قرءا: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: الآية ٣٥] بإشمام الصاد الزاي (^٢). وقرأ غيرهم من السبعة: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ بالصاد الخالصة غير المشمة بالزاي.
وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ حشرهم الله إلى جهنم ليميز بذلك - يزيِّل ويفرق - بين الخبيث والطيب، فالخبيث أهل النار، والطيب أهل الجنة، فالله حشر هؤلاء إلى شر دار، وحشر هؤلاء إلى خير دار ليميز ويفرق ويُزيّل بين الخبيث والطيب، وعلى هذا القول فالمَيْزُ بينهم في الآخرة، وقال بعض العلماء (^٣): هي تتعلق بقوله: ﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] يعني: أقدر الله الكفار على عداوة الإسلام والصد عنه ومحاربته ليُميز للناس ويبين لهم الخبيث من الطيب. وهذا التفسير مثله قد جاء موضحًا في سورة آل عمران، حيث قال الله جل وعلا: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: الآية ١٧٩] إلى آخر القصة. وهذا معنى قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: يجعل كل واحد منهما متميزًا عن الآخر، منفصلًا عنه لا لبس بينهما،
_________________
(١) انظر: الإتحاف ص (٢/ ٧٩).
(٢) السابق.
(٣) انظر: ابن كثير (٢/ ٣٠٧).
[ ٤ / ٦٠١ ]
﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾ وهو الكفار، الكفر وأهله. قال بعضهم: ويدخل فيه المال المنفق ليصد به عن سبيل الله.
وعلى هذا القول فالمال الذي ينفقه الإنسان ليصد به عن سبيل الله، يركم معه في النار، كما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: الآيتان ٣٤ - ٣٥] فصرح في هذه الآية من براءة أن ذلك الذهب والفضة الذي كانوا يكتنِزونه يدخل معهم في النار ويكوون به فيها، فهذا يشابه هذا التفسير الذي قال: إن المال الخبيث الذي صرفه صاحبه في الدنيا للصد عن سبيل الله أنه يركم معه في جهنم، فيعذب به، وقد ثبتت الأحاديث عنه ﷺ أن الذي كانت عنده ماشية ولا يزكيها تُجعل لها في ضحضاح من جهنم، فتدوسه بأرجلها (^١) (والعياذ بالله)، هذا معنى قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾ من أهل الكفر وما كانوا ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله ﴿بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، العرب تقول: ركمه يركمه، إذا جعله ركامًا متراكمًا، أي: يركب بعضه بعضًا، ويعلو بعضه بعضًا، كما في قوله: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: الآية ٤٣] فيجعله كله في النار ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هؤلاء الذين يُجمعون كلهم فيركمون في جهنم موصوفون بصفة الخبث هم الخاسرون الذين غُبنوا في حظوظهم من ربهم (جل وعلا)، وخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.
_________________
(١) مسلم في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة. حديث رقم: (٩٨٧) (٢/ ٦٨٠).
[ ٤ / ٦٠٢ ]
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: الآيات ٣٨ - ٤٠].
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: الآية ٣٨].
لمّا بين الله (جل وعلا) أن الكفار يُحشرون إلى جهنم، وأنهم يضم بعضهم إلى بعض فيُركم بعضهم فوق بعض فيجعلون في نار جهنم، أمر نبيه ﷺ أن يقول لهم: إنهم إن انتهوا عما هم عليه من الكفر، ورجعوا إلى ما يرضي ربهم فآمنوا به وصَدَّقُوا رَسُولَهُ، يُغْفَرْ لهُمْ جَمِيع ما سلف منهم من الكفر، ولا يكون عليهم ذَنْب من جميع ما مضى. ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يا نبي الله قل لهم ﴿إِن يَنتَهُواْ﴾ لم يقل له: خاطبهم، حتى يقول: إن تنتهوا يُغْفَر لكم ما قد سلف. كأنه أمره بتبليغهم: إن ينتهوا عما هم عليه من الكفر يُغفر لهم، وحذف الفاعل؛ لأن من المعلوم أنه لا يَغْفِرُ ما سَلَفَ إلا اللهُ وَحْدَهُ، ليس هو ذلك غيره، يحتمل أن يكون هو الفاعل؛ ولذا حَذَفَ الفَاعِلَ لِلْعِلْمِ به وعَدَمِ الحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ؛ لأنه معروف ﴿يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: ما مَضَى قبل انتهائهم من جميع ما ارتكبوه من أنواع الكفر والمعاصي، وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَنتَهُواْ
[ ٥ / ٥ ]
يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَإِن يَعُودُوا﴾: اختلف العلماء في المراد بالعَود هنا (^١)، فقال بعض العلماء، هذه الآيات من سورة الأنفال نزلت بعد وَقْعَةِ بدر، والمعنى ﴿وَإِن يَعُودُوا﴾ للقتال كما فعلوا يوم بدر ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: طَرِيقَة الله فيما مضى بين رسله وأتباعهم وبين الكفرة (^٢).
قال بعض العلماء: ﴿الأَوَّلِينَ﴾ يعني الذين هلكوا منكم فقتلوا وأُسروا يوم بدر، مضت سنة الله فيهم، فأَظْهَرَ علَيْهِمْ نَبِيَّهُ، ونصره عليهم، فإن عدتم إلى القتال أجرى عليكم تلك السنة؛ لأنه لا تجد لسنة الله تبديلًا. وقال بعض العلماء: المراد بالأولين الأمم الماضية ممن قبلنا؛ لأَنَّ كُلَّ أمَّةٍ كَذَّبَتْ رسولَها وتمرَّدَتْ عَلَى رَبِّهَا أهلكها الله (جل وعلا)، يعني: وإن تعودوا إلى ذلك الكفر والطغيان أهلككم كما فعل بجميع الأمم قبلكم ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ [المؤمنون: الآية ٤٤]، وهذان الوجهان في قوله ﴿سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: سنة الله فيهم، وأصل السنة: الطريقة والشريعة، والشريعة في اللغة: الطريق، والشرائع: الطرق، وكون السنة هي الطريق الذي يمشي عليه أمر معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته (^٣):
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُهَا
أي: طريقة متبعة، وطريقة الله مع الكفرة أنهم إن كذبوا رسله
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٣٦)، القرطبي (٧/ ٤٠٣).
(٢) المصدران السابقان.
(٣) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٧٤).
[ ٥ / ٦ ]
وتمردوا عليه أهلكهم، كما نطقت به الآيات القرآنية بكثرة، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾.
وقال بعض العلماء: المراد بالعَوْد هنا: الاستمرار، أي: وإن يستمروا على ما هم عليه من الكفر فقد مضت سنة الأولين. وربما أطلقت العرب ابتداء الفعل على دوامه، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: الآية ١]، أي: اسْتَمِرّ ودُم على تقواه. هذان الوجهان في قوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٨].
وأمر الله النبي ﷺ وأصحابه قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: الآية ٣٩] (لا تكون) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة بعد (حتى)، و(لا) النافية لا تمنع من ذلك النصب ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال أكثر العلماء (^١): المراد بالفتنة هنا: الشرك؛ أي: حتى لا يَبْقَى شِرْكٌ على وَجْهِ الأرض، ويدل لهذا المعنى قوله بعده -يليه-: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ لأن الدين لا يكون كله لله إلا إذا لم يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ شِرْكٌ، فعندئذٍ يكون الدين كله لله. ويؤيد هذا المعنى وهذا التفسير الذي دلت عليه القرينة القرآنية قوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا منعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَاّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (^٢) هذا هو الأظهر. وجاء في صحيح البخاري في تفسير هذه الآية عن عبد الله بن عمر (﵄) ما يدل على أن المراد بالفتنة: فتنة الرجل عن دينه، كالمستضعف الذي إذا آمن حَبَسُوه وأوثقوه، أو قتلوه حتى يترك
_________________
(١) انظر ابن جرير (١٣/ ٥٣٨).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٧ ]
دينه (^١)، يعني: قاتلوهم حتى ينتشر الإسلام، وتنكسر شوكة الكفر، بحيث لا يقدرون على رد إنسان عن دينه، ولا قتل إنسان ولا ضربه ولا إيثاقه بسبب الإسلام؛ لأنهم كانوا في أول الإسلام يفتنون الضعفاء عن دينهم، فكان أمية بن خلف -قبحه الله- يعذب بلالًا فيُضْجعه في نهار الصيف في رمضاء مكة، فيضع الحجارة على صدره ويعذبه ليكفر بمحمد ﷺ، وهو يقول: أحد أحد.
وكذلك أوذوا كثيرًا، فقُتل في ذلك أبو عمار بن ياسر وأمه، وأما هو فلما أرادوا أن يفعلوا به ذلك وخاف القتل قال كل ما يريدون منه، فَسَبَّ رسولَ الله ﷺ، وسيأتي -إن شاء الله- إيضاح قصته في الآية النازلة به في سورة النحل في قوله: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ الآية [النحل: الآية ١٠٦]. وهذا معنى قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: الآية ٣٩] والقول الأول يدخل فيه هذا؛ لأنه إذا انتفى الشرك لا يكون هناك كافر يَفْتِنُ المسْلِمِينَ عَنْ دينهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ عن كُفْرِهِم وأسْلَمُوا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو بصير بعملهم يجازيهم عليه، ﴿وَإِن تَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: الآية ٤٠] أعرضوا ولم يرجعوا عن كفرهم ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم عليهم، لا يحزنكم توليهم وإعراضهم وإصرارهم على الكفر، فالله مولاكم ناصركم
_________________
(١) البخاري في التفسير، باب: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، حديث رقم: (٤٦٥٠) (٨/ ٣٠٩)، وانظر الحديث بعده رقم: (٤٦٥١).
[ ٥ / ٨ ]
عليهم، و(المولى) وزنه في الميزان الصرفي (مَفْعَل) من الولاية، والمولى في لغة العرب (^١): هو كُلّ مَنْ يَنْعَقِدُ بينك وبينه سبب يجعلك تُوَاليه ويُوَالِيكَ؛ ولذا كثر إطلاق الموْلَى على ابن العم؛ لأن عصبية العُمُومة تجعله ينتصر لك وتنتصر له. وقد أطلق الموالي على العصبة في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: الآية ٣٣] العصبة الوارثون. ومنه قول الفضل بن العباس من ذرية أبي لهب (^٢):
مَهْلًا بني عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالينا لَا تُظْهِرُوا لَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَا
ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد (^٣):
وأَعْلمُ عِلْمًا لَيْسَ بالظنِّ أَنَّهُ إِذَا ذَلَّ مَوْلَى المَرءِ فَهْوَ ذَلِيلُ
ولكون المولى في لغة العرب يطلق على كل مَنْ بَيْنَكَ وبينه سبب موالاة يُوَالِيكَ بِهَا وتوالِيهِ بها، وكثرت معانيه فأُطلق على بني العم، وعلى العصبة، وعلى المعتَقِين، والمُعْتِقِين بالفتح والكسر، وعلى الناصر، وعلى الصاحب. لأن كلًاّ ينعقد بينك وبينه سبب، فلما انعقد بين الكفار وبين النار سبب تجعلهم يدخلونها، ويخلدون فيها، وهي تؤذيهم بِحَرِّهَا قال تعالى: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الحديد: الآية ١٥] فجعل النار مولاهم لانعقاد السبب بَيْنَهُمْ وبينها بكفرهم،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) البيت في الكامل للمبرد (٣/ ١٤١٠)، القرطبي (١١/ ٧٨)، الدر المصون (٧/ ٥٦٧). وقائله هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، من شعراء بني أمية. وصدر الشطر الثاني: «لا تنبشوا بيننا».
(٣) مضى عند تفسير الآية (١١٦) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٩ ]
وكونها دار الله التي يُعذب بها أعداءه، فهذا معنى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٠] وهذه ولاية نصر.
وقد أُطلقت الولاية في القرآن بالنسبة إلى الله (جل وعلا) إطلاقين: أطلق المولى بمعنى الولاية الخاصة، وهي: النصر والتمكين والتوفيق، كقوله هنا: ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: الآية ٤] وهذا كثير في القرآن؛ ولذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد: الآية ١١] أي: لا مولى لهم ولاية نصر وتمكين. وأطلق المولى صادقًا بالكفار؛ لأنها ولاية خلق وقدرة وربوبية وملك، وهو في قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ﴾ [الأنعام: الآية ٦٢] وهي في الكفار؛ لأنه مولى الكفار ولاية ملك وتصرّف ونفوذ وقدرة، ومولى المؤمنين ولاية نصر وتمكين وثواب. فهذا معنى قوله: ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾.
﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (نعم) فعل جامد لإنشاء [المدح] (^١). والتحقيق أنه فعل ماض جامد (^٢)؛ لأن تاء التأنيث تدخل عليه:
نِعْمتْ جَزَاءُ المتقين الجنَّهْ دارُ الأمَانِي والمُنَى والمنّهْ (^٣)
خلافًا لمن زعم أن (نِعْم) اسم. قالوا: لأن أعرابيًّا قيل له: ولدت امرأتك بنتًا. فقال: ما هي بنعم الولد (^٤)، فأدخل عليها حرف
_________________
(١) في الأصل: «الذم». وهو سبق لسان.
(٢) انظر: شرح شذور الذهب ص٢١، ضياء السالك (١/ ٤٠)، (٣/ ٩١).
(٣) البيت في شرح شذور الذهب ص٢١.
(٤) انظر: ضياء السالك (١/ ص ٤٠)، (٣/ ٩١).
[ ٥ / ١٠ ]
الجر الذي هو الباء، ودخول حرف الجر من علامات الاسم. والمحققون من علماء العربية: أن (نِعْم وبئس) فعلان ماضيان جامدان لإنشاء [المدح أو] (^١) الذم. قالوا: وقول الأعرابي: ما هي بِنِعْم الولد. وقول الآخر: نِعْمَ السَّير على بِئس العَير (^٢) محكي قول محذوف، أي: ما هي بولد مقول في جنسه نِعْمَ الولد.
وقوله: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (المولى) فسرناه الآن، و(النصير): (فَعِيلٌ) بمعنى (فَاعِل)، بمعنى الناصر، وأصل النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم، وتخليصه بالإعانة من الظلم، فإنه (جل وعلا)، كأنه في هذه الآية بيَّن الثناء على نفسه، الثناء الكامل الذي يستحقه في ولايته لأوليائه، ونصره لهم.
قال بعض العلماء: بين (المولى) و(النصير) عموم وخصوص من وجه، يجتمع (المولى) و(النصير) في بني عمك وعصبتك إذا كانت لهم قدرة على نصرك، وإعانتك على عدوك، فإذا جاء دونك بنو عمك وعصبتك ومنعوك من أعدائك، اجتمع فيهم أن كل واحد منهم مولى، وأنه نصير، وينفرد (المولى) عن (النصير) في قرابتك وعصبتك إذا كانوا ضعفاء، لا يقدرون على نصرتك، فالواحد منهم مولى وليس بنصير؛ إذ لا طاقة له على النصر، وينفرد (النصير) عن (المولى) بالأجنبي الذي ليس بينك وبينه سبب ولاية إذا نصرك وأعانك ومنعك من عدوك، فهو نصير وليس بمولى. وهذا واضح.
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
_________________
(١) بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
(٢) المصدر السابق.
[ ٥ / ١١ ]
وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: الآيتان ٤١، ٤٢].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: الآية ٤١].
(واعلموا) معناه: تيقنوا؛ لأن العلم إذا أُطلق في القرآن معناه اليقين في جميع القرآن، وقد جاء في حرف في سورة الممتحنة إطلاق العلم مرادًا به الظن الغالب، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: الآية ١٠] ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: الآية ١٠] أي غلب على ظنكم، ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين، ولا يكاد العلم في غير هذا الموضع يُطلق في القرآن إلا مرادًا به اليقين الجازم، الذي لا يخالجه ظن ولا وَهْمٌ ولا شك.
﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ (ما) موصولة، و(أن) مصدرية، أن الذي غنمتم من شيء، وصيغ الموصول قد تقرر في علم الأصول أنها من صيغ العموم (^١)؛ لأن الموصول يعم كل ما تشمله صلته،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣١) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٢ ]
و﴿مِّن شَيْءٍ﴾ بيان للموصول، من شيء كائنًا ما كان، إلا ما سنذكره مما أخرجه دليل مُخصِّص.
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قراءة جماهير القراء، منهم السبعة: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وفي بعض الروايات الضعيفة عن بعض السبعة: ﴿فإن لله خمسه﴾ وقد رواه الجعفي عن أبي عمرو (^١)، أما الرواية التي عليها جمهور القراء، وهي رواية السبعة الصحيحة عنهم: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وهنا محذوف دل عليه المقام: فحقه أن لله خمسه، أو: فواجب حتم أن لله خمسه. والخُمس معروف، ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهذه الآية الكريمة من سورة الأنفال قد تضمنت أحكامًا كثيرة من أحكام الجهاد، ومن أحكام الغنائم (^٢)، وقد يحتاج لها المسلمون؛ لأنا نرجو الله (جل وعلا) أن يرفع علم الجهاد، ويقوي كلمة لا إله إلا الله، وأن تخفق رايات المسلمين في أقطار الدنيا، فيحتاجون إلى تعلم ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أحكام الجهاد، ولما كان القرآن العظيم هو مصدر جميع العلوم؛ لأنه الكتاب الذي حوى جميع العلوم، وكانت أصول جميع الأشياء كلها فيه، أردنا هنا أن نبين جُملًا من الأحكام التي أشارت إليها هذه الآية الكريمة، ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ معناه: الذي غنمتم، وهي الغنائم التي يحُوزها المسلمون من أموال الكفار إذا انتصروا عليهم فقهروهم، وأموال الكفار على قسمين (^٣):
قسم: ينتزعه المسلمون منهم بالقوة والغلبة.
_________________
(١) انظر: البحر (٤/ ٤٩٩).
(٢) انظر: هذه التفاصيل في الأضواء (٢/ ٣٥١).
(٣) السابق (٢/ ٣٥٢).
[ ٥ / ١٣ ]
وقسم: يصل إلى المسلمين من غير انتزاع بالقوة من أهله الكفار.
والاصطلاح المشهور عند الفقهاء أن بينهما فرقًا، أن الغنيمة هي ما ينتزعه المسلمون بالقوة من الكفار، أما ما ييسرُهُ الله للمسلمين بلا قتال فهو المُسَمَّى بـ (الفيء) وحكمهما مختلف على التحقيق الذي عليه جماهير العلماء ودل عليه القرآن؛ لأن الفيء هو المال الذي ينالُهُ المسلمون من الكفرة من غير أن ينتزعوه بالقوة، ولا أن يوجِفوا عليه بخيل ولا ركاب، كأموال بني النضير، فإنهم نَزَلُوا على حُكْمِ النبي ﷺ، ومَكَّنَهُ اللهُ مِنْ أموالهم مِنْ غَيْرِ أن تُنْتَزَعَ منهم بالقوة، وقد سَمَحَ لهم النبيّ ﷺ أن يَحْمِلُوا على الإبل ما قدروا أن يحملوه، واستثنى السلاح كما ستأتي تفاصيله في سورة الحشر؛ لأنها كلها نزلت في قصة بني النضير، هذا هو الفيء، وهو المذكور في سورة الحشر، وقد نص الله في سورة الحشر على أن مَصَارِفَهُ هِيَ مَصَارِف خُمس الغَنِيمَة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وقال هناك: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ فبيّن بقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: الآية ٦] الفرق بين الفيء والغنيمة؛ لأنه مال لم تنتزعوه بالقوة والسلاح من أهله، ولم تسرعوا في انتزاعه على الخيل والركاب التي هي الإبل، ثم قال مبينًا مصارفه وأنها هي مصارف الخُمس: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: الآية ٧] مثل ما ذكر هنا في مصارف الخُمس سواء بسواء، وشذّ بعض العلماء فقال: إن الفيء والغنيمة سواء.
وهذا القول
[ ٥ / ١٤ ]
مشهور عن قتادة وطائفة من العلماء، وهو قول وإن كانت تساعده اللغة فالشَّرع والحقيقة الشرعية لا تساعده؛ لأن العَرَبَ تطلِقُ في لُغَتِهَا الفيء على جميع ما يُغنم، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التَّغْلِبي أخي كليب (^١):
فَلَا وَأَبِي جليلَةَ مَا أَفَأْنَا مِنَ النعم المؤَبَّلِ مِنْ بَعِيرِ
وَلَكِنَّا نَهَكْنَا الْقَوْمَ ضَرْبًا عَلَى الأَثْبَاجِ مِنْهُمْ وَالنّحُورِ
يعني: لم نشتغل بالغنائم، وإنما اشتغلنا بقتل الرجال.
وربما أُطلق الفيء في القرآن مرادًا به كل غنيمة، كقول قتادة، وذلك في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٠] لأن المسبيات حكمها في هذا سواء، سواء كانت فيئًا أو غنيمة، إلا أن الاصطلاح المعروف هو التَّفْرِقَة بين ما أوجف عَلَيْهِ بالخَيْلِ والرِّكَابِ، وبَيْنَ مَا أُخِذَ عَفْوًا من غير انتزاع بالقوة، كما قال هنا: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ فبيّن أنهم غَنِمُوهُ وانْتَزَعُوهُ مِنْهُمْ قَهْرًا، وقال في الآخر الذي هو الفيء: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: الآية ٦] فكيف تستحقونه ولم تنتزعوه بالقوة، ولم تُوجِفُوا عليه بالخيل ولا الإبل؟!
والإيجاف: الإسراع كما هو معروف.
_________________
(١) البيتان من قصيدة يرثي فيها أخاه كليبًا، ونص البيتين كما في ديوانه ص٤١، وفي «شعراء النصرانية قبل الإسلام» ص١٧٠ هكذا: فَلَا وَأَبِي أُمَيْمَةَ مَا أبُوها مِنَ النعم المؤَثَّلِ والجَزُورِ وَلَكِنَّا طَعَنَّا الْقَوْمَ طَعْنًا عَلَى الأَثْبَاجِ مِنْهُمْ وَالنُّحُورِ والبيتان ذكرهما الشيخ (﵀) في الأضواء (٢/ ٣٥٣) كما هنا.
[ ٥ / ١٥ ]
وهذه الآيَةُ الكَرِيمَةُ دَلَّت على أن أربعة أخماس الغنيمة [أنه] (^١) للمجاهدين الغانمين الذين غنموها؛ لأن قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ الآية، يدل على أن المعنى: وأما الأخْمَاس الأربعة فَهِيَ لِلْغَانِمِينَ المجاهدين، ويدل على ذلك إِسْنَادُهُ غَنِيمَتَه إليهم في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ وهذا هو التحقيق وعليه جماهير العلماء أن أربع أخماس الغنيمة للمسلمين المجاهدين الذين غنموها، تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ بالسَّوَاءِ، وأن خمُس الغنيمة هو يُصرف في هذه المصارف المذكورة وسَنُوَضِّحُها -إن شاء الله- واحدًا واحدًا. هذا هو المذهب الحق وعليه جماهير العلماء، وخالف في هذا قوم من العلماء -منهم طائفة من علماء المالكية وغيرهم (^٢) - قالوا: إن الغَنَائِمَ كلها والفيء شيء واحد، وأن التصرف فيه كله لرسول الله ﷺ يعطي الغانمين ما شاء ويمنعهم ما شاء. وهذا القول وإن قال به جماعة من المالكية وغيرهم من العلماء فهو خلاف التحقيق.
والذين قالوا هذا القول استدلوا بأدلة كلها مردودة مجاب عنها، قالوا: مِنْ أَدِلَّتِهِ أن الغَنَائِمَ هِيَ الأَنْفَالُ، وقد تَقَدَّمَ في أول السورة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: الآية ١] فَصَرَّحَ بِأَنَّهَا لله وللرسول ﷺ ولم يجعل للغانمين فيها حقًّا مستقلًاّ إذا لَمْ يَشَأ الرَّسول ﷺ أن يعطيهم. قالوا: ويَتَأَيَّدُ هَذَا بأمور، منها: أن النبي ﷺ لم يقسم مكة حين افْتَتَحَها عنوة، وأنه (صلوات الله وسلامه عليه) في غزوة حنين لما أخذ غنائم هوازن أعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من
_________________
(١) في الأصل: «أنهم».
(٢) انظر: المغني (٩/ ٣٠٤) القرطبي (٨/ ٢)، الأضواء (٢/ ٣٥٤).
[ ٥ / ١٦ ]
الإبل، والأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عطايا كثيرة، ولم يعط الأنصار منها شيئًا، حتى غضب الأنصار وقالوا: يعطي الغنائم عنا لقريش وسيوفنا تقطر من دمائهم!! فعلم النبي ﷺ بما قالوا فَأَرْسَلَ مَنْ جَمَعَهُمْ وقال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَعَادِينَ فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي؟!» قالوا: بلى. قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ اللهُ مِنْهَا بِي؟» قالوا: بلى يا رَسُول الله -ﷺ-. فلما عدَّد عليهم بعض النِّعَمِ التي أنْعَمَ الله عليهم بسبب رَسُول ﷺ اعْتَرَفُوا بذلك كله وسكتوا، قال لهم: «أَلَا تُجِيبونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟!» قالوا: وكيف نجيب رَسُول الله ﷺ؟! قال: «قُولُوا: ألمْ يُكَذِّبْكَ النَّاسُ فَصَدَّقْنَاكَ؟ أَلمْ يُعادِكَ الناسُ فآوَيْنَاكَ ونَصَرْنَاك؟!» ثم قال: «يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَلَا تَرْضَوْنَ بأَنْ يَرْجِعَ النّاسُ إِلَى بُيُوتِهِمْ بِالشَّاةِ والبَعِيرِ، وتَرْجِعُونَ إِلَى بُيُوتِكُمْ بِرَسُولِ ﷺ؟» قالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمة.
وطابت نفُوسهم (^١). قال قائل هذا القول من المالكية وغيرهم من العلماء كقتادة: لو كانت الغنيمة مُسْتَحَقَّة لِلْغَانِمين ولم يكن للإمام أن يفعل فيها كيف يشاء، كيف يُفَضِّل النبي ﷺ المؤلَّفَةِ قلوبهم كالأَقْرَعِ بن حابس، وعُيَيْنَةَ بن حِصْن، وصَفْوان بن أمية ويمنع الأنصار، والأنصار أحَقّ؟! وكيف يفضل الأقرع بن حابس التميمي،
_________________
(١) أصل هذا الخبر في البخاري (من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁) كتاب المغازي، باب: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، حديث رقم: (٤٣٣٠) (٨/ ٤٧)، وأخْرَجَ بَعْضَهُ بِرَقَم (٧٢٤٥). ومُسْلِم في الزَّكَاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ، حديث رقم: (١٠٦١) (٢/ ٧٣٨)، ومِنْ حديث أنَس عند مسلم في نفس الكتاب والباب، حديث رقم: (١٠٥٩) (٢/ ٧٣٣ - ٧٣٧). وأخرجه أحمد (٣/ ٧٦) من حديث أبي سعيد ﵁.
[ ٥ / ١٧ ]
وعيينة بن حصن الفزارِي على العباس بن مرداس السلمي وهو حسن الإسلام جدًّا؟! وقد غار منهم العباس بن مرْدَاس حتى قال شِعْرَهُ المشهور، قاله أمام النبي ﷺ لما أعطى عُيينة مئة، والأقرع مئة، وأعطى العباس بن مرداس قليلًا، قال مخاطبًا لرسول الله ﷺ (^١):
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْـ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الحَرْبِ ذَا تُدْرأ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
وَإِلَاّ أَبَاعِيرَ أُعْطِيتُهَا عَدِيدَ قَوَائِمِهِ الأَرْبَعِ
وَكَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا بِكَرِّي عَلَى المُهْرِ في الأَجْرَعِ
وَإِيقَاظِيَ القَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
إلى آخر شعره. قالوا: لو كانت الغنيمة للغانمين لما فضل الأقرع وعيينة على العباس بن مرداس وهو أحسن منهما إسلامًا، ولما
_________________
(١) جاءت هذه الأبيات في روايات متعددة على تفاوت بينها في بعض الألفاظ مع زيادة في بعض الأبيات، ففي صحيح مسلم (١٠٦٠) وغيره الاقتصار على الأبيات الثلاثة الأولى، وبعضهم يزيد رابعًا، وأكثر ما وقفت عليه سبعة أبيات وهي عند ابن هشام في السيرة، وفي سُبل الهدى والرشاد (٥/ ٣٩٩) هكذا: كانَتْ نِهابًا تلَافَيْتُهَا بِكَرِّي عَلى المُهْرِ في الأَجْرَعِ وَإيْقَاظِيَ الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا إِذا أهجَعَ النّاسُ لَم أَهجَعِ فَأصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ العُبَيْـ دِ بيْنَ عُيَيْنَة وَالأَقْرَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الحَرْبِ ذَا تُدْرَأ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ وإلَاّ أَفَائِلَ أعْطيتهَا عَدِيدَ قَوَائِمها الأَرْبَعِ وَما كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْداسَ فِي المَجْمَعِ وَمَا كنْتُ دونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعِ اليوْمَ لَا يُرْفَعِ
[ ٥ / ١٨ ]
فضل المؤلفة قلوبهم على الأنصار وهم أحسن منهم إسلامًا. قالوا: فعطايا النبي هذه -ﷺ- كما أعطى من مئات الإبل، وأعطى من الورق والرقيق، وأعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، قالوا: هذا يدل على أن الغنيمة ليست استحقاقًا محضًا للغانمين، وإنما يفعل الإمام فيها ما يشاء، قالوا: وكذلك لما فتح مكة لم يغنم أموال أهل مكة، ولم يقسم دورها ولا أرضها [فلو كان قَسْمُ الأخماس الأربعة على الجيش واجبًا لفعله ﷺ لما فتح مكة. قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدًّا للمؤلفة قلوبهم. وأجاب
[٤/ب] الجمهور عن كونه ﷺ] (^١) / أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى عيينة مئة، والأقرع مئة، وصفوان ما ملأ بين جبلين غنمًا ونحو ذلك من العطايا، أنه فعل ذلك بعدما استطاب نفوس الغانمين عنه، وأن الغانمين طابت له نفوسهم بذلك للمصلحة العامة، وهي تأليف قلوب الرجال الذين لهم شوكة عظيمة وأتباع كثيرون ليقوى بهم الإسلام، وقد فعل ذلك برضا الغانمين وطيب أنفسهم عن ذلك له ﷺ، أما عدا كونه لم يقسم دور مكة ورباعها فقد أجاب عنه الشافعي (﵀) جوابًا لكنه غير ناهض بالحقيقة والإنصاف (^٢)؛ لأن الشافعي (﵀) مع جلالته وعلمه يرى أن مكة المكرمة -حرسها الله- أنها فتحت صلحًا لا عنوة، ويظن أن قوله ﷺ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وتم استيفاء النقص من كلام الشيخ (﵀) في الأضواء (٢/ ٣٥٥) وجعلت ذلك بين معقوفين.
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٥٦).
[ ٥ / ١٩ ]
آمِنٌ» (^١). يظن أنها نوع صلح أو شبه صلح، والتحقيق الذي لا شك فيه: أن مكة -حرسها الله- إنما فُتِحَتْ عنوة وقهرًا بالسيف لا صلحًا، وتأمين النبي ﷺ لبعض الناس لا يقتضي الصلح؛ لأن الصلح أمر عام. والدليل على أنها فتحت عنوة أمور كثيرة وأدِلَّة واضحة لا لبس فيها (^٢)،
منها: ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من وقوع القتال فيها يوم فتح مكة؛ لأن النبي ﷺ جعل خالد بن الوليد يوم فتح مكة على المُجَنِّبَة اليمنى، وجعل الزُّبَيْر بن العوام على المُجَنِّبَة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحُسَّر (^٣) وأخذوا بطن الوادي، ولم يتلقهم أحد إلا أناموه، فقتلوا من قريش قومًا كما هو معروف. وهذا ثابت في الصحيح وغيره، ورجز حماس بن قيس المشهور يدل على ذلك؛ لأن حِمَاس بن قيس هذا رجل حليف لقريش، وكان يقول لزوجته: إنه يجعل لها أزواج رَسُول الله ﷺ خدمًا، وكان يقول لها: إذا جئتك فارًّا فأغلقي الباب دوني، وكان يرتجز ويقول (^٤):
إنْ يُقْبِلُوا اليَومَ فما لي عِلّهْ هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وأَلَّهْ
وذُو غِرارَينِ سريعُ السَّلَّهْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب فتح مكة، حديث رقم: (١٧٨٠) (٣/ ١٤٠٥) من حديث أبي هريرة (﵁). وأخرجه أبو داود في الخراج والإمارة، باب ما جاء في خبر مكة، حديث رقم: (٣٠٠٥، ٣٠٠٦) (٨/ ٢٥٦، ٢٥٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) انظر: صحيح مسلم (٣/ ١٤٠٥)، زاد المعاد (٣/ ٤٢٩)، الأضواء (٢/ ٣٥٦، ٣٧٣) ..
(٣) وهم الذين لا دروع لهم.
(٤) الأبيات في ابن هشام ص١٢٤٩، الأضواء (٢/ ٣٧٥).
[ ٥ / ٢٠ ]
وكان يوم فتح مكة اجتمع مع الجماعة الذين جاءهم خالد بن الوليد، فرأى القتل وجاءها منهزمًا، فقالت له: أين الذي كنت تقوله أنك تُخدمني نساءهم، وأني أغلق الباب دونك؟! فقال لها رجزه المشهور، وهو معروف عند علماء التاريخ وأصحاب المغازي (^١):
إنَّكِ لو شَهِدتِ يومَ الخَنْدَمَهْ إذ فرَّ صفوانُ وفرَّ عِكْرِمَهْ
واسْتَقبَلَتْنَا بالسّيوفِ المُسْلِمَهْ لهم نَهِيتٌ خَلفنَا وهَمْهَمَهْ
يَقْطَعْنَ كلَّ سَاعِدٍ وجُمجُمَهْ ضربًا فلا تَسْمَعُ إلا غَمْغَمَهْ
لَمْ تَنْطِقِي بِاللَّومِ أَدْنَى كَلِمَهْ
وهذه الأدلة وغيرها تدل على أن مَكَّةَ فُتِحَتْ عنوة لا صُلْحًا. ومن الأدلة على ذلك: ما ثبت في الصحيح أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خَطَل، وجاريتين معهما، ولو وُجدوا متعلقين بأستار الكعبة. ولو كانت مكة صلحًا لما أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خَطَل، والجاريتين المذكورتين معهما (^٢)، كما هو ثابت معروف، ومما يدل على أنها فتحت عنوة ما
_________________
(١) تقدمت هذه الأبيات، ونصها في ابن هشام (ص١٢٥٠): إِنَّكَ لو شَهِدت يوم الخَندمه إذ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كالمُؤْتَمَهْ واسْتَقْبَلَتْهُمْ بالسّيوفِ المُسْلِمَهْ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وجُمْجُمَهْ ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلا غَمْغَمَهْ لهم نَهِيتٌ خلفنا وهَمْهَمَهْ لم تنطقي في اللوم أدْنَى كَلِمَهْ
(٢) البيهقي في الدلائل (٥/ ٥٩)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١/٩٨). وذكره ابن هشام في السيرة ص١٢٥١، وابن القيم في بالزاد (٣/ ٤١١)، وابن كثير في تاريخه (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٩) وأخرج الشيخان من حديث أنس (﵁): «أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة. فقال: «اقتلوه». البخاري في جزاء الصيد، باب دخول مكة بغير إحرام. حديث رقم: (١٨٤٦)، (٤/ ٥٩) وأطرافه: (٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨). ومسلم في الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام. حديث رقم: (١٣٥٧) (٢/ ٩٨٩).
[ ٥ / ٢١ ]
ثبت في الصحيح عن أم هانئ أنها أجارت رجلًا من أحمائها بني مخزوم؛ لأن زوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي أجارته، وجعلت له الأمان، فجاءه عليّ بن أبي طالب (﵁) ليقتله، فَشَكَتْهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فقال ﷺ: «أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (^١) فلو كانت مكة مفتوحة صلحًا لما أخذ عليٌّ السَّيْفَ ليقتل المخزوميين اللَّذَيْنِ أجَارَتْهُمَا أختُهُ أمّ هَانِئ (﵂)، إلى غير ذلك من الأدلة.
ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الأَرْضَ المغْنُومَةَ لَهَا حُكْمٌ خاص سَنُبَيِّنُهُ الآنَ؛ لأن الغنيمة أقسام (^٢)، منها: ما هو كالذَّهَبِ والفِضَّة والحيوان، وهذا لا خلاف عند من يُعْتَدُّ به من العلماء أنه يُقسم ويُخمَّس، أما أرْض العَدُو التي فَتَحَها المسلمون فَلِلْعُلَمَاءِ فيها أقوال (^٣): فبعض العلماء يقول: عندما يستولي عليها المؤمنون تصير وقفًا عامًّا للمُسْلِمِينَ. وهذا مذهب مالك (﵀) وجماعة من العلماء.
_________________
(١) البخاري في الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به، حديث رقم: (٣٥٧) (١/ ٤٦٩)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى حديث رقم: (٣٣٦) (١/ ٤٩٨).
(٢) انظر: القرطبي (٨/ ٤)، الأضواء (٢/ ٣٦٧).
(٣) القرطبي (١٨/ ٢٢ - ٢٣)، الأضواء (٢/ ٣٦٧).
[ ٥ / ٢٢ ]
وبعض العلماء يقول: يجب قسم الأرض المغنومة كما قسم النبي ﷺ أرْضَ خَيْبَرَ وأرض بني قريظة.
وجماعة من العلماء قالوا: الإمام مُخَيَّرٌ في ذلك، إنْ رَأَى المصلحة في قَسْمِها قَسَمَها، وإن رأى المصلحة في إِبْقَائِهَا وَقْفًا للمسلمين تَرَكَهَا وَقْفًا للمسلمين، فإذا اقْتَضَى نَظَر الإمام أن يقسمها قَسَمَهَا وكانت مملوكة لِلْغَانِمِينَ، وكانت أرض عشورٍ لا أرض خراج، وإن رأى الإمام أن يتركها لِعَامَّةِ المسْلِمين خزانة لهم -كما هو رَأْيُ عُمَرَ بن الخطاب (﵁) - تركها وقفًا للمسلمين، وكانت أرض خراج لا أرْضَ عُشُورٍ، يؤخذ الخراج ممن هو يستغلها ويكون لِعُمُومِ المسلمين. وهذا المذهب بالتخيير هو الحق -إن شاء الله- والنبي ﷺ اخْتَارَ أنْ يقسم أرض قريظة وأرض خيبر، واختار أن يترك قسمة دور مكة. وقد فهم عمر بن الخطاب (﵁) من فعل النبي ﷺ أن الأرض التي غَنَمَهَا المسْلِمُونَ واحتلوا بلادها بالقوة أن الإمام مُخَيَّر فيها، فَهِمَ ذلك من فعل النبي ﷺ؛ ولِذَا ثَبَتَ عنه في الصحيح أنه قال: «لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ» (^١). وعمر لم يفعل هذا الصنيع متهجِّمًا على كتاب الله في قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٤١].
وإنما فهم من فعل رَسُول الله ﷺ التخيير في ذلك، وكلامه صريح في أنه يعتقد أنّهُ مخَيَّرٌ؛ لأنه قال: «لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ» وهذا فيه مصلحة عظمى؛
_________________
(١) البخاري في فرض الخمس، باب الغنيمة لمن شهد الوقعة، حديث رقم: (٣١٢٥) (٦/ ٢٢٤).
[ ٥ / ٢٣ ]
لأن الغانمين لو قسموا الأرض عندما غنموها فإن آخر المسلمين يكونون لا غلة لهم، ويكون الإسلام وجيوش الإسلام والأموال التي يحتاج إليها لحماية بيضة الإسلام وقمع الكفار وإقامة الجهاد يكون ذلك لا يوجد له شيء، فوجود تلك الأرضين الكثيرة لها خراج كثير عظيم يستعين به المسلمون على شراء السلاح، وتهيئة الجيوش، وتعبئة الرجال للقتال في سبيل الله (جل وعلا)، أن هذا هو المصلحة؛ ولأجل تخيير الإمام لم يقسم النبي ﷺ مكة، وقد ثبت أن النبي ﷺ قسم بعض خيبر ولم يقسم بعضها، قال بعض العلماء: البعض من خيبر الذي لم يقسمه رَسُول الله ﷺ إنما ترك قسمه لهذا الاختيار؛ لأنه مخير في القسم والإبقاء. والصحيح أن الذي لم يقسمه من أرض خيبر كان فيئًا؛ لأن بعض البساتين وبعض الأطراف من خيبر كانوا لم يُفتحوا ولم يؤخذوا عنوة ولم يُوجف عليهم بالخيل والركاب، فلما أُخذت قريظة نزلوا على حكم النبي ﷺ من غير أن يُؤخذوا بالقهر فكان فيئًا، وسمع بهم أهل فدك ففعلوا كذلك، فكانت فدك فيئًا للنبي ﷺ، هي وذلك البعض من قريظة. ومعلوم أن فدك وبعض قريظة كانا من الفيء الخالص لرسول الله ﷺ، وقد طلبته فاطمة (﵂) أن يقطعها فدك فأبى، وأقطعها أمير المؤمنين عثمان بن عفان (﵁) لمروان بن الحكم ظنًّا منه (﵁ وأرضاه) أن مَا كَانَ للنَّبِيِّ ﷺ ينتقل الحق فيه لولي أمر المسلمين بعده، وأن ذلك انتقل إليه، وأنه غَنِيٌّ عَنْهُ بأمْوَالِهِ فَوصل به بعض قُرَبَائه، وهو ابن عمه مروان بن الحكم رضي الله عن عثمان وأرضاه وعن جميع أصحاب النبي ﷺ (^١).
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٤١٢).
[ ٥ / ٢٤ ]
وحاصل هذا أن التحقيق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- أن الأموال المغنومة التي انْتَزَعَها المسلمون من الكُفَّارِ أنّهَا نوعان: الأرض، وغير الأرض. أما الأرض فلا يَتَعَيَّنُ قَسْمها بينهم، والإمام مُخَيَّرٌ فيها، فإن رأى مَصْلَحَة المسلمين في قَسْمِها قَسَمَها، وإن رأى مصلحة المسلمين في إبقائها وقْفًا علَيْهِمْ أبْقَاهَا وَقْفًا ينتفع بها آخر المسلمين. قال بعض العلماء: والقرآن يشير لهذا؛ لأنه لو لم يكن يقول يبقى لآخر المسلمين شيئًا لما قال الله في المستحقين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: الآية ١٠] لأنه قال أولًا: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: الآيات ٨ - ١٠] وقال بعض العلماء: لا دَلِيلَ لِلْغَنِيمَةِ فِي آية الحشر هذه؛ لأنها في الفَيْء، قد أفتى مالك بن أنس (﵀) أن الذين يسبون أصحاب رَسُول الله ﷺ أنهم لا حق لهم في فَيْءِ المسلمين، ولما نُوقِشَ في ذلك قال: هؤلاء الذين سَبُّوا أصحاب رَسُول الله ﷺ لا حَقَّ لهُمْ فِي فَيْءِ المسلمين؛ لأن الله لما ذكر الذين يُعْطَوْن فيء المسلمين من الأصناف قال: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ﴾ أهَؤُلَاءِ من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم؟ قالوا: لا. قال: أهم من الذين قيل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ قالوا: لا.
قال: وأنا أشهد أنهم ليسوا من الصنف الثالث الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بل هؤلاء جاءوا يسبونهم ويعيبونهم فليسوا منهم قطعًا فتبين
[ ٥ / ٢٥ ]
أنهم لا حق لهم (^١).
وعلى كل حال فجميع المال المغنوم يقسم بين الغانمين، والأرض فيها للعلماء ثلاثة مذاهب معروفة كل واحد منها لصاحبه عليه أدلة (^٢):
أحدها: أنها تكون غنيمة وتقسم، وهو مذهب الإمام الشافعي، واستدل بعموم قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وكان مالك بن أنس (﵀) يرى أن أرض الكفار عندما يفتتحها المسلمون تصير بمجرد استيلاء المسلمين عليها وقفًا للمسلمين آخرهم يستوون فيها جميعًا لمصلحة الإسلام العامة، وللإعانة على تعبئة الجيوش، والرد عن بيضة الإسلام، والدفاع عن المؤمنين في المستقبل.
وقوم قالوا: يخير الإمام إن رأى قَسْمها مصلحة قَسمها. وهذا مذهب الإمام أحمد، ويُروى عن أبي حنيفة نحوه والله تعالى أعلم. وهذا القول بالتخيير هو أقواها دليلًا؛ لأنه تنتظم به الأقوال، وتجتمع به النصوص، والجمع واجب إذا أَمْكَنَ. أما الأخْمَاسُ الأرْبَعَةُ مِنَ
_________________
(١) استنباط مالك (﵀) ذكره القرطبي في التفسير (١٨/ ٣٢) ونصه: «من كان يُبغض أحدًا من أصحاب محمد ﷺ، أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾». وهو في ابن كثير (٤/ ٣٣٩). أما المحاورة التي أوردها الشيخ (﵀) فقد أوْرَدَ نَحْوَهَا السيوطي في الدر (٦/ ١٩٨) عن ابن عمر (وليس في موضوع الفيء). وأورد القرطبي (١٨/ ٣٢) نحوها عن عَلِيّ بن الحسين كذلك (وليس في موضوع الفيء).
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٦٧).
[ ٥ / ٢٦ ]
الأرْضِ المقْسُومَةِ إذا اقتضى نظر الإمام أن يقسمها أو مِنْ غَيْرِ الأرض كالذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ والإِبِل ونحو ذلك، أما هذه الأخماس الأربعة فهي للغانمين تقسم بينهم.
واختلف العلماء: هل يجوز للإمام أن ينفل من هذه الأخماس الأربعة شيئًا؟ (^١) فكان مالك بن أنس ﵀إمام دار الهجرة- يرى أن الإمام لا يجوز له أن يُنَفِّلَ شَيْئًا مِنْ هذه الأخماس الأرْبَعة، وإنما ينفل من الخمس الذي قال الله فيه أنه لله وللرسول ولذي القُرْبَى إلى آخر مصارفه.
وذهبت جماعة من العلماء إلى أن للإمام التَّنْفِيلَ مِنْهُ. وكون الإمام له التنفيل منه هو الحق -إن شاء الله- الذي قامت عليه النصوص التي لا تَكَادُ تُدْفَع.
وتنفيل الإمام من الأخْمَاسِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي للمجاهدين يكون على أنواع، منها: أن ينفل السرايا ويقول للسَّرِيَّةِ: اخْرجي إلى أرْضِ الكُفَّارِ، فَمَا غَنِمْتِ فَقَدْ نَفَّلْتُكِ مِنْهُ كَذا، وقد جاء حديث ثابت عن النبي ﷺ أنه نفل السرايا في البدء الرُّبْع، وفي العودة الثلث. هذا حديث ثابت رواه مكحول (^٢) عن حبيب بن مسلمة (^٣)، وهو صحابي،
_________________
(١) السابق (٢/ ٣٥٧).
(٢) الحديث من رواية مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٩، ١٦٠)، والدارمي (مع شيء من المغايرة في اللفظ والمعنى) (٢/ ١٤٧)، وأبو عبيد في الأموال ص٢٨٩، والحميدي (٢/ ٣٨٤)، وأبو داود في الجهاد، باب فيمن قال: الخمس قبل النفل. حديث رقم (٢٧٣٣) (٢/ ٤٢٤)، وابن ماجه في الجهاد، باب: النفل. حديث رقم (٢٨٥٢) (٢/ ٩٥١)، وابن حبان الإحسان (٧/ ١٦١)، والحاكم (٢/ ١٣٣)، (٣/ ٣٤٧، ٤٣٢)، وابن الجارود (٣/ ٣٣٤). وانظر: صحيح أبي داود (٢/ ٥٢٥)، صحيح ابن ماجه (٢/ ١٣٩).
[ ٥ / ٢٧ ]
لا تابعي صغير (^١)، ورواه بعضهم عن عبادة بن الصامت -﵁ (^٢) - وهو ثابت، ومعنى تنفيل الربع في البدء، وتنفيل الثلث في العودة أن للإمام إذا كان المسلمون متوجهين إلى أرض الكفار أن يقول للسرية: اذهبوا إلى الكفار فما غَنِمْتُمْ مِنْهُمْ فقد نفلتكم ربُعَه. ولا ينفلهم أكثر من الرّبْع، فيكون الربع خالصًا لهم، والباقي هم والمسلمون فيه سواء. وأما تَنْفِيل الثلث في العودة: أن المسلمين إذا رجعوا من أرض الكفار -رجعوا من الغزو إلى بلادهم- فيجوز للإمام أن ينفل بعض السرايا في ذلك الوقت الثلث.
والفرق بين البدء والعودة: أن البدءة الكفار في غفلة، والمسلمون مُتَوَجِّهُون لبلادهم فخبرهم أهون، وأما في الرّجعة فالكفار في حذر ويقظة والمسلمون مُنْصَرِفُونَ عن بلادهم، فقضيتهم أصعب؛ ولذا نفل أكثر في الحالة الصعبة من الحالة التي هي أقل صعوبة (^٣). هذا ثَابِتٌ ولا ينبغي أن يُخْتَلَفَ فِيهِ، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (^٤).
_________________
(١) انظر: الإصابة (١/ ٣٠٩) الأضواء (٢/ ٣٨٥).
(٢) أخرجه الدارمي (٢/ ١٤٧)، وأبو عبيد في الأموال ص٢٩٠، والترمذي في السير، باب ما جاه في النفل. حديث رقم: (١٥٦١) (٤/ ١٣٠). وقال: «وفي الباب عن ابن عباس، وحبيب بن مسلمة، ومعن بن يزيد، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع. وحديث عبادة حديث حسن» اهـ وانظر: ضعيف الترمذي ص١٨٤.
(٣) انظر: الأضواء (٢/ ٣٨٦).
(٤) انظر: الأوسط لابن المنذر (١١/ ١١١)، مسائل ابن هانئ (٢/ ١٠٥)، المغني (١٣/ ٥٣).
[ ٥ / ٢٨ ]
وهذا الذي ذكرنا يدل على أن الجُيُوشَ إذا خرجت للقتال في بلاد الكفر، وذهبت سرية وغنمت شيئًا، أن الجيش كله شركاء لهم في ذلك الذي غَنِمُوهُ، ولا يختص به دونهم، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء؛ لأن العلماء مجْمِعُونَ عَلَى أن جميع الجيش معهم فيما غنموا إلا ما نفلهم الإمام من ربع في البدءة أو ثلث في العودة.
ومن أنواع التَّنْفِيلِ الجَائِزَة للإمام الثابتة عن النبي ﷺ: أن يُرْسِلَ الإمام سرية ثم -مثلًا- يعطيهم أنْصِبَاءهم من الغنيمة وينفلهم ما شاء، فقد ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عن ابن عمر (﵁) أنه أرسله النبي ﷺ مع سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ، فغنموا، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا (^١)، فنفلهم نصف السدس؛ لأن الواحد من الاثْنَيْ عَشَر نصف سدسها. وهذا ثابت عن النبي ﷺ.
ومن أنواع التَّنْفِيل التي تجوز للإمام: أن ينفل بعض الجيش المقاتلين، ويعطيه شيئًا خاصًّا لقوته وشدته على المشركين (^٢)، وقد قدمنا حديث سعد بن أبي وقاص الدال على هذا في أول سورة الأنفال؛ لأن سعد بن أبي وقاص قُتل أخوه عمير بن أبي وقاص يوم بدر، قتله عمرو بن عبد ود العامري، ثم إن سعدًا (﵁)
_________________
(١) البخاري في فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، حديث رقم: (٣١٣٤) (٦/ ٢٣٧)، وأخرجه في موضع آخر برقم: (٤٣٣٨). ومسلم في الجهاد والسير، باب الأنفال، حديث رقم: (١٧٤٩) (٣/ ١٣٦٨).
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٨٦).
[ ٥ / ٢٩ ]
حمل [على] (^١) المشركين، وقتل العاص بن هشام (^٢)، وأخذ سيفه، وكان مِنْ أجْوَدِ السُّيُوفِ، فطلب النبي ﷺ أن ينفله إياه. وفي بعض روايات حديثه الثابتة أنه قال: ربما أعطاه النبي ﷺ لرجل لم يُبل بلائي. والنبي ﷺ منعه أولًا ثم أعطاه إياه آخرًا، وقد ثبت في صحيح مسلم والبخاري أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يأكلون جالسين في بعض مغازيهم، حتى جاءهم أعرابي على بعير، فقيد بعيره وجلس يأكل معهم، ونظر إليهم حتى اطلع على علاتهم وعوراتهم، وهو جاسوس للعدو من المشركين، ثم ذهب يشتد، فجلس على بعيره وأثاره، فسار بعيره سيرًا حثيثًا، فكاد أن يفوت الصحابة، فجرى عليه رجل بناقة فلم تدركه، فجرى عليه سلمة بن الأكوع (﵁) وكان من السابقين على أرجلهم، وقد ضرب له النبي ﷺ سهمين في غزوة (ذي قرد) كما هو معروف، فذهب سلمة يشتد في أثره حتى جاوز الناقة، ثم كان عند ورك البعير، ثم تقدم فأخذ بخطامه وأناخه، واخترط سيفه وضرب الأعرابي على الرأس فقتله، فقال النبي ﷺ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟» قالوا: سلمة بن الأكوع. قال: «لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ» (^٣) فنفله إياه لأنه أدركه وهو في غاية الخفّة والسرعة، أدركه على رجليه فنفله سلبه.
_________________
(١) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
(٢) مضى عند تفسير الآية الأولى من هذه السورة، وراجع التعليق عليه في الحاشية هناك.
(٣) مسلم في الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. حديث رقم: (١٧٥٤) (٣/ ١٣٧٤).
[ ٥ / ٣٠ ]
ومن أنواع التنفيل الجائزة (^١): قول النبي ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (^٢). وهذا قاله النبي ﷺ فثبت عنه في الصحيح يوم حنين. وذكر بعض العلماء أنه قاله يوم بدر أيضًا.
وكان مالك بن أنس (﵀) يقول: ليس للإمام أن يقول هذا إلا بعد أن تنتهي المعركة، أما قبل انتهاء المعركة فلا يجوز للإمام أن يقول هذا؛ لأنه إن قال هذا قبل انتهاء المعركة أفسد نيات المجاهدين؛ لأن المجاهد يكون يقاتل الرجل ليأخذ سلبه فيكون يقاتل للدنيا لا لإعلاء كلمة الله، أما بعد أن تنتهي المعركة ويزول هذا المحذور فلا بأس أن يقول الإمام: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ؛ لأنه في ذلك الوقت لا محذور فيه من إفساد النية (^٣). وجماهير العلماء على أنّه لا مانع من أن يقول ذلك ابتداءً؛ لأن المسلمين وإن كان لهم رغبة في الغنيمة فكل مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَة الله هي العليا فهو في سبيل الله كما قاله ﷺ. وقد قال النبي ﷺ يوم حنين: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (^٤). والذي قتل هذا القتيل يكون له سلبه.
