قوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١ - ٣] قد تَكَلَّمنا فيما مضى مرارًا على الحروف المقطعة في أوائل السور، وذكرنا كلام العلماء فيها، وسَنُلِمُّ هنا ببعض قليل منه. رُوي عن ابن عباس وغيره أن قوله: ﴿المص (١)﴾: أنا الله أَفْصِل (^١). كما روى عنه: «أنا الله أعلم» (^٢) في ﴿الم﴾.
ورُوي عن جماعة أن الألف واللام والميم والصاد أنها من أول اسمه المُصوِّر (^٣)؛ لأن اسمه المُصوِّر تحته غرائب وعجائب تُبْهِر
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٢/ ٢٩٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ١٢٠، والنحاس في القطع والائتناف ص ١١١، وإسناده ضعيف وعزاه السيوطي في الدر (٣/ ٦٧) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وأبي مردويه.
(٢) أخرجه ابن جرير (١/ ٢٠٧)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٧)، والنحاس في القطع والائتناف ص ١١٠ - ١١١، وإسناده ضعيف، وعزاه في الدر (١/ ٢٢) إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) انظر: ابن جرير (١٢/ ٢٩٣).
[ ٣ / ٥ ]
العقول، إذا رأيتم الناس يوم جمرة العقبة مجتمعة من أقطار الدنيا وجدتموها على صَبَّة واحدة: الأنف ها هنا، والعينان ها هنا، والفم ها هنا، على نمط وأسلوب واحد، مع أنه لم تشتبه صورة رجل بصورة رجل حتى لا يُفرَق بينهما، ولا صورة امرأة بصورة امرأة، فكل منهم له صورة يُطبع عليها، سابق علم الله بها، مُنفَّذ في تصويره بها. وهذا مما يدل على كمال وعظمة خالق السماوات والأرض.
ولكن تفسير الحروف المقطعة بأنها تدل على حروف من أسماء الله، هذا التفسير وإن قال به بعض أهل العلم، وإن كان له أصل في الجملة في اللغة العربية؛ لأن من أساليبها: وضع الحرف مرادًا به الكلمة، كما قال الراجز (^١):
قُلْتُ لهَا: قِفِي فَقَالَتْ لِي: قَافْ لَا تَحْسَبِي أنَّا نَسِينَا الإِيجافْ
يعني بقوله: «قاف» وقفت. ومنه قول الآخر (^٢):
بِالخَيْرِ خَيْرَاتٌ وَإِنْ شَرًّا فَا وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَاّ أَنْ تَا
يعني: وإن شرًّا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فجاءوا بالحرف واستغنوا عن الكلمة.
لكن هذا التفسير لم يقم عليه دليل، ولا يجب الرجوع إليه. وقد يفتح باب هذا التفسير للباطنية الزنادقة حيث يفسرون الكلام برموز وألغاز غير مرادة.
_________________
(١) البيت للوليد بن عقبة. وهو في ابن جرير (١/ ٢١٢)، تأويل مشكل القرآن ص٣٠٨.
(٢) البيت لتميم بن أوس. وهو في ابن جرير (١/ ٢١٣)، الكتاب لسيبويه (٣/ ٣٢١).
[ ٣ / ٦ ]
وقال بعض العلماء (^١): إن معنى قوله: ﴿المص (١)﴾ أنه اسم لهذه السورة. وبعضهم يقول (^٢): اسم من أسماء الله.
وبعضهم يقول (^٣): هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.
وأظهر أقوال العلماء فيها -مع كثرتها وانتشارها أظهرها- قول واحد؛ لأنه دل عليه استقراء القرآن في الجملة، وما دل عليه استقراء القرآن فهو أقرب من غيره. والقول الذي دل عليه استقراء القرآن هو قول بعض العلماء: إن المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور: إظهار إعجاز القرآن، فكأن الله يقول للبشر: ﴿المص (١)﴾ هذه حروف من الحروف المتداولة بين أيديكم تركبون منها كلامكم، فلو كان هذا الكلام من عند غير الله وهو مُؤلَّف من حروفكم المتداولة بين أيديكم لكنتم تقدرون على تأليف مثله، فَلِما عَجَزْتُم عن تأْلِيف مثله وهو من الحروف المعْرُوفة لَدَيْكُمْ مركب منها، عرفنا بذلك أنه تنزيل من حكيم حميد لا مِنَ البَشَرِ.
ووجه الاستقراء الذي دل على هذا القول: أن الله في جميع القرآن في جميع السور المبدوءة بحروف مقطعة لم تُذكر منها سورة واحدة إلا وجاء بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من شأنه، فدل هذا على هذا، ولم يخلُ من هذا في سائر القرآن إلا سورتان: سورة مريم، وسورة القلم، أما غير ذلك فلا تُذكر الحروف المقطعة إلا ذُكر بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من أمرهِ. قال في البقرة: ﴿الم (١)﴾ فأتبعه بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١/ ٢٠٦).
(٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٠٦)، (١٢/ ٢٩٣).
(٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٠٩).
[ ٣ / ٧ ]
لِّلْمُتَّقِين (٢)﴾ [البقرة: الآيتان ١، ٢] وقال في آل عمران: ﴿الم (١) الله لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ فأتبعه بقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، [آل عمران: الآيات ١ - ٣] وقال هنا في الأعراف: ﴿المص (١)﴾ ثم أتبعه بقوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: الآيتان ١، ٢] وقال في سورة يونس: ﴿الر﴾ ثم أتبعه بقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: آية ١] وقال في سورة يوسف: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين﴾ [يوسف: آية ١] وقال في الرعد: ﴿المر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ﴾ الآية [الرعد: آية ١]، وقال في سورة الخليل: ﴿الَر﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: آية ١]، وقال في سورة الحجر: ﴿الَر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: آية ١] وهكذا في سائر القرآن إلا في سورة مريم والقلم؛ حيث أتبع الحروف المقطعة في سورة مريم في قوله: ﴿كهيعص (١)﴾ بقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ [مريم: الآيتان ١، ٢] وقال في القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: آية ١] مع أن هذه يُحتمل أن المراد بـ ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ هو هذا القرآن العظيم؛ لأنه أعظم ما يُسطر، فيكون في مريم فقط.
وقوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [لأعراف: الآية ٢] أكثر العلماء على أن الكتاب خبر مبتدأ محذوف (^١)، وحذف المسند إليه إذا دل المقام عليه نوع من الإيجاز معروف مقبول في النحو وفي المعاني، لا اختلاف فيه، وهذا هو الأظهر، أن قوله: ﴿كِتابٌ﴾ خبر مبتدأ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٢٩٥)، الدر المصون (٥/ ٢٤١).
[ ٣ / ٨ ]
محذوف: هذا كتاب أُنزل إليك. خلافًا لمن زعم أن ﴿المص (١)﴾ اسم لهذه السورة، وأنه في محل مبتدأ، وأن ﴿كِتَابٌ﴾ خبره (^١)، والمعنى: السورة المسماة ﴿المص (١)﴾ كتاب أُنزل إليك. والقرآن يطلق على كل سورة منه أنها كتاب وأنه كتب عديدة؛ لأنه مكتوب في صحف كثيرة، كما بينه تعالى في سورة البينة حيث قال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة: الآيتان ٢، ٣] فعبر عن القرآن بأنه كتب قيمة. ولكن الأظهر هو ما عليه الجمهور: أن قوله: ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف: هذا كتاب. والكتاب (فِعال) بمعنى: (مفعول) والمعنى: كلام الله مكتوب، فالكتاب بمعنى المكتوب. وإنما قيل له كتاب: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال الله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: الآيتان ٢١، ٢٢] ومكتوب في صحف بأيدي الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ [عبس: الآيتان ١٣ - ١٥] وكون الكتاب بمعنى المكتوب هو (فِعَال) بمعنى (مفعول).
والقرآن وإن كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ فنزوله على النبي ﷺ ليس أن جبريل ينظر في اللوح المحفوظ (^٢)، بل الله (جل وعلا) يكلم جبريل بما يريد إنزاله من أنجم القرآن، فيسمعه جبريل من كلام الله على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله. وإذا تكلم الله
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ١٦٠)، الدر المصون (٥/ ٢٤١).
(٢) للشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- رسالة بعنوان: (الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم) رد فيها على مَنْ زَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ (﵇) أخَذَ القُرْآنَ من اللوح المحفوظ، وقد طُبعت مُسْتَقِلَّة، كما أنها ضمن المجموع في فتاواه (١/ ٢١٤).
[ ٣ / ٩ ]
بوحيه صعق أهل السماوات من عظمة كلام رب العالمين (جل وعلا) كما جاء مبينًا في الأحاديث الصحيحة (^١)، وأول من يرفع رأسه منهم جبريل، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعه جبريل من كلام رب العالمين، يتكلم به الله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، المخالف لكلام خلقه من جميع الجهات، ثم يأتي جبريل فيكلم به الرسول ﷺ. وأنواع الوحي بَيَّنَهَا النبي ﷺ في الأحاديث بكثرة.
ولما كان هذا القرآن مكتوبًا في اللوح المحفوظ، وفي الكتب عند الملائكة سُمِّي الكِتَاب. وقال الله فيه هنا: ﴿كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيكَ﴾ والكتاب (فِعَال) بمعنى (مفعول)، أي: مكتوب، وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفعول) مسموع في كلام العرب وليس قياسًا مُطَّرِدًا، وتوجد في العربية منه أوزان معروفة، ككتاب بمعنى: مكتوب، وإله بمعنى: مألوه، أي: معبود، ولباس بمعنى: ملبوس، وإمام بمعنى: مؤتم به. فكلها (فِعَال) بمعنى اسم المفعول.
وأصل مادة الكاف والتاء والباء (كتب) في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناها الضم والجمع (^٢)، فكل شيء ضممت بعض أجزائه إلى بعض فقد كَتَبْتَهُ، ومنه قيل للكبكبة من الجيش: (كتيبة) لأنها طائفة من الجيش جُمع بعض أطرافها إلى
_________________
(١) من حديث النواس بن سمعان، وابن مسعود، وأبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ وقد جاء عن ابن عباس، والضحاك، والشعبي مختصرًا. كما جاء عن ابن مسعود موقوفًا. وقد خرجت جميع هذه الروايات في الدراسة التي وضعتها على مناهل العرفان (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، فراجعه إن شئت.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٠ ]
بعض، كما قال نابغة ذبيان (^١):
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
ولذلك قيل للخياطين: (كاتبين) فالعرب تسمي الخائط كاتبًا، وتسمي الخياطة كتابة؛ لأن الخياط يضم أطراف الثوب بعضها إلى بعض، وكذلك الخَرَّاز تسميه العرب كاتبًا؛ لأنه يضم بعض أطراف الجلد إلى بعض ويخرزها فيجمعها بالسير، فقيل له: كاتب؛ لأنه ضم بعض الأجزاء إلى بعض. وفي لُغَز الحريري في مقاماته (^٢):
وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ حَرْفًا وَلَا قَرَءُوا مَا خُطَّ فِي الْكُتُبِ
يعني بهم الخياطين؛ ولذا تسمي العرب الخُرْزَة الذي يجمع السير وجهيها تسميها (كُتبة) وتسمي السير أيضًا الذي يجمعها (كُتبة) (فُعلة) من الكَتْب بمعنى الضم والجمع، ومن هذا المعنى وهو تسمية الخُرْزَة التي يجمع السير طرف وجهيها في خياطة الجلود أنها تسمى (كُتْبة) وتجمع على (كُتَب) بضم الكاف وفتح التاء، ومن هذا المعنى: قول غيلان ذي الرمة (^٣):
مَا بَالُ عَيْنَيْكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ كَأَنَّهُ مِنْ كُلى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ
وَفْرَاءَ غَرْفيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزهَا مُشَلْشَلٌ ضيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الكُتَبُ
يعني أن دمعه يسيل بِكَثْرَةٍ؛ كما أن الخُرَز إذا اتَّسَعَتْ عَنِ السَّير وصارت فيها فجوات انْصَبَّ الماءُ مِنْهَا من السّقاء بكثرة؛ ولذا كانت العرب تقول: «اكْتُب بغْلتك، واكْتُب ناقتك» يعنون: أن يجمع طرفي
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١١ ]
فرجها بحلقة لئلا يُنْزَى عليها الذكر فتحمل، وكان يقول الشاعر يهجو بني فزارة من قبائل ذبيان من قيس عيلان بن مضر، كانت العرب تعيرهم بأنهم كانوا يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل، وكان الشاعر يقول (^١):
لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ
يعني: خِط فرجها بأسيار لئلا يزني بها إن خلا بها، وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة؛ لأن معاني لغة العرب يُسْتَفَاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مُفْرَغًا في معاني خسيسة تافهة فنَحْنُ نَقْصِدُ مُطْلَق اللّغَة لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها. إذا عرفتم هذا فالْكِتَابة مصدر سيال، سُميت كتابة؛ لأن الكاتب يضم حرفًا إلى حرف، ويجمع حرفًا مع آخر، وحرفًا مع آخر، حتى تحصل من هذا نقوش وحروف تدل على معاني الكلام؛ ولهذا سُمِّيَ الكتاب كتابًا.
وقوله: ﴿أُنُزِلَ إِليْكَ﴾ الجملة الفعلية في قوله: ﴿أُنزِلَ إِليْكَ﴾ في محل النعت لقوله: ﴿كِتابٌ﴾ لأن (^٢) النكرات تُنعت بالجمل، ويربط بينها وبين النكرة بالضمير كما هو معروف. وفاعل الإنزال محذوف، والأصل: أنزله الله إليك، وإنما حذف الفاعل اختصارًا؛ لأن من المعلوم أن هذا القرآن العظيم المُعجز الجامع لكل خير، الشامل لعلوم الأولين والآخرين ليس هناك من يقدر على إنزاله إلا خالق السماوات والأرض. ولما كان المُنْزِل معلومًا كان هذا
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٢ ]
الاختصار والإيجاز واقعًا موقعه؛ لأن الفاعل معروف، فلو حُذف لما ضر حذفه؛ ولذا قال: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ﴾ أي: أنزله الله إليك. وقد أنزله الله إليه أنجمًا، منجمًا في حوالي ثلاث وعشرين سنة.
وقوله: ﴿فَلَا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ يعني: هذا الكتاب أنزله الله إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فاللام في قوله: ﴿لِتُنذِرَ﴾ - الآتي- يتعلق بقوله: ﴿أُنزِلَ﴾ (^١) يعني: أُنزل إليك لأجل أن تُنذر به وأن تُذكر به، فلا تعجز عن ذلك الإنذار، ولا يضق صدرك عنه.
﴿فَلَا يَكُن في صَدرٍكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ صدر الإنسان معروف، وإذا جاء على الإنسان أمر يثقل عليه أو يشق عليه أورثه ضيقًا في صدره، والنبي ﷺ كان يشق عليه ويضيق بصدره التبليغ من حيث إن الكفار يكذبونه ويقولون له: أنت كذاب، أنت ساحر، أنت شاعر، أنت كاهن، هذه أساطير الأولين عَلَّمَكَها بشر، فتكذيبهم له وأذيتهم له يشق عليه، كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ [الحجر: آية ٩٧] وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيُحْزِنُكَ﴾ [الأنعام: آية ٣٣] وفي القراءة الأخرى: ﴿لَيَحزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ (^٢) أي: ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ أي: ضيق. يعني: أَوْسِع صدرك، وتحمل الأذى، وشُقَّ الطريق في تبليغ هذا القرآن العظيم، والإنذار به، والتذكير به، لا تضعف، ولا تجبن، ولا تخف من الأذى، ولا يضق صدرك به.
والحرج في كلام العرب أصله: الضيق (^٣)، وقد يُسمون الشجر
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٤٢).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٣) من سورة الأنعام.
(٣) انظر: المفردات (مادة: حرج) ص ٢٢٦، اللسان (مادة: حرج) (١/ ٥٩٩).
[ ٣ / ١٣ ]
الملتف الذي لا تصل إليه راعية يسمونه: (حَرَجَة) لضيق مكانه، وقد كانوا يقولون في قصة غزوة بدر: «فإذا أبو جهل كالحَرَجَة» -يعني لشدة ازدحام قريش عليه وصيانتهم له- يقولون: أبو الحكم لا يُخلص إليه (^١) كالشجرة الملتف عليها الشجر لا يمكن أن يُوصل لها، هذا أصل (الحرج) في لغة العرب الضيق، وقد بَيَّنَّاه في قوله: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: آية ١٢٥]، ومنه قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: آية ٧٨] أي: ما جعل عليكم من ضيق، وأحرجه: أوْقَعَهُ في الحَرَج؛ ولذا سُميت الطلقات الثلاث (المُحَرِّجَات) لأنها تُضَيِّق على صاحبها وتمنعه مِنْ رَجْعَةِ امْرَأته، واليمين قد تكون مُحَرِّجة؛ لأنها تمنع من المحلوف عليه، وهذه المعاني معروفة في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل بن معمر، على الخلاف المعروف في الشعر المشهور (^٢):
قَالَتْ: وَعَيْشِ أَبِي وَحُرْمَةِ إِخْوَتِي لأُنَبِّهَنَّ الحَيَّ إِنْ لَمْ تَخْرُجِي
فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِهَا فَتَبَسَّمَتْ فَعَلِمْتُ أَنَّ يَمِينَهَا لَمْ تُحْرَجِ
أنها يمين ليست مضَيّقة، وأنها كلا شيء. وكذلك قول العَرْجِي بن عمر بن عثمان (^٣):
_________________
(١) السيرة لابن هشام ص٦٧٤.
(٢) البيت في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص٨٣، عيون الأخبار (٤/ ٩٣)، الأضواء (٢/ ٢٨٦).
(٣) البيت في عيون الأخبار (٤/ ٩٠)، الأضواء (٢/ ٢٨٦). قال ابن قتيبة: «هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له: العرج، فنُسب إليه» اهـ الشعر والشعراء ص٣٨٦.
[ ٣ / ١٤ ]
عُوجِي عَلَيْنَا رَبَّةَ الهَوْدَجِ إِنَّكِ إِلَاّ تَفْعَلِي تُحْرَجِي
يرويه كثير ممن رواه: (إنك إلَاّ تفعلي تَحْرجي) أي: تقعي في الحرج الذي هو الإثم والضيق بالذنوب، والأظهر أن أصله (تُحْرِجِي) أي: توقعي صاحبك في حرج وضيق، حيث هجرتِهِ، هذا أصل الحرج في لغة العرب. وعليه فالآية كقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُك أَن يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ [هود: آية ١٢] وكقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: آية ٦] وروي هنا عن جماعة من كبار المفسرين أن الحرج في هذه الآية: الشك (^١) أي: فلا يكن في صدرك شك منه أنه مُنَزَّلٌ من الله (جل وعلا). وعلى هذا فالآية كقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: آية ١٤٧] أي: من الشاكين، وقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: آية ٩٤]. وتفسير الحرج في آية الأعراف بالشك في هذا الموضع قال به جماعة من أجلاء المفسرين. وعلماء العربية يقولون: إنه -مع أنه رُوي عن بعض أجلاء أهل التفسير أنه- سائغ في اللغة العربية؛ لأن الشاك قلق صدره ضَيِّق لا يميل إلى طرف الإثبات ولا إلى طرف النفي، وِمما يؤيد هذا: أن الريب في جميع القرآن معناه: الشك. كقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: آية ٢] أي: لا شك فيه. مع أن أصل الريب في لغة العرب: مصدر رابه، يريبه، ريبًا إذا أزعجه وأقلقه. وفي حديث: أن النبي ﷺ وهو محرم رأى ظبيًا حاقفًا (^٢)
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ١٠٣ - ١٠٧)، (٢٩٥ - ٢٩٦)، الأضواء (٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦).
(٢) أي: نائمًا قد انحنى في نومه.
[ ٣ / ١٥ ]
فقال: «لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ» (^١) يعني: لا تزعجوه، ولا تُقْلِقُوه، ولا تنفروه؛ لأنَّكم مُحْرِمُون لا يجوز لكم إزعاج الصيد. ومن هذا المعنى قول توبة بن الحُمَيِّر (^٢):
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تَبرقَعَت فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها
رابني: يعني أزعجني وأقلقني؛ لأن أهلها كانوا شَكَوه إلى الوالي فأهدر دَمَهُ إنْ زارها، وكان إذا جاءها لبست برقعها عنه، فأنذروها وأنها إن أعلمته فعلوا بها وفعلوا، فلما زارها سفرت وكشفت عن وجهها، فشرد توبة بن الحُميِّر هاربًا وقال:
وكنتُ إذا ما جئت ليلى تَبرقَعَت فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها
فعلم أنها ما كشفت عن وجهها إلا لأن النار تحت الرماد. والشاهد أن قوله: (فقد رابني منها) أزعجني وأقلقني، وأن الريب أصله الإزعاج والإقلاق، وهو في القرآن يطلق على الشك؛ لأن نفس الشاك غير مطمئِنَّة، بل هي قلقة مضطربة لا تدري أتميل إلى طرف النفي أو إلى طرف الثبوت. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَج مِّنْهُ﴾.
وقوله: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾ التحقيق أنها لام كي المعروفة بلام التعليل، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، وهي تتعلق بقوله: ﴿أُنزِلَ﴾ (^٣) يعني: أُنزل إليك هذا الكتاب لأي حكمة أُنزل إليك؟
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ص٢٤١، حديث رقم (٧٨٥)، والنسائي في الحج، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد. حديث رقم (٢٨١٨)، (٥/ ١٨٢ - ١٨٣) وانظر: صحيح النسائي (٢/ ٥٩٤).
(٢) البيت في اللسان (مادة: برقع) (١/ ٢٠٠).
(٣) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٤٢).
[ ٣ / ١٦ ]
﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِين (٢)﴾.
وقوله: ﴿لِتُنذِرَ﴾ أصله مضارع أنذره ينذره إنذارًا، والإنذار في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو خصوص الإعلام المقترن بتهديد خاصة وتخويف، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا؛ لأن الإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد خاصة (^١). وأصل ماضي هذا الفعل: (أنذر) بالهمزة، وكان لو جرى على الأصل لقيل: «لِتُؤَنْذِرَ به» لكن (^٢) القاعدة المقررة في فن التصريف أن كل فعل بُني ماضيه على (أَفْعَل) أن همزة (أَفْعَل) تحذف وجوبًا بقياس مطرد في مضارعه، واسم فاعله، واسم مفعوله. ومفعول الإنذار هنا محذوف، وقد دل عليه التفصيل؛ أي: لتنذر به الكفار المتمرِّدين العاتين، وتذكر به المؤمنين (^٣). فالقرآن إنذار لقوم تمرّدوا وعتوا، وتذكرة وبشرى لقوم آخرين كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (٩٧)﴾ [مريم: آية ٩٧] والمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتخوف به الخلق الذين كذّبوه ولم يتبعوه.
وفي هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات زواجر عظيمة ينبغي لنا أن نعتبرها؛ لأن خالقنا (جل وعلا) بَيَّن لنا في أول هذه السورة الكريمة -سورة الأعراف من هذا المحكم المنزل الذي هو آخر كتاب نزل من السماء على آخر نبي بعثه الله في أرضه (صلوات الله وسلامه عليه) - قال: إنه أنزل عليه هذا الكتاب ليخوف به الخلق من عقوبات خالق السماوات والأرض وسخطه، فإنه الجبار الأعظم الذي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٦ - ٧٧) من سورة البقرة.
(٣) انظر: أضواء البيان (٢/ ٢٨٦).
[ ٣ / ١٧ ]
إذا سخط عاقب العقوبة المهلكة المستأصلة. فبهذا يجب علينا أن نتأمل في معاني القرآن، ونعرف أوامر ربنا التي أمرنا بها فيه، ونواهيه التي نهانا عنها، ونخاف من هذا الإنذار والتهديد الذي أُنزل هذا القرآن على الرسول ليفعله بمن لم يعمل بهذا القرآن العظيم. فالإنسان يجب عليه أن يتدبّر هذا القرآن العظيم، وينظر أوامره، وينظر نواهيه، ويعمل بما فيه من الحلال والحرام، فالحلال ما أحله الله في هذا القرآن وبينته السنة الكريمة، والدين ما شرعه الله؛ لأنه لا حكم إلا لله، فكل الأحكام هي لله، والتشريع لله، والتحليل والتحريم لله، وقد أنزل علينا هذا الكتاب ليخوفنا إذا لم نعمل بما فيه من العبر والآيات، فَنُحل حلاله، ونُحرِّم حَرَامَه، ونعتقد عقائده، ونعمل بمحْكَمه، ونؤمن بمتشابهه، ونعتبر بما فيه من الأمثال، وتلين قلوبنا لما فيه من المواعظ وضروب الأمثال. فهذا الإنذار لا ينبغي للمسلم أن يهمله ويعرض عنه صفحًا.
وقوله: ﴿وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ الذكرى هنا مصدر مؤنَّث تأنيثًا لفظيًّا بألف التأنيث المقصورة، وأصله بمعنى: التذكير، أي: لأجل الإنذار لمن عَتَى وتمرد، وللتذكير للمؤمنين العاملين به. والذكرى: هي الاتِّعَاظ؛ لأن المؤمنين يذكرهم فتنفعهم الذكرى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: آية ٥٥].
وقوله: ﴿وَذِكْرَى﴾ في محل إعرابه ثلاثة أوجه معروفة (^١): أظهرها: أنه في محل خفض معطوف على ﴿لِيُندرَ بِهِ﴾ أي: للإنذار وللتذكير، ويجوز أن يكون منصوبًا عطفًا على محل ﴿لِيُندرَ بِهِ﴾ لأنه
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٤٤).
[ ٣ / ١٨ ]
وإن جُرَّ فهو في معنى مفعول لأجله، ويجوز أن يكون مبتدأ، ويكون -أي: يجوز- معطوفًا على قوله: ﴿كِتَابٌ﴾ كتاب أنزلناه إليك، وذكرى للمؤمنين أنزلناها إليك. والأول هو الأظهر.
والمؤمنون: عباد الله المصدقون بقلوبهم تصديقًا تساعده جوارحهم، فيكون القلب مصدقًا وتظهر آثار ذلك التصديق على الجوارح، بأن تطيع الله، وتمتثل أمره، وتجتنب نهيه. فالإيمان في لغة العرب يطلق على التصديق (^١)، ومنه ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدقنا في أن يوسف أكله الذئب ﴿وَلَو كُنَّا صَادقِين (١٧)﴾ [يوسف: آية ١٧]. وهو في اصطلاح الشرع (^٢): التصديق من جهاته الثلاث: وهو تصديق القلب بالاعتقاد، وتصديق اللسان بالإقرار، وتصديق الجوارح بالعمل. فالإيمان قول وعمل، ينقص ويزيد بحسب الأعمال الصالحة وعدمها على مذهب أهل السنة والجماعة الذي دلت عليه نصوص الوحي في القرآن والأحاديث الصحيحة بكثرة، كقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح آية ٤] ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: آية ٢] وما جرى مجرى ذلك من النصوص، وفي الحديث الصحيح: «إن الإيمانَ بِضْعٌ وسَبْعونَ -وفي بعضها: وَسِتُّونَ- شُعْبَةً أعْلاهَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عن الطَّريق» (^٣) وقد سمى النبي ﷺ في الحديث الصحيح إماطة الأذى عن الطريق إيمانًا، وقد سمى الصلاة إيمانًا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: آية ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٣ / ١٩ ]
المقدس قبل نسْخ القبلة إليه. وهذا معنى قوله: ﴿وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِينَ﴾.
ولما بيَّن (جل وعلا) أنه أنزل هذا الكتاب العظيم على هذا النبي الكريم، وأنه أنزله عليه لينذر به ويُذَكِّر، وأنه يجب على أمته أن تَأْتَسِي به في الإنذار بالقُرْآنِ والتذكير به، أَمَر من ذُكِّروا وأنذروا -أمرهم- بما ينبغي أن يفعلوا حول ذلك الإنذار والتذكير الذي بعث به رسوله ﷺ، فقال: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣] هذا الأمر للوجوب بإجماع العلماء، وصيغة (افعل) وإن اختلف فيها علماء الأصول هل هي تقتضي الوجوب، أو تقتضي الندب، أو تقتضي مطلق الطلب الصادق بالندب والوجوب، أو إن كانت في القرآن اقْتَضَتِ الوجوب، وإن كانت في السنة اقتضت الندب، هذه الأقوال وإن ذكرها علماء الأصول (^١) فالصحيح المعروف الذي دَلَّ عليه الشرع الكريم واللغة التي نزل بها القرآن: أن صيغة (افعل) إذا جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ كانت مقتضية لوجوب الامتثال، إلا أن يدل دليل آخر صارف عن ذلك الوجوب، ويكون ذلك الدليل يجب الرجوع إليه، والأدلة على هذا كثيرة: منها أن الله لما قال للملائكة: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [البقرة: آية ٣٤] كانت لفظة ﴿اسْجُدُواْ﴾ صيغة أمر، وهي لفظة (افعل) ومعروف أن المقرَّرَ في المعاني وفي أصول الفقه: أن الصيغ الدالة على الأمر التي تقتضي الوجوب أنها أربع صيغ لا خامسة لها (^٢):
_________________
(١) راجع ما تقدم عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المذكرة في أصول الفقه ص١٨٨، نثر الوررد (١/ ١٧٦)، الأضواء (٥/ ٢٣٣).
[ ٣ / ٢٠ ]
الأولى منها: فعل الأمر الصريح، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: آية ٧٨] وقوله هنا: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣].
والثاني: اسم فعل الأمر، نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ﴾ [المائدة: آية ١٠٥].
والثالث: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: آية ٦٣]، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: آية ٢٩].
والرابعة: هي المعروفة عند النحويين بالمصدر النائب عن فعله، نحو قوله: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: آية ٤] يعني: فاضربوا رقابهم. وكقول هند بنت عتبة يوم أُحد لما انهزم المشركون هزيمتهم الأولى، وقُتل حَمَلَة اللواء من بني عبد الدار، وبقي لواء قريش طريحًا حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية التي يقول فيها حسان (^١):
وَلَوْلَا لِوَاءُ الحَارِثِيَّةِ أصْبَحُوا يُباعونَ في الأسْوَاقِ بَيْعَ الجَلائِبِ
عند ذلك قالت هند بنت عتبة بن ربيعة العَبْشَمِيَّة:
صَبرًا بني عَبْدِ الدَّار
صَبْرًا حُمَاةَ الأدْبَار
ضَرْبًا بكُلِّ بتَّار (^٢)
_________________
(١) ديوان حسان ص٢٩، السيرة لابن هشام ص٨٥٩.
(٢) السيرة لابن هشام ص٨٤٦.
[ ٣ / ٢١ ]
فكل هذه المصادر مصادر نابت عن أفعالها، ففيها معنى الأمر. تعني: اصبروا يا بني عبد الدار، واضربوا بكل بتَّار. هذه هي صيغ الأمر.
وقد دل القرآن والسنة ولغة العرب على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب، فمن الدليل على ذلك: أن الله لما قال للملائكة: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [البقرة: آية ٣٤] كانت ﴿اسْجُدُواْ﴾ صيغة (افعل) فلما امتنع إبليس وبَّخه وحكم عليه بالعصيان، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ موبِّخًا له، فَدَلَّ على أن عدم امتثال صيغة الأمر أنه معصية، ويؤيِّدُ ذلك أن نَبِيَّ الله موسى قال لأخيه هارون لما أراد السفَر إلى الميقات، قال لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: الآية ١٤٢] وهذه صيغة أمر، فلما ظن أنه لم يتبعها قال: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: آية ٩٣] فصرح بأن مخالفة صيغة (افعل) معصية، ومن الأدلة على ذلك أن الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: آية ٦٣]، وقد قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: آية ٣٦] وفي القراءة الأخرى: ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^١)، ومن قضائه للأمر هو أن يقول: (افعل كذا) فدلت آية الأحزاب هذه على أن أمره تعالى قاطع للاختيار، موجب للامتثال، والأدلة في هذا كثيرة.
ووجه دلالة اللغة العربية على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب: أن السيد المالك لعبد لو قال لعبده: (اسقني ماءً) فامتنع
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٥٨.
[ ٣ / ٢٢ ]
العبد ولم يسق سيده فأدَّبَه وضربه أن عامة أهل اللسان يقولون: إن هذا العتاب واقع موقعه، فلو قال العبد للسيد: أنت ظلمتني بعقابي هذا؛ لأن قولك (اسقني) صيغة (افعل) وهذه لا تُوجب ولا تلزم شيئًا!! لقال له أهل اللسان العربي: كذبت يا عبد، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك امتنعت، فلسيدك أن يعاقبك. هذا وجه دلالة اللغة العربية على ما ذكرنا.
وعلى كل حال فقوله: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ هذا الأمر واجب بإجماع العلماء، فيجب على كل مسلم أن يتبع ما أنزله الله في هذا القرآن الكريم على سيد الخلق ﷺ. والسنة جميعها إنما هي قطرة من بحر القرآن العظيم؛ لأن القرآن بحر لا ساحل له، والسنة قطرة من بحره؛ لأن جميع ما جاء في سنة رسول الله يدخل في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: آية ٧] والعمل بما جاء عن رسول الله عمل بالقرآن العظيم، وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود (﵁) أنه جاءته امرأة تسأله عن ابنتها يريدها زوجها أن تُزف إليه، وقد تمعَّط شعرها، يعني: سقط شعرها، والشعر جمال المرأة، فهي تريد أن تصل شعر رأسها بشيء تجملها به لزوجها، فذكر ابن مسعود أن الواصلة شعرها بشعر غيرها ملعونة في كتاب الله، فجاءته المرأة بعد ذلك وقالت له: لقد قرأت ما بين اللوحتين أو ما بين الدفتين فلم أجد لعن الواصلة في كتاب الله!! فقال لها: إن كنت قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وجدتيه، أوَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: هو ﷺ لعن الواصلة (^١).
وهذا مما يدل على أن كل ما في سنة رسول الله فالعمل
_________________
(١) هنا وقع للشيخ (﵀) وَهْمٌ حيث أدخل حديثًا في حديث آخر؛ ذلك أن حديث ابن مسعود في أنه لعن النامصات .. إلخ، فراجعته امرأة من بني أسد محتجة بأنها لم تجد هذا اللعن في كتاب الله وهذا الحديث أخرجه البخاري في التفسير، باب (وما آتاكم الرسول فخذوه) حديث رقم (٤٨٨٦)، (٨/ ٦٣٠)، وأخرجه في مواضع أخرى انظر: الأحاديث (٤٨٨٧، ٥٩٣١، ٥٩٣٩ ٥٩٤٣، ٥٩٤٨)، ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديت رقم (٢١٢٥)، (٣/ ١٦٧٨). وأما المرأة التي سألت عن وصل شعر ابنتها: فهي امرأة من الأنصار سألت النبي ﷺ عن ابنة لها زوَّجتها فمرضت فتساقط شعرها، قالت: أفأصل شعرها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لعن الله الواصلة » إلخ. وقد روى هذا الحديث من الصحابة:
(٢) عائشة (﵂) وقد أخرجه البخاري في اللباس، باب: وصل الشعر، حديث رقم: (٥٩٣٤)، (١٠/ ٣٧٤)، وطرفه في: (٥٢٠٥). ومسلم في اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديث رقم: (٢١٢٣)، (٣/ ١٦٧٧).
(٣) أسماء (﵂) وقد أخرجه البخاري في اللباس، باب: وصل الشعر. حديث رقم: (٥٩٣٥)، (١٠/ ٣٧٤). وطرفاه: (٥٩٣٦، ٥٩٤١). ومسلم في اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديث رقم: (٢١٢٢)، (١٦٧٦). هذا وقد ورد في لعن الواصلة أحاديث أخرى منها حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة (﵄) وهما في الصحيحين.
[ ٣ / ٢٣ ]
به عمل بكتاب الله.
﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فعلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يعملوا بهذه الأوامر السماوية المنزَّلة من خالق السماوات والأرض، الذي فتح أعينهم في وجوههم، وصبغ لهم بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفتح لهم آنافهم وأفواههم، وأعطاهم الألسنة، وأنبت لهم الأسنان، وشق لهم المحل
[ ٣ / ٢٤ ]
الذي ينزل عنهم منه البول والغائط، وفتح لهم العروق والشرايين ليجري فيها الدم، فهذا لو لم يثقبه رب العالمين ويفتحه لما قدر أحد على أن يثقبه!! هذا الذي هذه عظمته، وهذا سلطانه وقدرته عليكم يأمركم بوحيه المنزل من فوق سبع سماوات أن تتبعوا أوامره ونواهيه التي أنزلها على رسله، ولا تتبعوا أولياء غيره (جل وعلا)، ولا تشريعات غير شرعه (جل وعلا)، فيجب على جميع المسلمين أن يعلموا أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حَرَّمَه الله، والدين هو ما شرعه الله، والمُتَّبَعُ هو نظام الله الذي أنزله في هذا القرآن على سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه). فالذين يتمردون على هذا الأمر ويسمعون في القرآن: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ويقولون: لا، لا يمكن أن نتبع ما أُنزل إلينا من ربنا بل نتبع قانون نابليون، أو قانون فلان، أو فلان من القوانين الوضعية المستوردة المتمردة على نظام خالق السماوات والأرض!! هذا أمر لا يليق، وصاحبه ليس من الإيمان في شيء؛ لأن هذا الكون ليس فوضى، وإنما له خالق جبار ملك عظيم قهار خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، ولا يقبل أبدًا ولا يرضى أبدًا أن يُتبع شيء إلا الشيء الذي أنزل هو (جل وعلا) على رسوله الكريم لينذر به ويذكر به المؤمنين، فهذا هو الذي ينبغي أن يُتبع، وهو نظام السماء الذي يحفظ لبني آدم في دار الدنيا أديانهم أتم الحفظ، ويحفظ لهم أنفسهم، ويحفظ لهم عقولهم، ويحفظ لهم أنسابهم، ويحفظ لهم أموالهم، ويحفظ لهم أعراضهم، إلى غير ذلك من مقوماتهم الدينية والدنيوية، فيجب اتباعه وعدم العدول عنه إلى غيره.
[ ٣ / ٢٥ ]
وبهذا تعلمون أن من يقوم ويعلن في وقاحة أمام جميع الدنيا أنه لا يتبع ما أنزله الله إلى سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه)، والله يأمر باتباع ما أنزل وتَرْكِ اتباع غيره، وهو يعلن إذا كان رئيسًا لقوم باسم الذين يزعم أنه مُمَثِّلهم أنه لا يحكم بما أنزل الله، ولا يتبع ما أنزل الله، بل يحكم بقانون آخر وَضْعِي وضَعَه زنادقة كَفَرَة فجرة مُظْلِمَةٌ قلوبهم، هم في أصل وضعه عالة على علماء المسلمين، زنادقة كفرة فجرة، يرْغَب عن تَنْزِيل رب العالمين المأمور باتباعه فيذهب إلى وضع الخنازير الكفرة الفجرة، يعتقد أنه هو الذي ينظم علاقات الحياة، زاعمًا أن القرآن تقاليد قديمة، وأنَّ رَكْبَ الحضَارَة تَطَوَّرَ عنها، وأن الدنيا تطورت في أحوالها الراهنة تطورًا بعد نزول القرآن لا يمكن أن ينظمها القرآن!! فهذا كلام الفَرَاعنة الجهلة المتمردين على نظام السماء، ولا يوجد في الدنيا نظام يضبط علاقات الخلق وينشر الطمأنينة والرخاء والعدالة مثل نظام السماء الذي وضعه خالق السماوات والأرض (جل وعلا). والقرآن بَيَّنَ لنا في آيات كثيرة أن الذي يَتَمَرَّد على هذا الأمر في آية سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ولم يتبع ما أُنزل إليه مِنْ رَبِّه، واتبع القوانين والنُّظم الوضعية بين لنا في غير ما آية أنه كافر، وأن ربه الشيطان، وأن مصيره إلى النار خالدًا مخلدًا.
[١/ب] / [والآيات القُرْآنية الدَّالة على هذا كثيرة جدًّا، من ذلك ما بَيَّنَّاهُ مرارًا أن إبليس عليه لعنة الله، لما جاء تلامذته وإخوانه من أهل مكة، وأراد أن يُهيئ لهم وحي الشياطين ليجادلوا به النبي ﷺ، قال لهم: سلوا محمدًا عن الشاة تُصْبِح ميتة، من هو الذي قتلها؟ فلما أخبرهم أن الله هو الذي قتلها، قالوا له من وحي الشيطان: ما
[ ٣ / ٢٦ ]
ذبحتموه بأيديكم -يعنون المذكاة - تقولون: حَلَال وطاهر وطيب مستلذ، وما ذبحه الله بيده الكريمة -يعنون الميتة، أن الله قتلها- تقولون: هو حرام ميتة مستقذر، فأنتم إذًا أحسن من الله!! وأنزل الله في وحي الشياطين جوابًا لنبيه عنه قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] يعني: الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان أنها ذبيحة الله، ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: وإن أكل الميتة لفسق، وخروج عن طاعة الله، ثم قال -وهو محل الشاهد-: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وإن أطعتموهم في تحليل الميتة إنكم لمشركون.
اعلم أن تحليل الميتة وتحريمها ليس عقيدة من العقائد، ولا أصلًا من الأصول، وإنما هو فرع من الفروع، مضغة لحم شرّع الله على لسان نبيه تحريمها؛ لأنها ماتت ولم يُذكر عليها اسم الله، وشرّع إبليس على لسان أوليائه تحليلها، فهذا نظام إبليس، وهو تحليل الميتة، وهذا نظام خالق السماوات والأرض الذي شرعه على لسان نبيه. فالله يقول: هذه ماتت حتف أنفها، ولم تُذَك ولم يُذكر اسم الله عليها. والشيطان يُشرّع بفلسفته ويقول:] (^١) الحلال ما قتله الله، وهو ذبيحة الله، وأن المذكاة التي سُمي عليها الله أنها ليست أحل من الجيفة؛ لأنكم أنتم الذين قتلتموها، وقَتْل الله أحل من قتلكم!! هذا وحي الشيطان، وفلسفة الشيطان، يريد أن يحلل لحم الميتة!! ونظام السماء يحرم لحم الميتة على لسان الرسول مأمورًا بقوله: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ومنه تحريم الميتة، أنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ
_________________
(١) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل وتم استدراك النقص مما سبق عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٧ ]
يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] يعني: الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان وأتباعه الذي يوحي إليهم أنه ذبيحة الله بسكين من ذهب، وأنه أحل من ذبيحة المسلمين. قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: خروج عن طاعة خالقكم. ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ يُعنى بـ (وحي الشيطان): قوله: ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذًا أحسن من الله!! ثم قال -وهو محل الشاهد-: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: آية ١٢١] هذا فَصْل الله (جل وعلا) بين المتحاكمين إلى قانون الشيطان والمتحاكمين إلى قانون الرحمن، فقد اختصم أتباع الشيطان وأتباع رسل الرحمن في مضغة من لحم: هي لحم الميتة، فقال أتباع الشيطان: إنه حلال.
واستدلوا على ذلك بوحي الشياطين: أنها إنما قتلها الله، وما قتله الله ذبيحة الله، وذبيحة الله أحَلّ [من] (^١) كلِّ شيء. هذا وحي الشيطان وتشريع الشيطان وإلقاء الشيطان إلى أتباع الشيطان. ثم إن الذي أنزل الرحمن على رسل الرحمن أن الميتة التي ماتت ولم تُذَكَّ ولم يذكر اسم الله عليها أنها ميتة يحرم أكلها ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: آية ١٧٣] ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] فهذه طائفة الشيطان تتبع قانونه ونظامه: أن هذا اللحم حلال!! وهذه طائفة أتباع رسل الرحمن تحكم بأن هذا اللحم حرام بتشريع خالق السماوات والأرض، ثم هذا فَصْلُ الله وحكمه بين الطائفتين، قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: آية ١٢١] وإن أطعتموهم في تشريع إبليس، واتباع قانونه ونظامه في تحليل الميتة إنكم لمشركون بخالق السماوات والأرض؛ لأن التحريم والتحليل لا يكون إلا
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٢٨ ]
للسلطة العليا التي لا يمكن أن تكون فوقها سلطة، وحكم الله هو كعبادته، فكما أنه يجب إفراده في عبادته يجب إفراده في حكمه؛ ولذا قال: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠] وقال: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: آية ٢٦] فجعل الحكم كالعبادة. وفي قراءة ابن عامر -كبير القراء، قارئ أهل الشام-: ﴿ولا تُشْرِكْ في حكمه أحدًا﴾ (^١)
أي: لا تشرك أيها العبد في حكم ربك أحدًا، فالحكم لله؛ لأن الحكم لا يمكن أن يكون إلا للأعظم الأكبر الأجل الذي ليس فوقه ولا أجلَّ منه شيء، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: آية ١٢] فقوله: ﴿الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ هي مُمَيِّزة لمن يستحق أن يكون الحكم له، فإن كان الطواغيت الذين يتبع الخفافيشُ تعليمهم وأحكامهم هم العَلِيُّون الأكبرون فليتقدموا، وإن كانوا هم الأصاغر الأخسون الأذلون فليعلموا أن الحكم ليس إليهم وإنما هو للعلي الكبير خالق السماوات والأرض جل وعلا.
وقوله في هذه الآية: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: آية ١٢١] هذا الشرك هو شرك أكبر مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، فمن زعم أن الميتة حلال، وأنها ذبيحة الله، وأن وحي الشيطان حق، وأن نظامه أحق أن يُتبع، فإنه كافر بإجماع المسلمين، كما صرح الله بقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ وهذا الشرك هو شرك أكبر مخرج عن الملة.
وهؤلاء المشركون المتبعون قانون الشيطان ونظام إبليس، هم الذين يوبخهم الله في سورة يس يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٦) من سورة الأنعام ..
[ ٣ / ٢٩ ]
الشَّيْطَانَ﴾ معنى عبادتهم للشيطان ليس معناها: أنهم سجدوا له ولا صاموا ولا صلوا، وإنما معناها: أنهم اتبعوا ما شرع لهم من وحي الشياطين، وأخذوا بقانونه ونظامه في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، قال الله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ والله لقد أضل الشيطان منكم جمعًا وخلائق كثيرًا، ويدخل فيها الدخول الأولي: هؤلاء الذين اتبعوا قانونه ونظامه وأعرضوا عن نظام الله المذكور في قوله: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾، ثم وبخهم لخساسة عقولهم ودناءتها فقال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ أليست عندكم عقول تعلمون أن من يطاع ويتبع تشريعه، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه هو خالق السماوات والأرض لا إبليس؟! ثم بين مصيرهم النهائي: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: الآيات ٦٠ - ٦٥] وفي التنزيل: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: آية ١١٧] يعني: ما يعبدون إلا الشيطان؛ لأنهم اتبعوا نظامه وقانونه، وتركوا نظام الله الذي شرعه على ألسنة رسله.
والذين يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله، ويزعمون الإيمان، بَيَّن الله في سورة النساء أن دعواهم هذه كاذبة يُتعجب من كذبها، وكيف تجرءوا على قولها، حيث قال لنبيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ
[ ٣ / ٣٠ ]
ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: آية ٦٠] فَعَجَّب نبيه كيف ادّعوا الإيمان وهم يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل!! والكفار -مع أنهم كفرة فجرة يعبدون الأصنام- إذا غيروا تشاريع الله، واتبعوا تشريع الشيطان مخالفًا لشيء شرعه الله كان ذلك كفرًا جديدًا زائدًا على كفرهم الأول، كما صرح الله بهذا في سورة التوبة في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: آية ٣٧] والمراد بالنسيء: تأخير الشهر الحرام؛ لأن النَّسْءَ في اللغة: التأخير. وربا النسأ: ربا التأخير. ونسأ الله في أجله: أخَّره وطول حياته. كانت ثلاثة من الشهور الحُرُم متوالية، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا تطول عليهم ثلاثة أشهر متوالية لا يأكل بعضهم بعضًا، ولا يغير بعضهم على بعض، فكانوا يقولون: إنما نُنسئ الشهر الحرام ونؤخره!! فيحلون المحرم فيقاتلون فيه، ويؤخرونه إلى صفر، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ أي: تأخير الشهر الحرام، إحلاله وتحريم شهر آخر كان حلالًا تحليل لما حرمه الله، وتحريم لما أحله الله، قال في هذا: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله﴾ ولإحلالهم ما حرم الله ازدادوا كفرًا إلى كفرهم (^١). وأول من نسأ من العرب: بنو فُقِيم من كنانة (^٢)، وكان شاعرهم يقول في شعره المشهور (^٣):
أَلسْنا النَّاسئين على مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نجعلُها حَرَاما
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٤٣).
(٢) انظر: السيرة لابن هشام ص٥٦.
(٣) لبيت لعمير بن قيس جَزْل الطّعَانِ، أحد بني فراس بن غَنْم، وهي في السيرة لابن هشام ص٥٦، البداية والنهاية (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
[ ٣ / ٣١ ]
فَجَعْلُهم شهور الحل حرامًا هو النسيء الذي كان زيادة في كفرهم إلى كفر آخر، فإذا كان الكافر الذي يسجد للصنم إذا غيَّر حكم الله، وحرَّم ما أحل الله، وأحل ما حرمه الله كفر كفرًا جديدًا زيادة إلى كفره الأول، فما بالكم بالمؤمن الذي يدَّعي أنه مسلم إذا غيَّر منار الإسلام، وحرَّم ما أحله الله، وحلل ما حرمه الله مدعيًا أن تحليل الله وتحريمه تطورت عنه الدنيا، وأن نظام السماء كان لائقًا في ذلك الوقت، وأن ركب الحضارة تقدم عن ذلك، وأنه يحتاج إلى شيء جديد يُلائم التطور الجديد!! هذا كلام المتزندقين الجهلة الذين يزعمون أنهم تقدُّمِيُّون!! وهم أشد الناس تأخُّرًا، وأخس الناس عقولًا؛ حيث تنكروا لخالقهم، وسيُقِرُّون يوم القيامة أنهم لا عقول لهم؛ حيث يقولون في جملة إخوانهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: آية ١٠].
فالتقدم كل التقدم -التقدم الحقيقي- هو طاعة خالق السماوات والأرض، وامتثال أوامره، واتباع ما أُنزل إلى النبي الكريم، مع أن هذا الذي أمرنا الله أن نتبعه في قوله: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣] يأمرنا بالتقدم في جميع الميادين الحيوية غاية التقدم، ودين (^١) الإسلام يأمر الإنسان بأن يكون متقدمًا قويًّا في جميع ميادين الحياة، وأن يكون مُتَّصِلًا بربِّه، مُربيًا روحه على ضوء تعليم السماء، مُنَوِّرًا بصيرته بنور القرآن السماوي، فيكون علمه وعمله مزدوجًا معطيًا للجسم نصيبه، معطيًا للروح نصيبها، هذا تعليم السماء وأمره الحق الذي لا شك فيه.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٢ ]
ومن تدبر آيات القرآن وَجَدَ القرآن العظيم يدعو إلى كل تقدم حيوي في جميع ميادين الحياة، إلا أنه يدعو الخلق إلى أن يطيعوا خالقهم، ويسترشدوا بإرشاد خالق السماوات والأرض، ليدلهم على ما يصلحهم في دينهم ودنياهم، ومعاشهم، ومعادهم، سبحانه (جل وعلا) ما أحكمه! وما أجهل من خالف تعاليمه! إلا أن الذي يذهب عن نور القرآن هو في الحقيقة كالخفاش، وأنتم تعلمون أن الخفاش لا يكاد ينتفع بنور الشمس؛ لأن نور الشمس لا ينتفع به إلا من أعطاه الله بصيرة، أما الخفافيش الذين سلب الله بصائرهم لا يكادون ينتفعون بنور الشمس، فإذا انتشرت أنوار الشمس، وانتشر العالم في ضوء سبيل لا ينفق الإنسان فيه على كهرباء، ولا على زيت، ولا فتيلة، فنور رب العالمين سبيل مبذول للأسود والأحمر، فالخفاش في ذلك الوقت لا ينتفع بهذا النور، فإذا كان الظلام خرج من محله يطير ويفرح ويمرح؛ لأن الظلام هو الذي يلائمه!! فالقرآن العظيم إنما يلائم البصائر النيرة، والأرواح الكريمة، أما الأرواح الخنازيرية الخسيسة البهيمية فهي خفافيش البصائر، لا يلائمها إلا الظلام والنتن، كما أن الجُعَل لا يلائمه إلا النتن، وكما أن الخفاش لا يلائمه إلا الظلام.
خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ فَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (^١)
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٠] لأن القرآن أعظم نور، والخفافيش البصائرية يقضي عليها ويعميها زيادة ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: آية ٤٤] والعياذ بالله جل وعلا.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٣ ]
والحاصل أن خالق السماوات والأرض يقول في كتابه المحفوظ الذي تولى حفظه بنفسه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: آية ٩] يقول مخاطبًا لجميع الخلائق ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣] يعني: اتبعوا ما أنزله الله على لسان هذا النبي الكريم سيد الخلق -صلوات الله وسلامه عليه- وخاتم الأنبياء، الذي جاء بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ الأولياء في لغة العرب: جمع ولي، وقد تقرر في فن التصريف: أن (الفعيل) إذا كان وصفًا اطرد جمعه جمع تكسير على (فُعَلاءْ) إلا إذا كان معتل اللام أو مُضَعَّفًا فإنه يَطَّرِد جمعه جمع تكسير على (أَفْعِلاء) كتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء، وسخي وأسخياء، وولي وأولياء، كما هنا (^١). والولي في لغة العرب: هو كل مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَك وبَيْنَهُ سَبَبٌ يجعلك تواليه ويواليك (^٢)؛ ولذا كان الله ولي المؤمنين، والمؤمنون أولياء الله ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [البقرة: آية ٢٥٧] ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: آية ٦٢] لأنهم يوالونه بالطاعة، وهو يواليهم بالنصرة والثواب الجزيل، وإصلاح الدنيا والآخرة.
وهؤلاء الذين يتخذون أولياء كالذين يتخذون الشياطين أولياء فيتبعون قانون الشيطان وتشريع الشيطان، وكالذين يتخذون بعض رؤساء الكفرة الضُلَاّل أولياء فيتبعون تشاريعهم، ويحلون حلالهم،
_________________
(١) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٤ ]
ويحرمون حرامهم، فهؤلاء كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، وقد ثبت في الحديث عن عدي بن حاتم (﵁) أنه سأل النبي ﷺ عن قوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله﴾ [التوبة: آية ٣١] كيف اتخذوهم أربابًا؟! - وكان عدي في الجاهلية نصرانيًّا - قال له النبي ﷺ: «ألمْ يُحِلُّوا لهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ؟» قال: بلى. قال: «بِذَلِكَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا» (^١). فمن اتبع تشريع ولي تَوَلاهُ من شيطان، أو طاغية، أو كافر، أو صاحب قانون، أو بدعة فاتبع ما أحل من الحرام، وما حرم من الحلال فقد اتَّخَذَ ذلك رَبًّا، وخرج عن قانون نظام السماء الذي وَضَعَهُ خَالِقُ السماوات والأرض -جل وعلا - على لسان سيد الخلق، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ﴾ أي: غيره ﴿أَوْلِيَاء﴾.
ثم قال: ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّات (^٢): قرأه ابن عامر وحده: ﴿قليلًا ما يتذكرون (٣)﴾ بزيادة ياء، وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ بتاء واحدة مع تخفيف الذال على حذف إحدى التاءين، وإذا كان أول الفعل مبدوءًا بتاءين جاز حذف إحداهما تخفيفًا بقياس مطرد، وقرأه بقية القراء السبعة، وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر - وهو شعبة - عن عاصم، قرءوا: ﴿قليلًا ما تذّكرون﴾ بتشديد الذال. فعلى قراءة: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أصله: (تتذكرون) حُذفت إحدى التاءين. وعلى قراءة: ﴿تذّكرون﴾ فقد أُدغمت إحدى التاءين في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٧.
[ ٣ / ٣٥ ]
الذال، وعلى قراءة ابن عامر: ﴿يتذكرون﴾ فهو من الغَيْبة لا مِنَ الخِطَاب، فالفعل للغائبين لا للمخاطبين (^١).
وقوله: ﴿قَلِيلًا﴾ يعربونه مصدرًا (^٢)، والمعنى: تتذكرون تَذَكّرًا قليلًا؛ لأن الكفار ربما تذكروا تذكرًا قليلًا فآمنوا، ولكنهم يراجعهم شركهم وكفرهم كما قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: آية ١٠٦] وزعمت جماعة من علماء العربية أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يطلقون القِلَّة ويريدون بها العَدَمَ المحْضَ (^٣)، يقولون: مررت بأرض قليل بها الكرَّاث والبصل. يعنون: لا كُرَّاثَ فيها ولا بصل. وهذا أسلوب معروف، ومنه قول غيلان ذي الرمة (^٤):
أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدة فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلًا بهَا الأَصْوَاتُ إلا بُغَامُهَا
يعني: لا صوت فيها البتة إلا بُغام ناقته. ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حكيم يمدح يزيد بن المُهلب (^٥):
أَشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوَادِي قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَهْ
_________________
(١) انظر: حجة القراءات ص٢٧٩.
(٢) لعله سبق لسان، والمراد: نعت مصدر محذوف. انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٦٧)، الدر المصون (٥/ ٢٤٦).
(٣) انظر: ابن جرير (٢/ ٣٢٩ - ٢٣٠)، بصائر ذوي التمييز (٤/ ٢٩٣)، القرطبي (٢/ ٢٦)، ابن عاشور (١/ ٦٠٠)، أضواء البيان (٢/ ٢٨٧).
(٤) البيت في مشاهد الإنصاف ص١٤٥، دفع إيهام الاضطراب ص٧٩.
(٥) البيت في ديوانه ص٨٦، دفع إيهام الاضطراب ص٧٨، وشطره الأول في الديوان: أشم كثير البوادي النوال . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٦ ]
يعني: لا مثلبة فيه ولا قادحة البتة، وهذا معروف، ومنه في كلام العرب قوله (^١):
فَمَا بَأْسَ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنَا تَحِيَّةً قَلِيلًا لَدَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ عَابُهَا
يعني لا عيب فيها البتة عِنْدَ مَنْ يَعْرِف الحق، وظاهر القرآن هو الأول، أنهم يتذكرون تذكُّرًا قليلًا لا يُجْدِي، ولو تذكروا وآمنوا بالبعض لا ينفعهم ذلك كما قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [البقرة: آية ٨٥] وهذا معنى قوله: ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣].
والحاصل أن هذه الآية الكريمة يجب على كل مسلم أن يتدبرها، ويعلم أن النظام المتبع هو نظام الله لا نظام إبليس، ولا قانون الشيطان؛ لأن قانون الشيطان صرح الله بأن من اتبعه مشرك في قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: آية ١٢١] وآية الأنعام هذه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ هي عند علماء العربية مثال لحذف لام التوطئة، قالوا: الأصل: (ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون) فحُذفت لام توطئة القسم، قالوا: وهذه الآية دليل على ذلك، والقرينة على أن هناك لام التوطئة محذوفة أنه لو كان شرطًا محضًا خاليًا من قَسَم لقال: وإن أطعتموهم فإنكم لمشركون؛ لأن جواب الشرط إذا كان ليس يصلح فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء كما هو معروف في علم العربية، فلو لم يكن هنالك قسم مقدر لقال:
_________________
(١) البيت في مغني اللبيب (٢/ ٦)، وأول شطره الثاني: «قليل» وذكره الشيخ (﵀) بالنصب في دفع إيهام الاضطراب ص٧٩.
[ ٣ / ٣٧ ]
وإن أطَعْتُموهم فإنكم لمشركون. والتحقيق أن القرآن ليس فيه حذف الفاء في جملة جزاء الشرط إذا كانت جملة اسمية أو طلبية، أو غير ذلك من الجمل التي لا تصلح أن تكون فعلًا للشرط (^١)، وما زعموا من أن قراءة نافع في سورة الشورى (^٢): ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: آية ٣٠] فإن المصحف الكبير الذي بقي في المدينة عند عثمان بن عفان (﵁) فيه: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم﴾ بلا فاء، والمصاحف التي أُرسلت للعراق وغيره فيها الفاء: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ (٣٠)﴾ قالوا: (ما) هنا شرطية، والفاء لم تأت في قراءة نافع وابن عامر: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت﴾ بلا فاء.
والحق أن آية الشورى هذه لا حجة فيها؛ لأن لفظة (ما) على قراءة نافع وابن عامر: موصولة لا شرطية (^٣). والمعنى: والذي أصابكم من مصيبة هو كائن بما كسبت أيديكم. فلا شرط فيه أصلًا على قراءة نافع وابن [عامر] (^٤)، والمقرر في علم القراءات وعلوم القرآن: أن القراءتين كالآيتين، تكون هذه القراءة لها معنى، وهذه لها معنى (^٥). فلا مانع من أن تكون (ما) على قراءة الجمهور شرطية، فجيء بالفاء، وعلى قراءة نافع
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢١٣)، الدر المصون (٥/ ١٣٢).
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٩٥.
(٣) انظر: حجة القراءات ص٦٤٢.
(٤) في الأصل: «وابن كثير» وهو سبق لسان.
(٥) راجع ما مضى عند تفسير الآية (٣٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٨ ]
وابن [عامر] (^١) موصولة، فلم يُحتج إلى الفاء. وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾.
والرب: هو السيد المدبر للشؤون، وربنا: هو خالقنا وسيدنا والمدبر لشؤوننا، الذي لا نستغني عنه، وكل من يدبر الشؤون ويدبر الأمور ويسوسها تسميه العرب (ربًّا) فيقولون: مَنْ رَبُّ هذا البلد؟ يعني: من هو السيد الذي يسوس أموره ويدَبِّرها، وهذا معروف في كلام العرب (^٢)، ومنه قول عَلْقَمَة بْن عَبَدة التميمي، وهو عربي قُح جاهلي (^٣):
وكُنْتَ امرأً أفْضَتْ إليكَ ربَابَتي وقَبْلكَ رَبَّتني فَضِعْتُ رُبُوبُ
فسمى الساسة الذين كانوا يسوسونه: (ربوبًا) جمع (رب) وأصله من: (ربَّه يربُّه) إذا أصلحه وساس شؤونه، ومنه بهذا المعنى: (الربيبة) وهي بنت امرأة الرجل؛ لأن زوج أُمها في الغالب يسوسها ويدبر شؤونها، وقد يكون بعضكم قرأ في السيرة أن النبي ﷺ في غزوة حُنَيْن لما صَلَّى الصبح وانْحَدَر في وادي حنين في غَلَس ظلام الصبح بعد الصلاة، وكان مالك بن عوف النَّصْرِي جمع له هوازن في مضيق وادي حنين، فدخل المسلمون فيهم في غَلَس ظلام الصبح، فشدوا عليهم شَدَّة رجل واحد، فصارت الرِّمَاح والنِّبَال كأنها مطر تزعزعه الريح، ووقع بالمسلمين ما ذكر الله في قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
_________________
(١) راجع التعليق في الحاشية قبل السابقة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٣٩ ]
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٢٥] وكان صفوان بن أمية من أعْدَى خلق الله لِرَسُولِ الله؛ لأن النبي قتل يوم بدر أبَاه أميّة، وأخاه علي بن أمية، وقتل يوم أُحد عَمَّه أُبيّ بن خلف، فهو من أشد الناس عداوة لرسول الله، وهو الذي استعار منه النبي سلاحًا لغزوة حنين، وأمهله مدة ينظر فيها في أمره، وكان حاضرًا لِمَا وقع للمسلمين، فقال رجل معه (ابن أخيه من الأم، أو قريب له): «الآن بطل سحر محمد» فعند ذلك قال صفوان: «اسكت فُضَّ فُوك، والله لأن يربني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يربني رجل من هوازن» (^١) وهو محل الشاهد؛ لأنه لو كانت غلبت هوازن النبي -لا قدر الله- لكانت السيادة لهم فحكموا قريشًا، فهو يقول: أن يربني ابن عمي محمد ﷺ يسودني فيسوسني أحب إلى من أن يسودني رجل من هوازن، والشاهد: أن قوله: «لأن يربني» لأن يسودني فيسوسني ويدبر أمري، هذا أصل معنى الرب، ورب السماوات والأرض: هو خالق هذا الكون وسيده ومدبر شؤونه الذي لا يستغنى عنه طرفة عين.
[٢/أ] / قوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: الآيات ٤ - ٧].
لما أمر الله (جل وعلا) جميع خَلْقِهِ أن يتبعوا ما أُنْزِلَ إليهم من
_________________
(١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٠ ]
ربهم في قوله: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: الآية ٣] ونهاهم أن يتبعوا أولياء من دونه -سواءً كانوا من أولياء الشياطين المضلين، أو من أولياء الإنس المضلين- في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ ثم سفَّه من اتبع أولياء من دونه فقال: ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ لما أمر باتباع ما أنزل الله، ونهى عن اتباع غيره حذر هذا التحذير العظيم من اتباع غير ما أنزل الله، وبيَّن أن قبلكم أممًا كثيرةً اتبعت غير ما أنزل الله، وامتنعت من اتباع ما أنزل الله، فأهلكها الله وَدَمَّرَها تدميرًا مستأصلًا، وعَذَّبَهَا في الدنيا عذابًا نكرًا متصلًا بعذاب الآخرة، يحذر خلقه أن يتبعوا غير ما أنزل لئلا يوقع بهم ما أوقع بمن قبلهم؛ ولذا قال بعد قوله: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ قال بعد ذلك مهددًا ومخوفًا لمن اتبع غير ما أنزل، وامتنع من اتباع ما أنزل: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ٤، ٥].
قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ﴾ (كم) في اللغة العربية هنا معناها الإخبار بعدد كثير، ومميزها هو المجرور بـ (من) معناه: وكثير من القرى أهلكناه ودمرناه؛ لأنهم اتبعوا غير ما أنزلنا، وتركوا اتباع ما أنزلنا. فـ (كم) هنا هي الخبرية، والمراد بها: الإخبار بعدد كثير. والمعنى: وكثير من نوع القرية أهلكناه ودمرناه. وإنما أَنَّث الضمير في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ لأنه عائد إلى القرية، إلا أن هذه القرية عددها كثير كما دل عليه قوله: (كم) لأنه يخبر بعدد ضخم من القرى الظالمة أهلكها الله ودمرها؛ لأنها لم تتبع ما أنزل. فمعنى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ﴾ كثير من نوع القرية أهلكناه. و(كم) هنا في موضع رفع على أنها مبتدأ،
[ ٣ / ٤١ ]
وجملة ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ خبره، على أجود الإعرابين. ويجوز أن تكون منصوبة على الاشتغال، منصوبة بـ (أهلكنا) مضمرة دلت عليها ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ (^١) على حد قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: آية ٤٩] إلا أن الرفع هنا على الابتداء أجود؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير (^٢).
والقرية تطلق في اللغة العربية إطلاقين (^٣): تطلق على مطلق الأبنية من الحجارة والطين والأُسس والسقوف، وتطلق على أهل القرية التي هي عامرة بهم، دل القرآن على إطلاقها هذين الإطلاقين. والتخويف بإهلاك أهلها وإن كان نفس القرى والأبنية يدمره الله ويهلكه، إلا أن التخويف الشديد إنما هو بإهلاك أهلها، والمراد بالإهلاك: إهلاك أهلها؛ لأن الله قال بأن المراد الأهل، قال: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (٤)﴾ فقوله: ﴿هُمْ قَآئِلُونَ﴾ يدل على أن المراد هو السكان؛ لأن نفس الأبنية لا يقال فيها: ﴿هُمْ قَآئِلُونَ﴾ فلا بد هنا من تقدير: (أهل القرية) على كل حال (^٤)؛ لأن الله قال: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (٤)﴾ فقال بعضهم: يقدر في قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: أهلكنا أهلها ﴿فَجَاءهَا﴾ أي: القرية، والمراد: أهلها ﴿بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ بدليل قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾. وقال بعض العلماء: لا حاجة إلى تقدير (الأهل) في الأول: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: دمرنا أبنيتها وجعلناها خاوية
_________________
(١) انظر الدر المصون (٥/ ٢٤٧).
(٢) انظر: البرهان للزركشي (٣/ ١٠٤)، قواعد التفسير (١/ ٣٦٢).
(٣) انظر: المفردات (مادة: قرى) ص٦٦٩.
(٤) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٤٨).
[ ٣ / ٤٢ ]
على عروشها لما سخطنا على أهلها ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ في حال كون أهلها بائتين، أو في حال كونهم قائلين، أي: مستريحين وقت القيلولة.
وفي هذه الآية الكريمة حذف النعت، وحذف النعت يقول بعض علماء العربية: إنه قليل، كما قال ابن مالك في الخلاصة (^١):
وَمَا مِنَ المَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُه وفِي النَّعْتِ يَقِل
ولكنه بِتَتَبّع اللغة العربية يُعلم أن حذف النعت كثير. والنعت المحذوف هنا هو قوله: «وكم من قرية ظالمة عاصية غير متبعة ما أُنزل إليها». والدليل على هذا النعت المحذوف: أن الله لا يهلك قرية إلا قرية ظالمة، كما صرح به في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ [القصص: آية ٥٩] فدلت هذه الآيات على أن القرية يُحذف نعتها هنا. أي: «وكم من قرية ظالمة عاصية ممتنعة من اتباع ما أنزلنا، متبعة للأولياء المضلين غير ما أنزلنا، كم من قرية بهذه المثابة أهلكناها».
وحَذفُ النعت (^٢) مشهور في كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: آية ٧٩] لأن المراد كل سفينة صحيحة صالحة؛ إذ لو كان يأخذ المعِيبَة المَخْرُوقَة لما كان في خرق الخضر للسفينة فائدة؛ لأنه لما خرقها خرقها ليعيبها لتسلم بذلك العيب من أخذ الملك الغاصب لها؛ لأن عيبها بالخرق يزهده في أخذها؛ ولذا قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧١) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٤٣ ]
فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: آية ٧٩] أي: لئلا يأخذها الملك الغاصب، فدل كون الملك لا يأخذ السفينة المعيبة على حذف النعت في قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أي: صحيحة صالحة غير معيبة ولا مخروقة. وحذف النعت معروف في كلام العرب، ومن أمثلته في كلام العرب قول المُرقَّش الأكبر (^١):
وَرُبَّ أَسِيلَةِ الخَدَّينِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لها فَرْعٌ وَجِيْدُ
يعني: لها فرع فاحم، وجيد طويل، فحذف النعت لدلالة المقام عليه، ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي يمدح رجلًا (^٢):
مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ وَمَنْ فِعْلُهُ فِعْلٌ وَمَنْ نَائِلُهُ نائِلُ
يعني: من قوله قولٌ فصلٌ، وفعله فعلٌ جميل، ونائله نائلٌ جَزْل، فحذف النعوت لدلالة المقام عليها، والمعنى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ﴾ أي: وكثير من نوع القرية الظالمة العاصية المتبعة غير ما أنزل الله أهلكناها بسخطنا عليها فدمرناها تدميرًا مستأصلًا؛ لأنها لم تتبع ما أنزلنا واتبعت غير ما أنزلنا.
وهذه القرى بينها الله بكثرة إجمالًا وتفصيلًا (^٣)، كقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ ثم بين عذابهم الأخروي فقال: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا﴾ الآية [الطلاق: الآيات ٨ - ١٠] وكقوله: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
(٣) انظر: الأضواء (٢/ ٢٨٨).
[ ٣ / ٤٤ ]
مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: آية ٤٥] والمعنى: أن آبارها تعطلت لم يبق من يستقي عليها لهلاك أهلها وفنائهم عن آخرهم. وكقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء: الآيات ١١ - ١٥] والآيات بمثل هذا كثيرة. ومن هذه القرى التي أهلكها الله قرى قوم لوط (سدوم) وغيرها، رفعها إلى السماء وقلبها فجعل عاليها سافلها، وأرسل عليها حجارة السجيل؛ ولأجل أنه قلبها وجعل عاليها سافلها سُميت القرى: (المؤتفكات) وسُميت عاصمتها: (المؤتفكة) لأن جبريل أَفَكَها، أي: قلبها فجعل عاليها سافلها. والإفك: قلب الشيء، ومنه قيل لأسوأ الكذب (إفك) لأنه قلب للحقائق عن ظواهرها. ومن تلك القرى: قوم مدين (أصحاب شعيب) الذين أهلكتهم الظُّلة، وقوم صالح الذين واعدهم ثلاثة أيام وعدًا غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ومنهم قوم هود أرسل الله عليهم الريح العقيم فَدَمَّرهُم، ومنهم قوم نوح أرسل الله عليهم الطوفان فدَمَّرَهم، كما جاء مفصلًا في الآيات القرآنية.
وكل هؤلاء القرى التي دمَّرها الله إنما دَمَّرَهَا لأنه أنزل إليها وحيًا وتشريعًا على لسان نبي كريم وقال لها: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ولا تتبعوا غيره. فتمردوا، ولم يتبعوا ما أنزل الله، واتبعوا غيره فَدَمَّرَهُم اللهُ تدميرًا مستأصلًا؛ ولذا يُحذر هذه الأمة على لسان نَبِيِّها أن لا تتَّبِعَ غير ما أنزل الله، لئلا يهلكها بهلاك مُسْتَأْصِل.
[ ٣ / ٤٥ ]
وهذه الآيات فيها تخويف عظيم، وتهديد كبير من رب السماوات والأرض؛ لأنهم إذا تركوا العمل بما أنزل الله، وذهبوا يعملون بغير ما أنزل الله، فقد استحقوا العقوبة والهلاك، فهم مستحقون للعقوبة والهلاك، فعليهم أن يتبعوا ما أنزل الله، ويتركوا اتباع غير ما أنزل الله؛ ليسلموا بذلك من استحقاق عقوبات الله وإهلاكه العظيم؛ ولذا قال: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: إهلاكًا مستأصلًا لم يبق منها داع ولا مجيب ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا وهلاكنا المستأصل. والبأس يطلق على كل نكال شديد (^١)، والمراد به هنا: إهلاكهم وتدميرهم عن آخرهم.
وقوله: ﴿بَيَاتًا﴾ مصدر مُنكّر في موضع الحال (^٢)، أي: ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ أي: جاء أهلَها بأسُنا في حال كونهم بائتين، أي: نائمين في الليل في بيوتهم، أو جاءهم بأسنا في حال كونهم وهم قائلون.
والتحقيق: أن الجملة الحالية إذا عُطفت بأداة عطف حُذف منها واو العطف لاستثقال تكرر أدوات العطف (^٣)، هذا هو التحقيق، ومناقشات النحويين في عدم حذفه كلها ساقطة. والحق الذي لا شك فيه أن الجملة الحالية إذا عُطفت على حَال بأداة عطف تُحذف منها واو الحال؛ لأن واو الحال تشبه أداة العطف، فَيُسْتَثْقَل إثباتها مع حرف العطف، ويكون الربط بالضمير؛ لأن ربط الجملة الحالية بالضمير يكفي عن ربطها بالواو.
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: بؤس) ص١٥٣.
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٤٩).
(٣) انظر: السابق (٥/ ٢٥٠).
[ ٣ / ٤٦ ]
والبيات: أصله مَصْدر بَاتَ الرجل يبيت بيتُوتة، وبياتًا (^١)، وسُمِّيَ البيت بَيْتًا؛ لأنه يُبَاتُ فيه، وهو مصدر مُنكَّر في مَوْضِع الحال، والمصادر المُنكَّرة تقع أحوالًا بكثرة. أي: ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ أي: جاء أهْلها بأسُنا في حال كونهم بائتين نائمين في غفلة. أو جاءها بأسنا في حال كونهم وهم قائلون.
والقائلون: جمع القائل، وهمزته منقلبة عن ياء؛ لأن الفاعل من الأجوف تُبدل عينه همزة، سواء كانت واوًا أو ياء، فإن قلت: قال زيد، يقول، فهو قائل، الهمزة مبدلة من واو؛ لأن أصل الأجوف واوي العين من (القول). وإن قلت: قال زيد، يقيل. معناه: استراح في وقت النهار، يعني من العمل، سواء كانت القيلولة استراحًا مع نوم أو غير نوم. تقول: قال، يقيل، فهو قائل، كـ: (باع، يبيع، فهو بائع) فالهمزة مبدلة من ياء؛ لأن (قال، يقيل) من (القيلولة) أجوف يائي العين، و(قال، يقول) من (القول) أجوف واوي العين، والهمزة تُبدل من الواو والياء، وهي هنا مبدلة من ياء؛ لأن (القائلين) هنا جمع (قائل) وهو اسم فاعل (قال، يقيل) كـ (باع، يبيع) من (القيلولة) وهي الاستراحة في نصف النهار وقت شدة الحر، سواء كانت مع نوم أو مع غير نوم (^٢).
وهذان الوقتان وقت راحة ودعة واستراحة، فإتيان العذاب والإهلاك فيها أفظع، وقد أهلك الله قوم شعيب في وقت القائلة؛ حيث أرسل عليهم الظُّلة في شدة النهار وأحرقتهم، وأهلك قوم لوط قبل
_________________
(١) المصدر السابق (٥/ ٢٤٩).
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ٢٥٢)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٢٣٠.
[ ٣ / ٤٧ ]
أن يستيقظوا مِنْ نوْمِهِمْ عند انصداع الفجر، كما قال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾ [هود: آية ٨١] والله (جل وعلا) يخوف الظالمين المتبعين لغير ما أنزل بأن يهلكهم وقت البيات، أو وقت القيلولة، أو أن يهلكهم في أوقات أُخر كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ (٩٧) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: الآيات ٩٧ - ٩٩]، وقال جل وعلا: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: الآيات ٤٥ - ٤٧] إلى آخر الآيات التي يخوف الله بها خلقه من معاصيه.
وعلينا جميعًا أن نعرف أن خالق السماوات والأرض هو الجبار العظيم، شديد البطش والنكال ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ [البروج: آية ١٢] وهو يخوف خلقه أن يعملوا بمعصيته، وأن يتبعوا غير ما أنزل، فيجب على كل مسلم أن يخاف من عقوبات الله وسخطه وإهلاكه، وأن يحذر كل الحذر من أن يتبع غير ما أنزل الله، فيجب على كل أحد أن يتبع ما أنزل الله ويدع غيره.
واستدلال ابن حزم وغيره من الظاهرية بهذه الآية على منع القياس سنبسط الكلام عليه في قصة إبليس - عليه لعائن الله - الآتية في الآيات القادمة قريبًا إن شاء الله.
وقوله جل وعلا: ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأعراف: الآيتان ٤، ٥] يعني: لما أهلك الله القرى بظلمها ودمرها تدميرًا مستأصلًا لم يكن عندها عذر ولا حجة مقبولة؛
[ ٣ / ٤٨ ]
لأن الله (جل وعلا) هو العدل الذي لا يأخذ ظلمًا: ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: آية ٤٠] فلا يأخذ أحدًا بعذاب إلا وهو مستحق كل الاستحقاق لذلك العذاب؛ ولذا القرى التي دَمَّرَها لم تكن عندها دعوى ولا معذرة تقول: يا ربنا إنك ظلمتنا؛ أو عاقبتنا ولم تنذرنا!! لأنه لا يعذب أحدًا حتى يقطع حجته ويُعذر إليه من جميع الجهات، كما قال جل وعلا: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: آية ١٦٥] فلو كان عذبهم قبل أن ينذرهم لاعتذروا وقالوا: أنت لم تُنْذِرْنَا ونحن جاهلون معذورون، ولكن الله يقول: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وهذه الحجة التي أشار لها في سورة النساء أوضحها في سورة طه، وأشار لها في سورة القصص، حيث قال في طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه: آية ١٣٤] وقال في القصص: ﴿وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص: آية ٤٧] فلما قطع عذرهم بالرسل والآيات والمعجزات لما جاءهم الهلاك لم تكن عندهم دعوى يعتذرون بها، ولا حجة يبدونها إلا الإقرار والاعتراف بأنهم الخبثاء الظالمون؛ ولذا قال: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ [الأعراف: آية ٥] لم يكن عندهم عذر ولا دعوى؛ ولذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
فقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ قال بعض العلماء: فما كان قولهم؛ لأنهم لا حجة لهم ولا دعوى.
[ ٣ / ٤٩ ]
وقال بعض العلماء: لم يكن عندهم ادعاء ولا معذرة إلا قولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
وقال بعض العلماء: الدعوى هنا بمعنى الدعاء، لم يكن عندهم دعاء ولا تضرع إلا الاعتراف بالذنب حين لا ينفع الاعتراف، والندم حيث لا ينفع الندم.
والدعوى تطلق على القول، وعلى الادعاء، وعلى الدعاء (^١). أي: فما كان قولهم ومعذرتهم حين جاءهم العذاب إلا الاعتراف ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
وأظهر القولين هنا (^٢) أن ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ في محل رفع اسم لكان، وأن قوله: ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ﴾ المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل نصب خبرًا لكان؛ لأنه إذا كان الفاعل والمفعول أو الاسم والخبر معرفتين كان الأُولى منها يستحق أن يكون هو الفاعل أو الاسم إلا بدليل يدل عليه. وقول بعض العلماء: إن ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ هنا منصوب بدليل قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَن قَالُوا﴾ [النمل: آية ٥٦] فجعل ﴿إِلَاّ أَن قَالُوا﴾ هو المرفوع، و﴿جَوَابَ﴾ هو المنصوب، كذلك ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ﴾ فيه فرق؛ لأن ﴿جَوَابَ﴾ يظهر فيه النصب فيتعين الاسم من الخبر، وقوله: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ لا يتعين فيه الاسم من الخبر؛ لأنه لا يظهر عليه النصب، فالأَولى أن يكون الأول هو المرفوع، والثاني هو المنصوب إلا بقرينة تدل عليه. والمعنى فما كان دعواهم وادعاؤهم إلا قولهم:
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: دعا) (٣١٦)، بصائر ذوي التمييز (٢/ ٦٠١).
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٥٣).
[ ٣ / ٥٠ ]
﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ يعني: إنا كنا ظالمين فيما كنا عليه من اتباع غير ما أنزل الله، وترك اتباع ما أنزل الله.
والظالمين جمع تصحيح للظالم، وهو خبر كان منصوب، والظالم: اسم فاعل الظلم، وقد قدمنا مرارًا (^١) أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن أنه وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع شيئًا في غير موضعه فهو ظالم.
وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير الخالق (جل وعلا)؛ ولذا كان الشرك بالله وعبادة غيره هو النوع الأكبر من أنواع الظلم، كما قال العبد الحكيم لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: آية ١٣] وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه فسر قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: آية ٨٢] قال: بِشِرْك. ثم تلا قول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] (^٢) ونظيره في القرآن: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] هذا أصل الظلم في لغة العرب. أعظم أنواعه: وضع الشيء في غير موضعه، وضع العبادة في غير مَنْ خلق، وهي الكفر بالله.
ومن أنواع الظلم وضع الطاعة في غير موضعها بأن يطيع عدوه إبليس ويعصي خالقه (جل وعلا)، فمن أطاع إبليس واتبع تشريعه،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٥١ ]
وعصى الله ولم يتبع ما أنزل فهو ظالم؛ لأنه وضع الطاعة في غير موضعها، والمعصية في غير موضعها، والله يقول: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: آية ٥٠] وكل مَنْ وَضَعَ شيئًا في غير موضعه تسميه العرب (ظالمًا) ومن ذلك قولهم للذي يضرب لبنه قبل أن يروب: هو ظالم؛ لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، وإضاعة زبده وضع للضرب في غير موضعه، ومنه سُمي الذي يضرب لبنه قبل أن يروب (ظالمًا) وفي لُغَز الحريري في مقاماته (^١): هل يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا. يعني بقوله: «ظالمًا» أنه يضرب لبنه قبل أن يروب ويسقيه الناس. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي وَهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكَدِ الظَّلِيمُ
قولها: (ظلمت لكم سقائي) يعني سقيتكم إياه قبل أن يروب ويؤخذ زبده. وقوله: (وهل يخفى على العَكَد الظليم) العَكد: عصب مؤخر اللسان؛ لأن اللسان يذوق فيعرف ما نُزع زبده من اللبن وما لم ينزع. ومنه بهذا المعنى قول الآخر (^٣):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ
يعني: أنه صبَّ سقاءه فسقاه الناس قبل أن يروب، ويقول: ظلمي لهذا السقاء ظلم أُريد به الأجر عند الله، ولذا قال (^٤):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٩) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٣ / ٥٢ ]
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ
ورواية البيت: (ظَلمي) بفتح الظاء، من (ظَلَمَه، يَظْلِمُه، ظَلْمًا) لأن (الفَعْل) بالفتح والسكون، هو قياس مصدر الثلاثي المعدّى. أما الظُلم -بضم الظاء- فهو اسم مصدر الظَلم المعروف. والرواية في البيت:
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ
ومنه قيل للأرض التي حُفر فيها وليست موضعًا للحفر قيل: مظلومة؛ لأن الحفر وُضِعَ في غير موضعه، ومنه على التحقيق قول نابغة ذبيان (^١):
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالًا أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جوابًا وَمَا بِالرّبْعِ مِنْ أَحَدِ
إِلَاّ الأَوَاريَّ لأْيًا مَا أبَيِّنُها والنُّؤي كالحوضِ بالمظْلُومَةِ الجَلَدِ
النؤي هنا: يريد به ما يحفره الأعراب -البدو- حول خيامهم لِئَلا يجترفها السيل، فيحفرون حولها حفيرًا يذهب معه الماء عن الخيمة، وإنما قال: إن هذه الأرض مظلومة؛ لأنها فلاة ليست محلاّ للحفر سابقًا؛ ولذا قيل للتراب المحفور من القبر (ظليم) أي: مظلوم؛ لأن العادة أنه لا يُحفر قبر في محل هو محل لحفر سابقًا؛ ومنه بهذا المعنى قول الشاعر يصف رجلًا جُعل في قبره (^٢):
فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ مِنَ العَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْهَا ظَلِيمُهَا
وأمثال هذا في لغة العرب كثيرة، أصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٥٣ ]
وهو في اصطلاح الشرع (^١): وضع العبادة في غير موضعها، وهو الشرك بالله. أو وضع الطاعة في غير موضعها، كطاعة إبليس، ومعصية الله. وقد جاء الظلم في القرآن في موضع واحد يُراد به النقص (^٢) وهو قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: آية ٣٣] يعني أي: ولم تنقص منه شيئًا. وهذا معنى قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ [الأعراف: آية ٥] أي: واضعين الشيء في غير موضعه حيث كنا نضع الاتباع في غير موضعه، فنتبع قانون الشيطان ونترك اتباع ما أنزل الله، ونطيع الشيطان ونعصي (^٣) أمر الله. فهم متبعون ما لا ينبغي أن يُتبع، وتاركون ما ينبغي أن يُتبع، فقد وضعوا الأمر في غير موضعه، وأوقعوه في غير موقعه، وذلك معنى الظلم في لغة العرب. ولذا قال: ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾.
وفي الآية التي ذكرنا إشكال معروف وسؤال مشهور عند العلماء، وهو الفاء في قوله: ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ (^٤)؛ لأن المعروف في لغة العرب: أن الفاء حرف تعقيب، وأن ما بعدها آتٍ بعد ما قبلها؛ لأنك لو قلت: جاء زيد فعمرو. معناه: أن عَمْرًا جاء بعد مجيء زيد، عقبه. والقرآن هنا قال: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ فجعل مجيء البأس كأنه واقع عقب الإهلاك، ومجيء البأس ليس واقعًا عقب الإهلاك، بل مجيء البأس هو عين الإهلاك، فالتعقيب بالفاء
_________________
(١) السابق.
(٢) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٣) في الأصل (غير) وهو سبق لسان.
(٤) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
[ ٣ / ٥٤ ]
هنا فيه إشكالًا معروفًا وسؤلًا مشهورًا عند العلماء؛ لأن طالب العلم يقول: كيف يقول: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ ثم يقول عقبه ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ فكأن البأس لم يأتها إلا بعد أن أُهلكت، والواقع خلافه؛ لأن البأس جاءها وهو إهلاكها. فهذا وجه السؤال.
والجواب عنه للعلماء من أوجه معروفة مشهورة في التفسير:
أحدها: أن الكلام على حذف الإرادة. أي: أردنا إهلاكها بإرادتنا المُصَمِّمَة الأزلية، فنفذنا ذلك، فجاءها بأسنا، وحَذْفُ فعل الإرادة كثير في القرآن جدًّا، كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أردت أن تقرأ القرآن ﴿فَاسْتَعِذْ بِالله﴾ [النحل: آية ٩٨] ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [المائدة: آية ٦] أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا. وحَذْفُ فعل الإرادة معروف في القرآن وفي كلام العرب.
الثاني: أن المراد بقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ يعني: حكمنا بإهلاكها. يعني: في سابق أزلنا؛ أي: حكمنا عليها بالإهلاك، وجعلناه قدرًا مقدورًا محكومًا به، فجاءها تنفيذًا لذلك القدر ﴿بَأْسُنَا﴾. وهو قريب من الأول.
[الثالث] (^١): أن معنى ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أن الإهلاك -والعياذ بالله- هو الخذلان؛ أي: خذلناها وأضْلَلْنَاهَا فلم تتبع ما أنزل الله، ومن خذله الله ولم يوفِّقْهُ فهو الهالك، كما قال ﷺ في الحديث المشهور إنه ترك أمَّتَهُ على المحَجَّةِ الْبَيْضَاء، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَاّ هَالِك (^٢). فسمى الزائغ عن الطريق: هالكًا، فمعنى:
_________________
(١) في الأصل: «الثاني» وهو سبق لسان.
(٢) من حديث العرباض بن سارية ﵁، ولفظه: «تركتكم على البيضاء»، وفي رواية: «على مثل البيضاء». وبنحوه من حديث أبي الدرداء ﵁. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧)، والدارمي (١/ ٤٣)، وأبو داود في السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم: (٤٥٨٣) (٢/ ٣٥٨)، والترمذي في العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. حديث رقم: (٢٦٧٦)، (٥/ ٤٤)، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث رقم: (٤٢، ٤٣، ٤٤)، (١/ ١٥ - ١٧)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٧ - ٢٠)، والمروزي في السنة ص٢٦ - ٢٧، وابن حبان (كما في الإحسان ١/ ١٠٤)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٤٦ - ٢٤٨)، والآجري في الشريعة ص٤٦ - ٤٧، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥ - ٩٧)، وفي المدخل إلى الصحيح ص٧٩ - ٨١، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٢٢، ٧٤ - ٧٦) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١١٤)، وفي الاعتقاد ص١١٣، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١٦٣ - ١١٦٤)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٠٥).
[ ٣ / ٥٥ ]
﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ خذلناها حتى زاغت عن الطريق، وكفرت، وعتت عن أمر ربها، فجاءها بأسنا نتيجة لذلك الإهلاك الذي هو الضلال الذي خذلها الله فأضلها.
وقال بعض العلماء: جرت عادة العرب في لغتهم أن كل فعلين معناهما واحد يرتبون ما شاءوا منهما بالفاء على الآخر. وعليه فالفاء تفسيرية؛ لأن الفاء قد تكون [تفسيرية، نحو: توضأ فغسل وجهه] (^١) ويديه ورجليه. فقوله: «فغسل» هنا: الفاء تفسير لتوضَّأ، فهي تفسيرية؛ ولذا ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: آية ٤] فيكون مجيء البأس تفسيرًا للإهلاك. والعرب تقول: إن كل فعلين معناهما واحد يُرتب كل منهما على الآخر بالفاء والواو كالتفسير، كأن تقول: شتمني فأساء إلي، وأساء إلي فشتمني. ونحو ذلك وهذا مستفيض
_________________
(١) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام كما في الدر المصون (٥/ ٢٤٩).
[ ٣ / ٥٦ ]
في كلام العرب. وهذه أوجه الجواب عن هذا الإشكال.
ومعنى قوله: ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٥] ثم إن الله (جل وعلا) علم بأنه أنزل هذا الكتاب الأعظم، وأمر النبي ﷺ بالتبليغ والإنذار به، ثم أمر باتباعه، ونهى عن اتباع غيره، ثم بيَّن أن من لم يتبع ما أنزل الله يهلكه الله ويدمره، وأنه إذا جاءه الإهلاك والتدمير ليس عنده إلا الإقرار، بيَّن أنه يوم القيامة سيسأل جميع الخلائق من مرسلين ومرسل إليهم ماذا كان موقفهم من هذا القرآن العظيم الذي أمرهم باتباعه في دار الدنيا، فيسأل المرسلين: هل بلغتم كتابي؟ وماذا أجابوكم؟ ويسأل المُرسل إليهم: هل بلغكم رسالاتي؟ وماذا أجبتم به المرسلين؟ ومما يفسر الآية: قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: آية ١٠٩] يعني: ماذا أجابتكم به الأمم لما أمرتموهم باتباع ما أنزلت، ونهيتموهم عن اتباع غيره؟ ثم قال في الأمم: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء﴾ وفي قراءة: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلَونَ﴾ [القصص: الآيتان ٦٥، ٦٦] (^١) فالله (جل وعلا) في ذلك الوقت يسأل جميع الخلائق ويقول للمرسلين: هل بلَّغتم رسالاتي؟ ويقول لهم أيضًا: ماذا أجابتكم به أممكم؟ هل قبلت منكم ما جئتم به أو ردته عليكم؟ ويقول للذين أُرسل إليهم: هل بَلَّغَتْكُم الرسلَ رسالاتي، وماذا أجبتم رُسُلي؟ فالذي عرف أن الله أقسم في هذه الآية أنه يسأل الرسل، ويسأل المُرسل إليهم، يلزم عليه في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة أن يكون من المُصدقين للرسل، المتبعين ما أنزل الله لئلا يقع في الويلة العظمى والهلاك الأكبر عند
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٣٨.
[ ٣ / ٥٧ ]
هذا السؤال الهائل المخيف. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: بماذا أجابوا الرسل، وهل بلغتهم الرسل؟ ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦] هل بلغوا الأمم؟ وماذا أجابتهم الأمم (^١)؟
كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص: آية ٦٥] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: آية ١٠٩] فعلى المؤمن أن يكون متبعًا لما أنزل الله ليكون جوابه عند هذا السؤال جوابًا سديدًا.
وقد قدمنا أن الأمم الكافرة إذا سُئل الرسل وقالوا: (قد بلغناهم) ينكر الأمم ويقولون: ما بلغونا ولا شيئًا، ولو بلغونا لأطعنا ربنا!! فيقول الرسل: والله لقد بلغناهم أكمل تبليغ وأتمه. فيقول الله للرسل - هو يسأل الجميع، وهو أعلم - ليُظهر براءة الرسل ونزاهتهم وأمانتهم، ويُظهر خيانة الكفرة وعنادهم وكفرهم، فيكون فضلًا لهؤلاء ونكالًا لهؤلاء، فإذا أنكر الكفار أن الرسل بلغوهم، وقيل للرسل: هل عندكم من شهداء؟ فيقولون: نعم، أمة محمد ﷺ تشهد لنا، فيُدعى بنا -معاشر هذه الأمة الكريمة- فنشهد في ذلك الموقف العظيم للرسل الكرام بأنهم بلغوا ونصحوا وتحمَّلُوا الأذى، وبلغوا الدعوة على أكمل وجوه التبليغ، مع تحمّل الأذى على أكمل الوجوه، وأن الأمم الكافرة هي التي آذتهم وأهانتهم وطغت وتجَبَّرَتْ وتَكَبَّرَت عن قبول رسالات ربها.
فيقول الأمم: يا ربنا كيف تقبل علينا شهادة أمة محمد وهم وقت إرسال الرسل إلينا لم يبرزوا للوجود، فهم في ذلك الوقت معدومون؛ لأنهم آخر الأمم، وكيف يشهدون على شيء وقع قبل أن يكونوا في الوجود؟! فنُسأل عن ذلك،
_________________
(١) انظر الأضواء (٢/ ٢٨٩) ..
[ ٣ / ٥٨ ]
فنقول: نعم، نحن في ذلك الوقت كنا معدومين، ولكنا بعد وجودنا حصل لنا اليقين الجازم، ومدار الشهادة على اليقين الجازم، فما شهدنا إلا بيقين جازم لا تختلجه الشكوك ولا الأوهام؛ لأنك يا ربنا أرسلت إلينا رسولًا كريمًا هو خير الرسل وأصدقهم وأعظمهم أمانة، وأنزلت عليه كتابًا محفوظًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فما جاءنا في ذلك الكتاب، وأخبرنا به ذلك النبي الكريم، فنحن نقطع به ونجزم به أشد قطعًا وجزمًا مما عايناه بأعْيُنِنَا وسمعناه بآذاننا، وهؤلاء قد قصصت علينا أخبارهم في آياتك المحكمات قصصًا لا يختلجه شك، فهو قطع مجزوم به، فهؤلاء الكفرة قوم نوح قصصت علينا قضيتهم وأذاهم له، وما تحمل من أذاهم، وما نصح لهم من النصح، وما مكث فيهم من الزمن يبلغهم ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: آية ١٤] وأنه قال: ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَاّ فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ [نوح: الآيات ٥ - ٧] وهؤلاء قوم هود قصصت علينا قصصهم في آيات كثيرة، كقولهم له: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: آية ٥٣] وهؤلاء قوم صالح قصصت علينا أخبارهم في آيات كثيرة، كقولهم له: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى آخر الآيات [الأعراف: آية ٧٧]، وقد قدمنا أن هذا معنى قوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: آية ١٤٣] ومن هذا () (^١).
_________________
(١) في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل وذهب معه بعض الكلام .. ويمكن أن يستدرك أول المسألة الآتية من كلام الشيخ ﵀ في الأضواء حيث قال: «وهنا إشكال معروف: وهو أنه تعالى قال هنا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (٢٤)﴾ وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال: » إلخ. الأضواء (٢/ ٢٩٠). كما يمكن أن يُستدرك بقية الكلام السابق بمراجعة كلام الشيخ ﵀ على هذه المسألة عند الكلام على الآية (٩٣) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٥٩ ]
[٢/ب] / ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: آية ٧٨] وقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: آية ٣٩] فنفى سؤال الناس عن ذنوبهم، وأنه لا يُسأل أحد عن ذنبه مع أن قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: الآيتان ٩٢، ٩٣] من جملة ما كانوا يعملون: ذنوبهم، فإنهم يُسألون عنها (^١).
ووجه الجواب: أشهر أجوبة العلماء عن هذا جوابان:
أحدهما: أن السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع، وهو من جنس التعذيب، وسؤال استخبار واستعلام واستكشاف، فالمنفي في الآيات: سؤال الاستخبار والاستعلام والاستكشاف؛ لأن الله هو العالم المحيط علمه بكل شيء، فليس كقضاة الدنيا الذين يَسْألون عن الحقيقة ليستفيدوا منها علمًا، فهو عالم بما صنعوا، مُسَجِّل له عليهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فلا يقال للواحد منهم: هل فعلت الذنب الفلاني؟ سؤال استعلام واستكشاف، بل هو مسجل عليه ذنبه، محقق عليه، لا يُسأل عنه بهذا المعنى أبدًا، وإنما
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١)، (٧/ ٧٥٣ - ٧٥٤)، دفع إيهام الاضطراب ص ١٣١.
[ ٣ / ٦٠ ]
يُسال عن ذنبه سؤال توبيخ وتقريع، ويُقال له: لِمَ فعلت هذا؟! ألم أنهك يا خبيث عن هذا؟! وإذا وَجَدْتَ أسئلة الكفار في القرآن وجدتَها كلها أسئلة توبيخ وتقريع، كما قال لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: آية ٧١] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: آية ٢٥] ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: آية ١٥] كل الأسئلة أسئلة توبيخ وتقريع، وأما سؤال المرسلين فليس سؤال توبيخ ولا تقريع، والمراد به أن المرسلين إذا سُئلوا وقالوا: (بلَّغنا ونصحنا) رجع اللوم والتقريع على الأمم. ومن ذلك القبيل: سؤال الموءودة، وهي البنت التي كانوا يدفنونها حية، كما في قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: الآيتان ٨، ٩] لأن سؤال الموءودة ليس توبيخًا ولا تقريعًا للموءودة؛ لأنها لا ذنب لها، وإنما تقول: قُتِلْتُ ودُفنت حية في غير ذنب؛ ليتوجه العتاب الشديد واللوم العظيم على من فعل ذلك بها، فسؤال المرسلين وسؤال الموءودة إنما يُراد به: شدة توبيخ الكفار الذين كذبوا المرسلين، ووأدوا الموءودة. هذا معنى الآيات، وهذا معنى قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: الآية ٦] والدليل على أن سؤال الله للكفار سؤال توبيخ وتقريع، وأن سؤاله للمرسلين ليجيبوا بأنهم بلَّغوا فيتوجه التوبيخ والتقريع على الكفار زيادة على زيادة.