واختلف العلماء: هل يكون له سلبه دون تنفيذ الإمام، أو لا يملك السلب إلا إذا نفذه له الإمام (^٥)؟ قولان معروفان بين
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٨٧).
(٢) البخاري في فرض الخمس، باب «من لم يخمس الأسلاب » حديث رقم: (٣١٤٢) (٦/ ٢٤٧). ومسلم في الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، حديث رقم: (١٧٥١) (٣/ ١٣٧٠).
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٣١)، الكافي لابن عبد البر ص٢١٥.
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
(٥) انظر: القرطبي (٨/ ٥)، المغني (١٣/ ٧٠)، الأضواء (٢/ ٣٩٠).
[ ٥ / ٣١ ]
العلماء، يستدل قائل كل من القولين عليه بأدلة كثيرة، وقد كان أبو قتادة (﵁) يوم حنين رأى رجلًا من المشركين يُرِيدُ أَنْ يقتل رجلًا من المسلمين، فجاءه من خلفه فضربه على حبل عاتقه بالسيف، قال: فرجع إليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّة شممت منها رِيح الموت، ثم أدْرَكَهُ المَوْتُ فأرسلني. ثم لما جلس النبي ﷺ بعد انتهاء المعركة وقال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ». قلت: من يشهد لي -بعد مرات- فقال رجل: صدق يا رَسُول الله سلبه عندي، أرضه منه. وقال له أبو بكر (﵁): لا ها الله لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله ويعطيك سَلَبه. فقال النبي ﷺ: «صَدَقَ، أَعْطِهِ سَلَبَهُ» قال أبو قتادة (﵁): فاشتريت به مخرفًا -يعني حائطًا يُخْرف منه الثمار- وكان أول مال تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَام (^١). هكذا قال أبو قتادة ﵁.
واعلموا أن بعض العلماء قال: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ». هل يملك القاتل سلب القتيل بمجرَّدِ قَتْلِهِ، أو لا بد أن ينفذه له الإمام؟ فقال بعض العلماء: يملكه؛ لأن ذلك هو مقتضى كلامه ﷺ.
وقال بعض العلماء: لا يملكه إلا بتنفيذ الإمام. واستدلوا لهذا بأدلة منها: ما ثبت أن أبا جهل -لعنه الله- يوم بدر ابْتَدَرَهُ مُعَاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء (﵄) فأطارا قدمه بنصف ساقه، ثم جاءا النبي ﷺ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته.
_________________
(١) البخاري في فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب. حديث رقم: (٣١٤٢) (٦/ ٢٤٧)، ومسلم في الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. حديث رقم: (١٧٥١) (٣/ ١٣٧٠).
[ ٥ / ٣٢ ]
فقال: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قالا: لا. فنظر في السيفين وقال: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ» (^١). وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. قالوا: لو لم يتوقف هذا على تَنْفِيذ الإمام لكان معاذ بن عفراء شريكًا لمعاذ بن الجموح؛ لأن النبي ﷺ صرّح بأنهما قتلاه، في أدلة أُخرى غير هذا.
قال علماء الأصول: منشأ هذا الخلاف: خلاف العلماء في قول النبي ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» هل يملكه دون تنفيل الإمام أو لا بد من تنفيل الإمام؟ منشأ الخلاف: هل قوله ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» حكمًا منه، أو فتوى (^٢)؟ فعلى أنه حكم يختص بمن قيل له ولا يعم، وعلى أنه فتوى يعم. وذكروا عن أبي طلحة (﵁) أنه في يوم حنين قتل عشرين رجلًا. وفي بعض الروايات: واحدًا وعشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم كلهم (^٣). وكان يقول في يوم حنين (^٤):
أَنَا أَبُو طَلْحَةَ وَاسْمِي زَيْد وكل يوم في سِلَاحِي صَيْدُ
_________________
(١) البخاري في فرض الخُمس، باب «من لم يخمس الأسلاب ». حديث رقم: (١٣٤١) (٦/ ٢٤٦). وأخرجه في موضعين آخرين، انظر الحديثين (٣٩٨٨،٣٩٦٤). ومسلم في الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. حديث رقم: (١٧٥٢) (٣/ ١٣٧٠ - ١٣٧٢).
(٢) انظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص١١٦ - ١١٩، الأضواء (٢/ ٣٩٣).
(٣) أحمد (٣/ ١١٤، ١٢٣، ١٩٠، ٢٧٩)، الدارمي (٢/ ١٤٧)، أبو داود، كتاب الجهاد، باب في السلب يُعطى القاتل، حديث رقم: (٢٧٠١) (٧/ ٣٨٨).
(٤) البيت في الاستيعاب لابن عبد البر (٤/ ١١٣)، تاريخ دمشق (١٩/ ٣٩٧)، الإصابة (٤/ ١١٣).
[ ٥ / ٣٣ ]
﵁ وأرضاه.
قال بعض العلماء: من قتل قتيلًا له سلبه مطلقًا.
وقال بعضهم: لا يكون له سلبه إلا بتنفيذ الإمام. وتوسط قوم فقالوا مذهبًا ثالثًا، قالوا: إن كان السلب قليلًا استحقه دون تنفيذ الإمام، وإن كان كثيرًا توقف على تنفيذ الإمام، واستدلوا لهذا بما جاء في رواية صحيحة في السنن وغيرها أن مدديًا من حمير كان مع خالد بن الوليد يقاتل يوم مؤتة، وإذا رجل عظيم من الروم يقتل المسلمين، فجلس له المددي الحميري وراء صخرة حتى مضى عليه فعقر به فرسه وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه. وكان سلاحه كله مذهّبًا، وكان ثمينًا جدًّا، فلما جاء خالد بن الوليد (﵁) أرسل إليه وأخذه منه، وسمعها عوف بن مالك (﵁) فقال لخالد: لأعرفنكها عند رَسُول الله ﷺ ثم لما جاء قصّ الخبر على رَسُول الله ﷺ، فقال: «مَا لَكَ لَا تُعْطِيهِ سَلَبَهُ؟ أَعْطِهِ سَلَبَهُ». ثم لما قال ذلك قال له عوف بن مالك: يا خالد، أما قلت لك: إني مُعَرِّفكَها عند رَسُول الله؟ فسمعها ﷺ فأغضبته وقال: «أَلَا تَتْرُكُونَ لِي أَصْحَابِي؟ لا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِد» (^١). قالوا: هذا يدل على أنه إن كان كثيرًا لا يعطي؛ لأنه لما سأل خالدًا قال: «لِمَ لا تعطيه؟» قال: استكثرته يا رَسُول الله؛ لأنه مالٌ كثيرٌ جدًّا؛ لأن سلاح الرجل فيه ذَهَبٌ كَثِيرٌ وسِلَاحُهُ كله مذهّب.
_________________
(١) مسلم، كتاب الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، حديث رقم: (١٧٥٣) (٣/ ١٣٧٣).
[ ٥ / ٣٤ ]
واختلف العلماء في حقيقة السَّلَب (^١)، قال بعض العلماء: هو يقتصر على ما يأخذه لِلأْمَةِ الحرب، كالسيف والدرع والرُّمْح ونحو ذلك، والثياب تدخل فيه إجماعًا.
أما إذا وُجد في هميانه أي: في مِنْطَقَتِه التي يُشدّ بها وسطه إذا وجدت فيها دنانير، أو دراهم، أو جواهر، فإنها ليست مِنْ سَلَبِهِ إِجْمَاعًا.
واختلفوا في فرسه الذي يقاتل عليه هل هو مِنْ سَلَبِهِ أَوْ لا؟ فقال جماعة: هو مِنْ سَلَبِهِ يَسْتَحِقّهُ القَاتِل. وقال قوم: لا. كما هو خلاف معروف بينهم.
واعلموا أن التحقيق أن الرجل الذي يقاتل على فرس أن له في الغنيمة ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم للرجل، هذا هو التحقيق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- وعليه جماهير العلماء، منهم الأئمة الثلاثة (^٢)، وهو ثابت في الصحيح ثبوتًا لا مطعن فيه. وخالف في هذا الجمهور الإمامُ أبو حنيفة (﵀) وقال: إن له سهمين فقط: سهم للفرس، وسهم لصاحبه. والتحقيق أن له ثلاثة أسهم: سهمين للفرس، وسهم للراكب. وقد استدلّ الإمام أبو حنيفة (﵀) بظاهر حديث جاء في ذلك، إلا أن غيره أصح منه وأصرح دلالة في محل النِّزَاعِ.
واختلف العلماء في البراذين والهجن هل يقسم لها كما يقسم للخيل العرَاب، أو لا يقسم
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ٩)، المغني (١٣/ ٧٢)، الأضواء (٢/ ٣٩٧). وفي الأصل هنا: «السلاح»، وهو سبق لسان.
(٢) انظر: القرطبي (٨/ ١٤ - ١٥)، المغني (١٣/ ٨٥)، الأضواء (٢/ ٣٩٩).
[ ٥ / ٣٥ ]
لها (^١)؟ فسئل عن هذا مالك بن أنس (﵀) فقال: ما أرى أن الهجن والبراذين إلا هي من الخيل؛ لأن الله قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: الآية ٨] أترون أن الهجن من البغال؟ قالوا: لا. أترون أنها من الحمير؟ قالوا: لا. قال: هي من الخيل، فتتناولها النصوص الواردة في الخيل (^٢).
وقال بعض العلماء في الهجين: والهجين: هو ما أحد أبويه من الخيل رديء من البراذين أبوه أو أمه، فإذا كانت أمّه من العِرَاب الحرائر وأبوه ليس كذلك فهو المعروف بالمُقْرِف (^٣)، ومنه قول هند بنت النعمان بن بشير (^٤):
وَمَا هِنْدُ إِلَاّ مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ
فَإِنْ وَلَدتْ مُهْرًا كَرِيمًا فَبِالحَرَى وَإِنْ يَكُ إِقْرَافٌ فما أنجَب َالفَحْلُ
فالمقرف: هو الذي أمه من الخيل العِرَاب الجياد وأبوه ليس كذلك، ومن هذا المعنى قول جرير (^٥):
_________________
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر (١١/ ١٦٠ - ١٦٣)، القرطبي (٨/ ١٦)، المغني (١٣/ ٨٦)، الأضواء (٢/ ٤٠١).
(٢) المدونة (٢/ ٣٢)، الكافي لابن عبد البر ص٢١٤.
(٣) انظر: المغني (٣١/ ٨٧)، الهُجْنَة تكون من قِبَل الأم، والإقراف من قِبَل الأب. كما في أدب الكاتب ص٤١، المصباح المنير (مادة: هجن) ص٢٤٣، فتح الباري (٦/ ٦٧).
(٤) البيتان في المغني (١٣/ ٨٧)، أدب الكاتب لابن قتيبة ص٤١، الاقتضاب شرح أدب الكتاب للبطليوسي (١/ ١٦٥)، (٢/ ٤٣٩)، الأضواء (٢/ ٤٠٣). ولفظ البيت الثاني: فَإن نُتِجَت مُهْرًا كريمًا فَبِالحَرى وإنْ يكُ إقرافٌ فَمِنْ قِبَلِ الفحلِ
(٥) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٣٦ ]
إِذَا آباؤُنا وأَبُوكَ عُدُّوا أَبَانَ المُقْرِفَات من العِرَابِ
فالحاصل أن الهجن والبراذين قال بعض العلماء: يقسم لها كما يقسم لِلْخَيْلِ الجِيَادِ العِرَاب. وقال بعض العلماء: يقسم لها سهم واحد، نصف ما يقسم للخيل العِرَاب الجِيَاد. وقال بعض العلماء: إن كان لها غَنَاء يقرب من غَنَاء الخيل الجياد قُسِمَ لها مثل قَسْمِها وإلا فنصف قَسْمِها، وشذّ بعض العلماء فقال: لا يُقسَم لها شيء؛ لأنه حيوان لا يقوم مقام الخيل فأشبه الحمير والبغال. وقد كان رجل من حمير من بني وادعة من بطون حِمْيَر أميرًا على جيش فسبق الخيل الجياد وتأخر البراذين والهجن فقيل له: اقسم للبراذين والهجن، فلم يعطها إلا نصف ما أعطى لِلْخَيْلِ الجِيَادِ، وقال: لا يمكنني أبدًا أن نَجْعَلَ مَا لم يُدْرَكْ كَالَّذِي يُدْرَكُ. فسمعها عمر بن الخطاب فاستحسنها جدًّا، وقال: هبلت الوادعي أمه، لقد ذكَّرنيها (^١). وكان الشاعر الحميري يفتخر بمقالة الوادعي الحميري هذه فيقول (^٢):
وَمِنَّا الَّذِي قَدْ سَنَّ فِي الخَيْلِ سُنَّةً وَكَانَتْ سَوَاءً قَبْلَ ذَاكَ سِهَامُهَا
أما إذا كانت عنده خيول كثيرة (^٣) فبعض العلماء يقول: لا يأخذ إلا نصيب فرس واحد. وهذا قال به جماعة من العلماء؛ لأنه لا يركب إلا على واحد. وقال جماعة من العلماء: يعطى خمسة أسهم، نصيب فرسين فقط، أما الفرسان فلهما أربعة أسهم، والسهم
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور (٢/ ٢٨٠)، والشافعي في الأم (٧/ ٣٣٧)، والبيهقي (٦/ ٣٢٨)، وذكره الحافظ في الفتح (٦/ ٦٧).
(٢) البيت في فتح الباري (٦/ ٦٧)، الأضواء (٢/ ٤٠٢).
(٣) انظر: الأوسط لابن المنذر (١١/ ١٥٧ - ١٥٩)، الأضواء (٢/ ٤٠٠).
[ ٥ / ٣٧ ]
الخامس له، ولا يُزَادُ على ذلك (^١). ولا خلاف بَيْنَ العُلَمَاءِ أنه لا يُعْطَى أكْثَر مِنْ نَصِيبِ فَرَسَيْنِ ألْبَتَّةَ، ولو كان عنده خيل كثيرة. ومن قال: يعطى نصيب فرسين قال: لأنه قد يحتاج إلى فرسين ولا يحتاج إلى الثالث غالبًا؛ لأن الفرس إذا طال ركوبه قد يضعفه ذلك عن الْكَرِّ والفَرِّ، فيكون عنده فرس آخر جَنيب فيه قوة ونشاط يُزَاوِلُ به في الميدان؛ ولِذَا قال بعض العلماء: يعطى نصيب فَرَسَيْن ولا يزاد عليهما، ولم يقل أحد: إنه يعطى أكثر من نصيب فرسين.
فإن كان مقاتلًا على بعير (^٢) فقال بعض العلماء: لَيْسَ لِلإِبِلِ نصيب ألبتّة (^٣)، وعليه جماهير العلماء، وذهب بعض العلماء إلى أن البعير إذا لم يجد غَيْرَهُ كان له نصيب نصف نصيب سَهْمِ الفَرَسِ، وهذا رواية عن الإمام أحمد (^٤)، ومن قال به قليل، واستدل قائل هذا القول بأن الله لما ذكر الموجب الذي استحقوا به الغنيمة ذكر منه الرِّكاب مع الخيل، والرِّكاب: هي الإبل، قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: الآية ٦] وله وجه من النظر، إلا أن جماهير العلماء أن الإبل لا يقسم لها، وقد كان عندهم يوم بدر سبعون بعيرًا فلم يقسموا لها، ولم تخل غَزَوَاته من الإبل، ولم يقل أحد إنه ﷺ قسم لبعير شيئًا.
_________________
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر (١١/ ١٥٧ - ١٥٩)، القرطبي (٨/ ١٥ - ١٦)، المغني (١٣/ ٨٩).
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٤٠٣).
(٣) وحكى عليه ابن المنذر الإجماع، كما في الأوسط (١١/ ١٦٢).
(٤) انظر: المغني (١٣/ ٨٩).
[ ٥ / ٣٨ ]
أما إذا كان يقاتل على الفيلة (^١) كما كانت الأعاجم تقاتل فلم يختلف اثنان من العلماء أن الفِيلَ لا يقسم له شيء إذا قاتل عليه صاحبه. قالوا: ليس كالبعير؛ لأن البعير حيوان يُسَابَقُ عليه ويجوز المسابقة عليه بالسبق، وهو إعطاء العِوَضِ لمَنْ غَلَبَ، كمَا في حديث: «لَا سَبَقَ إِلَاّ فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ» (^٢).أما الفيل فلم يقل أحد من العلماء: إنه يستحق نصيبًا إذا قوتل عليه، أما كونه يسابق عليه فقد قاله بعض العلماء، وهو مَبْنِيٌّ عَلَى الخِلاف في قاعدة أصولية معروفة، وهي: هل إذا جاءت عن الله (جل وعلا) أو عن رسوله ﷺ نصوص عامة هل تدخل فيها الصور النادرة أو لا تدخل (^٣)؟ قال بعض العلماء: تدخل الصور النادرة. وقال بعض العلماء: لا تدخل الصور النادرة. وهذه القاعدة الأصولية تحتها فروع اختلف فيها العلماء، من هذه الفروع: مَنْ خَرَجَ منه المَنِيُّ بغير لذة، كالذي ينزل في ماء حار فينزل منه المَنِي، أو تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المَنِي، أو تهزّه دابَّة فينزل منه المني، فنزول المني من غير لذة كبرى صورة نادرة، فعلى أن الصور النادرة تدخل في عمومات النصوص يدخل في عموم قوله: «إنَّمَا المَاءُ مِنَ
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٤٠٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٦، ٣٥٨، ٣٨٥، ٤٢٥، ٤٧٤). وأبو داود في الجهاد، باب في السبق، حديث رقم: (٢٥٥٧) (٧/ ٢٤١). والترمذي في الجهاد، باب ما جاء في الرهان والسبق، حديث رقم (١٧٠٠) (٤/ ٢٠٥). والنسائي في الكبرى، كتاب الخيل، باب السبق، حديث رقم: (٤٤٢٦) (٣/ ٤١). وابن ماجه في الجهاد، باب السبق والرهان، حديث رقم: (٢٨٧٨) (٢/ ٩٦٠).
(٣) انظر: البحر المحيط للزركشي (٣/ ٥٥)، نثر الورود (١/ ٢٤٥).
[ ٥ / ٣٩ ]
المَاءِ» (^١) فيجب عليه الغُسل، وعلى أنها لا تدخل في النصوص فلا يجب عليه الغسل. قالوا: ومن فروع هذه القاعدة المسابقة بِسَبَقٍ على الفيل؛ لأن الفيل ذو خفٍّ، فَرِجْلُ الفِيلِ كَرِجْلِ البَعِيرِ، فهو مِنْ ذَوَاتِ الخِفَافِ.
والفيل صورة نَادِرَة قد لا تَخْطُرُ في ذِهْنِ المُتَكَلِّم، فعلى أن الصور النادرة تدخل في عمومات النصوص تجوز المسابقة على الفيل، وعلى هذا القول لا يبعد أن يكون فيه مثل القول الذي في الإبل، وعلى أن الصور النادرة لا تدخل في النصوص لا تجوز المسابقة على الفيل. هذا من حكم الغنائم.
وقد ذكرنا الآن أن الغَنِيمَةَ إن كانت أرضًا فللإمام فيها ثلاثة أقوال (^٢)، وإن كانت غير أرض فإنها تقسم على التحقيق بين المجاهدين، وأن التحقيق أن للإمام أن ينفّل منها في الصور التي ذكرنا (^٣) كتنفيله الربع في البدء، والثلث في العودة، وتنفيل بعض الرجال لشدة شكيمته وغَنَائه، وتنفيله من أَخَذَ السَّلْبَ كما قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (^٤). واختلاف العلماء فيه هل هو فتوى فيعم، أو حكم فيخص؟ ولأجل هذا اختلفوا في قول النبي ﷺ لهند بِنْت عُتْبَةَ بن رَبِيعَة لما قالت له: أبو سفيان رجل يمسك ولا يعطيني ما يكفيني وولدي. فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (^٥).
_________________
(١) مسلم في الحيض، باب إنما الماء من الماء. حديث رقم: (٣٤٣) (١/ ٢٦٩).
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٦٧).
(٣) انظر: الأضواء (٢/ ٣٨٥).
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
(٥) البخاري في البيوع، باب «من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع ..» حديث رقم: (٢٢١١) (٤/ ٤٠٥). وأخرجه في مواضع أخرى، أُنظر الأحاديث: (٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠). ومسلم في الأقضية، باب قضية هند. حديث رقم: (١٧١٤) (٣/ ١٣٣٨).
[ ٥ / ٤٠ ]
فعلى أنه فتوى فهو يعم جميع النساء (^١)، فتكون كل امرأة بَخِلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا بالإنْفَاقِ اللازم جاز لها أخذه بغير إذنه. أو هو حكم فيكون خاصًّا كقضيَّةِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
واعلم أن من أحكام الغنيمة: حرمة الغلول (^٢)، والغلول في الشرع (^٣): هو أن يسرق الإنسان من الغنيمة، فإذا سرق الإنسان من الغنيمة قبل أن تقسم، أو زنا ببعض المسبيات في الغنيمة قبل أن تقسم، فجماهير العلماء -منهم الأئمة الثلاثة- أنه لا يجلد حد الزنا، وأنه لا يُقطع يده في السرقة (^٤)؛ لأن له شبهة في الغنيمة؛ لأنه من المستحقين لها وهو مشارك فيها. ومذهب مالك بن أنس ﵀ في هذه المسألة مشكل غاية الإشكال؛ لأن مالكًا (﵀) يرى أنه إن سرق من الغنيمة قبل القسم، أو وطئ جارية من المغنم قبل القسم أنه يُحدُّ حدّ السرقة وحد الزنا (^٥)، مع أنه يرى أنه لو مات في ذلك الوقت لورث عنه وارثه نصيبه من الغنيمة! كيف يكون فيه نصيب يُورث عنه ولا يكون شبهة تدرأ عنه الحد؟ ففي هذا المذهب إشكال، وإن قال به هذا الإمام العظيم الجليل المعروف.
_________________
(١) انظر في هذه المسألة: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص١١٢ - ١١٤.
(٢) انظر: القرطبي (٤/ ٢٥٨)، الأضواء (٢/ ٤٠٧).
(٣) انظر: القرطبي (٨/ ٢٥٦)، القاموس الفقهي ص٢٧٧، الأضواء (٢/ ٤٠٤).
(٤) انظر: القرطبي (٤/ ٢٦١)، المغني (١٣/ ١٩٥، ١٩٦)، الأضواء (٢/ ٤٠٧).
(٥) انظر: الكافي لابن عبد البر ص٢١٢، الأضواء (٢/ ٤٠٧).
[ ٥ / ٤١ ]
واعلموا أن الوقت الذي يستحق فيه الغانم نصيبه من المغنم اختلف فيه العلماء (^١): فقال بعض العلماء: إذا أخذوا في الدرب، والدروب هي: الطرق الموصلة إلى بلاد الكفار من العَجَمِ ونحْوِهِمْ إذا أخذوا فيها فَكُلّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَهُ نَصِيبُهُ من الغنيمة، ولو مات قبل أن تُحاز الغنيمة. وهذا قائله قليل وليس بوجيه.
وقال بعض العلماء: لا يُورَثُ عَنْهُ نَصيبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ حتى يحوز المسلمون الغنيمة، ويخرجون بها من ديار الحرب إلى بلاد الإسلام، فعند ذلك الوقت يَسْتَقِرُّ مُلْكهم لها، ويورث عنه نصيبه، وُيرْوَى نَحو هذا عن أبي حنيفة ﵀.
وأظهر الأقوال: أنه إِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حَازَ المُسْلِمُونَ الغَنِيمَةَ وأخَذُوهَا مِنَ الكُفَّارِ يورث نصيبه عنه، وإن مات قَبْلَ أَنْ تُحَازَ لم يُورَثْ عَنْهُ شَيْء (^٢)؛ لأنه مات قبل أن يحصل شيء يكون ملكًا له حتى يورث عنه، هذا هو الأظهر. هذه أحكام من أحكام الغنيمة.
واعلموا أن العلماء اختلفوا في الغال هل يُحرق رحله أو لا (^٣)؟ فقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث تدل على أن الغَالَّ -السارق من الغنيمة- يُحْرَقُ رَحْلُهُ ومَتَاعُهُ، وهذا جاء عن النبي ﷺ والخُلَفَاءِ وغَيْرِهِمْ ربما حرقوا متاع الغالِّ وربما تركوا حَرْقَهُ. وأظْهَر الأقوال في هذه المسالة أنها من التَّعْزِيرَاتِ المالية الموكُولة إلى نظر الإمام إن رأى المصلحة في حَرْقِ مَتَاعِهِ حَرَقَهَ وَلَهُ ذَلك، وإن رأى إِبْقَاءَهُ أَبْقَاهُ،
_________________
(١) انظر: المغني (١٣/ ٩١)، الأضواء (٢/ ٤٠٨).
(٢) انظر: المغني (١٣/ ٩١).
(٣) انظر: القرطبي (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، المغني (١٣/ ١٦٨ - ١٧٢) الأضواء (٢/ ٤٠٤).
[ ٥ / ٤٢ ]
وإن كان فيه مصحف فإنَّهُ لَا يَحْرِقُهُ، وقد غلّ رجل في بعض الغزوات فيها بعض المسلمين فحرقوا متاعه ووجدوا فيه مصحفًا فباعوا المصحف وتصدقوا بِثَمَنِهِ (^١) كذا قال بعضهم، والله أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] قال بعض العلماء (^٢): الخمس ستة أنصباء: نصيب لله، ونصيب للرسول ﷺ، ونصيب لذي القرابة، ونصيب لليتامى، ونصيب للمساكين، ونصيب لابن السبيل. ومن قال: إنها ستة أنصباء، لم أعلم أحدًا اشتهر عنه هذا القول إلا أبا العالية (﵀) فإنه قال: الخمس يُجعل ستة أنصباء، قال: ونَصِيبُ اللهِ هُوَ أنَّهُ إِذا جاء المال يأخذ الإمام ويملأ يده منه ويجعلها في رِتَاج (^٣) الكعبة. فعنده: نصيب الله يُصرف في مصالح الكعبة. وهذا القول لا يَخْفَى ضَعْفُهُ؛ لأنه لا دليل عليه. والتحقيق -إن شاء الله- الذي عليه جماهير العلماء: أن نصيب الله ونصيب الرسول ﷺ واحد، وأن اسم الله ذُكر للاستفتاح والتعظيم لشأنه (جل وعلا) (^٤)؛ لأن كل شيء له جل وعلا ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: الآية ٩١] فنصيب الله هو نصيب الرسول ﷺ،
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٢٦٩)، والدارمي (٢/ ١٤٩)، وأبو داود في الجهاد، باب في توبة الغال، حديث رقم: (٢٦٩٦) (٧/ ٣٨١)، والترمذي في الحدود، باب ما جاء في الغال ما يصنع به، حديث رقم: (١٤٦١) (٤/ ٦١).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٥٠)، القرطبي (٨/ ١٠)، الأضواء (٢/ ٣٥٧).
(٣) قال في المصباح المنير: «والرِّتاج -بالكسر-: الباب العظيم، والباب المغلق أيضًا. وجعل فلان ماله في رتاج الكعبة، أي: نَذَرَهُ هَدْيًا. وليس المراد نفس الباب» اهـ (المصباح المنير: مادة: رَتَجَ) ص٨٣.
(٤) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٤٨)، الأضواء (٢/ ٣٥٨).
[ ٥ / ٤٣ ]
والتحقيق: أن نصيب رَسُول الله ﷺ من الخُمُس كان يردُّه على مصالح المسلمين لا يأخذ منه شيئًا؛ لأنه كان يأخذ خلته الضرورية مِنْ فَيْء بني النضير، وربما أخذ منه بعضًا من فَيْءِ قُرَيْظَةَ، وأن نصيبه إنما يجعله في مصالح المسلمين، كما جاء عنه ﷺ في حديث ثابت رواه بعض أصحاب السنن والإمام أحمد وغيرهم أنه (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَاّ الخُمُس، والخُمُس مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» (^١)،
فصرّح بهذا الحديث بأن الخمس مردود عليهم.
واختلف العلماء في نصيب النبي ﷺ بعد موته (^٢): فجماهير العلماء على أن نصيبه ثابت بعد مَوْتِهِ ولا يسقط بموته، وكذلك نصيب قرابته، وأن الإمام بعده يصرفه في مصالح المسلمين كما كان يصرفه رَسُول الله ﷺ فيها، وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر يصرفان نصيبه ﷺ في مصالح المسلمين العامة من الكراع والسلاح وغيره كما كان ﷺ يفعله. وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة (﵀) فقال: بعد موته ﷺ يسقط نصيبه ونصيب قرابته، فما يبقى إلا ثلاثة أنصباء،
_________________
(١) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة (﵃)، منهم:
(٢) عبد الله بن عمرو. عند أبي داود في الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال، حديث رقم: (٢٦٧٧) (٧/ ٣٥٩)، والنسائي في قسم الفيء، حديث رقم: (٤١٣٩) (٧/ ١٣١).
(٣) عمرو بن عبسة. عند أبي داود في الجهاد، باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه، حديث رقم: (٢٧٣٨) (٧/ ٤٣٤).
(٤) عبادة بن الصامت. عند مالك في الموطأ، حديث رقم: (٩٨٥) ص٣٠٤، والنسائي في قسم الفيء حديث رقم: (٤١٣٨) (٧/ ١٣١).
(٥) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٥٦) القرطبي (٨/ ١١)، الأضواء (٢/ ٣٦٠).
[ ٥ / ٤٤ ]
وهي نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل. وجماهير العلماء على خلاف هذا.
وقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: الآية ٤١] اختلف العلماء في المراد بـ (ذي القربى) (^١) فقال بعضهم: بنو هاشم. وقال بعضهم: قريش. والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن المراد بـ (ذي القربى) بنو هاشم وبنو المطلب خاصة، وقد ثبت هذا في الصحيح عن النبي ﷺ فلا ينبغي العدول عنه. هذا هو المذهب الحق الذي لا شك فيه، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحمد (رحمهما الله)، وُيروى عن أبي حنيفة. أما ما ذهب إليه مالك من أنهم خصوص بني هاشم. وما قاله بعض القرشيين من أنهم قريش كلهم فهو خلاف التحقيق. والدليل على هذا القول: هو ما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ لما قسم أموال خيبر وأخرج خُمُسَهَا أعْطَى نَصِيبَ القَرَابَةِ مِنْ خُمس خيبر لخصوص بني هاشم وبني المطلب، ولم يُعْطِ لإخوانهم الآخرين -أعني بني عبد شمس وبني نوفل- فجاء عُثْمَان بن عَفَّان وهو مِنْ بَنِي عبد شمس، وجبير بن مطعم وهو مِنْ بَنِي نوفل، فقالوا: يا رَسُول الله ﷺ أعطيت إخواننا مِنْ بَنِي المُطَّلِبِ ونحن وهم بالنسبة إليك سواء، فلِمَ تُعْطِهِمْ وتَمْنَعنا؟ فأعْطِنَا كما أعطيتهم. فقال ﷺ: «إنّا وَبَنو المُطَّلِب شَيْءٌ وَاحِدٌ»، وفي بعض رواياته: «لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» (^٢)؛ لأن هؤلاء الأربعة إخوة؛ لأن عبد مناف
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٥٣) القرطبي (٨/ ١٢)، الأضواء (٢/ ٣٦١).
(٢) البخاري في فرض الخمس، باب من الدليل على أن الخمس للإمام، حديث رقم: (٣١٤٠) (٦/ ٢٤٤). وأخرجه في موضعين آخرين، انظر الحديثين: (٣٥٠٢، ٤٢٢٩).
[ ٥ / ٤٥ ]
أولاده أربعة: وهم هاشم جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، والمطلّب، وعبد شمس، ونوفل (^١).
أما الثلاثة الأوّلون منهم أشقَّاء، وأمهم عاتكة بنت مرة، إحدى عواتك النبي ﷺ؛ لأن بعض أصحاب المغازي والأخباريين ذكروا عنه ﷺ أنه قال في بعض مغازيه: «أَنَا ابْنُ العَوَاتِكِ مِنْ سُلَيْمٍ» (^٢). وعواتك سليم هذه التي انتسب إليها النبي ﷺ ثلاث عواتك معروفة (^٣): الكبرى منها عمّة الوسطى، والوسطى عمّة الصغرى كما هو معروف. وسُليم بن منصور من قبائل قيس عيلان بن مضر، وسليم أخو هوازن. والعواتك هذه: صغراهن: عاتكة بنت الأوقص بن مرّة بن هلال، وعمتها: عاتكة بنت مرة، وعمّة هذه: عاتكة بنت هلال. أما الصغرى منهما -وهي عاتكة بنت الأوقص- فَهِيَ والِدَةُ وَهْبٍ والدة آمِنَة بِنْت وهب أُمّ النبي ﷺ، فهي جَدَّتُه من قبيل والد أُمّه، وأما عمتها وهي: عاتِكَة بِنْت مُرَّةَ: فهي أم هاشم جده ﷺ وأخويه الشقيقين: المطلب وعبد شمس، أما أخوهما نوفل فهو ليس بشقيقهما، وأمه تُسمى واقدة بنت أبي عدي، واسم أبي عدي: نوفل. سمّت عليه ولدها نوفل هذا، والحاصل أن النبي ﷺ لما عاداه المشركون، وقاطعوا بني هاشم، واضطروهم إلى
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ١٢)، الأضواء (٢/ ٣٦٢).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٤٠، ٢٨٤١)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٣٥، ١٣٦)، وابن عساكر (تهذيب تاريخ دمشق) (١/ ٢٨٩)، والعلائي في جامع التحصيل ص٢٣٤، وذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٢١٩) وقال: «رجاله رجال الصحيح» اهـ، وابن كثير في تاريخه (٤/ ٣٢٨). وهو في الكنز (٣١٨٧٤، ٣٥٥٠٤) والسلسلة الصحيحة (١٥٦٩).
(٣) انظر: تهذيب تاريخ دمشق (١/ ٢٨٩) الأضواء (٢/ ٣٦٢).
[ ٥ / ٤٦ ]
أن يرحلوا إلى الشِّعْب كان بنو المطلب معهم في كل بلية، ولم يفارقوهم في شيء، وكان إخوانهم الآخرون بنو عبد شمس وبنو نوفل كانوا مُعَادِينَ لهُمْ قريش ولم ينصروهم عليهم، وكان أبو طالب يقول لهم في لامِيَّتِهِ المشهورة (^١):
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا عُقُوبةَ شَرٍّ عَاجلًا غير آجلِ
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخِيسُ شَعِيرَةً له شاهدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ
لَقَدْ سفهتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدَّلوا بني خَلَفٍ قيضًا بنا والغَيَاطِلِ
ونحن الصَّميمُ مِنْ ذُؤَابةِ هَاشِمٍ وآلِ قصيّ في الخُطُوبِ الأوَائِلِ
فعرف النبي ﷺ لبني المطلب انسجامهم معهم في كل البلايا وصبرهم عليهم في الشدائد فجعلهم من القرابة، وأعطاهم من خُمس خيبر سهم ذي القرابة، ولم يعط إخوانهم الآخرين -أعني بني عبد شمس وبني نوفل- شيئًا. وهذا هو التحقيق في ذي القرابة.
واختلف العلماء في القرابة هل يُفَضَّلُ ذَكَرُهُمْ عَلَى أُنْثَاهُم (^٢)؟ فذهب الشَّافِعِيّ وأحْمَدُ أنهم يُعطون للذكر مثل حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، قالوا: نالوه بالنبي ﷺ، وهم عصبته، والمعروف أن المال المستحق لِلْعَصَبة يكون فيه الذَّكَرُ له حَظّ الأنثيين.
وقال بعض العلماء: ذكرهم وأنثاهم سواء. وهذا أقربها؛ لأن تفضيل الذكر على الأنثى يحتاج إلى دليل، ولم يرو أحد أنه فضّل ذكرهم على أنثاهم. ولا يُشترط فيهم على التحقيق الفقر (^٣)، فيعطى بنو هاشم والمطلب غنيّهم وفقيرهم.
_________________
(١) القصيدة في البداية والنهابة (٣/ ٥٣ - ٥٧)، الأضواء (٢/ ٣٦٣).
(٢) انظر: القرطبي (٨/ ١٢).
(٣) انظر: السابق.
[ ٥ / ٤٧ ]
أما نصيب اليتامى والمساكين فلا يعطى إلا لفقرائهم، فلا يُعْطَى يَتِيمٌ غنيٌّ ولا مسكين غني.
واليتيم من بني آدم: هو من مات أبوه (^١). وغلط قوم فقالوا: اليتيم من الآدميين: من مات أبوه وأمه، قالوا: قال مجنون ليلى (^٢):
إِلى اللهِ أشْكو فَقْدَ لَيْلَى كَمَا شَكَا إِلى اللهِ فَقْدَ الْوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
فسمّاه يتيمًا بفقد الوالدين. والصواب: فقد الأب وَحْدَهُ يَكْفِي في يُتْمِهِ.
وابن السبيل: هو المنقطع عن بلاده. والسبيل: الطريق. وإنما قال له: ابن السبيل كأنه يقول: ولد الطريق. وتسميته ولد الطريق فيه للعلماء وجهان:
أحدهما: أنه كثر سلوكه لها، والعرب إذا كثرت ملازمة الشيء للشيء قالوا ابنه، ومنه قول غيلان ذي الرمة (^٣):
وردتُ اعتِسَافًا والثُّريا كأنَّها على قمةِ الرأسِ ابن ماء مُحَلَّقِ
فسمى طير الماء الملازم له: ابن الماء، فلما كان المسافر ملازمًا للطريق قيل له: ابن الطريق.
وقال بعض العلماء: كأن الفلاة تمخّضت عنه كما تتمخّض النتوج عن ولدها فرمتنا به كما ترمي الحامل بما في بطنها. وهذا
_________________
(١) تقدم عند تفسير الآية (١٥٢) من سورة الأنعام.
(٢) البيت في ديوانه ص١٨٨.
(٣) البيت في تاريخ دمشق (٢٤/ ٢٥٢).
[ ٥ / ٤٨ ]
المعنى أوضحه مسلم بن الوليد الأنصاري صريع الغواني إيضاحًا كاملًا -وإن كان الشعر هنا لا يصلح شاهدًا لتأخُّرِ زَمَنِهِ ولَكِنْ يَصْلح مثالًا للإيضاح- فإنه قال في رجل يزعم أن بيداء -وهو الفلاة الواسعة- ولدته وتمخّضت عنه وصار ابنها كما تتمخّض النتوج عن ولدها قال (^١):
تمخَّضتْ عنه تِمًّا بعد مَحْمله شهرينِ بَيْداءُ لم تُضرب ولم تَلدِ
ألقتْه كالنَّصْلِ معطوفًا على هِمَم يعمدن منتجعَاتٍ خيرَ مُعتمِدِ
وابن السبيل: هو المحتاج الآن، وهو منقطع عن بلده، ولو كان غنيًّا في بَلَدِهِ، فيعطى من الخُمُسِ ما يُوَصِّلُهُ إلى بَلَدِهِ حتى يرجع إلى محله. هذا معنى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١].
[٥/أ] / ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤١ - ٤٤].
_________________
(١) البيت في ديوانه ص٧١، وفي شرحه للدهان ص٨٤.
[ ٥ / ٤٩ ]
يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: الآية ٤١] تَكَلَّمْنَا على جُمَلٍ مِنَ الأحْكَامِ الدَّاخِلَة تحت هذه الآية من أحكام المغانم، ومن جملة ما ذكَرْنَا: أن العلماء اختلفوا في خُمس الغنيمة، فقال بعضهم: يُجعل ستة أقْسَام، قسم لله، وقسم للرسول ﷺ، وقسم لِذِي القُرْبَى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وكان أبو العالية (﵀) يقول: إن قسم الله (جل وعلا) يُجعل للكعبة. وزعم أن النبي ﷺ كان يضرب بيده في الخمس فيأخذ منه ويجعله للكعبة، وأن هذا هو نصيب الله (^١). وأكثر العلماء على أن نصيب الله والرسول ﷺ واحد، وأن اسم الله إنما ذكر تعظيمًا وإجلالًا واستفتاحًا للكلام بذكر اسمه؛ لأن كل شيء كائنًا ما كان فهو له -جل وعلا- ونصيب الرسول ﷺ كان يصرفه في مصالح المسلمين كما دل عليه حديث: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَاّ الخُمس، والخُمس مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» (^٢).
وقد قدّمنا أن أصح الأقوال: في (ذي القربى) أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وأن النبي ﷺ بيّن أنهم هم المرادون بآية الأنفال هذه؛ لأنه لما خَمَّس خيبر أَعطى خُمس الخمس لبني هاشم وبني المطلب باسم أنه سهم ذي القربى. وهذا ثابت عن النبي ﷺ في صحيح البخاري وغيره؛ لأن البخاري (﵀) أخرج الحديث هذا في صحيحه في مواضع متعددة: جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم
_________________
(١) مضى قريبًا.
(٢) مضى قريبًا.
[ ٥ / ٥٠ ]
إلى النبي ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلّب خمس ذي القربى من غنائم خيبر، قال العبشميون والنوفليون: نحن من رَسُول الله ﷺ قرابتنا مثل قرابة بني المطلب، فجاء عثمان وهو من بني عبد شمس؛ لأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان (﵁) هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وعبد شمس أخو المطلب، وهاشم وجبير بن مطعم هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، ونوفل هذا أخو هاشم والمطلب، فجاء جبير وعثمان يطلبون النَّبِيَّ ﷺ أن يُسَوِّيَ بَنِي نوفل وبني عبد شمس ببني المطلب، فأبى النبي ﷺ وبَيَّنَ أَنَّ بَنِي المطلب وبني هاشم هم المرادون بالقرابة، وأنهم هم المستحقون خُمس خمس الغنيمة. وهذا ثابت في الصحيح عن النبي ﷺ (^١) فلا ينبغي الخلاف فيه. وإن كانت جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه قالوا: أن ذي القربى أنهم الهاشميون. وجماعة قالوا: إنهم قريش كلهم. فأصح الأقوال وأثبتها دليلًا أن المراد بذي القربى: بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف دون إخوتهم الآخرين من بني عبد شمس وبني نوفل، فهذا هو الصواب -إن شاء الله-؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله مبيّنًا به معنى هذه الآية الكريمة.
وقد ذكرنا أن العلماء اختلفوا في ذي القُرْبَى، فجمهور العلماء على أن نصيبهم باق، وأنه لم يسقط بموته ﷺ خِلَافًا لأبي حنيفة، وقد قدّمنا أن أكثر العلماء على أنه يعطى منه غنيهم وفقيرهم ولا يختص بفقرائهم، وأن بعض العلماء قال: يُفضّلُ ذَكَرهُمْ على أُنْثَاهُمْ كالمِيرَاثِ. وبعضهم قال: يُسوّى فيه الذكر والأنثى.
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٥ / ٥١ ]
وأن المراد بنصيب اليتامى: قال بعض العلماء: يجعل خُمُس الخمس لسد خلاّت اليتامى الفقراء الذين لم يترك لهم آباؤهم مالًا.
والمساكين: جمع مسكين، والمسكين إذا أُطْلِقَ وَحْدَهُ -لم يذكر معه الفقير- تناول الفقير، وعلماء التفسير يقولون: المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. يعني: إن ذُكرا معًا مجتمعين افترق حكمهما فكان أحدهما أشَدّ فقرًا من الآخر، وإن افترقا -بأن ذكر المساكين دون الفقراء -أو الفقراء دون المساكين- اجتمعا. أي: شَمِلَ المسْكِينَ حكمُ الفقير، والفقيرَ حكمُ المسكين (^١). ومعلوم اختلاف العلماء في الفقير والمسكين أيهما أحوج (^٢)، فذهب بعض العلماء، وهو رأي مالك بن أنس وطائفة من العلماء إلى أن المسكين أشد حاجة. واستدلوا بأن الله قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: الآيات ١٤ - ١٦] فوصف المسكين بأنه (ذو متربة) ومعنى (ذو متربة): لاصق بالتراب ليس له شيء غير التراب، وأنه (مِفْعِيل) من السكنى؛ لأن يده سكنت عن التصرف، وجوارحه عن النشاط من الجوع والفاقة.
وهو عربي فصيح (^٣):
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٤/ ٣٠٥)، الفروق اللغوية ص١٤٥، القرطبي (٨/ ١٦٧)، ابن كثير (٢/ ٣٦٤).
(٢) انظر: ابن جرير (١٤/ ٣٠٥)، الفروق اللغوية ص١٤٥، القرطبي (٨/ ١٦٧)، ابن كثير (٢/ ٣٦٤).
(٣) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص٩٠، القرطبي (٨/ ١٦٩). وقوله: «سبد»، أي: وبر، وقيل شعر. وذلك كناية عن الإبل أو الغنم.
[ ٥ / ٥٢ ]
أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبتُهُ وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
فسمّاه فقيرًا وعنده حلوبة قدر عياله.
وقال جماعة آخرون من العلماء: إن الفقير أشد حاجة، واستدلوا بأن الفقير كأن الفاقة قصمت فقارته لشدتها. قالوا: وقد سمى الله قومًا مساكين وعندهم سفينة عاملة في البحر في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: الآية ٧٩] فسماهم مساكين مع أن عندهم سفينة عاملة بالإيجار، هكذا قال بعض العلماء.
وابن السبيل معناه: ولد الطريق. يُعطى من خمُس الخُمس ما يبلغه أهله. وابن السبيل مصرف محتاج، ولو كان غنيًّا في محله؛ لأن ماله في محله الذي هو متغرِّب عنه لا يدفع فقره في حالته الراهنة في حال كونه متقطعًا في سبيله.
وهذا معنى قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال يعظّم الله فيها شأن الخُمس، كأنه جعل أداء الخمس من الإيمان. يعني: إن كنتم آمنتم بربكم (جل وعلا) وما أنزل على نبيه فاعلموا وتيقّنوا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، ونفِّذوا ذلك. ولذا ذكر البخاري (﵀) في كتاب الإيمان أن أداء الخُمس من الإيمان (^١)؛ لأن الله لمَّا ذَكَرَ أداء الخمس قال: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وفي حديث وفد عبد القيس الثابت في الصحيح المشهور
_________________
(١) البخاري (مع الفتح) (١/ ١٢٩).
[ ٥ / ٥٣ ]
أن النبي ﷺ لما عدّ خصال الإيمان عدّ منها أداء الخُمس (^١)؛
وذلك لأن الله قال بعد ذكره أداء الخُمس: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ واعلموا أن جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه (^٢) قالوا: إن هذه المصارف الخمسة (^٣) لا تعيّن كلها، بل الأمر موكول إلى اجتهاد الإمام يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، إلا أن الله أرشد إلى أن هذه الخمسة هي المصارف التي لا ينبغي أن يتجاوزها به. وهذا رأي مالك، ونصره غير واحد، والظاهر الذي هو الاحتياط: أن يجعله خمسة أنْصِبَاء (^٤)، كما قال الله (جل وعلا)؛ لأن الله شدّد في ذلك في قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ ﴿عَبْدِنَا﴾: هو محمَّد ﷺ وصيغة الجمع في قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ للتعظيم. وقوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ معطوف على اسم الجلالة، أي: إن كنتم آمنتم بالله وآمنتم بالذي أنزلنا على عبدنا مُحَمَّدٍ ﷺ من هذه الآيات القرآنية؛ لأن الله أنزلها عليكم، وَنَصَرَكُمْ عِنْدَ نزولها، وأمركم فيها بأداء الخُمس إن كنتم مؤمنين، فإن كنتم مؤمنين بما أنزل الله على نبيه
_________________
(١) البخاري في الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان، حديث رقم: (٥٣). وأخرجه في مواضع أُخرى، انظر الأحاديث: (٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٢٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦). ومسلم في الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وشرائع الدين، حديث رقم: (١٧، ١٨) (١/ ٤٦).
(٢) انظر: القرطبي (٨/ ١١)، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي ص١٦٩ - ١٧٠.
(٣) أي: للخُمُس.
(٤) انظر: الأضواء (٢/ ٣٦٥).
[ ٥ / ٥٤ ]
فاعلموا أنما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فأن لله خُمُسَهُ؛ لأن ذلك من جملة ما أنزل الله في هذه الآيات النازلة يوم بدر.
وقال بعض العلماء: المراد بقوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: إن كنتم آمنتم بالذي أنزلنا على عبدنا قالوا هو قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: الآية ١] وقد أمر الرسول ﷺ أن يخرج خمُسها ويصرفه في هذه المصارف المذكورة ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] بذلك المنزّل فاعْلَموا أنما غنمتم من شيء فخمسه لله. وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ لأن العبد من أشْرَف الصفات؛ لأن أَشرف الصفات: العبودية له (جل وعلا)؛ ولذا إذا أراد الله أن يرفع من شأن نبيّه ويعظّم الموقف الذي هو فيه عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ العَبْدِ؛ لأنها أعْظَم صفة وأكرمها كما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: الآية ١] وقال هنا: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله ﴿عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم الفرقان هو يوم بَدْر، لم يكد يُختلف في ذلك، وإنما قيل لبدر يوم الفرقان؛ لأنه يوم فَرَّقَ اللهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوْضَحَ حجَّة الإسلام أنه الحَق، وأن الكفر باطل إيضاحًا يشاهده الجاهل والعالم والغَبِيّ؛ لأنه الْتَقَتْ فِئَتَانِ: فئة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، وهي فئة قويَّة في عَدَدِهَا وعُدَدِهَا، وفئة مؤْمِنَة تقاتل في سبيل الله، هي ضعيفة في عَدَدِهَا وعُدَدِهَا، فنصر الله [الضعيفة على القوية] (^١) وغَلَبَتْهَا وقَتَلَتْ صَنَادِيدَهَا وأشرافها وأسَرَتْهم، فتبيَّن بهذا بيانًا واضحًا شافيًا يَرَاهُ الناس بحواسهم أن
_________________
(١) في الأصل: «القوية على الضعيفة» وهو سبق لسان.
[ ٥ / ٥٥ ]
الإسلام دين الحق، وأن الله فرَّقَ بين الحق والباطل بوقعة بدر؛ إذ ليس من المعقول أن تكون الفئة الضعيفة القليلة في عددها وعُددها هي الغالبة القاهرة إلا بتأييد من خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، وهذا التأييد لا يكون منه إلا لأنها هي المحقّة؛ ولذا سمّى الله بدرًا (فرقانًا) وسماه (بيّنة) وسمّاه (آية). سمّاه (فرقانًا) في قوله هنا: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وسماه (بيّنة) في قوله في هذه الآية ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: الآية ٤٢]؛ لأنه سيأتي تفسيره، أي: ليبقى على كُفْرِه مَنْ كَفَرَ عَلَى وضوح مِنْ أمْرِهِ أنَّ الكُفْرَ بَاطِل، ﴿وَيَحْيَى﴾ بالإيمان ﴿مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ وضوح ظاهر لا شك فيه أن الإسلام حق لنصر الفئة القَلِيلَةِ الضَّعِيفَة على الفئة الكافرة القويَّة. وسمّاه (آية) في سورة آل عمران في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٣] آية؛ أي: علامة على أن دين الإسلام هو الحق الذي لا شك فيه.
وهذه الآية القرآنية تدل على أنَّ مِنْ عَلامات دين الإسلام وأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غَيْرَهُ كما قال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: الآية ٨٥] وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: الآية ١٩] وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: الآية ٣] تبيّن أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ هذا الدين ومن علاماته: أن الفئة القليلة المتمَسِّكَة به تغلب الفئة القوية الكافرة التي لم تتمسك به، وقد جاءت لهذا أمثلة عديدة في القرآن سنذكر لكم بعضها ليتضّح معنى الآية (^١)؛
من ذلك ما قصّه الله (جل وعلا) علينا في سورة
_________________
(١) انظر: الأضواء (٣/ ٤٥٣) ..
[ ٥ / ٥٦ ]
الأحزاب في غزوة الخندق لما جاء الكفار في عَددهم وعُددهم وحاصروا النبي ﷺ وأصحابه بالمدينة -هذه حرسها الله- وحاصروهم ذلك الحصار العَسْكَرِي التاريخي العَظِيم الذي نَوَّه اللهُ بِشَأْنِهِ، وبَيَّنَ شِدَّتَهُ وعظمه في سورة الأحزاب في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: الآيتان ١٠ - ١١] هذا الحصار العظيم جاء وعدد الكفار ضخم، وعُددهم قوة، وأصحاب النبي ﷺ في ضعف وقلة من المال والسلاح، وفي جوع، حتى إن في غزوة الخندق وسيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) كما يذكره المؤرخون والأخباريون وغيرهم يشد حزامه على الحجارة مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ، وهم في ذلك الوقت الناس جميعًا مقاطعوهم سياسيًّا واقتصاديًّا، ليس بينهم وبين أحد من أهل الأرض علاقات اقتصادية، ولا علاقات سياسية، آخر قوم كانت بينهم وبينهم عهود: يهود بني قريظة، فلما نزل الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم وحاصَرُوهم هذا الحصار العسكري التاريخي العظيم المنوَّه عنه في القرآن، في ذلك الوقت غدر بنو قريظة ونبذوا العهود وصاروا مع الكفار، فلم يَبْقَ لهم تحت أديم السماء صديق ولا مُعِين إلا الله (جل وعلا) وحده، ولما أرسل النبي ﷺ سعد بن عبادة وسعد بن معاذ (﵄) إلى بني قريظة يعرف خبرهما هل هما على عهودهما أو نقضوا العهود وصاروا مع المشركين؟ قال لهم (صلوات الله وسلامه عليه): «إِنْ وَجَدْتُمُ الْقَوْمَ نَقَضُوا العُهُودَ فَكُنُّوا لِي وَلَا تُصَرِّحُوا بِإِشَارَةٍ نَفْهَمُهَا وَلَا يَفْهَمُهَا غَيْرِي»؛ لأن النبي ﷺ يخاف أن يداخل الناس شدة الجبن والجزع؛
[ ٥ / ٥٧ ]
لأنهم ما كان لهم من الأصدقاء إلا القرظيون من اليهود، فإذا غدروا وصاروا مع الكفار في هذا الوقت الضنك وهذا الموقف الحرج كان الأمر أعظم واشتد على غير أقوياء القلوب من
المسلمين، فجاء سعد وسعد إلى بني قريظة فوجدوا سيّدهم كعب بن أسد -قاتله الله- فَتَنَه اللعين حيي بن أخطب سيد بني النضير، ونقضوا العهود، وغدروا، وصاروا مع المشركين على رَسُول الله ﷺ، فجاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: هم عضل. ليفهمها رَسُول الله ﷺ ولا يفهمها غيره. وعضل: يعني هم وبنو القارة من الذين غدروا ببعث الرجيع. فأشاروا له بأنهم في الغدر كبني عضل وبني القارة، ففهمها رَسُول الله ﷺ (^١)، ففي هذا الموقف الضنك الحرج كان الذي واجه المسلمون به هذا الموقف الضنك العظيم والحصار العسكري العظيم [هو الإيمان والتسليم كما أخبر الله -تعالى- عنهم بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾] (^٢)
﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: الآية ٢٢] وكان من نتائج هذا الإيمان العظيم والتسليم الكبير ما قصّه الله علينا في مُحْكَمِ كِتَابِهِ في سورة الأحزاب في قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: الآية ٢٥] يقول: إن كنتم أذلاء -لستم بأعزاء ولا أقوياء- فهو (جل وعلا) قويٌّ عزيز لا يُغْلب من استند إليه، فالفئة القليلة المستندة إليه يقويها بقوته ويعزّها بعزّته، فلن تُغْلب، إلى أن قال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ
_________________
(١) سيأتي تخريجه عند تفسير الآية (٥٧) من هذه السورة.
(٢) في هذا الموضع وقع مسح في التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام ..
[ ٥ / ٥٨ ]
وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: الآية ٢٧] يعني: إن كانت قدرتكم ناقصة وأنتم عاجزون فهو (جل وعلا) على كل شيء قدير، فالفئة المستندة عليه يجعل لها القدرة والتمكين بقدرته، ومن أمثلة هذا أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) لما صدَّه المشركون مع أصحابه في غزوة الحديبية وهم محرمون كما سيأتي في قوله: ﴿همُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: الآية ٢٥] وأرسل عُثمان بن عفان (﵁) بالهدايا لينحرها في الحرم، وتلقّاه بنو عمه؛ لأنه أراد أولًا أن يرسل عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر: إن بني عدي لا يقدرون أن يحموني من قريش، ولكن أدلك على رجل أعزّ مني في قريش هو عثمان بن عفان ﵁: فأرسل عثمان ﵁ بالهدايا وتلقّاه بنو عمه يقولون (^١):
أَقبِلْ وأَدْبِرْ لا تَخَفْ أَحَدَا بنُو سعيدٍ أَعزَّة الحرمِ
فأُخبر النبي ﷺ بخبر كاذب أن الكفار قتلوه، فبايعه أصحابه تحت سمرة من شجر الحديبية بيعة الرضوان، وعندما بايعوه علم الله في ذلك الوقت من قلوبهم الإخلاص الكامل والإيمان كما ينبغي بالله (جل وعلا)، فكان من نتائج ذلك الإيمان الكامل والإخلاص الذي اطّلع الله عليه في قلوبهم أنه بيّن لهم أنه يجعلهم قادرين على من هم عاجزون عنه كما أوضح هذا في سورة الفتح في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٥٩ ]
[الفتح: الآية ١٨] أي: علم الله ما في قلوبهم من قوة الإيمان والإخلاص لله، فنوّه عنه بالاسم المبهم الذي هو الموصول، فكان من نتائج هذا الإيمان والإخلاص كما ينبغي ما قصّ الله علينا في سورة الفتح حيث قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: الآية ٢١] فصرّح بأن إمكانياتهم العددية والعُددية لا تُقدرُهم عليها، ثم قال: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي: فأقدركم عليها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: الآية ٢١] إن كانت قدرتكم ناقصة فقدرته (جل وعلا) كاملة، والطائفة الضعيفة القليلة المستندة إليه يقويها بقوته، ويعزّها بعزّته، ويُقدرها بقدرته. وهذه أمثلة تدل المسلم على أن دين الإسلام حق، وأنه هو هو، وأن صلته بالله هي هي، وأن المتمسّك به لا يُغلب ولا يُقهر (^١)، ولكن المسلمين تنكروا لدينهم فتركوه ولم يعملوا به، فتركوا الآلة القاهرة التي يُقهر بها العدو، فبقوا لقمة سائغة يضطهدهم الكفرة في أقطار الدنيا، ويبتزون ثروات بلادهم؛ لأنهم تركوا السلاح الأعظم لقهر العدو وهو دين الإسلام كما بينّا؛ ولذا قال هنا: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] يعني: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم بدر.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية ٤١]. جرت العادة بذكره قدرته عند نصره الضعاف من عباده المتمسّكين بدينه كما قال هنا: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال في الأحزاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: الآية ٢٧]. وقال في الحديبية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: الآية ٢١] كل هذه الآيات على وتيرةٍ واحدة، معناها: إن كنتم ضعافًا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٦) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٦٠ ]
عاجزين فهو (جل وعلا) قادر قوي لا يعجز عن شيء، فإنه ينصر أولياءه ويقوّيهم ويقدرهم على مَنْ هُوَ أقْوَى مِنْهُمْ. وهذا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فالله (جل وعلا) قادر على كل شيء، فهو قادر على ما شاءه، وقادر على ما لم يشأه، فهو قادر على هداية أبي بكر، وقد شاء هذا المقدور، وقادر على هداية أبي جهل كما قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: الآية ١٣] ولكنه لم يشأ هذا المقدور، فتبيّن أنه قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يَشَأْ.
وقوله: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: الآية ٤٢] قال بعض العلماء (^١): هو بدل من ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] لأن يوم الفرقان يوم التقاء الجمعان هو الظرف المُعبَّر عنه بكينونتهم في العدوة الدنيا وأعداؤهم في العدوة القصوى، وهذا ظاهر.
وقرأ هذا الحرف من السبعة: ابن كثير وأبو عمرو: ﴿إذ أنتم بالعِدوةِ الدنيا وهم بالعِدْوَةِ القصوى﴾ بكسر العين في الموضعين. وقرأه باقي السبعة: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ بضم العين في الموضعين (^٢).
والعِدوة والعُدوة معناهما واحد. وأصل العِدوة والعُدوة: شاطئ الوادي وجانبه، فكل ما صاحب شاطئ الوادي وجانبه من الفضاء تسميه العرب: عُدوة وعِدوة، وهو عدوة الوادي (^٣).
_________________
(١) انظر: الدر المصون ص (٥/ ٦٠٩).
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢١.
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٦٣).
[ ٥ / ٦١ ]
وقوله ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: عدوة وادي بدر ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾. و(الدنيا) تأنيث الأدنى، أي: العدوة الدنيا التي هي أدنى للآتي من المدينة ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ و(القصوى) تأنيث الأقصى، و(الدنيا) تأنيث الأدنى. أي: لأن العدوة التي فيها الكفار هي التي هي أشد قُصُوًّا وبعدًا من الآتي من المدينة، والتي فيها النبي ﷺ وأصحابه هي الأقرب للآتي من المدينة.
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ المراد بالركب: الجماعة الذين هم في عِير أبي سفيان بإجماع المفسّرين. والمؤرخون يذكرون أنهم أربعون رجلًا في تلك العِير، سمّاهم ركبًا. وأكثر علماء العربية يزعمون أن الركب اسم جمع، وأنه ليس بجمع؛ ولذا لم يجعل علماء العربية من جموع التكسير صيغة (فعْل) فأهملوها بالكلية. والذي يظهر من استقراء القرآن العظيم واللغة العربية أن (فَعْل) بفتح فسكون من صيغ جموع التكسير للكثرة في (فَاعِل) إذا كان وصفًا، وإنما قلنا: إن هذا هو الأظهر لكثرة وروده باستقراء اللغة العربية -في العربية وفي القرآن- فالركبُ هنا على أظهر القولين -وإن لم تكد ترى أحدًا يقول به من علماء الصرف- أن الركب جمع راكب، والعرب تطلق الرَّكْب تريد به جمع راكب، فقولهم: إنه اسم جمع لا دليل عليه، والأظهر أنه جمع؛ ولذا فإنَّ العَرَبَ يكثر في كلامها إطلاق اسم الركب مرادًا به الركبان، جمع راكب، كما قال (^١):
بزينبَ أَلْمِم قبل أنْ يَظْعَنَ الرَّكْبُ وقُلْ إن تَمَلِّينَا فما مَلَّكِ القَلبُ
ويُرجعون إليه ضمائر الجموع كما قال غيلان ذو الرمة (^٢):
_________________
(١) البيت لنصيب بن رباح، وهو في تاريخ دمشق (٦٢/ ٦٠، ٦١، ٦٢).
(٢) البيت في ديوانه ص٥٩.
[ ٥ / ٦٢ ]
اسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أشْيَاعِهِمْ خَبَرا أَمْ رَاجِعُ القلب من أَطرابِهِ طَرَبُ
ومن إتيان (فَعْل) جمعًا لـ (فَاعِل) قولهم: «صَاحِبٌ وصَحْب». ومنه: «آلُه وصَحْبُه» ومنه قول امرئ القيس (^١):
وقُوفًا بها صَحْبي عَليَّ مَطِيّهم يقُولون: لا تَهْلِك أسًى وتَجَمَّلِ
فالصحب جمع صاحب، ومن هذا المعنى: جمع (شَارِب) على (شَرْب) بفتح فسكون، ومنه قول نابغة ذبيان (^٢):
كأَنَّهُ خارجًا من جنبِ صَفْحَتِهِ سَفُّودُ شَرْبٍ نسوهُ عند مُفتَأَدِ
فرد عليهم ضمير الجماعة في قوله: «سفُّودُ شَرْبٍ نَسوهُ عند مُفْتَأَدٍ» ومنه السّفْر جمع السافر، وفي الحديث: «أتمّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْر» (^٣)، ومنه قول الشنفرى (^٤):
_________________
(١) ديوانه ص١١١.
(٢) ديوانه ص١٢.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٠، ٤٣١، ٤٣٢، ٤٤٠) وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٠، ٤٥٣)، وأبو داود في الصلاة، باب متى يتم المسافر، حديث رقم: (١٢١٧) (٤/ ٩٦)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في التقصير في السفر، حديث رقم: (٥٤٥) (٢/ ٤٣٠)، والبيهقي (٣/ ١٣٥، ١٥٣)، والطيالسي ص١١٥، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤١٧) من حديث عمران بن حصين (﵁) مرفوعًا. وقد جاء نحوه موقوفًا على عمر (﵁) عند مالك في الموطأ، ص١٠٥، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤١٩)، وراجع الكلام على هذا الحديث في نصب الراية (٢/ ١٨٧)، التلخيص (٢/ ٢٥٢) إتحاف السادة المتقين (٤/ ٣٦٨).
(٤) البيت في ديوانه ص٦١.
[ ٥ / ٦٣ ]
كَأَنَّ وغَاهَا حُجْرَتَيْهِ وجَالَهُ أضَاميم مِنْ سَفْرِ القَبَائل نُزَّلِ
ومنه: طائر وطير ﴿إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾ [النحل: الآية ٧٩] فجعل (مسخّرات) جمعًا نظرًا إلى الطير. وهذا يكثر في كلام العرب، والأظهر أن (الفَعْل) هنا جمع (الفَاعِلْ) وصفًا. وعامة علماء العربية ممن تكلموا في جموع التكسير لم يجعلوا (فَعْلا) من صيغ الجموع، ويزعمون أن هذه الذي ذكرنا أن الأظهر جموع أنها أسماء جموع. هكذا يقولون. والمراد بالركب هنا: الجماعة الذين هم في عِير أبي سفيان.
وقوله: ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ ظرف والخبر واقع في هذا الظرف. وقراءة: ﴿أسفلُ منكم﴾ (^١) شاذة وقراءة الجمهور: ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ هو في مكان، وهذا المكان أسفل، ومعنى كونه أسفل: أن وادي بدر ذاهب إلى جهة البحر، فكل ما قَرُب من البحر منه فهو أسفل، وما بَعُد منه فهو أعلى.
قال بعض العلماء: في هذه الآية الكريمة سؤال، وهو أن يُقال: ما الفائدة في تعيين أن النبي ﷺ وأصحابه في عُدوة وادي بدر الدنيا، وأن المشركين في عُدوة وادي بدر القصوى، وأن الركب أسفل من الجميع، ما الحكمة في هذا؟ وأي فائدة في معرفة مواضع القوم كلهم (^٢)؟
أجاب بعض العلماء عن هذا بأن فيه سرًّا لطيفًا، قالوا: المعنى نَصركم الله وفَرَّقَ بَيْن الحق والباطل بأن نصركم عليهم وظروفكم
_________________
(١) انظر: البحر (٤/ ٥٠٠).
(٢) السابق.
[ ٥ / ٦٤ ]
الرَّاهِنَة تساعدهم على أن يغلبوكم؛ لأن العُدوة الدنيا كانت أرضها خبارًا (^١)، أرضًا رخوة تسوخ فيها الأقدام، ولا يَتَيَسَّر فيها المشي، ولا ماء فيها، فمن فيها عطاش.
والعُدوة القصوى كانت بخلاف ذلك يسهل المشي عليها، فهم في هذا كانوا أوْلَى بأَنْ يسبقوكم على الماء ويمنعوكم منه فيقتلوكم، وأنه في ذلك الوقت عيرهم نَجَتْ، وتمَّت نعمتهم، وأموالهم متكاثرة، وهم في الموضع الذي هو أحسن من موضعكم، ومع هذا كله فقد نصركم الله عليهم؛ لأن الله لما أرسل المطر المتقدّم في قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: الآية ١١] كانت العدوة القصوى طينًا ووحلًا، وكانت العدوة الدنيا رَمْلها متلبِّد تمشي عليه الأقدام بخفة، فكان هذا أنسب، ولذا قال: ﴿أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٢] ثم قال في حكمته وقع هذا ونزل هذا الفرقان وأنتم على هذه الحالة تكادون أن تجتمعوا على غير ميعاد؛ لأنه لو تواعدتم وضرب بعضكم لبعض أجلًا وميعادًا لاختلفتم في الميعاد لو كنتم في هذا العدد من الضعف وكان بينكم وبينهم موعد سابق لجبنتم ولفشلتم عنهم، ولما تجرأتم على الإقدام عليهم، ولو كنتم مستعدّين وعندكم جَمْعٌ قَوِيّ لفشلوا وجبنوا ولم يَتَجَرَّءُوا عليكم، فجمعكم الله بغير ميعاد لحكمته (جل وعلا)؛ لأن غزوة بدر شيء جعله الله (جل وعلا) بقدرته لم تَتَسَنَّ أسبابه، إلا أن الله (جل وعلا) سبّبها، ولذا قال: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ﴾ أي: واعد بعضكم بعضًا في الموضع الذي تلتقون فيه والمكان الذي تلتقون فيه، ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي
_________________
(١) قال في القاموس: «والخَبَار كسحاب: ما لَانَ مِنَ الأرْضِ واسْتَرْخَى» اهـ (مادة: الخبر) ص٤٨٩.
[ ٥ / ٦٥ ]
الْمِيعَادِ﴾ أي: لخاف بعضكم من بعض، وجَبُن بعضكم عن بعض، ولما اتفقتم ليحصل ما حصل، ولكن الله جمعكم على غير ميعاد بحكمته (جل وعلا)؛ ولذا قال: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ولكن الله جمعكم على غير ميعاد فخرجتم أيها المسلمون إلى عِير أبي سفيان، وخرج الكفار إلى إنقاذ عِيرهم، وشاء الله أن تجتمعوا ويوقع الله ما أوقع.
وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ هو إعزاز دين الإسلام، وبيان برهانه ودليله، وفرق الحق من الباطل بإعزاز الدين، وإعلاء كلمة الله، وإذلال الكفر، وقتل رؤسائه وصناديده، كان هذا أمرًا مفعولًا لا محالة، شاءه الله وقدَّره وهو واقع لا محالة إذا جاء وقته المحدّد له في مكانه المحدّد له في علمه جل وعلا. وهذا معنى قوله: ﴿لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾.
قوله: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾ [الأنفال: الآيتان ٤٢، ٤٣].
﴿ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: الآية ٤٢] قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير في رواية البزي، وعاصم في رواية شعبة أبي بكر: ﴿ويحيى من حيي عن بينةٍ﴾ بفك الإدغام في (حَييَ) وقرأه بقية السبعة: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ بإدغام الياء في الياء (^١). وهذه الكلمة إنما كتبت في المصاحف العثمانية بحاء
_________________
(١) انظر: السبعة ص٣٠٦ الإتحاف (٢/ ٨٠).
[ ٥ / ٦٦ ]
وياء واحدة، ولكنه عند الضبط الذين يقرؤون (حيي) بياءين بفك الإدغام يكتبون ياءً حمراء يبيّنون بها أنها لم تكن في رسم المصحف العثماني. فهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان ﴿ويحيى من حيِيَ عن بينة﴾، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾.
وقوله: ﴿لِّيَهْلِكَ﴾ إنما أوقع الله ما أوقع في بدر من الفرق بين الحق والباطل المبيّن في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ هذه (لام كي) المضارع بعدها منصوب بـ (أن) مضمرة. والمعنى: فرق بين الحق والباطل بإيضاح أن دين الإسلام حق، وأن عبادة الأوثان باطل؛ لأجل أن يهلك من هلك؛ لأجل أن يهلك بكفره المتمادي على الكفر بعد وضوح بطلانه عن بينة، أي: عن دليل واضح وبرهان قاطع لا يُشك في الحق معه؛ لأن البراهين المحسوسة يدركها الغبي ولا تختص بالعالِم. ﴿وَيَحْيَى﴾ بدين الإسلام ﴿ومَنْ حَيَّ﴾ به ﴿عَن بَيِّنَةٍ﴾ أي: عن دليل واضح؛ لأن ذلك الفرقان جعله الله بوقعة بدر ليؤمن المؤمنون على برهان وبصيرة وبيان قاطع، ويكفر الكافرون على وضوح أيضًا وبيان وبرهان قاطع.
والبينة (^١): كل دليل لا يترك في الحق لبسًا تُسَمِّيهِ العرب (بيّنَة) ومنه قيل للشهود الشَّاهِدِين على الحق: (بيّنة)؛ لأنهم يبيّنون ويوضّحون من له الحق ومن عليه الحق. وهذا هو التحقيق في معنى قوله: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمع كل ما يقوله خلقه، ويعلم كل ما يفعله خلقه.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ٦٧ ]
وكونه (جل وعلا) سميعًا عليمًا هذا هو البرهان الأكبر والزَّاجِر الأعْظَم الذي لا تكاد تقلب ورقة واحدة من المصحف الكريم إلا وجدته فيه؛ لأن المصحف الكريم لا تكاد تنظر في موضع منه إلا وتجد فيه: ﴿إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ٢٣١] ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٣] ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] ﴿لَا يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: الآية ٥] لا تكاد تحصي هذا؛ لأن هذا أكبر واعظ وأعظم زاجر أنْزَلَهُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأرض، وأنه هو الذي يحصل به النَّجَاح في محكّ الاختبار الإنساني بِأَسْرِهِ.
وإيضاح هذا الكلام: أن الله (جل وعلا) بَيَّنَ في آياتٍ مِنْ كِتَابِهِ أن الحكمة التي خلق السماوات والأرض والخلائق من أَجْلِهَا هي أن يبتلي خَلْقَهُ فِي نقطة واحدة هي: إحسان العمل (^١)، وليست بكثرة العمل، قال في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بَيَّنَ الحِكْمَةَ فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: الآية ٧] ولم يقل: أكثر عملًا، وقال في أوَّلِ سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بيّن الحكمة فقال: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: الآية ٧] ولم يقل: أكثر عملًا. وقال في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بيّن الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: الآية ٢] ولم يقل: أكثر عملًا. فدلّت هذه الآيات على أن محكّ الاختبار هو إحسان العمل؛ ولذا كل الناس يقول: «ليتني أدركت ما أنجح به في هذا الاختبار، وعرفت الطريق الذي يُتوصّل بها إلى أن أكون أحسن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٦٨ ]
عملًا». وكان جبريل (﵊) لاحَظَ شِدَّة الحاجة إلى هذه النقطة الحسّاسَة فأراد أن يبينها لأصحاب رَسُول الله ﷺ ليعلِّمَهُمْ هذا العلم العظيم، فجاء في صورة أعرابي في حديثه الصحيح المشهور، وقال للنبي ﷺ في جملة ما سأله عنه: يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- أخبرني عن الإحسان. يعني: وهو الذي خلق الخلق للإخبار فيه، فبيّن له النبي ﷺ أن طريق الإحسان ووسيلته الوحيدة هي هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعْظَم الذي هو مُرَاقَبَةُ خالق هذا الكون (جل وعلا). فقال له: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١).
ولأجل تأكد هذا العلم وإحضاره في ذهن كل مسلم كنت لا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا ووجدت فيها هذا الزاجر الأكبر والواعظ الأعظم: أن ربّك مطّلعٌ على كل ما تقول وكل ما تفعل. ولو علم أهل بلد أن أمير ذلك البلد يعلم كل ما يفعلونه بالليل من الخَسَائِسِ لَبَاتُوا متأدّبِين لا يفعلون إلا ما لا يجر لهم ضرًّا، وهذا خالق السماوات والأرض (جل وعلا) يعلم خَطَرَات القلوب، ومع هذا لا يبالون بهذه الزَّوَاجِر العِظَام والمواعظ الكبار.
وقد ضرب العلماء لهذا مثلًا (^٢) قالوا: ولو فرضنا -ولله المثل الأعلى- أن في هذا البراح من الأرض ملكًا عظيمًا شديد البأس والبطش إذا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُه، وحوله نساؤه وجواريه وبناته، وحوله جلوس، هل يخطر في ذهن أحد أن أحدًا من أولئك الجلوس يهتم بريبة، أو غمزة عين، أو إشارة؟ لا وكلا، كلهم خاضع خاشع
_________________
(١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٦٩ ]
الجوارح، أمنيته السلامة. والله (جل وعلا) -وله المثل الأعلى في السماوات والأرض- أعظم بطشًا وأشَدّ نكالًا، وأعظم اطلاعًا، وحِمَاه في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، فالمسلمون إذا ذكروا هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم حاسبوا، ولم يفعلوا ما يخجلهم أمام رَبِّهِمْ (جل وعلا)؛ ولذا كثر في القرآن هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم بعد كل أوامر وكل نواهٍ، ومنه قوله هنا: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: الآية ٤٢].
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: الآية ٤٣] قال بعض العلماء: (إذ) بدل من الظروف قَبْلَهُ. وقال بعضهم: منصوب بـ (اذكر) مقدرًا (^١).
ومعنى الآية الكريمة: أن النبي ﷺ رَأَى على التحقيق فيما يرى النائم -ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ لا شك فيها- أراه الله في نومه أن المشركين قليل جدًّا. وبعض العلماء أنكر معناها الواضح المتبادر للذّهن؛ لأنه لم يفهم الحقيقة. قالوا: كيف يُريهم قليلًا في مَنَامِهِ ورؤيا الأنبياء حَقّ، والنبي ﷺ يعلم أنهم حوالي ألف، كيف يعلم أنهم قريبون من الألف ويَرَى في المنام خلاف ما هو يعلم مع أن رؤيا الأنبياء حق (^٢)؟ وغفل مَنْ قال هذا القول وإن قال به جماعة من أجِلاّء العلماء؛ لأن رؤيا النبي ﷺ حق، وتأويلها حق، كما قال يوسف: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: الآية ١٠٠] لأن معنى رؤياه هو ما سيأتي في قوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٤]. لأن الله قلّل كلًاّ من الطائفتين في عين الأخرى في اليقظة
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٦١٥).
(٢) انظر: البحر (٤/ ٥٠١).
[ ٥ / ٧٠ ]
حتى إنهم لما تصوبوا من عقنقل بدر قال ابن مسعود (﵁): قلت لصاحبي: أتراهم يبلغون السبعين؟ قال: أظنّهم يبلغون المائة (^١). مِنْ شِدَّةِ تقليل الله لهم في عيون الصحابة، والله قَلَّلَ الصحابة في عيون المشركين حتى قال أبو جهل: إنهم أَكَلَةُ جَزُور. يعني: الجزور قد يأكلها ناس قليلون.
فقلّل الله هؤلاء في أعْيُنِ هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، فَبَعْدَ أَنِ الْتَحَمَ القِتَالُ والْتَقَى الصفّان أكثر الله المؤمنين في أعين الكافرين حتى صاروا يظنونهم ضعْفَيْهِمْ، كما تقدّم في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: الآية ١٣]؛ لأن الكفار بعيونهم يَرَوْنَ أن المسلمين أكثر منهم بالضِّعْف؛ لأن الله فعل كل ذلك لحكمة قبل أن يتلاقى هؤلاء وهؤلاء، جعل هؤلاء قليلًا في أعين هؤلاء، وهؤلاء قليلًا في أعين هؤلاء، ثم لما الْتَحَمَ القتال والتقى الصفان أَكْثَر المسلمين في أعين الكافرين فظنوا أنهم أكثر منهم مرتين؛ ولذا قال هنا: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: الآية ٤٣] لأن النبي ﷺ أراه الله الكفار في النوم قليلًا وأخْبَرَ بها أصحابه ففَرِحُوا بذلك وقويت قلوبهم وتهيئوا للقتال، والله (جل وعلا) صدّق تلك الرؤيا بأن قلَّلَهُم في أعينهم يوم بدر، كما يأتي الآن، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾ لو أراك في النوم أنهم عدد ضخم كثير كالألف وأخبرتهم بذلك لخافوا وقالوا: لم نستعد لهؤلاء، وإنما خرجنا للعير!! كما تقدم في قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: الآيتان ٥، ٦] وهذا معنى
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٣/ ٥٧٢). وعزاه في الدر (٣/ ١٨٩) لابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه.
[ ٥ / ٧١ ]
قوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾ الفشل ضد النجاح، وهو الجبن والخور؛ أي: لأصابكم الخور والجبن وتنازعتم في هذا الأمر، هذا معنى قوله: ﴿لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ بأن قال قوم: نذهب إليهم وإن كانوا كثيرًا. وقال آخرون: ما ذهبنا إلا للعير، وما ذهبنا مستعدِّين لنفير كثير.
وحصل فيكم الفشل والتنازع في الأمر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿سَلَّمَ﴾ من هذا الفشل ومن هذا التَّنَازُع بأن أرى رسوله ﷺ في المنام أنهم قليلون لتتجرءوا عليهم، وقَلَّلكم في أعينهم فعلًا يقظة رأْيَ العين، وقللهم في أعينكم تصديقًا لرؤيا الرسول ﷺ، هذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ المراد بذات الصدور: ما يُصَاحِبُ الصدور ويَكْمُنُ فيها من الخواطر والهواجس، وقد علم أنه لو أراه إياهم كثيرًا لتنازعتم في ذلك الأمر ولفشلتم، فهو يعلم بما يهجس في الصدور، وما يخطر فيها، وما توسوس به النفوس، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٣].
ثم قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: الآية ٤٤] فهذا رأي في العين تصديقًا لرؤياه ﷺ واذكر حين يريكموهم الله في منامك قليلًا. الصحيح أن (قليلًا) هنا و(كثيرًا) أنهما حالان، وأنها (رأى) البصرية عُدِّيَتْ بالهمزة فَتَعَدَّتْ إلى مفعول آخر، وأن (قليلًا) ليس مفعولًا ثالثًا، خلافًا لمن قال من بعض العلماء: إنها عُدِّيَتْ هُنَا إلى المفعول الثالث. والأصوب: أن (قليلًا) هنا حال، وأنها ليست بمفعول ثالث؛
[ ٥ / ٧٢ ]
لأن (رأى) هذه بصرية لا علمية على التحقيق (^١). وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ يعني ترونهم كأنهم شيء قليل لتتجرءوا عليهم وتشجعوا وتقوى نفوسكم عليهم، وقد جاء عن ابن مسعود (﵁) أنهم لما تصوبوا من كثيب بدر قال لرجل معه: أتظنّهم يبلغون سبعين - وهم ألف - فقال الرجل: أرى أنهم يبلغون المئة (^٢). هذا من شدة تقليلهم في أعينهم ليتجرءوا عليهم، كذلك ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ لما رأوهم قالوا: هؤلاء أكَلَةُ جزور ليسوا بشيء. وقال أبو جهل: لا تقتلوهم بل خذوهم واربطوهم لِنَذْهَب بهم حيث نشاء. من شدة استقلاله لهم، وظنه أنهم لا شيء!! وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ليتجرأ هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء؛ لأجل أن يقضي الله أمره، وينفذ إرادته ومشيئته بتهيئته أسباب ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ بذلك ﴿أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ في علمه، وأزله، منفذًا في وقته لا محالة؛ لأن الله (جل وعلا) يقضي ويقدّر، فيقدر كل ما شاء ثم يقضيه مُنْجَزًا في أوْقَاتِهِ في أماكنه على هيئته وصوره التي سبق بها علمه (جل وعلا) ولذا قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾.
﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ جل وعلا وحده ﴿تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ قرأ هذا
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٦١٥).
(٢) مضى قريبًا.
[ ٥ / ٧٣ ]
الحرف ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو (^١): ﴿وَإِلَى اللهِ تَرْجِعُ الأمُورُ﴾ ببناء الفعل للفاعل. وقرأه بقية السبعة: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ ببناء الفعل للمفعول. فـ (الأمور) على الأول فاعل (ترجع) وعلى القراءة الثانية: نائب فاعل (تُرجع) (^٢). و(الأمور) جمع أمر، ويعم كل الشئون. والمعنى: مدار الأمور ومصيرها إليه (جل وعلا) كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى: الآية ٥٣] وقد صار إليه هذا الأمر وآل إليه فنفذ فيه مشيئته وقدرته، وهيأ الأسباب حتى هزم الكفرة وقتل صناديدهم ورؤساءهم وكسر شوكتهم على أيدي أوليائه المسلمين، ونصر نبيه ﷺ وأصحابه وأيّدهم بنصره، وهذا قضاؤه وقدره (جل وعلا)، والله يهيئ الأسباب، ولو شاء فعل بلا سبب، إلا أنه اقتضت حكمته أن يرتب المسبّبات على أسباب، ويسبب للأشياء (جل وعلا) ﷾.
[٥/ب] / ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ
_________________
(١) قرأه بالبناء للفاعل: ابن عامر وحمزة والكسائي. وبالبناء للمفعول: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم. انظر: السبعة ص١٨١، المبسوط لابن مهران ص١٤٥، إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٨٠).
(٢) انظر: حجة القراءات ص١٣٠ - ١٣١.
[ ٥ / ٧٤ ]
فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ [الأنفال: الآيات ٤٥ - ٤٨].
يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: الآية ٤٥].
هذه الآية الكريمة تضمنت تعليم الله لنبيِّه وأصحابه بعض الخطط العسكرية، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ناداهم باسم الإيمان ليكون ذلك مدعاة للقبول: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ أي: طائفة. أي: جيشًا من جيوش الكفار يقاتلونكم إذا لقيتموهم في ميدان القتال والتحمتم أنتم وهم ﴿فَاثْبُتُواْ﴾ يعني: لا تنهزموا، ولا تولوهم الأدبار، فاصمدوا أمامهم واثبتوا، ولا تتزعزعوا، ولا تنهزموا، ولا ترجعوا القهقرى. وهذا تعليم من خالق السماوات والأرض للمسلمين إذا الْتَحَم القتال أن يثبتوا ويصمدوا صمود الرجال، ولا ينهزموا ولا يرجعوا القهقرى.
ثم إنه عَلَّمَهُم التعليم الأكبر الذي هو سبب للنصر والظفر في جميع الميادين، قال: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (كثيرًا): نعت لمصدر محذوف؛ أي: ذكرًا كثيرًا ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ أي: لأجل أن تفلحوا (^١). وهذا هو التعليم السماوي للخطط الميدانية التي يحصل بها انهزام الكفر وانكسار شوكته، كأنه يقول لهم: في هذا الوقت الضنك الحرج الذي الْتَحَمْتُمْ فيه مع جيوش الكفار في هذا الوقت قووا صلتكم بمن خلقكم -جل وعلا- واذكروه ذكرًا كثيرًا. والمعنى: أنكم عند هذه الشدائد، وعند التحام القتال والمفروض أن
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٤١٣).
[ ٥ / ٧٥ ]
الرِّجَالَ تنْزِل رؤوسهم عن أعناقهم، في هذا الوقت الضنك الحرج وثّقوا صلتكم بالله، واذكروا ربكم ذكرًا كثيرًا، فبذلك ينزل عليكم المَدَدُ مِنَ السَّمَاءِ، ويَتَسَنَّى لكم النصر، وتقهرُونَ الكُفَّار، وتَنْكَسِرُ شوكة الكفر. هذه عادة التعاليم السماوية، تجمع للناس بين ما تنتعش به أرواحهم، وبين ما تتقوى به أجسامهم (^١)، فالتعاليم السماوية تُعْطِي الإنسان نصيب جُزْئَيْهِ، أعني: نصيب جسمه ونصيب روحه، وإذا أهمل أحد النصيبين تحقَّقَ الفَشَلُ والخور والهزيمة؛ لأن هذا الإنسان هو حيوان مركب من عنصرين مختلفين اختلافًا أساسيًا جوهريًّا؛ أحدهما: يُسَمَّى الجِسْم، والثاني: يُسمى الروح، فالإنسان جسم وروح، فأحد عنصريه اللذين هما أساساه: الروح، والثاني: الجسم. والروح والجسم مختلفان اختلافًا أساسيًّا جوهريًّا، وبحسب اختلافهما الأساسي تختلف متطلباتهما في هذه الحياة، فللجسم متطلبات لا بد له منها، وللروح متطلبات لا بد له منها، ولا تغني متطلبات هذا عن متطلبات هذا. والقرآن العظيم يعطي كلًاّ من العنصرين حقه كما ينبغي. يقول: أعطوا الأجسام حقها بالثبوت والصمود، وأعطوا الأرواح حقها بتغذيتها بصلتها بخالقها وتقويتها، وانتظار المدد من السماء.
ونظير هذه الآيات: إذا قرأتم آيتين من سورة النساء فَهِمْتُمْ هذا المعنى كما ينبغي، وهما الآيتان اللتان أنزلهما الله في صلاة الخوف، فإنه يقول لنبيه: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ [النساء: الآية ١٠٢] هذا وقت الْتِحَام
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٧٦ ]
الكفاح المُسَلَّح، فالمفروض أن الرجال تَنْزِل رؤوسهم عن أعناقهم في هذا الوقت الضنك الحرج، فالقرآن الذي هو تنزيل رَبّ العالمين يوضح الخطة العسكرية كما ينبغي (^١)، على الوجه الذي يردون فيه العدو، وليتسنى لهم في ذلك الوقت الاتصال بخالق السماوات والأرض وأداءُ أدَبٍ من الآداب الروحية الذي هو الصلاة في الجماعة في ذلك الوقت، فالصلاة في الجماعة وقت الْتِحَام ذلك الكِفَاح المُسَلَّح هي من ذكر الله المأمور به هنا في سورة الأنفال في قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ فالمؤمنون إن ساروا في ضوء هذه التعاليم السماوية، وكانوا في طاعة الله، وفي ذكر الله، وتقدموا صابرين في الميدان فإنهم لا يقوم أمامهم شيء، كما هو مشاهد في التاريخ لأن هؤلاء الرجال الذين عُلِّموا هذا التعليم في آية الأنفال هذه ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ وفي سورة النساء: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: الآية ١٠٢] ليصلّوا الجماعة في ذلك الوقت الحرج، ويقوّون صلتهم بالله، هؤلاء الذين أخذوا بهذه التعاليم هم الذين أخذوا كنوز قيصر وكسرى، وحملوا نور الإسلام في مشارق الدنيا، ودان لهم جميع الأمم، ورفعوا رايات الإسلام في جميع أقطار الدنيا.
أما هؤلاء الذين يَبِيتُون يَشْرَبُون الخمور، وتعزف عليهم القيان، وهم في المجالس الماجنة الخليعة، ثم بعد ذلك يصبحون في الميدان فهؤلاء ليسوا برجال ميدان، ولا يُرجى منهم تحقق شيء، ولا رد مسلوب من بلاد، ولا مِنْ مَجْد، ولا من شيء!! فما دام الذين يتقدمون في خطوط النار الأمامية فجرة، شَرَبَة للخمور، أصحاب معازف وغوانٍ وملاهٍ، فهؤلاء من يريد النصر
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٦) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٧٧ ]
ويُؤمّله من ورائهم فهو مُغفَّل؛ لأن هؤلاء ليسوا برجال ميدان، فلا يمكن أن يَرُدُّوا مسلوبًا مِنْ مَجْدٍ وَلَا مِنْ بِلاد، ولا أن ينتصفوا من أحد كائنًا ما كان؛ لأنهم تركوا التعاليم السماوية والخُطَط العسكرية التي هي كَفِيلَة بقمع الكفار، وإيقافهم عند حَدِّهِمْ، وكسر شوكة الكفر، وإعلاء كلمة الله جل وعلا.
فالحاصل أن السلاح الأكبر في ميادين القتال هو ذكر الله -جل وعلا- وطاعته وامتثال أمره؛ لأنه هو الذي منه النَّصْر والمَدَد. والله كذلك يأمر خلقه ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ أما الذين إذا لقوا فِئَة فلا يذكرون الله، وليس في قلوبهم خشية من الله، ولا عمل بدينه، فهؤلاء لا يُؤمّل من ورائهم فائدة إلا مغفل مثلهم لا يفهم شيئًا. وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا﴾ ذكرًا كثيرًا؛ لأن ذكركم لله كثيرًا تتقوى به أرواحكم، وتتصلون به بربكم، وينزل لكم بسببه المدد من خالق السماوات والأرض.
والصحابة (﵃) كذلك كانوا يفعلون، يذكرون الله ويخافونه في الميدان فيأتيهم النصر؛ ولذا قهروا الدنيا بأسرها، وأخذوا كنوز قَيْصَرَ وكِسْرَى كما هو معلوم. وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ قال بعض العلماء (^١): (لعل) في القرآن كلها مشمة معنى التعليل، فهي تفيد معنى التعليل، إلا التي في الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: الآية ١٢٩]
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
[ ٥ / ٧٨ ]
قالوا: فهي بمعنى: كأنكم. والتحقيق أن لفظة (لعَلَّ) تأتي في اللغة العربية مُرادًا بها التعليل، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^١):
فقُلتمُ لنا كُفُّوا الحُروبَ لعَلنَّا نكُفُّ ووثَّقْتمُ لنا كُلَّ مَوْثقِ
فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهودُكمُ كشِبْهِ سَرَابٍ بالفَلا مُتألِّقِ
فقوله: «كفوا الحروب لَعَلَّنَا نَكُف» أي: لأجل أن نكفّ عنكم.
وقوله: ﴿تُفْلَحُونَ﴾ هو مضارع (أفلح الرجل، يفلح، فهو مُفلح): إذا نال الفَلَاح. والفلاح يُطلق في لغة العرب إطلاقين معروفين مشهورين (^٢):
أحدهما: تطلق العرب الفلاح بمعنى الفوز بالمطلوب الأكبر، فَكُلُّ مَنْ فَازَ بالمطلوب الذي كان يهتم به جدًّا، وهو مِنْ أَكْبَرِ مَطَالِبِه، تقول العرب: أفلح هذا. أي: فاز بما كان يطلب، وهذا معْنًى معروف في كلامها، ومنه قول لبيد بن ربيعة (^٣):
فَاعْقِلي إِنْ كُنْتِ لمَّا تَعْقِلي ولَقَد أَفْلَحَ مَنْ كانَ عَقَلْ
أي: مَنْ رَزَقَهُ الله العقل ففاز بالمطلوب الأكبر في الدنيا.
الإطلاق الثاني: هو إطلاق العرب الفلاح على البقَاء السرمدي في النعيم، فالعرب تقول: أفلح هذا: إذا كان باقيًا خالدًا في نعيم سَرْمَدِيّ، وهذا المعنى معروف مشهور في كلام العرب أيضًا، ومنه
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ٧٩ ]
قول لبيد بن ربيعة أيضًا (^١):
لو أنَّ حيًّا مُدْرِكَ الفَلَاحِ لنَالَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ
يعني بقوله: «مدرك الفلاح»، أي: مدرك البقاء بلا موت، ونظيره من كلام العرب: قول كعب بن زهير، أو الأضبط بن قريع، كما قيل بكل منهما (^٢):
لكلِّ هَمٍّ من الهُمُوم سَعَهْ والمُسْيُ والصُّبحُ لا فَلاحَ مَعَهْ
أي: لا بقاء في الدنيا مع تكرر اللَّيْلِ والنهار.
إذا عرفتم معنيي الفلاح فمن أطاع الله (جل وعلا) وذكره كثيرًا نال الفلاح بمعنييه، ففاز بمطلوبه الأكبر وهو الجنة ورضا الله، ونال البقاء السرمدي الأبدي في نعيم الجنات.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن الذين إذا لقوا فئة من فئات الكفار في ميدان القتال ولم يثبتوا أو لم يذكروا الله كثيرًا، أنهم لا يفلحون. وهو كذلك؛ لأن النصر من الله. كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ١٠] قال في بدر: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ مع أنه أنزل ملائكة السماء ناصرين، يعني: لا تظنوا أن الملائكة ينصرونكم، الناصر هو الله وحده (جل وعلا)؛ ولذا قال: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥].
﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] هذه التعاليم السماوية الكفيلة بالنصر والظفر وقمع القردة الكفرة وإيقافهم عند
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١١) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
[ ٥ / ٨٠ ]
حدهم ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ فيما يأمركم به على لسان رسوله ﷺ، وأطيعوا رسوله ﷺ فيما يبلّغكم عن ربكم ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: الآيتان ٣ - ٤].
والياء في قوله: ﴿أَطِيعُواْ﴾ الياء التي بين الطاء والعين أصلها (واو) لأن المادة من (الطَّوع) فهو أجوف واوي العين، أصلها: «أَطْوِعُوا» من «الطَّوع» لا يائي من (الطَّيْع) (^١).
ومعنى إطاعة الله: هي الانقياد لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، في النيات والأفعال وكل شيء، وهذا معنى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
﴿وَلَا تَنَازَعُواْ﴾ أصله: لا تتنازعوا، لا ينازع بعضكم بعضًا وتختلفوا؛ لأن الناس غالبًا تختلف نحلُهُم ووجهات نظرهم. يعني: إذا اختلفت وجهات نظركم لا تتنازعوا وكل منكم ينصر ما رآه فيخالف أخاه، بل كونوا متفقين دائمًا؛ لأن الله (جل وعلا) شرع لكم طريقة تتفقون عليها وهي اقتفاء نبيكم ﷺ والسير في ضوء الكتاب الذي أنزله عليه والسنة التي تركها ﷺ. وما دام هو ﷺ موجودًا بين أظهرهم فمعلوم أن المصير إلى ما يقوله ﷺ، وهذا معنى: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ﴾ فإنه نهاهم عن النزاع؛ لأن التنازع أكبر أسباب الفشل.
والتنازع غالبا يكون بسبب الأغراض الشخصية، وتقديم الأغراض الشخصية الدنيوية على المصالح العامة، فهذه البلية سوسة في الدنيا، وهي أضَرّ أدْوَاء هذا العالم، وهي تقديم المصالح
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٤٢١، ٤٢٢.
[ ٥ / ٨١ ]
الشخصية على المصالح العامة، وقد نزلت بسببها بليّة يتضمنها إشكال أزاله الله بفتوى سماوية من عنده؛ لأن الله (جل وعلا) ربما سَلَّطَ بعض الكفار على بعض المسلمين، وهي مشكلة واقعة الآن، يقول هؤلاء الشباب -الذين هم خفافيش أعماهم نور الإسلام، فصاروا يتطلبون النور في ظلام آراء الكفرة الفجرة- يقولون: كيف نكون على الحق وديننا دين حق ونحن مستضعفون مضطهدون في أقطار الدنيا، والكفار الذين تقولون: إنهم على باطل وليسوا على حق هم الذين معهم القوة والسيطرة، يبتزّون ثَرَوَاتِنا، ويضطهدوننا في أقطار الدنيا؟! وهذه المشكلة إنما يسببها التنازع والفَشَل، والأغراض الشخصية، وتقديمها على المصالح العامة. وهذا الإشكال بعينه قد اسْتَشْكَلَهُ أصْحَاب رَسُول الله ﷺ والنبي ﷺ موجود بين أظْهُرِهِمْ، والمَلَك يروح ويغدو بالوحي، فأفتى الله فيه فتوى سماوية هي قرآن يُتْلَى في سورة آل عمران، وذلك أن النبي ﷺ يَوْمَ أحُد لما صفَّ الصفوف، والتحم القتال بين المسلمين والمشركين، وكان المسلمون سبعمائة مقاتل، والمشركون ثلاثة آلاف مقاتل، أخذ عبد الله بن جبير -أخا خوّات بن جبير- (﵃) وأمّره على طائفة الرماة، وقال له: «كُونُوا عِنْدَ سَفْحِ هَذَا الجَبَلِ -يعني جبل أُحد- وَلَا تَأْتُونَا أَبَدًا، إِنْ غَلَبَنَا الْقَوْمُ فَلَا تَأْتُونَا، وَإِنْ غَلَبْنَاهُمْ فَلَا تَأْتُونَا» (^١)،
وأمرهم بأن يثبتوا عِنْدَ سَفْحِ الجَبَلِ لِئَلاّ يأتيهم القوم من الوراء من بينهم وبين
_________________
(١) البخاري في الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، حديث رقم: (٣٠٣٩) (٦/ ١٦٢)، وأطرافه في (٣٠٤٣، ٣٩٨٦، ٤٠٦٧، ٤٥٦١) ..
[ ٥ / ٨٢ ]
الجبل، فلما الْتَحَمَ القِتَالُ في المرة الأولى، وهلك حملة اللواء مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وانهزم المشركون هزيمة منكرة، ترك الرماة أمر رَسُول الله ﷺ لمصالحهم الشخصية، وهي الانتفاع بمال الغنيمة، فقال لهم رئيسهم عبد الله بن جبير (﵁): أما أنا فلا أخالف قول رَسُول الله ﷺ. وبقي معه نَفَرٌ قَلِيل. والآخرون راحوا يطلبون الأغراض الشخصية الدنيوية، وتَرَكُوا أمْرَ الرَّسُول. فنَظَرَ المُشْرِكُونَ فَإِذا الجَبَلُ ليس دونه رجال، فجاءوا مِنْ سَفْحِ الجَبَلِ وأتوهم مِنْ وَرَاءِ ظهورهم، ودارت عليهم رَحَى الحرب، وأوقع الله ما أوقع بالمسلمين، كما قَصَّهُ في سورة آل عمران في يوم أحد، قُتل مِنْ خِيَارِ الأنْصَار سبعون رجلًا، وقُتل عَمّ رَسُول الله ﷺ أسَد الله حمزة بن عبد المطلب، وقُطِعَ أنْفُهُ وأذُناه، وأُخذ بعض كبده لهِنْد بِنْت عُتْبة، وقُتِلَ ابْنُ عمته عبد الله بن جحش، وقتل حامل رايته مُصْعَب بن عمير العَبْدَرِي (﵁). وشَمَّاس بن عثمان المخْزُومِيّ، وأوقع الله ما أوْقَع بسبب تلك الأغراض الشخْصيَّة وتقديمها على أمر الرسول ﷺ، وجُرح ﷺ وشُقَّت شَفَتُهُ السُّفْلَى اليُمْنَى، وكُسِرَتْ رَبَاعيَّته، وشُجَّ حتى غَاص في جَبْهَتِهِ بعض حِلَق المغفر الذي هو على رأسه، وانْتَزَعَهُ أبو عبيدة بن الجراح (﵁) فسقطت معه ثنيتاه العلييان لقوته، فكان أثرم (﵁)، أي: ساقط الثنيتين. لما وقع هذا استشكله أصحاب رَسُول الله ﷺ هذا الاستشكال، وقالوا: كيف يُدال منا المُشْرِكُون، وتكون لهم دولة عَلَيْنَا، ويقتلوننا ويجْرَحُونَنا وفِينَا رَسُول الله ﷺ ومعنا الحَق؟ فهذا هو وجه الإشكال.
فأفْتَى اللهُ بِإِزَالة هذا الإشكال فتوى سماويَّة، قرآنًا يُتْلَى في آل عمران، قال:
[ ٥ / ٨٣ ]
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٦٥] يعني بقتل السَّبْعِين الذين قُتلوا منكم يوم أُحُد ﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ سابقًا يوم بدر بأن قتلتم سبعين وأسَرْتُمْ سَبْعِين على أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ وأكثرهما قائلًا، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ وهو محل الشاهد، هذا استشكال الصحابة ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ مِنْ أَيْنَ جَاءَنَا هَذا، وكيف يُدالون مِنَّا، ونحن على حق، وهم على باطل، وفينا رَسُول الله ﷺ، وعلينا ينزل القرآن؟ كيف يُدالون منا؟ هذا الاستشكال نص عليه الله في قوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ فأجاب الله بفتواه الإلهية السماوية قال لرسوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ من قِبَلكم جاءت البَلِيَّة، وأنْتُم الَّذِين جنيتموها على أنفسكم، وقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ فيه إجمال أوْضَحَهُ الله في آية سورة آل عمران هذه، أوْضَحه بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٢] يعني: بالنصر على الأعداء ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ يعني تقتلونهم قتلًا ذَرِيعًا يُطفأ معه الحس، ويزول الحس بعده ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ من هذه البلايا جاءت البلية ووقع ما وقع؛ ولذا نهى الله عن هذا قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] وأكبر أسباب النِّزَاع: تقديم المصالح الشخصية والأغراض الدنيوية على المصالح العامة. وهذه أكبر البلايا التي يَأْتِي من قِبَلِها الشر للمسلمين؛ لأنه قد يخالف بعض المسلمين فتكون العقوبة عامة للجَمِيع. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦].
الفشل: ضد النجاح. قال بعض العلماء: معناه تضعفوا
[ ٥ / ٨٤ ]
ويستولي عليكم الخور (^١) ﴿فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الإنسان إذا كان في عمل يديره ليُحَصِّلَ ورَاءَهُ نتيجة فإن تم له عمله ووقع ما أراد قالت العرب: نجح في أمره. وإن كان عكس ذلك قالوا: فشل في أمره، لم ينجح. وقال بعض العلماء: ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾ يستولي عليكم الضعف والخور؛ لأن النزاع من أكبر أسباب الضعف والخور وعدم انتظام الكَلِمَة، وهذا النِّزَاع والاختلاف هو مشكلة عُظْمَى في أقطار الأرض؛ لأن من يَتَسَمَّوْن باسم المسلمين ينازع بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا، وقد بَيَّنَ تَعَالَى في سورة الحشر أن اختلاف القلوب، والمنازعات الشديدة، وتشتُّت الآراء والأفكار، وعدم الاتحاد، أن سبب هذا الذي يجتلبه به إنما هو ذهاب العقل وعدم العقل؛ لأن العاقل لا يتسبب في المخالفة؛ لأنك إذا اختلفت أنت وأخوك كان تدبيره وكُلّ ما عنده من قوة يعمل ضدك، فإذا كنت عاقلًا -ولو عقلًا دنيويًّا- كان تسببك في أن يكون معك؛ لأن كون قوته وما أعطاه الله في صالحك خير لك من أن يكون في غير ذلك؛ ولذا بيّن تعالى أن سبب اختلاف القلوب هو ضعف العقول وعدمها، قال في قوم -وهم اليهود لعنهم الله- ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: الآية ١٤] أي: مختلفة مفترقة، فرق متعادية مختلفة. ثم بَيَّنَ العِلَّةَ التي أوجبت تشتت تلك القلوب قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وقد تَقَرَّرَ في علم الأصول أن العلل تعمّم معلولاتها وتخصصها كما هو معلوم في محله (^٢). وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] الفاء
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٧٥).
(٢) انظر: نثر الورود (٢/ ٤٧٣).
[ ٥ / ٨٥ ]
سببية. والمعنى: أن التنازع سبب للفشل، والفشل: عدم النجاح والضعف والخور وعدم التمكن. والفاء سببية، والمضارع منصوب بعدها بـ (أن) المضمرة كما هو معلوم في محله. وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ معطوف على المنصوب بـ (أن) المضمرة قبله.
وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ للعلماء في المراد بالريح هنا أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا (^١):
قال بعضهم: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ معناه: تذهب قوتكم. وهذا كالتوكيد لقوله: ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾؛ لأن من فشلوا فقد ذهبت قوتهم، وحاصل الريح هذه في كلام العرب أنهم يريدون بها الدولة أعْنِي: وتذهب دولتكم ويكون الأمر إلى غيركم؛ لأن العرب تقول: «هَبَّتْ رِيحُ فُلَانٍ». أي: دالت دولته وجاء وقته الذي يتمكن به. وهذا معنى معروف في كلام العرب وفي لُغَتِهَا التي نزل بها القرآن، وهو معْنًى مشهور معروف. «هبت ريحك فاغتنم» أي: دالت دولتك وجاء الوقت الذي أنت تتمكن فيه. هذا معناه معروف في كلام العرب، وعلى هذا المعنى ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تَنْعَدِمُ دَوْلَتُكُمْ وتضيع، ويصير الأمر إلى غيركم، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
يَا صَاحِبَيَّ ألَا لَا حَيَّ بِالوَادِي إِلَاّ عَبِيدًا قُعُودًا بَيْنَ أذْوَادِ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٧٥)، القرطبي (٨/ ٢٤)، البحر (٤/ ٥٠٣)، الأضواء (٢/ ٤١٤).
(٢) البيتان في الأغاني (٢٠/ ٣٩١)، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال (١/ ٣٤٠)، والبيت الثاني في البحر (٤/ ٥٠٣)، الدر المصون (٥/ ٦١٧)، وقد ذكرهما الشيخ (﵀) في الأضواء (٢/ ٤١٥).
[ ٥ / ٨٦ ]
أتَنْظُرانِ قَلِيلًا رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ أمْ تَعْدُوانِ فإنَّ الرِّيحَ لِلْعَادِي
فقوله: «إن الريح للعادي» أن الدولة والظفر للذي يعدو فينهب فيأخذ، هذا معنى قوله. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر (^١):
إذا هبَّتْ رِيَاحُكَ فاغْتَنِمْهَا فَإِنَّ لِكُلِّ عَاصِفةٍ سُكُون
قال بعضهم: (إن) هنا اسمها ضمير الشأن، والمبتدأ وخبره خبرها، ومعنى: (هبت رياحك) أي. دالت دولتك فاغتنم الفرصة (فإن لكل عاصفة سكون) أي: لكل دولة تولٍّ ودبور، هكذا قاله بعض العلماء. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه وصايا سماوية، وتعاليم من رب العالمين عظيمة، من أخذ بها ظفر، ومَنْ تَرَكَها فشل وذهبت ريحه لا شك.
وقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ الصبر في لغة العرب معناه: حبس النفس (^٢). تقول العرب: فلان صبر نفسه. أي: حبسها على المكروه، وشجعها على الشيء الصعب، هذا معنى الصبر في لغة العرب، ومادته تتعدى وتلزم، تقول العرب: صبر فلان فهو صابر أي: كان متصفًا بالصبر، وصبر نفسه؛ أي: حبسها على المكروه. متعديًا للمفعول. ومن أمثلة تعديه للمفعول قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ الآية [الكهف: الآية ٢٨]. وقول
_________________
(١) البيت في القرطبي (٨/ ٢٤)، البحر (٤/ ٥٠٣)، الدر المصون (٥/ ٦١٧).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
[ ٥ / ٨٧ ]
عنترة، أو غيره (^١):
فصَبَرْتِ عارفةً بذلكَ حُرَّةً ترسُو إذا نفسُ الجَبَانِ تطَلَّعُ
يعني: حبست نفسًا عارفةً بذلك على القتال. هذا أصل معنى الصبر.
والصبر في الشرع يتناول أمورًا كثيرة منها (^٢): الصبر تحت ظلال السيوف؛ لأن الجنة تحت ظلال السيوف. ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ أي: ويتناول ذلك الصبر صبركم تحت ظلال السيوف في الميدان، ويتناول الصبر أيضًا: الصبر عن معصية الله وإن اشتعلت نار الشهوات، والصبر على طاعة الله وإن كنت كالقابض على الجمر. يتناول الصبر الصبرَ على هذا كله، والصبر على المصائب عند الصدمة الأولى. وهذا معنى قوله: ﴿وَاصْبِرُواْ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ومعيته للصابرين معية نصر وتأييد وتوفيق؛ لأن الله (﵎) ذكر في كتابه معية خاصة للمتقين والصابرين والمحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: الآية ١٢٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: الآية ٤٠] فهذه المعية الخاصة هي بالنصر والتوفيق ونحو ذلك. والمعية العامة هي بالإحاطة الكاملة، ونفوذ العلم، وإحاطته -جل وعلا- بكل شيء معلومة، وهي المذكورة في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: الآية ٧]
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
[ ٥ / ٨٨ ]
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: الآية ٤] لأن جميع الكائنات بسماواتها وأرضها في يد خالق السماوات والأرض أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعها بالإحاطة الكاملة العظيمة وبالإحاطة العلمية ونفوذ التصرف كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦].
لما أمرهم جل وعلا بالأوامر النافعة الكفيلة بالنجاة والسلامة مِنَ الفَشَلِ وذَهاب الريح نهاهم عن أضدادها المستوجبة للفشل وذهاب الريح والانهزام قال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧] النهي معطوف على الأمر، لأن قوله: ﴿فَاثْبُتُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] أمر. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ نهْي. والأمر والنهي كلاهما إِنْشَاء، يُعطف كل منهما على الآخر بلا نزاع. وإنما الخلاف بين العلماء في عطف الإنشاء على الخَبَرِ، أو الخبر على الإنشاء، فمنعه جماعة من العلماء. والتحقِيقُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القرآن العظيم واستقراء اللغة العربية: هو جَوَازُ عَطْفِ الخَبَرِ عَلَى الإنشاء، والإنشاء على الخبر (^١)، وإن ظن مَنْعه جماعة من علماء البلاغة (^٢) ومن النحويين. ومن عطف الإنشاء على الخبر في القرآن العظيم قوله تعالى عن أبي إبراهيم: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: الآية ٤٦] فقوله: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ الآية، خبر، وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ إنشاء؛ لأنه أمر، فهو إنشاء معطوف على خبر، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس (^٣):
_________________
(١) انظر: ضياء السالك (٣/ ٢١٤، ٢٢٠)، التوضيح والتكميل (٢/ ١٨٩).
(٢) انظر: المقتصد (٢/ ٩٥٨).
(٣) ديوانه ص١١١.
[ ٥ / ٨٩ ]
وإن شِفائي عَبْرةٌ إن سَفَحْتُها وهلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
لأن الشطر الأول خبر، والشطر الثاني إنشاء، وهو معطوف عليه. ونظيره قول الآخر (^١):
تُنَاغي غَزَالًا عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَامِرٍ وكَحِّلْ مَآقِيكَ الحِسَانَ بِإِثْمِدِ
وهو عطف إنشاء على خبر، وهذا هو الصواب.
﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧] أيها المؤمنون كالكفرة الفجرة أصحاب الفخر والخيلاء والرياء، فإن الفَخْرَ والخيلاء والرياء أوْصَاف ليست بأوصاف المسلمين، وليست بأوصاف المُقَاتِلِينَ النَّاجِحِينَ الظَّافِرِينَ في الميدان ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم﴾ هم كفار مكة، وهم نفير الجيش الذي الْتَقوا مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِإِجْمَاعِ المُفَسِّرِينَ خرجوا من ديارهم في مكة المكرمة -حرسها الله- ﴿بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ﴾ أي: لأجل البطر ومراءاة الناس، وقال بعضهم: هو مصدر مُنكّر بمعنى الحال. خرجوا في حال كونهم متصفين بالبطر والرياء. وكونه مفعولًا لأجله أظهر (^٢).
البطر في لغة العرب: هو التكبر عن قبول الحق مع غَمْطِ الحقوق. وتكبرهم هذا المشار إليه هنا هو الذي بَيَّنَّا في قصة أبي جهل (^٣)؛ لأن الكفار لما كانوا بالعدوة القصوى من بدر، وأرسلوا عمير بن وهب الجمحي (﵁) -وكان إذ ذاك كافرًا- وقالوا له: احزر لنا القوم. فجاء فحزرهم، فقال: القوم
_________________
(١) البيت لحسان (﵁)، وهو في ديوانه ص٨٣، وله روايات متعددة.
(٢) انظر الدر المصون (٥/ ٦١٦)
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥) من سورة الأنفال.
[ ٥ / ٩٠ ]
ثلاثمائة يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلًا، ولكن دعوني أنظر هل لهم كمين؟ فجال في فرسه في وادي بدر حتى أبعد، قال: ليس للقوم كمين، ولكني يا قوم رأيت البلايا تحمل المنايا، رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، والله لا يُقتل رجل منهم حتى يَقتل رجلًا منكم، وإن مات منكم أعدادهم فلا خير في الحياة بعد ذلك، فرأيي أن تنصرفوا. فأيَّدَهُ حكيم بن حزام (﵁)، وذهب إلى عتبة بن ربيعة وقال له: يا أبا الوليد إن عِير قريش نجت من محمد ﷺ وليس لهم لديه مطلب إلا دية ابن الحضرمي -عمرو بن الحضرمي- الذي قُتل في سرية نخلة، وهو حليفك فتحمَّل ديته وخلّ الناس يرجعون فإنه لا خير لهم في لقاء محمد ﷺ، فاجتمع عتبة وحكيم وعمير بن وهب على هذا الرأي، ولكن قال له عتبة: يا بن حزام اذهب إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل عمرو بن هشام قبحه الله- فقل له هذا، فلما جاءه قال له: انتفخ سحر عتبة -يعني انتفخت رئته من الخوف- فغضب عندها عتبة وقال: سيعلم مصفر استه غدًا من الجبان!! ثم إن أبا جهل -لعنه الله- قال لابن الحضرمي: أنت ترى ثأرك فلا يردّنك هؤلاء عن ثأرك فتقدم واطلب ثأر أخيك، فتقدم عامر بن الحضرمي وقال: واعَمْرَاه، واعَمْرَاه. ينشد ثأره من أخيه عمرو الذي قتلته سرية عبد الله بن جحش (﵁) في نخلة كما هو مشهور، فلما قالوا له: ارجع بنا.
قال -وهو محل الشاهد- قال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر -وكان بدر موسمًا من مواسم العرب، وسوقًا يبيعون فيه في السنة- ونشرب الخمور، وننحر الجزور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا!! فهذا هو فخره وخيلاؤه وبطره ورئاؤه الذي بينه بقوله:
[ ٥ / ٩١ ]
تسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا ﴿وَرِئَاء النَّاسِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧] هو الذي يفعل الفعل لأجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه، ويعظمونه عليه لا لوجه الله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا﴾ أي: لأجل البطر. أو: بطرين متكبرين عن الحق، متصفين بالفخر والخيلاء.
وقال بعض العلماء: البطر: التكبر عن الحق مع غمط الناس حقوقهم.
قال بعضهم: البطر: سوء احتمال النعمة، فمَنْ أنْعَمَ الله عليه نعمة وصار يعمل فيها عمل الإسراف فيما لا يرضي فهو مِن البَطِرِينَ. وعلى كل حال فهم بطرون؛ لأنهم تكبروا عن قبول الحق، وغمطوا الناس حقوقهم، وجاءوا في فخر وخيلاء. وفي قصة بدر أن النبي ﷺ لما رآهم متصوِّبِينَ مِنْ كَثِيب بدر قال: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ تَحَادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ بِفَخْرِهَا وَخُيَلائِهَا - وهو محل الشاهد - تحادّك وتكذب رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ أحْنِهِمُ الغَدَاةَ» (^١) كما هو معروف في محله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ﴾ هم أبو جهل وأصحابه من النفير الذين قُتل أشرافهم، وأسروا على شفير بدر كما هو معروف.
وكان بعض العلماء يقول (^٢): أفخر بيت قالته العرب بيت حسان بن ثابت (﵁) في بدر حيث يقول (^٣):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩) من هذه السورة.
(٢) انظر: البدابة والنهاية (٣/ ٢٧٩).
(٣) لفظ الشطر الأول في المصدر السابق: «وببئر بدر إذ يكف »
[ ٥ / ٩٢ ]
وَفِي بِئْرِ بَدْرٍ إِذْ يَصُدُّ وجُوهَهُم جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ
ﷺ، وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذه (صدَّ) المتعدية (^١)، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، أي: يصدون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والسبيل في لغة العرب (^٢): الطريق، وهي تُذكّر وتُؤنَّث. وجاء في القرآن تذكير السبيل في قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: الآية ١٤٦] ولم يقل: يتخذوها. ومن تأنيثها في القرآن قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: الآية ١٠٨] ولم يقل: هذا سبيلي، وقوله: ﴿تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ [آل عمران: الآية ٩٩] يعني السبيل كما هو معروف. وسبيل الله: دين الإسلام، وإنما قيل له: سبيل الله لأنه الطريق التي شرعها الله، وأصّل أصولها، وأمر بالسير عليها، ووعد من سار عليها الجنة، ومن تَجَنَّبَهَا النار. فلذلك كانت سبيله؛ لأنه الذي شَرَعَها، وأمر بسلوكها، ووعد من سلكها الخير، ومن لم يسلكها الشر؛ ولذا أضيفت إليه فقيل لها: سبيل الله، ولذا قال: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا بكل ما ﴿يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ لأنه (جل وعلا) محيط بكل شيء. وفيه تهديد ووعيد لهم، فقد أحاط بهم وبأعمالهم، ومكّن منهم نبيه ﷺ فقتل رؤساءهم وأَسَرَهُمْ كَمَا قَدّمْنَا إيضاحه. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
(٢) مضى عند تفسير الآيتان (٥٥، ١١٦) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٩٣ ]
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ [الأنفال: الآية ٤٨].
﴿وَإِذْ زَيَّنَ﴾ حين زين ﴿لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] وهؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم هم الذين خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، هؤلاء زين لهم الشيطان أعمالهم. زَيَّنَهَا لهم معناها: صَيَّرَهَا في أعينهم متصفة بالزين، والزين: ضد القبح، أي: زَيَّنَها لهُمْ، حَسَّنَهَا لهم حتى صارت حسنة عندهم بِتَزْيِينِه ووَسْوَسَتِهِ وإن كانت أقَبْحَ شَيْءٍ.
والأعمال جمع عمل، وهو ما يصدر عن الإنسان. وقد عُلِمَ بِاسْتِقْرَاءِ الشَّرْعِ أن العمل الذي يزينه الشيطان ويُعاقب عليه ويُثاب عليه أنه أربعة أقسام، دل على هذا استقراء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، واللغة العربية، أن ما يصدق عليه اسم العمل الذي يزينه الشيطان وُيثاب الإنسان عليه ويُعاقب عليه أربعة أنواع لا خامس لها (^١):
الأول منها: فعل الجوارح كالسرقة والزنا.
والثاني منها: القول؛ لأن القول فعل اللسان، وقد سَمَّى الله في سورة الأنعام القول فعلًا حيث قال جل وعلا: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: الآية ١١٢] فسَمَّاهُ فِعْلًا.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٩٤ ]
الثالث: العزم المصمم؛ لأن عزم الإنسان وتصميمه على الفعل بحيث لا يمنعه منه إلا العَجْز عنه هذا الفعل الذي صَمَّمَ عليه وعزم عليه فكأنه عمله بعزمه وتصميمه، فهو عمل يزينه الشيطان ويُؤْخَذ به فيثاب ويعاقب عليه، والدليل على أن هذا العزم المصمم أنه من جملة العمل الذي يدخل صاحبه النار مثلًا: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما -أعني البخاري ومسلمًا رحمهما الله- من حديث أبي بكرة ﵁: «إذا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قالوا: يا رَسُول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟! فهؤلاء الناس سألوا رَسُول الله ﷺ أن يُبرز لهم ويبين العمل الذي دخل بسببه المقتول النار؛ لأنه لم يَقتل!! فأجابهم ﷺ في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ» (^١). والجواب على طبق السؤال، فبيّن أن عمله الذي أدخله النار حرصه على قتل أخيه، وهو عزمه المصمم وإن لم يتمكن منه.
أما العزم الغير المصمم بأن يخطر في ذهنه أنه يفعل كذا ثم يراقب الله فيتركه، فتلك السيئة التي همّ بها تكتب له حسنة؛ لأنه تركها خوفًا من الله. وهو معنى قوله ﷺ: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً» (^٢) لأنه تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ رَبِّهِ فَكَانَ ذَلِكَ حَسَنَةً؛ ولذلك كان جابر بن عبد الله (﵁) وهو مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، وَبَنُو سَلَمَةَ وبنو حارثة -من الأنصار- هم الذين أنزل الله فيهم يوم أحد: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: الآية ١٢٢] قال:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٥ / ٩٥ ]
﴿هَمَّت طَّآئِفَتَانِ﴾ هذا الهمّ ليس بعزم مصمم؛ لأن الله قال بعده: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فكان جابر يقول: مع أن الله ذكر أنّا هَمَمْنَا أن نفشل وهذه وصْمَةٌ فِينَا، ولكن والله ما نحب أن الله لم ينزلها لأنه قال بعدها: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فالتي بعدها تداويها وتزيد، هذا معنى كلامه (﵁) (^١). فالعزم المصمم من العمل الذي يزينه الشَّيْطَان ويدخل صاحبه بسببه النار.
الرابع: التَّرْك، والتحقيق أن التروك أفعال يزينها الشيطان، ويدخل صاحبها بها النار، ويُثاب بها فيدخل بسببها الجنة. هذا هو التحقيق إن شاء الله. وقد كان ابن السبكي -تاج الدين- في بعض كتبه في علم الأصول في بحث أهل الأصول في الترك هل هو فعل أو ليس بفعل؟ قال: طالعت كتاب الله فوَجَدْتُ من كتاب الله آية في سورة الفرقان يفهم منها أن الترك فِعْلٌ (^٢).
ونحن نقول: إن هذه الآية التي أوردها ابن السبكي لا يظهر لنا وجه الدلالة منها كل الظهور، إِلَاّ أَنَّا اطَّلَعْنَا على آيَتَيْنِ من سورة المائدة كلهما صريحة في أن الترك من الأفعال، وأنه مِنَ الأعْمَال التي يؤاخذ بها الإنسان. وإيضاح ذلك: أنك لو تركت الصلاة حتى خرج وقتها، أنت ما فعلت شيئًا إلا أنك تركت الصلاة، فهذا الترك فعل يُقتل صاحبه بسببه، ويدخل به النار، ويكفر به عِنْدَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. فَلَوْلَا أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ لَمَا كان تارك الصلاة كافرًا عند من يقول بذلك، ولما وجب قتله كفرًا عند أحمد في مشهور مذهبه، وحَدًّا عند مالك والشافعي في مشهوري مَذْهَبِهِمَا، وإيضاح هذا أن ابن السبكي قال:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٨) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٩٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: الآية ٣٠] قد فهمت من هذه الآية في سورة الفرقان أن التَّرْكَ فِعْلٌ؛ لأن الأخذ: هو التناول، والمهجور: المتروك، أي: تناولوه متروكًا. فدل على أن الترك فعل يُؤتى بالتناول، وهذا لا يظهر لي كل الظهور.
أما الآيتان اللتان عثرنا عليهما في سورة المائدة، الدالتان على أن الترك فعل من الأفعال:
فإحداهما قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ثم قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: الآية ٦٣] إنشاء الذم بقوله ﴿بِئْسَ﴾ هنا متوجه على ترك الربانيين والأحبار النهي، وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي: بئس ما يصنعه الربانيُّونَ والأحْبَار وهو تركهم. فسمّى تركهم الأمر بالمعروف صنعًا، والصُّنع أخَصّ من مُطْلَقِ الفِعْلِ، وهذا هو التحقيق في معنى الآية، وهو نص صريح في أن الترك من الأفعال.
والآية الأخرى: قوله في المائدة أيضًا: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: الآية ٧٩] وهو عدم تناهيهم عن المنكر، فسمّى تركهم التناهي عن المنكر (فعلًا) وذمه أيضًا بالفعل الجامد الذي هو لإنشاء الذَّمِّ أعني: (بئس) لأن (نِعْمَ) لإنشاء المدح، و(بئس) لإنشاء الذم، كما هو معروف في محله (^١).
_________________
(١) مضى عد تفسير الآية (٤٠) من سورة الأنفال.
[ ٥ / ٩٧ ]
وقد أجرى العلماء على هذا الاختلاف فروعًا كثيرة في المذاهب (^١)، هل الترك فعل أو لا؟
قالوا: فبناء على أن الترك فعل: إذا كان الإنسان عنده خيوط مِنْ حَرِير مثلًا، وشق بطن واحد من رفقته، وأمسك عنه خيوط الحرير تخاط بها بطنه حتى هلك. فعلى أن الترك فعل فقد أهلكه بتركه، فتلزمه ديته، وعلى أن الترك [ليس] (^٢) بفعل لا غرامة عليه.
وكذلك من كان عِنْدَه ماء يفضل عن سقي زرعه، وجف زَرْع جَارِهِ إذا أمسك عنه الماء الفاضل عنه، فعلى أن الترك فعل يضمنه؛ لأنه أفسده بفعله، وعلى أنه ليس بفعل فلا.
ومن هذا: ناظرو الأوقاف والأوصياء على اليتامى إذا تركوا إيجار دورهم وقت الإيجار حتى فاتت الفرصة، فعلى أن الترك فعل يضمنون، وعلى أنه ليس بفعل لا يضمنون، وهي قاعدة كثيرة الفروع في مذاهب الأئِمَّةِ (﵏) بسطها وبسط فروعها مقرّر في مذاهبهم. وأصح القولين: أن الترك فعل، وأنه عمل من الأعمال التي يزينها الشيطان، وكان ﷺ أيام بنائه لهذا المسجد الشريف -يسر الله له العمارة بطاعة الله وعبادته- كان النبي ﷺ ممن يعمل فيه وبعض الصحابة جلوس، فقال بعضهم (^٣):
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
(٢) ما ببن المعقوفين [] زيادة يقتضيها الكلام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٩٨ ]
فسمى قعودهم وتركه العمل سماه «عملًا مضللًا» وهذا معروف، ويدل عليه قوله ﷺ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (^١) فسمى ترك الأذى إسلامًا، ومعلوم أن الإسلام لا يكون بالعدم إلا بأفعال، وهذا يبين أن الأعمال التي يُزَيِّنُهَا الشيطان فيؤاخذ الإنسان بها أربعة: أعمال الجوارح (وهي الأفعال)، وأعمال اللسان (وهي الأقوال)، والعزم المُصَمِّم، والترك، كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] الله هنا في هذه الآية من سورة الأنفال صرح بأن الشيطان (قال) ولم يقل: (وسوس) فصرح بالقول ولم يذكر الوسوسة؛ لأن الشيطان تَمَثَّلَ لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي البَكْرِي (﵁)؛ لأن قريشًا لما جاءهم ضَمْضَم بن عمرو الغفاري -أرسله لهم أبو سفيان- وتأَهَّبُوا للخُرُوجِ وأجمعوا عليه، وبينهم وبين بني بكر بن كنانة عداوة، فخافوا أن يأتوهم من ورائهم فيأخذوا نساءهم وذراريهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، وكان سيد بني مدلج، وهو من سادات بَنِي بَكْر بن كنانة، وقال لهم: إني جار لكم، أجيركم من كنانة فلا يصل إليكم منهم سوء، وَزَيَّنَ لهُمْ هذه الأعمال، وقال: أنتم على حق، هذا الرجل الذي سفه أحلامكم، وفَرَّقَ كَلِمَتَكُمْ، وعَابَ آلهتكم، وسفَّهَ آباءكم، فاذهبوا إليه ولا تتركوه يأخذ عِيرَكم، ونحو هذا من التَّزْيين، ولا غالب لكم
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٨) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٩٩ ]
لشرفكم وقوتكم، وأنكم قطّان بيت الله الحرام، زين لهم هذا التزيين، وقال لهم: إنه جار لهم يجيرهم من بكر بن كنانة، وذَهَب معهم وهم يعتقدونه سراقة بن مالك (^١)، فلما فَرَّ عَنْهُمْ صَارُوا يعيبون سراقة ولم يعلموا أنه الشيطان
[٦/أ] حتى أسلموا وسمعوا القرآن يُتلى أنه الشيطان تمثل لهم في صورة سراقة،/ وفيه يقول حسان:
سِرْنَا وَسَارُوا (^٢) [إِلَى بَدْرٍ لحينِهِمُ لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الأَمْرِ مَا سَارُوا
دَلَاّهُمُ بِغُرُورٍ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ إِنَّ الخَبِيثَ لمَنْ وَالَاهُ غَرَّارُ
وَقَالَ: إِنِّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُمْ شَرَّ المَوَارِدِ فِيهِ] الخِزْيُ والْعَارُ
هذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] فلما صف معهم للقتال -وكان حاضرًا إذ ذاك- رأى الملائكة تنزل، وكان إبليس اللعين لما رأى الملائكة عرفها، ولما عرف الملائكة خاف خوفًا شديدًا؛ لأن الشياطين أخوف ما تخافه الملائكة (صلوات الله وسلامه عليهم)، فعند ذلك ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: رجع القهقرى. والعقب: مؤخر الرجل؛ لأن الراجع القهقرى يمشي على عقبيه، أي: منعكسًا متقهقرًا. ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ﴾ تبرأت منكم، كما هي عادة الشَّيْطَان، يورد الإنسان الهلاك حتى إذا أوْقَعَهُ فِيهِ تَبَرَّأَ منه؛ لأنه غرَّار خداع كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [الحشر: الآية ١٦]
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٠) من هذه السورة.
(٢) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل، والأبيات ذكرها الشيخ (﵀) فيما مضى عند تفسير الآية (٧) من هذه السورة، فنقلتها هنا وجعلت ذلك بين معقوفين.
[ ٥ / ١٠٠ ]
وقد يتبرأ منهم -لعنهم الله- كما سيأتي في خطبة الشيطان خطبته الفصيحة العظيمة الصادقة التي يخطبها في أوليائه يوم القيامة، التي نص الله عليها في سورة إبراهيم الخليل؛ لأنه إذا اجتمعت الخلائق ورأى الكفار ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: الآية ٥٣] جاءوا لإبْلِيس اللعين وقالوا: أنت كنت سيدنا وكنا نطيعك، فإن كان عندك شيء اليوم فأت به. قال بعض العلماء: ينصب له منبر من نار (^١) -والله أعلم- بمثل هذا.
ونصب المنبر له من النار شبه إسرائيليات، والخطبة صحيحة ذكرها الله في سورة إبراهيم الخليل، وهو قوله لهم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٢] وهو صادق في كلامه هذا، وقد يصدق الكذوب، فعند ذلك يمقتون أنفسهم حيث اتبعوا هذا الخائن الغدار الغَرَّار، وعندما يمقتون أنفسهم في ذلك الوقت قال بعض العلماء: ينادون: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: الآية ١٠] ولذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] تراءت: (تَفَاعَلَتْ) من (رأى) البصرية. أي: كان كل من الفئتين يرى الأخرى ببصره رأي العين كما تقدم في قوله: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: الآية ٣٣] ﴿تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ﴾ أي: فئة المسلمين وفئة الكفار، صار هؤلاء يرون هؤلاء عيانًا بأعينهم، وهؤلاء كذلك. قال بعض العلماء: ونزل
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٦/ ٥٦٣).
[ ٥ / ١٠١ ]
الملائكة لنصر المسلمين، ورأى إبليس الملائكة، ويدل على هذا قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يشير إلى الملائكة؛ لأن الكفار لم يروها وهو قد رآها، وهذا معنى قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ قال بعض العلماء: هو الملائكة. وعَبَّرَ عَنْه بـ (ما) لأنه أبهمه عليهم ولم يبين لهم أنه من العالِم ولا العاقل. وهذا معنى قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾.
﴿إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ﴾ أن ينزل بي عقابه ونكاله، فالله (جل وعلا) شديد العقاب. وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروس مِرارًا (^١) أن الخوف في لغة العرب: هو الغَمّ مِنْ أمْرٍ مستقبل. والحزن في لغة العرب: الغم بسبب أمر فائت -أعاذنا الله منهما- ورُبَّمَا وضعت العرب الخوف مكان [الحزن، والحزن] (^٢) مكان الخوف. وقوله: ﴿أَخَافُ﴾ الألف بعد الخاء مبدلة من واو، وأصل مادته (فَعِل) بالكسر، أصل ماضيه: (خَوِفَ) بكسر الواو (يَخْوَفُ) بفتحها، فوقع فيه الإعلال المعروف المشهور في التصريف (^٣).
﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾ يعني: أتَرَقَّبُ الغَمَّ من سبب ما يصلني منه في المستقبل. ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذا عاقب فعقابه شديد.
والعقاب: هو التنكيل بسبب الذَّنْبِ. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عِقَابًا؛ لأنه يأتي عقبه من أجله. وقد قدمنا أنه (جل وعلا) هو وَحْدَهُ شَدِيدُ العِقَابِ؛ لأنه لا شدة عقاب يملكها غير الله (جل وعلا)؛ لأن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٢) في الأصل: «الغم، والغم»، وهو سبق لسان.
(٣) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٣٦٦.
[ ٥ / ١٠٢ ]
أكبر طاغية من جبابرة أهل الأرض لا يقدر على شيء من العذاب إلا قَدْرَ ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإذا عذب المجرم بقدر ما يستوجب الموت مات. والله وحده يعذب المجرمين بالآلاف والملايين مما يستوجب الموت ومع ذلك لا يموتون ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: الآية ١٧] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: الآية ٥٦] فهذا هو العذاب الشديد والنكال العظيم الذي يجب الحذر منه والخوف منه ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر: الآيتان ٢٥، ٢٦].
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ [الأنفال: الآيات ٤٩ - ٥٤].
يقول الله جل وعلا: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ [الأنفال: الآية ٤٩].
قوله: «إذا» ظرف بدل من «إذ» قبله، أو منصوب بـ (اذكر) مقدرًا. اذكر إذ يقول المنافقون.
[ ٥ / ١٠٣ ]
المنافقون: جمع التصحيح للمنافق، وهو المتصف بالنفاق، والنفاق: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والمنافق هو المعروف في اصطلاح الفقهاء بالزنديق، فالمنافقون الذين يلقون المسلمين ويقولون: إنهم مؤمنون. وهم في باطن الأمر بخلاف ذلك.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ اختلف العلماء في المراد بالذين في قلوبهم مرض على أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا (^١).
قال بعض العلماء: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ هم نفس المنافقين، وإنما كان العطف نظرًا إلى مغايرة الصفات، كأنه يقول: الجامعون بين النفاق ومرض القلوب قالوا كذا وكذا، ومعلوم في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن عطف الشيء على نفسه مذكورًا بصفات مختلفة نظرًا إلى أن تغاير الصفات كتغاير الذوات أسلوب عربي معروف في كلام العرب، وهو موجود بكثرة فِي القرآن (^٢)، كقوِله في أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين (٣) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ثم قال: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: الآيات ٢ - ٤] والمعطوفون هم الأولون، إلا أن الصفات اختلفت فجاء العطف نظرًا لتغاير الصفات. ونظيره في القرآن أيضًا قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: الآيات ١ - ٤] فالمتعاطفات شيء واحد عُطف بعضها على بعض نظرًا لتغاير
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٤/ ١٢) القرطبي (٨/ ٢٧) ابن كثير (٢/ ٣١٨).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
[ ٥ / ١٠٤ ]
الصفات، وهذا الأسلوب معروف في كلام العرب، ومن شواهده العربية قول الشاعر (^١):
إلى المَلكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَام ولَيثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَم
فهو إنسان واحد، وذُكرت العطوف نظرًا لتغاير الصفات. ومما يؤيد هذا القول: أن الله وصف المنافقين بأن في قلوبهم مرضًا في قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: الآية ١٠] وهي في المنافقين بلا نزاع.
ومرض القلوب جاء في القرآن على معنيين:
أحدهما: مرض القلوب بمعنى ما يداخلها من الشرك والشك والنفاق، كقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: الآية ١٠].
المعنى الثاني: إطلاق مرض القلب على القلب الذي يهوى الفجور والزنا ونحو ذلك، ومنه بهذا المعنى قوله في سورة الأحزاب مخاطبًا أزواج النبي ﷺ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: الآية ٣٢] أي: يطمع في نيل الريبة منكن الذي في قلبه مرض، مَيْل إلى الفجور وما لا ينبغي، والعرب تَعْرِفُ هذا، الذي ينطوي قَلْبُهُ عَلى أمور خَسِيسة، تقول العرب: في قلبه مرض، ومن هذا المعنى قول الأعشى - ميمون بن قيس- وهو عربي فصيح يمدح رجلًا (^٢):
حَافِظ للْفَرْج راضٍ بالتُّقَى لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضْ
_________________
(١) السابق.
(٢) البيت للأعشى، وهو في الدر المنثور (٥/ ١٩٦)، الإتقان (٢/ ٦٢) في مسائل نافع بن الأزرق.
[ ٥ / ١٠٥ ]
وقال بعض العلماء: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ المشركون؛ إذ لا مرض في القلوب أكبر من انطوائها على الشرك بالله.
وذهبت جماعة من العلماء إلى أن ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ في هذه الآية من سورة الأنفال خُصَّ بها أناس معروفون هم الذين بسط الله قصتهم في سورة النساء، وهم قوم تكلموا بكلمة الإسلام فقالوا: لا إله إلا الله محمد رَسُول الله في مكة، ثم إنهم أبوا أن يهاجروا، وفي قلوبهم إسلام وإيمان ضعيف في قلوبهم على حرف هكذا وهكذا. وإذا قيل لهم: لِمَ لا تهاجرون وأنتم مسلمون؟ قالوا: نحن مستضعفون في الأرض. وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: الآية ٩٧].
قالوا: جاءوا مع كفار قريش فلما رأوا قلة المسلمين -وكان الله قلل المسلمين في أعين الكفار، والكفار في أعين المسلمين كما أوضحناه قريبًا في قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] لما رأوا قِلَّتَهُمْ وقَلَّلَهُم الله في أعينهم جِدًّا - قالوا: هؤلاء قوم مغرورون، غرهم دينهم!! وزعموا أنهم على دين يُؤَيّد القليل المتمسك به على الكثير فاغتروا من هنا، وهؤلاء سيُغلبون ويقتلون قطعًا!! وهؤلاء المستضعفون الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾ [النساء: الآية ٩٧] نَفَر من قريش معروفون، آمنوا بالله إيمانًا ضعيفًا ولم يهاجروا، وجاءوا مع الكفار يوم بدر، قال بعض العلماء: وهم الذين قالوا مع المنافقين: ﴿غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٩] وهم معروفون، وهم: العاص بن منبه بن الحجاج السهمي، وعلي بن
[ ٥ / ١٠٦ ]
أمية بن خلف الجمحي، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وابن عمه أبو قيس بن الوليد ابن المغيرة، والحارث بن زَمْعَة بن الأسود بن المطلب، هؤلاء هم النفر المعرفون الذين قالوا: إنا ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: الآية ٩٧] وعلى كل حال فلما التقى المسلمون والمشركون يوم بدر كان الذين في قلوبهم مرض من المنافقين، أو المشركين، أو هؤلاء النفر القليلين الذين آمنوا إيمانًا ضعيفًا في مكة وخرجوا مع الكفار يوم بدر وقتلوا كفارًا - والعياذ بالله - قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ﴾ الإشارة في قوله: ﴿هَؤُلاء﴾ إلى النبي ﷺ وأصحابه و﴿دِينُهُمْ﴾ فاعل ﴿غَرَّ﴾ يعني: غَرَّهُمْ دِينُهُمْ حيث اغتروا به وظنوا أن المتمسك بهذا الدين ولو كان قليلًا ضعيفًا يغلب القوي العظيم فاغتروا، وسيكون هذا الغرور سببا لهلاكهم!! والعرب تقول: غَرَّه يغره غرورًا، على غير قياس. فالفاعل: غارّ، والمفعول: مغرور، إذا خَدَعَهُ.
وهم نسبوا هنا الغرور إلى الدين زاعمين أنهم انخدعوا في دينهم حيث يظنون أن القليل المتمَسِّك به يغلب القوي غير المتمسك به، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، تقول: غرّه يغره. إذا خَدَعَهُ، ومنه سُمِّيَ الشيطان غرورًا لكثرة غروره للآدميين بتزيينه ووساوسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: الآية ٥] ومن هذا المعنى قول ابن أبي ربيعة أو غيره (^١):
إِنَّ امْرأً غَرَّهُ مِنْكُنَّ وَاحِدَةٌ بَعْدِي وَبَعْدَكِ في الدُّنْيَا لمَغْرُورُ
_________________
(١) البيت في الخصائص (٢/ ٤١٤)، المحكم لابن سيده (٥/ ٣٦٠).
[ ٥ / ١٠٧ ]
ثم إن الله أجاب عما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض قال لهم الله: لا. كأن المعنى: لا، لم يغر هؤلاء دينهم، وهم على بصيرة من أمرهم وعلى حق، ولكنهم توكلوا على الله، ومَنْ تَوَكَّلَ عَلَى الله توكل على قَوِيِّ الجَنَابِ عَزِيز منيع لا يُضام مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ؛ ولذا قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل معناه: الثقة الكاملة، وتفويض الأمور إليه (جل وعلا). ﴿يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يثق بالله ثقة كاملة ويُسلم إليه أموره، ويفوض له تفويضًا تامًّا توكلًا عليه. ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ جل وعلا ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الضمير الرابط محذوف دلّ المقام عليه. ومن يتوكل على الله فإنه يعزه بعزته وينصره؛ لأن الله عزيز حكيم.
والعزيز: هو الغالب الذي يقهر غيره ويغلبه فالله (جل وعلا) عزيز غالب على أمره. والعزة في لغة العرب: الغَلَبة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: الآية ٨] أي: ولله الغلبة ولرسوله. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: الآية ٢٣] يعني: غَلَبَنِي في المخاصمة. والعرب تقول: من عَزّ بَزّ (^١) يعنون: من غلب اسْتَلَب؛ لأنه كان الغالب ينهب مال المغلوب، ويقولون: مَنْ عَزَّ بَزَّ، وقد قالت الخنساء بنت عمرو الشريد السلمية الشاعرة (^٢):
كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى إِذِ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزّا
تعني: مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ. والحكيم (^٣): هو ذو الحكمة البالغة،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٠٨ ]
الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه. فاقتضت عزته وقهره وسلطانه ألاّ يُضام وليه المتوكل عليه المستند إليه، وألا يُقهر. واقتضت حكمته البالغة ألاّ يجعل وليه كعدوه، وألا يسوي بينهما بل ينصر وليه على عدوه. والحكمة لا تتم إلا بالعلم؛ لأن تمام الحكمة بتمام العلم؛ ولذا لا تتم الحكمة تمامًا كليًّا إلا لله وحده (جل وعلا)؛ لأنه هو العالم بخفايا الأُمور وخباياها وما تؤول إليه، فالله وحده هو الذي لا يجري عليه: لو فعلت كذا لكان خيرًا. أما غيره فإنه قد يفعل الأمر يظنه صوابًا، وأنه في غاية الحكمة، ثم يتبين له بعد ذلك أن غيره أصوب منه، فيقول: لو فعلت كذا لكان كذا!! وليتني لم أفعل!! وفي الحديث النهي عن (لو) لأنها تفتح باب الشيطان. لو فعلت كذا لكان كذا (^١).
ليت شِعْرِي وأينَ مني (ليتُ) إن (ليتًا) وإن (لوًّا) عناءُ (^٢)
العناء: التعب وكثرة: ليتني فعلت، وليتني لم أفعل، ولو فعلت كذا لكان كذا. كل هذا يقع من عدم العلم بعواقب الأمور، والله (جل وعلا) وحده لا يجري عليه: لو فعلت كذا لكان أصوب. لعلمه بما تنكشف عنه الغيوب، وما تؤول إليه الأمور، فالحكمة الكاملة له، أما غيره (جل وعلا) فقد يفعل الأمر يظنّه حكمة وصوابًا ثم يَنْكَشِفُ الغَيْبُ عَنْ خلاف ذلك كما قال (^٣):
أُلامُ على (لوٍ) ولو كنتُ عالمًا بأذناب (لوٍ) لم تفُتني أوائله
_________________
(١) مسلم في القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز ، حديث رقم: (٢٦٦٤) (٤/ ٢٠٥٢).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٠٩ ]
وهذا سيد البشر محمد ﷺ علمه الله العلوم العظيمة كان يقول في آخر عمره في حجة الوداع: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لمَا سُقْتُ الهَدْيَ ولجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» (^١) فكيف بغيره ﷺ؟! وهذا معنى قوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللهَ﴾ - جل وعلا - ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٤٩].
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: الآيتان ٥٠، ٥١].
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا نبي الله. (لو) حرف شرط تقلب المضارع ماضيًا غالبًا. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هنا بمعنى: لو رأيت؛ لأن (لو) من حروف الشروط التي تختص بالمعنى الماضي غالبًا، وفي أغلب أحوالها إذا جاء بعدها مضارع تقلبه إلى معنى المُضِي، وقد لا تقلبه إلى معنى المُضِي فيأتي بعدها مضارع، وهو ليس بكثير، ولكنه موجود في كلامِ العرب، ومن إتيان المعنى بعدها مضارعًا ولو كان ماضيًا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: الآية ٩] لأن تركهم للذرية مستقبل؛ لأنهم في ذلك الوقت أحياء. ومن إتيانه مستقبلًا غير مصروف إلى الماضي قول المجنون (^٢):
فَلَوْ تَلْتَقِي أَصْدَاؤُنا بَعْدَ مَوْتِنَا وَمِنْ دُونِ رمسينا مِنَ الأَرْضِ مَنْكبُ
لظَلَّ صَدَى صوتي وإن كنتُ رمَّةً لصوت صَدَى ليلى يهشّ ويطْرَبُ
_________________
(١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
(٢) البيتان في ديوانه ص٢٤
[ ٥ / ١١٠ ]
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد صلوات الله وسلامه عليه ﴿تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ ترى حين يتوفى الملائكة.
قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن عامر: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ﴾ بالياء. وقرأه ابن عامر وحده: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ تتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ (^١).
وتتوفاهم: أصل التوفِّي في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه (^٢): أخذ الشَّيْءِ وَافِيًا، تقول العرب: «توفيت دَيْنِي»؛ أي: أخذته وافيًا. وكان حقيقة عرفية في أخذ الروح من البدن، فَصَارَ التَّوَفِّي حقيقة عُرْفِيَّةً في أخذ الروح وافية كاملة من البدن بحيث لم يبق فيه روح ألبتة.
والملائكة: جمع ملك، والتَّحْقِيقُ عند جماعة من العلماء: أن اشتقاق الملك من الألوكة، والألوكة: الرسالة (^٣)؛ لأن لطالب العلم أن يقول: مفرد الملائكة ملك، وجمعه: الملائكة -بالهمزة- فَمِنْ أَيْنَ جاءت هذه الهمزة؟ وما الجالب لها؟
والجواب عن هذا: ما قاله بعض العلماء: أَنَّ أَصْلَ المَلَك: (مَأْلَك) (مَفْعَل) من الأَلُوكَة. والأَلُوكَةُ في لغة العرب: الرسالة. وألكني إليه: احمل إليه مألكتي؛ أي: رِسَالَتِي، ومنه قول أبي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِي (^٤):
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢١
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٤٦) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.
(٤) السابق.
[ ٥ / ١١١ ]
ألِكْني إليها وخَيْرُ الرَّسُولِ أَعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرْ
فأصله: (مألك) لأنهم يحملون مآلك الله، أي: رسالات الله، منهم من يُرسل لتسخير المطر، ومنهم من يُرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يُرسل لضبط الأعمال، ومنهم من يُرسل لحفظ بني آدم أن تخطفهم الشياطين، كما قال تعالى عنهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: الآية ٥] فلما كانوا يحملون المآلك، أي: الرسائل من الله في الشئون الشتى قيل فيه: (مألك). ثم وقع فيه قلب فجُعل الفاء مكان العين، والعين مكان الفاء، وهذا القلب معروف في الصرف، فقيل فيه: (ملك) ووزنه: (مألك) (مَفعَل) فقلب فصار (ملك) على وزن (مَعْفَل) ثم نُقلب حركة الهمزة للام فقيل فيه: (ملك). فكان عند جمع التكسير تظهر الهمزة التي هي في أصله في محلها الذي قُلبت فيه، قال بعض العلماء: هذا أصله (^١). و﴿الْمَلآئِكَةُ﴾ فاعل ﴿تَتَوَفَّى﴾ أي: تقبض أرواحهم من أجسادهم كاملة. والفعل المضارع في قوله: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ جملته حالية. وأصل الفعل المضارع المثبت إذا كانت جملته حالية لا تربط بالواو بل بالضمير كما هنا ﴿يَضْرِبُونَ﴾ أي: الملائكة. يعني: يتوفونهم يأخذون أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم. الوجوه: جمع الوَجْه. والأدْبَار: جمع الدبر، وقال جماعة من السلف (^٢): المراد بالأدبار: الأستاه -أكرمكم الله جل وعلا- قالوا: ولكن الله (جل وعلا) حييّ كريم يكني، فكنى عن الاست بالدبر؛ ولذا قال: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.
_________________
(١) السابق.
(٢) انظر: ابن جرير (١٤/ ١٥).
[ ٥ / ١١٢ ]
وقوله: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ مقول قول محذوف، أي: ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق.
اختلف العلماء في وقت ذوقهم عذاب الحريق (^١)، قال بعض العلماء: هو عند وفاتهم عندما يأخذون أرواحهم يضربونهم بسياط من نار فتشتعل نارًا فيقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وقال بعض العلماء: هي للملائكة الذين قاتلوا في بدر يضربون الكفار، ويأخذون أرواحهم، ويضربونهم بسياط النار فتشتعل في جروحهم فيقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وقالت جماعة من العلماء: هذا يوم القيامة، وممن قال به: الحسن البصري، أي: يضربون وجوههم وأدبارهم الآن عند الاحتضار، ويبشرونهم يوم القيامة بما هو أدهى وأمر من ذلك، وهو عذاب الحريق. وهذا معنى قوله: توفاهم ﴿الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٠].
والتحقيق أن هذا ليس خاصًّا بالذين قتلوا من الكفار يوم بدر، بل هو عام، وأن الملائكة تضرب الكفار عند احتضارهم على الوجوه والأدبار، كما جاء مصرحًا به في سورة القتال، وجاء مُشَارًا إِلَيْهِ في الأنْعَام؛ لأن الله قال في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: الآية ٩٣] باسطوها إليهم بالضرب -والعياذ بالله- وقال (جل وعلا) في سورة القتال: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾ وفي
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ٢٨).
[ ٥ / ١١٣ ]
القراءة الأخرى (^١): ﴿أَسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: الآيات ٢٥ - ٢٨] فَدَلَّتْ آيَةُ القِتَالِ هذه على أنها عامة في كل مَنْ كَرِهَ رضْوَان الله وأحَبَّ سخط الله، فَكُلّ مَنِ اتَّبَعَ ما يسخط الله يأتيه هذا الوعيد الشديد، ومن أعظم الناس نصيبًا فيه هؤلاء الذين يأتون الكفرة الفجرة الذين يكرهون القرآن وما أنزل الله، ويقولون لهم: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد: الآية ٢٦] وأحرى إن أطاعوهم في كل الأمر، هؤلاء أكثر الناس نصيبًا في ضرب الملائكة عند الاحتضار على الوجوه والأدبار -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٠] قال بعض العلماء: الضرب على الوجوه والأدبار أشد وقعًا. وقال بعض العلماء: على القول بأنها في أهل بدر أنهم يضربون وجه المشرك مُقْبِلًا، فإِذَا فَرَّ مُدْبِرًا ضَرَبُوا دبره. وقد قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ العموم، وأنها لا تختص بمن قتل في بدر. وهذا معنى قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
قال بعض العلماء: ذوق عذاب الحريق عند الاحتضار؛ لأن المقامِعَ التي يضربونهم بها تلتهب عليهم نارًا.
وقال بعض العلماء: يبشرونهم بالحريق يوم القيامة. ولا مانع من وقوع الكل. هذا معنى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. وجواب (لو) في هذه الآية محذوف، وتقديره: لو ترى يا محمد حين يتوفى الملائكةُ الكَفَرَةَ في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدْبَارَهم
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٤٠٩.
[ ٥ / ١١٤ ]
مُبَشِّرِينَ لهُمْ بالحريق، لو ترى ذلك الوقت لرأيت أمرًا فظيعًا شنيعًا يَجِبُ الحذرُ منه، وجواب (لو) حَذْفُهُ إذا دَلَّ المَقَامُ عليه أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْروفٌ يكثر في القرآن العظيم وفي لسان العرب (^١)، ومنه في القرآن العظيم: ﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: الآية ٥] أي: لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التَّكَاثُر حتى زُرْتم المقابر، ونظيره من كَلَامِ العَرَبِ في حذف جواب (لو) قول الشاعر (^٢):
فَأُقْسِمُ لَوْ شَيءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ سِواكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا
أي: لو شيء سواك لرددناه.
وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: الآية ٣١] ولم يذكر جواب (لو) وقال بعض العلماء: جوابه: لو أن قرآنًا سُيرت به الجبال لكان هذا القرآن على حد قوله (^٣):
وَلَوْ طَارَ ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا لَطَارَتْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
وقال بعض العلماء: جواب (لو) المحذوف في آية الرعد ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لو سيرنا الجبال بالقرآن وقطعنا به الأرض لكفرتم بالرحمن. ويدل على هذا التقدير الأخير قوله قبله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد: الآية ٣٠]. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام، وما سيأتي عند تفسير الآية (٥٩) من سورة التوبة.
(٢) البيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ص١٠٠.
(٣) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١١٥ ]
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: الآيتان ٥٠، ٥١].
قال بعض العلماء: هذا مما يقول لهم الملائكة عند توفيهم إياهم وضربهم وجوههم وأدبارهم، يقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق. ويقولون لهم: ذلك العذاب الفظيع الشديد بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ.
وقال بعض العلماء: هو كلام مُؤْتَنَف، أي: ذلك العذاب الكائن الواقع لكم بسبب ما قدمت أيديكم. جرت العادة في لسان العرب الذي نزل به القرآن أن يُضاف جميع الأعمال إلى الأيدي وإن كان بعضها ليس بأيدي، فإن الشرك الذي يُعذبون عليه محله القلب واللسان واليد، والزنا محله الفرج، وأكل الربا محله البطن، ولكن كل هذا يُنسب إلى الأيدي على الأسلوب العربي المعْرُوف؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يزاول الإنسان أعماله بيده فنسب إليه على التغليب ومراعاة الأغلب (^١).
والمراد ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ما كسبتم من المعاصي والكفر، سواء كان الذي اجترمته القلوب، أو الألسنة، أو الأيدي، أو غير ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: الآية ٥١].
قال بعض العلماء: المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ في محل خفض معطوف على الموصول المجرور (بما) أي: ذلك بسبب الذي قدمته أيديكم،
_________________
(١) انظر: ابن عطية (٣/ ٣٠٨)، القاسمي (٤/ ٣٠٨).
[ ٥ / ١١٦ ]
وبسبب أن الله لا يَظْلِم، فبِكُفْرِكُمْ وبِعَدَالَةِ رَبِّكُمْ وكَمَالِ إِنْصَافِهِ جاءكم العذاب؛ لأن بهذين السببين يتوجه إليكم العذاب، كونكم اقترفتموه واكْتَسَبْتُمُوهُ بأيديكم، وكون ربكم (جل وعلا) حكمًا عدلًا منصفًا، فتعذيبه ومؤاخذته للعاصي، كما أنه يثيب المطيع، فظلمكم وعداوة ربكم كل ذلك اقتضى لكم ما وقع لكم من العذاب والعياذ بالله جل وعلا ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فيه في هذه الآية الكريمة والآيات المماثلة لها من القرآن إشكال عربي معروف يدور فيه سؤال مشهور على ألسنة العلماء وطلبة العلم، وهو أن يُقال: الله (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة نفى المبالغة؛ لأنه قال: ﴿لَيْسَ بِظَلَاّمٍ﴾ و(ظلاّم) (فَعَّال) و(الفعَّال) صيغة مبالغة، والمقرر في اللغة العربية التي بها نزل القرآن أن نفي المبالغة لا يقتضي نفي أَصْلِ الفِعْلِ من حيث هو (^١)، فلو قلت: زيد ليس بقَتَّال للرجال، نفيت عنه المبالغة في القتل، ولا ينافي أنه ربما قتل رجلًا أو رجلين، ولو قلت: زيد -مثلًا- ليس بضرّاب لنسائه. يدل على انتفاء كثرة الضرب عنه، ولا ينافي أنه ربما وقع منه ضرب قليل كما هو معروف، فنفي المبالغة هنا لا يقتضي نفي أصل الفعل من حيث هو، والمقام مقام تنْزِيه، ونفي الأدنى أبلغ مِنْ نَفْيِ الأَعْلَى، فلِمَ عُبّر هنا بصيغة المبالغة ولَم يقل: ليس بظالم. أَو ليس بذي ظلم للعبيد؟!
أجاب العلماء على ذا بأجوبة (^٢): قالوا: جرت العادة في القرآن
_________________
(١) انظر: الإتقان (٣/ ٢٣٣)، الكليات ٨٨٩.
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ١٣١)، الدر المصون (٣/ ٥١٥)، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ١٠١، الإتقان (٣/ ٢٣٣)، الكليات ٨٨٩، القاسمي (٤/ ٣٠٩).
[ ٥ / ١١٧ ]
أن بعض الآيات قد يكون فيها شبه إجمال وتبينه آيات أُخر، وقد أوضحت آيات أخر أن الله لا يظلم شيئًا، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: الآية ٤٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ [يونس: الآية ٤٤] فالآيات الواضحات بينت هذا وأوضحته غاية الإيضاح.
وقال بعض العلماء: المبالغة هنا لا يقصد بها أصل المبالغة؛ لأن التكثير نظرًا إلى كثرة العبيد؛ لأن الظّلم لمّا تَعَلَّقَ بالعبيد وكان العبيد في كثرة هائلة كان الظلم كثيرًا جدًّا لكثرة من هو منفي عنهم؛ ولذا كان نفيه نفيه من أصله؛ لأن الكثرة فيه والمبالغة بحسب العبيد الذين يقع عليهم الظلم.
وقال بعض العلماء: - وهي نكتة حسنة - أن هذا العذاب الذي يعذبهم الله به هو عذاب فظيع هائل لا يُقَادر قدره ولا يُماثل مثله، فلو وقع منه ظلمًا لكان مبالغًا في غاية الظلم مبالغة عظيمة، فنفى المبالغة بهذا الاعتبار، ومعناها نفي الفعل من أصله. وهذا الوجه حسن جدًّا، إلا أن فيه دقة. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: الآية ٥١].
وقوله (جل وعلا) في هذه الآيات الكريمة: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ [الأنفال: الآية ٥٢] الكاف في قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾ في محل رفع خبر مبتدأ محذوف. أي: دأبهم دأب كفار مكة، أبي جهل وأصحابه. دأبهم؛ أي: عادَتهم، ودينهم، وديْدَنهُم كدأب آل فرعون؛ لأن فر عون وقومه كان دأبهم الكفر، وتكذيب الرسل، والتمرد على الله، والكفر بالآيات، وجحودها بعد الاستيقان؛ لأن
[ ٥ / ١١٨ ]
فرعون -لعنه الله- متيقن كل اليقين أن نبي الله موسى صادق، وقد أوضح الله يقينه بذلك في موضعين: أحدهما قوله فيه [في سورة النمل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ الثاني: قوله تعالى إخبارًا عن قول موسى لفرعون في سورة الإسراء: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ وهذا كان دأب المكذِّبِين مِنَ الأقْوَام الذين بُعث فيهم الرسل كقوم نوح] (^١).
[٦/ب] / وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط، كل هؤلاء كانوا في غاية التمرّد والعتو وتكذيب الرسل بعد قيام المعجزات ووضوح الحق. بين الله (جل وعلا) أن كفار قريش دأبهم كدأب أولئك. والدأب في لغة العرب: العادة. فكل من يجري على سنَن مطرد وعادة ووتيرة تقول العرب: هذا دأبه. أي: عادته وديْدَنُهُ الذي يسير عليه دائمًا. ومنه قول امْرِئ القيس في إحدى روايتي بيته (^٢):
كدَأبكَ من أمَّ الحُويرث قَبْلَها وَجَارَتَها أمَّ الرَّبابِ بمأْسلِ
وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو في رواية السوسي: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ بتحقيق الهمزة، وقرأه أبو عمرو في رواية السوسي عنه خاصة: ﴿كَدَابِ ءالِ فِرْعَوْنَ﴾ بإبدال الهمزة ألفًا في الموضعين.
والمعنى: دأب هؤلاء الكفرة دأبهم وديدنهم ودينهم مثل دأب آل فرعون في تكذيب الرسل؛ لأن فرعون كلما جاءته آية يقول: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة تم بها الكلام.
(٢) ديوانه ص١١١.