الدليل على هذا -أنه لا يسألهم سؤال استعلام واستخبار واستكشاف- أنه أتبعه بقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: آية ٧] يعني: لا نسألهم لنستفيد منهم شيئًا لم نعلمه، بل نحن نقص عليهم جميع ما عملوا بعلم حقيقي أزلي محيط بكل شيء، وما كنا في دار الدنيا غائبين عن شيء فعلوه، فلا نسألهم
[ ٣ / ٦١ ]
سؤال استعلام واستكشاف، وإنما نسألهم سؤال توبيخ وتقريع، أما في الكفار فبالمباشرة، وفي المرسلين فليبرءوا أنفسهم بأنهم بَلَّغوا، فيتوجه التقريع العظيم على الكفار الذين كذبوهم ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ فوالله لنقصن عليهم بعلم.
ومعنى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ نذكر لهم أعمالهم فذلك قصة، قصة، قصة، فيقول الله للعبد: يا فلان بن فلان ألم تعلم أنك فعلت في اليوم الفلاني، في الوقت الفلاني، في الساعة الفلانية، من الشهر الفلاني، في البقعة الفلانية، عملت كذا وكذا، وكذا وكذا؟ ثم يسرد عليه أعماله قصة قصة، وقعة بعد وقعة، حتى يأتي على جميع ما فعل، وكذلك تشهد عليهم بقاع الأرض؛ لأن الإنسان إذا عصى الله في بقعة من بقاع الأرض يومئذ ينطقها الله، وتشهد عليه البقعة، وتقول: أشهد على فلان بن فلان أنه في ساعة كذا في يوم كذا في شهر كذا فعل عليَّ كذا وكذا.
كما يأتي إيضاح هذا في سورة الزلزلة في قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: الآيات ١ - ٥] تُحدث الأرض أخبارها فتخبر بما فعل الناس عليها، كما أنهم في ذلك الوقت تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم وجلودهم، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: آية ٦٥] ولما لاموا جلودهم في الشهادة عليهم ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: آية ٢١] والله (جل وعلا) يخبر أنهم في دار الدنيا ما كانوا يتسترون على أعضائهم خوف أن تشهد عليهم، لا يظنون أنها تشهد عليهم ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ
[ ٣ / ٦٢ ]
وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: الآيتان ٢٢، ٢٣] يعني: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم﴾ [الأعراف: آية ٧] على الأنبياء والأمم ما فَعَلَهُ كلّ إِنْسان على رؤوس الأشهاد، فَعَلْتَ كذا وكذا، مع أنه يجد كل ما فعل من حين يخط عليه القلم إلى أن يموت مكتوبًا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ وإذا وضع الكتاب خاف أهل الذنوب خوفًا هائلًا شديدًا؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ مشفقين: أي خائفين خوفًا عظيمًا يتخلَّلُه الإشفاق على أنفسهم من الهلاك ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ٤٩] وفي ذلك الوقت يُعطى كل إنسان كتابه على رؤوس الأشهاد، ويؤمر بأن يقرأه هو بنفسه، كما قال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: الآيتان ١٣، ١٤] فإذا عرف (^١) الإنسان أن جميع ما يقول في دار الدنيا سيُلقى على رؤوس الأشهاد ويُقص عليه أمام الخلائق في الآخرة: فعلتَ كذا وكذا، في يوم كذا، في تاريخ كذا، وأنه يُلَقَّاه في كتاب منشور على رؤوس الأشهاد، إذا كان المسلم يعرف هذا وعنده مسكة من عقل يجب عليه في دار الدنيا -وقت إمكان الفرصة - أن لا يخزي نفسه ويخجلها على رؤوس الأشهاد خزيًا وخجلًا يجره إلى النار، فيُحاسِبُ، وينظر إلى الملكين المصاحبين له، وأن لا يقول ولا يفعل إلا شيئًا إذا رآه مسجلًا عليه يوم القيامة، أو قيل له: أنت فعلت، كان يُبَيِّضُ وجهه، ولا يُسَوِّده، ولا يخزيه، ولا يفضحه. وعلى كل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٦٣ ]
واحد منا أن يعلم الحقائق القرآنية، وأسرار الوحي، ولا يبقى كالبهيمة التي تأكل النهار وتنام الليل، هذا لا ينبغي؛ لأن الرحيل قريب والقضاء قريب، والمحاسبة حق، وكل ما فعله الإنسان مُسَجَّل عَلَيْهِ، وسيُقرأ على رؤوس الأشهاد، وسيجده في كتاب منشور، فعلينا معاشر الإخوان أن لا نفضح أنفسنا يوم القيامة، وأن لا نُفوِّت الفرصة وقت الإمكان ونضيعها في قال وقيل حتى يضيع العمر المحدد، ويُجر الإنسان إلى القبر وهو صفر الكفين، فقير ليس عنده حسنات، لا ينشر عنه يوم القيامة إلا ما يفضحه ويخزيه، وفضيحة الآخرة وخزيها ليست كفضيحة الدنيا، فالذي يُفضح في الدنيا يكون خسيس العرض وهو في أشد الفضيحة وهو يفرح ويمرح، ويأكل ويشرب، صحيح الجسم، لا أثر عليه، أما فضيحة الآخرة فإنها يتبعها العذاب المخلد، والجر بالنواصي والأقدام إلى النار. فعلينا كُلًاّ أن ننتهِز الفرصة قبل أن يضيع الوقت، وأن لا نُفرِّط لئلا نندم حيث لا ينفع الندم، لأن الله (جل وعلا) مسجل علينا كل ما فعلنا؛ ولذا قال: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧)﴾.
وقد أجمع جميع العلماء أن مثل هذه الآيات لم ينزل الله من [السماء إلى الأرض] (^١) واعظًا أكبر، ولا زاجرًا أعظم من هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، الذي لا تكاد تقلب ورقة واحدة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم؛ لأن جبار السماوات والأرض، خالق الخلق يقول لكم: يا عبادي الأذلاء الضعفاء المساكين: اعلموا أني مطلع على كل ما تفعلون من الخسائس والخبائث، أُسجله عليكم بعلم حقيقي أَزَلِيّ
_________________
(١) في الأصل: «من الأرض إلى السماء» وهذا سبق لسان.
[ ٣ / ٦٤ ]
إلهي، ولست غائبًا عن شيء تفعلونه، بل كل ما تفعلون بمرأى مني ومسمع، فاحذروا أن تنتهكوا حُرماتي، وأن تستوجبوا سخطي وعذابي يوم القيامة.
وضرب بعض العلماء (^١) لهذا مثلًا -ولله المثل الأعلى- وقد كررناه في هذه الدروس تكرارًا كثيرًا لكثرة تكرار القرآن له في جميع الآيات، لو فرضنا أن هذا البراح من الأرض فيه ملك - ولله المثل الأعلى - إذا انتُهكت حُرماته يغضب غضبًا شديدًا، ويُنكِّل بمن أغضبه أشد النكال وأعظمه، وحول هذا الملك نساؤه وبناته وجواريه، أترون أن الحاضرين يخطر في بال أحد منهم أن يشير إلى جارية من جواريه، أو إحدى بناته؟ لا، بل كل منهم خاشع الطرف، خاضع الأعضاء، غايته السلامة، لا يتحرك، ولا يفعل أي شيء يُغضب ذلك الملك وهو ينظر إليه. هذا - ولله المثل الأعلى - في ملك من الآدميين، يموت ويأكله التراب والدود، فكيف - ولله المثل الأعلى - بخالق السماوات والأرض، وهو أشد بطشًا وأعظم نكالًا، وهو مطلع عليكم، يقول لكم: اعلموا أن كل ما تفعلون أني مطلع عليه. فلو علم أهل بلدة من البلاد أن أمير ذلك البلد يطلع على كل ما يفعلونه من الخبائث والخسائس في الليل، وأنه يراه، لباتوا متأدبين لا يفعلون إلا شيئًا حسنًا خوفًا من عقابه، مع ضعف عقاب ملوك الدنيا - ولله المثل الأعلى - فالله يقول: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧)﴾ ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: آية ٦١] ولأجل أن هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، هو أعظم أسباب طاعة الله؛ لأن من
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٦٥ ]
راقب الله، ولاحظ أن الله مطلع عليه - إن كان عاقلًا - استحيا من الله، ولم يرتكب ما يسخط الله، ولا يفضحه هو ويخزيه يوم القيامة.
أراد جبريل ﵇ أن يُعَلِّم الصحابة (﵃) هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، فجاء النبيَّ ﷺ في قصة حديث جبريل المشهورة، وقال له: «يا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أخبرني عن الإحسان» والإحسان: هو أن تأتي بالعمل حسنًا على الوجه اللائق عند الله (جل وعلا)، والإحسان هو الذي خُلقنا من أجله؛ لأن الله يقول في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بين الحكمة في خلقه الخلائق فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: آية ٧] ولم يقل: أكثر عملًا. وقال في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بين الحكمة في خلق الأرض وزينتها قال: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: آية ٧] وقال في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بين الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: آية ٢] فهذه الآيات دلت على أنه خلق الخلق ليمتحنهم، وهذا لا ينافي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: آية ٥٦] أي: إلا لآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي عَلَى ألسنة رسلي، وأمتحنهم فيظهر المحسن منهم وغير المحسن، فلما كان الإحسان هو الذي خُلقنا من أجله، أراد جبريل أن ينبه الصحابة على الطريق إليه فقال: «يا محمد أخبرني عن الإحسان» ﷺ، فبين له النبي ﷺ أن طريق الإحسان محصورة في هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، وهو أن يعلم العبد الضعيف الذليل المسكين أن جبار السماوات والأرض مطلع عليه، حاضر لا يغيب عن شيء من فعله، يعلم كل ما يفعل؛ ولذا
[ ٣ / ٦٦ ]
قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١)،
فجميع الخَلائق الله (جل وعلا) مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أعمالهم؛ ولذا قال: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: آية ٧].
وآية الأعراف هذه وغيرها من الآيات تدل على بطلان مذهب المعتزلة النافين للصفات (^٢)، فيقولون: إن الله عالم لا بعلم قام بذاته، قادر لا بقدرة قامت بذاته إلى آخرها. ويقولون: إن العلم لو كان ثابتًا لكان موجودًا أزليًّا قديمًا، والقديم لا يتعدد. وهذا من سخافة عقولهم، والله أثبت لنفسه أنه عالم بعلم فقال: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ وأثبت لنفسه صفة العلم ونظيرها قوله: ﴿لَكِنِ الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: آية ١٦٦] وأثبت النبي ﷺ له صفة العلم والقدرة في دعاء الاستخارة المشهور المأثور: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» (^٣) فأثبت له صفة العلم وصفة القدرة. فهذه النصوص القرآنية النبوية من الآيات والأحاديث تدل على بطلان سخافة المعتزلة في نفيهم لصفات المعاني وإثباتهم أحكامها؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾.
﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ [الأعراف: آية ٧] صيغة الجمع في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة ..
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٢٩١).
(٣) أخرجه البخاري في التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. حديث رقم (١١٦٢)، (٣/ ٤٨)، وأخرجه في موضعين آخرين، انظر: الأحاديث رقم: (٦٣٨٢، ٧٣٩٠).
[ ٣ / ٦٧ ]
قوله: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ للتعظيم، وقد جاء عن ابن عباس (﵁) أن السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيهما في يد الله (جل وعلا) أصغر من حبة خردل في يد أحدنا (^١)، وله المثل الأعلى فهو العلي الأعظم، الكبير الأكبر، الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء، فعلينا جميعًا أن نعلم أن كل ما نفعل أن ربنا مطلع عليه، ومُدَّخره لنا فمجازينا عليه، وليعلم كل واحد منا أن حركاته في دار الدنيا هي بيته الذي يبنيه، والذي يصير مصيره الأبدي إليه، فإن كانت حركاته طيبة كلها طاعة لله فإنه يبني بها غرفة من غرف الجنة، ينال فيها الحور العين، والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، وإن كانت حركاته في دار الدنيا حركات سيئة مخالفة (^٢) لما أنزل الله فإن تلك الحركات إنما يبني بها منزله ومصيره الأخير، وهو سجن من سجون جهنم؛ لأنه لا مسكن في الآخرة إلا غرف الجنة أو سجون جهنم، وقد يُدخل الواحد من أهل جهنم في سجنه ومقره كما يُدخل الوتد في الحائط لشدة ضيق مكانه عليه، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ [الفرقان: آية ١٣] فعلى كل مسلم أن لا يضيع الفرصة، وأن يعلم أنها ليست فوضى، وأنه عبد مملوك مربوب، عليه رقابة إلهية عظمى تُسجل عليه ما يفعل من خير وشر، فليتحرَّ، وأن لا يفعل إلا ما يرضي ربه، ولا يخزيه ولا يفضحه يوم القيامة على رؤوس
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٠٩٠)، (٢/ ٤٧٦)، وابن جرير (٢٤/ ٢٥)، والذهبي في العلو (٣١٤)، ص١١٧.
(٢) في الأصل: «مخالفة لغير ما أنزل الله» وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٦٨ ]
الأشهاد؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك جاءه الموت من حيث لا يشعر، وقد يأتيه بغتة فتضيع عليه الفرصة ويندم حيث لا يفيد الندم.
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: الآيتان ٨، ٩] (^١).
[٣/أ] / بيّن الله (جل وعلا) في أول هذه السورة الكريمة - سورة الأعراف - أنه كتاب أنزله، وأمر نبيه ﷺ أن ينذر بهذا الكتاب المنزل إليه، وأن لا يكون في صدره حرج، ثم أمر عامة الناس باتباع ما أنزل، ونهاهم عن اتباع غيره، ثم بين لهم أنه أهلك كثيرًا من القرى لما أعرضوا عن اتباع ما أنزل واتبعوا غيره. بين في هذه الآية الكريمة أن هذا الكتاب الذي أنزل إليكم والسنة المفسرة المبينة له التي جاء بها محمد ﷺ، وقد أمركم الله بالعمل بكل ما أنزل في كتابه أو سنة رسوله ﷺ، بين لكم أن المفرط والممتثل منكم ليس واحد منهما يُترك فوضى سُدى، بل لا بد أن يُحصى على كل إنسان ما عمل من يوم تكليفه إلى يوم يموت، وأن جميع ما قدم من خير أو شر يوزن يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فتوزن حَسَنَاتُهُ وسيئاته بميزان عدل، لا ينقص شعيرة قال: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: وزن أعمال الإنسان ممَّا قَدَّمَ في دار الدُّنْيَا من حسنات وسيئات.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تقرر في علم العربية أن تنوين (يومئذ) أنه تنوين عوض عن جملة (^٢)، والجملة التي تُعوض عنها نون التنوين تكون
_________________
(١) الآية غير موجودة في التسجيل.
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (١/ ١٥).
[ ٣ / ٦٩ ]
مذكورة سابقًا في أول الكلام والمعنى، فنون التنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ عوض عن قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: الآيتان ٦، ٧] أي: ووزن الأعمال يومئذ نسأل الذين أُرسل إليهم ونسأل المرسلين. وزن أعمال الخلائق يومئذ، أي: يوم ذلك السؤال المتقدم وهو يوم القيامة.
﴿الْحَقُّ﴾ قوله: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ مبتدأ بلا خلاف. واختلف المعربون من علماء العربية في خبره (^١)، وقال بعضهم: خبره ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، والمعنى: والوزن الحق كائن يومئذ، يوم سؤال الرسل والمرسلين، وعليه فالخبر هو الظرف الذي هو (يومئذ) يُقدر له الكون والاستقرار، والوزن كائن يومئذ، أي: يوم ذلك السؤال المذكور.
وقال بعض العلماء: خبر المبتدأ هو (الحق) أي: والوزن في ذلك اليوم الحق. فـ (الوزن) مبتدأ، و(الحق) خبره.
وعلى القول الأول فهو يدل على أن الذين أجازوه من علماء العربية -وهم جماعة كثيرة من علماء العربية والمفسرين- يدل على أنهم يرون أن المبتدأ إذا كان منعوتًا لا تمتنع الحيلولة بينه وبين نعته بالخبر. هكذا ظاهر صنيعهم وإعرابهم، أن (يومئذ) خبر، و(الحق) نعت للوزن.
وأظهر الإعرابين: أن (الحق) هي خبر (الوزن)، و(يومئذ) ظرف، أي: والوزن في ذلك اليوم الحق العدل.
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٥٥).
[ ٣ / ٧٠ ]
وأصل الحق: الثابت الذي لا يضمَحِلّ، والمراد بالحق فيه أنه عدل ثابت لا جور فيه ولا حيف، فلا يُزاد في سيئات مسيئ، ولا يُنقص من حسنات مُحْسِن، فهو وزن في غاية الحق، وفي كمال العدالة والإنصاف، لا يُظلم صاحبه شيئًا (^١)، ولكن قد يُزاد المحسن حسنات إلى حسناته: ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: آية ٤٠] وفي القراءة الأخرى (^٢): ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
وهذا الوزن فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر، يعني: يا عبادي ما دمتم في دار الدنيا فانتهزوا الفرصة، ولا يضع عليكم الوقت، واعلموا أن كل ما تقدمون وما تقولون وما تفعلون من خير سيوزن بميزان عدل حق قسط على رؤوس الأشهاد، لا يخيس شعيرة، فمن ثقلت موازينه بالحسنات فهو المفلح، ومن خفت موازينه بكثرة سيئاته وقلة حسناته فلا يلومن إلا نفسه.
واعلموا أن جماهير العلماء من عامة المسلمين، سلفهم وخلفهم، على أن هذا الوزن وزن حقيقي، وأنه يقع بميزان له لسان وكفتان (^٣)، توضع السيئات في كفة، والحسنات في كفة، فيثقل الله ما شاء منهما، فإن كانت حسناته أكثر ثقلت كفة الحسنات فصار إلى الجنة، وإن كانت سيئاته أكثر خفت موازينه لِقِلَّةِ حسناته وكثرة سيئاته، وحُقَّ لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحُقَّ لميزان
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٢٩٢).
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٧٩.
(٣) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣١١)، التذكرة للقرطبي ص٣١٣، الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، شرح الطحاوية ص٦٠٩.
[ ٣ / ٧١ ]
توضع فيه السيئات أن يخف، والحق إنما كان ثقيلًا في الميزان يوم القيامة؛ لأنه ثقيل على النفوس في دار الدنيا، والباطل إنما كان خفيفًا في الميزان يوم القيامة لخِفَّتِه على النفوس في دار الدنيا، وهذا الوزن التحقيق الذي عليه السلف أنه وزن حقيقي، بميزان حقيقي، له لسان وكفتان، ينظر إليه جميع الخلائق، توضع أعمال العبد في كفة، الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، فإن ثقلت كفة الحسنات صار إلى الجنة، وإن خفت كفة الحسنات صار إلى النار.
واختلفوا في كيفية هذا الوزن على ثلاثة أقوال لا يكذب بعضها بعضًا (^١)، وقال بعض العلماء: لا مانع من أن يقع جميعها فذهب أكثر المفسرين إلى أن الموزون هو صحائف الأعمال؛ لأن كل إنسان له كتاب وصحائف فيها عمله، كما قدمنا في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ [الإسراء: الآيتان ١٣، ١٤] فهذا الكتاب متضمن جميع صحف عمله، وأن هذه الصحف يوضع ما كُتب منها فيه الحسنات في كفة، وما كتب فيه السيئات في كفة، وعلى هذا القول الأكثر، واستدلوا له بحديث البطاقة المشهور الذي أخرجه الترمذي وغيره (^٢) وصححه
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣١٠ - ٣١٤)، الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٩)، ابن كثير (٢/ ٢٠٢)، التذكرة للقرطبي ص٣١٣، الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، شرح الطحاوية ص٦١٠.
(٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣، ٢٢١)، والترمذي، كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، حديث رقم: (٢٦٣٩)، (٥/ ٢٤)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب: ما يُرجى من رحمة الله يوم القيامة. حديث رقم (٤٣٠٠)، (٢/ ١٤٣٧)، والحاكم (١/ ٦)، (٥٢٩)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٧١)، وابن جرير (١٢/ ٣١٣)، والبغوي في التفسير (٢/ ١٤٩)، وانظر: السلسلة الصحيحة، حديث رقم (١٣٥).
[ ٣ / ٧٢ ]
بعض أهل العلم أن رجلًا يوم القيامة يُجاء له بتسع وتسعين سجلًا كلها مملوءة من السيئات، كل سجل منها مدّ البصر، ثم يقول له ربه: هل تنكر شيئًا من هذا؟ فيقول: لا. هل ظلمتك رسلي؟! لا .. ثم يُؤتى ببطاقة -والبطاقة: القطعة الصغيرة قدر الأنملة- مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا -ﷺ- رسول الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة؟! فيقال له: إنك لا تُظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة؛ لأن اسم الله (جل وعلا) لا يعادله شيء.
استدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس (^١): أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يُحوِّل الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله (جل وعلا) قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسمًا، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران أنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو فرقان من طير
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٢/ ٦٩)، والبغوي في التفسير (٢/ ١٤٩)، ونقله عنه ابن كثير (٢/ ٢٠٢)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٧٠)، وهذا الأثر لا يصح عن ابن عباس (﵄) لأنه من طريق الكلبي عن أبي صالح.
[ ٣ / ٧٣ ]
صواف (^١)، وكما جاء في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث (^٢)، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره (^٣)، وأمثال هذا كثيرة جدًّا، وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجسامًا، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صور نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله.
وقال بعض أهل العلم: إن ما يوزن أصحاب الأعمال، واستدلوا بالحديث المعروف المشهور: أن الرجل السمين -الأكول الشروب- يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة (^٤)، وفي مناقب عبد الله بن مسعود: أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم ﷺ:
_________________
(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. حديث رقم (٨٠٤ - ٨٠٥)، (١/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، من حديث أبي أمامة والنواس بن سمعان (﵄).
(٢) كما في حديث البراء (﵁) مرفوعًا عند أحمد (٤/ ٢٩٥)، وأصله في الصحيحين.
(٣) كما في حديث بريدة (﵁) عند أحمد (٥/ ٣٥٢)، وابن ماجه في الأدب، باب ثواب القرآن، حديث رقم (٣٧٨١)، (٢/ ١٢٤٢)، وأورده الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٠٤٨)، وقال: ضعيف يحتمل التحسين.
(٤) أخرجه البخاري في التفسير، باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ حديث رقم (٤٧٢٩)، (٨/ ٤٢٦)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم (٢٧٨٥)، (٤/ ٢١٤٧).
[ ٣ / ٧٤ ]
«إنها فِي المِيزانِ أَثْقَل مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ» (^١).
وما قاله ابن فورك وغيره من المتكلمين: إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون جسمًا (^٢)!! لا يُعوَّل عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يشأ أيضًا، فهو قادر على هداية أبي بكر وأبي لهب، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب.
فهذه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الموزون صحف الأعمال.
والثاني: أن الموزون الأعمال، تُقلب أجسامًا في صور موزونة.
الثالث: أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري -كبير المفسرين - يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وأن الكفة الأخرى فيها سيئاته (^٣)، هكذا يقوله العلماء، وعلى كل حال فالتحقيق أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠، ٤٢١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٧٥ - ٧٦)، (١٩/ ٢٨)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١١٣)، والحاكم (٣/ ٣١٧).
(٢) عبارة ابن فورك: «وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها، ومن المتكلمين من يقول » اهـ التذكرة ص٣١٣، وانظر: القرطبي (٧/ ١٦٥).
(٣) ابن جرير (١٢/ ٣١٤).
[ ٣ / ٧٥ ]
وظاهر القرآن تعدّد هذه الموازين؛ لأنه قال في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ وفي القراءة الأخرى (^١): ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: آية ٤٧] وقال في القارعة: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: الآيات ٤ - ١١] وقال في سورة (قد أفلح المؤمنون): ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ (١٠١) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ [المؤمنون: الآيات ١٠١ - ١٠٤] فهذه الآيات تعبر بالجمع في الميزان، وظاهرها التعدد.
وذهبت جماعة من العلماء إلى أن الميزان واحد، وأنه أُطلق عليه اسم الجمع لكثرة ما يُوزن فيه من أنواع الأعمال، وكثرة الأشخاص العاملين الموزونة أعمالهم (^٢).
وعلى كل حال فكل ما قدمت أيها الإنسان في دار الدنيا سيوضع لك في كفة، وما قدمت من شر سيوضع في كفة، فإن رجح خيرك على شرك ذهبت إلى الجنة فرحًا مسرورًا، وإن رجح شرّك
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٠٢.
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ١٦٦)، شرح الطحاوية ص٦١٠.
[ ٣ / ٧٦ ]
على خيرك فلا تلومن إلا نفسك، وربنا (جل وعلا) يذكرنا بهذا ويعظنا به في دار الدنيا، في وقت إمكان الفرصة؛ لئلا تضيع علينا الفرصة، فعلينا أن نكثر من الحسنات، ونُجانب السيئات؛ ليكون ما في موازيننا يثقل عند الله فنفرح به ونُسر وندخل الجنة، فالسَّفِيهُ كل السَّفِيه والمتأخِّر حق المتأخر هو الذي لا يُراعي أوامر الله، وإنما يجمع في الدنيا من السيئات ليثقل بها كفة السيئات وتطيش كفة الحسنات، فيفضح على رؤوس الأشهاد ويجر إلى النار. هذا الخبيث المغفّل وإن سَمَّوه في الظروف الراهنة متقدمًا متنورًا مسايرًا ركب الحضارة!! فهو الحمار المغفل الذي لا يفهم ما أمامه، وهو أشد الناس تأخرًا، وسيعلم أنه الأرذل المتأخر إذا مات وفارقت روحه جسده، ووجد ما عند الله من العدل والإنصاف، ووجده لم يقدم إلا السيئات والخبائث والتمرد على مَنْ خَلَقَهُ، فإذا وزنت سيئاته، وكانت كثيرة جدًّا، ولم توجد له حسنات فعند ذلك سيعلم هل هو كان متقدمًا أم لا؟! وهل كان عاقلًا فطنًا أم لا؟! بل يعلم أنه هو المتأخر الفدم (^١) البليد الحمار الذي لا يفهم عن الله شيئًا! وعما قليل ستنكشف الحقائق ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: آية ٣٨] فسيقع ما سيقع، فعلى المؤمن أن يكون عاقلًا فطنًا، وأن لا يهلك نفسه بيده، وأن يلاحظ أنه يوم القيامة ستوزن سيئاته وحسناته على رؤوس الأشهاد، فإن كانت سيئاته أرجح جُرَّ مخزيًا مفضوحًا إلى النار، وإن كانت حسناته أرجح جاء مسرورًا كريمًا إلى الجنة، فعلى الإنسان أن لا يُهلك نفسه في دار الدنيا باتباع الشهوات واتباع
_________________
(١) الفدم: بعيد الفهم قليل الفطنة. انظر: المصباح المنير (مادة: فدم) ص١٧٧.
[ ٣ / ٧٧ ]
المضللين، وأن لا تَطَّبِهِ الشعارات الزائفة المضللة التي تصرفه عن طاعة مَنْ خلَقَهُ إلى طاعة الشيطان فيخيب يوم القيامة ويخسأ عند الوزن. فعلى كل أحد أن يُعد لهذا الوزن عدته يوم القيامة.
وقد قدمنا أن جمهور علماء المسلمين أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين.
وهنا سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم:
ما اعتل به الضالون المعتزلة النافون للميزان، القائلون: إنه ليس هناك ميزان حقيقي. يقولون: إن الله عالم بأعمال خلقه فما حاجته إلى أن يزنها، فهو عالم كُلًاّ منها غاية العلم، محيط بقدر حسناته وبقدر سيئاته، فأي حاجة إلى وزن الأعمال والرب (جل وعلا) عالم بحقيقتها بعلمه المحيط بكل شيء، عالم أيها الراجح؟! (^١).
والجواب: أن الله (جل وعلا) يزن أعمال خلقه يوم القيامة ليُري خلقه كمال عدالته وإنصافه، وإن كان ذلك لا يحتاج، كما يكتب عليهم ذلك في كتب ويُسجِّله عليهم ويقول للواحد: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: آية ١٤] هذا خزيًا له وتسجيلًا على رؤوس الأشهاد، وكذلك يُشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، وجلودهم، وهو غني عن كل ذلك، كل هذا لإظهار إنصافه وعدالته، ولتوبيخ أولئك الخبثاء الأخساء على رؤوس الأشهاد.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٣١٢)، شرح الطحاوية ص٦٣، البحر المحيط (٤/ ٢٧٠).
[ ٣ / ٧٨ ]
أمَّا المعتزلة فقد قالوا: إن الميزان لا حقيقة له، وإنما المراد بالوزن: العدالة في الجزاء، قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، يقولون: هذا الكلام يوازن هذا الكلام، وهذا الرجل يوازن هذا الرجل. والميزان معناه: القسط التام والعدالة، وأن لا يُظلم إنسان شيئًا. قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^١):
قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا قُوَّةٍ عِنْدِي لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيزَانُهْ
أي: ما يوازن كلامه وحجته. ومع الأسف قد سبق المعتزلة لهذا القول مجاهد، والضحاك، والأعمش (^٢)!! وهو قول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة كما ذكرنا.
وإن كان الوزن يطلق على العدل، إلا أن الأحاديث النبوية، وظواهر القرآن العظيمة، وسائر المسلمين -إلا من شذّ- كلها متفقة على أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان كما ذكرنا، والأحاديث بمثله كثيرة لا ينكرها إلا مكابر، وهو الحق الصحيح إن شاء الله، وهذا معنى قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: آية ٨].
متعلَّق (الوزن) هنا محذوف، و(الوزن) مصدر (وَزَنَ، يَزنُ، زِنَةً، ووزنًا)، كوعد، يَعِدُ، عِدَةً، ووَعْدًا، ووَصَلَ، يَصِل، صِلَةً،
_________________
(١) البيت في اللسان (مادة: وزن) (٣/ ٩٢١)، وفيه (مِرَّة) بدل (قوة).
(٢) انظر: قول مجاهد في ابن جرير (١٢/ ٣٠٩)، (٣١١)، (٣١٥)، البغوي (٢/ ١٤٩)، الدر المنثور (٣/ ٦٩)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وعزاه إليه القرطبي وإلى الضحاك والأعمش. انظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، التذكرة ص٣١٣، البحر المحيط (٤/ ٢٧٠)، ولعل نسبته إلى الأعمش والضحاك لا تصح، والله أعلم.
[ ٣ / ٧٩ ]
ووصْلًا، ومتعلَّق المصدر محذوف، والوزن للأعمال في الموازين كائن يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ العدل الذي لا جور فيه، فلا يُزاد في سيئات مسيء، ولا ينقص من حسنات محسن.
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: بكثرة حسناته. جَمَعَ الموازين لأن (من) هنا بمعنى جماعة كثيرة، سواء قلنا: إنها شرطية، أو موصولة فإنها تعم، وهي لجماعة كثيرة، بدليل قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ولم يقل: (فذلك هو المفلح) بالإفراد، فإفراد الضمير في قوله: ﴿مَوَازِينُهُ﴾ والجمع في الإشارة والضمير في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الأول بالنظر إلى لفظ (من).
والثاني: بالنظر إلى معناها (^١). وقد قدمنا أن ظاهر الآيات تعدد الموازين، وأن كثيرًا من العلماء قالوا: إنه ميزان واحد، وأُطلق عليه اسم الجمع تفخيمًا له، والعرب تطلق الجمع وتريد المفرد كعكسه، كما يقولون: سار فلان إلى البصرة بالسفن، وهو في سفينة واحدة، وراح إلى الشام على البغال وهو راكب بغلة واحدة. وقال بعض العلماء: الموازين جمع موزون، والموزون هو الحسنات والسيئات. وجمع (الموزون) على موازين جمع قياسي مُطَّرِد، وعلى هذا فلا سؤال ولا إشكال (^٢). وعلى أنه جمع (ميزان) فظاهر القرآن التعدد، كقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: آية ٤٧] أو أنه لفظ جمع أُطلق وأُريد المفرد نظرًا لكثرة ما يُوزن فيه من الأعمال.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣١٥).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ١٦٦)، شرح الطحاوية ص٦٠٩، البحر المحيط (٤/ ٢٧٠)، الدر المصون (٥/ ٢٥٦).
[ ٣ / ٨٠ ]
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: آية ٨] أي: كانت حسناته أكثر، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ لأن الحسنة الواحدة توضع في الميزان بعشر حسنات، والسيئة توضع في الكفة الأخرى سيئة واحدة وإن شاء الله غفرها، فمن غلبت آحاده عشراته فلا خير فيه!! وربما كانت الحسنة توضع بسبعمائة حسنة، فدرهم الإنفاق يوضع بالميزان حسنته بسبعمائة ضعف، كما قال جل وعلا: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ ثم بين أن المضاعفة قد تزيد قال: ﴿وَالله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: آية ٢٦١] وقوله: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: آية ٢٤٥] فالأضعاف الكثيرة أكثر من عشرة، فالله (جل وعلا) كريم لا يهلك عليه إلا هالك، فالحسنة أقل درجاتها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، والسيئة إما أن يغفرها، وإن لم يغفرها وُضعت في الميزان سيئة واحدة [فعلينا أن نُحاسِب] (^١) وأن نكثر من الحسنات، ونتجافى عن السيئات، ونخشى من خالق السماوات والأرض، فمن أكثر السيئات في دار الدنيا، وأقل الحسنات فإنما يهلك نفسه بيده؛ لأنه إذا حضر الوزن، ورأى كثرة السيئات، وقلة الحسنات، والفضيحة، والجرّ بالنواصي والأقدام إلى النار ندم في ذلك الوقت حيث لا ينفع الندم، فعلينا جميعًا أيها الإخوان المسلمون أن ننتهز الفرصة وقت الإمكان، وأن لا نُضيعها لئلا نندم حيث لا ينفع الندم؛ لأن الفرصة إذا فاتت بالموت انتهى كل شيء، والله يقول: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ كيف يتناولون
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٨١ ]
العمل الصالح وقد مضى أوانه بالموت، وهذا معنى قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: ثقلت كفة الحسنات بكثرة الحسنات، وطاشت كفة السيئات؛ لأنها صارت أرجح منها كفة الحسنات.
﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الجمع في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ﴾ نظرًا إلى معنى (من) (^١)، وإفراد الضمير في (موازينه) عائد إلى لفظ (من)، ولفظها مفرد ومعناها جمع.
و(المفلحون) جمع تصحيح للمفلح، والمفلح: هو اسم فاعل أفلح يُفلح فهو مُفلح. وأصل الفلاح في لغة العرب: اسم مصدر بمعنى الإفلاح؛ لأن مصدر (أفلح) القياسي أن يقال: إفلاحًا؛ لأن (أفْعَل) إذا كانت صحيحة العين ينقاس مصدرها على (الإفعال) بقياس مطرد. فالفلاح اسم مصدر نائب عن (الإفعال).
والفلاح في لغة العرب يُطلق إطلاقين مشهورين، وكل منهما يدخل في الآية الكريمة (^٢):
الأول من إطلاقي الفلاح: أن العرب تقول: (أفلح فلان) إذا فاز بمطلوبه الأكبر، فكل إنسان كان يحاول مطلوبًا أعظم ثم ظفر به وفاز بما كان يرجو فهذا قد أفلح، ومنه قول لبيد بن ربيعة (^٣):
اعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلي وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣١٥).
(٢) انظر: المفردات (مادة: فلح) ص٦٤٤، اللسان (مادة: فلح) (٢/ ١١٢٥)، الأضواء (٦/ ٢٠٤).
(٣) البيت في ابن جرير (١/ ٢٥٠).
[ ٣ / ٨٢ ]
يعني: أن مَنْ رَزَقَهُ اللهُ نُورَ العقل فَقَدْ فَازَ بالمطلوب الأكْبَر الذي يطلبه كل إنسان؛ لأن العقل يعقل صاحبه عن كل ما لا ينبغي، ويحجزه عن كل ما يَشِين، ومنه بهذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: آية ١] فهو محتمل للمعنيين أيضًا، والفلاح في جميع القرآن محتمل للمعنيين المذكورين:
الأول: هو ما ذكرنا: أنه الفوز بالمطلوب الأكبر.
الثاني: أن المراد بالفلاح: الدوام والبقاء السَّرْمَدِي في النعيم، فكل من كان له دوام وبقاء في النعيم تقول العرب: نَالَ الفَلاحَ. وهذا المعْنَى معروف في كلامهم. ومنه قول الأضبط بن قريع، أو كعب بن زهير على أحد القولين (^١):
لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ وَالمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ
يعني: أن تعاقب الليل والنهار لا بقاء للإنسان في دار الدنيا معه، ومنه بهذا المعنى قول لبيد بن ربيعة في رجزه (^٢):
لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكَ الْفَلَاحِ لنَالَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ
يعني: لو كان إنسان خالدًا لا يموت لنال الخلود ملاعب الرماح، يعني: عمه أبا براء عامر بن مالك، المعروف، أحد بني أم البنين الأربعة. وبهذين المعنيين فُسر حديث الإقامة والأذان (حي على الفلاح) قال بعض العلماء: حيّ: بمعنى هَلُمَّ وتعالوا إلى الفوز بالمطلوب الأكبر، وهو الجنة والسعادة ورضا الله؛ لأن أكبر أسباب ذلك الصلاة.
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٨٣ ]
القول الثاني: (حي على الفلاح) هَلُمَّ إلى البقاء السرمدي في جنات النعيم؛ لأن أكبر أسباب ذلك: الصلاة؛ لأن الصلوات الخمس هي أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين. وهذا معنى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ الخِفَّةُ معناها: الطيش وعدم الرّجْحَان، ومن طاشت موازينه سواء قلنا إنها الكفة التي فيها السيئات، أو نفس السيئات عند من يقول: أي: خفت كفة الميزان لقلة ما فيها من الحسنات؛ لأن الحسنات إن كانت قليلة كان الميزان خفيفًا؛ لأن المعتبر في الحقيقة ثِقَلُهُ: الحَسَنَات، فإن كَثُرَتْ ثَقُل الميزان، وإن قلت خَفَّ الميزان [وثقلت] (^١) الكفة الأخرى التي فيها السيئات، ومعنى: ﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ كثرت سيئاته -والعياذ بالله- على حسناته.
﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم﴾ فأولئك الذين خفت موازينهم لقلة حسناتهم وكثرة سيئاتهم ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم﴾، والله (جل وعلا) قال هنا إنهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم قد رُزِئُوا في أنفسهم، وأكبر الأدلة على خسرانهم أنفسهم: أنهم إن صاروا إلى النار أكبر مُنْيةٍ يتمنونها، وأكبر غرض يطلبونه: هو أن يموتوا وتعدم أنفسهم فتصير لا شيء؛ ولذلك يقولون: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: آية ٧٧] ولكن أمنيتهم العُظْمَى الَّتِي هِيَ الموت لا يحصلونها أبدًا؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: آية ٣٦] ويقول (جل وعلا) في الكافر: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: آية ١٧] ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾ [طه: آية ٧٤] فمن كانت أمنيته الموت، وغايته الكبرى أن يستريح من نفسه من
_________________
(١) في الاصل: «وخفت»، وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٨٤ ]
وجودها إلى العدم فمعلوم أنه خسرها؛ ولذا قال: ﴿خَسِرُواْ أَنفُسَهُم﴾ [الأعراف: آية ٩] وأصل الخسران في لغة العرب: هو نقصان مال التاجر، سواء كان نقصًا في ربح المال، أو نقصًا في رأس المال (^١).
والخسران في اصطلاح الشرع: هو غبن الإنسان في حظوظه من ربه (جل وعلا)؛ لأن الإنسان إذا غُبن في حظوظه من ربه (جل وعلا) فقد خَسِرَ الخُسْرَان المبين، وقد أقسم الله (جل وعلا) - وهو أصدق من يقول - في سورة كريمة من كتابه - وكل سورة منه كريمة- ألا وهي (سورة العصر) أن الخسران لا ينجو منه إنسان كائنًا ما كان إلا بأعمال معينة مبينة، وذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾ معناه: إن كل إنسان كائنًا من كان ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات ١ - ٣] فهذا الخسران لا يُنجي منه شيء أبدًا كما أقسم عليه رب السماوات والأرض إلا الإيمان والأعمال الصالحات، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، هذا الذي يُنجي من الخسران.
وقَدْ بَيَّنَّا في هذه الدروس مِرَارًا أن العلماء ضَرَبوا لهذا الخسران مثلين:
أحد ذينك المثلين: أن كل إنسان كائنًا من كان أعطاه الله في دار الدنيا رأس مال، ورأس مال الإنسان هو جواهر نفيسة، وأعلاق عظيمة لا يماثلها شيء من الدنيا، فهي أعظم من كل اليواقيت، وأعظم من كل الجواهر، ولا يماثلها شيء في الدنيا أبدًا. هذه
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: خسر) ص٢٨١.
[ ٣ / ٨٥ ]
الجواهر التي هي رأس ماله هي ساعات عمره، أيام عمره وشُهُوره ولياليه وأعوامه، فهذا رأس مال الإنسان. فاعلم أيها الإنسان أن عمرك هو رأس مالك (^١):
إِذَا كَانَ رَأْسُ المَالِ عُمْرَكَ فَاحْتَرِزْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفَاقِ في غَيْرِ وَاجِبِ
فإن كان صاحب رأس هذا المال رجلًا متقدمًا حقيقة لَبِقًا عارفًا حاذقًا اتَّجَرَ مَعَ رَبِّه برأس هذا المال، فنظر ساعات العمر، فكل وقت منها يتوجه فيه أمر من خالق السماوات والأرض، كأوقات الصلوات، وأوقات الصوم، والعبادات المؤقتة، يبادر إلى مرضاة خالقه، فيتَّجر مع خالقه (جل وعلا) ويُحرِّك رأس المال مع خَيْر من يتجر معه، وهو رب السماوات والأرض (جل وعلا) ويكثر من طاعات رَبِّه ومرضاة رَبِّهِ، وينظر كل شيء حَرَّمَهُ خالقه أو نهى عنه فيجتنبه ويتباعد منه، وهذا هو تحريكه رأس المال وتجارته مع رب العالمين؛ ولذا سمى الله هذا العمل الصالح وإنفاق العمر فيما يُرضي الله، سماه في آية: تجارة، وفي آية: بيعًا، وفي آية: شراء، وفي آية: قرضًا، والكل بمعنى واحد. قال: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: آية ٢٤٥] فسمى العمل الصالح قرضًا.
وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ ثم بين عوض هذا التاجر: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى آخر الآيات [الصف: الآيات ١٠ - ١٢]، وقد سماه بيعًا وشراءً في قوله: ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: آية ١١١] وقال: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: آية ١١١]
_________________
(١) البيت في الخزانة (١/ ٣١).
[ ٣ / ٨٦ ]
فالإنسان اللبق الحاذق لا يضيع هذه الجواهر النفيسة، والأعلاق العظيمة، التي هي ساعات عمره ودقائقه وثوانيه، بل يحرك رأس هذا المال، ويتجر به مع خير من يُتجر معه، وهو خالق السماوات والأرض، إن جئت بحسنة جاءك بعشر حسنات إلى سبعمائة إلى ما لا يعلمه إلا الله، إن جاءه عبده يمشي أتاه ربه هرولة، وإن تقرب إليه باعًا تَقَرَّبَ (جَلَّ وَعَلا) إليه ذراعًا، سبحانه ما أعظمه وما أكرمه! فالإنسان العاقل يَتَّجِرُ بِرَأْسِ هذا المال مع رَبِّ العالمين، فلا تضيع عليه هذه النفائس والأعلاق الثمينة، فيصرف أوقاته فيما يُرْضِي اللهَ، وإذا كان معه تَعَبٌ فليكف عما لا يُرْضِي رَبَّهُ، فيكون عمله إما أن يكون خيرًا يستجلبه، وإما أن يكون سلامة من الشرور، فيكون على خير، فيربح من هذه التجارة: الحور، والولدان، وغُرف الجنان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، ومُلك لا ينفد ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: آية ٢٠].
وإذا كان صاحب رأس هذا المال مغفلًا أحْمَقَ، قليل الفهم عن الله، ليس عارفًا بحقائق الأمور، لا يدري الفرق بين التقدم والتأخر، ولا بين التَّنَوُّر وغير التَّنَوُّر، فإنك تراه يتلاعب بهذه الجواهر النفيسة التي أعطاه الله، وهي أيَّام عمره، ولا يُقدرها، ويُمضيها في قيل وقال، وربما أمْضَى أكْثَرَهَا في مساخط الله، وما يستوجب غضب الله، من الوقوع في محارمه، والتمرد على نظامه، واتباع كل ناعق من شياطين الإنس والجن الذين يدعون إلى النار، وإلى سخط الله (جل وعلا)، حتى ينقضي الوقت المحدد من أيام عمره، فيؤخذ روحه من بدنه فيموت فيضيع عليه رأس المال، فيُجر إلى القبر وهو
[ ٣ / ٨٧ ]
مُفْلِس فقير، والآخرة يا إخوان دار لا تصلح للفقراء المفاليس؛ لأنها ليس فيها سلف ولا بيع، ولا إرفاق، وإنما فيها ما قدم الإنسان من عمل في دار الدنيا (^١):
لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوْتِ يَسْكُنُهَا إِلَاّ التِّي كَانَ قَبْلَ المَوْتِ يَبْنِيهَا
فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا
والآخرة ليس فيها منزل إلا غرفة من غرف الجنة، أو سجن من سجون النار -والعياذ بالله- وسنتكلم -إن شاء الله- في أثناء هذه السورة الكريمة على أصحاب الأعراف، وما قصتهم، وما الذي جعلهم على الأعراف، ونذكر كلام العلماء فيه، فعلينا جميعًا أن لا نضيع رأس هذا المال، فَمَنْ ضَيَّعَ رَأْسَ ماله وأفنى عمره فيما لا يرضي ربه ضاع رأس المال، وإذا ضاع رأس المال فالربح أضيع وأضيع، فيصير إلى سجن من سجون جهنم -والعياذ بالله- هذا أحد مثلي الخسران الذي ضرب العلماء له.
المثل الثاني: هو ما جاء به حديث عن النبي ﷺ (^٢)، وحسنه بعض العلماء، ولا بأس به -إن شاء الله- أن كل إنسان كائنًا من كان له منزل في الجنة ومنزل في النار، فالله يجعل منزلًا في الجنة
_________________
(١) من قصيدة منسوبة لعلي (﵁) وهي في الديوان المنسوب إليه ص١٥٤.
(٢) جاء في هذا المعنى حديث عن أبي هريرة (﵁) مرفوعًا عند الإمام أحمد (٢/ ٥١٢)، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٩)، وقال: «وفي رواية: لا يدخل أحد النار إلا رأى مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة، ولا يدخل أحد الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرًا، رواه كله أحمد ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح» اهـ.
[ ٣ / ٨٨ ]
باسم كل إنسان، ومنزلًا في النار باسم كل إنسان. فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على منازلهم في النار لو أنهم كفروا بالله وعصوه لتزداد غبطتهم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾ [الأعراف: آية ٤٣] ثم إنه يُري أهل النار منازلهم في الجنة لو أنهم أطاعوا الله وآمنوا واتقوا لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: آية ٥٧] ثم إن الله يحكم بمنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، وبمنازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومن كانت صفقته بيع منزله في الجنة بمنزل غيره في النار فصفقته خاسرة، وهو من الخاسرين بلا شك. هكذا قال بعض العلماء وهذا معنى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٩].
(ما) هنا مصدرية، والباء سببية. يعني: خسروا أنفسهم بسبب كونهم ظالمين بآياتنا.
قال بعض العلماء (^١): إنما عدّى الظلم هنا بالباء لأنه مُضمّن معنى الكفر والجحود، والجحود يُعدّى بالباء كقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ وقد جاء في القرآن تسمية الجحود في الآيات (ظلمًا) كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: آية ١٤].
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ قد قدمنا في هذه الدروس (^٢) أن الآيات
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٥٧).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٨٩ ]
جمع آية، وأن أكثر علماء الصرف على أن وزنها (فَعَلَة)، وأن أصلها (أَيَيَة) فاؤها همزة، وعينها ياء، ولامها ياء، بعدها هاء تأنيث لفظية. وقد اجتمع فيها موجبَا إعلال؛ لأن فيها حرفي لين كل منهما متحرك بِحَرَكَةٍ أصلِيَّةٍ بعد فتح، فالياءان كل منهما تستوجب إعلالًا، والمقرر في علوم العربية: أنه إذا اجتمع موجِبَا إعلال كان الحرف [الأخير هو الذي وقع فيها الإعلال، ولكنه وقع هنا في الحرف الأول على خلاف القاعدة الكثيرة المطردة، وهو جائز.
وقيل: أصلها: (أَيَاه) ولكن الإعلال وقع هنا في الحرف الأول فصار (آية)، ولها في اللغة معنيان:
المعنى الأول: بمعنى (العَلامة)، تقول العرب: الآية بيني وبينك كذا؛ أي: العلامة بيني وبينك كذا. ومنه قوله تعالى:] (^١).
[٣/ب] / ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي: علامة ملك طالوت عليكم ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الآية [البقرة: آية ٢٤٨] وهذا معروف في كلام العرب، وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو جاهلي عربي قُح- تفسير الآية بالعلامة حيث قال (^٢):
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامِ سَابِعُ
ثم بيَّن أن مراده بالآيات: علامات الدار؛ حيث قال بعده:
رَمَاد كَكُحْلِ العينِ لأْيًا أُبينُهُ وَنُؤْيٌ كَجِذمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ
_________________
(١) في هذا الموضع ذهب بعض التسجيل. وتم استدراك النقص من كلام الشيخ (﵀) في موضع سابق عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام (بتصرف).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٩٠ ]
هذا هو المعنى المشهور للآية، أن معناها العلامة، فآية كذا: علامة كذا.