[ ٥ / ١١٩ ]
كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥] حتى صارحوه في آخر الأمر وقالوا له: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: الآية ١٣٢] يعني: دأب هؤلاء الكفرة من قريش ومن سار سيرهم كدأب الكفرة العتاة المتمرِّدين من الأمم الماضية آل فرعون والذين من قبلهم، كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقد قدمنا قصصهم مفصلة في سورة الأعراف وغيرها، وهذا معنى قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢].
ثم فسر دأب آل فرعون ومن قبلهم وبيّن عادتهم، قال: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ كفروا بها: جحدوا بها. وآيات الله: ما تتلوه عليهم الرسل من آياته الشرعية الدينية، وما يعاينونه من المعجزات من آياته الكونية القدرية، وهذا معنى قوله: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢] العرب تقول: أخذه الله: إذا عَاقَبَهُ عقابًا شديدًا أليمًا. وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (رحمهما الله) من حديث أبي موسى الأشعري (﵁) أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: الآية ١٠٢] (^١) ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم وعَاقَبَهُم العِقَابَ الشَّدِيد بسبب ذنوبهم. والذنب: هو الجريمة التي يستحق صاحبها النكال. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٢٠ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ﴾ القوة: ضد الضعف، وقد بين (جل وعلا) أن القوة ضد الضعف في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ الآية [الروم: الآية ٥٤]. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لأن الله (جل وعلا) قوي، هو أقوى من كل شيء، حتى لما قال عاد ما قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: الآية ١٥].
﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ العقاب: النكال الشديد لأجل الذنب. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عقابًا؛ لأنه يأتي عَقِبَ الذَّنْبِ مِنْ أجْلِهِ. وقد بيَّنَّا مرارًا أن الله (جل وعلا) في كتابه يُنَوِّهُ بشدة عقابه ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ﴿شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: الآية ١٦٥] ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ١٧٤] ﴿عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: الآية ٢] ونحو ذلك من تشنيع عذابه وفظاعته، وإن الأمر كذلك؛ لأنه ليس يوجد عذاب هو في غايته شديد فظيع إلا عذاب الله (جل وعلا) ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر: الآيتان ٢٥، ٢٦] لأن الناس إذا عذبوا المجرمين، والملوك الطغاة البغاة إذا أرادوا أن يعذبوا لا يستطيعون من العذاب إلا قدر ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإذا شددوا العذاب على المعذب بقدر ما يميته مات وانتهى الأمر، أما خالق السماوات والأرض (جل وعلا) فإنه يعذبه بالآلاف مما يستوجب الموت وهو لا يموت. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: الآية ١٧] وقال جل وعلا: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: الآية ٥٦] ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: الآية ٣٦] ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧)﴾
[ ٥ / ١٢١ ]
[الزخرف: الآية ٧٧] فهذا العذاب الذي لا يقطعه الموت ولا غيره هو الذي يُخاف منه وُيحذر منه، وهو الشديد بمعنى الكلمة، فعلى كل عاقل أن يَتَحَفَّظ منه ويتحرز منه في دار الدنيا مع إمكان الفرصة قبل أن يفوت الأوان ويندم حيث لا ينفع الندم، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢].
ثم قال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٣] الفعل المضارع منصوب بـ (أن) بعد (حتى)، و(حتى) حرف جر بمعنى الغاية. والأصل: إلى أن يغيروا؛ أي: إلى تغييرهم ما بأنفسهم، فهو غاية ذلك المذكور مما أنزل الله بهذه الأمم من المثلات، وما أنزل بكفار مَكَّةَ من العذاب يوم بَدْر والقتل والأسر متصلًا بِعَذَابِ الآخِرَةِ الَّذِي لَا ينقطع بسبب أن الله جل وعلا ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً﴾ (يكن) مضارع كان يكون، وحذف النون في الفِعْل المضارع معروف بقياس مطَّرِدٌ نطقت به العرب كذلك، سواء كان بعده (أل) أو لم تكن بعده (أل) كما هو معروف ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ نعمة: مفعول به لاسم الفاعل. والنعمة: مصدر بمعنى الإنعام، وهو ما ينعم الله ويتفضل به على خلقه. أنعم بها ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: جماعة من الناس كقريش وغيرهم من الأمم ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ﴾ والمعنى: أن عدم تغييره للنعمة مُغَيّا بغاية، تلك الغاية هي أن يغيروا ما بأنفسهم، فإذا غَيَّرُوا ما بأنفسهم بأن ارتكبوا سوءًا يَسْتَوْجِبُ العَذَاب والغضب غيرنا النعم بسبب تغييرهم إياهم.
وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن يجب الاعتبار بها، وأن الإنسان لا يتسبب في تغيير نعمة الله عنه بتغييره ما في نفسه، بل يدوم
[ ٥ / ١٢٢ ]
على طاعة الله وتقواه؛ لأنه إذا تنكر لربه قد يغير نعمته عنه وينقله من النعمة إلى النقمة، ومن السلامة إلى العذاب.
وفي هذه الآية إشكال معروف، وسؤال مشهور، وهو أن يُقال: إن هؤلاء الكفرة كل أحوالهم خبيثة وخسيسة، فما غيروا الكفر إلا إلى كفر، فهم كانوا كفرة ولم يكونوا في حالة محمودة حتى يكونوا غيروا ما بأنفسهم، فالذي كانوا فيه خبيث خسيس، والذي غيروا به خبيث خسيس، فبأي موجب كانت تتمادى عليهم النعمة الأولى، وبأي سبب كانوا يدخلون في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ وهذا الإشكال قوي، ووجهه واضح جدًّا، ولا يمكن أن يخرج من الآية لأن الآية نازلة في الكفار، فرعون ومن سار على سيره، وكفار مكة الذين شُبّه دأبهم بِدَأبِهِ، والمقرر في علم الأصول: أن صورة السبب لا يمكن أن تُخرج من العام بمخصص، وهو التحقيق إن شاء الله (^١). فبان استحكام هذا الإشكال وقوته.
وأجاب بعض العلماء (^٢) عن هذا بأنهم كانوا في نِعْمَةٍ مِنَ الله؛ لأَنَّهُمْ لم يأتِهِمْ رسول، وكانوا معذورين بالفترة، فأرسل الله إليهم الرسل، وَبَيَّنَ لهم المعجزات، وأقام عليهم الحجج، فصاروا يحادون الله، ويكذبون رسله، ويعلمون الحق ويجحدونه عنادًا وطغيانًا وتكبرًا على ربهم، فانتقلوا من حال سيئة إلى حال أسْوَأ منها بأضعاف، فلما انتقلوا إلى حال أسوأ كانوا غيروا فَغَيَّر الله ما بهم لما غيروا ما بأنفسهم بانْتِقَالِهِمْ من سيئ إلى أسوأ، وهذا معنى قوله:
_________________
(١) انظر: نثر الورود (١/ ٣١٣)، المذكرة في أصول الفقه ص٢١٠.
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٧).
[ ٥ / ١٢٣ ]
﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ يعني: ما بأنفسهم بأن ينتقلوا من خير إلى شر. ودل هذا الجواب على أنه أيضًا بأن ينتقلوا من سيئ إلى أسوأ منه وأفظع كما ذكرنا، وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عطف على ما قبله بأنه لم يك مغيرًا، وبأنه سميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوال المغيرين المستوجِبِينَ لتَغْيِير النعمة، ولا من أفعالهم.
وقد قدمنا مرارًا (^١) أن مثل هذا هو الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، وأوْضَحْنَاهُ مرارًا كثيرة. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٥٣].
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] هذا كالتوكيد لما قبله، كرره ليبين بعض ما أجمله هناك، فبين في هذه الآية الأخيرة أن مِنْ كفرهم المذكور في قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ﴾ بَيَّنَ أنَّ مِنْهُ التكذيب بآيات الله، وبين أنه عاقبهم وأغرق منهم آل فرعون.
ومعنى قوله: كدأبهم ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فرعون: تطلق على كل مَنْ مَلَك مِصْرَ. والمراد بهذه: فرعون موسى.
واختلف العلماء في لفظة (فرعون) هل هو عربي أو أعجمي (^٢)؟ فقال بعضهم: أعجمي. وقال بعضهم: هو عربي مُشْتَقّ مِنْ (تَفَرْعَن) الرجل إذا كان ذا دهاء ومكر، فكل من كان ذا دهاء
_________________
(١) راجع ما تقدم عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
[ ٥ / ١٢٤ ]
ومكر هو متفَرْعِن، وعلى أنه عربي فوزنه بالميزان الصرفي (فِعْلَوْل) فعلول بلامين لا (فعلون) بنون (^١). وفرعون هو الوليد بن الريان أو غيره على ما شرحنا، وهذا معنى قوله: ﴿كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] ﴿ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ معناه: أهله وجماعته. والتحقيق في ألف (الآل) أنها مبدلة من واو؛ لأن العرب تصغره على (أُويل). وبعضهم يقول: هي مبدلة من هاء، أصله: (أهل) (^٢) ولا يقال: (الآل) إلا لمن له شأن وخطب، وإنما قيل لفرعون: (آل فرعون) مع أنه خسيس خبيث وضيع لعظمته ومكانته عند قومه أيام إرسال موسى له؛ لأنه كان يقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف: الآية ٥٢] ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: الآية ٥١] ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: الآية ٢٤] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: الآية ٣٨] فهذه العظمة الزائفة والأبهة المختلقة كأنه قيل له بها (آل).
﴿آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كذب قوم نوح بآيات الله التي أرسل بها نبيه نوحًا، وقوم هود بآيات الله التي أرسل بها نبيه صالحا إلى آخره. وهذا معنى قوله: ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ وقد قدمنا تفصيل إهلاك هؤلاء الأمم، فبين في آيات كثيرة أنه أهلك قوم نوح بالطوفان ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
[ ٥ / ١٢٥ ]
الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: الآية ٣٧] وبين أنه أهلك قوم هود بالريح العقيم ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: الآية ٤٢] وأنه أهلك قوم صالح بصيحة صاح بهم الملك ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: الآية ٦٧] وأنه أهلك قوم شعيب تارة قال: بصيحة، وتارة قال: برجفة، وتارة بظُلَّة. والتحقيق أن قوم شعيب -أهل مدين- اجتمعت لهم الصيحة والرجفة والظلة؛ لأنه صاح بهم الملك من فوق فرجفت بهم الأرض مِنْ تَحْتِهِمْ، ثم إن الله أرسل عليهم ظُلَّة فأحرقتهم - على القول بأن أصحاب الظُّلة هم أصحاب الصيحة والرجفة، وهو أظهر الأقوال وأقربها -كما قدمنا إيضاحه في سورة الأعراف- وبينا أن قوم لوط أخذ المَلَكُ أرْضَهُمْ فَرَفَعَها وقَلَبَهَا عَالِيَهَا سافلها؛ ولذا كانت قرى قوم لوط تسمى (المؤتفكات) والمؤتفكات: مفْتعلات من الأَفْك (^١)، والأَفْك في لغة العرب هو القلب. من أفَكَ الشَّيْءَ: إذا قَلَبَهُ فجعل أسْفَلَهُ أعْلَاهُ. ومنه قيل لأسوأ الكذب (إفكًا) لأنه قلب للحقائق عن مواضعها. فقال (جل وعلا) فيهم: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: الآية ٨٢] لأنها أَفَكَها الملك أي: قلبها.
فالمؤتفكات: المنقلبات المجعول أسفلها عاليها، تارة عبر عنها بالمؤتفكة نظرًا إلى سدوم التي هي عاصمتها، وتارة عبر عن جميع القرى، قال في موضع: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ [النجم: الآية ٥٣] وقال في موضع: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [التوبة: الآية ٧٠] إلى غير ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ﴾ بين هنا ما فعل بآل فرعون؛ لأنه أغرقهم لما أسرى موسى ببني إسرائيل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ١٢٦ ]
وضرب بعصاه البحر فانفلق البحر وصار فيه اثني عشر طريقًا يبسًا، وسلكها موسى وقومه، فجاء فرعون في قومه وأُبَّهَتِه فوجدوا الطرق يابسة، فدخلوا فيها حتى تكامل خروج بني إسرائيل على الشاطئ، ودخول القبطيين في البحر، أمر الله البحر فاضطرب عليهم، كما جاء مبينًا في سور كثيرة من كتاب الله. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ﴾.
﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] وكل من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، والكفرة الذين كذبوا محمدًا ﷺ كل هؤلاء الكفرة كانوا ظالمين، ظالمين بكفرهم.
وقد قدمنا مرارًا (^١) أن أصل الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو وضع الشيء في غير محله، فَكُلّ مَنْ وَضَعَ شَيْئًا في غير محلّه فهو ظالم، هذا هو لسان العرب الذي نَزَلَ به القرآن، كلّ مَنْ وَضَعَ شَيْئًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِه فَقَد ظَلَمَ؛ ولذا كانوا يقولون لمن يضرب لبنه قبل أن يروب: ظالم. ويقولون للسقاء المضروب قبل أن يروب: مظلوم؛ لأن الضرب وقع في غير موقعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يُذهب زبده ويضيعه، فكان في غير موضعه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الشاعر (^٢):
وقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائي وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكدِ الظَّليم
العكد: عصب مؤخر اللسان. والظليم: اللبن المظلوم
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٥ / ١٢٧ ]
المضروب قبل أن يروب. معناه: أن ذوق اللسان يفهم ما ضُرب منه قبل أن يروب، وما ضُرِبَ بعد أن راب، ونظيره قول الآخر (^١):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لم تردني شَكَاتُه ظَلَمْتُ وَفِي ظَلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ
ظلمته: أي: ضربته قبل أن يَرُوبَ، وهذا المعنى المعروف في كلام العرب، ومنه قيل للأرض التي ليست محلًاّ للحفر إذا وقع بها حفر: مَظْلومة، ومنه قول نابغة ذبيان (^٢):
إلَاّ الأوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيّنُها والنؤي كالحَوْضِ بالمظْلُومَةِ الجَلَدِ
لأن حفر النؤي الذي يحول بين خيمة البدوي وبين السيل وقع في أرض ليست محلًاّ للحَفْرِ، ومنه قيل للتراب المنزوع من القبر: (الظَّلِيم)، أي: مظلوم؛ لأنه محفور في غير محل حفر عادة، ومنه قول الشاعر يصف رجلًا مقبورًا (^٣):
فأَصْبَحَ في غَبرَاءَ بعد إِشَاحَةٍ من العَيشِ مردودٍ عليها ظَلِيمُها
هذا معنى الظلم في لغة العرب. وجاء في القرآن معنى الظلم: الظلم بمعنى النقص في موضع واحد، هو قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ -يعني ولم تنقص- ﴿مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: الآية ٣٣] وهو راجع في المعنى إلى ما ذكرناه.
إذا عرفتم أن الظلم في لغة العرب: هو وضع الشيء في غير محله فاعلموا أن أعظم أنواعه وأشنعها هو وضع العبادة في غير مَنْ خَلَقَ. من خلقه الخالق ورزقه -جل وعلا- فَعَبَدَ غَيْرَهُ فَقَدْ وَضَعَ
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
[ ٥ / ١٢٨ ]
عِبَادَتَهُ وطاعته في غير موضعها فهو ظالم الظلم بمعناه الأكبر ومعنى الكلمة تمامًا؛ ولأجْلِ هَذَا المعْنَى كثر في القرآن إطلاق الظالم على الكافر المشرك، كقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: الآية ١٠٦] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: الآية ١٣] وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: الآية ٨٢] قال: «بشرك»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: الآية ١٣] (^١) وكذلك يطلق الظلم على المعصية التي لا تبلغ الكفر؛ لأن العاصي أطاع الشيطان وعصى الله، فقد وضع طاعته في غير موضعها، ووضع معصيته في غير موضعها فهو ظالم بهذا الاعتبار، فهذا معنى قوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] والتنوين في قوله: ﴿وَكُلٌّ﴾ تنوين عوض، عوض عن كلمة المضاف إليه، أي: وكلهم كانوا ظالمين. فعوض التنوين عن المحذوف كما هو معروف في محله.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
[ ٥ / ١٢٩ ]
فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: الآيات ٥٥ - ٦١].
يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: الآيات ٥٥ - ٥٨].
نزلت هذه الآيات في بني قريظة من اليهود (^١)، كانوا تعاهدوا مع النبي ﷺ أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه عدوًّا، ثم إنهم نقضوا العهد وأعانوا كفار مكة بالسلاح، وذهب إليهم كعب بن الأشرف -قبحه الله- إلى أهل مكة يُشَجِّعُهم على قتال النبي ﷺ ويكذب عليهم ويقول لهم: أنتم أهدى طريقًا مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ كما قدمنا الكلام عليه في تفسير قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا﴾ [النساء: الآية ٥١] نقض بنو قريظة العهد أولا فأعَانُوا قُرَيْشًا بالسلاح على النبي -ﷺ- والإعانة بالسلاح نقض للعهد الأول - فلما كلمهم ﷺ في نقض ذلك العهد قالوا: نسينا وأخطأنا فلا تأخذنا بها. وأكدوا معه العهد مرة أخرى، ثم نقضوا العهد ومَالَئُوا الأحزاب على النبي ﷺ يوم الخندق، وكانوا حربًا عليه مع المشركين؛ لأن حيي بن أخطب سيد بني النضير كان فتن سيد قريظة كعب بن أسد حتى نقضوا العهد وصاروا مع الأحزاب حربًا على النبي ﷺ فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ [الأنفال: الآية ٥٥].
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٤/ ٢١).
[ ٥ / ١٣٠ ]
الدواب: جمع دابة، وقد جرت العادة في القرآن أن الآدميين لا يعبر عنهم بالدواب، لكنه هنا عبر عن هؤلاء الكفرة باسم الدواب، ليشير إلى أنهم كالأنعام بل هم أضل، كما قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: الآية ٤٤] والدواب: جمع دابة. وأصل الدابة وزنه (فَاعِلَةٍ) (داببَة) جاء فيه الإدغام. وجمع (الفَاعِلَة) مطلقًا على (فَوَاعِل) جمع تكسير مقيس بقياس مطرد كما هو معروف في محله (^١). أي: إن شر جميع ما يدب على وجه الأرض من الدواب هم الكفار؛ لأنهم شر كل ما يدب على وجه الأرض، فقوله هنا: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ هي صيغة تفضيل، أصله: إن أشر الدواب، أي: أكثرها وأعظمها نصيبًا في الشر الذين كفروا. إلا أن (خيرًا) و(شرًّا) لكثرة الاستعمال فيهما حذفت العرب منهما همزة أفعل التفضيل، وهما صيغتا تفضيل، فقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ أي: أكثر الدواب التي تدب على وجه الأرض شرًّا وأعظمها نصيبًا في الشر -وهو ضد الخير- ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كبني قريظة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأن الكفر متغلغل في أعماقهم لا يقلعون عنه، وهم أشقياء قد سبق في علم اللَّه أنهم لا يؤمنون. ثم زادهم بيانًا وإيضاحًا بقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٦] فـ ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ قبله. قال بعض العلماء: قوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ إنما جيء بـ (من) لأنه مضمن معنى: أخذت منهم العهود. قال بعض العلماء: (من) تبعيضية؛ لأنهم وإن كانوا كفرة كلهم فهم كلهم شر الدواب، إلا أن العهد إنما يعقد مع رؤسائهم الذين لهم العقد والحل، وبذلك الاعتبار دخلت (من) التبعيضية.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٣١ ]
﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ المقرر في فن التصريف: أن كل فعل جاء على وزن (فَاعَل) كقوله هنا ﴿عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ أو على وزن (تفاعَل) إنه يقتضي اشتراك المصدر بين فاعلين (^١). فمعنى ﴿عَاهَدتَّ﴾ أخذت عليهم العهد وأخذوا عليك العهد؛ لأن (فَاعَل) تقتضي الطرفين.
والعهد: كل شيء مؤكد لا يجوز نقضه تسميه العرب عهدًا. والميثاق: العهد المؤكد. ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ وهم يهود بني قريظة ألا يحاربوك وألا يعاونوا عليك محاربًا آخر ﴿ثُمَّ﴾ بعد هذا العهد المؤكد ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ قال بعض العلماء: (ثم) هنا للاستبعاد؛ لأنه يستَبعَد من العاقل الذي عنده عقله أن يجعل على نفسه العهود والمواثيق المؤكدة ثم ينقض ذلك؛ لأن هذا الفعل خسيس قبيح يستبعد من العقلاء. وقد تقرر في كلام العرب وفي القرآن أن لفظة (ثم) التي هي للانفصال والتراخي قد تأتي للاستبعاد، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: الآية ١] لأن من خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور يستبعد كل الاستبعاد أن يُجعل له عديل ونظير، ولذا قال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: الآية ١] أي: يجعلون له عدلًا ونظيرًا. تقول: عَدَلْت به إذا جعلت له عدلًا ونظيرًا، ومنه قول جرير (^٢):
أَثَعْلَبَة الفَوَارِس أو رِيَاحًا عَدَلْتُ بِهِمْ طُهيَّةَ والخِشَابَا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٣٢ ]
فـ (ثمَّ) للاستبعاد، ومن شواهد إتيان (ثم) للاستبعاد قول الشاعر (^١):
وَلَا يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إِلَاّ ابْنُ حُرَّةٍ يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثمَّ يَزُورُهَا
لأن زيارة غمرات الموت بعد معاينتها من الأمور المستبعدة.
﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ نقض العهد هو عدم الوفاء به ونكثه ﴿عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ كما نقضوا في المرة الأولى حيث أعانوا كفار مكة بالسلاح، ونقضوا في المرة الثانية حيث صاروا مع الأحزاب على النبي وأصحابه ﷺ ورضي عنهم. وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ لا يتقون الله (جل وعلا) فيجترئون على نقض العهود وعلى كل جريمة، ليس لهم تقوى من الله تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه، وهذه -والعياذ بالله- أمور قبيحة؛ حيث كانوا شر الدواب، وكانوا كافرين، ولا يؤمنون، وينقضون العهود، ولا يتقون الله، فهذا منتهى الذم -والعياذ بالله- هذا معنى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٦].
وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧] ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ هذه (إن) هي الشرطية زيدت بعدها (ما) المزيدة لتوكيد الشرط. والأصل: فإن تثقفهم فشرد بهم. والفاء في قوله: ﴿فَشَرِّدْ﴾ لأن الجملة الطلبية جزاء الشرط، والمقرر في علم العربية أن جزاء الشرط إن كان لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء (^٢)، يعني: إن تثقفهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم، والعرب تقول:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٤) من سورة البقرة.
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٣١٦).
[ ٥ / ١٣٣ ]
ثقفه يثقفه في الحرب إذا كان له في الحرب ثقافة، أي: بصيرة وعلم قَدَرَ بها على أن يتمكن من قِرنه ويظفر به. يعني: إن كانت ثقافتك في الحرب وبصرك بها خوَّل لك أن تتمكن منهم وتقدر عليهم ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ (من) مفعول (شرِّد) ومعنى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ افعل لهم فعلًا فظيعًا وعقابًا منكرًا هائلًا عظيمًا يكون ذلك العقاب عظة لمن خلفهم ومن وراءهم فيتفرقوا ويَتَبَدَّدُوا عنك ويخافوا. وكان بعض الفرسان الشجعان لما سُئل: بأي طريق صار الفوارس يخافونك؟ قال: إذا ظفرت بفارس ضربته ضربًا فظيعًا منكرًا ليخاف من وراؤه فلا يجترئوا عليَّ!! فمعنى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: افعل بهم عقابًا منكرًا فظيعًا يكون ذلك العقاب المنكر الفظيع سببًا لتشريد مَنْ وَرَاءَهُمْ لِتَفْرِيقِهِمْ وتَبَدُّدِهِمْ عنك وخوفهم منك، وإن كان عند أحدهم عهد فإنهم يخافون مِنْ نَقْضِهِ ويفون به لئلا تَفْعَلَ بِهِمْ مَا فعلت بهم، وهذا هو التَّحْقِيق في معنى الآية، أي: شرِّد مَنْ خَلْفَهُمْ، أي: فَرِّق مَنْ خَلْفَهم وخَوِّفهم وبَدِّدْهُمْ بسبب فِعْلِكَ فيهم؛ لأنك إذا فعلت في هؤلاء الناقضين للعهد ذلك التنكيل العظيم خافَكَ غَيْرُهُمْ فتَفَرَّقُوا وتَبَدَّدُوا عَنْكَ، وخافُوا مِنْكَ، وحافظوا على العُهُودِ إن كانت لهم عهود لئلا توقع بهم مثل ما أوقعت بهؤلاء. وهذا معنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾.
والضمير في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ راجع لـ ﴿مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: مَنْ خَلْفَهُمْ، مَنْ وَرَاءَهُمْ ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ يَعْتَبِرُونَ ويَتَّعِظُونَ بالفِعْلِ العَظِيمِ الَّذِي فَعَلْتَ بهؤلَاءِ فَلَا يَجْتَرِئوا عليك بعدها. وهذا معنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧] ولما مكن الله النبي ﷺ من بني قريظة وَحَكَّمَ فِيهِمْ سَعْدَ
[ ٥ / ١٣٤ ]
الأَوْسِ سَعْدَ بن معاذ (﵁)؛ لأن النبي كان ﷺ لما ظفر بيهود قينقاع جاءه عبد الله بن أُبيّ رئيس المنافقين من الخزرج، وكان بنو قينقاع حلفاء الخزرج، فقال للنبي ﷺ: شفعني في حلفائي. فشفعه فيهم، فأُجلوا إلى نواحي الشام، وطُردوا من المدينة إلى نواحي الشام، فلما نزلوا (^١) على حكم النبي ﷺ وأمكن منهم جاءت الأوس -كما ذكره غير واحد من أهل السير والأخبار- فقالوا للنبي صلى الله عليه
[٧/أ] وسلم:/ شَفَّعْتَ إخْوَانَنَا الخَزْرَجَ في حُلَفَائِهِمْ بَنِي قَيْنُقَاع، وهؤلاء بنو قريظة حلفاؤنا -لأن قريظة حلفاء الأوس- فَشَفِّعْنا فيهم كما شَفَّعْت إخواننا في حلفائهم، والنبي ﷺ يكره ألا يجيب دعاءهم، ويكره ألا يُشَرِّد ببني قريظة ويفعل فيهم الأفاعيل، فتخلص من هذا وقال: «أُحَكِّم فِيهِمْ رَجُلًا مِنْ خِيَارِكُمْ هُوَ سَعْدُ بن مُعَاذٍ». فقالوا: رضينا. فحَكَّم فيهم سعد بن معاذ (﵁)، وكان سعد (﵁) جُرِح في غزوة الخندق، جَرَحَهُ حبان بن العَرَقَة، أصابه في أكحله -وهو العِرْق الذي في العنق- وكان لما سال الدم من عِرْقه وخاف الموت كان دعا الله وقال: اللهم إن كنت أبقيت بين نبيك وبين كفار مكة حَرْبًا فَأَبْقِنِي لها؛ لأنِّي لا أحِبّ أن أقاتل قومًا مثل القوم الذين أخْرَجوا نبيك من بلده وفعلوا له وفعلوا، وإن كان في عِلْمِكَ أنه لم يَبْقَ بَيْنَهُ وبين قريش حرب فاجعل لي هذا الجرح شهادة، ولا تُمِتْنِي حتى تقرَّ عَيْنِي في بني قريظة. فلما حكَّمه النبي ﷺ فيهم فجاء على حمار -لما جاء للتَّحْكِيم- فقال لهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» قال سعد (﵁): حكمت فيهم بأن يُقْتَل رجالهم، وتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ
_________________
(١) يعني: قريظة.
[ ٥ / ١٣٥ ]
وذَرَارِيهِمْ. فأخبره ﷺ أن هذا حكم الله فيهم من فَوْقِ سَبْعِ سَماوات (^١)؛
لأنهم الذين نَزَلَ فيهم؛ ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. وكان بعض العلماء يقول: كل هذه الآيات نازلة في كفار مكة؛ لأن هذه السورة كلها في وقعة بدر، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧].
ثم قال تعالى معلمًا نبيه ﷺ؛ لأن الله (جل وعلا) علم نبيه ﷺ في هذه السورة الكريمة تَعَالِيمَ عظيمة، وهي كلها تعاليم من أصول الجهاد، علمه الثبات والصمود أمام العدو، وعلمه فيها الاتصال بخالق السماوات والأرض عند التحام الصفوف، وعَلَّمَهُ كيف يخيف أعداءه بشدة الوقيعة فيمن قدر عليهم، وعَلَّمَهُ هُنَا كَيْفَ يُصَالحُهم، وكيف ينبذ صلحهم، كل هذه تعاليم جِهَادِيَّة عسكرية من رب العالمين (جل وعلا) للنَّبِيِّ وأصْحَابِهِ؛ لأن هذا المحكم المنزل
_________________
(١) خبر حُكْمِ سَعْدِ بن معاذ في بني قريظة مُخَرَّجٌ في الصحيحين من حديث:
(٢) عائشة (﵂) عند البخاري في الصلاة، باب الخيمة في المسجد للمَرْضَى وغيرهم، حديث رقم: (٤٦٣) (١/ ٦٦٣)، وأطرافه في (٣٩٠١، ٤١١٧، ٤١٢٢). ومسلم في الجهاد والسير، باب جواز قتال مَنْ نَقَضَ العَهْدَ ، حديث رقم: (١٧٦٩) (٣/ ١٣٨٨).
(٣) أبي سعيد الخدري (﵁) عند البخاري في المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب. حديث رقم: (٤١٢١) (٤/ ٤١١). ومسلم في الجهاد والسير، باب جواز قِتَالِ مَنْ نَقَضَ العَهْدَ ، حديث رقم: (١٧٦٨) (٣/ ١٣٨٨). إلا أن الحديث الذي في الصحيحين مختصر، وهو بسياقه الطويل مخرج في المسند (٦/ ١٤١ - ١٤٢)، وذكره ابن هشام في السيرة (٣/ ١٠٣١)، وابن كثير في تاريخه (٤/ ١٠٣).
[ ٥ / ١٣٦ ]
ينير معالم الطريق في جميع ميادين الحياة كائنة ما كانت؛ ولذا قال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: الآية ٥٨] ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ كقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧] فهي (إن) الشرطية زيدت بعدها (ما) لتوكيد الشرط. وبعض علماء العربية يقول: إن (إِنْ) الشرطية إذا زِيدَتْ بعدها (ما) المؤكدة وجب اقتران المضارع بنون التوكيد، وهو كذلك في القرآن، ما جاء في القرآن (إما) إلا والفعل المضارع بعدها مُؤَكَّدٌ بِنُون التَّوْكِيد الثقيلة (^١)، إلا أن التحقيق أنها هي اللغة الفصحى ولا تتعين، فيجوز عدم توكيد الفعل بعد (إما) () (^٢) وكقول لبيد بن ربيعة (^٣):
فَإِمَّا تَرَيْنِي الْيَوْمَ أَصْبَحْتُ سَالِمًا فَلَسْتُ بِأَحْظَى مِنْ كلاب وَجَعْفَرِ
وقول الحماسي (^٤):
زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ يَسْدُد أُبينُوها الأَصَاغِرُ خلَّتِي
وهو كثير في كلام العرب. وزَعَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ علماء العربية أنَّ حَذْفَ النون في هذه الشواهد لضرورة الشعر، وأن النون واجبة، وزعم جماعة آخرون أنها لغة فصيحة لا ضرورة شعرية.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف.
(٢) في هذا الموضع وقع مسح في التسجيل. ويظهر أن الشيخ (﵀) ذكر بعض الشواهد الشعرية. ويمكن الوقوف على الكلام على هذه المسألة بشواهدها في كتاب شرح الكافية (٣/ ١٤٠٩ - ١٤١٠)، وفي كلام الشيخ (﵀) فيما سبق عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف.
(٤) السابق.
[ ٥ / ١٣٧ ]
ومعنى قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ نزلت هذه الآية الكريمة في بني قريظة، قال بعض العلماء: في هذه الآية إشكال معروف؛ لأن قوله: ﴿تَخَافَنَّ﴾ الخوف يطلق على الظن الذي لا يستلزم اليقين، والعهد شيء مؤكد مُتَيَقَّن، فكيف يَنْتَقِل عَنْ حُكْمِ يقين العهد إلى ظن نقض العهد، والقاعدة المُقَرَّرَة في الأصول: أن اليقين لا يرتفع بالشك (^١)؟
وأجاب العلماء عن هذا بجوابين (^٢):
أحدهما: هو -ما قدمنا مرارًا- أن العَرَبَ رُبَّمَا أطلقت الخوف وأرَادَتْ بِهِ العلم، كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩]. علمتم من قرائن أحوالهما ألا يقيما حدود الله. ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ أي: يعلما ألا يقيما حُدُودَ الله. ولا شك أن العرب تطلق الخوف على العلم اليقين، ومن شواهده قول أبي محجَن، مالك بن حبيب الثقفي (^٣):
إذا مِتُّ فادفنِّي إلى جَنبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظامي في المماتِ عُرُوقُها
وَلَا تدفنني بالفَلاة فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لا أذوقُها
وهو يتيقن علمًا يقينًا أنه إذا مات لا يذوقها، فقد أطلق (أخاف) وأراد (أعلم) وهو عربي فصيح. وعلى هذا القول فـ ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ أي: إِمَّا تَعْلَمَنَّ مِنْ قَوْمِ خيانة. وقال أكثر العلماء: إن كان بَيْنَكَ وبين قوم عهود ومواثيق -كالعهود التي كانت بينه ﷺ وبين يهود بني قريظة-
_________________
(١) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٣، القواعد الفقهية الخمس الكبرى من مجموع فتاوى ابن تيمية ص١٨٧، شرح القواعد الفقهية للزرقا ص٣٥.
(٢) انظر: القرطبي (٨/ ٣١).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٣٨ ]
إن تَخَافَنَّ مِنْ هَؤُلاء القوم الذين كانت بينك وبينهم عهود تخافن منهم خيانة، أي: خيانة بنقض تلك العهود بأن يخونوك وينقضوا العهود. و(ياء) الخيانة مبدلة من واو؛ لأن أصل مادة الخيانة أجوف واوي العين، مِنْ: خَانَ يَخُون. أصلها: (خِوَانَة) فأبدلت الواو ياء (^١)، كالحيازة من الحَوْز، والصيانة مِنَ الصَّوْنِ، والصّيَام من الصوم. إن تخف يعني مِنْ قَوْم بينك وبينهم عهود ومواثيق تخف منهم خيانة، أي: غدرًا ونقضًا للعهود ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ يعني بأن يكون خوف الخيانة ظهرت له أمارات ومبادِئ وقرَائِن يُسْتَدَل بها عليه، كما ظهر من بني قريظة أنهم لما عاضدوا المشركين وناصروهم ولم يصرحوا بنبذ العهد كانت مناصرة المشركين ومعاضدتهم قرائن واضحة وأمارات لائحة على أنهم ناقضون للعهد.
وعلى كل حال فالَّذِي دل عليه استقراء القرآن ودلت عليه الوقائع -وهو الصحيح إن شاء الله- أن الأمر له حالتان: تارة يكون الكفار الذين بيننا وبينهم عهد ومصالحة تصدر منهم أشياء تدل على نَقْضِ العَهْدِ، لِدلالة قَرَائِن على ذلك، أنهم صدرت منهم مَبَادِئ نقض العهد، ففي هذه الحالة لا ينبغي للإمام أن يَبْقَى على عهدهم وقد ظهر له منهم أمارات الخيانة؛ لئلا يصيبوا المسلمين بِغَائِلة، ففي هذه الحالة يجب على الإمام أن يصارحهم ويقول لهم: رأينا منكم ما يدل على نقضكم العهد وهو كذا وكذا وكذا، فهذا عهدنا إليكم قد طَرَحْنَاهُ إِلَيْكُمْ، ونَبَذْنَاه إليكم، وألقيناه إليكم، وأعْلَمْنَاكُمْ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ عَهْد، خَوْفَ أنْ تَظُنّوا أنَّا نخدعكم ونكيدكم ونُحَارِبُكُمْ
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١٠٤.
[ ٥ / ١٣٩ ]
غَفْلَةً منكم. وهذا معنى قوله: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ النبذ في لغة العرب: الطَّرْح. ومفعول (انبذ) محذوف، أي: فاطرح إليهم عهدهم، وألقه إليهم في حال كونك أنت وهم ﴿عَلَى سَوَاء﴾ استواء في العلم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، ليس أحد منكما يدلس للآخر. وعلى هذا فقوله: ﴿عَلَى سَوَاء﴾ أي: في العلم؛ بأنك لست على صُلْحِكَ الأول لما رأيت مِنْ علامات غدرهم ونقضهم له.
قال بعض العلماء: فانبذ إليهم عَهْدَهُم حَالَ كَوْنِ ذلك النبذ على سواء. أي: على عدالة وطريقة محمودة؛ لأن العرب تسمي العَدَالَةَ (سواء)، وتسمي الطريق العدل الواضح (سواء) و(سويًّا) ومن هذا قول الراجز (^١):
وَاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأَعْدَاءِ حَتَّى يُجيبُوكَ إِلَى السَّوَاءِ
أي: إلى العدالة والإنصاف من غير مَيْلٍ وَلَا جَوْرٍ. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أي: إِنْ خِفْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ خِيَانَة مِنْ قوم كان بينك وبينهم عهد بأن ظهرت لك أمارات الغدر وعلاماته وأوائله منهم ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فاطرح إليهم، وألْقِ إليهم العهد في حال كونك وإياهم على ﴿سَوَاء﴾، أي: مستوين في العلم بالحالة الواقعة وأنه لا عهد بينك وبينهم. وقد جاء عن معاوية (﵁) أنه كان بينه وبين الروم مصالحة وعهود ثم إنه (﵁) سار إليهم وهم لا يشعرون ليقرب منهم، فإذا انقضت مدة العهد كان قريبًا منهم فحمل عليهم، فإذا رجل على فرس له -وفي بعض روايات الحديث في السنن وغيرها- على دابة له، ذلك الرجل يقول: الله أكبر، الله أكبر،
_________________
(١) البيت في ابن جرير (١٤/ ٢٧) القرطبي (٨/ ٣٣).
[ ٥ / ١٤٠ ]
وفاء ولا غدر، فلما جيء معاوية به وجده عَمْرَو بن عبْسة (﵁) فقال: إني سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يقول: «إِنْ كَانَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عُهُودٌ فَلَا تَشدُّوا الْعُقْدَةَ وَلَا تَحُلُّوهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ أَوْ تَنْبِذُوا إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ». قالوا: فرجع معاوية ﵁ (^١).
ومعنى الآية الكريمة: إن تخف الخيانة مِنْ قَوْم بينك وبينهم عهد -والخيانة هنا: الغدر ونقض العهد- ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: فاطرح إليهم عَهْدَهُمْ ﴿عَلَى سَوَاء﴾ أَنْتَ وَهُمْ مستويان في العلم بنقض العهد، ولا تدلس لهم فيظنوا أنك على عهد حَتَّى تمكر بهم وهم في غفلة، بل أعلمهم بنقض العهد ليستعدوا للحَرْبِ ولا تحارِبْهم في غفلة. وهذا مِنْ كَمَالِ إنصاف دين الإسلام؛ لأن التعاليم السماوية والكتب الإلهية هي في غاية العدالة والإنصاف، حتى مع الكفار نهى نبيه أن يُحَارِبَهُمْ وهم في غفلة من ذلك، بل أمره أن يعلمهم وينبذ إليهم العهد علنًا حتى يستوي الجميع في العلم بالحال الواقعة ليستعدوا لِلْحَرب والقتال؛ ولئلا يُؤْخَذُوا على غِرَّة، فهذه مكارم الأخلاق والعدالة الكاملة. ولا شك أن هذا التشريع تشريع ممن هو عالم بأن أولياءه لهم النصر والظفر لا حاجة له في استعداد الكفار وعلمهم وقوتهم؛ لأنه يعلم أنهم مغلوبون مقهورون، وأن الدائرة عليهم، وهذا معنى قوله: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٨].
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السير، باب ما جاء في الغدر، حديث رقم: (١٥٨٠)، (٤/ ١٤٣). وأبو داود في الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير نحوه، حديت رقم: (٢٧٤٢) (٧/ ٤٣٩). وانظر صحيح الترمذي حديث رقم: (١٢٨٥)، صحيح أبي داود، حديث رقم: (٢٣٩٧).
[ ٥ / ١٤١ ]
أما إذا تُيقن نقض العدو للعهد بأن قتلوا المسلمين، وفعلوا الأفاعيل، وصرحوا بنقض العهد علنًا فهؤلاء لا حاجة لإعلامهم؛ لأنَّ أَمْرهم واضح، وهم لا يشكون في نقضهم العهد؛ ولأجل ذلك لما عقد النبي ﷺ مَعَ كفار قريش صلح الحديبية في ذي القعدة من عام ست من الهجرة عقده بينه وبينهم على يَدِ سُهَيْل بن عمرو العامري -﵁ وكان في ذلك الوقت كافرًا- وانعقد هذا الصلح، ودخل خزَاعَة في عهد النبي ﷺ، وأعداؤهم من البَكْريين في عهد قريش، وكان صلح الحديبية وقع على المهادنة تسع سنين، فَغَدَرت قريش غدرًا علنًا، وأعانوا البكريين على خُزَاعة فقتلوهم، لما كان هذا الغدر علنًا ظاهرًا لا إشكال فيه ولا لبس فيه لم ينبذ إليهم رَسُول الله على سواء، بل غزا قريشًا غزوة الفتح، وأهل الأخبار والسير يقولون: إنه قال: «اللَّهُمَّ خُذِ الأَخْبَارَ وَالْعُيُونَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي دِيَارِهَا» (^١)، وما دروا إلا والمسلمون بِمَرِّ الظّهْران كل رجل يوقد نارًا؛ لأن نقضهم للعَهْدِ هُنَا لا يَتَنَاوله ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ لأنهم خانوا بالفعل وقتلوا الخزاعيين قتلًا ذَرِيعًا، كَمَا قال صاحبهم الذي اسْتَنْجَدَ لهم رَسُول الله ﷺ وهو عمرو بن سالم الخزاعي (﵁)؛ لأن قريشًا لما نقضوا العَهْدَ وقتلوا خزاعة مع البكريين أرسل الخزاعيون عمرو بن سالم (﵁) فجاء إلى النبي ﷺ في المدينة -هذه حرسها الله- قام عمرو بن سالم الخزاعي وذكر رجزه المشهور الذي يصرح فيه بأنهم قَتَلُوهم، وأن نقضهم للعهد كالشمس لا شك فيه حيث قال
_________________
(١) السيرة لابن هشام ص١٢٣٨ من طريق ابن إسحاق، وكذا أورده ابن كثير في تاريخه (٤/ ٢٨٣).
[ ٥ / ١٤٢ ]
للنبي ﷺ في رجزه المشهور:
ياربِّ إني ناشدٌ محمَّدًا حِلفَ أبينَا وأَبيهِ الأتلَدَا
ثم قال (^١):
إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا وقَتَلونَا رُكَّعًا وسُجَّدَا
وزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
فَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا
في فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبَدَا إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أيدَا
إلى آخر رَجَزِهِ المعروف. وذكر أصحاب السير والأخبار أنه ﷺ قال: «لا نَصَرَنِي اللهُ إن لمْ أنْصُرْك» (^٢). ولم ينبذ إلى قريش على سواء، بل تجهز إليهم في غزوة الفتح في رمضان من عام ثمان، وأنه
_________________
(١) نص هذه الأبيات في ابن هشام ص١٢٣٥، البداية والنهاية (٤/ ٢٧٨) هكذا: يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مَحَمَّدَا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدَا ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا فَانْصُرْ هَداكَ اللهُ نَصْرًا أَعْتَدَا وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبَدَا إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا وَجَعَلُوا لِي فِي كُدَاءٍ رَصَدَا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وسُجَّدَا
(٢) الذي نقله ابن هشام ص (١٢٣٦)، ابن كثير في تاريخه (٤/ ٢٧٨) قوله ﷺ: «نُصِرْتَ يَا عمرو بن سَالِم».
[ ٥ / ١٤٣ ]
(صلوات الله وسلامه عليه) لم يعلموا به حتى قرُب من ديارهم، وكان ما وقع مما هو مشهور يوم الفتح. وهذا معنى قوله: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٨] وكل شيء لا [يحبه] (^١) الله دل على أن صاحبه مرتكب جريمة وذنبًا عظيمًا. والخائنون: جمع خائن، وأصل الهمزة في ﴿الخَائِنِينَ﴾ مبدلة من واو؛ لأن (الفاعل) من الأجوف تبدل عينه همزة، سواء كانت واوًا أو ياءً، والهمزة في محل الواو؛ لأن المادة واوية العين كما بينا (^٢). فالله (جل وعلا) يبغض الخائنين، فلا ينبغي للإنسان أن يخون، وهذا مِنْ مَكَارِمِ الأخلاق، وغاية عدالة الكتب السماوية وإنصافها.
وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ [الأنفال: الآية ٥٩] في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعية (^٣): قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالتاء الفوقية وكسر السين من (تَحسِبَن). وقرأه عاصم في رواية شعبة وحده أعني أبا بكر: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء الفوقية للمخاطب وفتح سين (تَحسَبن) وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء الغيبة التحتية وفتح سين (يحسَبن).
_________________
(١) في الأصل: «يبغضه» وهو سبق لسان.
(٢) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١٠٣.
(٣) انظر: السبعة ص٣٠٧.
[ ٥ / ١٤٤ ]
أما على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ﴾ وقراءة شعبة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فالآية الكريمة لا إشكال فيها، وكلا القراءتين واضح لا إشكال فيه ولا كلام.
أما قراءة ابن كثير (^١) وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، فهذه القراءة أصلها مشكلة، ومعناها مشكل (^٢). وتجرأ أقوام جراءة لا تليق -وإن كان فيهم معرفة وعلم وجلالة كأبي حاتم وأبي عبيد، حتى ابن جرير ﵀- وأنكروا هذه القراءة، وقالوا: إنها بعيدة من كلام العرب، وأنها لا وجه لها من الفصاحة، كما أنكر ابن جرير وغيره قراءة ابن عامر: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٩] بفتح همزة (أن).
والتحقيق أن قراءة ابن عامر: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، و﴿أنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ بفتح الهمزة، وقراءة حمزة وحفص عن عاصم: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ وقراءة: ﴿إِنَّهُمْ﴾ كلها قراءات سبعيات فصيحة متواترة عن النبي ﷺ لا وَجْهَ لِلطَّعْنِ فيها.
أما على قراءة من قرأ: ﴿ولا تحسِبن الذين كفروا﴾ فاعلموا أولًا أن (حَسِب) بكسر السين في مضارعها لغتان فصيحتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن: (حَسِب يَحْسَب، وحَسِبتَ تَحْسَبُ). بفتح السين على القياس، و(حَسِبَ يَحسِبُ) بكسر السين على السماع لا على القياس، وهما لغتان فصيحتان مستفيضتان وقراءتان سبعيتان.
_________________
(١) سبق لسان، والصواب: ابن عامر.
(٢) انظر: حجة القراءات ص٣١٢، ابن جرير (١٤/ ٢٨)، القرطبي (٨/ ٣٣) الدر المصون (٥/ ٦٢٣).
[ ٥ / ١٤٥ ]
فقراءة شعبة عن عاصم لا فرق بينها وبين قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي، وإنما الفرق بين قراءة التاء وقراءة الياء. أما على القراءة بتاء الخطاب فمعنى الآية واضح لا إشكال فيه، والحُسبان في لغة العرب: الظن. والمعنى: لا تظن يا نبي الله الذين كفروا سبقوا. فـ (الذين) في محل المفعول الأول، وجملة (سبقوا) في محل المفعول الثاني، و(سبقوا) معناه: غلبوا وفاتوا، فكل شيء فاتك ولم تدركه وعَجزتَ عنه تقول العرب: سبقك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة: الآيتان ٦٠، ٦١] لسنا بمغلوبين ولا معجَّزين عن أن نبدل أمثالكم. أي: لا تظنن يا نبي الله الذين كفروا سبقوا، لا تظنن الكفار فائتين سابقين يعجز عنهم ربهم (جل وعلا)، لا وكلا ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ ولا يسبقون، فهم تحت قهره وقدرته وسلطنته يفعل فيهم كيف يشاء، ولا يسبقونه ولا يفوتونه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: الآية ٤] أي: يفوتوننا ويعجزوننا، لا ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: الآية ٤]، وكذلك قراءة شعبة عن عاصم: ﴿ولا تَحْسَبن الذين كفروا﴾ هي معناها وهذه القراءة واحد.
[٧/ب] / أما على القراءة الأخرى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوا﴾ فتفسير الآية مشكل؛ لأنه لا يُدرى أين مفعولا (حَسِب)، ولا يُدرى الفاعل أين هو؟!
وللعلماء فيها أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا:
قال بعض العلماء: هذه الآية الكريمة حُذفت منها (أن) المصدرية، وحذف (أن) المصدرية إذا دل المقام عليها أسلوب
[ ٥ / ١٤٦ ]
عربي معروف موجود في القرآن وفي كلام العرب. قالوا: من أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: الآية ٢٤] الأصل: ومن آياته أن يريكم البرق. ونظيره من كلام العرب قول طرفة بن العبد في معلقته (^١):
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى
ويُروى:
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
قالوا: الأصل: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا. قالوا: والمعنى: أنهم سبقوا. فيصير المفعولان في قوله: «أن سبقوا» لا يظنوا أنفسهم سابقين، أي: فائتين معجزين ربهم. قالوا: وغاية ما في هذا حذف (أن)، وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب.
وقال بعض العلماء: ضمير الفاعل يعود إلى النبي ﷺ، بدلالة أن ضمير الفاعل في الخطاب واقع عليه، أي: لا تحسبن أنْتَ يَا نَبِيَّ الله، ولا يحسبن هو، أي: نبي الله، لا يحسبن الذين كفروا سبقوا. ومعلوم أنّه لا يحسب ذلك ولكنه يُنهى ليشرّع على لسانه لغيره كما قيل له: ﴿لَاّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: الآية ٢٢] ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ [الإسراء: الآية ٢٩] ونحو ذلك من الأشياء التي هو لا يفعلها، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: الآية ٢٤] وعلى هذا القول فتكون قراءة التاء قرينة دالة على الفاعل؛ لأن الفاعل في قراءة التاء ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ أنت يا نبي الله. فيكون المعنى في قراءة الياء: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ هو أي: نبي الله، لا يظنن
_________________
(١) شرح القصائد المشهورات (١/ ٨٠).
[ ٥ / ١٤٧ ]
الذين كفروا سبقوا. أي: فاتوا وعَجَزَ عنهم ربهم سبحانه عن ذلك. وعلى هذا القول فـ (الذين) في محل المفعول الأول، و(سبقوا) في محل المفعول الثاني.
وقال بعض العلماء: (الذين) في محل رفع على الفاعل، وأحد المفعولين محذوف. قالوا: المعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. أي: لا يظنّون أنفسهم سابقين، قالوا: وربما حُذف المفعول كما حُذف في قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾ [آل عمران: الآية ١٧٥] أصله: يخوفكم أولياءه لكن (حَسِب) و(خَوَّف) ليسا من باب واحد؛ لأن (حَسِبَ) تنصب المبتدأ والخبر، و(خَوَّفَ) لا تنصب المبتدأ والخبر بل مفعولاها أصلهما ليسا بمبتدأ وخبر.
وقال بعض العلماء: لا يحسبن الكفار الذين كفروا سبقوا.
هذه الأقوال في هذه الآية الكريمة وفي نظيرتها في سورة النور (^١) على قراءة الياء. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾.
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ وقرأه ابن عامر ﴿أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ بفتح الهمزة (^٢).
وكان كبير المفسرين أبو جعفر ابن جرير الطبري (﵀) يقول: إن قِرَاءَةَ ابْنِ عامر هذه لا وجه لها (^٣). والكمال لله؛ لأن قراءة ابن عامر - ﵀ - وجهها ظاهر جدًا؛ لأنها تطابق قراءة الجمهور في المعنى، إلا أن قراءة ابن عامر أظهر في المعنى وإن
_________________
(١) وهي قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: الآية ٥٧].
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٢.
(٣) تفسير ابن جرير (١٤/ ٢٨).
[ ٥ / ١٤٨ ]
خفي ذلك على الإمام ابن جرير (﵀)؛ لأن الكمال والعلم لله وحده.
والحاصل أنه قد تقرر في الأصول في مسلك (الإيماء والتنبيه) (^١) أن من الحروف الدالة على التعليل، (إنّ) المكسورة المشددة، تقول: اضربه إنه مسيء. أي: اضربه لعلة إساءته، أكرمه إنه محسن. أي: أكرمه لعلة إِحْسَانِهِ. فـ (إن) من حروف التعليل. وعلى قراءة الجمهور فـ (إنّ) المكسورة دلت على التعليل. لا تظننهم سابقين فائتين معجزين ربهم، لا وكلا ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ لا يعجزون ربهم ألبتة، فيكون النهي عن قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوا﴾ لأجل أنهم لا يعجزون أبدًا، فلا يخطر في قلبك ذلك الحسبان الباطل.
أما على قراءة ابن عامر: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ فـ (أن) قد تقرر في علم النحو أن المصدر المنسبك من (أنّ) وصلتها و(أنْ) وصلتها يجوز جره بحرف محذوف بقياس مطرد (^٢). فالأصل: لا تحسبن الذين كفروا سبقوا؛ لأنهم لا يعجزون. غاية ما في الباب حذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من (أنّ) وصلتها، وهو واضح مطرد لا إشكال فيه، وقد عقد اطراده ابن مالك في خلاصته بقوله (^٣):
_________________
(١) جرى الأصوليون على اعتبار (إنَّ) ضمن مسلك النص، وبعضهم يعتبرها من قبيل النص الصريح، ويرى آخرون أنها من قبيل النص غير الصريح (الظاهر). انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ١١٩)، نثر الورود (٢/ ٤٨٠)، مباحث العلة في القياس عند الأصوليين ص٣٥٥.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٦٧) من سورة البقرة.
(٣) السابق.
[ ٥ / ١٤٩ ]
وإنْ حُذِف فالنَّصْبُ للمُنْجَرِّ
نقلًا وفي (أنَّ) و(أنْ) يطَّرِدُ مع أَمْنِ لبسٍ كَعَجِبْتُ أنْ يَدُو
فقراءة ابن عامر دالة على التعليل الذي دلت عليه قراءة الجمهور بقياس عربي واضح مطرد لا إشكال فيه، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ (يعجزون) مضارع (أعجز)، أعجزه: إذا صيَّره عاجزًا عنه، فكل شيء غلبك ولم تقدر عليه تقول العرب: أعجزك وسبقك وفاتك. بمعنى واحد ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ ربهم. أو: لأنهم لا يعجزون ربهم، بل ربهم قادر عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: الآية ٢] وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٩].