المعنى الثاني: أن العَرَبَ تطلق الآية وتريد الجماعة، تقول: جاء القوم بآيتهم؛ أي: بجماعتهم، ومنه بهذا المعنى قول بُرج بن مُسْهِر الطائي (^١):
خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مِثْلُنَا بِآيَتنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلَا
يعني: بجماعتنا، فإذا علمتم أن الآية في اللغة تطلق على العلامة، وعلى الجماعة، فهي في القرآن العظيم باستقراء القرآن العظيم تطلق إطلاقين:
أحدهما: الآية الْكَوْنِيَّة القَدَرِيَّة، وهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد الأعظم الصمد المستحق لأَنْ يُعْبَدَ وَحْدَه كقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: آية ١٦٤] أي: لعلامات واضحة جِازِمَة قاطعة بأن مَنْ خَلَقَهَا هُوَ رَبُّ هَذَا الْكَوْنِ، وهو المعبود وحده (جل وعلا) سبحانه عما يشركون، وهذا كثير.
وتطلق الآية في القرآن إطلاقًا آخر، ومعناها: الآية الشَّرْعِيَّة الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: ﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٩] لأنه قال: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٩١ ]
رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣] وذلك الذي أُنزل إليهم من ربهم أعظمه الآيات السماوية القرآنية التي تُتلى، وآيات الكتب، فلما ظَلَمُوا بها وجحدوا بها كانوا ظالمين ودخلوا النار.
ومن الآية الشرعية الدينية قوله تعالى: ﴿رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله﴾ [الطلاق: آية ١١] ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: آية ٢] فالآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة بلا نزاع، والآية الشرعية الدينية قيل هي من الآية بمعنى الجَمَاعة؛ لأن كل آية اشتملت على جماعة وجملة من حروف القرآن وألفاظه متضمنة لبعض ما فيه من الإعجاز والعقائد والحلال والحرام. وقيل أيضًا: إنها من العلامة؛ لأنها علامات على صِدْقِ مَنْ جَاءَ بِهَا؛ ولأن لها مبادئ ومقاطع هي علامات على انتهاء هذه الآية وابتداء الأخرى. وهذا معنى قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٩].
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: الآيات ١٠ - ١٣].
لما أمر الله (جل وعلا) خلقه في أول هذه السورة الكريمة فقال لهم: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [الأعراف: آية ٣] ثم إنه وعظهم وأخبرهم أنه يسألهم، وأنه يقصُّ عليهم أعمالهم بعلم، وأنه لم يكن غائبًا عن شيء عملوه في دار الدنيا، وأنه يزن أعمالهم بميزان فلا يخيس شعيرة، بيّن لهم أنه أنعم عليهم في دار
[ ٣ / ٩٢ ]
الدنيا من أنواع الإنعام إنعامًا عظيمًا ينبغي لهم أن يشكروا له ذلك الإنعام، وأن لا يستعينوا بإنعامه على معصيته، فإن من أعظم أنواع اللؤم والخساسة أن ينعم علينا رب السماوات والأرض العظيم الأعظم بنعمه الكثيرة ثم نستعين بها على معصيته وما لا يرضيه!! هذا مِنْ أَقْبَحِ القبيح، وأشنع الشنيع الذي لا ينبغي لأحد أن يفعله.
وقد نَبَّهَنَا في هذه الآيات على بعض الإنعام الذي أنعم علينا قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف: آية ١٠] والله لقد مكناكم في الأرض؛ أي: جعلناكم متمَكِّنِينَ فيها، مُتَصَرِّفِين قادرين على استجلاب المعايش والرفاهية والراحة بما هيأنا لكم من الأسباب، جعلنا لكم الأرض ساكنة قابلة؛ لأن تبنوا عليها، وتبنوا منها البيوت التي هي هنيّة لذيذة للمقام، ثم جعلناها قابلة لأنواع الازدراع لتزرعوا فيها ما تأكلون وما تلبسون، ثم خلقنا لكم الأنعام، وذللناها لكم، فمنها ركوبكم ومنها تأكلون، أنبتنا لكم فيها الأصواف والأوبار والأشعار لتلبسوا منها، وجعلنا لكم لحومها لتأكلوا منها، وأسمانها، وألبانها، وأزبادها، وجعلنا لكم الحديد لتستعينوا به على أمور دنياكم وفلاحتكم، إلى غير ذلك من سائر الأسباب والتمكين الذي مكنه لنا في الدنيا.
وقال بعض العلماء: (مكناكم فيها) أي: جعلنا لكم فيها أمكنة تسكنون بها في الدنيا ذاهبين وراجعين. والله جعل لنا الأرض تضمُّنَا على ظهرها أحياء، وفي بطنها أمواتًا كما يأتي في قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: الآيتان ٢٥، ٢٦] ﴿كِفَاتًا﴾ أي: محلًا لكفتكم. أي: ضمكم. والكَفْت في لغة
[ ٣ / ٩٣ ]
العرب: الضَّمُّ. أي: تضمكم على ظهرها في دار الدنيا أحياء متنعمين بما فيها من المنافع والمعايش، وتضمكم في بطنها أمواتًا إذا متم (^١). ولذا قال هنا: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ والله (جل وعلا) مكَّن لعباده في الأرض، هيأ لهم الأرزاق، وأنزل لهم المطر، وأنبت لهم النبات، وخلق لهم الحيوانات وجميع المرافق التي تُعِينُهُمْ على دنياهم.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: آية ١٠] قرأه عامة القراء بالياء (^٢) ﴿مَعَايِشَ﴾ بكسر الياء غير مهموز، وما رواه خارجة بن مصعب عن نافع من أنه قرأها: ﴿معائِش﴾ بالهمز لا أصل له، والرواية ضعيفة جدًّا، ومخالفة للقانون العربي، وكذلك ما رُوي عن ابن عامر من السبعة كله ضعيف لم يثبت، وهو مخالف للعربية، وقد زعم قوم أن همز ﴿مَعَايِشَ﴾ رُوي عن علي بن زيد والأعمش (^٣). والتحقيق أن القراءة التي عليها عامة المسلمين، منهم السبعة والعشرة وحفاظ من روى عنهم، وعامة القراء إلا من أشرنا إليه قرءوا: ﴿مَعَايِشَ﴾ بالياء المكسورة من غير همز. والقاعِدَة المقررة في فنِّ التصريف: أن المَدَّة الثالثة إذا كانت زائدة وجب إبدالها همزة، كـ (صحيفة) فإن الياء زائدة؛ لأن الصحيفة أصلها من (صَحَفَ) بصاد، فحاء، ففاء، والياء زائدة. فهذه المَدَّة الزائدة تُقْلَب في جمع التكسير [هَمْزًا] (^٤)، فتقول في جمع (الصحيفة): صحائف.
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: كفت) ص٧١٣.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٧.
(٣) انظر: المصدر السابق، ابن جرير (١٢/ ٣١٧)، القرطبي (٧/ ١٦٧).
(٤) في الأصل: «ياء» وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٩٤ ]
وفي جمع (المدينة) مدائن، وكذلك الواو والألف كلها إذا كانت زوائد أُبدلت من مَدَّتها في جمع التكسير المتناهي: هَمْزًا، فتقول في (السحابة): سحائب. فتبدل الهمزة من الألف، وفي (القلادة): قلائد، وفي (العجوز) -بالواو- عجائز، فالهمزة مبدلة من الواو؛ لأن المَدَّة الثالثة زائدة. أما (معيشة) فالياء التي بعد العين فأصلها من الكلمة، أصلها: مَعْيِشَة (مفعِلة) -بكسر العين- وقيل: مَعْيَشَة (مَفْعَلة) -بفتح العين- والأول أظهر، نُقلت حركة العين المعتلة للساكن الصحيح، وسكونه إليها، فصارت (معيشة) فالياء أصلية (^١). فيجب أن تُجمع على معايش بكسر الياء.
وكذلك غيرها من الواويات يجب تصحيح الواو إذا كانت المَدَّة أصلية، فتقول في (المَقَام): مَقَاوِم، وفي (المَعُونة): مَعَاوِن، وتقول في كل ما هو أصلي بالواو كمَخَافَة، ومَخاوِف، ومَلامَة، ومَلاوِم؛ لأن المَدَّة فيها أصلية، كمعيشة، ومعايش. ومن تصحيح ما أصله واو قول الشاعر (^٢):
وَإِنِّي لَقَوّامٌ مَقَاوِمَ لمْ يَكُنْ جَرِيرٌ وَلَا مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا
صحح واو (مَقَاوِم) ولم يقل: مقائم؛ لأن الألف في المقام أصلية في محل العين، ومنه قول الآخر (^٣):
وَمَا هِيَ إِلَاّ بِنْتُ خَمْسٍ وَأَرْبَعٍ مَغَاوِر هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمِ
فصحح الواو، وهو جمع (مُغار) من: أغار القوم على القوم،
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١٩٨.
(٢) البيت للأخطل وهو في ديوانه ص٣٢٢.
(٣) لم أقف عليه.
[ ٣ / ٩٥ ]
يغيرون إغارة، ومُغارًا، وألِفُ المُغار أصلية.
والحاصل أن المَدَّة الأصلية تُصَحَّح في جمع التكسير، سواء كانت ياء، أو واوًا، والمَدَّة الزائدة تُبدل همزة، سواء كانت ألفًا، أو ياء، أو واوًا (^١). فالقراءة الصحيحة التي عليها العشرة وجمهور القراء الموافقة لقاعدة اللغة العربية: ﴿مَعَايِشَ﴾ بكسر الياء.
والمعايش: جمع معيشة، والمراد: ما يعيشون به في دار الدنيا، مما سبَّبَ لهم من أسباب المعيشة، مما جعل لهم من الثمار، والزروع، والدواب، وجعل لهم في الدواب من الألبان، والأسمان، والأزباد، واللحوم إلى غير ذلك مما هيأه لهم في دار الدنيا إكرامًا منه عليهم يعيشون به في دار الدنيا. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: آية ١٠].
ثم إن الله عابهم فقال: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٠] فـ ﴿قَلِيلًا﴾ نعت لمصدر محذوف، و(ما) توكيد للقلة. والمعنى: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ شكرًا قليلًا ما؛ لأنه لا يخلو إنسان من شكر في الجملة.
وأصل الشكر في لغة العرب (^٢): أصل مادته تميل إلى معنى الظهور، والعرب تقول: ناقة شكور: إذا كان يظهر عليها السِّمن، والشكر يُطلق في القرآن من الرب لعبده، ومن العبد لربه، فمن إطلاق شكر العبد لربه قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣١٦ - ٣١٧)، القرطبي (٧/ ١٦٧ - ١٦٨)، الدر المصون (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٩٦ ]
آية ١٤] ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: آية ١٩] ومن شكر الرب لعبده قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: آية ١٥٨] وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: آية ٣٤] فمعنى شُكر العبد لربه: هو معناه في الاصطلاح. وأصل الشكر في لغة العرب: فعل يُنبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه مُنْعِمًا.
والحمد في لغة العرب (^١): هو الثناء بالثناء الجميل باللسان على المحمود بجميل صفاته، سواءً كان من باب الإحسان أو من باب الاستحقاق.
والحمد لغة: يطلق على الشكر اصطلاحًا، والشكر اصطلاحًا يطلق على الحمد لغة، فبينهما تَعَاوُرٌ وتعاقُبٌ.
والمراد بشكر العبد لربه: هو أن تظهر نِعْمَة ربه عليه، فَيُظهر تلك النعمة، ويستعمل جميع ما أنعم الله عليه في طاعة مَنْ خَلَقَهُ (جَلَّ وَعَلا) (^٢). فهذه العيونُ التي تبصرون بها نِعَمٌ عظيمة أنعم الله عليكم بها، فشكر من خَلَقها عليها أن لا تنظروا بها إلا في شيء يُرْضِي من خَلَقها، فلا تَنْظُرْ أيها العبد بعينيك اللتين أنعم الله بهما عليك في شيء حَرَّمَهُ الله عَلَيْك، فتكون مستعينًا بنعمته على معصيته!! هذا فعل لا يليق، فعل خبيث، فعل يدل على لؤم صاحبه وحمقه وقلة عقله، وشكر هذه اليد التي أعطاك الله إياها، وفرّق لك
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٩٧ ]
أصابعها، وأبعد إبهامها من سبابتها ليُمكنك العقد والحلّ بها - فلو جعل الإبهام مقترنًا بالسبابة لما حللت شيئًا ولا عقدت شيئًا - شكر هذه اليد أن لا تبطش بها في شيء إلا شيئًا يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا (جل وعلا)، فلا تكتب بها ما لا يرضي الله، ولا تضرب بها ضربًا لا يرضي الله، ولا تفعل بها فعلًا لا يرضي الله. وهَذِهِ القَدَمُ الّتي أنْعَمَ الله عليك بها، تمْشِي بها، شُكْرُهَا: أن لا تسعى بها لشيء إلا لشيء يرضي مَنْ خَلَقَها، وهكذا. فالمال الذي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ به شُكْرُهُ: أن لا تَسْتَعيِن به إلا في شيء يُرْضِي مَنْ أَعْطَاكَ إِيَّاهُ، وكذلك الجاه، إذا أعطاك اللهُ جَاهًا ومَنْزِلَة ومكانة يمكنك التصرُّف فيها وتسهيل الأمور فلا تَسْتَعِنْ بِتِلْكَ النعمة إلا على شيء يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا، لا لنفسك ولا لغيرك، فلا تشفع بِجَاهِكَ في وصول إنسان إلى محرَّم، أو ظلم إنسان لإنسان، فكل ذلك من كُفْرِ النِّعْمَةِ وعَدَمِ شُكْرِهَا.
فعَلَيْنَا جميعًا أن نشكر خالِقَنَا، وأن نستعين بِنِعَمِهِ على ما يُرْضِيهِ؛ لأنَّ العَبْدَ إذا عرف قَدْرَ ذُلِّه وضعفه ومهانته، وعرف قَدْرَ عِظَمِ رَبِّه وجَلالة شَأْنِهِ، وعرف ما أنعم عليه ربه به من النِّعَمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ صرف تلك النِّعَم فيما يُسْخِط اللهَ ويُغْضِبه ولا يرضيه، واستعان بِنِعَمِهِ على ما يَكْرَهُهُ فإن هذا أشد اللؤم وأعظم الوقاحة، ولا يَنْبَغِي أَنْ يُقدم عليه عاقل! فعلينا جميعًا أن نُلاحِظ نِعَمَ اللهِ عَلَيْنَا، وأن لا نَسْتَعْمِلَهَا في شيء لا يرضيه؛ لأن استِعَانَتَنَا بنعمه على ما يسخطه أمر قبيح منا، ولؤم شنيع لا ينبغي لعاقل أن يُقْدِمَ عَلَيْهِ.
أما شكر الرب لعبده فقد قال بعض العلماء: هو أن يُثيبَهُ
[ ٣ / ٩٨ ]
الثواب الجزيل من عمله القليل، كما بيَّن أن العبد يَعْمَلُ حَسَنة واحدة فيجعلها الله عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله.
ومادة الشكر تتعدَّى بنفسها إلى المفعول إذا كان المفعول هو النعمة، وتتعدّى باللام في اللغة الفصحى إذا كان المفعول هو المُنْعِم، فهنا فرق دقيق في العربية لا يلاحظه كثير من طلبة العلم، فالفعل الذي هو (شكر) إن كان مفعوله النعمة تعدّى إلى النعمة بنفسه لا بحرف تَعَدٍّ، كقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: آية ١٩] فـ ﴿نِعْمَتَكَ﴾ مفعول به لـ ﴿أَشْكُرَ﴾. أما إذا كان الشكر للمنعم فاللغة الفصحى التي لم يأتِ في القرآن غيرها أنه لا يتعدى الشكر إلى المنعم إلا باللام، فتقول: شكرًا لك، وأنا أشكر لك، وأحمد الله وأشكر له. ولا تقول: وأشكره؛ ولذا يقول الله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] ﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: آية ١٥٢] ولم يأتِ في القرآن تعدية الشكر إلى المنعم إلَاّ بحرف الجر الذي هو اللام، فهذه هي اللغة الفصحى بلا نزاع بين من يحمل القلم العربي، أما لو قال: «وأشكره» من غير لام فقد أفرط قوم وقالوا: هذا لحن لا يجوز في العربية، والتحقيق: أن تعدية الشكر إلى المنعم بدون لام أنها لغة مسموعة جائزة، إلا أنها ليست هي اللغة الفصحى المشهورة، ومن شواهد هذه اللغة قول أبي نُخيلة (^١):
شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٩٩ ]
فقد قال: (شكرتُك) ولم يقل: شكرت لك، ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر في شعره المشهور (^١):
خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا عَلَى عَذبَةِ الأنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي
فقد قال: (شكرتكما) فتحصَّل من هذا الكلام أن الشكر يقع على النعمة بلا حرف جر إجماعًا، وأن شُكْر المنعم يتعدى باللام في اللغة المشهورة، وربما تعدّى بنفسه (^٢).
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٠] نعت لمصدر، أي: تشكرون شكرًا قليلًا. و(ما) تأكيد للقلة، ولفظة (ما) تأتي لتأكيد النكرة في قلتها وحقارتها. قال بعض العلماء: لا يخلو أحد مِنْ شُكْرٍ في الجملة إلا أنه شكر قليل، والشكر القليل لا يفيد؛ لأن من عمل ببعض الكتاب وترك أكثره كَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، كما قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: آية ٨٥] وقد قدمنا فيما مضى أن بعض علماء التفسير يقولون: إن القرآن تُطلق فيه القلَّة ويُراد العدم (^٣). والمراد لا تشكرون النعمة أصلًا؛ لأن المفرِّط المستعمل أغلب نعم الله فيما يسخط الله لا يُعد من الشاكرين، وهذا التفسير مخالف لظاهر القرآن؛ لأن القرآن دل على أن هناك شكرًا قليلًا، وهو مخالف لظاهر القرآن؛ ولا تجوز مخالفة ظاهر القرآن إلا لدليل (^٤) يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة، أما اسْتِعْمَال القِلَّة في
_________________
(١) السابق.
(٢) راجع ما سبق قريبًا.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٠٠ ]
العَدَمِ فهو استعمال صحيح في لغة العرب مَعْرُوف لا شَكَّ فِيهِ بين العلماء، وقد ذكرنا في الدروس السابقة له أمثلة كثيرة، كقول غيلان ذي الرمة (^١):
أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٍ بِهَا الأَصْوَاتُ إِلا بُغامُها
لأن مراده بالقلة: العدم المحض. يعني: لا صوت بتلك الفلاة ألبتة إلا بُغام ناقته. ومنه بهذا المعنى قول الطِّرِمَّاح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب (^٢):
أَشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوَادِي قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَهْ
يعني: لا مَثْلَبَةَ فِيهِ ولا قَادِحَةَ، وتقول العرب: مَرَرْتُ بأرض قليل فيها البَصَل والكُرَّاثُ. يعنون: لا بَصَلَ ولا كُرَّاثَ فِيهَا ألْبَتَّةَ، ومنه قول الشاعر -وهو شاهد على أن (ما) تأتي موضع (لا) التي لنفي الجنس- في قوله (^٣):
فَمَا بَأْسَ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنَا تَحِيَّةً قَلِيلًا لَدَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ عَابُهَا
ولكن هذا الإطلاق وإن كان صحيحًا في لغة العرب فظاهر القرآن يخالفه ويدل على أنه لا يخلو إنسان من شكر في الجملة، إلا أن الشكر القليل مع الكفر الكثير لا ينفع، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: آية ١٠٦] وهذا معنى قوله: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٠].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣) من هذه السورة.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣) من هذه السورة.
[ ٣ / ١٠١ ]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ [الأعراف: آية ١١].
في هذه الآية الكريمة إشكال معروف؛ لأن الله قال بصيغة الجمع: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ وهذا يتبادر منه أن المخاطبين في قوله: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ذرية آدم، إلا أنه رتّب عليه قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ و(ثم) تقتضي الترتيب والمهلة، فيكون الله بعد أن خلق ذرية آدم وصورها قال للملائكة: اسجدوا لآدم، وهذا خلاف الواقع؛ لأنه أمرهم بالسجود له عندما نفخ فيه الروح قبل أن يولد له شيء، كما دلّ عليه قوله في سورة الحجر: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: الآيتان ٢٨، ٢٩] وقوله في سورة ص: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: الآيتان ٧١، ٧٢] فيخطر في ذهن طالب العلم إشكال، وهو الترتيب بـ (ثم) فيقول: كيف يقول: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ﴾ [الأعراف: آية ١١] بعد تصوير ذرية آدم، وخلقها؟! وهذا خلاف الواقع، فهذا إشكال معروف في الآية، مشهور عند علماء التفسير، وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة (^١):
أحدها: وهو الذي اختاره كبير المفسرين -محمد بن جرير الطبري وغيره- أن المراد بالجمع في ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ و﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ آدم وحده، وإنما أُطلق عليه صورة الجمع لأنه لما كان أبا البشر
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٣١٧ - ٣٢٣)، البغوي (٢/ ١٥٠)، القرطبي (٧/ ١٦٨ - ١٦٩)، ابن كثير (٢/ ٢٠٢)، الدر المصون (٥/ ٢٦٠).
[ ٣ / ١٠٢ ]
ووجوده أصلٌ في وجوده كان خلقه وتصويره كأنه خلق وتصوير للجميع. ونحو هذا الأسلوب معروف في القرآن؛ لأن الله يخاطب اليهود في زمن النبي ﷺ ويقول: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: آية ٥٧] والذين ظُلل عليهم الغمام وأُنزل عليهم المن والسلوى أجداد أجداد أجدادهم، قبلهم بعشرات القرون، فَدَلَّ على أن أصْلَ الإنسان الذي هو منه قَدْ يُخَاطَب الإنسان والمراد به ذلك الأصل، وهذا كثير في القرآن، كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ﴾ [البقرة: آية ٦١] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: آية ٥٥] المخاطب به الموجودون في زمن النبي ﷺ، والقائلون أجدادهم الموجودون قبلهم بقرون.
وعلى هذا فلا إشكال في قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: آية ١١] لأن (ثم) على بابها من الترتيب والمهلة، غاية ما في الباب أنه أطلق الأصل وأراد شموله لفروعه، ونظائره في القرآن كثيرة كما مثلنا.
القول الثاني: هو ما قاله بعض العلماء: معنى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أيها الخلق في أصلاب آبائكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ هذه الصور العظيمة في بطون أمهاتكم. وهذا من غرائب صنعه وعجائبه؛ لأن تصويره لنا في بطون أمهاتنا فيه من غرائب صنعه ما يبهر العقول، والله في كتابه يُعجّب خلقه كيف ينصرفون عن تصويره لهم في الأرحام، أولًا قال في ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: آية ٦] ثم بيّن تصويره لنا في الأرحام بحالة تبهر العقول، ثم عجّب خلقه كيف ينصرفون عن التدبر في هذا!! لأنكم كلكم أيها الحاضرون تعلمون أنه ليس واحد
[ ٣ / ١٠٣ ]
منكم يدخل بطن أمه في أول دخوله له وفيه يد ولا رجل ولا عين ولا أنف ولا فم، بل يدخلها نطفة من ماء مهين مستوية الأجزاء، ليست مفصلة ولا مُخَلَّقَة، ثم إِنَّ رَبَّ العالمين بقدرته العظيمة ينقله من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ينقله من النطفة إلى علقة -وهي الدم الجامد الذي إذا صُبَّ عليه الماء الحار لم يذب- ثُمَّ يَنْقِل العَلَقَة مُضْغَة، ويُصيّر المضغة عظامًا، فيركِّب هذه العظام بعضها في بعض هذا التركيب الدقيق المحكم الهائل، لو نظرت تركيب الأنملة بالأنملة، وفقرة الظهر بفقرة الظهر، والمفصل بالمفصل، وتركيب عظام الرأس بعضها إلى بعض، وخياطة بعضها مع بعض على ذلك الوجه العظيم الهائل، ونظرت في الإنسان - لأن الإنسان إذا نظر في موضع رأس إبرة من جسده وجد من عجائب صنع الله وغرائبه ما يبهر العقول- بعد أن دخل بطن أمه نطفة من مَنيّ فإذا هو مصور هذا التصوير العظيم، مخلوق منه هذا الهيكل العظيم، العظام شُدّ بعضها ببعض على أحْكَمِ وَجْهٍ وأَتْقَنِهِ وأَبْدَعِهِ، ومنه قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾ [الإنسان: آية ٢٨] الأسر: أصله شدّ الشيء بالإسار، والإسار في لغة العرب (^١):
القِدّ، وهو الجلد الذي لم يُدبغ؛ لأن الجلد الذي لم يُدبغ إذا أخذت سيوره وشددت بها شيئًا وهي مبلولة يبست فاستحكم الشدّ غاية الاستحكام ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ المعنى: شددنا بعض عظامهم إلى بعض كما يُشد الشيء إلى الشيء بالإسار، وهو الجلد غير المدبوغ، ومنه قيل للأسير: (أسير) لأنه يُشَدُّ بالإسار غالبًا، فلو كان الذي شدّ يدك بمعصمك، ومعصمك بمرفقك، ومرفقك بمنكبك، لو كان غير
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: أسر) ص٧٦، القاموس (مادة: الأسر) ص٤٣٧ ..
[ ٣ / ١٠٤ ]
متقن لتحرك الإنسان فسقطت يده!! وقيل: مع الأسف كان شدّ يده بمعصمه غير وثيق فطاحت يده، أو سقط منكبه، أو سقطت فخذه، أو سقط رأسه عن رقبته، لا، كل هذا مشدود بشد محكم، والعظام بعضها ملصق ببعض على أبدع أسلوب وأحكمه، ثم إن الله فتح في الوجه هاتين العينين، وصبغ بعضهما بصبغ أسود، وبعضهما بصبغ أبيض، ثم جعل فيهما نور البصر، ثم فتح فمه، ثم جعل فيه اللسان ليُعبِّر به عن ضميره، ويردّ به شاذ الطعام على الأضراس ليمكنها طحنه ليمكن المعدة هضمه، ثم إنه فتح هذا الأنف وجعله مثقوبًا من جهتين، وجعل فيه حاسة الشم، وزين الفم بالفك الأعلى، والفك الأسفل، ثم إنه جعل ماء العين مِلْحًا لئلا تنتن شحمتها، وجعل له شحمة لئلا يجففها الهواء، ثم أنبع عينًا عذبًا في فم الإنسان وهي ريقه يبتلع بها الطعام؛ لأن الله لو أخذ ريق الواحد منكم لا يمكن أن يبتلع شيئًا ولو زبدًا ذائبًا، فجعل له الريق ليبل به الطعام فيسهل بلعه، وإذا أكل كثيرًا يأتيه من مدد الريق ما يبلُّ له الطعام الكثير العظيم الهائل، وإذا لم يحتج إليه في الأكل أمسك عنه جمّ الريق وكثرته لئلا يُتعبه التفل، ثم إنه وضع العينين في الرأس ولم يضعهما في الرجلين، وركب فقار الظهر بعضها مع بعض، وجعل مخها داخلها، وجعل الدماغ في مخلاة حصينة، ثم جعل عليها العظام وحصنها بها، وخاط العظام خياطة هائلة محكمة، ثم خلق الكبد ووضعها في موضعها اللائق بها، ووكّلها بوظيفتها البدنية، وفعل كذلك بالكليتين والطحال والمرارة، ثم ثقب الأمعاء ليخرج منها الثُّفْل، ثم ثقب الدُبر ليخرج منه الغائط، ثم ثقب محل البول، ثم ثقب العروق والشرايين ليدور معها الدم، ولو فكرنا وشرحنا عضوًا واحدًا من أعضاء الإنسان
[ ٣ / ١٠٥ ]
لرأينا من غرائب صنع
الله وعجائبه ما يبهر العقول ويعتقد به الإنسان أن خالقه ذو القدرة العظيم، الذي لا يُعبد إلا هو وحده، ولا يطاع إلا هو وحده؛ ولذا من لُطْفِهِ بالإنسان: كل شيء يحتاج إلى قَطْعِه كشعره وأظفاره نَزَعَ منه روح الحياة؛ ليسهل عليه قص الأظافر وحلق الشعر، وتقصيره؛ إذ لو جعل في الأظافر الحياة كما جعلها في سائر البدن، وجعلها في الشعر لا يمكن قصُّ ظُفر إلا بعملية، ولا حلق شعر إلا بعملية! ثم إن القفا -الذي لم يجعل عنده عينين- جعله عظمًا قويًا لو ضربه شيء عليه لم يضره. والأشياء الضعيفة كالكبد والطحال التي إذا مسه شيء عليها أثر عليه - وهي جهة البطن - جعل عليها الحارسَين وهما العينان، يحرسانها مِنْ أَنْ يضرَّهَا شَيْء. وهذه قطرة من بحر من غرائب صنع الله وعجائبه، والله (جل وعلا) فعل هذا من العمليات بكل واحد منا، وأنا أؤكد لكم أنه لم يحتج أن يأخذ لأمه غرفة في صِحِّيّة (^١)، وأن يُبنجها ويُنومها ويُشق طبقة بطنها العليا، ثم طبقة بطنها السُّفلى، ثم ينزع المشيمة التي على الولد، ثم يسلط الأشعة الكهربائية لينظر ماذا يفعل؟! فأطباء جميع الدنيا لو اجتمعوا عن بكرة أبيهم من مشارق الأرض ومغاربها وأرادوا أن يعملوا عملية في جنين في رحم امرأة فيستحيل أن يقدروا على أن يعملوا شيئًا حتى يشقوا طبقات بطنها الثلاث، ثم يسلطوا الأشعة الكهربائية وينزعوا المشيمة عن الولد، ثم يعملون العملية، فقد يموت وهو الأغلب، وقد لا يموت، فخالق السماوات والأرض يفعل في العبد مئات العمليات، وهو لم يشق بطن أمه، ولم يحتج إلى أشعة كهربائية، بل العلم والبصر والقدرة نافذ تمام النفوذ، يفعل كيف يشاء ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:
_________________
(١) أي: عيادة صِحِّية.
[ ٣ / ١٠٦ ]
آية ٦] وإنما قصصنا عليكم هذا النموذج من قدرة الله، وصنعه فيكم، وعدم شقّه لبطون أمهاتكم؛ لأن الله أمركم أن تنتبهوا إليه، وأن لا تُصرفوا عنه.
وذلك في السورة الكريمة، سورة الزمر -وكل سورة من القرآن كريمة- أعني قوله في الزمر: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة؛ لأن المشيمة تكون منطوية على الولد لا يراه إلا من قشعها عنه ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ ثم قال وهو محل الشاهد: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: آية ٦] يا ناس!! فأنى تصرفون؟! أين تروح عقولكم عن قدرة خالق السماوات والأرض الجبار الأعظم ولا تنظرون فعله فيكم وأنتم في بطون أمهاتكم ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: آية ٦] ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار الآيات: ٦ - ٨] وهذا التصوير فيه من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول؛ لأنكم كلكم أيها الحاضرون طُبعتم على طابع واحد، وصُببتم صبّة واحدة، فالأنف من جميعكم في محل الأنف، والعينان في محل العين، والفم في محل الفم، والأذن في محل الأذن، ولم يشتبه منكم اثنان حتى لا يُعرف أحدهما من الآخر، كل من رآكم يعرف أن هذه صورة فلان، وهذه صورة فلان، ولو جاء من الخلق أعداد ملايين الحصى لم يضق علم خالق السماوات والأرض حتى يعلم لكل واحد منهم صورة فيطبعه عليها لا تشابه صورة الآخر، ولم تتشابه أصواتكم ولا آثاركم في الأرض، ولا بصماتكم في الورق، كل واحد طُبع على طابع مستقل، لم يشاركه فيه غيره، ولم يشابهه غيره، وهذا يدل على كمال العلم
[ ٣ / ١٠٧ ]
والقدرة الباهرة العظيمة التي يجب على الإنسان أن يعلم عظمة المتصف بها ويطيعه ولا يتمرد عليه، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: آية ١١].
وعلى هذا القول -أن المراد بخلق بني آدم في الأصلاب، وتصويرهم في أرحام الأمهات- يكون قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ﴾ تكون (ثم) هنا للترتيب الإخباري، أي: ثم أخبرناكم بعد ذلك أنّا قلنا للملائكة: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾. ولفظة (ثم) قد تأتي في القرآن للترتيب في الذكر لا لترتيب الحقيقة الواقعة في زمنها، وهذا الأسلوب وإن كان غير ظاهر فهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى في الأنعام -يعني شريعة نبينا ﷺ وهو آخر الأنبياء: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: الآيتان ١٥٣، ١٥٤] وإتيان موسى الكتاب قبل نزول هذا على النبي ﷺ بقرون، فدّل على أن (ثم) هناك ليست للترتيب الزماني وإنما هي للترتيب الذكري، ونظير ذلك في القرآن قوله في سورة البلد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ [البلد: الآيات ١١ - ١٧] لأنه ليس المراد أنه مثلًا يقتحم العقبة، وأنه يطعم ذا المسغبة، ويفعل كذا وكذا، ثم بعد ذلك يكون من الذين آمنوا، لا، ليس هذا هو المراد، وإنما هي للترتيب الذكري، لا للترتيب الزماني المعروف، ومن إتيان ذلك في كلام العرب قول الشاعر (^١):
_________________
(١) البيت للأقيشر الأسدي، وهو في ديوانه ص١١٥، وفيه (من شرها).
[ ٣ / ١٠٨ ]
سَأَلْتُ رَبِيعَةَ مَنْ خَيْرُهَا أَبًا ثُمَّ أُمًّا فَقَالُوا: لِمَهْ؟
لأن قوله: (من خيرها أبًا ثم أمًّا) المعنى: من خيرها أبًا وأمًّا؟ ولا ترتيب هنالك، وقول الآخر (^١):
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ
لأن سيادة الأب وسيادة الجد قبل سيادة الابن، وقد عُطفت عليها بـ (ثم)، فتبين أن الترتيب في الذكر لا في الزمان. هكذا قال بعضهم، والأول أظهر. وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ﴾ [الأعراف: آية ١١].
هذا القول قاله الله معلَّقًا أولًا - بلا نزاع - قبل أن يخلق آدم؛ لأنا ذكرنا في سورة «ص» وسورة «الحجر» التصريح بذلك حيث قال في سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: الآيتان ٢٨، ٢٩] وقال في ص ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: آية ٧١].
[٤/أ] أمرهم بالسجود له، وهذا السجود / تعظيم لله (جل وعلا)؛ لأنه امتثال أمره، لا عبادة لآدم، ولا سجود إلا لأمر الله (جل وعلا)، والأمر إن كان ممتثلًا به أمر الله فالمطاع فيه الله، ونظيره أن ملَكَ الموت يقال له: اقبض روح محمد ﷺ وسائر الأنبياء. فأي جريمة في الدنيا أعظم من قتل النبي ﷺ ونزع روحه، وقتل الأنبياء والأولياء؟ لكن ملك الموت مأمور من الله، فهو مطيع في ذلك الفعل؛ لأنه إنما فعله بأمر الله.
_________________
(١) البيت في مغني اللبيب (١/ ١٠٧).
[ ٣ / ١٠٩ ]
﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: آية ١١] قال بعض العلماء: إن الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم لمَّا عظَّموا أنفسهم وحقروا بني آدم لما قال لهم الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾ [البقرة: آية ٣٠] ثم أثنوا على أنفسهم وقالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: آية ٣٠] امتحنهم الله وعلم آدم الأسماء كلها، ثم قال لهم: ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء﴾ [البقرة: آية ٣١] فعجزوا وقالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: آية ٣٢] ثم قال لآدم: تعال أنت فبين هذا العلم الذي عجزوا عنه وجهلوه. فقام آدم وبيّنها تمامًا؛ ولذا قال: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ [البقرة: آية ٣٣] إن هذا الذي حقرتم يعلم ما لا تعلمون، وعنده من الخصال ما ليس لديكم.
وكلام العلماء في تفضيل الملائكة والآدميين لا يعنينا؛ لأن أكثر الناس مختلفون فيه، وكلٌّ يَحْتَجُّ بِظَوَاهِر من كتاب الله، ولا دليل جازمًا يجب الجزم واليقين به، ولا حاجة تدعو إليه، واختلاف العلماء فيه معروف (^١)، وعلى كل حال فالله أظهر فضل آدم هنا حيث علمه ما جهله كل الملائكة وأمَرَهم بالسجود.
قال بعض العلماء: أمرهم بالسجود لمَّا عَلِم ما لم يعلموا، ويرشد له قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: آية ٣٠] ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: آية ٣١] وبعد ذلك قال:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١١٠ ]
﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ الآية [البقرة: آية ٣٣].
وعلى هذا القول فالملائكة لما أُمروا أن يسجدوا لآدم، أُمر جميع الملائكة، كما دل عليه قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَاّ إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: آية ٣٠] واستثنى في جميع السور التي ذكر فيها سجود الملائكة بجميعها كالبقرة، والأعراف، وطه، والحجر، وص، كلها بيّن فيها سجود الملائكة إلا إبليس ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ﴾ [الأعراف: آية ١١] أي: فسجدوا كلهم أجمعون، بدليل قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: آية ٣٠].
إبليس: هو الشيطان اللعين عليه لعائن الله، ومَنْعُه من الصرف لأنه اسم عجمي عَلَم، والعُجْمَة والعلمية يمنعان الصرف.
وقال بعض العلماء: أصل (إبليس) عربي؛ لأنه (إفعيل) من الإبلاس، والإبلاس: القنوط واليأس من رحمة الله، حتى يبقى اليائس من شدة يأسه ساكتًا لا يحير كلامًا، ومنه قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: آية ٤٤] ولكنه يشكل على قولهم أنه لو كان عجميًّا؛ لأن العَلَم إذا وُضع على (إفعيل) كان منصرفًا؛ لأنه ليس فيه علتان مانعتان من الصرف.
وأجاب من قال هذا: بأن (إبليس) أصله من (الإبلاس) وهو القنوط واليأس من رحمة الله، ومُنع من الصرف للعلمية وشبه العجمية؛ لأن هذا اللفظ يشبه الألفاظ العجمية، هكذا يقولون، والأول أظهر (^١).
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١١١ ]
وقوله: ﴿لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: آية ١١] لم يسجد مع الملائكة، ثم إن الله (جل وعلا) سأله سؤال توبيخ وتقريع قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: آية ١٢] في (لا) هنا وجهان (^١):
أحدهما: أن ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ مضمّنة معنى فِعل و(لا) في بابها ليست زائدة، أي: ما ألجأك وأحوجك إلى أن لا تسجد؟ ما المانع الذي ألجأك وأحوجك إلى أن لا تسجد؟! وتضمين الفعل معنى فعل معروف، قال به عامة علماء النحو من البصريين (^٢).
وأظهر القولين في هذا: أن (لا) هنا جيء بها لتأكيد النفي؛ لأن (منعك) في معنى الجحود والنفي، وإتيان (لا) زائدة في الكلام الذي فيه معنى الجحد مطّرد (^٣)، ذكر الفراء وغيره من علماء العربية أنه مطرد (^٤). والدليل على هذا أن خير ما يُفسر به القرآن القرآن، وقد قال تعالى في هذه القصة بعينها في سورة «ص»: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: آية ٧٥] ولم يأت بلفظة (لا)، وخير ما يُفسر به القرآن القرآن، فعلمنا أن لفظة (لا) لتوكيد النفي.
واعلموا أن علماء العربية مطبقون على أن لفظة (لا) تُزاد لتأكيد المعنى وتقويته، أما في الكلام الذي فيه معنى الجحد فلا خلاف بينهم في ذلك، وشواهده في القرآن وأمثلته كثيرة، فمن أمثلته في
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣٢٤)، القرطبي (٧/ ١٧٠)، الدر المصون (٥/ ٢٦١ - ٢٦٣)، الأضواء (٢/ ٢٩٣).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
(٤) معاني القرآن (١/ ٣٧٤).
[ ٣ / ١١٢ ]
القرآن: ﴿لِئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: آية ٢٩] والمعنى: ليعلم أهل الكتاب. فقد جيء بـ (لا) لتوكيد المقام، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: آية ٦٥] فوربك لا يؤمنون، ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَاّ تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: الآيتان ٩٢ - ٩٣] أي: أن تتبعني، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: آية ٣٤] أي: والسيئة، على أشهر التفسيرين، وقوله جل وعلا: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء: آية ٩٥] على أحد القولين، ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٠٩] على أحد التفسيرين، ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُواْ﴾ [الأنعام: آية ١٥١] على أحد التفسيرات التي قدمنا في الآية (^١). وهذا كثير في كلام العرب، ومنه في كلام العرب قول أبي النجم في رجزه (^٢):
فَمَا أَلُومُ البِيْضَ أَلَاّ تَسْخَرَا لمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرا
يعني: لا ألوم البيض أن تسخر. أي: لا ألومها على سخريتها. وأنشد الفراء لزيادة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر (^٣):
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ دِينَهُمُ وَالأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
يعني: وعمر، و(لا) زيدت لتوكيد معنى الجحد، وأنْشَدَ الجَوْهَرِيّ لزيادة (لا) في الكلام الذي ليس فيه معنى جحد قول
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
[ ٣ / ١١٣ ]
رؤبة بن العَجَّاج، أو قول العَجَّاج (^١):
فِي بِئْر لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ شَجَرْ
يعني: (في بئر حور) أي: هلكة، و(لَا) زائدة. وأنشد الأصمعي لزيادتها في الكلام الذي ليس فيه معنى الجحد (^٢) قول ساعدة بن جُؤَيَّةَ الهذلي (^٣):
أَفعنك لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ غَابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ
والتحقيق أن (لا) زائدة، لا عاطفة على جملة محذُوفَة كما زَعَمَهُ بعضهم، ومن شواهد ذلك قول الشاعر (^٤):
تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابةٌ وكَادَ ضَمِيرُ الْقَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ
أي: كاد يتقطع، و(لا) مزيدة في هذا، وهي كذلك في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: آية ١] لأن المعنى: أقسم بهذا البلد، كما قال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (٣)﴾ [التين: آية ٣] على أحد الأوجه المعروفة، ومثل هذا كثير في كلام العرب، فقوله: (لا) على وجهين:
أحدهما: أن تكون صلة لتوكيد الكلام، ومن أساليب اللغة العربية زيادة لفظ (لا) لتوكيد الكلام كما بيَّنا الآيات الدالة عليه ﴿لِئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: آية ٢٩] أي: ليعلم أهل الكتاب، ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَاّ تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: آية ٩٢] ما منعك أن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٢) البحر المحيط (٤/ ٢٧٣)، الدر المصون (٥/ ٢٦٢).
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام.
(٤) السابق.
[ ٣ / ١١٤ ]
تتبعني، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: آية ٣٤] لا تستوي الحسنة والسيئة. إلى غير ما ذكرنا من الآيات، وأبيات العرب التي ذكرنا، ويدل أنها هنا صلة لتوكيد الكلام: أن الله حذفها في (ص) حيث قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: آية ٧٥]. واختار بعض العلماء - وهو اختيار ابن كثير (^١)، وابن جرير (^٢) - أن الفعل مُضَمَّن كما يذهب إليه علماء البصرة، وأن (لا) على بابها. والكلام في معنى: ما أحوجك وألجأك إلى أن لا تسجد. وهذا معنى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: آية ١٢] أي: حين أمرتك.
وهذه الآية الكريمة من أدلة العلماء على أن صيغة (افعل) تأتي للوجوب؛ لأنه قال: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: آية ١١] فلما لم يمتثل إبليس وبَّخَه على ذلك، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: آية ١٢] فدل على أن صيغة الأمر لا يجوز خلافها، ولما قال نبي الله موسى لأخيه: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] بعد ذلك لما ظن أنه خَالَفه قال: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: آية ٩٣] فسمى مخالفة صيغة (افعل) معصية، فدل على أنه يراها للوجوب كما ذكرنا أدلته مرارًا (^٣)، وهذا معنى قوله: ﴿فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: آية ١١].
واعلم أن العلماء (﵃) اختلفوا في إبليس هل هو من الملائكة أو أصله ليس من الملائكة (^٤)؟
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٣).
(٢) تفسير ابن جرير (١٢/ ٣٢٥، ٣٢٦).
(٣) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام.
(٤) انظر: ابن جرير (١/ ٥٠٢ - ٥٠٨)، القرطبي (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، ابن كثير (١/ ٧٥)، (٣/ ٨٨ - ٨٩)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦)، البداية والنهاية (١/ ٥٥)، أضواء البيان (٤/ ١١٩ - ١٢١).
[ ٣ / ١١٥ ]
فذهبت جماعة كثيرة من السلف إلى أن أصله كان من الملائكة، وأن الله نسخه من ديوان الملائكة فصيّره شيطانًا. قالوا: ويدل على هذا: استثناؤه من الملائكة في جميع السور التي فيها قصة إبليس وآدم، والأصل في الاستثناء الاتصال، ولا يجوز أن يُحمل على الانفصال إلا لدليل يدل عليه.
وقال بعض [أهل] (^١) العلم: أصل إبليس لم يكن من الملائكة، ولكنه جنّي خلقه الله من مارج من نار، كان يتعبد مع الملائكة ويعمل بأعمالهم فنُسب إليهم، كالرجل الحليف في القبيلة الذي ليس منها يُنسب إليها وهو ليس في الحقيقة منها. ورجحوا هذا القول بمرجحين:
أحدهما: شهادة الله للملائكة بالعصمة حيث قال: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: آية ٢٦] ﴿لَا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: الآية ٦] وإبليس اللعين عصى الله ما أمره. فدلّ على أنه ليس من العباد المكرمين الذين هم الملائكة، وقال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: آية ٢٧] وهذا اللعين لم يعمل بأمره، فدلّ هذا أنه ليس من الملائكة.
الدليل الثاني: أن الله صرح بأنه من الجن في سورة الكهف حيث قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: آية ٥٠] فصرح أنه كان من الجن، وكونه من الجن هو السبب الذي جعله لم يفعل كما فعل الملائكة؛ إذ لو كان من عنصر
_________________
(١) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ١١٦ ]
الملائكة وجنس الملائكة لفعل كما فعل الملائكة، فلما بيّن أنه أبى وعصى وتمرد وبين قوله إنه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: آية ٥٠] تبين أنه من غير الملائكة، ولم يأت في الوحي دليل أظهر في محل النزاع من آية الكهف هذه حيث صرحت بأن إبليس من الجن، ونفته من الملائكة؛ لأنه لو كان من الملائكة لفعل كما فعل الملائكة.
والذين قالوا: إن جمهور العلماء على أن أصله كان ملكًا، وأنه كان يسمى: عزازيل، وأنه كان قائمًا بأمر السماء الدنيا، يقولون: إن الجن قبيلة من الملائكة خُلقوا من النار من بين سائر الملائكة، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وإن كانت العرب تُسمي الملائكة جنًّا فتسمية الملائكة جنًّا معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى يمدح سليمان (^١):
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أَجْرِ
فقال: (من جن الملائك).
وقال بعض المفسرين: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: آية ١٥٨] قالوا: يعني بالجِنَّة: الملائكة؛ لأنهم يُجنُّون عن العيون فلا تراهم كما لا ترى الجن، وزعموا أن معنى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: آية ١٥٨] هو قولهم: الملائكة بنات الله، هكذا قاله بعض العلماء، وهذا خلافٌ مشهور، وأظهر شيء في محل النزاع آية الكهف هذه التي قالت: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: آية ٥٠] ثم رتب على كونه من الجن بالفاء ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ٥٠] فدل بمسلك الإيماء
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١١٧ ]
والتنبيه أن علّة فسقه عن ربه كونه من أصل الجن لا مِنْ أصْلِ الملائكة، هذا أظهر شيء في محل النزاع.
وقد دلّ القرآن على أن إبليس له ذرية، ودَلَّتِ الأحاديث الصحيحة على أنه يرسلها للتضليل، وقد قال جل وعلا: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: آية ٥٠] وجاء في صحيح مسلم (^١) أن الشيطان الذي يوسوس للإنسان في صلاته حتى يُشغله عنها اسمه (خِنْزَب) فهو من أولاد إبليس.
واختلف العلماء في الكيفية التي بها كان نسل إبليس، وسُئل الشعبي (﵀) قيل له: هل تزوج إبليس؟ فقال: ذلك عرس ما حضرناه (^٢). وزعموا أنه بعد ذلك لما قرأ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: آية ٥٠] قال: نعم يمكن أن يكون تزوج، وهذا لا يدل على أنه تزوج، ولم يقم دليل من كتاب ولا سنة على ذريته كيف تناسلت. وكيف جاءت منه ذرية، هل هي من زوجة أو كما يقول بعضهم إن له آلة امرأة وآلة رجل، يُدخل هذا في هذا فتخرج منه بيضات، فتنفلق البيضات عن الشياطين فتنتشر. هكذا يقولونه من شِبْه الإسرائيليات ولم يقم دليل عليه (^٣)، والذي دلّ عليه القرآن: أن له ذرية، كما قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: آية ٥٠] وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: آية ١١].
_________________
(١) مسلم، كتاب السلام، باب: التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، حديث رقم (٢٢٠٣)، (٤/ ١٧٢٨).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣١٢).
(٣) انظر: أضواء البيان (٤/ ١٢٢).
[ ٣ / ١١٨ ]
ثم إنه (جل وعلا) سأله: ما المانع له من السجود؟ قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾؟ فأجاب إبليس بقوله: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: آية ١٢] وجواب إبليس هذا يحتمل كلامًا كثيرًا لا تسعه بقية هذا الوقت، فنرجو الله (جل وعلا) أن يحفظنا من مكايد إبليس، وأن يؤيسه، ويخيبه منا، اللهم لا تضلنا بإبليس، اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، ونعوذ بالله من همزات الشياطين، ونعوذ بالله أن يحضرنا الشياطين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
يقول الله جل وعلا: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٢، ١٣].
تكلّمنا على قوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وقوله (جل وعلا) حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ كأن الله لما سأل إبليس -وهو عالم؛ لأنه (جل وعلا) أعلم بالمُوجِب الذي بسببه امتنع إبليس من السجود- قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾؟ وهو أعلم، فأجاب إبليس -عليه لعائن الله- بما كان يضمره من الكِبْرِ، وكأنه اعْتَرَضَ على رَبِّهِ، وواجه ربه (جل وعلا) بأن تكليفَهُ إياه أمر لا ينبغي ولا يصلح!! فخطَّأ ربه (جل وعلا) ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا!! وجعل ذلك ذريعة له ومبررًا في زعمه الباطل لعدم السجود، قال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ كيف تأمرني أن أسجد لآدم؟ وأنا أفضل من آدم، والفاضل ليس من المعقول أن يُؤمر بالسجود للمفضول، فهذا التكليف ليس واقعًا موقعه!! فهذا قول اللعين لعنه الله!!