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: الآيتان ٦٠، ٦١].
قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] أمر من الإعداد، والإعداد في لغة العرب التي نزل بها القرآن: معناه اتخاذ الشيء، وادخاره إلى وقت الحاجة إليه، فكل شيء اتخذته وجعلته عندك تنتظر به وقت الحاجة إليه فَقَدْ أعْدَدْتَهُ. والأمر في قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ للوجوب؛ لأن المقرر في الأصول: أن
[ ٥ / ١٥٠ ]
صيغة (افعل) تدل على الوجوب ما لم يصرف عن ذلك صارف (^١) [من] (^٢) كلام الله وكلام رسوله ﷺ. ونعني بصيغة (افعل): الصيغ الأربع الدالة على الأمر الذي هو اقتضاء طلب الفعل. والصيغ الدالة على الأمر أربعًا (^٣): فعل الأمر، كقوله هنا: ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ وكقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: الآية ٧٨] والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: الآية ٢٩] واسم فعل الأمر، نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ﴾ [النساء: الآية ١٠٥] والمصدر النائب عن فعله، نحو: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: الآية ٤] أي: فاضربوا رقابهم.
ولعلماء الأصول اختلاف في صيغة (افعل) إذا جاءت في كلام الله أو كلام نبيه ﷺ وتجردت عن القرائن ماذا تفيده عند الإطلاق (^٤)، هل هو الإيجاب المتحتم، أو الندب، أو الطلب؟ إلى غير ذلك من الأقوال.
والتحقيق الذي دلت عليه الأدلة: أن النصوص الشرعية واللغة العربية التي نزل بها القرآن كلها يدل على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب ما لم تقترن بدليل يصرفها عن ذلك، والدليل على ذلك من القرآن: أن الله (جل وعلا) قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام.
(٢) في هذا الموضع وقع مسح في التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٥١ ]
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: الآية ٦٣] فلو كانت مخالفة الأمر غير معصية، وامتثال الأمر غير واجب لما شدد عليه هذا الوعيد العظيم في قوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: الآية ١٢] والأمر بصيغة (افعل) وهو قوله: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: الآية ١١] فعنفه التعنيف الشديد الذي لا يفعل إلا لتارك الواجب على مخالفته لصيغة (افعل) التي هي: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ وقد قال نبي الله موسى لأخيه هارون: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: الآية ٩٣] يعني قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ الآية [الأعراف: الآية ١٤٢] والمعصية لا تسمى إلا لارتكاب الحرام المستوجب للإثم، وقد وبخ الله (جل وعلا) قومًا توبيخًا شديدًا لمخالفتهم لصيغة (افعل) في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: الآية ٤٨] (اركعوا) صيغة (افعل) وقد وَبَّخَ مَنْ لم يَمْتَثِلْها وعنّفه تعنيفًا شديدًا في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: الآية ٣٦] وفي القراءة الأخرى: ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^١) فجعل أمر الله وأمر الرسول موجبًا للامتثال قاطعًا للاختيار. وقال في الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: الآية ٦] فدل على أنهم لو لم يمتثلوا ما أمرهم لكانوا عاصين، حاشاهم من ذلك.
وأما اللغة العربية: فإنك لو قلت لعبدك: اسقني ماءً. أمرته وألزمته بصيغة (افعل) ثم ترك ولم يمتثل فَأَدَّبْتَه، فقال لك العبد:
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ١٥٢ ]
تأديبك لي ليس واقعًا في موقعه؛ لأن صيغة (افعل) في قولك: «اسقني» لم تلزمني ولم توجب علي!! فَكُلّ مَنْ يَعْرِف معنى اللسان العربي يقولون له: صيغة الأمر ألزمتك وأوجبت عليك، ولكنك عصيت وخالفت.
ومرادنا بهذا: أن هذا أمر خالق السماوات والأرض، أمْرُ رَبِّ العَالَمِين بإعداد القوة التي يمكن أن تحصل في الاستطاعة، هذا الأمر واجب، وتضييعه حرام لا شك فيه، وبذلك يعلم أن تواكل من يُسَمَّوْنَ باسم المسلمين في أقطار الدنيا، وعدم سَعْيِهِمْ في إعداد القوَّة الكَافِيَة لِقَمْعِ العَدُوّ أنه تَمَرُّدٌ على نظام السَّمَاءِ، وعدم عمل بإرشادات خَالِقِ هَذا الكَوْنِ -جل وعلا- وامتثال أوامره، فالله (جل وعلا) في هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن رَسَمَ الطَّرِيقَ وبَيَّنَ للنَّبِيِّ ﷺ وأصحابه الطريق التي إذا فعلوها وساروا عليها كانت كفيلة بنصرهم، وذل أعدائهم، وقمع كلمة الكفر وإذلاله؛ لأنه هنا أمر بإعداد القوة التي يمكن أن تدخل تحت الاستطاعة كائنة ما كانت، تطورت القوة مهما تطورت، وانتقلت من حال إلى أي حال، فالآية تساير التطور بدلالة مطابقتها مهما كان وما تحول الأمر؛ لأن لفظها الصريح موجب أمر إيجاب سماوي من الله إعداد كل ما يمكن أن يدخل في الاستطاعة من القوة لِقَمْعِ الكَفَرَةِ (قَبَّحَهُمُ الله)، فهذا أمْرٌ واجِب، فلو عمل الناس بهذا الأمر، وبذلوا ما عندهم من الإمكانيات والثروات في إعداد القوة الكاملة من جميع وجوهها، حتى في تعليم الأمور التي تطورت إليها الحياة الراهنة؛ لأن كل حال له مقال، وكل حالة لها مواجهات بأمور تُلَائِقُهَا.
ودين الإسلام مرن غاية المرانة، كل شيء يقابله بما يصلح له، وذلك في نور السماء الذي شرعه الله
[ ٥ / ١٥٣ ]
على لسان محمد ﷺ، فإن القوة التي يقوى بها عسكر المسلمين، ويحمون حوزتهم، ويردون المسلوبات منهم إذا أعدوا القوة الكافية التي تدخل تحت الاستطاعة، ثم حَوَّلَ هَذِهِ القُوَّةَ كانوا متكاتفين غير متنازعين غير متفرقين، كلمتهم واحدة، وذكروا الله كثيرًا، وتعلقت أرواحهم بربهم، وطلبوا المدد مِنَ السَّمَاءِ، كانت أسباب النصر كلها متوفِّرة لَدَيْهِم لقوتهم الكَافِيَة، ولعدم فَشَلِهِمْ؛ ولأنهم إذا فشلوا وتفرقوا دَخَلَ العَدُو بَيْنَهم، ورمى بعضهم ببعض كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: الآية ١٠٣] لا تَتَفَرَّقُوا، هذه أوامر الله، والقرآن يوضح الطريقة التي لو سَلَكها الناس لكانت كفيلة لهم بالنَّصْرِ والظفر؛ لأن منها إعداد القوة الكافية، وكل مَنْ عِنْده مال فباستطاعته كل شيء؛ لأن المال سبب لكل شيء، وهو شريان الحياة، ويُسَخِّر الله به لمن أعطاه إياه كل الإمكانيات من تعليم حتى يتعلم ما تعلمه الكفرة ويصل إلى ما وَصَلُوا إِلَيْهِ، ويستعين به في جميع الميادين ليكتسب به القوة الكاملة.
ومعلوم أن هذه أوامر الله، وأنها متروكة، وأن دين الإسلام هو هو، وصلته بالله هي هي، وأن المتسمين باسم الإسلام هم الذين تَنَكَّرُوا للدِّينِ، وفارقوا الآلة الجبارة القاهرة التي كانوا يقهرون بها أعداء الله، وهي طاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا شك أنه يجب على المسلمين امتثال أوامر الله، وأن يَتَفَطَّنُوا ويَتَحَرَّزُوا، ويفرقوا بين النَّافِعِ والضَّارّ؛ لأن من طبيعة أدنى العقلاء التفريق بين ما ينفع وما يضر، ولا شك أن ما يسميه الناس (الحضارة الغربية) دل الاستقراء الصحيح اليقين أن فيها ماءً زلالًا نافعًا وسمًّا قاتلًا فاتكًا،
[ ٥ / ١٥٤ ]
ونضرب لهذا مثلا (^١): لأنك مثلًا أيها الإنسان إذا وجَدْتَ إناء فيه ماء زلالٌ وإناء فيه سم قاتل وأنت خارج من العمران في فلاة بعيدة شاسعة، فحالك لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن تشرب الماء والسم معًا، وإما أن تتركهما معًا، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم. فافرض مثلًا أنك وجدت ماءً زلالًا وسمًّا فاتكًا قتالًا في موضع واحد، وأنت في فلاة معطشة بعيد جدًّا من العمران، فلك مع هذا أربع حالات: إما أن تشربهما معًا، وإما أن تتركهما معًا، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم، ولا خامسة البتة. وهذا تقسيم صحيح، فنرجع لهذا التقسيم الصحيح بالسبر الصحيح فنقول: إذا شربتهما معًا لم ينفعك الماء؛ لأن السم الفتاك يقتلك ويقضي عليك، وإن تركتهما معًا هلكت، ولم تبلغ العمران، ولم تلتحق بالرَّكْب، وإن أخذت السم وتركت الماء فأنت مجنون أهوج أحمق؛ حيث أخذت ما يضرك وتركت ما ينفعك!! وان كنت عاقلًا يصدق عليك مطلق اسم العاقل أخذت الماء وتركت عنك السم. وهذا مثال لما جاءت به الحضارة الغربية، فإن ما أحدثوه من القُوَّةِ المادِّيّة وأنواع التنظيمات في جميع ميادين الحياة هو ماء زلال
[٨/أ] فيحتاج له جدًّا لا بد منه/ في تطور هذه الحياة الراهنة حسب ما تطورت إليه من الأوضاع، وفيها سم قاتل فتاك لا شك فيه، وهو ما جنته من الكفر والانحطاط الخلقي، والتَّمَرُّد على نظام السَّمَاءِ، ومُعَادَاةِ خالق السماوات والأرض. فالموقف الطبيعي للمسلمين في الأوضاع الراهنة أن يتأملوا فإذا أخذوها كلها بنافعها وضارها أهلكهم ضارُّهَا ولم ينتفعوا بالأنفع،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٥٥ ]
وإذا تركوها كلها -تركوا النافع منها والضار- بقوا ولم يلحقوا، وبقوا مستضعفين، وإذا أخذوا ضارها دون نافعها فهم قوم مجانين، هم حمقى لا عقول لهم، وإن أخذوا النافع وتركوا الضار فهذا هو الأمر الطبيعي لكل عاقل.
والمؤسف كل الأسف أنّ غالب من يتسمّى باسم الثقافة والحضارة والتمدُّن لا يأخذ منهم إلا القشور المهلكة، والسموم الفاتكة، من الانحطاط الخُلُقِي، والتمرُّد على نظام السماء، والتنكر لخالق هذا الكون، في الوقت الذي لا يستفيد فيه من مائها الزلال - الذي هو قوّتها- شيئًا!! وهذه مسألة مَعْكُوسَة جمع صاحبها بين الكفر والإفلاس.
مَا أحْسَنَ الدِّينَ والدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا وَأَقْبَحَ الكُفْرَ والإِفْلاسَ بِالرَّجُلِ (^١)
وإذا كان ربنا يقول في هذا المحكم المنزّل آخر الكتب السماوية عهدًا برب العالمين: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] مهما تطوّرت القوّة، ومهما بلغت كائنة ما كانت ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ كان وقت نزولها أقوى القوة وأعظم العدة الخيل وما جرى مجراها من الرَّمْيِ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر الجهني (﵁) أنه سمع رَسُول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ». كرّرها ثلاثًا (^٢)؛ لأن الرَّمْيَ فِي ذَلِكَ الوقت إعداد الخيل والسّيوف هذا هو أقوى القوّة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأنعام.
(٢) أخرجه مسلم في الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه، حديث رقم: (١٩١٧) (٣/ ١٥٢٢).
[ ٥ / ١٥٦ ]
وأعظمها في ذلك الوقت، والإعداد في ذلك كان يكون بمثل هذا، حتى قال الشاعر (^١):
وَأَعْدَدْتُ للحَرْبِ أوْزَارَهَا رِمَاحًا طُوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورًا
وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي (^٢):
أَعدَدْتُ للحَدَثَانِ سَا بِغةً وَعَدَّاءَ عَلَنْدَى
يعني: درعًا وفرسًا ذكرًا.
أما الآن فقد تطوّرت الحياة عن ذلك في ظروفها الرَّاهِنَة، وصارت الخيل والدروع والرِّمَاحُ لا تغني شيئًا، فَصَارَ الأمْرُ يَتَطَلّب شيئًا زائدًا على ذلك يساير الأحوال، ويساير التطوّر في حالاته الراهنة، فعلى المسلمين أن يُعدّوا كل ما في الاستطاعة منه، ولكنهم -وإنا لله وإنا إليه راجعون- لا يُعدّون في أغلب أقطار المعمورة شيئًا، والكفار يتقوّون ويسلّطهم الله عليهم بذنوبهم. أما التعاليم السماوية فهي لا تشجِّع على الضعف والتواكل والتسليم للأعداء، لا، إنما تأمر بالقوّة وإعداد القوة المستطاعة، والكفاح القوي، وعدم التنازع، وعدم التفرّق، والاتصال مع هذا كله بخالق السماوات والأرض، وامتثال أوامره، واجتناب نهيه ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ إعداده ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرباط: تطلقه العرب على عين الخيل المربوطة، يقولون: هذا رباط. أي:
_________________
(١) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص٧١، تاريخ دمشق (٢٠/ ١٤٠).
(٢) البيت في الدر المصون (١/ ٢٠٧)، شواهد الكشاف ص٣٢.
[ ٥ / ١٥٧ ]
خيل مربوطة في سبيل الله. قال بعضهم: هو جمع ربيط، فرس ربيط: مربوط في سبيل الله، قالوا: كفصيل وفصال، وربيط ورباط، فالرباط اسم لذات الخيل المربوطة في سبيل الله؛ لأن الخيل كانت من أقوى القوة وأعظم العدة التي تقهر بها الأعداء في وقتها. وهذا معنى قوله: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ والخيل هو الحيوان المعروف. قال بعضهم: هو جمع (خايل)؛ لأن في مشيها خيلاء كمشية المتكبر المتبختر. وبعضهم يقول: هو جمع (خائل) واحده (خائل). وقد قدّمنا أن التحقيق عندنا أن (الفَاعِل) يُجمع على (فَعْل) إذا كان وصفًا. وقوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ الإرهاب: التخويف، تخوّفون به عدو الله. والعدو يُطلق على المفرد وعلى الجمع، معناه: أعداء الله، كقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: الآية ٤] ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ [النساء: الآية ٩٢] أي: أعداء. وهذا معنى قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ككفار مكّة وغيرهم من الكفّار.
﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ معنى ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ آخرين غيرهم لا تعلمونهم. كان بعض العلماء يقول: هم قريظة. وبعض العلماء يقول: هم فارس والروم. وبعض العلماء يقول: هم المنافقون (^١).
واستدل من قال: إنهم المنافقون؛ لأن الله قال فيهم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:
_________________
(١) انظر هذه الأقوال في ابن جرير (١٤/ ٣٥)، القرطبي (٨/ ٣٨)، ابن كثير (٢/ ٣٢٢).
[ ٥ / ١٥٨ ]
الآية ١٠١] وقال كثير من العلماء: هم مردة الجن، وزعم بعض العلماء أن الجن يخافون من الخيل، وأنهم يفرون من صهيلها!! وجاء في ذلك بعض الأحاديث.
والتحقيق أنه لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ. وقال بعض العلماء: البحث عن هؤلاء الآخرين لا طائل تحته؛ لأن الله صرح بأنّا لا نعلمهم فكيف نتكلّم فيما قال ربنا إنّنا لا نعلمه، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: الآية ٣٦] (^١) وهذا معنى قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.
ولما أمر الله بإعداد القوة المستطاعة كائنة ما كانت، وكان إعدادها يحتج إلى مادّة رغب المؤمنين في الإنفاق في سبيل الله، لينفقوا ويعينوا على إعداد القوة، قال: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (ما) شرطية و﴿مِن شَيْءٍ﴾ بيان لـ (ما)، و﴿تُنفِقُواْ﴾ معناه: [تبذلونه] (^٢) لوجه الله وابتغاء مرضاته ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طريقه التي ترضيه، ويدخل فيها دخولًا أوليًّا: ما يعين على الجهاد من إعداد القوة، ومن رباط الخيل.
﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: يعطكم الله ثوابه يوم القيامة وافيًا غير منقوص، الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله من الأضعاف.
﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] لا تنقصون شيئًا من حقوقكم.
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ٣٨).
(٢) في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٥ / ١٥٩ ]
﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ (٦٥) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: الآيات ٦١ - ٦٩].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ [الأنفال: الآيات ٦١ - ٦٣].
قرأ هذا الحرف عامّة القراء السبعة غير عاصم في رواية شعبة أبي بكر: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ بفتح السين. وقرأه شعبة عن عاصم: ﴿وإن جنحوا لِلسِّلْم﴾ (^١).
و(السَّلم) بفتح السين و(السِّلْم) بِكَسْرِهَا لُغَتَان فَصِيحَتَانِ، وقراءتان سَبْعِيَّتَانِ صحيحَتَانِ، والمراد بالسَّلم: الصُّلْح. العرب تسمي الصلح: سَلمًا، وسِلمًا. وربما سمّتها: (سلامًا).
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٢.
[ ٥ / ١٦٠ ]
والجنوح في لغة العرب: الميل، تقول العرب: جنح فلان إلى كذا، وجنح له. أي: مال إليه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول غيلان ذي الرمة (^١):
إِذَا مَاتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أَحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْرَاكِ والعِيسُ المَراسيلُ جُنَّحُ
أي مائلات الأعناق في السير.
معناها: إن مال الكفار يا نبي الله إلى السِّلم وودّوها وطلبوها فاجنح لها؛ أي: وافقهم في ذلك، وملْ إلى السلم وصالحهم وسالمهم كما طلبوا ذلك منك.
و(السلم) مؤنَّثة في اللغة الفصحى، كالحَرب فهي مؤنثة أيضًا؟ ومنه قول العبّاس بن مرداس (^٢):
السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِنْ أَنفَاسِهَا جُرَعُ
والمعنى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾: أي الكفار ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾ إلى الصلح، أي: مالوا إلى المصالحة، وأحبوا أن تكون معهم في صلح ﴿فَاجْنَحْ﴾ يا نبي الله إليها، أي: إلى الصلح، فَمِل إلى الصلح وسالمهم.
وكان بعض العلماء يزعم أن هذه الآية من سورة الأنفال بينها وبين آية القتال تعارُضٌ أو إشكال (^٣)، والحق أنه لا تعارض بينهما؛ لأن آية الأنفال هذه قيدت أمر النبي ﷺ بجنوحه إلى السلم بأن يكون الكفار هم الذين جنحوا إليه أولًا وطلبوه ومالوا إليه. أما آية
_________________
(١) البيت في القرطبي (٨/ ٣٩)، الدر المصون (٥/ ٦٣٠).
(٢) البيت في الدر المصون (٢/ ٣٥٩)، (٥/ ٦٣١).
(٣) انظر: ابن جرير (١٤/ ٤١)، القرطبي (٨/ ٣٩).
[ ٥ / ١٦١ ]
سورة القتال -سورة محمد- فهي لا تعارض هذا؛ لأن الله نهاهم فيها عن ابتداء طلب الصلح، وذلك لا ينافي إجابة الكفار إليه بعد أن طلبوه. ونعني بالآية المذكورة: قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: الآية ٣٥] لأن آية القتال فيها النهي عن أن يكونوا هم البادئين بالدعاء إلى الصلح؛ لأن الداعي إلى الصلح يظهر من قرينة حاله أنه كأنه خائف، وأنه يحس بالغلبة فيريد الصلح. أما القوي الآمن الذي لا يظن أنه مغلوب فلا داعي له إلى طلب الصلح. فلا معارضة بين الآيتين. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ أي: إن مال الكفار إلى الصلح فاجنح لها.
أما قراءة: ﴿فَاجْنُحْ لَهَا﴾ فهي شاذة وليست من القراءات السبعية (^١). أي: فَمِل إليها ووافقهم على ذلك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يعني: إن صالحتهم فلا تخف مما يدبّرون لك من المكر والغدر والحيل في مدّة تلك المصالحة، لا تهتم بذلك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق إليه، وفوِّض إليه جميع أمورك، فإنه (جل وعلا) يكفيك ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: الآية ٣] وهذا معنى قوله: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولونه من المنكر والغوائل التي يتربصونك بها في مدة الصلح ﴿الْعَلِيم﴾ بكل ما يبطنون ويضمرون من المكر والخديعة والحيل أثناء المدة التي صالحتهم فيها، فهو (جل وعلا) لا يفوته شيء مما قالوا ولا مما عملوا، فهو مطّلع عليهم وكافيكهم، لا تهتم بذلك، واجعل ثقتك بالله وتوكلك عليه، فإنه يكفيك.
_________________
(١) انظر: المحتسب (١/ ٢٨٠).
[ ٥ / ١٦٢ ]
واعلم أن جماعة من العلماء من الصحابة فمن بعدهم زعموا أن هذه الآية من سورة الأنفال منسوخة بآية السيف النازلة في براءة (^١)؛ لأنها نازلة بعدها؛ لأن براءة نزلت في رجوع النبي ﷺ من غزوة تبوك، وذلك العام عام تسع بلا خلاف، لم يعش النبي ﷺ بعده إلا سنة واحدة، وسورة الأنفال هذه نزلت في وقعة بدر، وكانت في العام الثاني من الهجرة كما أوضحناه. قالوا: فهي منسوخة بآية السيف، كقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: الآية ٥].
والتحقيق أن هذه الآية ليست منسوخة، وأن المصالحة والمهادنة لم تنسخ، وأن الإمام يخير وينظر في مصالح المسلمين، فإن رأى المصلحة في الصلح حتى يتقوّى المسلمون فيجتمع شملهم ويقدروا على القتال صالح، وإن رأى المصلحة في عدم الصلح لم يصالح، فالكل واسع وجائز إن شاء الله. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: الآية ٦١].
﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٢] ﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ أي: الكفار الجانحون للسلم الطالبون للصُّلْحِ ﴿أَن يَخْدَعُوكَ﴾ بذلك الصُّلْحِ ويَتَمَكَّنُوا في مُدَّةِ المُصَالَحَةِ مِنْ تَدْبير المكر والمكائد ليضروك بها؛ لأن بعض الكفار يصالح غدرًا ومكيدة، لا محبة في المصالحة. وكانت قريظة بعد أن أعانوا كفار مكة بالسلاح وصالحوه المرة الأخرى ليس في نيتهم الدَّوَام على المصالحة، بل يتربصون به الدوائر،
_________________
(١) راجع المصادر في الحاشية قبل السابقة.
[ ٥ / ١٦٣ ]
ويريدون أن يعينوا عليه الكفار. إذا كان قَصْدُهُمْ بِالصُّلْح الذي طلبوه وجنحوا إليه المخادعة فلا يغرّنَّكَ ذلك، ولا تَكْتَرِثْ بِقَصْدِهِمُ الخداع فإنهم لا يضروك شيئًا؛ لأن اللهَ يَكْفِيكَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ ولذا قال: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ الخديعة: الغُرور، وهو إبطانُ الشَّرِّ ومحاولَةُ إِيصَالِ الشرِّ بطريق خفية لا ظاهرة واضحة.
﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ حَسْبك: معناه كافيك الله (جل وعلا). العرب تقول: حَسبه كذا. معناه: كافيه كذا. وهذا معنى معروف في كلامها مشهور، ومنه قول جرير يهجو قومًا ممن كان يهجوهم (^١):
وَلَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبكُمْ أَنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا
فَإِذَا تُذُوكِرَتِ المَكَارِمُ مَرَّةً فِي مَجْلِسٍ أَنْتُمْ بِهِ فَتَقَنَّعُوا
فقوله: حسبكم يعني: يكفيكم من المكارم أن تأكلوا وتشربوا، وهذا غاية الذم كما هجا الحطيئةُ الزبرقان بن بدر لما قال له (^٢):
دَعِ المَكَارِمَ لا تَرْحَل لبُغْيَتِهَا وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي
وحبسه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (﵁).
﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيك الله، يكفيك شَرَّهُمْ وشَرَّ خِدَاعِهِمْ، فَثِقْ بِهِ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ولا تكترث بإرادتهم بالصلِح الخَدَّاعِ. وهذا معنى قوله: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ﴿هُوَ﴾ أي: الله ﴿الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أَيَّدَك: مَعْنَاه قوَّاكَ. فالعرب تقول: أيّده يؤيّده تأييدًا. إذا قوّاه. وتقول: رجل أيِّد. إذا كان قَوِيًّا. و(الأيد) و(الآد):
_________________
(١) البيت في تاريخ دمشق (٢٩/ ١٨١) ونسبه لحسان (﵁) وليس في ديوانه، ونسبه في شواهد الكشاف ص٧٠ لجرير.
(٢) البيت في ديوانه ص١٠٨.
[ ٥ / ١٦٤ ]
القوة (^١). ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات: الآية ٤٧] أي: بنيناها بقوّة. وليست من (الأيدي) جمع (يد) فليست من آيات الصفات، بل معناها: القوة. هذا معنى: ﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أي: قَوَّاك وعزّزك بِنَصْرِهِ. وأصل النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم ﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوّاك أيضًا وأيّدك بالمؤمنين، ويدخل فيهم دخولًا أوّلًا: الأنصار -الأوس والخزرج- الذين آووه ونصرُوهُ وأيّدَهُ اللهُ بِهِمْ. كان الأوس والخزرج وهما بطنا الأنصار أبناء قَيْلة، أولاد حارثة الغطريف كانوا مكثوا سنين كثيرة بينهم حروب دَامِية وقتال هلك فيها أشرافهم، وقُتل فيها ساداتهم، وبينهم عداوات وإحن وأضغان مستحكمة قديمة متوارثة لا يكاد أن تزول من صدورهم أبدًا، فلما أرسل الله إليهم نبيه محمدًا ﷺ وآووه ونصروه، وأيده الله بنصره وبهم، أزال تلك الأضغان والعداوات الكامنة، وجعل مكانها المحبة الصادقة والمودة والإخاء الكامل؛ ولذا امتن الله عليهم بذلك هنا، وقد قدمنا نحوه في سورة آل عمران؛ لأنه قال: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: الآيتان ٦٢، ٦٣] قال بعض العلماء: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: الأنصار. وقال بعض العلماء: هي أعم مِنَ الأنْصَارِ؛ لأن العرب الذين هم أول مَنْ دَخَلَ في دينه ﷺ كانوا أمّة بينها ضَغَائِن وحروب ومقاتلات لا تكاد تجتمع على رجل واحد، فجمع الله شتاتها ولَمَّ شَعْثَهَا وألّفَ قُلُوبَهَا على الإيمان.
وأكثر المفسرين على أن المُرَادَ بهم الأنصار (^٢)، كانوا في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٢٦) من هذه السورة.
(٢) انظر: ابن جرير (١٤/ ٤٥)، القرطبي (٨/ ٤٢).
[ ٥ / ١٦٥ ]
العداوات الشديدة، ومكثوا سنين كثيرة في حروب دامية، واستحكمت بينهم العداوات والإِحَنُ والأَضْغَان، فألَّف الله بين قُلُوبهم بنبيه ﷺ كما قال هنا: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ التأليف في لغة العرب معناه: الجَمْع. أي: جمع بين قلوبهم فَصَارَتْ على قلب رجل واحد، نِيَّتُها إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، ونصر نبيّه، ومحبة كل للآخر بعد أن كانت قلوبهم غير مجتمعة ولا متألِّفَة، بل هذا يريد قتل هذا، وهذا يريد قتل هذا، بقلوب شتى لا تَتَأَلّف؛ ولذا قال: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يعني: لو صرفت ما في الأرض جميعًا لِتُؤَلّف بين قلوبهم ما أمْكَن ذلك أبدًا. ومِنْ أعظم الأسباب الدنيوية لكل شيء: المال، فإنه يؤلِّف القُلُوبَ ويُزِيلُ العَدَاوَةَ. يعني: لَوْ أنْفَقْتَ جَمِيعَ ما في الأرض ما قدرْتَ على أن توفق بين قلوبهم ولا أن تُوَحِّدَها، ولكن الله العظيم بقدرته وجلاله أَلَّفَ بَيْنَ قلوبهم؛ لأنه تعالى وحده هو الذي يملك القلوب ويصرّفها كيف يشاء؛ إذ كل إنسان قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبه كيف يشاء، كما قدّمنا بَسْطَه في تفسير قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٢٤]. الذي بيده القلوب يُصَرِّفُها كيف يشاء، ويقلبها كيف يشاء هو وحْدَهُ الذي يقدر على تأليف قلوبهم، وجمع كلمتهم، ولمّ شَعْثِهم، وإزالة ما كان بينهم كما تَقَدَّمَ في قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: الآية ١٠٣] وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٦٣].
[ ٥ / ١٦٦ ]
وقد قَدَّمْنَا مرارًا أن العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، والعِزَّة: الغَلَبَةُ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: الآية ٨] أي: وللهِ الغَلَبَةُ ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: الآية ٢٣] غلبني في الخصام. ومِنْ كَلَامِ العَرَبِ: (مَنْ عزَّ بزَّ) (^١) يعنون: من غلب استلب، وقد نظمته لخنساء السلمية الشاعرة في قولها (^٢):
كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى إِذْ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزَّا
أي: مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ. والحَكِيم: هو الذي يَضَعُ الأمُورَ فِي مَوَاضِعِها ويوقعها في مواقعها (^٣). فاقتضت عزّته وغَلَبَتُهُ أن يَقْهَرَ أعداءك، وأن لا يضرّوك بِخِدَاعِهِمْ ونِيَّتِهم المكر والخِدَاع؛ لأن رَبَّكَ غَالِبٌ قَاهِرٌ لا يغلبه شيء، واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أن يؤلف بين قلوب أنصارك الذين نصروك، ويوحِّدَ كَلِمَتَهُمْ، ويجعلهم كرجل واحد، هذا اقْتَضَتْهُ عِزَّته وحكمته، وإن كانت حكمته تَقْتَضِي العَدْلَ الكَامِل، وكمال التَّمَام في كل ما يُدَبِّرُه في شرعه وقدره وغير ذلك. وعزّته تقتضي أنَّه غَالِبٌ لكل شيء، ويدخل في ذلك قَهْرُهُ لِلْكفار الجانحين للسّلم الذين يريدون بذلك الخِداع، ويدخل في حكمته جمعه بين قلوب أصحابك ليجتمعوا على نصرة دين الله وإعلاء كلمته. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٦٣].
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: الآية ٦٤] قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير نافع:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٦٧ ]
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيء حَسْبُكَ اللهُ﴾ بالهمزة (^١).
أما على قراءة نافع فهو من النبأ بلا خلاف. وقد قدمنا مرارًا (^٢) أن النبأ في لغة العرب: الخبر الذي له خطب وشأن، فكل نبأٍ خبرًا وليس كل خبر نبأً؛ لأن النَّبَأَ أخَصّ مِنْ مُطْلَقِ الخَبَرِ؛ إِذْ لَا تَكَادُ العَرَبُ تُطْلِق النبأ إلا على الإخبار بما فيه أهَمِّيَّة وله خطب وشأن، فلو قلت: جاءنا اليوم نَبَأُ الأَمِيرِ، أو نبأ الجيوش. كان هذا من كلام العرب؛ لأنه خَبَرٌ لَهُ خَطْبٌ وشأن، ولو قلت: بلغني اليوم نَبَأٌ عَنْ حِمَار الحجَّام. لما كان هذا من كلام العرب؛ لأن خبر حمار الحجام لا أهمية له ولا شأن ولا خَطْبَ لَهُ.
أما على قراءة الجمهور: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فقال بعض العلماء: معناه كمعنى قراءة نافع، إلا أن الهمزة أُبْدِلَتْ يَاءً كَمَا أبدلت همزة (النسيء) في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: الآية ٣٧] أُبدلت ياءً في قراءة سَبْعِيَّة صحيحة (^٣) ﴿إِنَّمَا النَّسِيُّ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وبها قرأ ورش عن نافع وغيره، وعلى هذا القول فالقراءتان معناهما واحد.
وقال بعض العلماء: (النبي) على قراءة الجمهور ليس من النبأ الذي هو الخبر وإنما هو من (النَّبْوَة) بمعنى الارتفاع؛ لأن النبي يوحى إليه وحيٌ، وهو خبرٌ له شأن وخطب؛ ولأن له مكانة رفيعة،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٦٨ ]
والشيء المرتفع تسمّيه العرب (نبيًّا) والنّبْوة: الارتفاع، ومنه قيل لكثيب الرمل: (نبي) أي: لأنه مرتفع، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^١):
إِلَى السَّيِّدِ الصَّعْبِ لَوْ أَنَّهُ يَقُومُ عَلَى ذرْوَةِ الصَّاقِبِ
لأَصْبَحَ رَتمًا دُقاقُ الحَصَى مَكَانَ النَّبِيِّ مِنَ الكَاثِبِ
يعني بالنبي: كثيِب رمل مرتفع. وهذا معنى قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك الله من أمور الدنيا والآخرة فإنه يكفيك أعداءك، ويعينك على من نَاوَأَكَ منهم.
وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه وجهان من التفسير معروفان (^٢): قال قومٌ من علماء التفسير: إن قوله: ﴿وَمَنِ﴾ في محل رفع، وأنه معطوف على لفظ الجلالة، أي: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، يعينك الله ويؤيدك الله بالمؤمنين. وهذا مروي عن الحسن البصري. والذين قالوا هذا القول قالوا: هذه الآية مكية جُعلت في سورة الأنفال وهي مدنية بأمر من النبي ﷺ، وزعموا أنها نزلت عندما أسلم عمر بن الخطّاب -﵁- والنبي وأصحابه مختفون في دار الأرقم ابن أبي الأرقم في مَكَّةَ، وأن عمر أظهر إسلامه حتى صلوا في المسجد، وما كانوا يقدرون، وأن الله
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأعراف. ولفظ الشطر الأول في ديوان: عَلَى الأَرْوَعِ السَّقْبِ لَوْ أَنَّهُ
(٢) انظر: ابن جرير (١٤/ ٤٩)، القرطبي (٨/ ٤٣)، الأضواء (٢/ ٤١٦)، ولابن القيم (﵀) تحقيق جيد في معنى الآية ذكره في زاد المعاد (١/ ٣٥).
[ ٥ / ١٦٩ ]
أنزلها في مكة، وأن النبي ﷺ أمر بجعلها في هذه السورة المدنيَّة أعْنِي سُورَةَ الأَنْفَالِ.
والتحقيق الذي دَلَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراء القُرْآن العَظِيم، وَبِهِ قَال أكثر علماء التفسير المشهورين: أن قَوْلَهَا ﴿وَمِنَ﴾ عطف على الضمير في قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ معناه: كافيك الله وكافي معك من اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فالله يكفيك المُؤَنَ وشُرُورَ الأَعْدَاءِ وكُلَّ بَلِيّة، كما أنه يكفي أتباعك من الصحابة فَمَنْ بَعْدَهُمْ (﵃). وهذا القول هو التحقيق، وقد دل استقراء القرآن عليه؛ لأن الحسْب -الذي هو الكفاية- من خصائص رَبِّ العَالمين، ولم يسنده لأحد مِنْ خَلْقِهِ حَيْثُ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: الآية ٥٩] فجعل الإيتاء لله والرسول، والحسب لله وحده. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٤] فجعل الحسب له وَحْدَهُ، والتأييد بنصر الله وبالمؤمنين. وقد أثْنَى الله (جل وعلا) على قوم أفردوه بالحسب -وهو الكفاية- كما في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: الآية ١٧٣] اللهُ وَحْدَهُ وَلَمْ يذكر معه غيره، فأثْنَى عليهم بإفراد الخالق بهذا الحسب الذي هو الكفاية. ونظيره قوله في خاتمة براءة: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: الآية ١٢٩]
[ ٥ / ١٧٠ ]
هذا هو التحقيق - إن شاء الله - أن المعنى: يكفيك الله ويكفي جميع أتباعك.
وفي هذين ترغيب عظيم في الإسلام؛ لأَنَّ مَنِ اتَّبَع النَّبِيَّ ﷺ كَفَاهُ الله كما كفى نبيّه ﷺ.
وهذا التفسير هو الذي عليه جُمْهُور عُلَماء المفَسِّرِين، وهو الذي دل عليه استقراء القرآن كما بيّنّا، إلا أنه يَرِدُ عليه سؤال عربي نحوي: وهو أن يقول طالب العلم: قررتم أن التحقيق أن (من) من قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ (^١) أي: حَسْبُكَ اللهُ وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمقرَّر عند جماعة من علماء العربية أن الضمير المخْفُوض لا يجوز العطف عليه إلا بإعادة الخَافِض، وهنا لم يُعد الخافض.
وأُجيب عن هذا السؤال من أربعة أوْجُه (^٢):
أحدها: أن هذه القضية غير مسلَّمة (^٣)، وأن جماعة من علماء العربية أصحاب علم وتحقيق قالوا: لا مانع مِنَ العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض. وهو رأي ابن مالك - ﵀ - لأنه لما ذكر المذهب الأول بقوله في خلاصته (^٤):
وعَوْدُ خَافضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ضَميرِ خَفْضٍ لَازِمًا قد جُعِلَا
قال بعده:
وَلَيْسَ عندي لازمًا إذْ قَدْ أَتَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من هذه السورة.
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥١٥)، الدر المصون (٥/ ٦٣١)، الأضواء (٢/ ٤١٧).
(٣) أطال ابن مالك (﵀) في إبطالها. انظر شرح الكافية (٣/ ١٢٤٦ - ١٢٥٥).
(٤) الخلاصة ص ٤٨.
[ ٥ / ١٧١ ]
ومراده بالنثر الصحيح: قراءة حمزة - ﵀ - ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ [النساء: الآية ١] بخفض ميم الأرحام معطوفة على الضمير المجرور في قوله: (به) من غير إعادة الخافض، وهي قراءة سَبْعِيَّة صحيحة (^١)، فمعلوم أن اللغة التي جاءت بها لا بد أن تكون لغة عَرَبِيَّة صَحِيحة، وهو كذلك. وقد اشتهر في أشعار العرب العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وأنْشَدَ له الشيخ سيبويه في كتابه (^٢):
فَاليومَ قرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا فَاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ منْ عَجَبِ
فعطف الأيام على الضَّمِيرِ المجرور بالباء مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الخَافض، وهو كثير في أشعار العرب، ومِنْهُ قَوْلُ الآخر (^٣):
نُعَلِّقُ في مثْلِ السَّوارِي سُيُوفَنَا وَمَا بَيْنَهَا والكَعْبِ مَهْوَى النَّفَانِفِ
فقوله: «والكعب» معطوف على الضَّمِير المجرور من غير إعادة الخافض. ونظيره قول الآخر (^٤):
لَقَدْ رَامَ آفَاقَ السَّمَاءَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَصْعَدًا فِيهَا وَلَا الأَرْضَ مَقْعَدَا
فعطف الأرض على الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ مِنْ غَيْرِ إِعَادة الخافض، ونظيره قول الآخر (^٥):
أَمُرُّ مَعَ الكَتِيبَةِ لَا أُبَالِي أَحَتْفي كَانَ فِيهَا أَمْ سِوَاهَا
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص ١٧٥.
(٢) الكتاب (٢/ ٣٨٣)، وهو في شرح الكافية (٣/ ١٢٥٠).
(٣) البيت في شرح الكافية (٣/ ٢١٥١).
(٤) البيت في تفسير القرطبي (١/ ١٦٩)، تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من حروف القرآن لأبي جعفر الأندلسي ص ١٦٩.
(٥) البيت للعباس بن مرداس. وقد ورد شطره الأول بروايات متعددة؛ • ففي بعض المصادر کمعجم الشعراء للمرزباني ص ٢٦٢: أَشُدُّ على الكتيبة لا أُبالي • وفي بعضها كالاستيعاب (٣/ ١٠٢): أُقاتِل في الكتيبة لا أُبالي • وفي بعضها كإعتاب الكتاب لابن الأَبَّار ص ٩٠: أكُرُّ على الكتيبة لا أُبالي • وفي تفسير القرطبي (٥/ ٥): أمُرُّ على الكتيبة لَسْتُ أدري
[ ٥ / ١٧٢ ]
فعطف (سواها) بـ (أم) على الضمير المخفوض، وهو كثير في كلام العرب.
الوجه الثاني: أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل نصب معطوف على المحل؛ لأن الكاف من قوله ﴿حَسْبُكَ﴾ وإن كان في محلِّ خَفْض مضاف إليه ما قبله فأصْلُهُ مفعول؛ لأن الحسب بمعنى الكفاية، والأصل: يكفيك. فالكاف في محلّ المفعول، والمعروف في علم العربية أن المخفوض بالإضافة الذي أصْلُهُ النَّصْب يجوز العطف عليه مخفُوضًا، وتجوز مراعاة محلِّه فينصب المعطوف عليه وهو معروف في محلّه.
الوجه الثالث: وهو أظهرها وأبينها وأقلها تكلفًا: أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل نصب على أنه مفعول معه، بناء على القول بأن العطف ضعيف، وهو العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض فيتعيّن حينئذٍ النصب على المفعول معه (حسبك الله مع من اتبعك من المؤمنين) وهذا واضح لا إشكال فيه، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر (^١):
إِذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا فَحَسْبُكَ وَالضَّحَاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
فنصب (والضحاك) مفعولًا معه. أي: حَسْبُكَ مع الضحاكِ.
الوجه الرابع: أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل رَفْع على أنه مبتدأ خَبَرُهُ مَحْذُوف دلّ ما قبله عَلَيْهِ. أي: ومَنِ اتَّبَعَك من المؤمنين
_________________
(١) البيت في القرطبي (٨/ ٤٢)، الدر المصون (١/ ٣٨٤)، ذيل الأمالي ص ١٤٠، ونسبه لجرير، وليس في ديوانه.
[ ٥ / ١٧٣ ]
فحسْبُهُم الله أيضًا. وهذا معنى قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٤].
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: الآية ٦٥] التحريض: هو الحَضُّ على الشَّيْءِ والحَثّ عَلَيْهِ بشدّة. حرّضهم على القتال، أي: حَثَّهُمْ وحرّصَهم عليه بشدّة؛ لأنّ القتال فيه خير الدنيا والآخرة، ثم إنه كان في أول الأمر يجب على المسلمين لقلّتهم أن يصابر الرجل الواحد منهم عشرة من الكفار، كان الرجل الواحد من المسلمين يجب عليه أن يصبر أمام عشرة مقاتلين من الكفار، فلذا قال: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: الآية ٦٥] فإذا قابلت العشرين بالمائتين كان كل رجل مقابل لعشرة كاملة ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ صابرون محتسبون لله في ميدان الحرب.
ثم قال: ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: ﴿وإن تكن منكم مائة﴾ بالتاء الفوقية. وقرأه العراقيون، أعني: أبا عمرو البصري والكوفيين الثلاثة -عاصمًا وحمزة والكسائي- قرؤوه كلهم: ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا﴾ بالياء التحتية كما قبله (^١)؛ لأن المائة إذا قابلت ألفًا فكل واحد بعشرة.
وكأن قائلًا قال: لِمَ كان الواحد من المسلمين يغلب العشرة من الكفار، ويجب عليه أن يصبر لها، والله لم يوجب عليه ذلك إلا لعلمه بأنه قِرْنٌ لها وكُفْؤٌ لها عند الضرورة قبل أن يكثر المُسْلِمُون،
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٢.
[ ٥ / ١٧٤ ]
فما موجب هذا حيث يكون الواحد من هؤلاء يقاوم العشرة من هؤلاء؟
[٨/ب] فبيّن الله (جل وعلا) الحكمة في ذلك،/ وهذه الحكمة التي بيّن الله بهذه الآية من سورة الأنفال حكمة سماويّة عَظِيمَة تحتها أسرار هائلة يجب على كل مسلم أن يَتَصَفَّحَهَا ويَتَعَقّلَهَا ويتَدَبَّرَ مَعَانِيَهَا، وخصوصًا كل الخصوص تحتّمها على العسكريين من المسلمين، يجب عليهم كل الوجوب أن يتأملوا هذه الآية من سورة الأنفال، وأَنْ يَتَصَفَّحُوا مَعْنَاهَا؛ فإن فيها سرًّا عظيمًا لو تعقّله المسلمون لفهموا الحقائق، ولما ساروا في الظلام؛ لأن الله لما قال: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بيّن علّة ذلك وأوضحها فقال: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ وهو كون الواحد يغلب عشرة منهم ويصابرها بسبب أنهم قوم لا يفقهون. أي: لا فقه عندهم ولا فهم عن الله، والذي لا يفقه عن الله ولا يفهم ما عنده فهو كالبهيمة ليس له مبدأ يقاتل عليه، والذي يتقدم إلى الميدان في خطوط النار الأمامية ليس عنده مبدأ نبيل يقاتل عليه فهو مائع، هزيمته قريبة سريعة، لا يقاوم أبدًا.
فإذا الْتَقَى مَنْ لا فقه عنده بمن عنده فقه عن الله فالمسلم القائم في الميدان للعشرة يفقه عن الله ويفهم، ويقول: إن ربي اشترى مني هذه الحياة القصيرة في هذه الأيام المعدودة، وهي حياة مكدّرة بالأمراض والأسقام والمصائب والبلايا والأحزان، اشتراها مني بحياة سرمدية أَبَدِيَّة لا انقطاع فيها ولا كدر ولا ألم ولا حزن، وهذا المال القليل اشتراه مني بالحور العين والولدان وغُرَفِ الجِنَان ومجاورة رَبٍّ غير غضبان، فهو ينتظر ما عند الله، فاهمٌ عن الله، يفقه عن الله، فهو متقدّمٌ في الميدان، لا يُهزم أبدًا، ولو قُتل
[ ٥ / ١٧٥ ]
لكانت هي أمنيته، فهذا الذي يقاتل على هذا المبدأ النبيل، وهذا الغرض الصحيح، فاهمًا عن الله، يفقه عن الله، هذا لا يقاومه الأهْوَج الجَاهِل الذي لا يفقه شيئًا، ولا يقاتل على مبدأ، فحياته أهم عنده مما يقاتل عليه، فالذين لا يفقهون عن الله من الجنود العسكريين لا يمكن أن يردّوا سليبًا، ولا أن يُعلوا كلمة الله؛ لأنهم لا مبدأ لهم، وهم قومٌ لا فقه لهم، فلا يقاتلون على شيء ترخص بسببه نفوسهم عندهم ويرغبون فيما عند الله.
وهذا سِرٌّ لطيف عظيم، وتعليمٌ سماوي هائل، يفهم به المُسْلِمُون أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ من الأساسيات للاستعداد للميدان هو الفِقْه والفَهْم عن الله، فيَجِبُ كُلّ الوجُوب أن يُعلَّم العَسْكَرِيُّونَ عَنِ اللهِ حَتَّى يَفْقَهُوا؛ لأنهم إذا كانوا فَاهِمِين عَنِ الله، عارفين بِنُبْلِ المَبْدَأ الذي يقاتلون عليه، كانوا شجعانًا وصابرين، لا يَرْجِعُونَ القَهْقَرَى ولا يُهزمون، كما سَجَّلَهُ التاريخ لأوائل هذه الأمة. وإن كانوا لا يفقهون عن الله شيئًا، جَهَلةٌ كالأنعام لا مبدأ لهم يقاتلون عليه، فهم ليسوا بأساس ولا معوَّل عليهم، يُهزمون مع كل ناعق كما بيّنته هذه الآية العظيمة الكريمة من سورة الأنفال. وهذا معنى قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٥].
الفقه في لغة العرب: معناه الفهم ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ﴾ [هود: الآية ٩١] أي: ما نفهمه؛ لأنهم لا يفهمون عن الله شيئًا. وهذا معنى قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾.
فلما انتشر الإسلام وكثر المسلمون خفف الله (جل وعلا) عن المؤمنين وجوب مصابرة واحد لعشرة إلى مصابرة واحد لاثنين قال: ﴿الآنَ﴾ (الآن) يعبّر بها عن الوقت الحاضر الذي أنت فيه،
[ ٥ / ١٧٦ ]
﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٦٦] تكليفه الأول وهو مصابرة الواحد للعشرة، وجاءكم بتخفيف بدله وهو مصابرة الواحد للاثنين.
﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ قرأه جماهير القرّاء منهم عامة السبعة غير عاصم وحمزة: ﴿وعلم أن فيكم ضُعفًا﴾ بضمّ الضاد. وقرأه عاصم وحمزة: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (^١) والضَّعف والضُّعف لغتان فصيحتان، وقراءتان سَبْعِيَّتَان صَحِيحَتَانِ ﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا﴾.
﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ هذا الحرف الأخير الذي هو قوله: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ لم يقرأه بالياء من السبعة إلا الكوفيون الثلاثة -وهم عاصم وحمزة والكسائي- أما أبو عمرو البصري هذا فقد وافق غَيْرَهُ، فَصَارَ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو يقرؤون: ﴿فإن تكن﴾ بالتاء، وعاصم وحمزة والكسائي يقرؤون: ﴿فَإِن يَكُن﴾ بالياء (^٢). وهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سَبْعِيَّتَان صَحِيحتَانِ ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ الواحد لاثنين ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾ الواحد لاثنين ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جل وعلا ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ معيّة نصر وتوفيق وتأييد. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: الآيات ٦٧ - ٦٩].
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٢.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٢.
[ ٥ / ١٧٧ ]
الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ [الأنفال: الآية ٦٧].
لما انهزم المشركون يَوْم بَدْرٍ كان سَعْد بن معاذ (﵁) قائمًا متوشّحًا سيفه على العريش الَّذِي فيه رَسُول الله ﷺ، رآه النبي ﷺ ينظر كأنه ينظر إلى شيء يَكْرَهُهُ فقال: «كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ تَكْرُهُه!!» قال: نَعَمْ، رأيتهم يأسرون الكفار ورَغْبَتِي أن يُقتلوا؛ لأن قتل الكفار أقوى للإسلام وأشدّ مناعة لشوكته، ويحصل به ضعف المشركين وانكسار شوكة الكفر، فقتلهم هنا أحبّ إليّ (^١).
ولما اجتمع الأسارى عند رَسُول الله ﷺ استشار أصحابه، فجاءت روايات متعدّدة أن ممن أشار عليه أبو بكر وعمر وعبد الله بن رواحة، ومن أكثرها إشارة أبي بكر وعمر، وأن أبا بكر قال له: يا رَسُول الله، إنهم قَوْمُكَ وعشيرَتُكَ فلا تَعْجَلْ عليهم وهم كفار، فاسْتَبْقِهِمْ وأمْهِلْهُمْ لَعَلَّ اللهَ أنْ يهديهم، وخُذْ مِنْ فِدَائِهِمْ ما يَتَقَوَّى به المسلمون على الجهاد في سبيل الله. وقال له عمر: هؤلاء قوم كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وهم رؤساء الكفر فاقتلهم، فَأَعْطِ عقيل بن أبي طالب لأخيه علي -وعقيل من الأسارى ذلك اليوم- يقتله، وادفع العباس لحمزة ليقتله، وأعطني فلانًا -رجلٌ كان بينه وبين عمر نسب- ليعلم الله أن لا هوادة بيننا وبين الكفار، فإن قتل رؤساء الكفر هو الذي يكسر شوكة الكفر ويذلّه، ويعزّ دين الإسلام ويُعلي كلمة الله. فكأن النبي ﷺ كان أمْيَل إلى ما قاله أبو بكر (﵁). وذكروا في هذه الروايات أنه قال لأبي بكر: «قُلْتَ كَمَا قَالَ عِيسَى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢) من سورة الأنفال.
[ ٥ / ١٧٨ ]
[المائدة: الآية: ١١٨]. وفي رواية أنه قال له: «قُلْتَ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾» [إبراهيم: الآية ٣٦] وفي بعض الروايات قال لعمر: «قُلْتَ كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: الآية ٨٨] وفي بعضها أنه قال له: «قُلْتَ كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ الآيات [نوح: الآية ٢٦]. وفي بعض الروايات أن معهم عبد الله بن رواحة (رضي الله عن الجميع)، وأنه قال له: أنت في وادٍ كثير الحطب فأضرم عليهم النار (^١).
وعلى كل حال فلما أَخَذُوا الأُسارى أَخَذَهُم الذين أسروهم أولًا ولم يأمرهم رَسُول الله ﷺ بأسرهم، وكانوا يرغبون في الفداء ليتَقَوَّوْا بالمال، فَلَمَّا اسْتَقَرّوا تحت أيديهم كان ذلك الرَّأْي لَيْسَ مُسْتَبْعِدًا عنده ﷺ، ولم ينزل فيه وَحْي، فبَعْد أنْ أخذوا الأسارَى جَاءَهُمْ هَذَا اللَّوْم من الله، وهذا الأمر العظيم، وقرب العذاب منهم لولا الكتاب السابق. ولما كان مِنَ الغد جاء عمر (﵁) ووجد رَسُول الله ﷺ وأبا بكر يبكيان، فقال: ما يبكيكما، أخبراني بما يبكيكما؟ فإن وجدت بكاءً بكيت معكما، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال له رَسُول الله ﷺ: «عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُ أَصْحَابِكَ كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ -لشجرة قريبة منه (^٢) ﷺ- لأن الله قال لهم: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: الآية ٦٨]»، ثم إن الله بعد ذلك أحل لهم ذلك المغنم وطَيَّبَه
_________________
(١) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (١٢) من هذه السورة.
(٢) مسلم في الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم: (١٧٦٣) (٣/ ١٣٨٣).
[ ٥ / ١٧٩ ]
لهم في قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: الآية ٦٩] ويدخل فيه فداء الأُسارى.