[ ٣ / ١١٩ ]
﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (خير) تُستعمل استعمالين (^١):
تستعمل اسمًا للخير الذي هو ضد الشر، وكثيرًا ما تُستعمل في المال، كقوله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: آية ١٨٠] أي: مالًا.
وتستعمل صيغة تفضيل، وهو المراد هنا. فقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ أصله: أنا أَخْيَر منه. أي: أكثر خيرًا منه لفضل عُنصري على عُنصره. ولفظة (خير) و(شر) جعلتهما العرب صيغتي تفضيل، وحذفت همزتهما لكثرة الاستعمال، كما قال ابن مالك في الكافية (^٢):
وغَالِبًا أَغنَاهُم (خَيرٌ) و(شَرّ) عَنْ قَوْلِهم (أخْيَر منه) و(أَشَرّ)
قال إبليس اللعين: أنا خير من آدم، والذي هو الفاضل، والذي هو أكثر فضلًا وخيرًا لا ينبغي أن يُهْضَم ويؤمر بالسجود لمن هو دونه، فهذا التكليف ليس واقعًا مَوْقِعَهُ؛ ولذا لا أمتثله!! فتَكَبَّر وتجبَّر، وجَعَلَ تَكْلِيفَ رَبِّه له واقعًا غير موقعه -عليه لعائن الله- فباء بالخيبة والخسران -نعوذ بالله (جل وعلا) - قال إبليس: أنا خير من آدم. ثم بيَّن سبب الخيريَّة فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ [الأعراف: آية ١٢] يعني: أن عنصري أشرف من عنصره؛ لأن النار -في زعمه- أشرف من الطّين؛ لأن النار مضيئة نيرة، طبيعتها الارتفاع، خفيفة غير كثيفة، وأن الطين منسفل كثيف مظلم ليس بمرتفع!! هذا قوله في زَعْمِهِ، وزعم أن الفرع تابع لعنصره في الفضل، فقاس نفسه على عنصره الذي هو النار، وقاس آدم على عنصره الذي هو الطين،
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: خير) ص٣٠١، وراجع ما مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٢٠ ]
واستَنْتَجَ من ذلك أنه خير من آدم؛ لأن عنصره في زعمه خير من عنصره [ورتَّبَ على ذلك معصية الأمر] (^١) الذي هو: اسجدوا لآدم -على إبليس لعنة الله- وأول من قاس قياسًا فاسدًا وردّ به نصوص الله وأوامره ونواهيه هو إبليس اللعين -عليه لعائن الله- فكل من ردّ نصوص الشرع الواضحة بالقياسات الباطلة عنادًا وتكبرًا فإمامه إبليس؛ لأنه أول مَنْ رَدَّ النصوص الصريحة بالمقاييس الكاذبة عليه لعنة الله.
وقياس إبليس هذا باطل من جهات عديدة (^٢):
الأول منها: أنه مخالف لِنَصِّ أمْرِ رَبِّ العالمين؛ لأن الله يقول: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: آية ١١] وكل قياس خَالَفَ أمر الله الصريح فهو قياس باطل باطل باطل، وقد تَقَرَّرَ في علم الأصول (^٣):
أن كل قياس خالف نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أو سنة فهو باطل، ويُقدح فيه بالقادح المسمى (فساد الاعتبار) ومخالفة القياس للنص تُسمى (فساد الاعتبار) وتدُلّ على بطلان القياس، فهذا وَجْهٌ مِنْ أوْجُهِ بطلانه؛ لأنه مخالف للنص الصريح، ولا إلحاق ولا قياس مع وجود النصوص الصريحة.
الثاني: أن إبليس كاذب في أن النار خَيْرٌ مِنَ الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعة الطين: الرزانة، والتُؤدة، والإصلاح،
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها المعنى.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٥ - ٦) بدائع الفوائد (٤/ ١٣٩ - ١٤٣)، أضواء البيان (١/ ٧٣).
(٣) انظر: المذكرة في أصول الفقه ص٢٨٥، نثر الورود ص٥٥١.
[ ٣ / ١٢١ ]
والجمع، تُودِعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة، وإذا نظرت إلى البساتين المغروسة في طين طيب ووجدت ما فيها من أنواع الثمار الجنية، والروائح، والأزهار، والثمار عرفت قيمة الطين، أما النار فطبيعتها الطيش، والخفة، والتفريق، والإفساد، فكلما وضعت شيئًا فيها فرَّقته وفسَّدته، وطبيعتها الطيش والخفة، يطير الشرر من هنا فيحرق ما هناك، ثم يطير الشرر من هناك فيحرق ما وراءه، والذي طبيعته الطيش والخِفَّة والإفساد والتفريق لا يكون خيرًا من الذي طبيعته التؤدة والرزانة والجمع والإصلاح، تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة!! فالطين خير من النار بأضعاف؛ ولذا غلب على إبليس عنصره وهو الطيش والخفة، فطاش وتمرد على ربه، وخسر الخسران الأبدي، وغلب على آدم عنصره الطيني فلما وقع في الزلة رجع إلى السكينة والتؤدة والتواضع والاستغفار لربه حتى غفر له.
الثالث: أنَّا لو سلمنا تسليمًا جَدَلِيًّا أن النار خير من الطين، فَشَرَفُ الأصل لا يدل على شرف الفَرْعِ، فكم من أصل شريف وفرعه وضيع، وكم من أصْلٍ وَضِيع وفَرْعُهُ رَفِيع.
لَئِنْ فَخِرْتَ بَآبَاءٍ لهُمْ شَرَفٌ قُلْنَا صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا (^١)
فكم من أصل رفيع وفرعه وضيع!!
واعلم أن العلماء في هذا المحل يعيبون القياس، ويذمون الرأي، ويقولون: إنَّ مَنْ قَاسَ فقد اتبع إبليس؛ لأنه أول مَنْ رَدّ
_________________
(١) البيت لابن الرومي، وهو في ديوانه (٢/ ٣٠٥)، وشرح ديوان المتنبي للعكبري (٤/ ١٤٥).
[ ٣ / ١٢٢ ]
النصوص بالقياس. وعن ابن سيرين ﵀: ما عُبدت الشمس إلا بالقياس (^١). ويكثر في كلام السلف ذَمّ الرَّأْيِ والقِيَاسِ. ومن أشنع من يحمل على المجتهدين في القياس: الظاهرية، وبالأخص أبو محمد بن حزم -عفا الله عنا وعنه- فإنه حمل على أئمة الهدى -﵏- وشنع عليهم تشنيعًا عظيمًا، وسَخِرَ منهم سخرية لا تليق به ولا بهم، وجزم بأن كل من اجتهد بشيء لم يكن منصوصًا في كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ بأنه ضال، وأنه مُشَرِّع!! وحمل على الأئمة وسَخِرَ من قياساتهم، وجاء بقياسات كثيرة للأئمة وسَفَّهَهَا وسخر من أهلها، فتارة يسخر من أبي حنيفة - ﵀ - وتارة من مالك، وتارة من أحمد، وتارة مِنَ الشَّافِعِي، لم يسلم منه أحد منهم في قياساتهم!! ومن عرف الحق عرف أن الأئمة -﵏- أنهم أولى بالصواب من ابن حزم، وأن ما شنع عليهم فهم أولى بالصواب منه، وأنه هو حمل عليهم وهم أوْلَى بالخير منه، وأعلم بالدين منه، وأعمق فهمًا بنصوص الكتاب والسنة منه، وهذا باب كثير، فابن حزم يقول: لا يجوز اجتهادٌ كائنًا ما كان، ولا يجوز أن يُتكلم في حكم إلا تبعًا لنص من كتاب أو سنة، أما من جاء بشيء لم يكن منصوصًا في الكتاب ولا السنة فهو مُشَرِّع ضال، ويزعم أن ما ألحَقَهُ الأئمة من الأحكام المسكوت عنها واستنبطوها من المنطوقات أن كل ذلك ضلال، ويستدل بعشرات الآيات، إن لم تكن مئات الآيات فلا أقل من عشرات الآيات (^٢). يقول: الله قال: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [الأعراف: آية ٣] والمقاييس لم تنزل علينا
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين (١/ ٢٥٤).
(٢) انظر: الإحكام ص١٠٥٥، فما بعدها.
[ ٣ / ١٢٣ ]
من ربنا!! ويقول: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: آية ٥٠] فجعل الهدى بخصوص الوحي لا بخصوص المقاييس.
ويقول: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله﴾ [المائدة: آية ٤٩] والمقاييس لم تكن مما أنزل الله. ويقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: الآيات ٤٤، ٤٥، ٤٧] والقياس لم يكن مما أنزل الله، ويأتي بنحوها الآيات من هذا بشيء كثير جدًّا، ويقول: إن القياس لا يفيد إلا الظن، والله يقول: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: آية ٣٦] وفي الحديث: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» (^١). ويقول: إن كل ما لم يأتِ بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه [لأنه عفو] (^٢).
ومن ذلك: أن الله حرم أشياء، وأحَلَّ أشْيَاءَ، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاء لا نسيانًا رحمة بكم فلا تسألوا عنها (^٣)، وفي حديث: «مَا سَكَتَ اللهُ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» (^٤). ويقول: إن ما لم يأتِ في كتاب ولا سنة فالبحث
_________________
(١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة.
(٢) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها المعنى.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٤٥) من سورة الأنعام.
(٤) الترمذي في اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، حديث رقم (١٧٢٦)، (٤/ ٢٢٠)، وقال: «وفي الباب عن المغيرة، وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وروى سفيان وغيره عن سليمان التميمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف قوله، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظًا » إلخ. وابن ماجه في الأطعمة، باب أكْلِ الجُبْنِ والسّمن. حديث رقم (٣٣٦٧)، (٢/ ١١١٧)، والبيهقي (١٠/ ١٢)، والحاكم (٤/ ١١٥)، والعقيلي (٢/ ١٧٤)، وهو في صحيح ابن ماجه (٢٧١٥)، وصحيح الترمذي (١٤١٠)، وغاية المرام (٢، ٣)، والمشكاة (٤٢٢٨)، عن سلمان (﵁)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٥)، والبزار (كما في كشف الأستار (١/ ٧٩، ٣/ ٥٨) من طريق عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء (﵁) مرفوعًا. وقال البزار في الموضع الأول الذي خرَّج فيه هذا الحديث: «إسناده صالح» اهـ وقال في الموضع الآخر: «لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، وعاصم بن رجاء حدَّث عنه جماعة، وأبوه روى عن أبي الدرداء غير حديث، وإسناده صالح » اهـ وقال الهيثمي (١/ ١٢١): «إسناده حسن ورجاله موثقون» اهـ وانظر (٧/ ٥٥)، وهدا الإسناد منقطع؛ لأن رجاء لم يلق أبا الدرداء كما نبه عليه الحافظ في التهذيب (٣/ ٢٣٠) والله أعلم. والحديث أخرجه أيضاَ العقيلي (٢/ ١٧٤) عن الحسن مرسلًا. وعقبه قوله: «هذا أولى» اهـ كما أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عمر (﵄) مرفوعًا، وضعَّف إسناده.
[ ٣ / ١٢٤ ]
عنه حرام، وهو مَعْفُوٌّ لا مؤاخذة به (^١).
وهو غالط من جهات كثيرة، منها: أن ما سكت عنه الوحي منه ما يمكن أن يكون عفوًا كما قال، فنحن مثلًا أُوجِبَ علينا صوم شهر واحد من السنة وهو رمضان، وسكت الوحي عن إيجاب شهر آخر، فلم يجب علينا إلا هذا؛ لأن ما سُكِتَ عنْه فهو عفو، وأُوجبت علينا الصلوات وغيرها لم يكن علينا، وإن كان النبي ﷺ في حديث ضمام بن ثعلبة قال: «لا» لمّا قال له الأعرابي ضمام: هل عليّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلاّ أَنْ تَطوّعَ» (^٢). أما إنها توجد أشياء لا يمكن أن تكون عَفْوًا ولا بد من
_________________
(١) انظر: الإحكام ص١٠٦٠، فما بعدها.
(٢) البخاري في الإيمان، باب: الزكاة في الإسلام، حديث رقم (٤٦)، (١/ ١٠٦)، وأطرافه في (١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦)، ومسلم في الإيمان، باب: بيان الصلوات الخمس التي هي أحد أركان الإسلام. حديث رقم (١١)، (١/ ٤٠).
[ ٣ / ١٢٥ ]
النظر فيها والاجتهاد، وَمَنْ نَظَر إلى جمود ابن حزم علم أنه على غير هدى، وأن الهدى مع الأئمة ﵏.
والذي يجب اعتقاده في الأئمة -﵏- كالإمام مالك، وأبي حنيفة، والإمام أحمد، والشافعي -رحمة الله على الجميع- أن ما اجتهدوا فيه أكثره أصابوا فيه، فلهم أجر اجتهادهم وأجر إصابتهم، وأنه لا يخلو أحدٌ من خطأ، فلا بد أن يكون بعضهم أخطأ فيما اجتهد فيه، فما أخطئوا فيه فَهُمْ مَأْجُورُونَ لاجتهادهم، معذورون في خطئهم -﵏- والصحابة كانوا يجتهدون كما كان يجتهد الأئمة -﵏- وسنلمُّ بأطراف من هذا؛ لأن هذا باب واسع لو تَتَبَّعْنَاهُ لمكثنا فيه زمنًا طويلًا! ولكن نُلم إلمامات بقدر الكفاية:
أولًا: ليعلم السامعون أن ما كل ما سكت عنه الوحي يمكن أن يكون عفوًا، بل الوحي يسكت عن أشياء لا بد ألبتة من حَلِّها. ومن أمثلة ذلك: مسألة العَوْل، فكما قال الفَرَضِيُّون: إن أول عَوْل نزل في أيام عمر بن الخطاب -﵁ (^١)
- ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها، فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- فقال الزوج: يا أمير المؤمنين: هذه تركة زوجتي، ولم تترك ولدًا، والله يقول في محكم كتابه:
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٥٣)، والحاكم (٤/ ٣٤٠)، وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» اهـ وابن حزم في المحلى (٩/ ٢٦٤)، وانظر: تلخيص الحبير (٣/ ٨٩).
[ ٣ / ١٢٦ ]
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: آية ١٢] فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد، فَلِي نِصْف ميراثها بهذه الآية، ولا أتَنَازَل عن نصف ميراثي بدانق. فقامت الأختان فقالتا: يا أمير المؤمنين هذه تركة أختنا، ونحن اثنتان، والله يقول: ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: آية ١٧٦] والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق. فقال عمر -﵁-: ويلك يا عمر، والله إن أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وإن أعطيت الثلثين للأختين لم يبق للزوج نصف!! فنقول: يا ابن حزم كيف نسكت عن هذا؟ وكيف يكون هذا عفوًا؟! والوحي سكت عن هذا ولم يبين أيَّ النَّصَّيْنِ ماذا نفعل فيهما؟! فهذا لا يمكن أن يكون عفوًا، ولا بد من حلّه!! فلا نقول لهم: تهارشوا على التّركة تهارش الحمُر، أو ننزعها من واحد إلى الآخر، فلا بد من إلحاقٍ للمسكوت عنه بالمنطوق به، وحل معقول بالاجتهاد. فجمع عمر -﵁- الصحابة، وأسف كل الأسف أنه لم يسأل رسول الله ﷺ عن العول بمثل هذا، وقال له العباس بن عبد المطلب -﵁-: يا أمير المؤمنين، أرأيت هذه المرأة لو كانت تُطَالَب بسبعة دنانير دَيْنًا، وتركت ستة دنانير فقط، ماذا كنت فاعلًا؟! قال: أجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء، وأُعطي لكل واحد من أصحاب الدنانير نصيبًا من الستة. قال: كذلك فافعل، أصل فريضتها من ستة؛ لأن فيها نصف الزوج يخرج من اثنين. وثُلثا الأختين يخرجان من ثلاثة، ومخرج الثلث ومخرج النصف متباينان، فنضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم اجْعَل نَصْفَة زائدة هي المسماة بالعَوْل، فهي فريضة عائلة بسدسها إلى سبعة، فجعل تركة المرأة سبعة أنصباء، وقال للزوج:
[ ٣ / ١٢٧ ]
لك نصف الستة -وهي ثلاثة- فخذ الثلاثة من سبعة، فبقي من السبعة أربعة، فقال للأختين: لكما الثلثان من الستة -وهما أربعة- فخذاها من سبعة.
فصار النقص على كل واحد من الوارثين، ولم يُضِع نصًّا من نصوص القرآن. وكان ابن حزم في هذه المسالة يُخطِّيء جميع الصحابة ويقول: إن العباس وعامة الصحابة على غلط، وأن هذا الفعل الذي فعلوا لا يجوز، وأن الحق مع ابن عباس وَحْدَه الذي خالف عامة الصحابة في العَوْل، وقال: الذي أحصى رمل عالج لم يجعل في شيء واحد نصفًا وثلثين (^١). فرأي ابن عباس أن يُنظر في الورثة، إذا كان أحدهما أقْوَى نُقَدِّمُه، ونكمل له نصيبه، ونجعل النقص على الأضعف، فابن عباس في مثل هذا يقول: إن الزوج يُعطى نصفه كاملًا؛ لأن الزوج لا يحجبه الأبوان، ولا يحجبه الأولاد، بخلاف الأختين فهما أضعف سببًا منه؛ لأنهما يحجبهما الأولاد ويحجبهما الأب. قال: وُيعطي للأختين نصفًا، وهذا تلاعب بكتاب الله!! الله يقول: ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء: آية ١٧٦] وهو يقول: فلهما النصف. فهذا عمل بما يناقض القرآن. مع أن ابن حزم ورأي ابن عباس تقضي عليه وتبطله المسألة المعروفة عند الفرضيين بالمنبرية، وإنما سُميت بالمنبرية؛ لأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (﵁ وأرضاه) أفتى بها وهو على المنبر في أثناء خطبته؛ لأنه ابتدأ خطبته على المنبر فقال: الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآب والرُّجعى. فسمع قائلًا يقول: ما تقولون فيمن هلك عن زوجة
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٥٣)، وابن حزم في المحلى (٩/ ٢٦٤)، وأورده السيوطي في الدر (٢/ ١٢٧) وعزاه لسعيد بن منصور.
[ ٣ / ١٢٨ ]
وأبوين وابنتين؟ فقال علي (﵁): «صار ثُمْنُها تُسعًا» ومر في خطبته (^١).
وقوله: «صارت ثُمْنُها تُسعًا» لأن هذه الفريضة فيها ابنتان وأبوان وزوجة، الابنتان لهما الثلثان، والأبوان لكل واحد منهما السدس، فذلك يستغرق جميع التركة؛ لأن السدسين ثلث، وتبقى الزوجة، تعول الفريضة، وأصلها من أربعة وعشرين. والأربعة والعشرون ثُمُنُها: ثلاثة، فيُعالُ بها في ثُمن الزوجة. والثمن من أربعة وعشرين: ثلاثة. وإذا ضُم الثمن الذي عالت به الفريضة إلى أصل الفريضة ضمَّت ثلاثة العول وهو الثمن الذي عيل به للزوجة إلى الأربعة والعشرين التي هي أصل الفريضة، صارت: سبعة وعشرين، والثلاثة من السبعة والعشرين تُسعها، ومن الأربعة والعشرين ثمنها.
فهذه لو قلنا لابن حزم: أيهما يحجب؟ هل البنتان تحجبان؟ لا والله.
هل الأب والأم يحجبان؟ لا والله. هل الزوجة تحجب؟ لا والله. ليس فيهم من يحجبه أحد، وكلاهما أهل فروض منصوصة في كتاب الله، ولا يُحجب أحد منهم أبدًا!! فبهذا يبطل قوله: إن مَنْ هُوَ أضْعَف سببًا بأنه يُحْجَب يُقدَّم علَيْهِ غيْرُهُ.
ثم لتعلموا أن الحقيقة الفاصلة في هذا أنه ورد عن السلف مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ بَعْدَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الآثَارِ المستفيضة في ذَمِّ الرَّأْيِ
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور (١/ ١٩)، عن سفيان عن أبي إسحاق قال: «أُتي علي. . .». وابن أبي شيبة في المصنف (١١٢٤٩)، (١١/ ٢٨٨) عن وكيع عن سفيان عن رجل. والدارقطني (٥)، (٤/ ٦٨)، والبيهقي (٦/ ٢٥٣). وفي إسنادهما شريك بن عبد الله، والحارث الأعور. وذكره عبد الرزاق (١٠/ ٢٥٨) بغير إسناد. قال الألباني في الإرواء: (١٧٠٦)، (٦/ ١٤٦) عن إسناده عند البيهقي (ومثله الدارقطني): «وهذا سند ضعيف من أجل الحارث وهو الأعور، وشريك، وهو ابن عبد الله القاضي. وكلاهما ضعيف» ا. هـ.
[ ٣ / ١٢٩ ]
والقِيَاسِ، وأجْمَعَ الصَّحَابَةُ والتَّابِعُونَ على العمل بالقياس واستنباط ما سُكت عنه مما نطق به الوحي. هذا أمر لا نزاع فيه، فمن جمد على النصوص ولم يُلحق المسكوت عنه بالمنطوق به فَقَدْ ضَلَّ وأَضَلَّ.
ومن هذا النوع: ما أجمع عليه جميع المسلمين حتى سلف ابن حزم -وهو داود بن علي الظاهري- كان لا ينكر القياس المعروف الذي يسميه الإمام الشافعي: «القياس في معنى الأصل» ويقول له: «القياس الجلي» وهو المعروف عند الفقهاء بـ «مفهوم الموافقة» و«وإلغاء الفارق» ويسمى: «نفي الفارق» وهو نوع من تنقيح المناط (^١). فقد أجمع جميع المسلمين على أن المسكوت عنه فيه يُلحق بالمنطوق، وأن قول ابن حزم: «إنه مسكوت عنه، لم يُتعرض له» أنه كذب محض، وافتراء على الشرع، وأن الشرع لم يَسْكُتْ عَنْه، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: آية ٢٣] يقول ابن حزم (^٢): إن هذه الآية ناطقة بالنهي عن التأفيف، ولكنها ساكتة عن حكم الضرب!! ونحن نقول: لا والله، لما نهى عن التأفيف الذي هو أخَفّ الأذى فَقَدْ دَلَّتْ هَذِه الآية مِنْ بَابٍ أَوْلَى عَلَى أنَّ ضَرْبَ الوالدين أشد حُرْمَة، وأشد حُرمة، وأن الآية غير ساكتة عنها بل نَبَّهَت على الأكبر بما هو أصغر منه، فلما نهت عن التأفيف وهو أقل أذيّة من الضرب لم تسكت عن الضرب. ونقول إن قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: الآيتان ٧، ٨] أن هذه الآية ليست ساكتة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٥) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: جواب ابن حزم عن هذه الإلزامات في الأحكام ص٩٣٢، فما بعدها.
[ ٣ / ١٣٠ ]
عمن عمل مثقال جبل أُحد، فلا نقول: نصّ على الذّرة، وما فوق الذرة -وهو أثقل منها- لا يؤخذ من الآية، فهي ساكتة عنه. بل نقول: إن الآية غير ساكتة عنه، وإن ذلك المسكوت يُلحق بهذا المنطوق. وكذلك قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: آية؟] لو جاء بأربعة عدول فلا نقول: أربعة عدول مسكوت عنها. بل نقول: إن الآية التي نصّت على قبول شهادة العَدْلَيْنِ دَالّة على قبول شهادة أربعة عدول. ونقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: آية ١٠] لا نقول كما يقول ابن حزم: إنها ساكتة عن إحراق مال اليتيم وإغراقه؛ لأنها نَصَّتْ عَلَى حُرْمَةِ أكْلِهِ فَقَطْ.
بل نقول: إن الآية التي نهَتْ عَنْ أَكْلِهِ دلت على حرمة إِغْرَاقِهِ وإحراقِهِ بِالنَّارِ؛ لأن الجميع إتلاف.
ومما يدل على أن ما يقوله ابن حزم لا يقول به عاقل: أن ما ورد عن النبي ﷺ من النهي عن البول في الماء الراكد (^١) يقول ابن حزم: لو بال في قارورة وصبها في الماء لم يكن هذا من المكروه؛ لأن النبي ﷺ لم يَنْهَ عن هذا، وإنما قال: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». ولم يقل: لا يبولن أحدكم في إناء ثم يصبه في الماء الراكد. فهذا لا يعقل!! أيعقل أحد أن الشرع الكريم ينهى عن أن يبول إنسان بقطرات قليلة أقل من ربع وزن الكِيْل ثم إنه يجوز له أن يملأ عشرات التنكات من البول بعدد مئات الكيلوات ثم يصبها في الماء؟ وأن هذا جائز (^٢)!! [وكذلك قول النبي ﷺ: «لَا يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان»، لأن الغضب من
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ١٣١ ]
مشوشات الفكر، فيدخل في حكمه ما لو كان في ..]. حزن مُفْرِط يذهل عقله، أو فرح شديد مُفْرِط يدهش عقله، أو في عطش شديد مُفْرِط يدهش عقله، أو في جوع شديد مُفْرِط يدهش عقله، ونحو ذلك من [٤/ب] مشوشات الفكر التي هي أعظم من الغضب/ فليس في المسلمين من يعقل أنه يقال للقاضي: احكم بين الناس وأنت في غاية تشويش الفكر بالجوع والعطش المُفْرِطَين، أو الحزن والسرور المُفْرِطَين، أو الحَقْن والحَقْب المُفْرِطَين، أو الحزن، والحقن: مدافعة البول، والحقب: مدافعة الغائط؛ لأن الإنسان إذا كان يدافع البول أو الغائط مدافعة شديدة كان مَشَوَّش الفكر، مشغول الخاطر، لا يمكن أن يَتَعَقَّل حججَ الخصوم؛ فمثل هذا إذا قال العلماء: إن القاضي لا يجوز له أن يحكم وهو مُشَوَّش الفكر. فنعلم أن قول ابن حزم أنهم إنما جاءوا بتشريع جديد أنه كَذِبٌ، وأن حديث: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» (^١)
يدل على أن من كان فكره متشوشًا تشويشًا أشد من الغضب أولى بالمنع من هذا الحكم.
وكذلك نهيه ﷺ عن التضحية بالشاة العوراء (^٢) لا نقول: إن العلماء ما نهوا عن التضحية بالشاة العمياء أن العمياء مسكوت عنها، وما سكت الله عنه فهو عفو، فله أن يضحي بالعمياء. هذا مما لا يقوله عاقل!!
وكذلك قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: آية ٤] ولم يصرح في الآية إلا بأن يكون القاذف ذكرًا والمقذوفة أُنثى، فلو قذفت
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام ..
(٢) السابق.
[ ٣ / ١٣٢ ]
أنثى ذكرًا، أو قذف ذكر ذكرًا، أو قذفت أُنثى أُنثى، كيف نقول إن هذا عفو، وإن هذا القذف لا مؤاخذة فيه؛ لأن الله إنما نص على قذف الذكور للإناث، حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: آية ٤] ولما أراد ابن حزم هنا أن يدخل الجميع في عموم المحصنات فقال: المحصنات نعت للفروج (والذين يرمون الفروج المحصنات) فيشمل الذكور والإناث (^١)، يُرد عليه: أن المحصنات في القرآن لم تأتِ قط للفروج، وإنما جاءت للنساء، وكيف يجري ذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: آية ٢٣] وهل يمكن أن تكون الفروج غافلات مؤمنات؟! هذا مما لا يعقل.
وكذلك نص الله (جل وعلا) على أن المبتوتة إذا طلقها الأول ثلاث طلقات فصارت مبتوتة حرامًا عليه إلا بعد زوج، ثم تزوجها زوج فدخل بها ثم طلقها هذا الزوج الأخير فإنه يجوز للأول أن ينكحها؛ لأنها حلت بنكاح الثاني. والله إنما صرح في هذه السورة بنص واحد، وهو أن يكون الزوج الذي حل لها إنما طلقها لأنه قال في تطليق الأول: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلآ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: آية ٢٣٠] ثم قال في تطليق الزوج الذي حللها: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلآ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: على الزوجة التي كانت حرامًا؛ والزوج الذي كانت حرامًا عليه ﴿أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: آية ٢٣٠] فنص على طلاق المحلل خاصة. ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أرأيتم لو حللها وجامعها مئة مرة حتى حلّت، وكانت كماء المزن، ثم مات قبل أن يطلقها، أو فسخ حاكم عقدهما بموجب آخر بالإعسار بنفقة أو غير
_________________
(١) انظر: كتابه الإيصال (ملحق في آخر المحلى) (١١/ ٢٧٠).
[ ٣ / ١٣٣ ]
ذلك من أسباب الفسخ، أيقول مسلم: إن هذه لا تحل للأول؛ لأن الله ما نص إلا على قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ ولو مات لم تحل؛ لأن الموت ليس بطلاق!! هذا مما لا يقوله عاقل!! وأمثال هذا كثيرة جدًّا. فنحن نقول: إن هذا الذي يقول ابن حزم: «إن الوحي سكت عنه» الوحي لم يسكت عنه، وإنما أشار إليه لتنبيهه لبعضه على بعضه، فالغضب يدل على كل تشويش فكر. والمحصنات لا فرق بين المحصنات والمحصنين. وقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: آية ٢٣٠] لا فرق بين ما لو طلقها أو مات عنها، فَبَعْدَ أنْ جَامَعَهَا وفارَقَهَا تَحِلّ للأَوَّلِ سواء كان الفراق بالطلاق المنصوص في القرآن، أو بسبب آخر كالموت والفَسْخِ. وهذا مما لا ينازع فيه عاقل، وإن نازع فيه ابن حزم.
ثم إن ابن حزم يسخر من الإمام أبي حنيفة (﵀)؛ لأن الإمام أبا حنيفة (﵀) يقول: إن التشهد الأخير يخرج الإنسان به من الصلاة بكل مناف للصلاة. ورُوي عنه: حتى أنه لو انتقض وضُوؤُه فضرط أنه خرج من الصلاة؛ لأن الضراط مناف لها. وكان ابن حزم يسخر عليه من هذا فيقول: ألا ترون قياس الضراط على (السلام عليكم) الوارد في النصوص!! إن لم يكن قياس الضراط على (السلام عليكم) قياسًا فاسدًا فليس في الدنيا قياس فاسد!!
ويسخر من الإمام مالك في مسائل كثيرة ويقول: إنه يقيس قياسات الألغاز؛ لأن مالكًا (﵀) جعل أقل الصداق رُبْعَ دِينار، أو ثلاثة دراهم خالصة. قال: قياسًا على السرقة بجامع أن كلًّا منهما فيه استباحة عضو في الجملة؛ لأن النكاح فيه استباحة الفرج بالوطء، والقطع فيه استباحة اليد بالقطع، فابن حزم يسخر من مالك ويقول:
[ ٣ / ١٣٤ ]
هذه ألغاز ومحاجاة بعيدة من الشرع، وتشريعات باطلة. وأمثال هذا منه كثيرة (^١).
ونحن نضرب مثلًا: فإنه من أشد ما حمل فيه على الأئمة -﵏- مسألة حديث تحريم رِبَا الفَضْلِ؛ لأن النبي ﷺ ثَبَتَ عنه في الأحاديث الصحيحة أنه قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بمِثْل، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (^٢) ابن حزم يقول: ليس في الدنيا ما يحرم فيه ربا الفضل إلا هذا. ويقول: الدليل على أنهم مُشَرِّعون، وأن أقوالهم كلها كاذبة؛ لأن بعضهم كالشافعي يقول: علة الربا في البر: الطعم، فيقيس كل مطعوم على البر فيقول: إن المطعومات كالفواكه كالتفاح وغيره من الفواكه يحرم فيه الربا قياسًا على البر بجامع الطعم. وأبو حنيفة وأحمد يقولان: العلة: الكيل، فيقولان: كل مكيل يحرم فيه الربا قياسًا على البر. فيحرمان الربا في النُّورة والأشنان وكل مكيل. فيقول ابن حزم: هذا يقول: «العلة الطعم» ويُلحق أشياء، وهذا يقول: «العلة الكيل» ويُلحق أشياء أخرى، وكل منهم يُكَذِّب الآخر (^٣)!! فهذه القياسات
_________________
(١) انظر الإحكام ص١٠٨٢.
(٢) البخاري في البيوع، باب: بيع الفضة بالفضة، حديث رقم (٢١٧٦، ٢١٧٧، ٢١٧٨)، (٤/ ٣٧٩)، ومسلم في المساقاة، باب: الربا، حديث رقم (١٥٨٤)، (٣/ ١٢٠٨، ١٢١١)، من حديث أبي سعيد الخدري، وقد جاء في هذا المعنى عدة أحاديث، منها حديث أبي بكرة عند البخاري (٢١٧٥)، (٢١٨٢) ومسلم (١٥٩٠)، وحديث عمر عند مسلم (١٥٨٦)، وفيه أيضًا عن عبادة (١٥٨٧)، وأبي هريرة (١٥٨٨)، وفضالة بن عبيد (١٥٩١).
(٣) انظر: الإحكام ص١٠٦٥، ١٠٨٢.
[ ٣ / ١٣٥ ]
المتناقضة، والأقوال المتكاذبة، والأحكام التي ينفي بعضها بعضًا لا يشك عاقل في أنها ليست من عند الله. وأمثال هذا كثيرة.
ونحن نضرب مثلًا بهذه المسألة فنقول: إن الأئمة (﵃)، أبا حنيفة، وأحمد، والشافعي - ﵏ - الذين سخر ابن حزم من قياساتهم هم أولى بظواهر النصوص من نفس ابن حزم. ونقول لابن حزم مثلًا: أنت قلت: إنك مع الظاهر، وقلت:
أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنِّي ظَاهِرِيّ وَأَنَّنِي عَلَى مَا بَدَا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ (^١)
فهذا الإمام الشافعي الذي قال: «إن علة الربا في البر: الطعم». استدل بحديث ثابت في صحيح مسلم، وهو حديث معمر بن عبد الله (﵁)، الثابت في صحيح مسلم، قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ » الحديث (^٢) فالشافعي فيما سخر منه ابن حزم أقرب لظاهر نصوص الوحي من ابن حزم. وكذلك الإمام أبو حنيفة وأحمد بن حنبل -رحمهما الله تعالى- اللذان قالا: «إن علة الربا في البر: الكيل» استدلَاّ بالحديث الثابت في الصحيح: «وَكَذَلِكَ المِيزان»؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر المكيلات وبين أن الربا حرام فيها قال: «وكذلِكَ المِيزان». والتحقيق: أن الموزونات مثل المكيلات، فجعل معرفة القدر علة للربا. وقوله: «وكذلك الميزان» ثابت في الصحيحين (^٣).
_________________
(١) البيت في مطمح الأنفس لأبي نصر الإشبيلي صـ٢٨١، وفيات الأعيان (٣/ ٣٢٧)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٠٧)، وصدره: «ألم تر».
(٢) مسلم في المساقاة، باب: بيع الطعام بالطعام مثلًا بمثل، حديث رقم (١٥٩٢)، (٣/ ١٢١٤).
(٣) البخاري في البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم (٢٢٠١، ٢٢٠٢)، (٤/ ٣٩٩)، وأطراف حديث (٢٢٠١)، في (٢٣٠٢، ٤٢٤٤، ٤٢٤٦،٧٣٥٠)، وحديث (٢٢٠٢)، أطرافه في (٢٣٠٣، ٤٢٤٥، ٤٢٤٧،٧٣٥١). ومسلم في المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل. حديث رقم (١٥٩٣)، (٣/ ١٢١٥)، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄.
[ ٣ / ١٣٦ ]
وفي حديث حيان بن عبيد الله الذي أخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن أبي سعيد الخدري لما ذكر الستة التي يحرم فيها الربا قال عن رسول الله ﷺ: «وَكَذلِك كُلّ ما يُكَال أو يُوزَن» (^١). وهذا الحديث حاول ابن حزم تضعيفه من ثلاث جهات، وقد ناقشناه في الكتاب الذي كتبنا على القرآن مناقشة وافية (^٢). والتحقيق: أن حيان بن عبيد الله ليس بمجروح، وأن زعمه أن أبا مجلز الذي روى عنه الحديث لم يلق ابن عباس أنه كذب، وأنه أدرك ابن عباس وأبا سعيد الخدري (﵏)، وأن الحديث لا يقل عن درجة القبول بوجه من الوجوه عند المناقشة الصحيحة كما بَيَّنَّاهُ في الكتاب الذي كَتَبْنَا في القرآن، وهذا الحديث قال فيه النبي ﷺ: «وكذلك كل ما يُكَالُ أو يُوزَن». وهذا أقرب لظاهر نص النبي ﷺ من ابن حزم الذي يسخر من أبي حنيفة والإمام أحمد -رحمهما الله- وليس قصدُنا في هذا الكلام أن نتكلم على ابن حزم؛ لأنه رجل من علماء المسلمين، وفحل من فحول العلماء، إلا أن له زلات، ولا يخلو أحد من خطأ، ومقصودنا أن نبين لمن نظر كتب ابن حزم فقط أن حملاته على الأئمة
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢ - ٤٣)، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» اهـ وتعقبه الذهبي بقوله: «حيان فيه ضعف وليس بالحجة» اهـ.
(٢) انظر: أضواء البيان (١/ ٢٤٠).
[ ٣ / ١٣٧ ]
أن الغلط معه فيها لا معهم، وأنهم أقرب للصواب، وأولى به منه، وأعلم منه، وأكثر علمًا وورعًا منه، فهم لا يحملون على أحد، ولا يعيبون أحدًا.
والحاصل أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق أمر لا شك فيه، وأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، والله (جل وعلا) قد بين نظائر في القرآن كثيرة يُعلم بها إلحاق النظير بالنظير. والنبي ﷺ أرشد أمته إلى ذلك في أحاديث كثيرة (^١)، فمن ذلك: أن عمر بن الخطاب (﵁) لما سأل النبي ﷺ عن القُبْلة للصائم، فقال له: «أرَأَيْتَ لو تمَضْمَضْت» (^٢)؟! فهذا إشارة من النبي ﷺ إلى قياس المضمضة على القُبْلة بجامع أن القُبْلة مقدمة الجماع، وأن المضمضة مقدمة الشرب، فكل منهما مقدمة الإفطار وليست بإفطار. فمحل كون القُبْلة كالمضمضة: إذا كان صاحبها لا يخرج منه شيء، أما إذا كانت القبلة تخرج منه شيء فهو كالذي إذا تمَضْمَضَ ابتلع شيئًا من الماء، فحكمه حكمه، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث متعددة ثابتة في الصحيحين: أنه سأله رجل مرة، وامرأة مرة، عن دَين يقضيانه على ميت لهما، مرة تقول: أبي، ومرة تقول: أمي. وكذلك الرجل. فقال النبي ﷺ: «أَرَأَيْتِ لو كان على أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟» قالت: نعم. قال: «فدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (^٣). هو تنبيه منه ﷺ على قياس دَين الله على دَين الآدمي. بجامع أن الكل حق يطالب به الإنسان، وأنه يقضى عنه بدفعه
_________________
(١) انظر: جواب ابن حزم عن مثل هذه الأدلة في الإحكام ص٩٦٦، فما بعدها.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٤٥) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٣ / ١٣٨ ]
لمستحقه. وأمثال هذا كثيرة. ومن أصرحها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ جاءه رجل، كان الرجل أبيض، وامرأته بيضاء، وولدت له غلامًا أسود، فأصاب الرجل جَزَعٌ مِنْ سَوَادِ الغُلامِ، وظن أنها زَنَتْ بِرَجُلٍ أسْوَد وجاءت منه بهذا الولد، فجاء للنبي ﷺ مُنْزَعِجًا وأَخْبَرَهُ أنها جاءت بولد أسْوَدَ، وكان يريد أن يلاعنها وينفي عنه الولد باللّعَانِ زَعْمًا أن هذا الولد مِنْ زَانٍ أسود، وأنه ليس ولده؛ لأنه هو أبيض وزوجته بيضاء. فقال له النبي ﷺ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم.
قال: «مَا أَلْوَانُهَا؟» قال: حمر الألوان. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَق؟» (والأورق المتصف بلون الوُرْقة، والوُرْقة لون كلون حمام الحرم، يعني: سواد يعلوه بياض يكون في الإبل) قال الرجل: إن فيها لوُرْقًا؟ قال: «وَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْهَا تِلْك الوُرقة؟» آباؤها حمر وأمهاتها حمر، فمن أين جاءتها الوُرقة؟ قال: لعل عرقًا نزعها! قال له: «وهَذَا الوَلَدُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ» (^١). فاقتنع الأعرابي. وهذا إلحاق نظير بنظير، وبالجملة فنظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، وهذا مما لا يُشك فيه، وأن القياس منه قياس صحيح لا شك فيه كالأمثلة التي ذكرنا، ومنه قياس فاسد، والقرآن ذكر بعض الأقيسة الفاسدة، وبعض الأقيسة الصحيحة، فمن الأقيسة الصحيحة في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: آية ٥٩] كما اليهود قالوا: إن عيسى لا يمكن أن تَلِدَهُ مَرْيم إلا مِنْ رَجُلٍ زَنَى بها، وقالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم: آية ٢٨] وهذا الولد لا بد أن يكون له والد، وهذا الوالد رجل فَجَرْتِ معه وزنيتِ به. فالله (جل وعلا)
_________________
(١) السابق.
[ ٣ / ١٣٩ ]
قاس لهم هذا الولد على آدم بجامع أن آدم وُلِدَ ولم يكن له أم ولا أب، خُلق ولم يكن له أم ولا أب، فالذي خَلَقَ آدَمَ ولمْ يَكُنْ له أب ولا أم فهو قادِرٌ على أن يخلق عيسى من أُمٍّ ولم يكن له أب، كما خلق حواء من ضلع رجل. فالله (جل وعلا) جعل خلق الإنسان قسمة رباعية: بعضٌ خلقه لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم، وبعض خلقه من أنثى دون ذكر وهو عيسى ابن مريم، وبعض خلقه من ذكر دون أنثى وهي حواء؛ لأن الله يقول: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: آية ١] والقسم الرابع: خلقه من ذكر وأنثى فقاس عيسى على آدم بجامع أن الذي أوجد آدم بقدرته يوجد عيسى بقدرته. وأمثال هذا كثيرة.
وكذلك قاس الموجودين في زمن النبي ﷺ على الأمم الماضية، وقال لهم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ثم بين إلحاق النظير بالنظير فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: آية ١٠] فكأن الموجودين في زمن النبي ﷺ فرع، والكفار المتقدمون أصل، والحكم الذي عمهم المهدد به: العذاب والهلاك، والعلة الجامعة: تكذيب الرسل، والتمرد على رب العالمين. وأمثال هذا في القرآن كثيرة.
وكذلك ما يسمونه: (قياس العلة) - وهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة (^١) - يكثر في القرآن جدًّا، كقوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [فصلت: آية ٣٩] فقاس إحياء الموتى الذي ينكره منكرو البعث على إحياء الأرض المشاهد؛ لأن كلًاّ منهما إحياء.
_________________
(١) انظر: المذكرة في أًصول الفقه ص٢٤٣، نثر الورود ص٤٤٢.
[ ٣ / ١٤٠ ]
وهذا الإحياء للموجود يدل على قدرة قادر كاملة باهرة يقدر بها من اتصف بها على إحياء الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها، وكما استدل (جل وعلا) بقياس الأولى على الأدنى، واستدل بأن من خلق السماوات والأرض لا يعجز عن خلق الإنسان الصغير الحقير بعد الموت، كما قال: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ الآية [النازعات: الآيات ٢٧ - ٢٩] وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: آية ٥٧]، ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر، وقال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى﴾ [الأحقاف: آية ٣٣] وقاس النشأة الأخرى على النشأة الأولى فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: آية ٦٢] والإيجاد الأول، فهلا قستم عليه النشأة الأخرى والإيجاد الأخير، وعلمتم أن مَنْ قَدَر على الأول قادر على الثاني، كما قال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: آية ٧٩] وأمثال هذا كثيرة جدًّا.
أما القياس الفاسد الذي بُني مخالفًا للنصوص كقياس إبليس لعنه الله، وكالأقيسة المخالفة للنصوص، وكأقيسة الشَّبَه المبنية على الفساد (^١)، فإن الكفار جاءوا بقياس الشبه كثيرًا باطلًا - ومِثْلُه باطل - كما قالوا في يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: آية ٧٧] فأثبتوا السرقة على أخي يوسف؛ لأن يوسف قد سرقَ قَبْلَهُ، قالوا: الأخ يشابه الأخ، فيلزم من مشابهتهما أن يكونا متشابهين في الأفعال، وأن هذا
_________________
(١) انظر: كلام الشيخ (﵀) على قياس الشبه في المذكرة في أصول الفقه ص٢٦٥، نثر الورود ص٥٠٩.
[ ٣ / ١٤١ ]
سرق كما سرق ذلك!! وهذا قياس شَبَهٍ باطل. وهذا النوع من القياس كقياسات إبليس الباطلة؛ والكفار - لعنهم الله - كذبوا جميع الرسل بقياسات شَبَهٍ باطلة؛ لأنه ما جاء رسول إلى قوم إلا قالوا له: أنت بشر، وكونك بشر يجعلك تشبه سائر البشر، ولا نقبل أن تكون رسولًا من رب العالمين وأنت تأكل كما نأكل، وتشرب مما نشرب، وتمشي في الأسواق كما نمشي فيها!! ونص الله على أن هذا مَنَعَ كل أمة، قال: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء: آية ٩٤] فشبهوا البشر بالبشر قياس شبه، واستنتجوا من ذلك أنه لا تكون له أفضلية على البشر، والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - ردوا عليهم هذا القياس، ورده الله عليهم في آيات لما قالوا للرسل: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: آية ١٠] أجابهم الرسل قالوا: ﴿إِن نَّحْنُ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: آية ١١] فمشابهتنا في البشرية لا تستلزم [عدم] (^١)
تفاوتنا في فضل الله، كما قال جل وعلا: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: آية ٦] ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ [المؤمنون: آية ٣٤] وقالوا فيه: ﴿يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: آية ٣٣] ﴿أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: آية ٢٤] وهذا كثير في القرآن، وهذه الأقيسة الفاسدة.
والحاصل أن القياس منه صحيح ومنه فاسد، فالصحيح هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون وعامة المسلمين. وأحكام الصحابة في القياس لا يكاد أحد يحصيها، فقد جاء في صحيح
_________________
(١) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق ..
[ ٣ / ١٤٢ ]
البخاري عن النبي ﷺ ما يدل على أن المجتهدين يختلفون في اجتهادهم، وكلهم لا إثم عليه ولا ضَيْر عليه؛ لأنه قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَان سَامِعًا مطيعًا فلا يُصَلِّينَّ العصْرَ إلا في بَنِي قُرَيْظَة» (^١).
هذا نص صريح صحيح سمعه الصحابة بآذانهم من رسول الله ﷺ، ثم راحوا من المدينة إلى ديار بني قريظة وأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فاختلفوا في فهم هذا الحديث، وكُلٌّ اجْتَهَدَ بحسب ما أدى إليه فهمه، فجماعة قالوا: ليس مراد النبي ﷺ أن نؤخر صلاة العصر عن وقتها، ولكن مراده الإسراع إلى بني قريظة، فلنصلِّ ونسرع، فصلوا العصر وأسرعوا، وجماعة قالوا: العصر وجبت علينا على لسانه ﷺ، فلو قال لنا: اتركوها إلى يوم القيامة تركناها إلى يوم القيامة، ولو قال: اتركوها إلى قريظة تركناها إلى قريظة، وجاءوا النبي ﷺ ولم يصلوا، واجتمعوا عند النبي ﷺ وهم في خلاف بين مُشَرِّق ومُغَرِّب؛ لأن من صلى ومن لم يصل مختلفان، فهو ﷺ قررهم جميعًا ولم يُخَطِّئ أحدًا منهم، ولو كان واحد منهم فعل غير صواب وأمرًا حرامًا لما أقره الرسول عليه ﷺ؛ لأنه لا يقر على باطل، ولا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وثبت في صحيح البخاري عن الحسن البصري
_________________
(١) البخاري في صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، حديث رقم (٩٤٦)، (٢/ ٤٣٦)، وطرفه في (٤١١٩)، ومسلم في الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، حديث رقم (١٧٧٠)، (٣/ ١٣٩١)، من حديث ابن عمر ﵄. تنبيه: في البخاري (العصر) وفي مسلم (الظهر). وانظر كلام الحافظ على الروايتين في الفتح (٧/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
[ ٣ / ١٤٣ ]
(﵀) ما مضمونه ومعناه: أنه كان يقول: لولا آية من كتاب الله أشفقت على المجتهدين، وهي قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ﴾ الآية [الأنبياء: آية ٧٨] (^١)؛ لأن الله (جل وعلا) صَرَّحَ بأنهما حَكَمَا حيث قال: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ بألف الاثنين الواقعة على داود وسليمان ثم قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ولم يذكر شيئًا عن داود، فَعَلِمْنَا أن داود لم يفهمها؛ لأنها لو فهمها الأب لما اقتصر على الابن، ولَمَا كان للاقتصار على سليمان فائدة مع أنهما فهماها، ولو كان هذا وحيًا من الله لما فهمه أحدهما دون الآخر؛ لأن الوحي أمر لازم للجميع، فدل على أنهما اجتهدا، وأن داود لم يُصِبْ في اجتهاده، وأن سليمان أصاب في اجتهاده، فالله أثنى على كل منهما، ولم يؤنب داود، بل قال بعدها: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٢)
[الأنبياء: آية ٧٩] وقد ثبت في الصحيحين ما يُستأنس به لهذا؛ لأنه قد ثبت في الصحيحين أن داود (﵇) في زمنه جاءته امرأتان نُفستا، وجاء الذئب فاختطف ابن واحدة منهما، وكانت التي اختطف ولدها هي الكبرى، وبقي ولد الصغرى فقالت الكبرى: هذا ولدي، وتنازعتا، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى اجتهادًا منه، لأمارات ظهرت له، أو لشيء في شرعه يقتضي ظاهره ذلك الاجتهاد. فرجعتا إلى سليمان، فلما رجعتا إلى سليمان قال: كل واحدة منكما تدعيه!! هاتوا بالسكين أشقه بينهما نصفين، فأُعطي نصفه لهذه ونصفه لهذه. وكان أبو هريرة يقول: ما سمعت بالسكين إلا ذلك اليوم، ما كنا نقول لها إلا المُدْيَة. فلما قال إنه
_________________
(١) البخاري في الأحكام، باب: متى يستوجب القضاء (١٣/ ١٤٦).