ومعنى قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: الآية ٦٧] أن يأسر الرجال ويستعين بالمال بفدائهم حتى يثخن في الأرض. الإثخان: معناه الإيجاع في الأرض قتلًا، حتى يوجع في الأرض قتلًا، ويقتل الصناديد الكفرة والرؤساء العظام التي تضعف بهم شوكة الكفر وأهله. والإثخان: أصل الإثخان شدة الإيجاع في الأرض بالقتل (^١). وقالوا: أثخنوهم أي: أوجعوا فيهم قتلًا شديدًا ذريعًا، وأثخنته الجراحة: اشتدت عليه حتى أثبتته. وهذا الذي لامهم عليه هنا وبيّن لهم أنه ما كان هو الصواب، ولا هو الأولى أوضحه وشرحه في سورة القتال في قوله: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ [محمد: الآية ٤] أي: أوجعتموهم قتلًا، قتلًا يضعف شوكة الكفر ويذل أهله، بعد ذلك ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ وهو الأسر ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ ولذا قال هنا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ يعني ما كان ينبغي لكم ولا يصح منكم أولًا أن تلتزموا أول وقعة نصركم الله فيها بالأسرى تريدون المال، لا ينبغي هذا منكم، وما كان هو الأولى لكم، كان الأولى لكم قتلهم وحصدهم حتى يذل الكفر ويستكين أهله، وتقوى شوكة الإسلام ويعز أهله. وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ أي: يوجع فيها قتلًا؛ لأن ذلك القتل الوجيع هو الذي يذل الكفر ويكسر شوكته، ويعز الإسلام ويرفع كلمة الله (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ٤٨)، الدر المصون (٥/ ٦٣٧).
[ ٥ / ١٨٠ ]
ثم لامهم لومًا شديدًا عظيمًا من الله قال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ يعني: حطام الدنيا الزائل، فسماه عرضًا؛ لأنه عارض الوجود يعروه الزوال عن قريب، كما قدمنا في قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ [الأعراف: الآية ١٦٩] والله (جل وعلا) لا يريد عرض الدنيا بل يريد الآخرة، يريد لكم الآخرة بأن تقتلوا الكفرة، وتكسروا شوكة الكفر، وتذلوا أهله وأهلها، وتُعِزّوا كَلِمَةَ الله وتُعْلُوا دِينَ اللهِ فِي أرْضِهِ وهذه هي الآخرة التي يريدها لكم، وهذه الإرادة إرادة شرعية دينية، ولو كانت إرادة قدرية كونية لنفذت على كل حال؛ لأن اللهَ إذا أراد بإرادته الكونية القدرية شَيْئًا لا بد أن ينفذ كائنًا ما كان ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: الآية ٨٢] فَهَذِهِ إرادَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّة لكم كان الأولى لكم شَرْعًا ودِينًا أن تقتلوهم فتُعْلوا كلمة الله، وتذلوا كلمة الكفر، وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي: حطامها الزَّائِلَ؛ لأنه عارض ينقضي ويزول ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أي: الدار الآخرة. ومِنْ أَعْظَمِ أسْبَابِ الخُلُود في جناتها إعلاء كلمة الله، إذلال كلمة الكفر، وأكبر أسباب ذلك قتل الرؤساء قادَة الكفار وساداتهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَدَّمْنَا الكَلامَ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وقوله: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٨] (لولا) في علم العربية هي حرف امتناع لوجود، والمعنى: امتنع أن يَمَسَّكُمْ عذاب الله بسبب [الكتاب السابق في الأزل] (^١) ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
_________________
(١) في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٥ / ١٨١ ]
وَلَوْ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا طَغَى وَقَالَ عَلَى اللهِ إِفْكًا وَزُورَا
أَنَابَ إِلَى اللهِ مسْتَغْفِرًا لمَا وَجَدَ اللهَ إِلَاّ غَفُورَا (^١) (^٢)
[٩/أ] / قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٠) وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: الآيات ٧٠ - ٧٥].
يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٠)﴾ [الأنفال: الآية ٧٠].
جرى على ألسنة العلماء من المفسِّرِينَ والأصُولِيِّينَ أن هذه الآية الكريمة من أخريات سورة الأنفال نزلت في العباس بن
_________________
(١) البيتان في كتاب (أحسن ما سمعت) ص ٩٢ ونسبه لأبي علي. وفي المنتخب من معجم شيوخ السمعاني ص ٨٨١، وساق بإسناده إلى عبد السميع بن محمد الهاشمي، قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن يحيي الصولي، وذكره.
(٢) هذا هو الدرس الأخير من دروس الشيخ ﵀ في شهر رمضان عام (١٣٩١) وكان ذلك اليوم في اليوم الخامس والعشرين منه.
[ ٥ / ١٨٢ ]
عبد المطلب (﵁) (^١). والتحقيق أنها نزلت في جميع أسارى بدر، ولو فرضنا أنها نزلت في العباس فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وإنما قالوا: إنها نزلت في خصوص العباس مع أنها نازلة في جميع أسارى بدر؛ لأن العباس بن عبد المطلب (﵁) هو أكثرهم نصيبًا وأوفرهم حظًّا فيها؛ لأنه أُخذ منه في الفداء ما لم يؤخذ من غيره، فصار كأنه أخَصّ منهم بهذه الآية؛ ذلك لأن العباس بن عبد المطلب (﵁) كان مِنْ أَشْرافِ قُرَيْشٍ الذين ضمنوا لهم الإطعام في غزوة بدر، وكان يوم بدر هو اليوم الذي عليه هو أن يطعم -كما قاله أصحاب المغازي والسير- فاشتغل الناس بالقتال عن الإطعام، وكان جعل معه عشرين أوقية مِنْ ذَهَبٍ ليطعم بها الناس، فلمَّا أَسَرَهُ المسْلِمُون أخذوا العشرين معه. وذكر بعض أصحاب المغَازي أنَّهُ كان رجلًا موسرًا فأمرهم النبي أن يُضعِّفُوا الفداء عليه (^٢)، فأخذوا منه ثمانين أوقية، وضاعت له عشرون أوقية، فكان المجموع: مائة أوقية. وأمره النبي ﷺ أَنْ يُفْدِي ابْنَيْ أخَوَيْهِ وهما عقيل بن أبي طالب ونَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب كانا أسيرين معه، أُسِرَا يَوْمَ بَدْر. وذكر بعضهم أنه ﷺ أَمَرَ العَبَّاسَ أَيْضًا أن يُفْدِي حَلِيفَهُ وهو عُتْبَة بن عمرو (﵁)، أخو بني الحارث بن فهر، كان حليفًا للعبَّاس بن عبد المطلب (^٣)، وكان النبي ﷺ في يوم بدر كما ذكره أصحاب المغازي قال: «إِنَّ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢) من سورة الأنفال.
(٢) انظر: دلائل النبوة (٣/ ١٤١)، الدر المنثور (٣/ ٢٠٤)، سُبُل الهدى والرشاد (٤/ ٧١)، وأورده القرطبي (٨/ ٥٢) وعزاه للنقَّاش.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٢) من سورة الأنفال.
[ ٥ / ١٨٣ ]
بَعْضَ مَنْ يلقُونَكم في هذا الجَيْش خرجُوا مُسْتَكْرَهِين، فَمَنْ لقَي منكم العبَّاسَ فلا يَقْتُلْهُ؛ لأنَّهُ أَكْرَهَهُ قَوْمُهُ على الخُرُوج، ومَنْ لَقِيَ أبَا البَخْتَرِيِّ فلا يَقْتُلْهُ».
وكان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة (﵁) وقعت منه زلّة يوم بدر، وكان يقول: منذ سقطت مني تلك الكلمة وأنا أخافها لا آمن منها أبدًا حتى يكفّرها الله عني بالشهادة. فقُتل شهيدًا أيام اليمامة (﵁). وذلك أن النبي ﷺ لما قال: «مَنْ لَقِيَ مِنْكُم العَبَّاسَ فَلا يقْتُلْهُ فإنَّهُ خَرَج مُسْتَكْرَهًا». قال أبو حذيفة بن عتبه (﵁): أنقتل آباءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله إن لقيته لألجمنَّه السيف. فسمع بها رَسُول الله ﷺ، فذكروا أنه قال لعمر بن الخطاب (﵁): «يا أبا حفص» - قال عمر: ما كنّاني أبا حفص قبل ذلك اليوم - «أيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ»؟ فقال: إنه نافق دعني أقتله (^١).
وكان أبو حذيفة (﵁) يتخوّف من كلمته هذه حتى رَزَقَهُ اللهُ المَوْتَ شهيدًا أيام اليمامة. وكذلك نهى عن أبي البختري؛ لأنه كان يُحْسِن إلى بَنِي هاشم أيام كونهم في الشِّعب لما قاطعهم قريش، وكان يعاملهم معاملة حسنة ولم يؤْذِهِمْ، فجاءه المُجَذَّر بن زياد البلوي (﵁) فقال: أما أنت فقد نهانا عنك رَسُول الله ﷺ. وكان له زميل، فقال له: وزميلي؟ فقال: أما زميلك فلم ينهنا عنه رَسُول الله ﷺ. وأراد المجذّر أن يقتل زميله، فتعرّض دونه وقال (^٢):
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
[ ٥ / ١٨٤ ]
لا يُسْلِمُ ابْنُ حُرَّةٍ زَمِيلَهُ حتَّى يمُوتَ أوْ يَرَى سَبِيلَهُ
لَا يُفارِقْ جَزَعًا أكِيلَهُ
وتراجز هو والمجذّر (﵁) وكان ذلك يقول (^١):
أَنَا الَّذِي أَزْعُمُ أَصْلِي مِنْ بَلِي أَضرِبُ بالحربة حتى تَنْثَني
فقتله المجذر لما جاء دون زميله. وكان العباس (﵁) أسَرَهُ رَجُلٌ قَصِير ليس بالقوي من الأنصار هو كعب بن عمرو (﵁) وهو المشهور بكنيته أبي اليسر، وهو أخو بني سلمة. ذكر بعض أصْحَابِ المَغَازِي (^٢) أن العباس كان يَئِنّ أنينًا في الأسر، فسمع رَسُول الله ﷺ أنينه فلم يَسْتَطِعْ أَنْ يَنَام حتى خففوا عليه الوثاق فَسَكَت، فلما سكت نام ﷺ. وعلى كل حال فالعباس بن عبد المطلب (﵁) لما أرسل قريش في فداء أسراهم كان الأسير يُفْدَى بأربعين أوقية، قال أصحاب المغازي: أمرهم النبي ﷺ أن يُضعفوا الفداء على العبّاس فأخذوا منه ثمانين أوقية، وضاعت له عشرون أوقية أخذوها منه لما أسروه، وفدى ابني أخويه عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وفدى حليفه عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر، فصار دفع مالًا كثيرًا لم يدفعه غيره، فمن هنا قالوا: نزلت فيه هذه الآية الكريمة مع أنها نازلة في جميع أسرى بدر، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فلَفْظُ الآية عام، وهذه القاعدة قاعدة معروفة قويَّة يستدل بها علماء الأصول على أنَّ الآيَات النازلة في أسباب خاصة أحكامها
_________________
(١) السابق.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ١٤١) من طريق ابن إسحاق، وعنهما أورده ابن كثير في تاريخه (٣/ ٢٩٩).
[ ٥ / ١٨٥ ]
عامة، ولا تخصّص بأسبابها (^١)، ومن المشهور في أمثلتها: المثال لها بهذه الآية من أخريات سورة الأنفال، أنها نزلت في العباس بن عبد المطلب وحكمها عام.
ومن الأدلّة الدالة على هذه القاعدة الأصولية المهِمَّة المُعِينَة في التفسير -وهي أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب- دلّ عليها الحديث الصحيح واللغة، أما ما دلّ على ذلك من الأحاديث فهو ما سيأتي في سورة هود -إن شاء الله- من أن سورة هود نزلت فيها آيات مَدَنِيَّة وهي سورة مكية كما قال غير واحد من العلماء أن قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: الآية ١١٤] نزلت في الأنصاري الذي جاءته المرأة تبتاع تمرًا فأعجب بجمالها، وكان زوجها غائبًا في الجهاد، فقال لها: إن في البيت تمرًا أحسن من هذا. فلما دخلت البيت كان بينه وبينها بعض ما لا يليق من صغائر الذنوب، ثم إنّه ندم وأخبر النبي ﷺ بذلك، فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ تعني: فصلواتك الخمس تذهب عنك هذه السيئة التي اقترفت من هذه المرأة. فقال الرجل -كما في صحيح البخاري وغيره- ألي هذا وحدي يا رَسُول الله؟ وسؤال هذا الأنصاري هو سؤال عن هذه النازلة، كأنه يقول: آلعبرة بي لأنني سبب النزول، أو العبرة بعموم لفظ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فأجابه ﷺ: «بَلْ لأُمَّتِي كُلِّهِمْ» (^٢). فَدَلّ على أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومن النصوص الدالة على هذه القاعدة: هو ما ثبت عن النبي ﷺ في
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣١) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ١٨٦ ]
الصحيح أنه أيقظ فاطمة وعليًّا (﵄) ليصليا بالليل، فقال له علي (﵁): إن أرواحنا بيد الله إنْ شَاءَ بَعَثَنَا. فَوَلّى ﷺ يَضْرِبُ فَخِذَهُ ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: الآية ٥٤] (^١).
مع أن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ نزلت في الكفار الذين يجادلون في كتاب الله، فاعتبر النبي عمومها حتى جعله شاملًا لخصام علي له ومجادلته له؛ بأن أرواحهم بيد الله؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ﴾ الكافر مع وضوح القرآن وأدلته وتصريف أساليبه ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: الآية ٥٤] وخصامًا بالباطل.
ومما يدل على هذا مِنَ اللّغة: إِجْمَاعُ أهْلِ اللِّسَان العربي أن الرَّجُلَ لو كان له أربع زوجات فَقَامَتْ إِحْدَاهُنَّ وَسَبَّتْ هذا الرجل وأغضبته فقال: أنتن كلكن طوالق. فإنهن كلهنّ يطلقن بحسب المدلول العربي ولا يختص بالمرأة التي أغضبته فاستوجبت الطلاق كما لا يخفى. وهذه الآية الكريمة نزلت في العباس بن عبد المطلب، وحكمها عام لمن معه، وظاهرها يشمل جميع الأسرى؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى﴾ [الأنفال: الآية ٧٠] قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير نافع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم﴾ بالإدغام.
وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿يا أيها النبيء﴾ بالهمزة من غير إدغام، ونافع قرأ لفظ النبيء والأنبئاء في جميع القرآن بالهمزة
_________________
(١) السابق.
[ ٥ / ١٨٧ ]
المحقّقة في رواية ورش في جميع القرآن، وفي رواية قالون عنه في جميع القرآن إلا في حرفين من سورة الأحزاب فقط، وهما قوله: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٠] وقوله: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٣] فهذان الحرفان قرأهما عنه قالون كقراءة الجمهور، وقرأهما عنه ورش بالهمزة المحققة كغيرهما في سائر القرآن (^١).
وقوله ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى﴾ قرأه عامّة السبعة غير أبي عمرو: ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى﴾ وقرأه أبو عمرو وحده من السبعة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسارَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ (^٢) ومعنى الآية الكريمة: أن الله (جلّ وعلا) أمر نبيّه أن يقول لمن في أيدي المسلمين من أسارى بدر يقول لهم هذا الكلام.
(الأسارى) جمع أسير، و(الأسرى) جمع أسير، إلاّ أنّ (الأسير) يُجمع على (أسرى) قياسًا مطّردًا، وقاعدة معروفة؛ لأن (الفَعِيل) المتّصف بما يُرثى له به يطرد جمعه تكسيرًا على (فَعْلَى) (^٣) كمريض ومرضى، وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وصريع وصرعى، وأسير وأسرى (^٤).
أما على قراءة ﴿أُسَارَى﴾ فهو جمعٌ مسموع، وإتيان الجموع على (فُعَالى) أو (فَعَالى) مسموع ولا يطرد منه شيء قياسًا، ككسالى،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٣.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
(٤) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٨٨ ]
وأُسارى، ويتامى، وحيارى، وما جرى مجرى ذلك (^١).
وقوله: ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم﴾ المراد بـ ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم﴾ من كانوا تحت أيديكم من الأسارى، وكل شيء كان في قبضة الإنسان وتحت قدرته وتصرّفِهِ تقول العرب: هو في يده؛ لأن اليد هي التي تُزَاوَلُ بِهَا الأعمال وتُؤخذ بها الأشياء عادة (^٢).
والأيدي جمع (يد)، واليد من الألفاظ التي حَذَفَتِ العرب لامَهَا ولم تعوِّض منها شيئًا، وأعربتها على العين، فدال اليد في محل العين، وهي مُعربةٌ على عينها وهو الدال، نُزِّل منزلة لامها، وحذفت لامها، وتنوسيت، وهي إحدى ألفاظ معروفة كذلك، كيدٍ، ودَمٌ، وغذٍ، وددٍ، وهنٍ، وما جرى مجرى ذلك (^٣). وأصل لامها المحذوفة ياء، أصلها (يدي) فاؤها ياء، وعينها دال، ولامها ياء. ولامها المحذوفة إنما تُرَدّ عند التصغير وجمع التكسير، ففي تصغيرها تقول: (يُدَيَّه) وفي جمعها تقول: فاقطعوا أيديهما. وأصله: (أيْدُيهما) على وزن (أفعُل) لأن الأيدي أصل وزنه (أفعُل) (فَعَل) محذوف اللام مجموعٌ على (أفعُل) إلاّ أن ضمة العين تجعل كسرة لمجانسة الياء، وربما نطقت العرب باليد مثبتة لامها إثبات المقصور على الألف كالفتى. سُمع هذا عنهم قليلًا، ومنه قول الراجز (^٤):
يا رُبَّ سَارٍ باتَ ما تَوَسَّدَا إلا ذِرَاعَ العِيسِ أَوْ كَفَّ الْيَدَا
فردّ اللام كما هي في (الفتى) وهذا نادر.
_________________
(١) انظر: حجة القراءات ٣١٤، الدر المصون (٥/ ٦٣٧).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنفال.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٩٥) من سورة الأعراف.
(٤) السابق.
[ ٥ / ١٨٩ ]
وقوله: ﴿مِّنَ الأَسْرَى﴾ الأسرى جمع أسير، والأسير (فَعِيل) بمعنى (مَفعُول) وهو اسم المفعول من (أَسَره) العرب تقول: أسره يأسره أسرًا، فالفاعل (آسر) والمفعول (مأسور): إذا شدّه بالوثاق، وأصل هذه المادة مأخوذة من الإيسار، والإيسار: القِدّ. والقِدّ: هو جلد البعير غير المدبوغ؛ لأن جلد البعير إذا لم يُدْبَغ تسمّيه العرب قِدًّا، وكانوا يشدّون الأسِيرَ بالجلد عند سَلْخِهِ طَرِيًّا، فإذا يَبس اشتدّت قوّته ولا يقدر أحد على حلّه ولا قطعه ولا نزعه، ومن هنا قيل لكل مشدود شدًّا محكمًا: إنه مأسور. وأصله من (الإيسار) وهو الشدّ بالإسار، أعني القِدّ وهو جلد البعير إذا كان غير مدبوغ. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: الآية ٢٨] المراد بقوله: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ أحْكَمْنَا شَدَّ العِظَامَ بَعْضَها إِلَى بَعْضٍ بِإِحْكَام وإِتْقَانٍ شَدِيدٍ كَمَا يُشَدُّ الشَّيْءُ شَدًّا قويًّا بالقِدّ فييبس عليه فيمسكه إمساكًا قويًّا (^١). وهذا صار معنىً معروفًا في كلام العرب، مشهور في كلامهم، فكل شيء شددته شدًّا محكمًا تقول العرب: أسرته. ومنه سُمّي الأسير، أي: لأنه يُشد بالإسار، وهو جلد البعير غير المدبوغ. وهذا معروف في كلامهم، ومنه: أسر مراكب النساء؛ لأن أعواده تُشدّ بالقدّ حتى يتحكّم بعضه مع بعض، ومنه قول حُمَيْدِ بن ثور الهلالي (^٢):
وما دخَلَتْ في الخَدْب حتى تَنَقَّضَتْ تآسير أعْلَى قِدّه وتحَطّمَا
وهذا معنى معروف في كلام العرب. يعني: قل يا نبيّ الله لهؤلاء الذين أخذتموهم وكانوا في قبضتكم وتحت تصرّفكم:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١) من سورة الأعراف.
(٢) البيت في ديوانه ص١٩.
[ ٥ / ١٩٠ ]
﴿إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ العبّاس بن عبد المطلب قال للنبي ﷺ: يا نبيّ الله: احسب لي العشرين أوقية التي أخذوها منّي، كانت من مالٍ معي. قال: «لَا، ذَلِكَ مَالٌ أَعْطَانَاهُ اللهُ مِنْكَ فَلَا نَحْسِبُهُ لَكَ أَبَدًا» وضاعف عليه الفداء، وأمَرَهُ بِمُفَادَاةِ ابْنَيْ أَخَوَيْهِ. فقال للنبي ﷺ: يا نبي الله، لقد تركتني أَتَكَفَّفُ قُرَيْشًا إلى يوم القيامة فَقِيرًا. فقال له النبي ﷺ: «أَيْنَ المَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أنْتَ وأم الفَضْلِ لما أرَدْت الخُرُوجَ»؟ فقال له: وما ذلك المال؟ قال له: «الذَّهَب الذي دفنْتَهُ أنت وأمّ الفَضْلِ، وقلت لها: ما أدْرِي ما يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بي حَدَتٌ في سَفَرِي هذا فهذا المال لَكِ وَلِبَنِي: الفَضْل، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم. ودفنتم المَالَ». فقال: أشهد أنك رَسُول الله، والله ما علم بهذا أحدٌ غيري وغير أمّ الفَضْل (^١). وهي لُبَابة الصغرى بنت الحارث، أم أولاد العبّاس بن عبد المطلب، وهي هلالية مشهورة. لما أخذوا منهم هذا المال وكان الأسارى يأتون النبي ﷺ ويقولون: نحن مسلمون آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنك رَسُول الله، ووالله لننصحنّ لك على قومنا، ولا تأخذ منّا شيئًا. فأنزل الله فيهم: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ (خيرًا) هنا جاء مرتين ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ الأولى منهما ليست صيغة تفضيل، والثانية منهما صيغة تفضيل، والدليل على أنها صيغة تفضيل اقترانها بـ (من) لأَنّ صِيغَةَ التَّفْضِيل المجردة تُقترن بـ (من) دائمًا لفظًا أو تقديرًا.
معناه: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا وإيمانًا صَحِيحًا وتصديقًا كما تزعمون يؤتكم خيرًا، أي: شَيْئًا أخْيَرَ وأفْضَل مما أُخِذَ منكم مِنَ الفِدَاء.
_________________
(١) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (١٢) من هذه السورة.
[ ٥ / ١٩١ ]
يعني من حطام الدنيا وعرضها، ومن نعيم الجنة، ويغفر الله لكم أيضًا.
وقوله ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ يدل على أن محل نَظَرِ اللهِ من عبده إنما هو القلوب كما جاء بذلك الحديث؛ لأن القلب هو الذي ينظر الله إليه فيعلم فيه الخير والشر؛ ولذا قال: ﴿إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ والله (جل وعلا) عالمٌ بما في الضمائر وما يخطر في القلوب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: الآية ١٦] وقد بيّن القرآن العظيم في مواضع منه أنّ علم الله الإيمان والإخلاص في قلب الإنسان تكون له فوائد عظيمة، من تلك الفوائد: ما ذكره هنا في أخريات الأنفال في قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ ومنها قوله في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: الآية ١٨] فَكَنّى عما في قلوبهم بالاسم المبْهَمِ الَّذِي هُوَ الاسْمُ الموْصول. يعني أنه إيمان كما ينبغي وإخلاص كما ينبغي، ترتّب على ذلك نتائج عظيمة كثيرة كقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: الآية ٢٠] وكقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: الآية ٢١] أي: فأقدركم عليها، وكقوله جل وعلا: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: الآية ٢٢] هذا الإيمان والتسليم الذي علمه الله في قلوبهم رتّب عليه نتائج عظيمة مفيدة منها قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: الآية ٢٥] إلى آخر الآيات.
وهذه الآيات ينبغي لنا أن نعتبر بها فنطهّر قلوبنا، ويكون ربنا يعلم منها الخير، ولا يعلم منها الشر؛ لأن ذلك يُسَبِّبُ لَنَا نَتَائِجَ
[ ٥ / ١٩٢ ]
عَظِيمَة كصلاح الدنيا والآخرة؛ لأن هؤلاء الأسرى قال لهم: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ من المال ﴿مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ ويزيدكم على ذلك المغفرة. قال العباس بن عبد المطلب: كان يقرأ: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قال: إن العشرين أوقية التي ضَاعَتْ لِي يَوْمَ بَدْر أبْدَلَنِي الله خيرًا منها، أعطاني عشرين عبدًا كلهم يتاجر بمالٍ كثير، وهم لي، وأموالهم لي (^١). ولما جاء مال البحرين -أرسله ابن الحضرمي من البحرين- ذلك المال الكثير الذي ما دخل المدينة مالٌ أكثر منه في زمن النبي ﷺ، ونثره في المسجد ووزّعه، جاء العباس وقال: يا نبيّ الله أعطني! فاديت نفسي وعقيلًا. فقال له: «احثُ من هذا المال». فحثا العباس في خميصة كانت عليه، ولم يزل يحثو فيها من المال حتى أراد أن يقوم فما قدر على أن يقوم، فقال للنبي ﷺ: مُر أحدًا منهم يرفع معي المال!! فتبسّم ﷺ حتى بدا ضاحكه أو نابه وقال: «لا يُعِينُكَ عَلَيْهِ أحَدٌ». فقال له: ارفعه أنت عليّ. فقال: «لا، اردُد طائِفة من المَال حتَّى تَسْتَطِيعَ حَمْلَهُ». فحثا عنه حتى استطاع أن يحمله، وحمله على كاهله. قال بعضهم: لم يزل ﷺ ينظر إليه حتى اختفى، لشدّة حرصه على أخذ هذا المال، وقال العباس حينئذ: أما الأولى منهما فقد رأيناها: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ والله لقد أعطانا خيرًا مما أُخِذَ مِنَّا، وإنا لنرجو الثانية التي هي: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (^٢). وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ بعلمه المحيط بكل شيء ﴿فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي إيمانًا صحيحًا وتصديقًا وإخلاصًا لله ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ أي:
_________________
(١) تقدم تخريجه في الموضع السابق.
(٢) تقدم تخريجه في الموضع السابق.
[ ٥ / ١٩٣ ]
يعطكم خيرًا، أي: مالًا في الدنيا، وثوابًا في الآخرة خيرًا ﴿خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أي: أفضل وأعظم مما أُخذ منكم.
والعرب استغنت بـ (خير) و(شر) عن (أخير وأشر)، فهما صيغتا تفضيل، والأخيرة منهما صيغة تفضيل، وقد قال ابن مالك في كافيته (^١):
وَغَالِبًا أغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرّ عن قولهم أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ
فالأخيرة هنا تفضيل أي: يؤتكم أخير وأفضل، أي: أكثر خيرًا وأعظم منه، وذلك كما وقع في مال البحرين أعطى العباس أكثر بأضعاف مما أُخذ منه يوم بدر من الفداء، وأعطاه عشرين عبدًا. وقال العباس: وأعطاني الله زمزم أيضًا ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، فَعَوَّضَهُ اللهُ مِئَات الأضْعَاف على ما أخذ منه يوم بدر. وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أي: مما أخذه المسلمون منكم كالعشرين أوقية التي أُخِذَتْ مِنَ العَبَّاسِ، وما أُخذ في فِدَائِهِمْ من المال. وحذف الفاعل هنا للعلم به ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يغفر لكم ذنوبكم. حذف فاعل (أُخذ) ومفعول (يغفر) والمعنى: يعطيكم خيرًا مما أخذه منكم المسلمون يوم بدر، ويغفر لكم ذنوبكم كلها، وشرككم المتقدم وكفركم بالله. وهذا معنى قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين، ولاسيما إذا علم في قلوبهم الإيمان والإخلاص له (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
[ ٥ / ١٩٤ ]
حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧١] ضمير واو الفاعل في قوله: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ راجع على الأسارى الذين في أيدي النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنهم كانوا يقولون: آمنا بك وشهدنا أنك رَسُول الله، ووالله لننصحن لك على قومك، ولنكونن معك. ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾ بهذا الكلام، إن كان هذا الكلام أرادوا به الخيانة والمكر والخديعة فلا تهتم بشأنهم ﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ ظرف مقطوع من الإضافة مبني على الضم. أي: قد خانوا الله من قبل يوم بدر بالكفر، وعبادة الأصنام، وتكذيب رسوله ﷺ فأمكن الله منهم. هذا الفعل الذي هو (أمكن) يتعدى إلى مفعول، ومفعوله محذوف، والمعنى: فأمْكَنَكُمُ الله منهم. وَحَذْفُ الفضْلة إذا دَلَّ المقام عليه شَائِعٌ مُطَّرِدٌ في القرآن وفي كلام العرب، والعرب تقول: أمكنني من كذا: إذا هَيَّأَهُ لِي وجَعَلَهُ فِي قَبْضَتِي، وهو معنى معروف في كلامها، وهو مُتَعَدٍّ إلى المفْعُول كما هو معروف، فالمفعول هنا محذوف، وليس الفعل لازمًا كما لا شك فيه، ومما يدل على ذلك من كلام العرب قولُ كُثَيِّر عزَّة وهو عربي قحّ، ذكروا أنه ناداه عبد العزيز بن مروان، وأحضر عزَّة وجعل دونها سجفًا؛ أعني: سترًا. وقال لكُثَيِّر: تمنَّ، فما تتمنى فهو حاضر. فتمنَّى إِبِلًا سودًا برعائها، أو غير ذلك من الأموال. فقال للغلام: ارْفَعِ السجف يا غلام. فرفعه عن عزة فإذا هي، فقال: لو تمنيت هذه لأعطيتكها وزوجتك إياها. فندم كُثَيِّر وقال، وهو محل الشاهد (^١):
حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إِلَى مِنًى يَجُوبُ الفَيَافِي نصها وزميلها
_________________
(١) البيتان في ديوانه ص٢٦٧ مغني اللبيب (١/ ١٩) (بشرح الأمير)، والثاني في رصف المباني ص٦٦.
[ ٥ / ١٩٥ ]
لَئِنْ عَادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِهَا وَأَمْكَنَنِي مِنْهَا إِذًا لَا أُقيلُهَا
ومحل الشاهد منه قوله: وأمكنني منها؛ أي: جَعَلَها فِي قَبْضَتِي وتَحْتَ تصرُّفِي. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي: أمْكَنَكَ اللهُ أَنْتَ وأصحابك منهم يا نَبِيَّ الله، فلا تهتم بخيانتهم.
وقوله: ﴿خِيَانَتَكَ﴾ الياء فيه منقلبة عن الواو؛ لأن مادة (الخيانة) أصلها من أجوف واوي العين، أصلها مِنْ (خَوَن) ولذا يقال في المبالغة منها: (خوَّان). ولو كانت يائية لقيل: (خيان) ويقال في ماضيها: خان يخون. ولو كانت يائية لقيل: يخين. إلا أن القاعدة المقررة في التصريف أن الواو إذا تَقَدَّمَتْهَا كسرة وجاء بعدها ألف وجب إبدالها ياء، كالخيانة من الخون، والحيازة من الحوز، والصيانة من الصون، والقيامة من قام يقوم (^١). قال بعض علماء العربية: على القول بجمع المصادر تُجمع الخيانة على (خيائن) اعتدادًا بالياء المبدلة من الواو، والقياس أن تُجمع على (خَوَائِن) إلا أنهم فرَّقُوا بَيْنَ جمع (خيانة) وبين جمع (خَائِنَة) فجعلوا هذه بالياء وإن كان أصلها الواو.
﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ خيانتهم لله هي كُفْرُهُمْ بِالله، وعبادتهم للأصنام، وتكذيبهم لنبيه ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ (الفَعِيل) من صيغ المبالغة، وعلمه (جل وعلا) يَسْتَحِقّ أن يُبَالَغَ فِيهِ؛ لأن عِلْمَهُ محِيطٌ بكل شيء، وهو (جل وعلا) يعلم الموجودات والمعدومات والواجبات والجائزات والمستحيلات، حتى إنه من إحاطة علمه لَيَعلم المعدوم الذي سبق
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة الأنفال.
[ ٥ / ١٩٦ ]
في علمه أنه لا يوجد، فهو يعلم أن لو وُجد كيف يكون، وإن سبق في علمه أنه لا يكون؛ لإحاطة علمه بكل شيء، فهو يعلم أن أبا لهب لم يؤمن، ويعلم لو آمن أيكون إيمانه تامًّا أو ناقصًا مثلًا، والآيات القرآنية الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًّا، من ذلك: أن الكفار إذا عَايَنُوا القِيَامَةَ ورُفع عنهم الغِطَاء، وشاهدوا الحقائق تَمَنَّوا الرد إلى الدنيا مرة أخرى ﴿فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: الآية ٢٧] وفي القراءة الأخرى (^١): ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ وهذا الرد إلى الدنيا الذي تمنوه اللهُ عالِمٌ بِعِلْمِه الأزَلِيّ أنه لا يكون، ومَعَ عِلْمِهِ بأنه لا يكون فهو عالم أن لو كان كيف يكون، كما صَرَّحَ بِهِ في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: الآية ٢٨].
والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أَبَدًا؛ لأن الله خَلَّفَهم عنها لحكمة وإرادة إلهية كما قال: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: الآية ٤٦] ومع كون خروجهم لا يكون هو عالم أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾ الآية [التوبة: الآية ٤٧]. ونظائر هذا كثيرة في القرآن، فَعِلْمُ اللهِ مُحِيطٌ بكل شَيْء. و(الفعيل) صيغة مبالغة.
وقوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ فالعليم والحكيم من أسمائه (جل وعلا) وكلاهما تتضمن صفة من صفاته (جل وعلا)؛ لأنه حكيم عليم. قال بعض العلماء: الحكيم لأنه حَكِيم في أقواله وأفْعَالِهِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٩٧ ]
وتشريعاته، فلا يقول إلا ما هو في غاية الإِحْكَام، ولا يَفْعَلُ إلا ما هو في غَايَةِ الإِحْكَامِ ولا يأمر إلا بالخَيْرِ، ولا ينهى إلا عَنِ الشَّرِّ، ولا يجازي بالشَّرِّ إلا الشر، ولا بالخير إلا الخير. وكان بعض العلماء يقول: الحكمة هي العلم النافذ الذي يَعْصِمُ الأقْوَالَ والأفْعَالَ أن يَعْتَرِيها الخلل.
وهي في الاصطلاح: إِيقَاعُ الأمور في مَوَاقِعِهَا ووضْعُها في مواضعها (^١)، ولا تتم الحكمة إلا بالعلم، فلا تتم الحكمة إلا بتمام العلم، وبقدر ما يكون في العلم مِنَ النَّقْصِ يكون في الحكمة؛ لأنَّكَ تَرَى الحاذِقَ القُلَّب البَصِير يعمل الأمر يظن أنه في غاية الإحكام، وغاية الإتقان، وأنه وضعه في موضعه، وأوْقَعَهُ فِي مَوْقِعِهِ، ثم ينكشف الغيب بعد ذلك أن فيه هلاكه أو ضررًا عظيمًا عليه فيندم ويقول: ليتني لم أفعل، ولو فعلت لكان كذا، كما قال (^٢):
ليتَ شِعْرِي وأينَ منِّي ليتُ إنَّ (لوًا) وإنَّ (ليتًا) عناءُ
وفي الحديث: «إِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ الْباب للشَّيْطانِ» (^٣). قال الشاعر (^٤):
أُلَامُ عَلَى (لَوٍّ) وَلَوْ كُنْتُ عَالِمًا بِأَذْنَابِ (لَوٍ) لَمْ تَفُتْني أوَائِلُهْ
والله وحده (جل وعلا) لا يجري عليه لو فعلت كذا لكان أصوب؛ لأنه عالم بخفايا الأمور، وما تنكشف عنه الغيوب، وما تجري به الأقْدَار، فلا يجري عليه شيء مِنْ ذلك، فلا يفعل فعلًا إلا وهو في غاية الإِحْكَامِ، ولا عملًا ولا تكليفًا ولا جزاءً إلا هو في غاية الحكمة، والوضع في الموضع، والإيقاع في الموقع؛ ولذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وهذان الوصفان من أسمائه (جل وعلا) من أعظم ما يستدعي الإنسان إلى أن يطيع ربه ولا يعصيه، وأن يَذْكُرَهُ ولا يَنْسَاهُ، فلأن كونه عليمًا تعرف به أن علمه المحيط بكل شيء يقتضي أنه لا يدعوك إلا لما لك فيه الخَيْر والعواقب الحسنة الجميلة؛ لأنه يعلم عواقب الأمور، وما تؤول إليه، وما تنكشف عنه الغيوب،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٩) من هذه السورة.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ١٩٨ ]
وما تجري به الأقْدَار، فلا يأمرك إلا بما هو خير مؤكد بلا شك وبكل يَقِينٍ، وكونه حكيمًا يدل على أنه لا يَنْهَاك إلا عن شر، ولا يأمرك إلا بخير، فإن كان مبالغًا في الحكمة والعلم كان ذلك مدعاة لأن يتبع في كل ما يأمر به وكل ما ينهى عنه؛ لأنَّ عِلمه يعلم به أنه ما يدعو إليه خير، وما ينهى عنه شر، وحكمته يفهم منها أنه لا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^١) أنك لا تكاد تنظر ورقة واحدة [من المصحف الكريم إلا وجدت فيها إشارة إلى هذا الواعظ الأعظم، والزاجر الأكبر مما يبعث العبد على الإحسان والمراقبة في جميع أحواله وأعماله، وقد بَيَّن الله (جل وعلا) أن الغاية والحكمة [٩/ب] التي] (^٢) / خلق الله من أجلها الخلق هي أن يَبْتَلِيَهُمْ، أي: يَخْتَبِرَهُمْ
_________________
(١) راجع ما تقدم عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٥ / ١٩٩ ]
أَيهم أحْسَن عملًا، كما قال في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بين الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: الآية ٧] وقال تعالى في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بَيَّنَ الحِكْمَةَ فقال: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: الآية ٧] وقال في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بين الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: الآية ٢] ولم يقل: أكثر عملًا، فإذا عَرَفَ العَبْدُ أنَّهُ خُلِقَ لأجل أن يُخْتَبَرَ في إحسان العمل كان حريصًا على الحالة التي ينجح بها في هذا الاختبار؛ لأن اختبار رب العالمين يوم القيامة مَنْ لَمْ يَنْجَحْ فِيهِ جُرَّ إلى النَّارِ، فَعَدَمُ النجاح فيه مهلكة، وقد أراد جبريل (﵇) أن ينبه أصحاب رَسُول الله ﷺ على عظم هذه المسألة وشدة تأكدها (^١)
فقال للنبي ﷺ في حديثه المشهور: يا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أخبرني عن الإحسان؟ أي: وهو الذي خلق الخلق من أجل الاختبار فيه، فَبَيَّن له النبي ﷺ أن طريقه الوحيدة هي هذا الواعظ الأكبر والزَّاجِر الأعْظَم، الذي هو طريق المراقبة والعلم فقال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^٢).
وقد قدمنا ضرب العلماء مرارًا (^٣) مثلًا لهذا بأن الحاضرين أمام ملك لا يُنتهك حماه، شديد العقاب لمن انتهك حرماته، لا يقدر أحد منهم أن يفعل شيئًا يَكْرَهه وهو ناظر إليه!! ورب السماوات والأرض
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام ..
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
(٣) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
مُطَّلِعٌ عَلَى ما يسره خلقه، ومع هذا فإنَّهم لا حياء عندهم ولا ماء في وجوههم، لا يستحون ممن خَلَقَهُمْ (جل وعلا) وهو معهم أيْنَمَا كانوا، مراقب على خطرات قلوبهم وجميع أعمالهم. فعلى العاقل أن يَنْتَبِهَ لهذه الآيات، ويعلم أن ربَّهُ حَكِيم عليم، يعلم خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُور. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: الآية ١٦] فيعلم أَنَّ رَبَّهُ نَاظِر إليه مطلع عليه، فلا يفعل أمام ربه إلا ما يرضي ربه (جل وعلا)، أما أن يُبَارِزَ رَبَّهُ بالمَعَاصِي بوجه لا حياء فيه ولا ماء فهذا مما لا ينبغي؛ ولذا يقول (جل وعلا) بعد كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْي: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي بمعناها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: الآية ٧٢].
قرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة وحده: ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم﴾ بفتح الواو، وقرأه من السبعة حمزة وحده: ﴿ما لكم من وِلايتِهِم مِن شَيْء﴾ بكسر الواو (^١). والتحقيق أن الوَلاية والوِلاية معنيان صحيحان، ولغتان فصيحتان، وقراءتان سَبْعِيَّتَانِ، فما يذكر عن الأصمعي من أنه يقول: «إن قراءة حمزة خطأ». هو الذي أخطأ فيه (^٢)، أما قراءة حمزة فهي قراءة صحيحة، ولغة معروفة فصيحة،
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٤.
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٦٤٠).
[ ٥ / ٢٠١ ]
فالوَلاية والوِلاية كالدَّلالة والدِّلالة، فهما لغتان عَرَبِيَّتَانِ وقِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ فَصِيحَتَانِ.
وكان المسلمون في أول الإسلام يَتَوَارَثُونَ بالهِجْرَةِ والمؤاخاة دون القرابات؛ لأن النبي ﷺ لما نزل المهاجرون بالأنصار والمهاجرون فقراء آخَى بَيْنَ المُهَاجرين والأنصار، فصاروا يتوارثون بتلك الأخوة دون القرابات، فإذا مات واحد منهم ورثه أخوه الذي آخى النبي ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ دون قرابته، وكان الذين لم يهاجروا لا إِرْثَ لهم في إِخْوَانهم الذين هاجروا؛ لأنها كانت بالهجرة والمؤاخاة، ونسخ الله -تعالى- ذلك بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٧٥] كما سيأتي إيضاحه.
ومعنى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ هذه أولًا في المهاجرين، الله (جل وعلا) كأنه قَسَّمَ المؤْمِنِينَ طَوَائِف، طائفة هم المهاجرون ذكرهم بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ آمَنُوا بِاللهِ ورسوله وهاجروا أوطانهم وديارهم وأموالهم في سبيل الله (جل وعلا) وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم؛ لأنهم جعلوا أموالهم في مؤن الجهاد من شراء السلاح، والمراكب للقتال، ومؤن القتال، وجاهدوا بأنفسهم حيث عرّضوها للموت وللخطر في الجهاد، كل هذا في سبيل الله ﴿إِنَّ الذّينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الهِجْرَة كانت هجرة متعددة متنوعة أولها الهجرة إلى الحبشة -وقد هاجروا إلى الحبشة مرتين- ثم الهجرة إلى المدينة، وكانت الهجرة إلى المدينة واجبة، وكان الذي أسلم ولم يهاجر كالذي يسلم ويبقى في البَوَادِي مِنَ الأعراب لا يرث من أخيه المسلم المهاجر شيئًا، وكان الذين أسلموا ولم يهاجروا لا نصيب لهم فِي الغَنَائِمِ، ولا في الخمُس، ولا في
[ ٥ / ٢٠٢ ]
شيء مما عند المسلمين، وليس لهم على المسلمين من النصر إلا إن استنصروهم على عدو في الدين خاصة كما سيأتي إيضاحه.
الطائفة الثانية: هم الأنصار، أهل المدينة، الذين كانوا قبلهم.
الطائفة الثالثة: هم الذين هاجروا بعد ذلك، فهم مهاجرون وأنصار، وطائفة جاءوا بعد ذلك كما سيأتي تفاصيله وإيضاحه؛ ولذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله ورسوله وبكل ما يجب به الإيمان ﴿وَهَاجَرُوا﴾ هاجروا أوطانهم وأموالهم وديارهم. والمُهَاجَرَة: هَجْرُ الشَّيْءِ أصْلُهُ المُبَاعَدَةُ مِنْه. وقد هاجروا أولًا إلى الحبشة، وثانيًا إلى المدينة. ثم إن هذه الهجرة التي كان بها التَّوَارُث ولا يقبل من أحد إلا أن يفعلها نُسِخَتْ بِفَتْحِ مكة، وقال فيه النبي ﷺ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيّةٌ» (^١).
والتحقيق أن الهِجْرَةَ لا تنقطع أبَدًا، إلا أن الهجرة المخصوصة التي كانت إلى النَّبِي ﷺ وأصحابه بالمدينة هي التي انقطعت بفتح مكة لانتشار الإسلام في جزيرة العرب، أما الهجرة التي لا تَنْقَطِعُ فَهِيَ أنَّ كُلَّ إنسان تُعُرِّض له في دينه، وصار لا يقدر على إقامة شعائِرِ دِينِهِ في مَحل فواجب عليه بإجماع العلماء أن ينتقل من هذا المحل، ويبذل في ذلك كل مجهود حتى يَصِلّ إِلَى محل يتمكن فيه مِنْ إِقَامَةِ شَعَائِر دينه، وهذه الهجرة التي لا تَنْقَطِعُ. والمهاجر الحقيقي هو مَنْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإمارة، باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام. حديث رقم: (١٨٦٤) (٣/ ١٤٨٨) من حديث عائشة (﵂) مرفوعًا. وقد أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي ﷺ، حديث رقم: (٣٨٩٩) (٧/ ٢٢٦) موقوفًا على ابن عمر. وأطرافه (٤٣٠٩، ٤٣١٠، ٤٣١١).
[ ٥ / ٢٠٣ ]
هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عَنْهُ ورسوله كما هو معلوم. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢] مفعول (آووا) ومفعول (نصروا) كلاهما محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى: آوَوْا الذين هَاجَرُوا إِلَيْهِمْ وهم النبي ﷺ وأصحابه ونصروهم. وهؤلاء الذين آووا ونصروا هم الأنصار أبناء قَيْلَة، الذين كانوا من سكان المدينة، الذين هاجر إليهم النبي ﷺ وأصحابه.
وقوله: ﴿ءَاوَواْ﴾ العرب تقول: آواه يؤويه إيواءً: إذا جَعَلَ لَهُ مَأْوًى يَنْضَمُّ إِلَيْهِ؛ أي: جعل له مسكنًا ومَنْزِلًا يَسْكُنُ إِلَيْهِ؛ لأنهم أسكنوهم في ديارهم، وشَاطَرُوهُمْ أمْوَالَهم، وهيئوا لهم كل أسباب الرَّاحَةِ، وذلك معنى إيوائهم لهم. ونصروهم، النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم؛ أي: أعَانُوهُمْ عَلَى أعدائهم حتى تمكن الإسلام وانْتَشَرَ وفُتحِتْ مَكَّة، وفتحت جميع جزيرة العرب، وانْتَشَرَ بَعْدَ ذلك الإسلام في أقطار الدنيا. ﴿وَالذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوا﴾ والمعنى: إن المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض. فعبَّر عن المهاجرين بلفظ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وعبّر عن الأنصار بـ ﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ لأنهم آووا النبي ﷺ وأصحابه ونصروهم على أعدائهم. ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أصل قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول، فلما دخلت (إن) صار المبتدأ الأول اسمها، والمبتدأ الأخير وخبره خبر (إن) كما هو معروف لا يخفى. هذا معنى ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾. معناه: أن المهاجرين أولياء الأنصار، والأنصار أولياء المهاجرين، فبعض المهاجرين أولياء المهاجرين والأنصار، وبعض الأنصار أولياء
[ ٥ / ٢٠٤ ]
المهاجرين والأنصار، فهم أولياء بعضهم على بعض. وكانت هذه الولاية يتوارثون بها دون غيرهم، وهذه الولاية ولاية نصر ومعاونة ومساعدة وميراث تعم ذلك كله. وهذا معنى قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ الأولياء جمع ولي، والولي: كل مَنْ يَنْعَقِدُ بينك وبينه سبب يجعلك تُوَالِيهِ ويُوَالِيكَ تسميه العرب وليًّا (^١)؛ ولذا كان الله وليّ المؤمنين ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء والمغفرة، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض.
وهذا معنى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ والأولياء جمع الولي، وقد تقرر في فن التصريف أن (الفعيل) بمعنى اسم الفاعل يطرد جمعه على (فُعَلَاء) إلا إذا كان معتل اللام أو مُضَعَّفًا فيقاس جمع تكسيره على (أَفْعِلَاء) (^٢) فمثاله في المعتل: ولي وأولياء، وتقي وأتقياء، وسَخِيّ وأسْخِيَاء، وشَقِيٌّ وأشْقِيَاء، ونَبِيّ وأنْبِيَاء. ومثاله في المضَعَّف: شديد وأشِدَّاء، وحبيب وأحِبَّاء. وما جرى مجرى ذلك.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ التنوين في قوله ﴿بَعْضٍ﴾ تنوين عوض، عوض من الإضافة. أي: بعضهم أولياء بعضهم. فحذف المضاف إليه وعوض منه التنوين، ومعلوم أنَّ مِنْ أقْسَامِ التَّنْوِين ما يسمى «تنوين العِوَضِ» سواء كان عوضًا عن حرف، أو عن كلمة، أو عن جملة كما هو معروف في محله. هذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) راجع ما سبق عد تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ٢٠٥ ]
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا على أقسام: منهم الذين يرجعون إلى قَبَائِلِهِمْ في البادية من الأعراب، ومنهم من يكون في أهل مكة، وهؤلاء الذين في أهل مكة منهم من يُؤْمِن ولم ينزل بين أظهر الكفار اختيارًا كالذي وقع ممن ذكرنا في سورة الأنفال، وهم العاص بن نُبيه، والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن أمية، وأضرابهم الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾. ثم إن الله استثنى منهم المستضعفين الذين لا حيلة لهم فعذرهم فقال: ﴿إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: الآيات ٩٧ - ٩٩]. كان ابن عباس يقول: أنا من المستضعفين من الولدان، وأمي من المستضعفات من النساء (^١). قبل هجرتهم، أما الذين أسلموا ورجعوا إلى ديارهم في البادية كأبي ذر وأمثاله ممن أسلموا، ثم رجعوا ولم يهاجروا، بل بقوا في البادية فهؤلاء لا يرثون إخوانهم المهاجرين، بل يرثهم قبلهم إخوانهم من الأنصار والمهاجرين، وليس لهم في غنيمة المسلمين ولا في خمس الغنائم شيء، إلا أنهم يحكم لهم بحكم الإيمان، وإذا استنصروا المسلمين استنصار دين خاصة فعليهم أن ينصروهم، إلا إذا استنصروهم على مَنْ بَيْنَهُمْ وبينهم مُهَادَنة وعهود كما يأتي تحريره قريبًا إن شاء الله. وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْء﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (٤٥٨٧، ٤٥٨٨)، (٨/ ٢٥٥).
[ ٥ / ٢٠٦ ]
قال بعض العلماء: الولاية المنفيَّة هُنَا هِيَ ولاية الميراث خاصة، وهو مروي عن ابن عباس (^١) وجماعة من الصحابة فمَنْ بَعْدَهُمْ.
وقال بعض العلماء: هي جميع الأنواع: الموالاة من الميراث والمعاونة.
والتحقيق: أنها عامة إلا ما استثني منها وهو النصر الديني خاصة؛ لأن الله استثناه بقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ هذا الذي بقي من ولايتهم مع عدم هجرتهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ وقد بيَّن عذر المستضعفين وعدم عذر الذين كانوا على قدرة وبقوا بين أظهر الكفار المحاربين للنبي ﷺ حتى يهاجروا.
ثم قال: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الاستنصار طلب النصر، وقد تقرر في علم العربية: أن من معاني السين والتاء: الطلب. استغفر: طلب المغفرة، واستطعم: طلب الطعام، واستسقى: طلب السقيا، واستنصر: طلب النصر، ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ﴾ أي: طَلَبُوا نَصْرَكُمْ في الدين.
قوله: ﴿فِي الدِّينِ﴾ يدل على أنهم لو استنصروهم نصر قَوْمِيَّة وعَصَبِيَّة أنهم ليس عليهم أن ينصروهم، وأن المناصرة إنما هي في الدين، فلا مناصرة في العصبيات، ولا في القوميات، ولا في الأراضي الفاسدة، وإنما المناصرة في الله، وفي دين الله (جل وعلا)؛ ولذا قال: ﴿فِي الدِّينِ﴾ والمراد بالدين: دين الإسلام كما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: الآية ١٩]
_________________
(١) ابن جرير (١٤/ ٧٨) من طريق علي بن أبي طلحة.
[ ٥ / ٢٠٧ ]
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: الآية ٨٥]. وقد بيّن النبي ﷺ في حديث جبريل أن الدين شامل للإيمان والإحسان والإسلام حيث سأله عن الإيمان وفسره له، والإسلام وبيّنه له، والإحسان كذلك. ثم قال: «هَذا جِبْرِيل أتَاكم يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (^١). فعلم من قوله: «يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» أن اسم الدين شامل لكل من الإحسان والإسلام والإيمان كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فواجب عليكم نصرهم. أي: إعانتهم الإعانة الدينية لا الإعانة العصبية القومية فذلك لا يكون؛ لأن الإعانات والانتصارات إنما هي في سبيل الله، وعلى كتاب الله، لا في سبيل الشيطان، ولا على سبيل العصبيات وقضايا الجاهلية الأولى كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾ الجار والمجرور في قوله: ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ يتعلق بمحذوف، إلا إن استنصروكم على قوم فلا تنصروهم على قوم بينكم وبينهم ميثاق.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^٢) أن لفظ القوم يختص في الوضع العربي بالذكور دون الإناث، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء﴾ [الحجرات: الآية ١١] فعطفه النساء على القوم في آية الحجرات هذه يدل على أن القوم لا يتناول النساء وضعًا، ومثل الآية الكريمة قول زهير وهو عربي جاهلي قح (^٣):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
وما أدرِي وسَوفَ إخَال أَدْرِي أَقَوَمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِسَاءُ
فعطف النساء على القوم فدل على عدم دخولهن فيهم، وقد دل القرآن العظيم على أن المرأة قد تدخل في اسم القوم بحكم التبع إذا اقترن المقام بما يدل على ذلك، كقوله في ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: الآية ٤٣] وما جرى مجرى ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾.
المراد بالميثاق: المهادنة والمعاهدة، وأصل الميثاق في لغة العرب: العهد المؤكد (^١)، فكل عهد كان مؤكدًا تُسَمِّيهِ العَرَبُ مِيثَاقًا. وعلى هذا فكل مِيثَاقٍ عَهْد، وليس كل عَهْد ميثاقًا. وياء الميثاق مبدلة من واو، ووزنه بالميزان الصرفي (مِفْعَال) وفاؤه واو، وأصله: (موثاق) (^٢) كميعاد من الوعد، وميزان من الوزن، وميثاق من الوثوق؛ ولذا يُصَغَّر على (مُوَيْثيق) لأن التصغير يرد العين إلى أصلها. ويُجمع جمع التكسير على (مواثيق) على القياس. وما سمع عن العرب من تكسيره على (مَيَاثِقَ) كقول عياض بن درة الطائي (^٣):
حِمًى لا يُحَلّ الدهر إلا بإذننَا ولا نسألُ الأقوامَ عقدَ المَيَاثِق
فهو سماع يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأنه اعتد بالعارض هنا على غير القياس. وهذا معنى قوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٦٩) من سورة الأعراف.