(٢) انظر: جواب ابن حزم عن هذه الأدلة في الإحكام ص٦٩٩ ..
[ ٣ / ١٤٤ ]
يشقه جزعت أمه التي هي الصغرى، وأدركتها الرأفة على الولد فقالت له: لا، يرحمك الله، هو ابنها وأنا لا حق لي فيه. وكانت الكبرى راضية بأن يُشق لتساويها أختها في المصيبة، فعلم سليمان أن الولد للصغرى، فقضى به للصغرى (^١). وذكر ابن عساكر في تاريخه ما يشبه هَذِهِ القِصَّةَ عَنْ دَاوُد وسليمان، إلا أَنَّهُ فِي تاريخ ابن عساكر -والله أعلم بصحة القصة وعدم صحتها- إلا أن هذا الذي ذكرنا الآن اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة. والقصة التي ذَكَرَها ابن عساكر في تاريخه: أنه كان أربعة من أشراف بني إسرائيل راودوا امرأة جميلة من بني إسرائيل عن نفسها، وكانت بارعة الجمال، [فمنعتهم وحاولوا أن يصلوا] (^٢) إليها فامتنعت، فاتفقوا على أن يحتالوا عليها حيلة فيقتلونها، فجاءوا وشهدوا عند داود أن عندها كلبًا علمته الزنا، وأنها تزني بكلبها، وكان مثل هذا عند داود يقتضي حكم الرجم، فدعا داود بالشهود فشهد الأربعة على أنها تزني بكلبها فرجمها داود.
قالوا: وكان سليمان إذ ذاك صغيرًا، فجمع سليمان الصبيان وجعل منهم شُرَطًا، قال: فلان وفلان جعلهم كالشرطيين، وأخذ قومًا وجعلهم شهودًا، وجاءوا يشهدون، وجعل رجلًا كأنه المرأة، وقالوا: نشهد أن هذه زنت بكلبها، ثم قال سليمان للصبيان الذين جعلهم كالشُّرط: خذوا كل واحد منهم وفرقوهم وأتوني بهم واحدًا واحدًا. فجاءوه بالأول فقال: ما تقول في شهادتك؟ قال:
_________________
(١) البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ ﴾ حديث رقم (٣٤٢٧)، (٦/ ٤٥٨)، وطرفه في (٦٧٦٩)، ومسلم في الأقضية، باب: بيان اختلاف المجتهدين، حديث رقم (١٧٢٠)، (٣/ ١٣٤٤).
(٢) في الأصل: «فمنعتهما وحاولا أن يصلا».
[ ٣ / ١٤٥ ]
أقول إنها زنت بكلبها. قال له: وما لون الكلب؟! قال: كان كلبها أحمر، ثم دعا بالثاني فقال: وما لون الكلب؟ قال: كان كلبها أسود، ثم دعا الآخر فقال: أغبر، فاختلفت أقوالهم في لون الكلب، فعلم أنهم كَذَبَة، فقال: اقتلوهم؛ لأنهم قتلوها. فسمع داود الخبر، فأرسل بالشهود حالًا وفرقهم، وجاءوه واحدًا واحدًا فسألهم فاختلفوا في لون الكلب، فعلم أنهم شهدوا عليها شهادة زور ليقتلوها حيلة، فقتلهم قصاصًا، هكذا قال، والله أعلم (^١).
وعلى كل حال فالقياس هو قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد. فما جاء به الظاهرية -من ذم القياس- والسلف هو ينطبق على القياس الفاسد، والصحابة كانوا مجمعين على القياس الصحيح (^٢). وقد جاء عن علي بن أبي طالب (﵁) أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن جاءه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، كلهم يقول: هو ابني. فقال: اقترعوا على الغلام، فوقعت القرعة لواحد [منهم] (^٣) فقال للذي جاء الغلام في نصيبه: خذ الغلام وادفع لكل واحد منهما ثلث الدية -ثلث دية الغلام- قالوا: فلما بلغ قضاؤه النبي ﷺ ضحك من قَضَاءِ عَلِيٍّ هذا حتى بدت نواجذه (^٤).
_________________
(١) تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٣٢)، وهي في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٠/ ١٢٠ - ١٢١).
(٢) انظر: مناقشة ابن حزم لذلك في الإحكام ص٩٧٩.
(٣) في الأصل: (منهما).
(٤) عبد الرزاق (١٣٤٧٢، ١٣٤٧٣)، وأحمد (٤/ ٣٧٣، ٣٧٤)، وأبو داود في الطلاق، باب: من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، حديث رقم (٢٢٥٢ - ٢٢٥٤)، (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٢)، والنسائي في الصغرى، كتاب الطلاق، باب: القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه. حديث رقم (٣٤٨٨ - ٣٤٩٢)، (٦/ ١٨٢ - ١٨٤)، وفي الكبرى رقم (٥٩٨٨)، وابن ماجه في الأحكام، باب: القضاء بالقرعة. حديث رقم (٢٣٤٨)، (٢/ ٧٨٦)، والبيهقي (١٠/ ٢٦٧). وهو في صحيح أبي داود (١٩٨٦ - ١٩٨٧)، وصحيح ابن ماجه (١٩٠١)، وصحيح النسائي (٣٢٦٤ - ٣٢٦٧).
[ ٣ / ١٤٦ ]
ومن ذلك حديث معاذ الذي قال له: «بِمَ تَقْضِي؟» قال: بكتاب الله. قال: «فإنْ لَمْ تَجِدْ؟» فبسنة رسول الله. قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: أجْتَهِدُ رَأْيِي. فقال: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^١). وهذا الحديث يقول ابن حزم: إنه باطل (^٢) لا أصل له؛ لأنه رواه الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة، عن ناس من حمص مجهولين، هو رواية مجهول عن مجاهيل، وأن الاستدلال به ضلال. وقد قال ابن كثير في مقدمة تفسيره: إنه رواه أصحاب السنن بإسناد جيد (^٣) وذكر بعض العلماء أنه جاء من طريق عبادة بن نُسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل. وهذا الإسناد من هنا صحيح لا شك في صحته؛ لأن رجاله معروفون، إلا أن البلية مما قبل عبادة بن نُسي، والظاهر أن الذي رواه عن عبادة بن نسي هو محمد بن حسان (^٤) المصلوب، الذي صلبه أبو جعفر المنصور في
_________________
(١) أحمد (٥/ ٢٣٦)، (٢٤٢)، والدارمي (١/ ٥٥)، وأبو داود في القضاء، باب: اجتهاد الرأي في القضاء، حديث رقم (٣٥٧٥، ٣٥٧٦)، (٩/ ٥٠٩)، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي. حديث رقم (١٣٢٧، ١٣٢٨)، (٣/ ٦٠٧)، وانظر: ضعيف أبي داود (٧٧٠، ٧٧١)، والمشكاة (٣٧٣٧)، وضعيف الترمذي (٢٢٤)، والسلسلة الضعيفة (٨٨١).
(٢) انظر الإحكام ص٦٩٨، ٧٧٣.
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٣).
(٤) هو محمد بن سعيد بن حسان، ويقال له: ابن أبي حسان. قيل: «قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى» اهـ (التقريب ص٨٤٧) وانظر: ص٨٣٦.
[ ٣ / ١٤٧ ]
الزندقة، وهو كذاب لا يُحتج به. فالحاصل أن حديث معاذ لا طريق له إلا طريق السنن التي فيها الحارث بن عمرو، عن قوم من أصحاب معاذ من أهل حمص.
والذين قالوا: إن الحديث صحيح، وإنه يجوز العمل به، استدلوا بأمرين:
أحدهما: أن الحارث بن عمرو المذكور وَثّقَهُ ابْنُ حبان، وإن كان ابن حبان له تساهل في التوثيق فالحديث له شواهد قَوِيَّة يَعْتَضِدُ بِهَا، كحديث الصحيحين: «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» (^١). قالوا: أصحاب معاذ بن جبل ليس فيهم مجروح، بل كلهم عدول. وإذا كان الحارث موثقًا، وأصحاب معاذ كلهم عدول فالحديث مقبول. وكذلك قالوا: إن علماء المسلمين تَلَقَّوْا هَذَا الحديث خلفًا عن سَلف، وتَلَقِّي العُلَمَاءِ للحديث بالْقَبُولِ يَكْفِيهِ عَنِ الإِسْنَادِ، وَكَمْ من حديث اكتُفي بصحته عن الإسناد، واكتُفي بعمل العلماء به في أقطار الدنيا؛ لأن هذه الأمة إذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلًا، واكتفي بذلك عن الإسناد.
وعلى كل حال فالقياس الباطل هو المذموم، والقياس الصحيح -وهو إلحاق النظير بالنظير على الوجه الصحيح- لا شك في
_________________
(١) البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (٧٣٥٢)، (١٣/ ٣١٨)، ومسلم في الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم الحديث (١٧١٦)، (٣/ ١٣٤٢).
[ ٣ / ١٤٨ ]
صحته، وأن الصحابة كذلك كانوا يفعلون، يُلحقون المسكوت عنه بالمنطوق به، وهذا كثير، وقد مثلنا له بأمثلة كثيرة.
[٥/أ] / يقول الله جل وعلا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: آية ٣١] قَدْ تَقَرَّر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول أن له حكم الرفع إلى النبي ﷺ، كما هو معروف في مصطلح الحديث (^١). وإذا علمتم ذلك فاعلموا أن مسلم بن الحجاج (﵀) في آخر صحيحه أخرج عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير أنَّ هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف نزلت فيما كان يفعله المشركون من أنهم يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله النهي عن ذلك (^٢)، والتجمل بلباس الزينة، وستر العورة للطواف وللصلاة في جميع المساجد، فالسبب خاص واللفظ عام، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب (^٣) كما سنوضحه إن شاء الله.
والمعروف في مختلقات (^٤) العرب التي كانوا يفعلون: أنَّ غير الحُمس، والحُمس: جميع قريش (^٥)؛ لأنَّ من قريش أهل بطاح
_________________
(١) انظر: معرفة علوم الحديث ص٢٠، البرهان للزركشي (٢/ ١٧٢)، النكت على ابن الصلاح (٢/ ٥٣٠، ٥٣١)، تدريب الراوي (١/ ١٩٣)، قواعد التفسير (١/ ٥٤، ١٧٨).
(٢) مسلم في التفسير، باب قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ حديث رقم (٣٠٢٨)، (٤/ ٢٣٢٠).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
(٤) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (٦/ ٣٥٧).
(٥) المصدر السابق (٦/ ٣٦٢)، وانظر: ابن جرير (٣/ ٥٥٧).
[ ٣ / ١٤٩ ]
وأهل ظواهر، وجميعهم هم وحلفاؤهم يُسمّون: «الحُمس» وأهل البطاح منهم: أولاد كعب فما دونه، وما فوق كعب وهم بنو عامر بن لؤي، وبنو الحارث بن فِهْر، وبنو محارب بن فِهْر من قبائل قريش، هؤلاء كانوا ليسوا ببطاح مكة بل بالظواهر، فهؤلاء أهل ظواهر، وهؤلاء الأبطحيون في نفس بطحاء مكة، والجميع يسمون: «الحُمسْ» هم قريش بجميعها أهل بطاحها وأهل ظواهرها، كانت عادة العرب في الجاهلية أن الإنسان إذا جاء يريد الطواف ببيت الله الحرام إن كان له صديق من الحُمس أعطاه ثوبًا يطوف فيه، وذكروا أن النبي ﷺ في الجاهلية -قبل البعثة- كان له صديق من بني تميم هو عياض بن حمار الذي كان بعد ذلك صحابيًّا كريمًا، وكان النبي ﷺ إذا أراد عياض بن حمار أن يطوف أعاره ثوبه ليطوف فيه كما هو معروف في التاريخ (^١). فإن أعاره أحد الحُمس ثوبه طاف فيه، وإن لم يجد من يعيره من الحُمس ثوبًا فإن كان ثوبه جديدًا -لم يلبسه قبل ذلك- طاف فيه، ولكنه عندما يطوف فيه يلقيه من حاله ويذهب عريانًا؛ لأنهم يقولون: لا نطوف بيت الله بثياب عصينا الله فيها، أو يتفاءلون أنهم يخرجون من الذنوب ويتعرَّوْن منها كما تعروا من الثياب (^٢). وهذه تشريعات الشيطان. والإنسان منهم إذا طاف في ثوبه لا بد أن يلقيه، وإن لم يُلْقه ضربوه حتى يلقيه وسمى ذلك الثوب (لَقَى) وهو معروف في التاريخ؛ لأن (اللَّقى) هذا الثوب الذي يلقيه من طاف فيه يبقى طريحًا تدوسه أقدام الناس في المطاف (^٣).
_________________
(١) انظر: الاستيعاب (٣/ ١٢٩).
(٢) انظر: المفصل (٦/ ٣٥٩).
(٣) انظر: القرطبي (٧/ ١٨٩)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (٦/ ٣٥٩).
[ ٣ / ١٥٠ ]
وبعضهم قالوا: يُلقون (اللَّقى) في منى، ومنه قول الشاعر (^١):
كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقىَ بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ
يعني أخًا له ميتًا تدوسه أقدام الناس وهو ميت كأنه هذا الثوب اللَّقَى الذي طَرَحَهُ من طاف به، فإن لم يجد من يعيره، وكان الثوب قديمًا -في زعمهم قد عصى الله فيه- طرح الثوب وجاء عريانًا، وطاف عريانًا -والعياذ بالله- وتطوف المرأة عريانة!! وبعضهم يقول: كانت النساء تطوف بالليل ليس عليهن ثياب، والرِّجال يطوفون بالنهار (^٢). والبيت الذي تقوله الطائفة (^٣):
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
هو في صحيح مسلم في حديث ابن عباس الذي ذكرناه آنفًا (^٤)، وأنه تفسير صحابي لهذه الآية متعلق بسبب النزول فَلَهُ حُكْم الرَّفْعِ، فكأنه حديث صحيح في حكم الرفع إلى النبي ﷺ.
يقول: إن معنى الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣١] يعني: خذوا زينة اللباس واستروا بها عوراتكم عند الطواف بالبيت والصلاة. والآية وإن كان سبب نزولها في طوافهم بالبيت عراة فلفظها عام لكل مسجد. والمقرر في الأصول: أن اللفظ إن كان عامًّا
_________________
(١) البيت في القرطبي (٧/ ١٨٩)، السيرة لابن هشام (٢٢٠/ ١).
(٢) انظر: المفصل (٦/ ٣٥٨).
(٣) هذا البيت ينسب لضباعة بنت عامر بن صعصعة. وهو في صحيح مسلم (٤/ ١٣٢٠)، وابن جرير (١٢/ ٣٧٧، ٣٨٩، ٣٩٠، ٣٩١، ٣٩٣)، القرطبي (٧/ ١٨٩)، المفصل (٦/ ٣٥٨).
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٣ / ١٥١ ]
والسبب كان خاصًّا فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، هذا هو الحق الذي عليه جماهير العلماء، وعليه عامة الأصوليين إلا مَنْ شَذَّ (^١).
والدلالة على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب تفهم من نصوص الوحي، ومن اللغة العربية (^٢). أما نصوص الوحي فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة تدل على أن العِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يدل عليه استقراء القرآن، وتدل عليه اللغة العربية أيضًا. فمن الأحاديث الدالة على ذلك: قصة الأنصاري المشهورة التي ذكرها الله في سورة هود، وسيأتي إيضاحها، وضابطها: أن أنصاريًّا كان تمَّارًا فجاءته امرأة تريد أن تبتاع منه تمرًا فأُعجب بجمالها فقال لها: إن في البيت تمرًا أجود من هذا، فلما دخلت في البيت تظن أنه يبيعها التمر الأجود كان بينه وبينها ما لا ينبغي أن يكون بين رجل وغير زوجته، إلا أنه لم يقع بينهما ما يستوجب الحد، فكان شيء مثل التقبيل والضم ونحوه، ثم بعد ذلك ندم ذلك الأعرابي وسأل النبي ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ فيه آية مدنية في سورة مكية، وهي قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ يعني كالصلوات الخمس التي يقيمها في الجماعات ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: آية ١١٤] أي: يغفر الله بهن تلك الذنوب، كتقبيل تلك الأجنبية، ثم إن ذلك الرجل لما نزلت فيه الآية وقرأها النبي ﷺ سأل ذلك الأنصاريُّ وقال له: يا رسول الله ألي هذا خاصة؟ وسؤال الأنصاري - هذا - مقتضاه: أيختص حكم هذه الآية بي لأنني سبب نزولها، أم العبرة بعموم لفظ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ
_________________
(١) مضى قريبًا.
(٢) انظر: أدلة ذلك في قواعد التفسير (٢/ ٥٩٤).
[ ٣ / ١٥٢ ]
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾؟ فقال له النبي ﷺ: «بَلْ لأُمَّتِي كُلّهِمْ» (^١). وسؤال الأنصاري هذا وجواب النبي ﷺ له ثابت في صحيح البخاري في تفسير سورة هود، وهو نص صريح في أَنَّ العِبْرَةَ بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
ومن النصوص الدالة على ذلك: ما ثبت في الصحيح ثبوتًا لا مطعن فيه، من أن النبي ﷺ جاء عليًّا وفاطمة (﵄ وأرضاهما) وهما نائمان، وأيقظهما ليصليا من الليل، فقال له علي (﵁): إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا. فولى ﷺ كالمغضب يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (^٢) [الكهف: آية ٥٤] مع أن آية: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ نزلت على التحقيق في الكفار المشركين الذين يجادلون في القرآن، فيقول بعضهم: شعر. ويقول بعضهم: سحر. ويقول بعضهم: كَهانة. إلى غير ذلك. ويدل على أنها في الكفار: أول الآية، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾ أي المكذِّب بالقرآن الذي لم يَعْتَبِر بأمثاله ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾
_________________
(١) البخاري في الصحيح كتاب التفسير. باب ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ حديث رقم (٤٦٨٧)، (٨/ ٣٥٥)، ومسلم في الصحيح، كتاب التوبة باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ حديث رقم (٢٧٦٣)، (٤/ ٢١١٥).
(٢) البخاري في الصحيح، كتاب التهجُّد، باب (تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب) حديث رقم (١١٢٧)، (٣/ ١٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما رُوي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، حديث رقم (٧٧٥)، (١/ ٥٣٧).
[ ٣ / ١٥٣ ]
[الكهف: آية ٥٤] وخصومةً في التكذيب بالقرآن، فالنبي ﷺ بيَّن أنها وإن نزلت في الكفار أن عموم لفظها شامل لقول علي (﵁): إن أرواحنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا.
ومما يدل على هذا من اللغة العربية: أن الرجل مثلًا لو كان له أربع زوجات فآذته واحدة منهن وشتمته وأطلقت لسانها فيه حَتَّى أغْضَبَتْهُ، وهي واحدة، والثلاث الأُخر ساكتات لا يفعلن إلا ما يرضي زوجهن. فقال الزوج بسبب إغضاب التي أغضبته: أنتن كلكن طوالق. فإن الطلاق لا يختص بذات السبب التي أغضبته وآذته بل يطلق الجميع نظرًا إلى عموم اللفظ، ويلغى سبب اللفظ الذي حمل عليه، كما هو معلوم عند أهل اللسان العربي.
وقوله (جل وعلا) في هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: آية ٣١] كأنه يذكرهم بقضية إبليس. لا يَدُم إبليس على النكاية فيكم بنزع ثيابكم عنكم كما فعل بِأَبَوَيْكُمْ.
﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأصل: أؤْخذوا بالهمزة؛ لأنه مضارع (أخذ) بالهمزة، إلا أن ثلاثة أفعال مهموزة الفاء وهي: (أخذ)، و(أمر)، و(أكل) يجوز حذف همزتها في الأمر كما بيناه مرارًا (^١).
﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ أي: لباسكم الذي تسترون به عوراتكم وتتجملون به.
﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ سواءً كان المسجد الحرام للطواف أو غيره من المساجد للصلاة. وكون الزينة هنا لبس اللباس للطواف والصلاة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٥٤ ]
يكاد يجمع عليه المفسرون (^١)، وقد دل عليه حديث ابن عباس المذكور الذي قدمنا أن له حكم الرفع إلى النبي ﷺ.
وأخذ العلماء من ظاهر عموم الآية أنَّهُ يَنْبَغِي للرجل إذا أراد أن يخرج إلى المسجد ليحضر جماعات المسلمين ويصلي أن يلبس من الثياب أحْسَنَها (^٢). وقد جاء عن النبي ﷺ الثناء على لَوْنِ البَيَاض في حديث: «إِنَّ مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَالْبَسُوا الْبَيَاضَ وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ، وَإِنَّ مِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ الإِثْمِدَ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ» (^٣) وهو حديث مشهور أخرجه بعض أصحاب السنن وغيرهم؛ ولذا كانوا يتطيبون ويستاكون ويقولون: إن الطيب والسواك مِنْ كَمَالِ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣٨٩)، القرطبي (٧/ ١٨٩).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ١٩١)، ابن كثير (٢/ ٢١٠).
(٣) أخرحه أحمد (١/ ٢٤٧، ٣٢٨، ٣٦٣)، وأبو داود في اللباس، باب في البياض، حديث رقم (٤٠٤٣)، (١١/ ١١٠)، وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم (٣٨٦٠)، والترمذي في الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان، حديث رقم (٩٩٤)، (٣/ ٣١٠ - ٣١١)، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، حديث رقم (١٤٧٢)، (١/ ٤٧٣)، كما أخرجه في كتاب اللباس (٣٥٦٦)، من حديث ابن عباس (﵄). وهو في صحيح أبي داود (٣٢٨٤، ٣٤٢٦)، وصحيح الترمذي (٧٩٢)، كما أخرجه أحمد (٥/ ١٠، ١٣، ١٧، ١٨، ١٩)، والترمذي في الأدب، باب: ما حاء في لبس البياض. حديث رقم: (٢٨١٠)، (٥/ ١١٧)، وقال الترمذي: «وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر» اهـ كما أخرجه ابن ماجه في اللباس، باب البياض من الثياب، حديث رقم: (٣٥٦٧)، (٢/ ١١٨١)، من حديث سمرة بن جندب (﵁). وهو في صحيح ابن ماجه (٢٨٧٠).
[ ٣ / ١٥٥ ]
الزِّينَةِ التي يتناولها ظاهر الآية الكريمة (^١). مع القطع بأنها نازلة في عدم العُرْيِ وستر العورات عند الطواف والصلوات.
وهي دليل واضح على أن الطواف لا يَصِحّ مِنَ العُرْيَان كما عليه جمهور العلماء، وأن الصلاة أيضًا لا تَصِحُّ مَعَ كشْفِ العَوْرَةِ خلافًا للإمام أبي حنيفة - ﵀ - في الطواف (^٢). ويؤيد معنى ما دلت عليه الآية قوله ﷺ الذي أرسل عليًّا ينادي به: «وَأَلاّ يحج بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وألا يطُوفَ بالبيْتِ عُرْيَانٌ» (^٣). وهذا معنى قوله: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: آية ٣١] أي: لا تأتوا الطواف مكشوفة عوراتكم، ولا تأتوا مساجد المسلمين مكشوفة عوراتكم كما كان يفعله المشركون في مسجد مكة؛ لأنا ذكرنا عن ابن عباسٍ من طريق سعيد بن جبير كما أخرجه مسلم في صحيحه (^٤) أن هذه الآية نزلت في أن المشركين كانوا يطوفون عراة، حتى إن المرأة لتقول:
اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كُله فما بدا منه فلا أُحلُّه
_________________
(١) انظر: ابن كثير (٢/ ٢١٠).
(٢) انظر: الكافي لابن عبد البر ص٦٣، المجموع (٣/ ١٦٥)، المغني (٢/ ٢٨٣).
(٣) البخاري في الحج، باب: لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج مشرك. حديث رقم (١٦٢٢)، (٣/ ٤٨٣)، ومسلم في الحج، باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ، حديث رقم (١٣٤٧)، (٢/ ٩٨٢)، من حديث أبي هريرة (﵁). وجاء من حديث علي (﵁) عند الترمذي في التفسير، باب ومن سورة براءة. حديث رقم: (٣٠٩١، ٣٠٩٢)، (٥/ ٢٧٥، ٢٧٦).
(٤) مضى تخريجه قريبًا.
[ ٣ / ١٥٦ ]
وهذا الحديث الذي له حكم الرفع الثابت في صحيح مسلم؛ لأنه تفسير من ابن عباس يتعلق بسبب النزول، فكأن ابن عباس يفسِّر الزينة بأنها لبس الثياب عند الطواف والصلوات، وتفسير الصحابي إن كان له تعلق بسبب النزول كان له حكم الرفع كما هو مقرَّر في علوم الحديث.
وهذا يدل على أن قائلة البيت من اللاتي كنَّ يطفن بالبيت وهن عريانات يتقربن بذلك إلى الله، مع أنه ذكرت جماعة من المؤرخين للبيت المذكور قصة غير ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس، والظاهر أنَّ ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس أثبت، فقد ذكر غير واحد ممن تكلم على الصحابة في ترجمة ضباعة بنت عامر بن لقيط بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (^١) - هي من بني قشير الذين منهم مسلم بن الحجاج القشيري - وكانت امرأة ذات جمال، وأنها تزوجها عبد الله بن جدعان التيمي، الجواد المشهور، وجاء بها إلى مكة، وكان من أعظم فتيان مكة في ذلك الزمن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، والد أبي جهل، فأعجبه جمال ضباعة بنت عامر، التي هي زوجة ابن جدعان، فصار يأتيها ويقول لها إن هذا الشيخ الكبير الذي ليس له جمال لا يناسب جمالك وكمالك فتطلقي منه لأتزوجك، يُخَبِّبها عليه، فَخَبَّبها عليه، فطلبت من ابن جدعان الطلاق، فلما طلبت منه الطلاق قال: نعم، بشرط أن تنحري كذا وكذا جزورًا -مئة من الإبل أو أكثر- وتغزلي غزلًا يمتد من هنا إلى جبل كذا، وأن تطوفي ببيت الله وأنت عريانة، فقالت له: اصبر حتى أفكر في شأني، فجاءها هشام، وكان هشام من
_________________
(١) انظر: الإصابة (٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
[ ٣ / ١٥٧ ]
عظام فتيان مكة، وقد قال فيه الشاعر لما مات (^١):
فَأَصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةُ مُقشعِرًّا كأنَّ الأرضَ ليس بها هِشَامُ
فلما جاءها هشام بن المغيرة والد أبي جهل، وقصَّت عليه القصة، قال لها: التزمي له كل ما اشترط عليك، فأنا أعطيك مئة جزور، وما شئت من الإبل تنحرينه، وآمر نساء بني المغيرة أن يغزلن لك الغزل الذي فعل (^٢)، وأطلب من قريش أن يُخْلُوا لك البيت حتى تطوفي به وحدك وأنت عريانة، وأنه وفَّى بما فعل، أعطاها الإبل فنحرتها، وغزل لها الغزل، وطلب من قريش فأخلوا لها البيت. والذين يذكرون القصة من كتب الصحابة -كما في الإصابة والاستيعاب وغيرهما (^٣) من كتب الصحابة ممن ذكروا هذه القصة- زعموا أن النبي ﷺ في ذلك الوقت طفل صغير وَلِدَته (^٤) معه المطلب بن وداعة السهمي، وأنهم بقوا لصغرهم، وأنهم رأوها تنزع ثوبًا ثوبًا حتى بقيت ليس عليها شيء وصارت تقول:
اليومَ يَبْدُو بعضُه أوكُلُّه فما بَدَا منه فلا أُحِلُّهُ
قالوا: ولما كشفت عنها جميع الثياب نشرت شعرها حتى تدلَّى عليها وستر عورتها، وأنها هي التي قالت هذا البيت؛ ولذلك قال
_________________
(١) البيت للحارث بن خالد بن العاص، أو الحارث بن أُمية بن عبد شمس. وهو في الكامل ص٦٧١، اللسان (مادة: قثم) (٣/ ٢٢).
(٢) هكذا في الأصل، ولعله سبق لسان، والمراد: طلب أو شرط.
(٣) هذا الخبر موجود في الإصابة (٤/ ٣٥٣)، ولم أقف عليه في ترجمتها في الاستيعاب.
(٤) الَّلدَةُ: التِّرب، ويجمع على: لِدَات، انظر: القاموس (مادة: الولد) ص٤١٧.
[ ٣ / ١٥٨ ]
عياض في شرح مسلم في الكلام على البيت في مسلم (^١): إن قائلته ضباعة هذه، ولكنه تلفيق لقصة بقصة أخرى، وزعم من ذكر هذه القصة أن النبي ﷺ بعد ذلك خطبها عند ابنها. والظاهر أنه ابنها سلمة بن هشام؛ لأنها ولدت منه ابنها سلمة الذي كانت ترقصه وهو صغير وتقول (^٢):
اللَّهُمَّ ربَّ الكَعْبَةِ المُحَرَّمَهْ أَظْهِرْ عَلَى كُلِّ عَدُوٍّ سَلَمَهْ
وأنه قال: حتى أستأذنها، فذهب ليستأذنها، فأُخبر النبي ﷺ أن جمالها الذي عهده تغيَّر، وأنها سقطت أسنانها وذَهَبَ جَمَالها، فلما جاء يستأذنها غضبت عليه وقالت: أتستأذنني في رسول الله ﷺ؟! فلما رجع إليه أعرض عنها النبي ﷺ (^٣). هكذا ذكروه في هذه القصة والله أعلم بصحتها.
أما كونه نزلت في المرأة التي كانت تطوف بالبيت عريانة فقد أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس (^٤)، والظاهر أنه أثبت من هذا، والله تعالى أعلم.
ومعنى الآية الكريمة: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣١] أي: ثيابكم التي تسترون بها عوراتكم وتتجمَّلون بها عند كل مسجد لإقامة
_________________
(١) لم أقف عليه في كلام القاضي عياض (﵀) على الحديث في كتابه (الإكمال) المطبوع، وقد نقله عن القرطبي في المفهم (٧/ ٣٤٦)، وانظر: إكمال المعلم (٨/ ٥٨٩)، شرح الأُبي على مسلم (٧/ ٣٢٨).
(٢) البيت في طبقات ابن سعد (٤/ ٩٧)، الإصابة (٢/ ٦٩).
(٣) ذكره ابن سعد في الطبقات (٨/ ١١٠).
(٤) مضى قريبًا.
[ ٣ / ١٥٩ ]
الصلوات وخصوصًا المسجد الحرام للطواف والصلاة فيه خلاف ما كان يفعله المشركون.
﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ نزل قوله: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ في بعض العرب، قال بعض العرب: كان بنو عامر بن صعصعة إذا أحرموا بالحج لا يأكلون الودك، ولا يشربون من ألبان الغنم، ولا مما خرج من لحومِهَا، فحرَّموا على أنفسهم بعض الطيبات من الدسم كالودك، وبعضهم يحرم شرب اللبن واللحم، فأُمروا أيضًا أن لا يحرِّموا هذه الطيبات التي أحلَّ الله، كما قال لهم: البسوا الثياب، ولا تتجرَّدوا في الإحرام، فكذلك كلوا طيبات الرزق ولا تحرموها على أنفسكم؛ أي: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ حتى ولو كان من الودك، ولو كان من اللبن مما يحرمه الجاهلية؛ لأن الجاهلية كانوا في الموسم بعضهم يحرم على نفسه الدسم، وبعضهم يُحَرِّم شرب اللبن واللحوم، ويزعمون أن هذا أتم لحجهم، وأنه أرضى لله (^١)، فقال الله فيهم: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ ولا تحرموا شيئًا من طيبات الله؛ لأن ذلك تشريع الشيطان ككشف العورات.
وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يحرِّم شيئًا حلله الله كما قدمنا في سورة المائدة في قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلا تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: آية ٨٧] وعليه فليس للإنسان أن يقول: هذا الطعام أو هذا الشراب حرامٌ عليَّ، فإن حرَّم على نفسه حلالًا كطعام أو شراب فإنه لا يحرم عليه، وبعض العلماء يقول: تلزمه في تحريم
_________________
(١) انظر: السيرة لابن هشام (١/ ٢١٩ - ٢٢١)، المُفَصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام (٦/ ٣٦٢، ٣٧١).
[ ٣ / ١٦٠ ]
الحلال كفارة يمين. ومالك وأصحابه قالوا: إن لم يكن الذي حَرَّمَه حلالًا غير الزوجة والأمة لا تلزمه يمين ولا يلزمه شيء.
وحجة من قال: إنه تلزمه يمين: أن الله لمَّا قال لنبينا ﷺ وهو قدوتنا صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾ [التحريم: آية ١] وأصح الروايات أنه العسل، وإن جاء في روايات أخرى أنه جاريته (^١). قال الله له بعد تحريم هذا الحلال: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: آية ٢] فعُلم أن في تحريم الحلال كفارة يمين؛ لأن تحلة اليمين هي كفارته، وذلك يدل على أنَّ فيه كفارة يمين، خلافًا لمالك وأصحابه (^٢). أما إذا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ بأن قال: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام، أو علَّق تحريمها على شيءٍ ووقع. فللعلماء فيه اختلافات واضطربات كثيرة تزيد على ثلاثة عشر مذهبًا معروفة في كلام العلماء (^٣)، أجراها عندي على القياس هو قول مَنْ قَال: إنه تلزمه كفَّارَة ظِهَار، هذا القول هو أقْرَبُهَا للقياس وظاهر القرآن العظيم؛ لأن الله نص في محكم كتابه في سورة المجادلة في امرأة أوس بن الصامت التي قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي - (أنت عليَّ كظهر أمِّي) معناه بالحرف الواحد: أنْتِ حَرَامٌ- وقد جاء القرآن بأن في هذا اللفظ كفارة ظهار حيث قال: ﴿والذين يظَّهَّرونَ من نسائهم﴾
_________________
(١) انظر: ابن جرير (٢٨/ ١٥٥ - ١٥٩)، القرطبي (١٨/ ١٧٧ - ١٧٩ - ١٨٥)، ابن كثير (٤/ ٣٨٦)، فتح الباري (٩/ ٢٨٩، ٣٧٦)، أضواء البيان (٦/ ٥٢٩).
(٢) انظر: القرطبي (١٨/ ١٧٩ - ١٨٠).
(٣) انظر: ابن أبي شيبة (٥/ ٧٢)، مصنف عبد الرزاق (٦/ ٣٩٩)، الاستذكار (١٧/ ٣٦ - ٤٨)، القرطبي (١٨/ ١٨٠ - ١٨٦)، أضواء البيان (٦/ ٥٢٣، ٥٣١ - ٥٣٩).
[ ٣ / ١٦١ ]
وفي القراءة الأخرى: ﴿يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: آية ٣] (^١) إلى آخر خصال كفارة الظهار المعروفة في سورة المجادلة، فهذا القول أقيس الأقوال وأجراها على القياس، وأقربها لظاهر القرآن.
وكذلك قول مَنْ قَالَ: إنه يلزمه الاسْتِغْفَار وكفارة يمين، فيدل عليه ظاهر آية التحريم بناءً على أن الذي حرم ﷺ: جاريته؛ لأن في بعض الأحاديث في قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: آية ١] أنَّ حفصة أم المؤمنين (﵂) استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أهلها يومها فأذن لها، ثم دعا بجاريته في بيت حفصة؛ لأنه ذلك اليوم عندها وهو في بيتها، وكان بينه وبين الجارية ما يكون بين الرجل وامرأته، فرجعت حفصة ففطنت لما وقع، فغضبت وقالت: ليست لي حرمة، أفي بيتي وفي يومي يُفعل هذا؟! وأن النبي ﷺ حرَّم الجارية إرضاءً لها (^٢).
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٤٣١.
(٢) كون ذلك وقع إرضاءً لحفصة جاء دلك في عدة روايات وبعضها مرسلة. فمن ذلك:
(٣) ابن عباس عن عمر (﵄) عند ابن جرير (٢٨/ ١٥٨)، والواحدي في أسباب النزول ص٤٣٨، وعزاه في الدر (٦/ ٢٣٩) لابن المنذر. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٦٥٧): «ووقعت هذه القصة مدرجة عند ابن إسحاق في حديث ابن عباس عن عمر » اهـ.
(٤) عن ابن عباس (﵄) عند ابن سعد (٨/ ١٣٤)، وأورده السيوطي في الدر (٦/ ٢٣٩)، وعزاه لابن مردويه.
(٥) عن أبي هريرة (﵁). أورده السيوطي في الدر (٦/ ٢٤٠)، وعزاه لابن مردويه والطبراني في الأوسط، وضعفه الحافظ في الفتح (٩/ ٢٨٩)، وانظر تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (٤/ ٦٠)، والكافي الشاف ص١٧٥.
(٦) عن أم سلمة (﵂) عند ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٣٤).
(٧) عن محمد بن جبير بن مطعم عن ابن سعد (٨/ ١٣٤).
(٨) عن عروة بن الزبير عند ابن سعد (٨/ ١٣٤).
(٩) عن القاسم بن محمد عند ابن سعد (٨/ ١٣٤).
(١٠) عن الضحاك عند ابن سعد (٨/ ١٣٤)، وأورده السيوطي في الدر (٦/ ٢٤٠)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر. أما الروايات الدالة عمومًا على أنَّ ذلك وقع في تحريمه ﷺ جاريته فهي كثيرة، ومنها:
(١١) عن أنس (﵁) عند النسائي في عشرة النساء، باب الغيرة حديث رقم (٣٩٥٩)، (٧/ ٧١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٩٣)، وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. وعزاه في الدر (٦/ ٢٣٩)، لابن مردويه، وقد صححه الحافظ في الفتح (٩/ ٣٧٦)، وقال: «وهذا أصح طرق هذا السبب» اهـ.
(١٢) عن ابن عباس (﵄). عند ابن جرير (٢٨/ ١٥٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٨٦)، (١٢/ ١١٧)، والبزار (زوائد البزار ٣/ ٧٦)، وعزاه السيوطي في الدر (٦/ ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤١) للترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه، وعبد بن حميد. وقد ضعفه ابن كثير في التفسير (٤/ ٣٩٠)، والحافظ في الفتح (٩/ ٢٨٩)، وانظر: مجمع الزوائد (٥/ ١٧٨)، (٧/ ١٢٦)، تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (٤/ ٥٩)، الكافي الشاف ص١٧٥.
(١٣) عن ابن عمر (﵄). أورده السيوطي في الدر (٦/ ٢٤٠)، وعزاه للضياء في المختارة، والهيثم بن كليب في مسنده. وقال ابن كثير في التفسير (٤/ ٣٨٦): هذا إسناد صحيح اهـ.
(١٤) عن عائشة (﵂). ذكره الحافظ في الفتح (٩/ ٢٨٩)، وعزاه لابن مردويه.
(١٥) عن بعض آل عمر. ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٤/ ٦١)، والحافظ في الكافي الشاف ص١٧٥، وعزاه لابن أبي خيثمة في تاريخه، وابن إسحاق.
(١٦) عن الشعبي. عند ابن جرير (٢٨/ ١٥٦)، وعزاه في الدر (٦/ ٢٤٠) لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن سعد.
(١٧) عن قتادة. عند ابن جرير (٢٨/ ١٥٦، ١٥٨)، وابن سعد (٨/ ١٣٤)، وعزاه في الدر (٦/ ٢٤٠) لعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(١٨) عن زيد بن أسلم عند ابن جرير (٢٨/ ١٥٥، ١٥٦)، وابن سعد (٨/ ١٣٤)، وصحح الحافظ إسناده في الفتح (٩/ ٣٧٦).
(١٩) عن مسروق. عند ابن جرير (٢٨/ ١٥٦)، وابن سعد (٨/ ١٣٤)، وعزاه في الدر (٦/ ٢٤٠) لعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وصحح الحافظ إسناده في الفتح (٨/ ٦٥٧).
(٢٠) عن عبد الرحمن بن زيد. عند ابن جرير (٢٨/ ١٥٦)، وعزاه في الفتح (٩/ ٢٨٩) لابن مردويه. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٦٥٧): «وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا» اهـ.
[ ٣ / ١٦٢ ]
فعلى هذا القول أنه في تحريم الجارية فالله قال بعده: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: آية ٢] فدل على أن في تحريم الرجل امرأته كفارة يمين والاستغفار وهذان القولان داخلان في مذهب مالك، وكل منهما قال به جماعة من العلماء، وروى مالك في الموطأ عن علي بن أبي طالب (﵁) أنه إن قال لها: أنت حرام، كانت بينونة كبرى، تعد ثلاث طلقات (^١). وكان ابن عباس يفتي بكفارة اليمين (^٢)، ويقول:
_________________
(١) الموطأ ص٣٧٥، وعبد الرزاق في المصنف (٦/ ٤٠٣)، ابن أبي شيبة (٥/ ٧٢).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ الطلاق، حديث رقم (١٤٧٣)، (٢/ ١١٠٠).
[ ٣ / ١٦٤ ]
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: آية ٢١].
وأجراها على القياس وأقربها لظاهر القرآن أن فيها كفارة الظهار. وتَتَبُّع طُرُق أقوال العلماء فيها وما استدل به كل منهم يطول علينا جدًّا، ويخرجنا إخراجًا بعيدًا عن المقصود.
وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ [الأعراف: آية ٣١] أي: ولا تحرموا ما لم يحرمه الله في الحج من أكل اللحوم والودك وشرب الألبان.
﴿وَلا تُسْرِفُواْ﴾ [الأعراف: آية ٣١] أصل الإسراف في لغة العرب: هو مجاوزة الحد (^١). والإسراف المنهي عنه هنا فيه للعلماء وجهان (^٢):
أحدهما: أن المعنى لا تسرفوا في الأكل والشرب فتأكلوا فوق الحاجة، وتشربوا فوق الحاجة؛ لأن الإسراف في الأكل والشرب يثقل البدن، ويعوق صاحبه عن طاعة الله، والقيام بالليل، فيجعل صاحبه كلما كانت بطنه ملأى من الأكل والشرب كان ثقيل الجسم، لا ينهض لطاعة الله، فنهاهم الله عن الإسراف في الأكل، وكذلك يسبب الأمراض.
وجرت عادة المفسرين أنهم يذكرون هنا في تفسير هذه الآية من سورة الأعراف قصة، ويذكرون فيها حديثًا الظاهر أنه لا أصل له ولا أساس له، إلا أن الكثير ممن تكلموا على القرآن لا يميزون بين
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤١) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ٣٩٤)، القرطبي (٧/ ١٩١ - ١٩٥).
[ ٣ / ١٦٥ ]
سقيم الحديث وصحيحه، فيَكْتُبُون مِنْهُ كلّ ما رأوا من غير تمييز بين صحيحه وسقيمه.
والقصة المعروفة (^١): زعموا أنه كان عند هارون الرشيد طبيب نصراني، وأن الطبيب النصراني قال: ليس في كتابكم شيء من الطب، وأصل العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان. وأنه كان عند هارون الرشيد علي بن الحسين بن واقد، فقال له: جَمَع كتابُنَا الطِّبَّ في نِصْفِ آية، هي ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ﴾ لأن من المعلوم أن الطب نوعان: طب حِمْيَة، وهو تَوَقٍّ للداء قبل أن ينزل الداء. والثاني: طب علاج ومداواة بعد أن ينزل الداء. وأن من أعظم طب الحمية هو ما قال: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ﴾ لأن مَنْ خَفَّفَ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ كما قال ﷺ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» (^٢)، فتخفيف الأكل يستوجب صِحَّةَ البَدَنِ، وأنه قال له: جمع الطب كله في نصف آية؛ لأن خير الطب طب الحمية. وهذه الآية جاءت على أعظم طب الحمية. وأنه قال له: وهل يُؤْثَرُ عَنْ نبيِّكم شيء من الطب؟ قال: نعم. وزعم أن النبي ﷺ قال: «المَعِدَةُ رَأْسُ الدَّاءِ، والحِمْيَةُ أَصْلُ الدَّوَاءِ، وَعَوِّدُوا كُلَّ جِسْمْ مَا
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ١٩٢)، كشف الخفاء (٢/ ٢٨٠).
(٢) الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل. حديث رقم (٢٣٨٠)، (٤/ ٥٩٠)، وابن ماجه في الأطعمة باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع، حديث رقم (٣٣٤٩)، (٢/ ١١١١)، وانظر: الإرواء (١٩٨٣)، السلسلة الصحيحة (٢٢٦٥)، صحيح الترمذي (١٩٣٩)، صحيح ابن ماجه (٢٧٠٤).
[ ٣ / ١٦٦ ]
اعْتَادَ» (^١)،
ويقولون هذا ويسكتون، وهذا نسبته إلى النبي ﷺ ليست بصحيحة، ولم يثبت هذا عن رسول الله ﷺ، بل لا أساس له على الصواب إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا القول فالإسراف المنهي عنه في الأكل بما يسبب من التكاسل عن طاعات الله، وما يسبب من الأمراض وغير ذلك.
الوجه الثاني؛ أن معنى: ﴿وَلَا تُسْرِفُواْ﴾ أي: لا تجاوزوا حدود الله، فتحرِّمُوا ما أحلّ الله كالودك للمُحْرِم، وكاللباس للطَّائِف، فهذه أمورٌ لم يحرمها الله، ولا تسرفوا في التحريم والتحليل بأن تحرموا ما أحلَّ الله، وتحللوا ما حرَّم الله، وكلا الإسرافين إسراف. ولا مانع من أن تشمل الآية الجميع. فلا يجوز الإسراف بتحريم ما أحلَّ الله، وتحليل ما حرَّم الله، كما لا يجوز الإسراف الكثير بملء البطن مِلْئًا شديدًا من الأكل والشرب حتى يتكاسل الإنسان ولا يتنشط لطاعة الله، وتأتيه الأمْرَاض؛ لأنه ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا مِنْ بَطْنِهِ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَثِيرَ الأكْلِ والشُّرْبِ لا تراه يقوم الليل، ولا يتنشط للعبادات، ولا ينشط لسانه لذكر الله، فهو كسول ملول، وكذلك ربما نشأت له الأمراض. وهذا معنى قوله: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ﴾ جلَّ وعلا ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: آية ٣١] المُجَاوِزِينَ الحدود بتحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرّم الله. ويدخل فيه المسرفون بكثرة الأكل والشرب الشاغلة عن طاعة الله، المثبطة عن القيام بِمَا يُرْضِي اللهَ (جل وعلا) ونحو ذلك، وهذا معنى قَوْلِهِ: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
_________________
(١) في الكلام على هذا القول انظر: كشف الخفاء (٢/ ٢٧٩)، الدرر المنتثرة ص١٦١، مختصر المقاصد الحسنة ص١٨٤.وهو من كلام بعض الأطباء ..
[ ٣ / ١٦٧ ]
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: آية ٣٢] قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعًا قارئ أهل المدينة: ﴿خَالِصَةً﴾ بنصب التاء. وقرأه نافع وحده: ﴿خَالِصَةٌ﴾ بضم التاء (^١).
ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار لمّا حرَّموا على أنفسهم لبس الثياب في الطواف، وطافوا بالبيت عُرَاةً، وحرَّمُوا على أنفسهم أيام الموسم أكل الودك، والسمن، وشرب اللبن، وأكل اللحوم، قال الله (جلَّ وعلا) موبِّخًا مقرعًا للذين يَتَعَدَّون عليه ويحرمون ما لم يحرم: ﴿قُلْ﴾ يا نبي الله لهؤلاء الكفرة الجهلة الذين حَرَّمُوا لبس الزينة عند الطواف، وحرموا أكل المذكورات وشربها في الموسم حال التلبُّس بالإحرام، (من) هو الذي ﴿حَرَّمَ زِينَةَ الله﴾ وهي اللباس الذي يستر العورة؛ لأنه لا حالة أقبح مِنْ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَان بادِي الفرج، عاري العورة، فهذا في غاية القبح. أما إن أعطاهُ الله ثيابًا فجمل بها ظاهره، وستر بها قبحه وعَوَرَه فهذه زينة الله التي أخرجها لخلقه. من هو الذي حرَّم زينة الله كلبس اللباس الذي يجمع بين ستر العورة والتجمُّل عند الطواف وفي غيره؟!
﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ أخرجها: أي أظهرها وأبرزها من العدم إلى الوجود بأن خلقها ويسَّر أسباب تناولها حتى صارت في متناولهم، وحرَّم الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، الطيبات التي أحلها الله وطَيَّبَها؛ كالودك حالة الإحرام، واللبن واللحم ونحو ذلك.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٨.
[ ٣ / ١٦٨ ]
من هو الذي حرم عليكم هذه المحرمات والطيبات من الرزق؟ والله (جلَّ وعلا) يشدد النكير على من حرم ما لم يحرمه. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: آية ١٥٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: آية ٥٩] ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل: آية ١١٦] والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. فلما قال الله لنبيه: قل لهم يا نبي الله، لهؤلاء المُحَرِّمِين ما أحل الله، من هو الذي حَرَّمَ هذا؟ وعلم أنه لا جواب لهم، أمره بالجواب الصحيح، وهو قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ قل لهم يا نبي الله: هي ليست بحرامٍ أبدًا، وليست بمحرمات ألبتة. هي للذين آمنوا حلال مباحة.
وقوله: ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ غير خالصة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: غير مختصين بها بل يشاركهم فيها الكفار، ونصيب الكفار فيها كثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وفي القراءة الأخرى ﴿لَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١) الآية [الزخرف: الآيات ٣٣ - ٣٥]. قال بعض العلماء: بَيَّنَتْ هَذِهِ الآية أن سَبَبَ خَلْقِ الزِّينَة والطيبات من الرِّزْقِ أن الله خَلَقَهَا في الدنيا لخصوص المؤمنين، إلا أنه رَزَقَ مِنْهَا الكفار تبعًا للمؤمنين؛ لأن الدُّنْيَا متاع
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٩٨.
[ ٣ / ١٦٩ ]
يأكل منه البرُ والفاجر، فتلك الزينة وطيبات الرزق في الدنيا يشترك فيها البر والفاجر، ويأكل منها المسلم والكافر، لكنها يوم القيامة تبقى خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها كافر أبدًا؛ ولذا قال: ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: ويشترك معهم فيها الكفار، في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها أحد؛ لأن يوم القيامة لا يجد الزينة ولا الرزق الطيب إلا المؤمنون خاصة، أما الكفار فلا زينة لهم ولا رزق طيب (^١).