(٢) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٢٧٣.
(٣) البيت في الخصائص (٣/ ١٥٧)، اللسان (مادة: وثق) (٣/ ٨٧٦).
[ ٥ / ٢٠٩ ]
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهذا هو الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم الذي كنا نتحدث عنه الآن ونخبر بكثرته في القرآن العظيم لشدة عظم موعظته وزجره لمن كان له قلب. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢].
﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: الآيات ٧٣ - ٧٥].
يقول الله (جل وعلا): ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾. هذه الآية الكريمة من الآيات العظام التي يعتبر بها؛ لأن ما ذكره الله (جل وعلا) فيها وما حذر منه من الفتنة والفساد الكبير إن لم يوال المسلمون بعضهم بعضًا، ويقطعوا موالاة الكفار، ويتركوا الكفار بعضهم يوالي بعضًا، ما حذر به من أنهم إن لم يحافظوا على صدق الموالاة بينهم ومقاطعة أعدائهم تقع في الأرض الفتنة والفساد الكبير، فهو واقع منتشر الآن، يدل على عظم هذا القرآن العظيم وأنه كلام رب العالمين، وأن تحذيره حق، وترغيبه حق، والله في هذه الآيات من أخريات سورة الأنفال بَيَّنَ أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قال في المهاجرين والأنصار: ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ وهم في ذلك الوقت سادات المسلمين جميعًا في أقطار الدنيا؛ لأنهم هم الأغلبية والكثرة التي فيها رَسُول الله ﷺ.
[ ٥ / ٢١٠ ]
ثم أتبع ذلك بأن الكفار بعضهم أولياء بعض، ويُؤخذ من هذا -من قطع الولاية أولًا بين الكفار والمؤمنين- أنه لا يرث كافر مسلمًا ولا مسلم كافرًا؛ لأن الميراث لا بد له من ولاية بين الوارث والموروث، وقد قطع الله الولاية بينهما، وما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة جاء مصرحًا به في الحديث الصحيح عنه (صلوات الله وسلامه عليه) حيث يقول: «لا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ وَلَا المُسْلِمُ الْكَافِرَ» (^١) وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، دل عليه عموم هذه الآيات الكريمة، وصرح به النبي ﷺ. ومن هذه الموالاة قال بعض العلماء (^٢): منها ولاية النكاح، فالمرأة المؤمنة لا يلي عقدها أبوها الكافر؛ لأن الله قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، والله يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: الآية ١٤١] وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب (^٣).
وكذلك قال العلماء: لو كانت كافرة ذمية وأراد مسلم تزويجها ولها ولي ابن عم أو أب من المسلمين فإنه لا يتولى عقد نكاحها ولو للمسلم، لانقطاع الولاية بين الكفار والمسلمين، وإنما يزوجها أقرباؤها من أهل دينها أو أساقفتهم. وشَذَّ في هذه المسألة أصبغ -أحد أصحاب مالك بن أنس ﵀- فقال: إن الكافرة إذا كان لها ولي مسلم يزوجها من مسلم، قال: فعقد المسلم لها خير للمسلم
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، حديث (٦٧٦٤) (١٢/ ٥٠) ومسلم في الفرائض، في فاتحته، حديث رقم: (١٦١٤) (٣/ ١٢٣٣).
(٢) انظر: القرطبي (٨/ ٥٧).
(٣) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٢١١ ]
من عقد الكافر (^١). وهذا القول ليس بصواب؛ لأنه لا ولاية بين مسلم وكافر ألبتة، والكفار بينهم ولاية الكفر، ولاية الشيطان والكفر، كما قال الله: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾.
وهذه الآية تدل على أن الكفار بعضهم ولي بعض، وظاهرها أن الكافر يرث الكافر ولو اختلفت مللهما من الكفر، وبهذا الظاهر تمسك من قال يرث النصراني اليهودي واليهودي النصراني، كما يتوارث غيرهم من أهل الملل. والصواب أنه لا يتوارث أهل ملتين للحديث الوارد في ذلك عن النبي ﷺ «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» (^٢) وهو الأصْوَبُ، وهو أَخَصُّ؛ لأنه يبين المراد بعموم هذه الآية الكريمة.
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ٥٧).
(٢) روى هذا الحديث غير واحد من الصحابة (﵃)، ومنهم:
(٣) جابر بن عبد الله (﵄)، عند الترمذي في الفرائض، باب: لا يتوارث: أهل ملتين، حديث رقم: (٢١٠٨) (٤/ ٤٢٤). وهو في صحيح الترمذي (١٧١٢)، الإرواء (٦/ ١٢١، ١٥٥).
(٤) عبد الله بن عمرو (﵄)، عند أحمد (٢/ ١٧٨، ١٩٥)، وأبي داود في الفرائض، باب. هل يرث المسلم الكافر. حديث رقم: (٢٨٩٤) (٨/ ١٢٢)، وابن ماجه في الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، حديث رقم: (٢٧٢٩) (٢/ ٩١٢)، والدارقطني (٤/ ٧٢، ٧٥)، وابن الجارود (٣/ ٢٣٢). وانظر: صحيح أبي داود (٢٥٢٧) وصحيح ابن ماجه (٢٢٠٧)، الإرواء (٦/ ١٢٠).
(٥) أسامة بن زيد (﵄)، عند الحاكم (٢/ ٢٤٠)، وانظر: الإرواء (٦/ ١٢٠).
(٦) عن الشعبي مرسلًا. عند الدارمي (٢/ ٢٦٧). وساق الدارمي في هذا المعنى جملة من الآثار عن بعض الصحابة (رضي الله تعالى عنهم).
[ ٥ / ٢١٢ ]
وقوله: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ﴾ مبتدأ، و﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ آخر، و﴿أَوْلِيَاء﴾ خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول كما هو واضح. وقد قَدَّمْنَا في هَذِهِ الدروس مرارًا (^١) أن مادة الكاف والفاء والراء (كَفَرَ) أن معناها في لغة العرب التي نزل بها القرآن: السّتْر والتغطية، فكل شيء غطيته وسترته فقد كفرته، وهذا معنى معروف في كلام العرب مشهور مبتذل في كلامهم جدًّا، ومنه سَمَّتِ العَرَبُ اللَّيْلَ كافِرًا؛ لأنه يكفر الأجرام ويغطيها عن العيون بظلامه، ومنه قول لبيد بن ربيعة (﵁) في معلقته (^٢):
حَتَّى إذا أَلقَتْ يَدًا في كَافرٍ وأَجنَّ عَورَاتِ الثغُورِ ظَلَامُهَا
ومن هذا المعنى قول لبيد أيضًا في معلقته هذه (^٣):
يعلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاترٌ في لَيْلَةٍ كَفَرَ النّجُومَ غَمَامُهَا
يعني: ستر النجوم وغَطَّاهَا غَمَامُهَا. هذا أصل المادة، وتكفير السيئات من هذه المادة؛ لأن الله يغطيها ويسترها بحلمه حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها، وإنما قيل للكافر (كافر) لأنه يغطي أدِلَّة التوحيد بجحوده مع وضوحها، ويغطي نعمة الله ويسترها كأنه ليس عليه إنعام من الله حيث يأكل رزقه ويتقلب في نعيمه ويعبد غيره.
وقوله (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ هي (إن) الشرطية أُدْغِمَتْ فِي (لا) النافية. والمقرر في علم العربية: إن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ٢١٣ ]
(إن) الشرطية التي تجزم فعلين إن جاءت بعدها (لا) النافية لا تمنع عملها من الجزم، فهي (إن) الشرطية، وفعل الشرط هو قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ مجزوم بحذف النون، وجزاء الشرط هو قوله: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ والتحقيق: أن (تكن) أنه هنا تام، وأن (فتنة) فاعله، وليس من الأفعال الناقصة الناسخة كما هو الصواب، والضمير في قوله: ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ أما الضمير المرفوع الذي هو الواو فهو عائد إلى النبي ﷺ وأصحابه، وهو يتناول جميع المسلمين إلى يوم القيامة. وأما الضمير المنصوب فهو ضمير الواحد الغائب -أعني الهاء في قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ - فلعلماء التفسير في مرجع هذا الضمير أقوال معروفة (^١) سنذكر طرفًا منها ونبيّن الصواب فيها -إن شاء الله-: قال بعض العلماء: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ راجع إلى الميراث المفهوم من قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ لأنه يدخل فيها ولاية الميراث، إلا تتركوا الكافر يرث الكافر، والمسلم يرث المسلم دون الكافر تكن فتنة. وهذا مروي عن ابن عباس (^٢) وغيره، ومعه أقوال شبهه.
والتحقيق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- أن الضمير -الهاء- في قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ عائد إلى ما ذكره الله (جل وعلا) من ولاية المسلمين بعضهم بعضًا ومقاطعتهم للكفار، وولاية الكفار بعضهم بعضًا، وقد جرت العادة في كلام العرب الذي نزل به القرآن، وفي القرآن العظيم، أنه يرجع الضمير أو ترجع الإشارة إلى أشياء متعددة ويرجع الضمير إليها بصيغة الإفراد (^٣)، كأنه يعني بالضمير
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٦٤١).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٤/ ٨٦) من طريق علي بن أبي طلحة.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة.
[ ٥ / ٢١٤ ]
أي: ما ذكر من الأشياء المتعددة من اثنين فصاعدًا، وهذا موجود في الضمائر، وفي كلام العرب، ولما أنشد رؤبة بن العجاج في رجزه (^١):
فيها خُطوطٌ من سَوادٍ وَبَلَقْ كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
قال له رجل: لِمَ قلت: «كأنَّهُ» إذا كنت تعني الخطوط فالصواب أن تقول: «كأنَّهَا» وإذا كنت تعني السواد والبلق فهلا قلت: «كَأَنَّهُمَا» فأي وجه لقولك: «كأنه»؟ قال: كأنه أي: ما ذُكر. ومِنْ أَصْرَحِ الأدِلَّةِ القرآنية في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِهِ﴾ (به) أي: بجميع ما ذُكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم كما لا نزاع فيه. وهذا معنى معروف في كلام العرب، وقد قدمنا بعض شواهده في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (^٢) أي: بين ذلك المذكور من الفارض والبكر. ومن نظيره في الإشارة قول ابن الزبعرى السهمي (^٣):
إِنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدًى وكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وقَبَل
أي: كلا ذلك المذكور.
والمعنى: إلا تفعلوا ذلك الذي ذكرنا من موالاة بعضكم لبعض موالاة صدق، ومقاطعتكم للكفار مقاطعة كاملة، وترك الكفار يوالي بعضهم بعضًا إلا تفعلوا هذا ﴿تَكُنْ﴾ أي: تقع ﴿فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) راجع الموضع السابق، وكذا ما ذكره عند تفسيره للآية (٦٩) من سورة البقرة.
(٣) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
[ ٥ / ٢١٥ ]
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ وهذا المشاهد الآن، فإن مَنْ يُسَمَّوْنَ بالمسلمين تولوا الكفار وقاطعوا المسلمين، وصار هذا الكافر وهذا المسلم يزعمان أنهما أَخَوَان، وأنهما تجمعهما العصبية الفلانية، أو القومية الفلانية، وأن هذه الدولة الكافرة صديقة، وأن هذين الشعبين شقيقان وما جرى مجرى ذلك.
فلم يفعلوا ما أمر الله بأن يفعلوه فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير. ومن عِظم هذه الفتنة اختلاط الحابل بالنابل؛ لأن المسلمين إذا صادقوا الكفار أعانُوهُمْ عَلَى أَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ وقَتْلهم وكل ما يريدونه بهم، وأطلعوهم على عوراتهم، إلى غير ذلك، فانتشر في الدنيا الفساد العريض العظيم، وانتشرت الفتنة، وهذا مشاهد يجب على المؤْمِنِينَ أنْ يَعْتَبِرُوا بهذا فيقطعوا ولايتهم من جميع الكفار، ويصدقوا ولاية بعضهم لبعض لئلا تتمادى بهم هذه الفتنة والفساد الكبير.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^١) أن الفتنة جاءت في القرآن لمعانٍ معروفة، أشهر معاني الفتنة: أن أصل الفتنة هي وَضْعُ الذَّهَبِ فِي النَّارِ ليُمْتَحَن بسبكه في النار: أخالص هو أم زائف؟ تقول العرب: فتنت هذا الذهب؛ أي: جعلته في النار وأذَبْتُهُ فيها؛ لأنه إذا ذاب تبين أخالص هو أم زائف؟ ولذا صار يأتي في القرآن وفي كلام العرب إطلاق اسم الفتنة على مطلق الوضع في النار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [الذاريات: الآية ١٣] أي: يوضعون فيها ويحرقون. ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى:
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٢١٦ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: الآية ١٠] يعني: أحرقوهم بنار الأخدود. هذا معنى من معاني الفتنة.
ومعناها الثاني: أن الفِتْنَةَ تُطْلَقُ عَلَى الاخْتِبَار، وهذا أَشْهَرُ مَعَانِيها، وهو في الحقيقة راجع إلى الأول؛ لأن وضع الذَّهَبِ فِي النَّارِ ليختبر بالنار أخالص هو أم زائف؟ وإطلاق الفتنة على الاختبار إطلاق مشهور مُسْتَفِيض في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: الآيتان ١٦، ١٧] ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: الآية ٣٥] أي: اختبارًا وامتحانًا. إلى غير ذلك من الآيات.
وإطلاق الفتنة الثالث: تطلق الفتنة على نتيجة الاختبار بِشَرْطِ كَوْنِهَا سَيِّئَة خاصَّة؛ لأن المختبر إذا كانت نتيجة اختباره سيئة كان ضالًاّ؛ ولذا تُطْلَقُ الفِتْنَة على الكفر والضلال، يقولون: فَتَنَه عن دينه؛ أي: أضَلَّهُ. وهذا مفتون؛ أي: ضال في دينه. ومنه بهذا المعنى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: الآية ٣٩] أي: لا يَبْقَى فِي الدنيا شرك على أصح التفسيرين؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ غاية غَيّا فيها القتال لِئَلاّ يكون في الدنيا شرك. وهذا بَيَّنَهُ النبي ﷺ بيانًا صريحًا صحيحًا في قوله: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ» (^١).
قال بعض العلماء: جاء للفتنة إطلاق رابع في سورة الأنعام، وهو أنها أُطلقت على الحجة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتَهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وفي القراءة
_________________
(١) السابق.
[ ٥ / ٢١٧ ]
الأخرى (^١): ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: الآية ٢٣] فهذه الفتنة هي في الحقيقة المعنى الثاني من هذه المعاني التي ذكرنا، وهي نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة؛ لأنه إذا اتَّصَل الكافر بالمسلم، والمسلم بالكافر صار الكافر صديق المسلم، وصار المسلم صديق الكافر، فكل هذا ضلال مخالف لما جاء من الله، تتسبب عنه المحن والبلايا كما هو معروف.
وقوله: ﴿وَفَسَاد﴾ الفساد في لغة العرب هو ضد الإصلاح، فكل أمْرٍ ليس على وجهه الصحيح الذي هو إصلاح تسمية العرب فاسدًا. ووصف هذا الفساد بالكبير؛ لأنه ضياع دين، وضعف إسلام، وقوة كفار، وإطلاعهم على عورات المسلمين بواسطة مَنْ يُصَادِقُهُمْ ويُوَالِيهِمْ من المسلمين، إلى غير ذلك من البلايا. وقد بَيَّنَ الله (جل وعلا) قبل هذا آيات تبيّن هذه الآية، فبيّن أن موالاة الكافر للمسلم لا يرخص منها في شيء إلا بقدر ما يدفع الضرورة عند الخوف، ويكون ذلك باللسان لتفادي الخوف فقط، كما تقدم في قوله: ﴿لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: الآية ٢٨] أي: تخافوا منهم خوفًا كما قاله بعض العلماء. وقد قدمنا أنه (جل وعلا) بَيَّنَ أن الذي يتولى الكفار اختيارًا رَغْبَة فيهم وفي دينهم أنه منهم، كما تقدم في قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: الآية ٥١] فهذه الآيات الكريمة في القُرْآنِ العَظِيمِ، وبالأخص هذه الآية من أخريات سورة الأنفال تُبَيِّنُ لِلْمُسْلِم أنه تجب عليه مقاطعة الكافر والمُبَاعَدَة، منه واعتقاد أنه حرب عليه، وقد
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ٢١٨ ]
جاءت أحاديث كثيرة تُؤَيِّدُ هذا المعنى، ففي بعض الأحاديث في رجل أخذ النبيُّ ﷺ عند إيمانه قال: «وأن لَا تَرَى نَارَ مُشْرِكٍ إلَاّ وأنْتَ حَرْبٌ علَيْهِ» (^١) وفي الحديث الآخر: «لا تَتَرَاءَى نَارُ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ» (^٢)
فالعداوة يلزم أن تكون بين المسلمين
[١٠/أ] والكفار/ [كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾] (^٣) ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: الآية ٤] هذا الذي ينبغي أن يسير عليه المسلمون ويَتَجَنَّبُوا هَذِهِ الفِتَن والفَساد الكبير والبلايا التي طبَّقت الدنيا بسبب مُوَالَاةِ المُسْلِم للكافر ومجافَاة المسلم للمسلم؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير﴾ [الأنفال: الآية ٧٣] والله ما فعلوه اليوم، والله إن في الدنيا اليوم لفتنة وفسادًا كبيرًا منتشرًا.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣٣٠ - ٣٣١)، وابن جرير (١٤/ ٨٢ - ٨٣) عن الزهري مرسلًا.
(٢) لفظ الحديث: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ» .. قالوا: يا رسول الله لم؟! قال: «لا تَرَاءَى نَارُهُمَا» أخرجه أبو داود في الجهاد، باب النَّهْيِ عن قتل مَنِ اعْتَصَمَ بالسجود، حديث رقم: (٢٦٢٨) (٧/ ٣٠٣)، والترمذي في السير، باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، حديث رقم: (١٦٠٤، ١٦٠٥) (٤/ ١٥٥)، والنسائي في القسامة، باب القود بغير حديدة، حديث رقم: (٤٧٨٠) (٨/ ٣٦). وانظر: الإرواء (٥/ ٢٩ - ٣٣)، السلسلة الصحيحة (٢/ ٢٣٠).
(٣) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٥ / ٢١٩ ]
وقد تكون الفتنة والفساد الكبير بأسباب أُخَر غير هذا، وقد تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الأصُول أن جزاء الشرط يجوز أن يكون أعَمّ مِنْ شَرْطِهِ، لا مانع من ذلك، فلا يلزم أنه لا تكون فتنة وفساد كبير إلا مِنْ هَذَا، فقد تكون فتنة وفساد كبير لأسباب أخر، فإنك لو قلت مثلًا: إن بلت انتقض وضُوؤك. لا يلزم من هذا أنه لا ينتقض وضوؤك إلا مِنَ الْبَوْلِ، فَقَدْ تَكُون نواقض أخر غير هذا؛ ولذا قد يوجد الفتنة والفساد الكبير لأسْبَابٍ أُخَر غير هذا المذكور؛ ولذا جاء في السنن وغيرها من حديث أبي حاتم المُزَنِيّ (﵁) وحديث أبي هريرة أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «إذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» في بعض روايات الحديث: «وفَسَاد عَرِيض» وفي بعضها. «وفَسَاد كَبِير». قالوا: يا رَسُول الله وإن كان فيه؟ قال ﷺ: «إذا أتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فأنْكِحُوه إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ عَرِيضٌ» أو «فَسَادٌ كَبِيرٌ» (^١).
_________________
(١) حديث أبي حاتم المزني أخرجه الترمذي في النكاح، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، حديث رقم: (١٠٨٥) (٣/ ٣٨٦)، والبيهقي (٧/ ٨٢)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٥). وانظر: السلسلة الصحيحة (١٠٢٢)، الإرواء (١٨٦٨). وحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي (الموضع السابق) حديث رقم: (١٠٨٤) (٣/ ٣٨٥)، وابن ماجه في النكاح، باب الأكفاء، حديث رقم (١٩٦٧) (١/ ٦٣٢)، والدوري في (جزء فيه قراءات النبي ﷺ) ص ١٠٣ - ١٠٤، والحاكم (٢/ ١٦٤، ١٦٥)، والخطيب (١١/ ٦١). وانظر: الإرواء (٦/ ٢٦٦). تنبيه: ورد في هذا المعنى أيضًا حديث عن ابن عمر (﵄)، وهو في الكامل (٥/ ١٧٢٨) والدولابي في الكنى (٢/ ٢٧).
[ ٥ / ٢٢٠ ]
وهذا أيضًا يدل على أن الفتنة والفساد الكبير تتعدد أسبابها وهو كذلك، فإن للافتتان والفساد الكبير المنتشر في الدنيا أسبابًا كثيرة، ومن أعظم تلك الأسباب وأبرزها: مقاطعة المسلم للمسلم وموالاته للكافر، فهذا مما لا ينبغي، وهو من الأسباب العظيمة؛ لأن الله يقول لنبيه: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: الآية ٩] فاللين للكفار والمحبة والمؤاخاة لهم ليست من شأن المسلمين، ولا مِنْ خُلُقِ النَّبِيِّ وأصحابه، فالله (جل وعلا) أثنى على محمد ﷺ وعلى أصحابه بأنهم لا يضعون اللين إلا في موضع اللين، ولا يضعون القسوة إلا في موضع القسوة، قال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ليسوا بأصدقاء لهم ولا محبين ولا أولياء ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: الآية ٢٩] هذه عادة المسلم أن يكون شديدًا عظيمًا على الكافر، رحيمًا رفيقًا ذليلًا على المسلم، هذه عادة المسلمين وصفات المسلمين، وقد مدح الله بها قومًا في سورة المائدة حيث قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ -يعني لا يهتم بهم المسلمون لعدم صعوبتهم وذلهم وتواضعهم للمسلمين- ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: الآية ٥٤] أشداء، وقد صدق من قال (^١):
فَمَا حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ رَحْلِها أشَدّ عَلَى أعْدَائِهِ مِنْ مُحَمَّدِ
(صلوات الله وسلامه عليه)، فهو لا يوالي الكفار، بل هو ولي المسلمين ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: الآية ٦]
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٩٩) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ٢٢١ ]
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية [المائدة: الآية ٥٥] إلى غير ذلك من الآيات، فيجب علينا الاقتداء بالنبي ﷺ فنوالي المؤمنين ونلين لهم، ونرفق بهم، ونعَادي الكفار ونكون أشداء عليهم؛ لأن الشدة في محل اللين خرق وحمق، واللين في محل الشدة خور وضعف، والصحيح أن يكون كل شيء في محله، وهذا في موضعه، وهذا في موضعه، كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٣].
﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: الآية ٧٤] [شرع] (^١) الله (جل وعلا) وبيّن للمؤمنين أن يكونوا أولياء للمؤمنين، والكفار بيّن أنهم أولياء الكفار، وأثنى على المهاجرين والأنصار؛ لأن بعضهم أولياء بعض، مدح المهاجرين والأنصار وزكاهم وهو المطلع على ضمائرهم وخبايا ما يضمرون، بيّن أن إيمانهم أنه إيمان حق لا شك فيه لا نفاق ولا ضعف، فأثنى عليهم ومدحهم مدحًا عظيمًا من رب العالمين، قال: ﴿والَّذِينَءَامَنُواْ﴾ -بالله ورسوله وكل ما يجب به الإيمان- ﴿وَهَاجَرُوا﴾ -أوطانهم وأموالهم وديارهم- ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فسرناه.
وهذه الصفات كلها يُقصد بها المهاجرون الذين هاجروا إلى المدينة هذه، وهم النبي ﷺ وأصحابه الذين هاجروا معه ﵃.
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٥ / ٢٢٢ ]
﴿وَالَّذِينَ آوَوا﴾ يعني: آووهم، قد قدمنا أن العرب تقول: آواهُ يؤويه إيواء: إذا ضَمَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَ لَهُ مأْوًى يَأْوِي إِلَيْهِ، والمَأْوَى: المَسْكَنُ والمَنْزِلُ؛ لأن الأنْصَار هَيَّئُوا لِلْمُسْلِمِينَ أمكنة ينزلون فيها وهيَّئُوا لهم كل ما يَسْتَعِينُونَ بِهِ، وآخَى النَّبِيّ ﷺ بينهم، كان يقول: «فلان أخُو فلان» فيتوارثان بذلك الإخاء، وكان الأنصار يشاطرونهم أموالهم، وقد آخى ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف الزهري (﵁) وسعد بن الربيع الأنصاري (﵁)، ذكر بعض أهل المغازي والأخبار أن النبي لما آخى بينهما جاء سعد إلى عبد الرحمن وقال: أرخص ما عندي نعلاي، فهذه إحداهما، وأعظم ما عندي زوجتاي أنزل لك عن إحداهما، فإن تمت عدتها تزوجتَها!! -وقد كان عبد الرحمن بن عوف (﵁) وأغلب المهاجرين تعففوا واتجروا- فقال له عبد الرحمن بن عوف: أقرضني درهمًا. فأقرضه درهمًا فاتّجر به، فراح وعنده درهمان، ردّ إليه درهمه واتجر بالثاني، فراح عنده درهمان، ولم يزل يتجر حتى انتشر عليه المال وكان من أغنياء الصحابة (^١) (﵃).
فهم آووهم حيث هيئوا لهم المساكن والأموال، وشاطروهم أموالهم، وأحسنوا إليهم كل الإحسان، كما في قوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع، باب ما جاء في قول الله عز وحل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ﴾ رقم: (٢٠٤٨)، (٤/ ٢٨٨). وطرفه في (٣٧٨٠). عن عبد الرحمن بن عوف (﵁). وأخرجه أيضًا عن أنس (﵁) (الموضع السابق) برقم (٢٠٤٩). وأطرافه في: (٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٣٨٦).
[ ٥ / ٢٢٣ ]
[الحشر: الآية ٩] هذا ثناء الله ومدحه للمهاجرين والأنصار، ثم قال ﴿أُوْلَئِكَ﴾ شاملة للمهاجرين والأنصار معًا، فالمهاجرون هم المعبّر عنهم بـ ﴿آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والأنصار هم المعبّر عنهم بقوله: ﴿آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ أي: آووا النبي وأصحابه ونصرهم على أعدائهم، هؤلاء جميعًا ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ حق إيمانهم حقًّا؛ لأنهم صدقوا إيمانهم بهجرتهم وجهادهم في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وبإيمانهم، وأولئك حققوه بإيوائهم ونصرتهم لله؛ لأن الأنصار قامت موقفًا عظيمًا حيث تحملت عداوة جميع أهل الدنيا في نصرة النبي ﷺ وأصحابه، ولذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ﴾ -هؤلاء- ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ بمعنى الكلمة الإيمان الذي هو لا قيل فيه ولا قال، بل هو الإيمان كما ينبغي.
وهذه من الآيات الدالة على تزكية الصحابة لاسيما المهاجرين والأنصار، ووصفهم بالعدالة وصحة الإيمان، فإذا روى لنا مهاجري أو أنصاري حديثًا فلا نقول: هل هذا عدل أو غير عدل؟ لأنه لا مزكّى أعظم تزكية من الله، ولا تزكية أعظم من قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: الآية ٤] والله (جل وعلا) نوّه بشأن المُهَاجِرِين والأنْصَار الذين اتبعوهم، ونوَّهَ بشأن جميع الصحابة وَزَكَّاهُمْ فِي غَيْرِ ما آية، فمن الآيات التي أثْنَى بها على المهاجرين والأنصار قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: الآية ١٠٠] وفي
[ ٥ / ٢٢٤ ]
قراءة ابن كثير: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (^١) والمصحف الذي أرسله عثمان إلى مكة فيه: ﴿من تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ بذكر لفظة (من) وقراءة الجمهور والمصاحف التي أرسلت إلى الشام وإلى الكوفة والبصرة فيها: ﴿تحتَها الأنهار﴾ بغير لفظة (من). فقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ -لم يشترط فيهم شيئًا، بل قال:- ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: الآية ١٠٠]-وهذه أعظم تزكية، والذين اتبعوهم- اشترط فيهم شرطًا وهو الإحسان؛ لأن قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ اشترطه في خصوص الذين اتبعوهم، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: الآية ١٠] ثم قال: ﴿وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ كلًاّ من جميع الصحابة ممن أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده وعد الله الحسنى.
ومن هذه الآية الكريمة قال ابن حزم: يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الصحابة كلهم في الجنة؛ لأن الله صرح بذلك ولا يخلف الله الميعاد حيث قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ -ثم صرح في الجميع بوعده الصادق الذي لا يخلفه قال:- ﴿وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (^٢). وقال (جل وعلا): ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: الآية ٨] فزكَّاهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ثم ذكر الأنصار قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٨.
(٢) الإحكام ص٦٦٤.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
قَبْلِهِمْ﴾ الدار: هي المدينة ﴿تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ أي: وانتهجوا الإيمان، فهو مفعول فعل محذوف دل المقام عليه (^١) ﴿مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ قال جماعة من أهل العلم: إن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ ولذا كان الأنصار لا يكون في صدورهم شيء من فضل المهاجرين عليهم، هكذا قاله غير واحد (^٢). ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: الآية ٩] ثم ذكر من يأتي بعدهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: الآية ١٠] ومن هذه الآيات أخذ مالك بن أنس (﵀) إمام دار الهجرة أن الذين يسبون بعض أصحاب النبي ﷺ لا نصيب لهم في فَيْءِ المسلمين أبدًا، وقال لبعضهم: هل أنتم من الفقراء المهاجرين الذين أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وأمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله؟ قالوا: لا، لسنا من هؤلاء.
قال: هل أنتم من الذين قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؟ قالوا: لا، لسنا من هؤلاء. قال: وأنا أشهد أنكم لستم من الطائفة الثالثة التي قال الله فيها: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فأنتم تسبّون الصحابة وتلعنونهم، فلستم من جملة مَنْ جَعَلَ الله لهم شيئًا من المسلمين فلا شيء لكم ألبتة (^٣).
وهذه الآيات وأمثالها في القرآن تدل على أن الذين يسبون
_________________
(١) انظر: القرطبي (١٨/ ٢٠).
(٢) انظر: ابن كثير (٤/ ٣٣٧).
(٣) تقدم عند تفسير الآية (٤١) من سورة الأنفال.
[ ٥ / ٢٢٦ ]
بعض أصحاب النبي ﷺ أنهم ضُلَاّل، منابذون لهدْيِ الله، مخالفون لِكتَاب الله الذي هو آخر الكتب السماوية نزولًا من عند رب العالمين (جل وعلا) وهذا معنى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: الآية ٧٤].
قال بعض العلماء: (حقًّا) مصدر (^١)، أي: حق ذلك حقًّا، أي: لما حققوه به من الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ.
﴿لَّهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ المغفرة (مَفعلَة) من الغفران، وأصل مادة الغين والفاء والراء (غفر) أصلها معناها الستر والتغطية أيضًا كَمَادَّةِ (الكُفْرِ) لأَنَّ اللهَ يَسْتُرُ بِحِلْمِهِ وفَضْلِهِ ذنوب التائبين إليه حتى لا يظهر لها أثر يتضررون به (^٢).
﴿وَرِزْقٌ﴾ هو ما يرزقهم الله في الجنة.
وقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ كل شيء حسن مبالغ في الحسن والجمال تسميه العرب كريمًا، وإنما وصف رزقهم بأنه كريم؛ لأن ما في الجنة من الأرزاق كله كريم ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: الآية ٢٥] وأرزاق الجنة مبيّنة في القرآن العظيم من مآكلها ومشاربها وغير ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٤].
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ٨).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأعراف.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: الآية ٧٥].
للعلماء أقوال في المراد بالظرف في قوله: ﴿مِن بَعْدُ﴾ فقوله: ﴿مِن بَعْدُ﴾ ظرف منقطع من الإضافة مبني على الضم، وتقدير مضافه هذا -المحذوف- فيه للعلماء أقوال متقاربة (^١):
قال بعض المحققين: أظهر الأقوال فيه أن المراد به: من بعد صلح الحديبية. وهذا القول له اتجاه لمن عرف تاريخ النبي ﷺ وأصحابه وتاريخ الهجرة وأهميتها؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عنده التشديد العظيم في الهجرة، فلا بد لمن آمن أن يهاجر وإلا لم تكن له ولاية عند المسلمين كما قدمناه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢] لأن البلاد كلها كانت بلاد حرب، والإيمان في المدينة، والذي أسلم إما أن يبقى في دار حرب وإما أن يروح إلى النبي ﷺ والمسلمين، فلما كان صلح الحديبية -وقد كان صلح الحديبية وقع في ذي القعدة من عام ست من الهجرة بإجماع المؤرخين- خرج النبي ﷺ معتمرًا، وساق معه بعض البُدن، وذلك في ذي القعدة من عام ست، فلما بلغ الحديبية سمع به المشركون فتعرضوا له، وقالوا: والله لا يقتل أبناءنا ببدر ويدخل علينا بلدنا ويطوف ببيتنا أبدًا!! فوقع ما وقع مما هو مشهور. ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: الآية ٢٥]
_________________
(١) انظر: القرطبي (٨/ ٨).
[ ٥ / ٢٢٨ ]
أي: وصدوا الهدي مَعْكُوفًا أن يَبْلُغَ مَحله، وقد نزلت في قفوله من الحديبية سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١)﴾ [الفتح: الآية ١] نزلت في رجوعه من الحديبية كما قاله غير واحد، وقد وقع ما وقع، ولم يزالوا يراسلونه ليردوه عنهم، أرسلوا له عروة بن مسعود سيد ثقيف، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وأضرابهم، حتى انعقد بينه وبينهم الصلح على يد سُهَيْلِ بن عَمْرو على المهادنة عشر سنين، وأغلظوا له في الصلح بأَنَّ مَنْ جَاءَهُ مِنْ قُرَيْش مسلمًا رده إليهم، والذي جاء إلى قريش مرتدًّا عن الإسلام لا يردونه، وهذا معروف.
وقد كان النبي ﷺ قَبِلَ لهم هذه الشروط، وكتب وثيقة الصلح بينه وبينهم، وعقدها معه سهيل بن عمرو العامِرِي (﵁) -من بني عامر بن فهر من قريش (﵃) - وكان عمر بن الخطاب (﵁) اغْتَاظَ مِنْ تَغْلِيظِ هَذِهِ الشروط، وقال: يا رَسُول الله، ألَسْنَا على الحق؟ ألَسْنَا نحن الذين على الحق؟ كيف نرضى لهم بهذه الدنية؟! وأبو بكر يقول له: استمسك بغرز رَسُول الله ﷺ فهو أعلم منك. وكان هذا الصلح أول الفتح العظيم الذي فتح الله به على المسلمين؛ لأن النبي ﷺ يعلم ما فيه من المصْلَحة؛ لأنه لما وقعت الهجرة والمهادنة، وأمن الناس بعضهم بعضًا صار الصحابة يرجعون إلى قبائلهم ويبثون فيهم الإسلام، فانتشر في الناس دين الإسلام، حتى إن الكفار مكثوا سنتين لم ينقضوا العهد، وقد نقضوا العهد الذي أبْرَمَهُ النبي ﷺ معهم في الحديبية؛ لأن بني بكر كانت بينهم وبين خزاعة دماء وحروب، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ، وبنو بكر في عهد قريش،
[ ٥ / ٢٢٩ ]
فَعَدَت بنو بكر على خزاعة، فأعانهم قريش عليهم بالسلاح، ونقضوا العهد بعد سنتين، وكان ذلك سبب غزوة النبي ﷺ لهم غزوة الفتح، ولم يمكثوا إلا سنتين؛ لأن صلح الحديبية وقع من ذي القعدة عام ست، وغزو النبي ﷺ لهم في فتح مكة وقع في رمضان عام ثمان، وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء والمؤرخين، فأقاموا سنتين، ونقضوا العهود، إلا أن هذا الصلح كان فتحًا عظيمًا على المسلمين؛ لأن الصحابة انتشروا في قبائلهم، ووجدت الدعوة إلى الله طريقها، فاتصل المسلم بالكافر يدعوه إلى الإسلام، فكثر الإسلام في أقطار الجزيرة العربية، ومما يوضح هذا أن أهل بيعة الرضوان التي وقعت في صلح الحديبية، الذين بايعوه تحت شجرة الحديبية -لأن النبي ﷺ ذكر بعض أصحاب المغازي والمؤرخين أنه أراد أن يرسل بالهدايا إلى مكة-، وقال لعمر بن الخطاب (﵁): «اذْهَبْ بِهَا إِلَى مَكَّةَ».
فقال له عمر: إن بني عدي بن كعب -يعني قبيلة عمر من قريش- لا يستطيعون أن يحموني من قريش، ولكني أدّلك على رجل عزيز في مكة لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، وهو عثمان بن عفان (﵁)، وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. فأرسل عثمان بالهدايا لينحرها بالحرم، فتلقى له بنو عمه من بني سعيد بن العاص، وقالوا له (^١):
أَقبِلْ وأدبِرْ ولا تَخَفْ أحدًا بَنُو سَعِيدٍ أَعِزَّةَ الحَرَمِ
وجاء، وقالوا له: إن شئت طُف بالبيت. فقال: والله لا أطوف
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
ببيت مصدود عنه النبي ﷺ وهو محرم (^١)، وكان هذا مما يدل على شرف عثمان (﵁) لأنه امتنع أن يطوف؛ لأن رَسُول الله ﷺ ممنوع من الطواف وهو محرم. ثم إن قائلًا قال: إن قريشًا قتلوا عثمان بن عفان -وهو كاذب- فسمع بها المسلمون فقالوا: قُتِلَ عثمان!! قالوا: لما قتلوا عثمان ما هنالك إلا القتال والموت!! فبايعوه بيعة الرضوان تحت سمرة الحديبية، وهي الشجرة التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: الآية ١٨] ومحل الشاهد من هذه القصة، وأن صلح الحديبية كان أول فتح على المسلمين، وأول انتشار للإسلام، أن أهل بيعة الرضوان كانوا ألفًا وأربعمائة تقريبًا، كما ثَبَتَ ذَلِكَ صَحِيحًا عن بعض أصحاب النبي ﷺ، ولما غَزَا فتح مكة غزاه بآلاف متعددة، غزاه بعشرة آلاف مقاتل، فدل هذا على أن هذه العشرة الآلاف كانت من مزايا صلح الحديبية حيث وجدت الدعوة طريقها، واتصل المسلمون بالكفار فَدَعَوْهُمْ إلى الإسلام فانتشر الإسلام في المسلمين؛ ولذا كانت الهجرة بعد صلح الحديبية أقل عظمًا وأخف وقعًا مما كانت قبل ذلك؛ لأنه في ذلك الوقت جازت مخالطة المسلم لقبيلته ليدعوهم إلى الإسلام، فخف شأن الهجرة من ذلك الوقت؛ لأنها كاد الله أن يُغني عنها، فلما غزا النبي ﷺ مكة في رمضان من سنة ثمان، وفتح مكة، قال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (^٢). وهذه الهجرة انقطعت بالفتح وخفت بالحديبية؛ ولذا قال فيه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ﴾ أي: بعد أن خف
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٢) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (٧٢) من هذه السورة.
[ ٥ / ٢٣١ ]
شأن الهجرة بصلح الحديبية، واتصل المسلمون بالكفار، وانتشر المسلمون في أقطار الجزيرة العربية، وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٥] قبل فتح مكة وبعد صلح الحديبية، كما قاله بعض العلماء.
﴿فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ﴾ معكم وينالهم الفضل العظيم، وإن كان شرف الأسبقية لا يناله من جاء بعدهم كما قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: الآية ١٠].
﴿فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ﴾ أي: هم من جملتكم وإن كان بعضكم أفضل من بعض.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ (أولوا الأرحام) معناه: أصحاب الأرحام، وهم ذوو القرابات. و(أولوا) اسم جمع لا واحد له من لفظه، هو يُعرب إعراب الجمع المذكر السالم، يرفع بالواو وينصب ويخفض بالياء، وهو من الأسماء الملازمة للإضافة. والأرحام: جمع رحم، والرحم مؤنثة، وشذ قوم هنا وقالوا: إن المراد بها أرحام العصبات خاصة، وممن نصر هذا القول: أبو عبد الله القُرْطُبِي في تفسيره (^١). وهو ليس بصواب، وما استدلوا به في ذلك لا ينهض حجة؛ لأنهم قالوا: إن العرب كثيرًا ما تُطلق الرحم على قرابة العصبات دون قرابات غيرهم، قالوا: تقول العرب: وصلتك رحم. يعنون به رحم العصبات لا غيرها. وقالت قتيلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث في رجزها المشهور لما قتل
_________________
(١) تفسير القرطبي (٨/ ٨).
[ ٥ / ٢٣٢ ]
النبي ﷺ النضر بن الحارث في رجوعه من بدر -كما أوضحنا قصته في أول هذه السورة الكريمة سورة الأنفال- قالت في شعرها، تقول (^١):
ظَلَّتْ سُيوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ للهِ أَرْحَامٌ هُناكَ تشقَّقُ
فصرحت بأن مرادها بالأرحام بنو الأب، يعني مِنْ بَنِي عَمِّهِ وعَصَبَتِهِ. وهذا يجوز، ولكنه لا ينفي غَيْرَهُ مِنْ إِطْلاق ذوي الأرحام على جميع القَرَابَات (^٢). وهذه الآية ثبت في الصحيح وغيره -ولا يكاد يُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ العُلَمَاءِ- أنها نسخت للموارثة التي كانت تقع بالهجرة والمؤاخاة والحلف؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة ولا يرث القريب من قريبه شيئًا إذا كان لم يهاجر، كما تقدم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢] وأن الله نسخ ذلك بالقرابات، وأن المراد: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ أي: أصحاب القرابات من قرابة الأب والأم، بعضهم أولى ببعض في الميراث؛ أي: من المهاجرين الذين آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار كما هو معروف، فنسخ الله ذلك الميراث أولًا بميراث القريب قريبه، والولي وليه.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ أي: في الميراث.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال بعض العلماء: المراد بكتاب الله أي: في حكم الله وأمره الذي كلف به خلقه وألزمهم إياه، والعرب كل شيء
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢) من سورة الأنفال.
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٤١٨).
[ ٥ / ٢٣٣ ]
مكتوب مؤكد تسميه كتاب الله.
[١٠/ب] / وقال بعض العلماء: كتاب الله: هو اللوح المحفوظ لأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ (^١) كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَاّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [الأحزاب: الآية ٦] فآية الأحزاب كأنها بَيَّنَتْ آيَةَ الأنفال هذه، وقال بعض العلماء: المراد بكتاب الله: القرآن؛ لأن الله بيّن المواريث في كتاب الله في القرآن في سورة النساء بيّنها بآية الصيف وآية الشتاء، فآية الشتاء هي: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: الآية ١١] إلى آخر الآيات، وآية الصيف هي التي في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: الآية ١٧٦].
وقد قدمنا (^٢) أن الكتاب بمعنى المَكْتُوب، وأن إِتْيَان (الفِعَال) بمعنى (المفْعُول) مسموع في كلام العرب موجود في أوْزَان مَعْرُوفة، كَكِتَاب بمعنى مكتوب، ولباس بمعنى ملبوس، وإله بمعنى مألوه، أي: معبود، وإمام بمعنى مُؤتم به. وقد قَدَّمْنَا (^٣) أن مادة الكاف والتاء والباء في لغة العرب (كَتب) أن معنى هذه المادة في اللغة التي نزل بها القرآن معنى (كتب): ضم وجمع، فالكَتْب في لغة العرب معناه: الضم والجمع، وكل شيء ضممته وجمعت بعضه إلى بعض فقد كتبته، ومنه سميت الكتيبة من الجيش؛ لأنها قطعة عظيمة ضُمَّ بعضها إلى بعض، وجُمع بعضها مع بعض،
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٤/ ٩٠).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٥ / ٢٣٤ ]
حتى صارت جملة عظيمة من الجيش، ومنه قول نابغة ذبيان (^١):
ولا عَيبَ فيهم غَيرَ أن سُيُوفَهم بهنَّ فُلُولٌ من قِراعِ الكَتَائِبِ
ومن هذا المعنى سُمِّيَت الكتابة كتابة؛ لأنك تضم نقش حرف إلى حرف إلى حرف حتى يتألف من مجموع هذا نقوش تُقْرأ بها ألفاظ؛ ولأجل هذا قيل للخياطة (كَتْب) فالخياط يسمى كاتبًا؛ لأنه يضم أطراف الأديم بعضها إلى بعض، وأطراف الثوب بعضها إلى بعض فيخيطها، فالخياطون كُتّاب، وفي لُغَز الحريري (^٢):
وكَاتِبِينَ وما خَطَّتْ أَنَامِلُهم حرفًا ولا قرءوا ما خُطَّ في الكُتبِ
يعني: الخياطين، ومنه قيل للسير الذي تُشد به الرقعة في السقاء: كُتْبة، وقيل لنفس الرقعة كُتبة؛ لأنها تضم في السقاء يُرقع بها، ومنه قول غيلان بن عقبة ذي الرمة (^٣):
ما بَالُ عَيْنَيْكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ كأنَّهُ مِنْ كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ
وفْرَاءَ غَرْفِيَّة أَثْأَى خَوَارِزَهَا مُشَلْشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
يعني: ماء يسيل ضيعته الرقع والسيور المشدودة بها الرقع في السقاء يسيل منها، شبَّه دمعه به. ومن تسمية الخياطين (كتَّابين) قول ابن دارة يهجو فزارة (^٤):
_________________
(١) السابق.
(٢) تقدم هذا الشاهد عد تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٣) تقدم هذا الشاهد في الموضع السابق.
(٤) تقدم هذا الشاهد في الموضع السابق.
[ ٥ / ٢٣٥ ]
لا تأْمَنَنَّ فَزَاريًّا خَلوتَ به على قَلُوصِكَ واكْتُبها بأسْيَارِ
يعني: خِط فرجها بأسيار لئلا يزني بها. هذا أصل معنى الكتابة.
وجمهور العلماء على أن معنى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حُكْمِ اللهِ الذي هو حكمه الذي استقر عليه أمره، أن الميراث بالرحم والقرابات لا بالهجرة والمؤاخاة، فهذا نسخ هذا كما هو الذي عليه جمهور العلماء ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٥].
اختلف العلماء في المراد بـ ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ في هذه الآية (^١)، فذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بأولي الأرحام هم خصوص الذين أعطاهم الله مواريث من عصبات، أو أصحاب فروض، وأن هذه الآية بينتها آيات المواريث، وأن من لم يبيّن الله له نصيبًا في كتابه لا شيء له ولا يدخل في هذا، وهذا قال به جماعة من العلماء، وممن ذهب إليه: مالك والشافعي (﵏)، قالوا: لا ميراث إلا لمن سمّى الله له شيئًا، والمراد بـ (أولوا الأرحام) هذا مجمل بيّنته آيات المواريث، فلا ميراث لمن لم يجعل الله له سهمًا. ومن أصرح أدلتهم في هذا حديث: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (^٢)
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٤/ ٩٠)، القرطبي (٨/ ٨)، المغني (٩/ ٨٢)، ابن كثير (٢/ ٣٣٠)، الأضواء (٢/ ٤١٨).
(٢) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة (﵃)، ومنهم:
(٣) أبو أمامة (﵁)، عند أحمد (٥/ ٢٦٧) وأبي داود في الوصايا، باب: ما جاه في الوصية للوارث. حديث رقم: (٢٨٥٣) (٨/ ٧٢)، والترمذي في الوصايا، باب ما جاء: «لا وصية لوارث». حديث رقم: (٢١٢٠) (٤/ ٤٣٣)، وابن ماجه في الوصايا، باب: لا وصية لوارث، حديث رقم: (٢٧١٣) (٢/ ٩٠٥)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤)، والطيالسي (١١٢٧). وانظر التلخيص (٣/ ٩٢) وحسَّن الحافظ إسناده، ونصب الراية (٤/ ٤٠٣)، والإرواء (٦/ ٨٨).
(٤) عمرو بن خارجة (﵁)، عند أحمد (٤/ ١٨٦، ١٨٧، ٢٣٨ - ٢٣٩)، والدارمي (٢/ ٣٠٢) والترمذي في الوصايا، باب ما جاء: «لا وصية لوارث». حديث رقم: (٢١٢١) (٤/ ٤٣٤) وابن ماجه في الوصايا، باب: لا وصية لوارث. حديث رقم: (٢٧١٢) (٢/ ٩٠٥)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤)، والطيالسي (١٢١٧)، والدارقطني (٤/ ١٥٢). وانظر: التلخيص (٣/ ٩٢)، نصب الراية (٤/ ٤٠٣)، الإرواء (٦/ ٨٨).
(٥) أنس بن مالك (﵁)، عند ابن ماجه في الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث رقم: (٢٧١٤) (٢/ ٩٠٦)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٧٥). وانظر: التلخيص (٣/ ٩٢)، نصب الراية (٤/ ٤٠٤)، الإرواء (٦/ ٨٩).
(٦) ابن عباس (﵄) (بلفظ مقارب) عند البيهقي (٦/ ٢٦٣)، الدارقطني (٤/ ٩٧، ٩٨، ١٥٢)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٠٧)، (٤/ ١٥٧٠). وانظر: التلخيص (٣/ ٩٢) (وحسن إسناده)، ونصب الراية (٤/ ٤٠٤)، الإرواء (٦/ ٨٩، ٩٦).
(٧) جابر بن عبد الله (﵄). عند الدارقطني (٤/ ٩٧)، وقال: «الصواب: مرسل» اهـ وابن عدي في الكامل (١/ ٢٠٢). وانظر: التلخيص: (٣/ ٩٢)، نصب الراية (٤/ ٤٠٤)، الإرواء (٦/ ٩٢).
(٨) علي بن أبي طالب (﵁) (بلفظ مقارب) عند الدارقطني (٤/ ٩٧)، والبيهقي (٦/ ٢٦٧)، وابن عدي (٧/ ٢٥١١). وانظر: التلخيص (وضعف إسناده) (٣/ ٩٢)، نصب الراية (٤/ ٤٠٥)، الإرواء (٦/ ٩٤).
(٩) عبد الله بن عمرو (﵄) عند الدارقطني (٤/ ٩٨)، وابن عدي (٢/ ٨١٧). وانظر: التلخيص (٢/ ٩٢)، نصب الراية (٤/ ٤٠٤)، الإرواء (٦/ ٩١، ٩٧).
(١٠) معقل بن يسار (﵁)، عند ابن عدي (٥/ ١٨٥٣). وانظر: التلخيص (٣/ ٩٨).
(١١) زيد بن أرقم والبراء (﵄). عند ابن عدي (٦/ ٢٣٤٩). وانظر: نصب الراية (٤/ ٤٠٥).
(١٢) مجاهد (مرسلًا) عند البيهقي (٦/ ٢٦٤). وانظر: التلخيص (٣/ ٩٦).
(١٣) جعفر بن محمد عن أبيه (مرسلًا) عند الدارقطني (٤/ ١٥٢).
[ ٥ / ٢٣٦ ]
قالوا: هذا الحديث فيه كلام معروف، والتحقيق أنه لا يقل عن درجة الاحتجاج، بيّن النبي فيه أن الله أعطى كل ذي حق حَقَّهُ، قالوا: نص هذا الحديث على أنَّهُ مَا بَقِيَ لصاحب حقٍّ حَقٌّ أبدًا إلا أعطاه الله إيَّاهُ، فالَّذِي لم يُسَمَّ لَهُ حق فليس له شيء، وهذا معروف، وممن ذَهَب إلى هذا من الأئمة: مالك والشافعي.
وقالت جماعة آخرون: المراد بأولي الأرحام: مَنْ لا مِيرَاثَ لهم بفرض ولا تعصيب، وأنهم يرثون من لا وارث له، واستدلوا بهذه الآية الكريمة وبأحاديث أُخر، منها ما هو ثابت في ميراث الخال، ومنها بعض جاء في ميراث العَمَّة والخالة، والذين قالوا هذا قالوا: إن هؤلاء يصدق عليهم (أولو الأرحام) بالوَضْعِ العَرَبِيّ، فلا
[ ٥ / ٢٣٨ ]
يجوز إخراجهم منه، قالوا: ولأنَّهُمْ من جملة المسلمين، وهم يزيدون بقرابة، ولو فَرَضْنَا أنه لبيت المال كان لخصوص المُسْلِمِينَ، فمن أدلى بسببين وهما الإسلام والقرابة أولى ممن يُدْلِي بسبب واحد وهو الإسلام. والذين قالوا هذا قالوا: إن المراد بأولي الأرحام مَنْ لَا فَرْضَ لهُمْ فِي كِتَابِ اللهِ ولَيْسُوا بعصبة، وهم أحد عشر حيّزا معروفة عند العلماء، وممن قال بتوريث أولي الأرحام بهذا المعنى: الإمام أبو حنيفة -﵀- وأحمد بن حنبل -﵀- وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
والذين قالوا بتوريث أولي الأرحام معروف أنهم اختلفوا في كيفية توريثهم اختلافًا متشعبًا يرجع إلى أمرين (^١):
أحدهما: قَوْلُ مَنْ يقال لهم: أصحاب التَّنْزِيل.
والثاني: قول من يُسمون بأصحاب القرابات.
وأصحاب التنزيل: هم الذين من على مذهبهم أحمد بن حنبل وأصحابه. وأصحاب القرابات: هم الذين مشى عليهم أبو حنيفة وأصحابه، والذين قالوا بالتنزيل قالوا: إن كل واحد من أولي الأرحام يُنَزَّل منزلة من يدلي به، فيُعطى ميراث من يدلي به، فإذا كان واحدًا أخذ جميع المال، وإذا كانوا جماعة وكانوا نازلين قُرّبُوا درجة درجة ثم نُظر جميع من يدلون به وعُرف ميراث كل واحد منهم فأُعْطِيَ كل واحد منهم نصيب من يدلي به، وهذا معروف، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد.
_________________
(١) انظر: المغني (٩/ ٨٥)، الأضواء (٢/ ٤٢٤).
[ ٥ / ٢٣٩ ]
وأما أصحاب القرابات الذين ذهب إلى مذهبهم أبو حنيفة (﵀) فهم يعملون بالأقرب فالأقرب، قالوا: ما دام أبو الإنسان يوجد شيء من أولاده كأولاد بناته وأبناء بناتهم ونحو ذلك لا يعطى شيء يدلي بجده ويعطى بنو جد دنيه قبل الجد الذي فوقه وهكذا، ولم يزل يُعطى من يدلي بمن هو أقرب ثم من هو أقرب حتى ينتهي الأمر في ذلك. وتفاصيل مذاهبهم معروفة في فروعهم، رحم الله الجميع.
[ ٥ / ٢٤٠ ]