وعلى قراءة الجمهور فـ ﴿خالصةً﴾ حال، وعلى قراءة نافع ﴿خالصةٌ﴾ بالرفع فهي خبر بعد خبر (^٢) ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [الأعراف: آية ٣٢] الجار والمجرور في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ خبر، و﴿خالصةٌ﴾ خبر آخر. وعلى قراءة الجمهور فـ ﴿خالصةً﴾ حال، وعامله الكون والاستقرار الذي يتعلق بالجار والمجرور ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ كائنة مستقرة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم وَحْدَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وهذا التفسير هو الصحيح الذي عليه الجمهور (^٣). ومعناه: أن الزينة والطيبات من الرزق في دار الدنيا يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن والكافر، وأنها في الآخرة تكون خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد؛ إذ لا يجد الزينة والرزق الطيب في القيامة إلا المؤمنون خاصة؛ ولذا لم يذكر خلوصها لهم في الدنيا لاشتراك الكفار معهم، وصرّح بكونها خالصة لهم في خصوص الآخرة.
_________________
(١) انظر: ابن كثير (٢/ ٢١١).
(٢) انظر: حجة القراءات ص٢٨١.
(٣) انظر: القرطبي (٧/ ٢٠٠)، الدر المصون (٥/ ٣٠١ - ٣٠٥).
[ ٣ / ١٧٠ ]
وهنالك تفسيرٌ غير ظاهر قال به جماعات من علماء التفسير: أن معنى كونها خالصة للمؤمنين أنَّ الله ينعِّمهم بها في الدنيا، وينعِّمهم في الآخرة أيضًا، ولم يحسبها عليهم، ولم ينقص أجورهم بتلك اللذات والطيبات من الرزق التي أكلوها في الدنيا (^١)، وهذا مستبعد، والقول الأول هو الذي عليه الجمهور وهو معنى الآية إن شاء الله.
وهذا معنى قوله: ﴿هِيَ﴾ أي: الطيبات من الرزق والزينة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي ويشاركهم فيها غيرهم من الكفار، لكنها يوم القيامة خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد، ويوضح هذا أن نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما قال الله له: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ فلما قال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ طلب الإمامة لذريته ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ فبين له الله أن الظالمين من ذريته غير المستقيمين المطيعين لا يعهد الله لهم بالإمامة، لأنهم لا يستحقونها حيث قال مجيبًا له: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: آية ١٢٤] فعرف إبراهيم أَنَّ ربَّه كأنه لامه في الجملة حيث طلب الإمامة لناس منهم من لا يصلح لها، كما قال الله لإبراهيم وإسحاق: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: آية ١١٣] ثم بعد ذلك لما أراد إبراهيم طلب الرزق خصه بالمؤمنين خوف أن يلام كالملامة الأولى وقال: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ثم قيَّد وقال: ﴿مَنْءَامَنَ مِنْهُم بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فربه قال له: هذه في الدنيا لا تحتاج إلى القيد ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ﴾ فيأكل من الدنيا أيضًا مع المؤمن ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: آية ١٢٦] وهذا معنى قوله:
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٠١).
[ ٣ / ١٧١ ]
﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: آية ٣٢] يوم القيامة إنما سُمِّي يوم القيامة؛ لأنه يوم يقوم فيه جميع الخلائق بين [يدي] (^١) جبار السماوات والأرض للحساب، كما قال جلَّ وعلا: ﴿ألَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: الآيات ٤ - ٦] فقوله: ﴿يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو الذي سمي به يوم القيامة؛ لأنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين.
ثم قال جلَّ وعلا: ﴿كَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ [الأعراف: آية ٣٢] كهذا التفصيل الذي فصلنا لكم به الحلال والحرام، وبينا لكم به حرمة كشف العورات ولزوم سترها، وأخذ الزينة، وأنه لا يُحرِّم أحد ما أحَلَّهُ الله، كهذا البيان الواضح لهذه الأحكام نبيِّنُ الآيات دائمًا في هذا القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والبيان عام، ولكنه خَصَّ به القوم الذين يعلمون لأن أهل العلم الذين يعلمون هم الذين يفهمون عن الله هذا البيان، أما الجهلة فلا يفهمون شيئًا، ومن لا ينتفع بالشيء فكأنه لم يتوجه إليه. ونظير هذا كثير في القرآن يخص الله به الحكم المُنْتَفِع به مع أن الحكم أصله عام (^٢) كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: آية ٤٥] مع أنه في الحقيقة منذر الأسود والأحمر ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ [يس: آية ١١] وهو منذر للأسود والأحمر ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] لأن الذي يخاف الوعيد هو المنتفع به مع أن التذكير بالقرآن عام. وهذا كثير في القرآن أن يخص الحكم بالمنتفع به دون غيره، وذلك هو معنى قوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٧٢ ]
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: آية ٣٣].
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قرأ هذا الحرف حمزة وحده: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وقرأ بقية القراء: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (^١) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحدهما دون غيرهما: ﴿ما لم يُنْزِلْ به سلطانًا﴾ بضم الياء وكسر الزاي. وقرأ الجمهور: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ بفتح النون وتشديد الزاي، مضارع (نزَّل).
قل لهم يا نبي الله: هذا الذي تحرمونه ليس هو الذي حرّمه الله، الذي حرمه ربي إنما حرَّمه ربي على الحقيقة، والحرام هو ما حرمه الله، والحلال هو ما أحله الله.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الفواحش جمع فاحشة، وهو جمع قياسي؛ لأن (الفاعِلَة) مطلقًا و(الفَاعِل) إن كان اسمًا أو صفة لما لا يعقل كله ينقاس جمع تكسيره على (فواعل) (^٢) والفاحشة: هي كل خصلة تناهت في القبح حتى صارت قبيحة بالغة نهاية القبح من الذنوب والمعاصي (^٣).
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: آية ٣٣] قد قدمنا أقوال العلماء على هذا في الأنعام في قوله: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: آية ١٢٠] وأنها كلها ترجع إلى شيءٍ واحد، فقال بعضهم: الفواحش الظاهرة هي الزنا مع البغايا ذوات الرايات،
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٩.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٣ / ١٧٣ ]
والفواحش الباطنة هي الزنا مع الخليلات والصديقات التي يُزنى بهن سرًّا في البيوت. وقال بعض العلماء: ما ظهر من الفواحش: كنكاح زوجات الآباء، كما تقدَّم في قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: آية ٢٢] وأن ما بطن منها هو الزنا. والتحقيق: أنّ الآية الكريمة تشمل جميع المعاصي والذنوب، لا تفعلوا شيئًا منها ظاهرًا علنًا بين الناس، ولا شيئًا باطنًا في خفية لا يطلع عليه أحد، وهو يشمل جميع التفسيرات الواردة عن الصحابة وغيرهم.
والفواحش ظاهرها وباطنها تشمل جميع الذنوب؛ إلا أن الله عطف بعضها على بعض عطف خاصٍّ على عام. وقد تقرر في المعاني: أن عطف الخاص على العام، وعطف العام على الخاص، إن كان في كل منهما في الخاص أهمية لا تكون في غَيْرِهِ من أفراد العام أنه سائغ، وأنه من الإطناب المقبول لأجل الخصوصية التي في الخاص، فكأن تميزه بخصوصيته جعله كأنه قسم آخر غير أقسام العام فحسن عطفه عليه (^١). وهنا عطف الخاص على العام لأن المعطوفات الآتية كلها داخلة في الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وقول من قال: إن ﴿مَا ظَهَرَ﴾ هو الزنا مع البغايا ذوات الرايات، و﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا مع الخليلات الصديقات التي يُزنى بهن سرًّا. أو أن ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو نكاح زوجات الآباء، وأن ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ هو الزنا، إلى غير ذلك من الأقوال كله يشمله التفسير العام الذي هو الصواب، وأن الله نهى عن ارتكاب جميع
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٠) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٧٤ ]
المحرّمات سواء كان ذلك ظاهرًا أمام الناس، أو خفية بحيث لا يطلع عليه الناس. وهذا معنى قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
وعطف على ذلك ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ قال بعض العلماء: الإثم: هو كل معصية تقتصر على نفس الإنسان، والبغي: هو كل معصية يظلم بها غيره (^١).
وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لا يكون بغي بحق أبدًا، فكل بغي بغير حق لا شك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ومعلوم أن النبيين لا يُقتلون بحق أبدًا، فهو كالتوكيد (^٢)، كقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: آية ٣٨] ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: آية ٧٩].
وقال بعض العلماء: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ٣٣] كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: آية ٤٠] لأن من بُغي عليه ثم انتقم قد يسمى هذا بغيًا، كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ وكما سمّى الانتقام اعتداءً في قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: آية ١٩٤] سمى جزاء الاعتداء: اعتداءً، وجزاء السيئة: سيئة وإن كان الانتقام ليس سيئة وليس اعتداء.
وقوله: ﴿وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله﴾ أي: وحرَّم عليكم ﴿أن تشركوا بِالله ما لم يُنْزِل به سلطانًا﴾ على قراءة ابن كثير وأبي عمرو. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ على قراءة الجمهور (^٣). والسلطان: الحجة الواضحة.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٠٣)، القرطبي (٧/ ٢٠١).
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٠٧) ومضى عند تفسير الآية (١٤٢) من سورة البقرة، (٤٨) من سورة الأنعام.
(٣) انظر: النشر (٢/ ٢١٨)، إتحاف فضلاء البشر (١/ ٤٠٧).
[ ٣ / ١٧٥ ]
ومعلوم أن الإشراك بالله لا ينزل به سلطان ألبتة، كقوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهًاءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: آية ١١٧] فمعلوم أن الإله الثاني لا يكون به برهان ألبتة، وقد تقرَّر في علم الأصول (^١) أن النص من الكتاب والسنة إذا جاء مبينًا للحقيقة الواقعة لا يكون له مفهوم مخالفة، والواقع أنهم يشركون بالله ما لم ينزِّل به سلطانًا، فجاءت الآية مبينة للحقيقة الواقعة ليكون النهي واقعًا على بيان الحقيقة الواقعة، وكذلك قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾.
﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ المصدران المنسبكان في قوله: ﴿وَأَن تُشْرِكُوا﴾ و﴿وَأَن تَقُولُواْ﴾ في محل نصب عطف على ﴿الفَوَاحِشَ﴾ من عطف الخاص على العام (^٢).
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ بدل من الفواحش، أي: وحرّم الإثم والبغي بغير الحق، وحرم الشرك بالله، وحرّم القول على الله بلا علم.
وكان بعض العلماء يقول: هذا التكرار وعطف ما دخل فيما قبله عليه لحكمة، وهذه الحكمة بيانها وتفصيلها: أن مظالم الناس وتعدي بعضهم على بعض في دار الدنيا راجع إلى ستة أقسام، وهي أن يتعدى عليه في دينه، أو أن يتعدى على نسبه، أو أن يتعدى على عرضه، أو أن يتعدى على نفسه، أو أن يتعدى على ماله، فهي (^٣) ستة جواهر: الدين والنفس والنسب والعقل والمال والعرض. فهذه
_________________
(١) انظر: المذكرة في أصول الفقه ص٢٤١، نثر الورود (١/ ١٠٧).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٠١)، الدر المصون (٥/ ٣٠٧).
(٣) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٧٦ ]
الجواهر الستة هي التي تدور حولها المظالم. قال من قال هذا: الآية جاءت ناهية عن التعدي في جميع هذه الجواهر الست؛ لأن قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ هذا تَعَدٍّ على الأنساب؛ لأن الزنا سواءً كان ظاهرًا أو باطنًا تعدٍّ على أنساب الناس وتقذير لفرش الناس؛ لأنه إذا كثر الزنالم يدر هذا مَنْ أبوه، ولم تدر أم هذا مَنْ أبوه، فضاعت الصبيان، ولم يعرف لهذا أب، فاختلطت الأنساب، وتقذرت الفرش، وضاعت أخلاق المجتمع. وأن النهي عن الفاحشة هو ذَبٌّ عن الأنساب. وهذا معنى قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: آية ٣٣].
وأن قوله: ﴿وَالْبَغْيَ﴾ المراد به: العدوان والظلم، سواءً كأن عدوت على نفسه فقتلته، أو عدوت على ماله فأخذته، أو عدوت على عرضه فتناولت منه وقذفته. قالوا: والمراد بالإثم هنا: الخمر؛ لأنها هي التي تعدو على العقول. وقال الحسن: الإثم: الخمر (^١). وكثير من علماء العربية يسمون الخمر إثمًا. ولهم في ذلك شواهد كثيرة، وأشعار معروفة، منها قول الشاعر (^٢):
شربت الإثمَ حتى ضلَّ عقلي كذاكَ الإثمُ تذهبُ بالعقولِ
يعني: الخمر. وقال بعض العلماء: هدا البيت مصنوع. وبعضهم يقول: هو بيت عربي شاهد، ومنه قول الآخر (^٣):
نَشْرَبُ الإِثْمَ بِالصواعِ جِهَارا وَتَرَى المِسْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا
_________________
(١) القرطبي (٧/ ٢٠٠).
(٢) البيت في القرطبي (٧/ ٢٠٠)، الدر المصون (٥/ ٣٠٦).
(٣) البيت في القرطبي (٧/ ٢٠١).
[ ٣ / ١٧٧ ]
وهذا كثير في كلام العرب - تسمية الخمر إثمًا - ومنه قول الآخر (^١):
نهانَا رَسُولُ الله أَنْ نَقْرَبَ الخَنَا وَأَنْ نَشْرَبَ الإِثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرَا
وقول الآخر (^٢):
وَرُحْتُ حَزِينًا ذَاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهُمْ كَأَنِّي شَرِبْتُ الإِثْمَ أَوْ مَسَّني خَبَلُ
قالوا: فقوله: ﴿الإِثْمَ﴾ هو تحريم للخمر؛ لأنها هي التي تذهب العقول، فهو زجر عن إذهاب العقول ومحافظة على العقول. بقي الدين وحده؛ لأن الأنساب جاءت في النهي عن الزنا، والأنفس والأعراض والأموال جاءت في النهي عن البغي؛ لأنه ظلم على الإنسان في ماله أو نفسه أو عرضه. والمحافظة على العقول جاءت في تحريم الإثم وهو الخمر. على هذا القول بقي الدين والمراد بقوله: ﴿وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: آية ٣٣] لأن أعظم إفساد الدين الإشراك بالله، والقول في دين الله بلا علم، فهذا أعظم فساد الدين، قالوا: فعلى هذا تكون الآية الكريمة إنما تداخلت عطوفها وتكرَّرَتْ ليكون فيها الزَّجْرُ عن الأنفس، والزجر عن الأموال، والزجر عن الأعراض، والزجر عن الأنساب، والزجر عن العقول، والزجر عن الأديان. وقد علمنا من استقراء الكتاب والسنة أن الله (جل وعلا) في هذا التشريع الكريم الذي أنْزَلَهُ عَلَى هذا النبي الكريم ﷺ بالغ في المُحَافَظَةِ على هذه الجواهر الست، بالغ على حفظ الدين كما قال ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^٣)؛ محافظة على
_________________
(١) البيت في البحر المحيط (٤/ ٢٩٢)، الدر المصون (٥/ ٣٠٦).
(٢) البيت في المصدرين السابقين.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٧٨ ]
الدين لئلا يغيَّر ويبدَّل، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: آية ١٩٣، الأنفال: آية ٣٩] أي: حتى لا يبقى شرك، بدليل قوله: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ» (^١)،
وحافظ على الأنساب فَحَرَّمَ الزِّنا، واختلاط ماء الرجل بماء الرجل وتقذير الفرش؛ لتبقى الأنساب مستقيمة واضحة ناصعة، قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: آية ٣٢] وأوجب جلد الزاني محافظة على أنساب المجتمع ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: آية ٢] وفي الآية المنسوخة التلاوة الباقية الحكم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم» (^٢).
ومن شدة محافظته على الأنساب أوجب العدة على المرأة إذا فارقها زوجها بموت أو طلاق -أوجب عليها التربص زمنًا ليعلم أن رحمها صفت من ماء الرجل الأوَّل - لئلا يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم امرأة واحدة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ الآية [البقرة: آية ٢٢٨].
[٥/ب] / ومن أجل محافظته على الأنساب منع سقي زرع الرجل بماء غيره؛ ولذا منع تزويج الحامل، فالمرأة إذا مات عنها زوجها أو طلقها وهي حامل لا يجوز أن تتزوَّج زوجًا آخر حتى تضع حملها؛ لأنه إن تزوجها وجامَعَهَا سَقَى ذلك الحمل وهو زرع لغيره بمَائِهِ فمنع سقي الزرع بماء الغير محافظة على الأنساب فقال: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: آية ٤] وحافظ الشرع الكريم على الأعراض فنهى عن انتهاك الأعراض ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: آية ١٢] ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام ..
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٧٩ ]
[الحجرات: آية ١١] ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: آية ١١] ثم إنه أوجب حد القذف ثمانين جلدة؛ زجرًا ومحافظة على أعراض الناس، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: آية ٤] ثم جاء بالمحافظة على العقول فَحَرَّم شرب المسكر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: آية ٩٠] وقال ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (^١) «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (^٢) وأوجب حد شارب الخمر محافظة على العقول وصيانةً لها. وكذلك منع من انتهاك المال، واحترام الملكية الفردية حيث قال: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: آية ٢٩] وفي الحديث «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَاّ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» (^٣).
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) ورد في هذا المعنى عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بألفاظ متقاربة، منها:
(٤) حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه: أخرجه أحمد (٥/ ٧٢)، وأبو يعلى (٣/ ١٣٩)، والدارقطني (٣/ ٢٦)، والبيهقي في السنن (٦/ ١٠٠)، وفي الشعب (١٠/ ١١٩ - ١٢٠)، والبزار (كشف الأستار ٢/ ٢٠٤)، وذكره الحافظ في الإصابة (١/ ٣٦٢)، والهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٢)، وقال: «رواه أبو يعلى، وأبو حُرَّة وثقه أبو داود وضعفه ابن معين» اهـ. وانظر: الإرواء (٥/ ٢٧٩)، صحيح الجامع (٧٥٣٩).
(٥) حديث أبي حميد الساعدي: أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٥)، والبيهقي في السنن (٦/ ١٠٠)، وفي الشعب (١٠/ ١٢٠)، والبزار (كشف الأستار ٢/ ١٣٤)، وابن حبان (الإحسان ٧/ ٥٨٧)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٤١)، ومشكل الآثار (٤/ ٤١)، وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧١)، وقال: «رواه أحمد والبزار ورجال الجميع رجال الصحيح» اهـ وانظر الإرواء (٥/ ٢٧٩).
(٦) عمرو بن يثربي: رواه أحمد (٣/ ٤٢٣)، (٥/ ١١٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٣٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٧٩)، (٢/ ٢٨٧)، والدارقطني (٣/ ٢٥، ٢٦)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٤٢)، وفي شرح المعاني (٤/ ٢٤١)، والبيهقي في السنن (٦/ ٩٧)، وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧١)، وقال: «رواه أحمد وابنه من زياداته أيضًا، والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات» اهـ وانظر: الإرواء (٥/ ٢٨٠ - ٢٨١).
(٧) ابن عباس: أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥)، والبيهقي (٦/ ٩٧)، وانظر: الإرواء (٥/ ٢٨١).
(٨) ابن عمر: أخرجه البيهقي (٦/ ٩٧).
(٩) أنس: أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥، ٢٦)، وانظر الإرواء (٥/ ٢٨٢).
[ ٣ / ١٨٠ ]
وقد بيَّن القرآن في سورة النساء ما يدل على أنه سيأتي قوم في آخر الزمان يتخذون وسيلة إلى ظلم الناس في أموالهم من قولهم: هذا فقير، وهذا غني، فنأخذ من الغني لنرده على الفقير!! كما هو مشاهد في المذاهب الهدامة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى﴾ [النساء: آية ١٣٥] بأن تقولوا: هذا غني فنأخذه للفقير، أو نكتم الشهادة عليه للفقير ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ولذا جعل حدَّ السرقة لمن أخذ المال في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ الله وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: آية ٣٨] فأوجب قطع يد السارق محافظةً على أموال المجتمع. والكفار الفجرة يرون أن قطع يد السارق أنه عمل وحشي لا ينبغي أن يكون في النُّظم الإنسانية؛ لجهلهم وطمس بصائرهم وعدم علمهم بالحِكَم السماوية التي يُشرِّعها خالق السماوات والأرض؛ لأن الله
[ ٣ / ١٨١ ]
(جلَّ وعلا) خلق هذه اليد، وفرّق أصابعها، وشدَّ رؤوسها بالأظافر، وجعلها مستعدة غاية الاستعداد للمعاونة الكريمة في بناء المجتمع في دنياه وآخرته، فمدت أناملها الخبيثة الخسيسة الخائنة لتأخذ المال على أخس وجه وأرذله وأردئه، فصارت كأنها عضو نجس قذر يريد أن يُقَذِّر جميع البدن، فأمر الله بإزالته كإزالة عضو إزالة تطهيرية لئلا يُضيع جميع البدن. ومعلوم أن العضو إذا فسد وخيف منه أن يُفسد جميع البدن أن إزالته ليصح جميع البدن أنه عمل تطهيري معقول عند كل الناس؛ ولذا ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت (﵁) (^١) ما يدل على أنه إن قطعت يده طهر من تلك الرذيلة وصار طاهرًا، وبقي جسمه الآخر نزيهًا طاهرًا؛ لأن العضو الفاسد الذي كان يُقَذِّر جميع الجسم أُزيل بالعملية التطهيرية.
ومن غرائب القرآن أنه لو لم تُقطع يد السارق فاليد الواحدة السارقة الفاجرة قد تفقر آلاف الأيدي، فقد يكون السارق الواحد إذا لم يخف من الردع بقطع اليد يُفْقِر آلاف الأيدي، فيسرق جميع قوت آلاف الناس، فيتركهم عالة يتكففون الناس، وربما ماتوا من الجوع!! فاليد الواحدة قد تُفقر آلاف الأيدي وملايين الأيدي؛ ولذا قطعها الشارع لحكمتين: ليطهِّر صاحبها من هذه الرذيلة الدنية الخبيثة، وكذلك ليردع الناس عن أموال الناس؛ لأن المال هو شريان الحياة، وبه قوام شئون الدنيا في دينها وآخرتها، لا يصلح دونه شيء؛ لأنه هو الذي يُصلَح به كل شيء من مرافق الدنيا والآخرة، فهو أساس الدنيا، وأساس هذه الدنيا وعمل الآخرة كله على المال. وإذا كانت هذه اليد بارية قد تُفقِر آلاف الأيدي، فأمر الشارع بقطعها لأنها عضو نجس قذر يريد أن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٨٢ ]
يلطخ جميع الجسد، كعملية تطهيرية، وليرتدع أمثاله من الفجرة عن أموال الناس. وهذا تشريع سماوي، حكمته معروفة، يتوب الله على السارق ويطهره، ويزيل عنه الخبث الذي ارتكبه، والنجاسة التي تلطخ بها، ويحفظ أموال المجتمع؛ لأن المال شريان الحياة، إذا سُرِق قوت الرجل - جعل جميع ما عنده في صندوق، فجاءه سارق فسرقه - يصبح ذلك المسكين وأولاده الصغار وزوجته في جوع، إما أن يذهب فيتكفف الناس، وقد يفضل الشريف الموت على تكفف الناس. فهذا قد تفعله اليد الواحدة لآلاف الأيدي، وقد يُفقر عشرات الناس، ويضُرُّهُم. فَقَطْعُ هذا العضو النجس الخائن الخبيث ليطهر به بقية البدن، وينكف الناس، ويرتدع الفجرة تشريعٌ سماوي معقول.
ومن المُشَاهَد: أن هذه البلاد -نرجو الله أن يعصمها، ويحفظ القائمين عليها، ويوفقهم للخير، ويرزقهم بطانة الخير، ويذهب عنهم بطانة السوء - لما كانوا يقطعون يد السارق، ويقيمون حدود الله، كل الإحصائيات العالمية في جميع أقطار الدنيا لا توجد بلاد، أقل فيها ارتكاب الجرائم من السرقات ونحوها من أنواع الفجور مثل هذه البلاد، وكل ذلك بفضل الله (جلَّ وعلا) ثم بفضل تحكيم ذلك التشريع السماوي، فأمريكا -مثلًا- مع حضارتها لا يمكن أن تعدّ فيها جنايات السرقات، وجرائم الأخلاق وغيرها مما يزعمون أنهم في حضارة وتمدُّن، لما أهملوا تشاريع رب السماوات والأرض كثر فيهم الخبث، وكثرت الجنايات، وكثر ارتكاب الجرائم بحد لا يتصوَّر، ومن خرج من هذه البلاد يرى ذلك، ويعلم أنه ليس بآمن على نفسه ولا على ماله؛ لأنه لم تكن هنالك زواجر وروادع من رب العالمين -تعالى- تضع العدالة في الأرض، وتنشر الطمأنينة،
[ ٣ / ١٨٣ ]
ولكن البلاد التي تحكم بما أنزل الله، وتقطع يد السارق، وترجم الزاني المحصن، وتجلد الزاني تراها دائمًا لأجل ذلك التشريع السماوي تقل فيها الجرائم الأخلاقية. ومعلوم أن هذه البلاد - التي هي وحدها التي بقيت في الدنيا تعلن أنها تحكم بما أنزل الله على ما كان منها - أنها أقل البلاد في الإحصائيات العامة جرائم وفضائح وعظائم ذنوب؛ لأجل التشريع السماوي. فتشريع رب العالمين هو التشريع الصحيح الذي يصون الأنفس، ويصون الأموال، ويصون الأعراض، ويصون العقول، ويصون الأنساب، إلى غير ذلك من المقومات الإنسانية. ومعلوم أنه ليس قصدنا أن نثني على أحدٍ كائنًا ما كان، كل الناس يعرف ذلك، وإنما قصدنا أن نثني على دين الإسلام، ونبين محاسنه، وأن تشريع رب العالمين لا يدانيه غيره، ولا يماثله غيره، وأنَّ مَنْ حَكَّمَ شَرْعَ اللهِ كانت العدالة في بلاده أكثر، وكانت الطمأنينة أكثر، وكان الرخاء أكثر.
وهذه البلاد عليها - على ما كان منها - أن تحْمد نعم الله، فهي في رفاهية، وطمأنينة على الأنفس والأموال والأعراض لا تكاد توجد في بلد من بلاد الله، يعلم ذلك كل من سافر وذهب إلى البلاد الخارجية، وكل ذلك ليس إلا لأجل أنها تقطع يد السارق، وترجم الزاني، وتحكم بحدود الله.
قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
[ ٣ / ١٨٤ ]
كَافِرِينَ (٣٧)﴾ [الأعراف: الآيات ٣٤ - ٣٧].
يقول جلَّ وعلا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: آية ٣٤] لمّا أمر الله (جلَّ وعلا) ونهى هدد الأمة التي بعث بها نبيه ﷺ أن كل أمة لها وقت محدد وأجل معين، إذا انتهى ذلك الأجل جاء أمر الله. وهذا تهديد لكفار قريش الذين كذَّبوه ﷺ، والموعظة بالحكم عامة.
ويجب على كل إنسان أن يعلم أنَّ كل إنسان من أفراد كل أمة؛ وأن كل أمة - الجميع محدود له أجل معين لا يتقدمه بلحظة ولا يتأخر عنه بلحظة، كما ذكره هنا في الأمم، وبينه أيضًا في الأشخاص في آيات متعددة، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: آية ١٤] أي: شيئًا مكتوبًا محددًا بأجل معين ووقت محتوم لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر، وإذا كان عمر الإنسان محدَّدًا عند الله بوقت معين لا يتقدَّم عنه ولا يَتَأَخَّر، وهو لا يدري أذلك الوقت قريب أو بعيد أو متوسط، قد يمكن أن يكون موته قريبًا وهو لاهٍ يضحك، أكفانه تنسج - وهي حاضرة موجودة - وهو لاهٍ يضحك ويلعب ويعصي الله!!
فعلى كل عاقل أن يبادر بغتة الموت، وأن يخاف أن يكون الوقت المحدد لعمره قد انتهى أو قارب الانتهاء، فيحمله ذلك على أن يشتغل بما يرضي ربه لتكون خواتيم عمله طيبة، فعلى كل إنسان أن يعتبر أن له أجلًا محددًا ووقتًا معينًا لا يتقدم عنه ولا يتأخَّر، وإذا كان لا يدري هل ذلك الوقت قريب جدًّا فعليه أن يعمل بعمل من هو عالم أنه يموت قريبًا لئلا يعاجله الموت وهو مقيم على معاصي الله وما يسخط ربه، فيموت شر ميتة، فيجر إلى القبر مغضوبًا عليه من
[ ٣ / ١٨٥ ]
ربه -والعياذ بالله- فعلى كل مسلم أن يلاحظ هذا، ويحسن عمله خوفًا من أن يكون الأجل المحدد له أوشك على الانتهاء. وهذه موعظة يجب على كل مسلم أن يعتبر بها، والأمم منهم من يكون أجلها المضروب لها واحدًا، كالأمَّة التي يأتيها الهلاك في وقت واحدٍ، كقوم نوح الذين اجترفهم الطوفان في وقت واحد، وكقوم هود الذين أهلكتهم الريح العقيم في وقتٍ واحدٍ، وكقوم صالح الذين أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، إلى غير ذلك من القصص المبينة في القرآن، وقد يموت من الأمة أفراد، وأفراد، وأفراد من غير استئصال في وقت واحد. والأمة المهلكة في وقت واحد، والأفراد التي تموت، كلّ منها بأجل محدد له، ووقت معلوم عند الله، لا يتقدمه ولا يتأخَّر عنه، فمن قتل فقد مات بأجله الذي قدره الله عليه، خلافًا للمعتزلة القدرية الذين يزعمون أن أعمال العباد لا مشيئة فيها لله، فيقولون: عمره كان أكثر من هذا، ولكن القاتل نقص عمره فقتله قبل أجله! فهذا جَهْلٌ بالله، وقدح في علم الله؛ لأن الله عالم بكل ما كان وما سيكون، وعالم بكل وقت يموت فيه الإنسان، فلا بد أن يموت في الوقت المعين الذي سبق علم الله أنه يموت فيه، فمن مات فقد انقضى أجله المحدد له عند الله، الذي كان الله يعلم سابقًا أنه عند انقضائه سيموت كما هو مذهب أهل السنة والجماعة (^١).
والأمة أُطلقت في القرآن العظيم أربعة إطلاقات، كلها عربية فصحى (^٢): وهي معنى آيات من كتاب الله.
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٠٢)، شرح الطحاوية (١٢٧، ١٢٨).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٨٦ ]
أُطلقت الأمة في القرآن على الطائفة المجتمعة في دين أو نِحْلَة. وهذا أكثر إطلاقاتها، نحو: ﴿كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: آية ٤٤] ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: آية ٢١٣] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: آية ٣٤].
وأُطلقت الأمة في آية من كتاب الله على الرجل المُقْتَدى به الذي هو إمام؛ لأن إبراهيم قال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: آية ١٢٤] ولذا سمَّاه أمة في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله﴾.
وأُطلقت الأمة في القرآن على البُرهة من الزمن، والقطعة من الدهر. ومنه بهذا المعنى قوله في أوّل سورة هود: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: آية ٨] إلى مدة معينة من الدهر. وقوله في سورة يوسف: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: آية ٤٥] أي: تذكَّر بعد برهة من الزمن.
وأُطلقت الأمة في القرآن - وهو كثير في كلام العرب - على نفس الشريعة والملة. وإطلاق الأمة على الدين والطريقة الذي هو الشريعة والملة متعدد جدًّا في القرآن، ومنه قوله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: آية ٢٣] أي: على مِلَّةٍ وشَرِيعَة ودين ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: آية ٩٢] أي: دينكم وشريعتكم وملتكم طريقة واحدة، وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان (^١):
حَلَفْتُ فلم أتْرك لنَفْسِكَ رِيْبَةً وَهَلْ يَأْثَمنْ ذُو أمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ؟
_________________
(١) السابق.
[ ٣ / ١٨٧ ]
يقول: وهل يأثمن صاحب دين فيرتكب ما يخالف دينه وهو طائع؟ يقول هذا وهو كافر.
وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم ﴿أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: جاء الوقت المعين المحدد لإهلاكهم هلكوا. كقوم نوح لمّا جاء الوقت المحدد لهم - المشار إليه بقوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: آية ٤٠]- أُهلكوا، وقوم هود لمّا جاء الوقت المحدد لإهلاكهم أرسل الله عليهم الرِّيحَ العقيم ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: آية ٤٢] ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: آية ٦] وكذلك قوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه، كل أمة من الأمم جاء الوقت المحدد لها وأراد الله إهلاكها أهلكها عند الوقت المعين؛ لأن قريشًا استعجلوا بالعذاب فقالوا للنبي ﷺ: ﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: آية ٨] ما يحبس العذاب؟ ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: آية ١٦] وأصل (القِط) في لغة العرب: هو الصك الذي يكتب به الملك الجوائز للزائرين، لأنه يكتب أوراقًا كل واحدة فيها عطاء فلان، فتلك الورقة المكتوب فيها جائزة كل إنسان ممن زار الملك هي قِطُّه، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
وَلَا المَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيْتَهُ عَلَى مُلْكِه يُعْطِي القُطُوطَ وَيأْفِقُ (^١)
ومعنى (يأفق): يفضل بعضًا على بعض في العطاء، فقوله: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا من العذاب الذي تزعم، فاستعجلوا بالعذاب، والله يقول ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: آية ٤٧] وقد
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٨٨ ]
جاء استعجالهم به في آيات كثيرة، فبين لهم في هذه الآية من سورة الأعراف أن الله إن أراد إهلاك أمة أو عذابها فلذلك وقت معين محدَّد عنده لا يتقدَّمه ولا يتأخره ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ﴾ المعين لإهلاكهم والقضاء عليهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن ذلك الأجل ﴿سَاعَةً﴾ بل يهلكون عند وقت مجيء الأجل ولا يتقدمون عنه، ولا يمكن أن يهلكوا قبله ولا أن يتأخروا عنه؛ لأنها مواقيت معينة لا يسبقها ما عُيِّن لها ولا يتأخر عنها.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُم﴾ بتحقيق الهمزتين، وقرأه أبو عمرو، وقالون عن نافع، والبزِّي عن ابن كثير: ﴿فإذا جا أجلهم﴾ بإسقاط إحدى الهمزتين. والقرّاء مختلفون: هل الهمزة الساقطة هي الأولى أو الثانية؟ وقرأه ورش عن نافع، وقنبل عن ابن كثير: ﴿فإذا جاآجلهم﴾ [الأعراف: آية ٣٤] بإبدال الهمزة الثانية مدًّا للأولى (^١).
وقوله: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ قرأه عامة القراء: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بتحقيق الهمزة، إلا أن ورشًا قرأه عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو: ﴿لا يستاخرون﴾ بإبدال الهمزة ألفًا (^٢)، والكل قراءات صحيحة، ولغات عربية فصيحة.
ومعنى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عنه، أي: عن ذلك الأجل ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي: لا يتقدمون عنه.
_________________
(١) انظر: النشر (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، البدور الزاهرة ص٧٨، ص١١٤.
(٢) انظر: النشر (١/ ٣٩٠ - ٣٩٣)، البدور الزاهرة ص ١١٤.
[ ٣ / ١٨٩ ]
وإنما ذكر الساعة مع أنهم لا يتقدمون عنه بلحظة ولا يتأخرون؛ لأن عادة العرب أن يطلقوا الساعة في أقل الأوقات، مع أنهم لا يتأخرون لحظة ولا دقيقة ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عن الوقت المضروب لذلك الإهلاك.
﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ [الأعراف: آية ٣٥] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رُسُلٌ منكم﴾ بضم السين والراء، وقرأه أبو عمرو: ﴿يا بني آدم إِما يأتينكم رُسْلٌ منكم﴾ بسكون السين. وتخفيف (الفُعُل) بإسكان العين قراءة معروفة ولغة مشهورة، كما تقول العرب: كُتُب وكُتْب، ورُسُل ورُسْل (^١).
لما أخرج الله آدم من الجنة بَيَّنَ لذريته أن الجنة بعد أن أُخرج منها آدم وحواء لا يمكن أن يدخلها أحد إلا بعد تكاليف ومشاق، وأخبرهم أنه سيرسل لهم الرسل بالأوامر والنواهي، فمن أطاع أمره واجتنب نهيه واتبع رسله أدخله جنته وَرَدَّهُ إلى الوَطَنِ الأوَّل، ومَنْ كَفَرَ وعصى وتمرَّد أدْخَلَهُ النَّار وأخْلَدَهُ فيها والعياذ بالله.
﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ يا أولاد آدم، والنون فيه محذوفة للإضافة، وأصل (البنين) من الملحق بالجموع المذكرة السالمة؛ لأنه ليس من الوصف ولا من العَلَم، ولا ينقاس جمع المذكر السالم إلا في الأوصاف والأعلام، فهذا من الملحقات به. ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ معناه: يا أولاد آدم الذي استزَلَّه الشيطان بوساوسه وغروره من الجنة إلى دار
_________________
(١) انظر: إتحاف فضلاء البشر (١/ ٤٠٤)، البدور الزاهرة ص١١٦.
[ ٣ / ١٩٠ ]
الأكدار والبلايا. ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ (إنْ) هنا هي (إنْ) الشرطية التي زيدت بعدها (ما) لتوكيد الشرط.
فقوله ﴿إمَّا﴾ [الأعراف: آية ٣٥] أصله: إن يأتكم رسل منكم (^١). فزيدت (ما) لتوكيد الشرط، وزيادة (ما) بعد (إن) الشرطية لتوكيد الشرط أسلوبٌ عربي معروف. وإن زيدت (ما) [بعد] (^٢) (إن) الشرطية في الفعل المضارع، قال بعض علماء العربية: يجب حينئذٍ توكيده بنون التوكيد، وهو لغة القرآن، فما جاء في القرآن (إمّا) قبل فعل مضارع إلَاّ وأُكِّد ذلك المضارع بنون التوكيد في جميع القرآن من غير استثناء حرف واحد، كقوله: ﴿وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ﴾ [فصلت: آية ٣٦] ﴿فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: آية ٤١] ﴿فإمَّا تثْقَفَنَّهُمْ فِى الحَرب﴾ [الأنفال: آية ٥٧] ﴿وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [الرعد: آية ٤٠] وهكذا. ومن هنا زعمت جماعة من علماء العربية أن توكيد المضارع بنون التوكيد بعد (إما) أنه لازم؛ لأنه جاء به القرآن في جميع الحروف القرآنية التي فيها (إما) قبل المضارع وممن قال بلزوم النون: الزجّاج (^٣) والمبرّد (^٤).
وخالف جماعة آخرون فقالوا: توكيده بالنون بعد (إمّا) حسنٌ طيبٌ، إلا أنه ليس بواجب ولا بلازم، وممن قال بأنه غير لازم: سيبويه (^٥) والفارسي. واستدلّوا على عدم لزومه بكثرة سقوط النون
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٦٧)، الدر المصون (١/ ٢٩٨ - ٣٠١).
(٢) في الأصل: «قبل» وهو سبق لسان.
(٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١١٧).
(٤) الكامل (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
(٥) الكتاب (٣/ ٥١٥)، وانظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٢٥٦).
[ ٣ / ١٩١ ]
في أشعار العرب، وسقوط نون التوكيد من الفعل المضارع بعد (إما) لا تكاد تحصيه في أشعار العرب، وهو كثير جدًّا في كلامهم، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (^١):
فإمّا تَرَيني ولي لمَّةٌ فإنَّ الحَوَادِثَ أوْدَى بِهَا
فلم يأت بالنون في قوله: (تريني) وهو بعد (إما)، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري (^٢):
فَإِمَّا تَرَيْنِي يَوْمَ أَصْبَحْتُ سِالِمًا وَلَسْتُ بِأَحْظَى مِنْ كِلَابٍ وَجَعْفَرِ
ومنه قول الشنفرى (^٣):
فَإِمَّا تَرَيْنِي كَابْنَةِ الرَّمْل ضَاحِيًا عَلَى رِقِّةٍ أَحْفَى وَلا أَتَنَعَّلُ
ومنه أيضًا قول الأفوه الأودي (^٤):
إِمَّا تَرَيْ رَأْسِيَ أَزْرَى بِهِ مَاسُ زَمانٍ ذِي انْتِكَاسٍ مَؤُوس
ومنه قول الآخر وهو حماسي (^٥):
زَعَمَتْ تَمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ يَسْدُدُ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خلّتِي
_________________
(١) ديوان الأعشى ص٢٨، رصف المباني ص١٠٣، الدر المصون (١/ ٣٠٠).
(٢) البيت في ديوانه ص٦٧، ولفظه: فإما تريني اليوم عندك سالمًا فلست بأحيا من كلاب جعفر
(٣) البيت في البحر المحيط (٤/ ١٦٧)، الدر المصون (١/ ٢٩٩).
(٤) البيت في البحر المحيط (٦/ ١٨٥)، الدر المصون (٧/ ٥٩١)، والماس: الطيش، والمؤوس: الإفساد.
(٥) البيت في البحر المحيط (٤/ ١٦٧)، الدر الصون (١/ ٢٩٩).
[ ٣ / ١٩٢ ]
وقول الآخر (^١):
يَا صاح إمَّا تَجدْني غَيرَ ذي جِدَةٍ فما التَّخَلِّيَ عَن الخِلاّن مِنْ شِيَمِي
وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب، فاستدل سيبويه والفارسي ومن وافقهما بهذه الشواهد على أن [توكيد المضارع بنون التوكيد بعد (إما) غير لازم.
[٦/أ] كما دلت الآية على أن الرسل الذين يُبعثون إلى الناس أنهم] (^٢) / آدميون مثلهم؛ لأنهم لو أُرسل لهم ملك لما تمكنوا من الأخذ منه؛ لأن الملائكة لا يُجَانِسُونَ بَنِي آدَمَ؛ ولذا كان جبريل إذا أتى النبي ﷺ في أغلب الأحوال يتمثَّل له في صورة رجل هو دحْيَة بن خليفة الكلبي كما هو معروف (^٣)،
وقد قدَّمنا إيضاح هذا في
_________________
(١) البيت في البحر المحيط (٤/ ١٦٧)، الدر الصون (١/ ٢٩٩).
(٢) وقع انقطاع في هذا الموضع، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٣) جاء هذا في عدة روايات عن جماعة من الصحابة منهم:
(٤) أم سلمة (﵂). أخرجه البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، حديت رقم: (٣٦٣٤)، (٦/ ٦٢٩) وطرفه في (٤٩٨٠). ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضانل أم سلمة أم المؤمنين (﵂) حديث رقم: (٢٤٥١)، (٤/ ١٩٠٦).
(٥) عائشة (﵂)، ذكره ابن عساكر (مختصر تاريخ دمشق ٨/ ١٦٢).
(٦) ابن عمر (﵁) عند أحمد (٢/ ١٠٧)، وذكره الحافظ في الإصابة (١/ ٤٧٣)، وصححه.
(٧) أنس (﵁) ذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٧٨)، وقال: «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف» اهـ.
(٨) أبو هريرة وأبو ذر (﵄) عند النسائي في الإيمان وشرائعه، باب صفة الإيمان والإسلام. حديث رقم (٤٩٩١) (٨/ ١٠١)، في آخر حديث جبربل الطويل. وقد ضعف الحافظ في الفتح (١/ ١٢٥)، هذه الزيادة ونسبها إلى الوهم. وانظر: ضعيف النسائي (٣٧٥).
[ ٣ / ١٩٣ ]
سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: آية ٩] فَكَوْن الرُّسُل إلى بني آدم من جنسهم ومن نوعهم يسهِّل عليهم الأخذ منه، وتسهل عليهم معاشرتهم وصحبتهم والاهتداء بهديهم هو مِنْ نِعَمِ اللهِ -تعالى- عليهم، مع أنّ كون الرسل منهم هي شبهة أضلهم الله بها. كل قوم إذا جاءهم رسول منهم يقولون: كيف تكون رسولًا وأنت من جلدتنا، وتشرب كما نشرب، وتأكل كما نأكل، وتروح للسوق تشتري حاجتك، مثل هذا لا يكون له فضل علينا، وهذا كثيرٌ في القرآن، وبيّن الله في سورة بني إسرائيل أنه سبب مانع من إيمانهم جميعًا حيث قال في سورة بني إسرائيل: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: آية ٩٤] فجعلوا بعثة البشر من المحال، وقالوا: ﴿أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: آية ٢٤] ﴿مَا أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: آية ١٥] ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: آية ٣٤] ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: آية ٧] وقد بيّن لهم الله أن جميع الرسل من جنس الناس الذين يرسلون إليهم، كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: آية ٣٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: آية ١٠٩] وهذه من نعم الله علينا.
[ ٣ / ١٩٤ ]
وقوله: ﴿مِنكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣٥] يدل على أنه قد يوجد رسل آخرون ليسوا منا، وهو كذلك؛ لأن من الملائكة رسلًا، والملائكة ليسوا من جنسنا، كما قال الله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: آية ٧٥] وقال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ الآية [فاطر: آية ١]، ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ أي: إن يجئكم من تلقائي ومن عندي رسل من جنسكم ونوعكم أرسلتهم إليكم، كما قال للنبي ﷺ في أول سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: آية ٢] لا عجب في هذا ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٦٣] لا عجب في هذا.
﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ ﴿يَقُصُّونَ﴾ معناه: يقرءون ويتلون عليكم آياتي في كتبي التي نزلتها على رسلي لينذروكم بها، ويبينوا لكم فيها العقائد، والحلال، والحرام، والأمثال، والجنة، والنار، وخبر الدنيا والآخرة، وما يستوجب به العبد رضا الله، وما يستوجب به سخطه، ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأعراف: آية ٣٥] فاعلموا أن من اتبع رسلي وأطاعني صار إلى أحسن ما يكون، ومن كذب رسلي واستكبر عن آياتي وعصاني فسيصير إلى أسوأ ما يكون؛ ولذا قال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ أي: اتقى الله بأن صدّق رسله وامتثل أوامره التي جاءت بها الرسل، واجتنب نواهيه التي جاء نهي عنها على ألسنة الرسل، وأطاع الله فيما جاءت به رسله، وأصلح عمله بطاعة الله (جلّ وعلا)،
[ ٣ / ١٩٥ ]
وجريان عمله على الوجه الذي يرضي الله الذي شرعه الله على ألسنة رسله، فهؤلاء الصنف الذين صدّقوا رسلي، وآمنوا بي، وأطاعوني، أصلحوا أعمالهم باتباع الرسل، واتقوا ربهم بامتثال أمره واجتناب نهيه، فهؤلاء يوم القيامة عندما يكون الفزع الأكبر آمنون، لا يخافون ولا يحزنون.
فقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الخوف في لغة العرب -أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه- هو غم من أمر مستقبل في غالب الأحوال، فإذا كان إنسان يغتم من أمرٍ مستقبل يتوقع وقوعه عليه فهذا هو الخوف. أما الحزن: فهو الغم من أمر فائت، كأن تصيبه مصيبة أو بلية وتقع فيبقى مغمومًا مما وقع، فهذا حزين. وربما وضعت العرب الخوف مكان الحزن، والحزن مكان الخوف قليلًا (^١)، وربما أطلقت العرب الخوف وأرادت به (العِلْم) إطلاقًا غير كثير. قال بعض العلماء: منه في القرآن: ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: آية ٢٢٩] أي: إلا أن يعلما، فإن علمتم. ومن إطلاق الخوف على (العلم) كما ذكرنا قول أبي محجن الثقفي (^٢):
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُروِّي عِظَامِي في المَمَاتِ عُرُوقُهَا
وَلَا تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إذا مَا مِتُّ أَلَاّ أَذُوقَهَا
_________________
(١) في معنى الخوف والحزن والفرق بينهما راجع ما تقدّم عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٢) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٩٦ ]
فإن قوله هنا (أخاف): أعلم وأتيقَّن؛ لأنه عالم أنه إذا مات لا يشرب الخمر بعد موته كما لا يخفى.
وقوله هنا: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ المعروف في علم العربية أن (لا) التي هي لنفي الجنس إذا تكررت بأن عُطفت عليها أخرى لا يلزم إعمالها بل يجوز إعمالها وإهمالها، والذي سوَّغ إهمالها (^١) في قوله: ﴿لَا خَوْفٌ﴾ لأن المعطوفة عليها وهي: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٥] جاءت بعدها معرفة وهي لا تعمل إلا في النكرات (^٢). فَلَمَّا اسْتَحَالَ عَمَلُ الثَّانِيَة أُهملت الأولى لتَجَانُس الحرفين في عدم العمل، هكذا قاله بعض العلماء، وله وجهٌ من النظر.
وقوله: ﴿اتَّقَى﴾ أصل مادة (الاتقاء) هي من (الوقاية)، أصل (اتقى) من (وقى) ففاء الكلمة واو، وعينها قاف، ولامها ياء، أصلها (وقى) كما تقول: (ونى، وودى، ووشى، ووقى) دخلها تاء الافتعال، كما تقول في (قرب): اقترب، وفي (كسب): اكتسب، وفي (وقى): اوتقى. والقاعدة المقررة في التصريف: أن تاء الافتعال إذا دخلت على كلمةٍ فاؤها واو وجب إبدال الواو تاءً، ثم تدغم التاء المبدلة من الواو في تاء الافتعال الزائدة فيصير معناه: اتقى (^٣).
_________________
(١) انظر: التوضيح والتكميل (١/ ٢٨٨ - ٢٩٠).
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، أوضح المسالك (١/ ٢٠٣)، الدر المصون (٥/ ٣٠٤).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٩٧ ]
وأصل الاتقاء في لغة العرب (^١): معناه أن تجعل بينك وبين الشيء وقاية تمنعك منه. تقول العرب: اتقيت السيوف بِمِجَنِّي، واتقيت الرمضاء بنعلي. فكل ما جعلت بينك وبينه شيئًا يقيك منه فقد اتقيته. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان (^٢):
سَقَطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إِسْقَاطَهُ فَتَنَاولَتْهُ واتَّقَتْنَا بِالْيَدِ
أي: جعلت يدها وقاية دون وجهها لئلا نراه. هذا أصل الاتقاء في لغة العرب.
وهو في اصطلاح الشرع: أن يجعل العبد في دار الدنيا وقاية تقيه من سخط الله وعذابه وعقابه، هذه الوقاية التي تَقِي سخط الله وعذابه، هي امتثال أوامر الله، واجتناب نهي الله. فمن امتثل أمر خالقه واجتنب نهيه فقد اتخذ وقاية تقيه سخطه وعذابه؛ ولذا سمي: الاتقاء.
وهو مراتب كثيرة: منها اتقاء الشرك، واتقاء المحرمات، واتقاء الشبهات خوفًا من الوقوع في الحرام كما هو معروف.
وربما اعتدَّت العرب بأصل (الواو) مبدلًا من (تاء) من غير زيادة شيء، كما قالوا: (تَقَاهُ يتْقيه) والأصل: (وقاه يقيه) فأبدلوه
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
[ ٣ / ١٩٨ ]
تاء من غير إدغام. وهذا موجود في كلام العرب نادر، ومنه قوله: ﴿إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: آية ٢٨] لأن (تُقَاة) أصله (وُقَاة) من غير إدغام، ومنه بهذا المعنى قولهم: «تقى الله يَتْقيه» بمعنى: اتقاه يتَّقيه. والأصل: (وقاه يقيه) ولا موجب للإبدال هنا يستوجبه، إلا أنهم راعوا فيه المشدد الذي فيه موجب الإبدال. ومن (تَقَاه يتْقيه) بالتخفيف قول الإمام الشعبي -﵀- الذي قال بعضهم فيه: إنه شاعر العلماء -﵀- مع علمه وجلالة قدره (^١):
يقولُ لِيَ المُفْتي وهُنَّ عَشِيَّةً بمكةَ يَسْحَبْنَ المُهَذَّبَة السُّحْلا
تَقِ اللهَ لا تَنْظُرْ إِلَيْهِنَّ يَا فَتًى وما خِلْتني في الحج مُلْتَمِسًا وصلا
ووالله لا أنْسَى وَإنْ شطَّتِ النَّوى عَرَانِينَهُنّ الشُّمَّ والأعْيُنَ النُّجْلا
وَلا المِسْكَ مِنْ أَعْرَافِهِنَّ وَلا البُرَا جَوَاعِل في أوْسَاطِهَا قَصَبًا خَذْلا
وَوَالله لَوْلا اللهُ مَا قُلْتُ مَرْحَبًا لأَوَّلِ شَيْبَاتٍ طَلَعْنَ وَلا أهْلا
والشاهد في قوله:
تق الله لا تنظر إليهن يا فتى . . . . . . . . . . . . . . .
لأن أصله: «اتق الله» إلا أنه خُفِّف، وأُبدلت التاء من الواو مع التحقيق، وهي لغة.
_________________
(١) البيت الأول ذكره العكبري في شرحه للمتنبي (٤/ ٨٦)، ونسبه للقحيف. فلعل الشعبي (﵀) تمثل بها، والأبيات في معجم الأدباء (٤/ ١٤٧٩)، الأغاني (٢٤/ ٨٨)، وفي الأمالي (٢/ ١٢٤) وفيه أنهم سألوا الشعبي (﵀) عن قائل هذه الأبيات فسكت ففهموا أنه قائلها. وصدر البيت الأخير في الأمالي: «خليلي لولا الله ».
[ ٣ / ١٩٩ ]
وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ حَذَفَ المفعولين هنا، وقد تقرر في علم النحو أن حَذْفَ المفعول إذا دل المقام عليه جائز:
وحَذْفَ فَضلَةٍ أَجِزْ إنْ لَم يَضُرِ (^١)
وتقرير المعنى: ﴿فَمَن ِاتَّقَى﴾ الله بامتثال أوامره واجتناب نهيه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله باتباع الرسل ومراعاة الله (جلّ وعلا) فيما يأمر به وما ينهى عنه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٥] أي: ليس أمامهم شيء يغتمون منه؛ لأنه لم يكن أمامهم إلا الخير الدائم، والنعيم السرمدي ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على شيءٍ فائت؛ لأنهم كلما طلبوا أُعطوا، فلا يحزنون على فائت؛ لأن جميع رغباتهم حاضرة موجودة. وإذا كانت أُمنيات الإنسان كلها حاضرة موجودة فإنه لا يأسف على شيء فائت؛ لأنه لم يفته شيء، وهذا معنى قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٦] يعني: إن جاءتكم رُسُلِي فالذين أطاعوا رسلي واتقوني فهم آمنون لا يلحقهم خوف ولا حزن، وهم في جنات النعيم، وأمَّا الذين عصوني وعصوا رسلي، ولم يطيعوني، ولم يمتثلوا أمري، وأمّا ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ فقالوا للرسل: هذا الذي جئتم به كذب، بل هو سحر، أو شعر، أو كهانة، أو أساطير الأولين، هذا تَلَقَّيْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِكُمْ ﴿وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾ أي:
_________________
(١) هذا هو الشطر الأول من البيت، وشطره الآخر: كحذف ما سيق جَوَابًا أوْ حُصِرْ وهو في الخلاصة ص٢٨.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
تَكَبَّرُوا عن العمل بها كأبي جهل وأبي لهب وأمثالهم من هذه الأمة والأمم السابقة ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: آية ٣٦].
﴿أُوْلَئِكَ﴾ أشار لهم إشارة البعيد؛ لأنهم بُعداء بُغضاء ينبغي أن يتباعد منهم، ومن الاقتداء بهم، ومن الاتصاف بصفاتهم.
وسمّاهم ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ لأن العرب كثيرًا ما تطلق المصاحبة على الاجتماع الطويل. والمراد بالنار - والعياذ بالله - نار الآخرة، وهي أَحَرُّ من نار الدنيا بسبعين ضعفًا - نعوذ بالله - تَنْمَاع من حرِّها الجبال، وحرُّها لا يُقَادَر قدره.
وأصل الألف التي بين النون والراء أصلها واو. أصل النار (نَوَر) بدليل أن التضعيف الذي يردُّ العين إلى أصلها يبين ذلك، تقول: (تنَوَّرتُ) إذا نظرت النار من بعيد، فلو كانت يائية العين لقيل فيها: (تَنَيَّرْتُ) فلما قالوا: (تنورت) علمنا أن أصل الألف التي في محل العين واو، ومنه تصغير العرب لها على (نُويرة) فلو كانت يائية العين لقالوا: «نُييرة» (^١) ومما يدلُّ عليه قوله (^٢):
تَنَوَّرتُهَا مِنْ أَذْرعَاتٍ وَأَهْلِهَا بِيَثْرِبَ أَدْنى دَارِهَا نَظَرٌ عِالي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٢٠١ ]
فَتَنَوَّرْتُ نَارُهَا مِنْ بَعِيدٍ بخزَازَى، هيهات منك الصَّلاءُ (^١)
قال بعض العلماء: والنار من قولهم: (نَارَت الظبية): إذا ارْتَفعت جافلة؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والارتفاع أعاذنا الله والمسلمين منها (^٢).
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أصل الخلود في لغة العرب: المكث زمانًا طويلًا، ومنه قول لبيد (^٣):
صُمًّا خَوَالِدُ مَا يُبِينُ كَلامُهَا
يعني: أثافي القدر، أنها مكثت في محله من الديار زمنًا طويلًا. والمراد بالخلود هنا على التحقيق: الخلود السرمدي الأبدي الذي لا انقضاء له أبدًا. فأهل النار الكفار خالدون فيها أبدًا.
وما روي عن بعض السلف من الصحابة فمن بعدهم أن النار تفنى، وتخفق أبوابها ليس فيها أحد، وأنها ينبت في محلها الجرجير (^٤) فإن ذلك يجب حمله كما جزم به الشيخ البغوي - وهو صادق - على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين (^٥)، لأن عصاة
_________________
(١) البيت للحارث بن حلِّزة، وهو في اللسان (مادة: نور) (٣/ ٧٤٠)، وقوله: (بخزازَى) جبل بين منْعج وعاقل.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٣) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٣٥)، وصدره: فوقفت أسألها وكيف سؤالُنا
(٤) انظر: التذكرة للقرطبي ص٤٣٧.
(٥) وانظر: تفسير البغوي (٢/ ٤٠٣) وراجع ما مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
المسلمين الذين ماتوا مرتكبي الكبائر يدخل بعضهم النار ويُخرجون منها حتى لا يبقى فيها أحدٌ ممن في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولهم طبقة؛ لأن للنار سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، فإذا خرج الموحدون منها فلا مانع من فناء الطبقة التي كانوا فيها، أما الكفَّار فقد دلت نصوص الوحي العظيمة على أنهم خالدون فيها أبدًا خلودًا سرمديًّا لا انقضاء له أبدًا. وفي خلودهم الأبدي سؤالات معروفة:
أحدهما أن الله قيده بالمشيئة في سورة الأنعام، وفي سورة هود، حيث قال في سورة الأنعام: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأنعام: آية ١٢٨] وقال في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ [هود: الآيتان ١٠٦، ١٠٧].
السؤال الثاني: أن الظرف في سورة النبأ -الظرف المُنَكَّر- يدل على المفهوم، وهو قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: آية ٢٣] فالأحقاب: أزمنة مُنكَّرة يدل على أن لها انقضاء.
السؤال الآخر: سؤال فلسفي بارد، يستدل به الفجرة الملاحدة، يقولون: العقل لا يدرك أن يخلدوا فيها أبدًا؛ لأن الله أحكم الحاكمين، وهو ذو عدلٍ وإنصافٍ بالغ، هو الحَكَم العدل (جلّ وعلا)، وهم إنما ارتكبوا المعاصي في الدنيا في أيام محدودة قليلة، فكيف يكون زمن المعصية محدودًا قليلًا وزمن الجزاء لا انقطاع له أبدًا؟! قال الملحدون في هذا: لا مناسبة إذًا بين العمل والجزاء، فالعمل في مدةٍ وجيزة، والجزاء لا انقضاء له. فيقول
[ ٣ / ٢٠٣ ]
الملحد: هذا لا يظهر فيه كمال الإنصاف؛ لأنه ينبغي أن يكون الجزاء بحسب العمل، والعمل قليل في أيامٍ معدودة فكيف يكون الجزاء لا نهاية له؟!
والجواب عن الآيات لو تتبعنا جميع الأجوبة فيه لطال جدًّا، ولكننا نلمُّ بطرف منه باختصار، فنقول: إن الله (جلّ وعلا) ذكر خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، واستثنى في كل واحدٍ منهما بمشيئته، قال في خلود أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ [هود: آية ١٠٧] ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاء الله﴾ [الأنعام: آية ١٢٨] وقيّد خلود أهل الجنة بالمشيئة أيضًا قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: آية ١٠٨] وفي القراءة الأخرى (^١): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ فالقيد بالمشيئة في خلود الطائفتين - خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، وهذه المشيئة - قد بينت الآيات في كل من الفريقين أن خلود كل واحدٍ منهما لا انقطاع له أبدًا، قال تعالى في خلود أهل الجنة: ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: خلودًا في النعيم غير مقطوع ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: آية ٥٤] أي: لا انقطاع له أبدًا ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ [النحل: آية ٩٦] أي: لا انقطاع له أبدًا من نعيم الجنة.
[أما النار التي فيها الكفار فالتحقيق أنها باقية لا تفنى؛ لأن الله صرح بذلك في آيات كثيرة، فصرح بأنها لا تفنى حيث قال:
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٤٢.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ومعلوم أن ﴿كُلَّمَا﴾ تتكرر] (^١) بتكرر الفعل الذي قيّد به، والله يقول: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٩٧] وهو صريح في أنه ليس للنار خبوة نهائية ليس بعدها زيادة سعير، فمن قال: إن لها خبوة نهائية، وفناء ليس بعدها سعير، نقول: يكذبك القرآن في نص قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٩٧] فهو نص صريح في أنه لم تكن هناك خبوة إلا بعدها زيادة سعير إلى ما لا نهاية.
والآيات الدالة على الدوام الأبدي كثيرة ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: آية ٦٥] ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف: آية ٧٥] إلى آيات كثيرة.
أما آية النبأ، وهي قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: آية ٢٣] فقد بينتها غاية البيان آية سورة ص، وإيضاح ذلك أن المعنى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ أي: في النار ﴿أَحْقَابًا﴾ في حال كونهم في تلك الأحقاب ﴿لَاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ: الآيتان ٢٤، ٢٥] فإذا انقضت أحقاب الحميم والغسَّاق عُذِّبوا بأنواع أُخر وأشكال لا نهاية لها.
والدليل على أن هذه الأحقاب مختصة بأحقاب الحميم والغساق، وأن لهم أشكالًا من العذاب غير هذا صرّح الله به في سورة ص، وخير ما يُبَيَّنُ به القرآنُ بالقرآن، حيث قال تعالى: ﴿هَذَا
_________________
(١) وقع مسح في التسجيل في هذا الموضع، وتم استدراك النقص من كلام الشيخ ﵀ عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام (مع شيء من الاختصار).
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: الآيات ٥٥ - ٥٨] فبيَّنَ أَنَّ هنالِكَ أشْكَالًا وأنواعًا من العَذَاب، غير أحقاب الحميم والغسَّاق، فدل على عدم الانتهاء.
أما الشبهة الباردة الفلسفِيَّةُ التي يقولون فيها: إن العَبْدَ في دار الدنيا عمل المعاصي في مُدَّة وَجِيزَة، وهي مدة عمره القليلة، فكيف يكون عمل المعاصي في زمن قليل وجزاؤها دائم لا يزول؟!
فجواب هذه الشبهة الباردة الملحدة: أن الخبث والكفر الذي انطوت عليه قلوبهم وتمرَّدُوا بِسَبَبِه على الله منطوية عليه قلوبهم أبدًا، لا يزول منها أبدًا، فكان العذاب أَبَدِيًّا سرمديًّا؛ لأن سبب ارتكابه كان في القلب، أبدي سرمدي، والآيات الدالة على هذا كثيرة؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى عنهم أنهم لما عاينوا النار، ورأوا عذاب الله وعظمة النار، وهول ذلك الموقف، وتمنَّوا الرجوع إلى دار الدنيا مرة أخرى ليطيعوا الرسل، ويعودوا إلى رضا الله، وتمنوا ذلك فقالوا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٧] وفي القراءة الأخرى (^١): ﴿وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بيّن الله أن ذلك الخبث الذي كان في قلوبهم في دار الدنيا لم يَزُل أبدًا حتى بعد الموت، ومعاينة النار ومعاينة العذاب، قال وهو أصدق من يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٨] فهو يبين أنهم كلما ردوا إلى الدنيا رجعوا إلى الكفر، وأن أصل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
ذلك الكفر كامن في قلوبهم لا يزول، ومما يوضحه قوله في الأنفال ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لَاّسْمَعَهُمْ﴾ (خيرًا) نكرة في سياق الشرط، فهي تعم. معناه: أنّ الله لا يعلم في قلوبهم خيرًا أبدًا في وقتٍ من الأوقات كائنًا ما كان، ولا زمن من الأزمان. ثم قال على الفرض: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: آية ٢٣]. فتبين أن ذلك الشر الذي عصوا به الرسل وتمردوا به على الله دائم لا يزول، فكان جزاؤه دائمًا لا يزول، فتطابق الجزاء والعمل؛ ولذا قال تعالى: ﴿جَزَآءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: آية ٢٦] أي: جزاءً موافقًا لأعمالهم.
وهذا معنى قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٦] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها.
فعلينا جميعًا في دار الدنيا أن نعمل العمل الذي يجنبنا النار، ونستعيذ بالله منها؛ لأنه لا قدرة لأحد على حر النار. وهذه النار التي هي كَلَا شَيْءٍ بالنسبة إلى حَرِّ تِلْكَ النَّارِ إذا مسَّك منها لهب شديد، أو وقعت يدك على نارٍ عرفت شدة حرها، وأنك لا تطيق النار العظمى أبدًا، كما قال تعالى في نار الدنيا: ﴿نَحنُ جَعَلْناهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: آية ٧٣] فمن صَلِيَ بِحَرِّهَا تَذَكَّرَ نَارَ الآخرة، وعلم أنه لا يطيقها، فعليه أن يتحرَّز منها، ويتباعد عن أسبابها التي تُقرِّب إليها في دار الدنيا ما دامت الفرصة ممكنة. أما الذي يعلم بالنار، وبِحَرِّ النار، وهو في دار الدنيا يعمل عمل النار الذي يؤدي إليها فهذا كالفراشة التي تسقط في النار وتحرق نفسها، لا عقل له ولا تذكُّر. فعلى المسلم أن يعتبر بحرِّ النار وبشدة النار، ويضع يده قريبًا من حر
[ ٣ / ٢٠٧ ]
النار الموجودة حتى يعلم أنه لا قدرة له على حرِّها، وأن حرّها أليم شديد، وأن تلك أحر منها بسبعين ضعفًا، وأنه يعمل على أن يتجنَّبَها ولا يصلاها؛ لأنه إذا عمل الأعمال التي تُورِدُهُ النار فهو ذاهِب العقل مضيع نفسه، موردها المهالك؛ إذ لا قدرة لأحد على حَرِّ النَّارِ، فاعلموا أيها الإخوان أنه لا قدرة لأجسامكم على النار، فاتقوا النار وأطيعوا الله، وأطيعوا رسوله ﷺ واعملوا بما يرضيه، واحذروا من المعاصي والمنكرات التي تجركم إلى النار؛ لأنكم لا قدرة لكم على النار.
وإذا أردتم أن تعلموا أنه لا قدرة لكم على النار فليأت منكم أحد إلى كير شديد الوقود ثم يضع رجله أو يده فيه، هل له على ذلك طاقة ﴿نَحْنُ جَعَلنَاهَا تَذكِرَةً﴾ فاحذروا من النار، والحذر منها إنما هو ممكن في هذه الأيام التي أنتم فيها، فإذا انقضى الأجل المحدد ضاعت الفرصة، وأسفه الناس وأقلهم حلمًا، وأرذلهم عقلًا هو من لا يَتَسَبَّب في أن يجانب حر النار ويقدم على النار، والذين يتجرءون قال الله فيهم: ﴿فَمَآ أَصبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: آية ١٧٥] لارتكابهم أسبابها -والعياذ بالله- فعلى المسلم العاقل أن يجتهد في إنقاذ نفسه من حر النار، وأن يعلم أنه لا طاقة له على النار فينظر في أوامر ربه فيمتثلها، وفي نواهيه فيجتنبها، ولا يغتر بالأساليب والشعارات الزَّائِفَة مِنْ تَقَدُّمٍ وحَضَارَة!! الذين يسمون أنفسهم (تقدميين) إذا ماتوا ووجدوا قبورهم تضطرم نارًا وخُلِّدوا في نار جهنم عرفوا في ذلك الوقت هل هم تقدميون أو متأخرون؟! بل هم والله متأخرون غاية التأخُّر، فالمتأخر هو الذي يهلك [نفسه] (^١)، ولا يكون عنده ذهن ثاقب
_________________
(١) في الأصل: (نفسها) وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
يعلم أوامر ربه، وعظمة من خلقه، ويطيع خالقه، ويمتثل أمره، ويجتنب نهيه، ويعمل في أن يُجنب نفسه حرّ جهنم، أعاذنا الله والمسلمين منها.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (٣٧)﴾ [الأعراف: آية ٣٧] والعياذ بالله.
قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام إنكار معناه النفي؛ أي: لا أحد أظلم. وفي هذه الآية سؤال معروف (^١)، وهو أن معنى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا. وهذه تدل على أن المفتري على الله الكذب، والمكذِّب بآياته هو أعظم الناس ظلمًا؛ لأن (أظلم) صيغة تفضيل، وأنه يفوق غيره ويفضله في الظلم، وقد جاءت آيات أخرى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى الله وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: آية ٣٢] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله﴾ [البقرة: آية ١١٤] قال بعضهم: يظهر لطالب العلم في هذا شبه تعارض؛ لأنه قال: لا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا.
وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة، أشهرها اثنان:
أحدهما، وَجَزَمَ بِهِ أبُو حَيَّان في كتابه البحر المحيط: أنه لا تعارض أصلًا بين الآيات، وإنما دَلَّتِ الآيات على أن كل من ذُكر في قوله: ﴿فَمَنْ أَظلَمُ﴾ لا يمكن أن يفوقه أحد من أهل الدنيا في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
الظلم، إلا أنهم جميعًا متساوون لا يفوق بعضهم بعضًا، وهم يفوقون غيرهم في الظلم، كما لو قلت: ليس في هذا البلد أعلم من زيد، وليس فيه أعلم من عمرو. وزيد وعمرو مستويان في العلم، فتكون صادقًا، ولا معارضة بين قوليك. وهذا وجه ظاهر لا إشكال فيه، وهو كما قال أبو حيان.
الوجه الثاني: أنها تتخصص بِصِلَاتِها، وعليه فيكون المعنى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ [الأعراف: آية ٣٧] لا أحد من جنس المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبًا، ولا أحد من جنس المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من جنس المكذّبين أظلم ممن كذب على الله وكذَّب بالصدق، وهكذا. والظلم قد قدمنا معناه -مرارًا- بشواهده العربية (^١).
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا﴾ الافتراء: الاختلاق، والقول بغير الواقع. والكذب: الأصح في أقواله أنه الإخبار بخلاف الواقع (^٢).
وأقوال البيانيين فيه معروفة، والمراد هنا: الإخبار بغير الواقع، كقولهم إن مع الله شريكًا، وإن له ولدًا، وإنه أمرهم بالفاحشة كطوافهم عراة، إلى غير ذلك من افتراءاتهم على الله.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ التي جاءت بها رسله، فقال: إن هذا القرآن ليس بحق، إنه شعر، أو سحر، أو كهانة، أو أساطير الأولين. لا أحد أظلم ممن افترى هذا الكذب على الله بادعاء الشركاء والأولاد، وأنه حرم كذا وهو لم يحرمه، ولا أحد أظلم ممن كذَّب
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٩٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢١٠ ]
بآيات الله فجحد بها وقال: إنها من السِّحر، أو من الشعر، أو من كلام الكهنة، أو من أساطير الأوّلين، أو أنها عَلَّمَهَا له بَشَرٌ. لا أحد أظلم من هذا وهذا.
ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ﴾ في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ﴾ المراد بهذا النصيب الذي ينالهم من الكتاب فيه أقوالٌ متقاربة لعلماء التفسير لا يكذِّب بعضها بعضًا (^١)، أرجحها: ما دلت عليه القرينة القرآنية، قال بعض العلماء: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ﴾ يرجعون إلى ما هم صائرون إليه مما كُتب لهم أزلًا، فمن كُتب له أن يموت على ذلك الشقاء مات عليه، ومن كُتب له أن يتوب تاب.
والتحقيق في معنى هذه الآية: أنَّ معنى ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ﴾ أنهم ينالهم ما كتب الله لهم في الدنيا مما ينالونه من الخير ومن الشر، من الصحة، والعافية، والرفاهية، والأمراض، والأحزان، والأموال، والرزق، والآجال، حتى يستكملوا في دار الدنيا ما سبق في علم الله أنهم ينالونه من الأرزاق، والنعمة، والعافية، والأولاد، والآجال، وما يصيبهم من الخيرات، والخِصْب، والأموال، وكذلك ما يلاقونه أيضًا من البأساء، والأمراض، والفقر، وتحديد الآجال، حتى إذا انتهى نصيبهم في هذه الدنيا مما كُتب لهم من خير أو شر، ورزق ومال وأجل لا يزالون كذلك ﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ [الأعراف: آية ٣٧] وعليه فـ (حتى) هذه غائية.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٠٨)، القرطبي (٧/ ٢٠٣)، ابن كثير (٢/ ٢١٢).
[ ٣ / ٢١١ ]
وقال بعضهم: هي حتى الابتدائية التي تكون قبل ابتداء الجمل (^١). حتى إذا جاءت الواحد منهم بعد أن نال نصيبه المكتوب له في الدنيا من جميع الأنواع المكتوبة له من الأرزاق، والآجال، والأولاد، والعافية، والرزق، والأمراض، والهموم، ونحو ذلك.
﴿حَتَّى إذَا جَاءَتهُمْ رُسُلُنَا﴾ المراد بالرسل هنا: جمع رسول. وهذه الرسل هي: ملك الموت وأعوانه، يقبضون أرواحهم.
واعلموا أن الله أسند قبض الروح في آية إلى نفسه -جلّ وعلا- حيث قال عن نفسه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: آية ٤٢] وأسنده في آية لِمَلَك واحد، وهي قوله في السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: آية ١١] وأسنده في آيات كثيرة لملائكة كثيرة مرسلين لذلك، كقوله هنا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣٧] وكقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: آية ٦١] وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: آية ٩٧] ولا إشكال في الآيات (^٢)؛ لأن إسناد التوفي إلى الله؛ لأن كل شيء بمشيئته وقضائه وقدره، فلا تقع وفاة أحد إلا بمشيئته - جلّ وعلا - كما صرّح به في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: آية ١٤٥] وإسناده لملك الموت لأنه هو الرئيس الموظَّف بقبض
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٤)، الدر المصون (٥/ ٣٠٩).
(٢) راجع ما سبق عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢١٢ ]
الأرواح. وإسناده لملائكة كثيرين؛ لأن لملك الموت أعوانًا كثيرين يقبضون معه أرواح الناس بأمره. قال بعض أهل العلم: يقبض أعوانه الروح حتى تبلغ الحلقوم فيأخذها ملك الموت (^١). والآيات دلت على أن له أعوانًا كثيرة من الملائكة يقبضون معه الأرواح، كقوله هنا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ وكقوله: ﴿تَوَفَّتهُ رُسُلنَا وَهُم لَا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: آية ٥٠] عياذًا بالله جلَّ وعلا.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٣٧] أي: ذلك الإنسان الذي استكمل في دار الدنيا نصيبه من الكتاب، بأن أكل جميع ما كُتب له من الرزق، ونال ما كُتب له من الشهوات واللذات والأجل، ونال ما قَدَّر الله عليه من الشرور في الدنيا، حتى إذا انقضى أجله، وجاء الوقت المحدد لموته جاءته ﴿رُسُلُنا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه ليقبضوا روحه وينزعوها من بدنه، وسنذكر كيفية ذلك في قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ [الأعراف: آية ٤٠] في الآيات القريبة.
﴿جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ في هذه الآية وجهان من التفسير (^٢): التحقيق أنها الوفاة بقبض الأرواح في دار الدنيا، وأنهم إذا جاءهم [الملائكة] (^٣) يقبضون أرواحهم في دار الدنيا يوبخونهم ويقرعونهم عند أخذ الروح، ويقولون لهم: أين
_________________
(١) السابق.
(٢) انظر: ابن كثير (٢/ ٢١٢).
(٣) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٢١٣ ]
شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ أيْنَ مَنْ كنْتُمْ تعبدون مع الله؟ نادوهم فلينقذوكم منا ويخلصوكم منِ هذا الموت وما بعده من العذاب. وعلى هذا القول فقوله: ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يعني: بقبض الأرواح. وفيه قولٌ آخر، وهو ضعيف، إلا أنه ذكره جماعة من علماء التفسير (^١)، أن هذا يوم القيامة إذا حشر الخلق جاءت رسل الله، وهم الملائكة الموكلون بالنار يتوفونهم، أي: يأخذون أهل النّار وافين؛ لأن جميع أهل النار مكتوبون في ديوان، مُعَيَّنة به أسماؤهم، وأسماء آبائهم، وأنسابهم، وقبائلهم، والملائكة الموكلون عندهم السجلات يأخذونهم واحدًا واحدًا حتى يستوفوا العدد المكتوب. هذا قول في الآية. والأوّل هو الصحيح. وعلى هذا القول فقوله: ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يأخذون عددهم وافيًا. والقول الأوّل: ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ بقبض الأرواح.
﴿قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ يقوله لهم الملائكة عند قبض الروح توبيخًا وتقريعًا، ويضربونهم أيضًا مع ذلك، كما قال جلّ وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: آية ٥٠] والعياذ بالله.
﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ (أين) هنا هي الاستفهامية. و(ما) موصولة. أين الذين كنتم ﴿تَدْعُونَ﴾؟ أي: تعبدون ﴿مِن دُونِ الله﴾، أي: مع الله (جلّ وعلا) وتجعلونهم شركاء معه؟ أين هم؟ نادوهم فليحضروا فليخلصوكم وينقذوكم!! وهذا من التوبيخ والتقريع والتعذيب.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤١٥).
[ ٣ / ٢١٤ ]
وهذه الآية أُطلقت فيها الوفاة على معناها العُرْفِيّ. واعلموا أن معنى (توفاه) تطلق في اللغة العربية إطلاقين (^١): إطلاقا لغويًّا، وإطلاقا عرفيًّا.
أما إطلاقها اللغوي: فهو أخذ الشيء كاملًا بجميعه وافيًا. تقول العرب: توفيت دَيْني: إذا أخذته وافيًا كاملًا لا ينقص منه شيء. فكل شيء أخذته وافيًا بتمامه فقد توفيته، وهذا معناها في اللغة العربية.
ومعناها في العرف: تقول العرب: توفاه الله. إذا قبض روحه وحدها دون جسمه. هذا معناها العرفي، وذلك معناها اللغوي.
والقاعدة المقررة عند جمهور الأصوليين: أن الحقيقة العرفية تُقدم على الحقيقة اللغوية ما لم يقم دليل يرجح الحقيقة اللغوية (^٢).
وذكر بعض علماء الأصول عن أبي حنيفة -﵀- أنه لا يقدم العرفية على الحقيقة اللغوية؛ لأن العرفية وإن ترجحت في الاستعمال فالحقيقية قد ترجحت بأصل الوضع (^٣).
وهذا تترتب عليه مسألة غلط فيها كثير من الناس، وأضل الملحدون فيها كثيرًا من الناس، وهي قضية عيسى ابن مريم (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)؛ لأن الله عبر عنه بالوفاة [٦/ب] في قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: آية ٥٥] أما قوله (جلَّ وعلا) عنه:/ ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: آية ١١٧] من كلام عيسى يوم القيامة، ولا يأتي يوم القيامة إلا وعيسى قد مات قطعًا، لا نزاع في موته قبل يوم القيامة؛ لأن ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ من كلام عيسى يوم القيامة إذا قال له
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٣٥)، نثر الورود (١/ ١٥٦).
[ ٣ / ٢١٥ ]
ربه: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: آية ١١٦] هذا كلامه يوم القيامة ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي: قبضتني إليك ورفعتني إلى السماء ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ وقول عيسى هذا يوم القيامة لا حجة فيه على أنه قد مات، أما آية قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: آية ٥٥] فهي قول في دار الدنيا لا في الآخرة. واحتج به بعض الملاحدة الذين يزعمون أن عيسى قد مات!! وهذه فكرة إلحادية.
والتحقيق الذي دلت عليه السنة المتواترة عن رسول الله ﷺ، والقرآن العظيم -الوحي المنزّل- أن عيسى لم يمت إلى الآن، وأنه حي في السماء، وأنه سينزل في هذه الأمة في آخر الزمان ليقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويقتل المسيح الدجَّال، وهو نازل لا محالة، دلَّ على ذلك السنة المتواترة عن رسول الله، والقرآن العظيم (^١).
أما القرآن العظيم فقد دل عليه دلالة صريحة - وإن قيل فيها قول يخالفها؛ لأن القول المخالف باطل وإن نسبوه لابن عباس؛ لأنه باطل؛ لأن ظاهر القرآن خلافه، والعقل لا يقبله أيضًا - ذلك أن الله قال عن عيسى ابن مريم: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: الآيتان ١٥٧، ١٥٨] ثم قال (^٢): ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: آية ١٥٧] بيَّن أن السبب
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٦) من سورة الأنعام.
(٢) هذا الجزء من الآية متقدم على المذكور قبله من الآية (١٥٧).
[ ٣ / ٢١٦ ]
الذي ادعى اليهود به أنهم قتلوه: أن الله ألقى شبهه على رجلٍ آخر، فظنوه إياه، فقتلوه، وظنوا أنهم قتلوه، والله يقول: ﴿لَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ﴾ ثم قال: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: آية ١٥٩] أي: بعيسى ابن مريم في آخر هذا الزمان ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى ابن مريم. وهذا هو التحقيق في معنى الآية والذي دلّ عليه ظاهر القرآن، وبينته السنة المتواترة عن رسول الله ﷺ.
أما قول بعضهم الذي يزعمونه عن ابن عباس أن معنى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت ذلك الكتابي (^١). فهو أمر غير معقول؛ لأن من أهل الكتاب من يموت في نومه، ومن يموت فجأة، ومن تأخذه سكتة قلبية، ومن يُقطع رأسه فجأة. فهذا لا يمكن أن يؤمن به قبل موته، أي: قبل موت الكتابي كما لا يخفى على أحد.
أما الأحاديث بأن عيسى حي، وأنه ينزل، فهي متواترة عن رسول الله ﷺ لا يطعن فيها إلا ملحد (^٢).
أما قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فيجاب عنه بأجوبة:
أحدها: أن المراد بها هنا: التوفي اللغوي، كما ذكرنا. أي: قابضك إليَّ وافيًا بجسمك وبدنك، وغاية ما في الباب أنه قُدِّمت هنا الحقيقة اللغوية على الحقيقة العرفية التي هي إطلاق الوفاة على قبض الروح خاصة؛ لأن الحقيقة اللغوية هنا اعتضدت بظاهر القرآن وبالسنة المتواترة، والحقيقة اللغوية إذا قامت عليها مرجحات
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٢١٧ ]
رجحت على الحقيقة العرفية كما هو معروف في الأصول.
الثاني: أن نقول: إن الله قال: إنه متوفيه، ولا شك أنه متوفيه، ولكن لم يقل: إن تلك الوفاة أنها وقعت، ولا عيّن وقتها، غاية ما في الباب أنه قال: إنه متوفيه، وهو صادق، وهو متوفيه، ولكن أين أنه توفاه بالفعل؟ فإن قالوا: عطف عليه قوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: آية ٥٥] فذكر الوفاة قبل الرفع. قلنا: العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك (^١)، وقد يكون المعطوف بالواو هو الأول، كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: آية ٧] وهو ﷺ بعد نوح بأزمان. وأجمع أهل اللسان العربي أنه يجوز أن تقول: جاء زيد وعمرو. ويكون المعطوف بالواو هو الأوَّل؛ لأن الواو لا تقتضي إلا مطلق التشريك.
فإن قال قائل: دل الحديث على أن الواو قد تقتضي الترتيب، كقوله ﷺ لما رقي على الصفا: «أبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» (^٢) والترتيب بين الصفا والمروة بالواو في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله﴾ [البقرة: آية ١٥٨] وفي رواية: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» وهنا واو، والنبي ﷺ جعل هذه الواو كأنها تقتضي الترتيب وتقتضي بدء ما بدأ الله به.
فالجواب ما أجاب به جماعة من قدماء علماء العربية من أنّ الواو كما أنها لا تقتضي الترتيب فإنها لا تمنع من أن يراد بها الترتيب إذا دلّ على ذلك دليل جازم خارج عن أصل الوضع، أما إذا تجردت
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٢١٨ ]
من الأدلة فإنها لا تقتضي ترتيبًا وإنما عرف الترتيب بها هنا من حديث النبي ﷺ، فالذي دل على الترتيب دليل خارج، لا نفس أصل الواو. ومنه بهذا المعنى قول حَسّان (على رواية الواو) (^١):
هَجَوتَ محمَّدًا فأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الجَزَاءُ
لأن الواو هنا بـ «وأجبت عنه» الجواب بعد الهجاء. وهذا إذا دلت عليه قرينة ودليل خارج لا مانع من أن تكون الواو للترتيب، لكنها عند الإطلاق لا تكون للترتيب.
الثالث: قال بعض العلماء: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: آية ٥٥] أي: منيمك؛ لأن الله -قالوا- لما أراد رفعه ألقى عليه النوم. أي: منيمك ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في تلك النومة لئلا تنزعج من الرَّفْعِ إلى السَّمَاءِ، والله قد يطلق الوفاة على النوم، وأطلق الوفاة على النوم في موضعين من كتابه:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: آية ٦٠] أي ينيمكم في الليل ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾.
الثاني: قوله ﴿الله يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: آية ٤٢] فالحاصل أن هذه الآيات ليس فيها ما يدل على موت عيسى ابن مريم، وأن القرآن دلّ على أنه حي؛ لأن الله قال: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: آية ١٥٩] والضمير عائد إلى عيسى على التحقيق لا إلى الكتابي كما بينا. وأحاديث النبي ﷺ الفائضة - وهو الصادق
_________________
(١) السابق.
[ ٣ / ٢١٩ ]
المصدوق - مصرحة بذلك، وهو الحق الذي لا شك فيه، فادعاء أنه مات هو من الفِكَر الإلحادية، كادعاء القاديانية أنه رُفع إلى السماء ثم نزل ومرض ومات مريضًا بكشمير!! وغير ذلك من الخرافات التي لا أساس لها (^١).
ومن المؤسف أن بعض المنتسبين للعلم يَتَشَبَّعُون بالفِكَر الإفرنجية ويُقْدمون على هذا الإلحاد، ويقولون: إنَّ عيسى قد مات. مع أن الأحاديث النبوية الصريحة الصحيحة مستفيضة بأنه حي، وأنه سينزل في هذه الدنيا، وأن الله نص على ذلك في قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، ودلَّ عليه ظاهر القرآن، لا (موته) أي: الكتابي؛ لأنه من المُشَاهَد أن من أهل الكتاب من يموت قبل أن يؤمن بعيسى، كالذي ينام فيموت نائمًا، وكالذي تأتيه سكتة قلبية فيموت من حينه، وكالذي يُقْطع رأسه فجأة ولا تكون له فرصة ليؤمن بعيسى. وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الأعراف: آية ٣٧] أي: تعبدون من دونه من المعبودات والأصنام والأوثان.
﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ [الأعراف: آية ٣٧] أي: غابوا واضمحلوا. وقد بيّنا أن الغيبوبة والاضمحلال من أنواع إطلاقات الضلال في القرآن (^٢).
﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ والعياذ بالله؛ لأن الكفار إذا عاينوا الحقيقة شهدوا على أنفسهم، وأقروا حيث
_________________
(١) انظر: القاديانية لإحسان إلهي ظهير ص١٩٩.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
لا ينفع الإقرار ولا ينفع الندم. كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [تبارك: آية ١١] والعياذ بالله جلَّ وعلا، كما أنهم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، وتشهد عليهم جلودهم ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا الله الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: آية ٢١].
﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: الآيات ٣٨ - ٤٣].
يقول الله جلَّ وعلا: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف: آية ٣٨].
لما اعترف الكفار بكفرهم، وندموا حيث لا ينفع الندم، وقال الله عنهم: ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ٣٧]
[ ٣ / ٢٢١ ]
لما شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا في دار الدنيا كافرين حتى ماتوا على ذلك بيّن جزاءهم فقال إن الله يقول لهم يوم القيامة ما قصَّ هنا، قال الله لهم، أو قالها لهم خازن النار بأمر من الله (جل وعلا). والظاهر أن القائل هو الله؛ لأنه إذا لم يقيد بما يدل على أنه المَلك انصرف إلى أن الله هو الذي أمر بإدخالهم النار؛ لأنهم لا يدخلونها إلا بأمره -جلّ وعلا- قال الله لأولئك الكفار: ﴿ادخُلُواْ﴾ في النار ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جملة أمم، والأمم: هي أجيال الناس المتقدمة مِنَ الكَفَرَةِ. ادخلوا في زمرة أمم ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مضت من قبلكم وماتوا وهم كافرون فدخلوا النار، ادخلوا في زمرتهم في النار -والعياذ بالله- وقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: قد مضت من قبلكم، ومضى زمانها قبل زمانكم. والمعنى: أنه كانت قبلكم في الوجود أمم كافرة فأدخلتها النار، فادخلوا في جملتهم في النار والعياذ بالله.
وقوله: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ قال بعض العلماء (^١): ﴿فِي النَّارِ﴾ بدل من قوله: ﴿فِى أُمَمٍ﴾ والظاهر أن الصواب أنها ليست بدلًا منها، وأن المعنى: ادخلوا في جملة أجناسكم من الكفرة، ادخلوا أنتم وهم في النار.
وقوله: ﴿مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف: آية ٣٨] هذه الأمم التي أدخلت النار بعضها من الجن وبعضها من الإنس، وهذه الآية نص صريح في أن كفرة الجن في النار مع كفرة الإنس كما قدمناه مرارًا (^٢).
وكون كافر الجن في النار لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٥)، الدر المصون (٥/ ٣١٢).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
اختلف العلماء في المؤمنين من الجن هل هم في الجنة أو ليسوا فيها؟ فذهب جماعة أن جزاء المؤمنين من الجن أنهم لا يدخلون النار ولا يدخلون الجنة، بل كان جزاؤهم الإجارة من النار فقط دون التنعم بالجنة. واغتر من قال بهذا القول بظاهر آية الأحقاف؛ لأن الجن لما قال نذيرهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: آية ٣١] رتبوا على ذلك قولهم: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقولوا: ويدخلكم الجنة. فاغتروا بهذا الظاهر. والخلاف في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو يجارون من النار ولا يدخلون الجنة؟ وبعضهم يقول: يكونون رابضين عند أبواب الجنة، خلافٌ معلوم مشهور، والظاهر أن الصواب أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كما دخل الكافرون منهم النار، وقد دلّ على هذا بعض الآيات: من أصرح الآيات دليلًا عليه قوله تعالى في سورة الرحمن مخاطبًا للإنس والجن: ﴿ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّه جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: آية ٤٦] ثم بين أن هذا الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه للإنس والجن حيث أتبعه بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ [الرحمن: آية ٤٧] والتثنية في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ للإنس والجن بلا نزاع بين العلماء. فدل ظاهر هذه الآية أن مؤمن الجن في الجنة، ويستأنس له بظاهر قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: آية ٧٤] فيفهم منه أن في الجنة جنًّا يطمثون النساء، ولكنهم لم يسبقوا هؤلاء أزواجهم في الجنة. وهذا الأخير أظهر.
وقوله جلّ وعلا: ﴿ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النّار﴾ والعياذ بالله ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ من هذه الأمم ﴿لَّعَنَتْ
[ ٣ / ٢٢٣ ]
أُخْتَهَا﴾ إنما كانت أختها لأنها أختها في الديانة والملة والكفر بالله، وتكذيب الرسل، وكل شيئين متشابهين، أو متصاحبين تنسب العرب لهما الأخوة ومنه: ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: آية ٤٨] فالمتشابهان تسميهما العرب (إخوان) وكذلك المتصاحبان تسميهما (إخوان) وإنما كانت الأمة أخت الأمة لمشابهتها لها في الكفر والطغيان وتكذيب الرسل حتى مات الجميع على ذلك - والعياذ بالله - كما قال الله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: آية ٢٧] وهو معنى معروف في كلام العرب، وكل أمة كافرة أخت للكافرة، كما أنَّ الأمة المؤمنة أخت للأمة المؤمنة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: آية ١٠] وإنما لعنتها لأن بعض هذه الأمم يسن الضلال والكفر حتى يقتدي به الذين جاءوا من بعدهم -والعياذ بالله- فيلعنوهم لأنهم تَسَبَّبَ لهم بِالاقْتِدَاءِ بهم دخولُ النار، كما قال الله (جل وعلا) عن نبيه إبراهيم إنه قال لهم: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: آية ٢٥] وقال تعالى عنهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا﴾ [البقرة: الآيتان ١٦٦، ١٦٧] فهم يوم القيامة أعداء يلعن بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا، وهذا معنى قوله: ﴿كُلّمَا دَخَلَتْ أُمّةٌ﴾ [الأعراف: آية ٣٨] في النار ﴿لَعَنَت أُخْتَهَا﴾ أي: صاحبتها المماثلة لها في الضلال والكفر، وتكذيب الرسل؛ لأن بعض الأمم تبقى سننهم في الضلال والكفر فيقتدي بها من جاء بعدهم من الأمم -والعياذ بالله- فيلعنونهم لذلك.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
ثم قال جلَّ وعلا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا﴾ ﴿ادَّارَكُواْ﴾ أصله: تداركوا. والمعروف في علم العربية أن (تفاعل) و(تفعَّل) يكثر فيهما الإدغام واستجلاب همزة الوصل عند الإدغام (^١). فقوله: ﴿ادَّارَكُواْ﴾ أصله (تداركوا) ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: آية ٣٨] أصله (تثاقلتم) ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: آية ٧٢] أصله (فتدارءتم). وكذلك في (تفعَّل) كقوله: ﴿وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ [يونس: آية ٢٤] أصله (تزينت) ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ [النمل: آية ٤٧] أصله: (تطيرنا) وهذا الإدغام معروف في كلام العرب، ومثله في (تفاعل) كما هنا قول الشاعر (^٢):
تُولي الضَّجِيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرَا عذبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ
يعني: إذا ما تتابع القُبَلُ. ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: تلاحقوا وأدرك الآخِرُ الأول واجتمعوا في النار جميعًا - والعياذ بالله، أعاذنا الله منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل - شكا عند ذلك الوقت الأتباع الضعفاءُ رؤساءهم المتبوعين وقالوا لهم- أي لأجلهم؛ لأنهم يخاطبون الله ولا يخاطبون الرؤساء المتبوعين، قالوا يشكونهم لله (جلَّ وعلا)، ويطلبونه أن يزيد عليهم العذاب لإضلالهم إياهم-: ﴿رَبَّنَا﴾ معناه: يا ربنا، يا خالقنا وسيدنا ومدبر أمورنا، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الرؤساء من قادة الكفرة ﴿أَضَلُّونَا﴾ هم الذين أضلونا عن طريق الصَّواب، ومنعونا من اتباع الرسل ومن طاعتك وامتثال أمرك، فقد
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٦)، الدر المصون (١/ ٤٣٤)، (٥/ ٣١٣)، وراجع ما مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.
(٢) مضى هذا الشاهد عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
أطعناهم وزينوا لنا وقالوا لنا: أطيعونا نهدكم، واتبعونا نذهب بكم إلى الخير، ومكروا بنا حتى أضلونا عن طريقك فاتبعناهم فأهلكونا ﴿أَضَلُّونَا فَئاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: آية ٣٨] ﴿فَآتِهِمْ﴾ أعطهم عذابًا مضاعفًا، بأن تعذب الواحد منهم كعذاب اثنين، ويكون هذا العذاب المضاعف من النار، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب: آية ٦٨] وفي القراءة الأخرى: ﴿والعنهم لعنًا كَثِيرًا﴾ (^١) فسألوا الله أن يزيد عليهم العذاب، وأن يلعنهم، وشكوه بأنهم أضلوهم. ومحاججتهم مذكورة في آياتٍ كثيرة (^٢)،
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص: آية ٦٤] وبسطَها الله في سورة سبأ في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾ [سبأ: الآيات ٣١ - ٣٣] الآيات. فيوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا، ويسأل الأتباع أن يزيد الله الرؤساء المتبوعين عذابًا فوق عذابهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: آية ٨٨] فعند ذلك الوقت يتمنون الرجعة إلى دار الدنيا ليتبرؤوا منهم، وأن لا يدخلوهم النار ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
_________________
(١) انظر: النشر (٢/ ٣٤٩)، إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٣٧٨).
(٢) انظر: أضواء البيان (٢/ ٢٩٩) ..
[ ٣ / ٢٢٦ ]
اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: آية ١٦٦] فلما تبرأ المتبوعون من الأتباع تمنى عند ذلك الأتباع الرجعة إلى الدنيا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (لو) هنا تمنيًا، يا ليت لنا كرة. أي: رجعة ثانية إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ لما شكا الأتباعُ المتبوعين وقالوا لربهم: هؤلاء أضلونا فضاعف لهم العذاب عذابًا على الضلال وعذابًا على الإضلال.
قال الله مجيبًا لهم: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: آية ٣٩] لكل منكم ومنهم ضِعْف، أما ضعف المتبوعين الرؤساء فلا إشكال في مضاعفة العذاب عليهم؛ لأن ضِعْفًا على ضلالهم، وضِعفًا على إضلالهم؛ لأنهم هم الذين سنوا لهم الضلال «ومَنْ سنَّ سُنة سيئة فعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوْمِ القِيَامة لا ينقص ذلك مِنْ أوزَارِهِم شَيْئًا» (^١) وقد بيّن الله أن رؤساء الضلالة المتبوعين عليهم وزر ضلالهم ووزر إضلالهم في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: آية ١٣] وكقوله جل وعلا: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاء مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: آية ٢٥].
ومضاعفة العذاب على الرؤساء قادة الضلالة لا إشكال فيه ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني في أنفسهم ﴿وَصَدُّواْ﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِ الله
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث جرير (﵁) في العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ، حديت رقم: (١٠١٧)، (٤/ ٢٠٥٩)، وقد أخرجه في موضع قبله (٢/ ٧٠٤، ٧٠٥). كما أخرج نحوه من حديث أبي هريرة (﵁) برقم: (٢٦٧٤).
[ ٣ / ٢٢٧ ]
زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ عذابًا بكفرهم، وعذابًا بصدهم الناس عن سبيل الله ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: آية ٨٨].
أما مضاعفة العذاب للضعفاء الأتباع ففيها إشكال، وكثير من المفسرين لا يتعرضون لهذا الإشكال؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: آية ١٦٠] وهم لم يُضِلُّوا. وهذا إشكال معروف في هذه الآية. وهو مضاعفة العذاب للأتباع (^١).
فقال بعضهم: إنهم وإن كانوا أتباعًا فلا بد لهؤلاء الأتباع من ضعفاء أُخر، فالواحد يكون تبعًا لرئيسه في الضلالة، ولكنه يُضِلُّ امرأته وأولاده وبعض أقاربه، فمعهم هم أيضًا رئاسة في الضلال قليلة كل بحسبه، ويضاعف العذاب لكل بحسبه.
وقال بعض العلماء: مضاعفة العذاب للرؤساء بإضلالهم وضلالهم، ومضاعفته للأتباع بتقليدهم الأعمى، وتعصبهم للكفر، وعدم نظرهم في المعجزات البينات، والأدلة الواضحات التي جاءت بها الرسل، مع الكفر، فقد جمعوا بين التقليد الأعمى والإعراض عن سماع الحق، مع الكفر الذي ارتكبوه. هكذا قاله بعض العلماء.
وقوله: ﴿وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٨] قرأ هذا الحرف عامة القراء ماعدا شعبة عن عاصم: ﴿وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ﴾ بتاء الخطاب (^٢). والمعنى: أن لكل من أهل النار ضِعفًا بحسب عمله
_________________
(١) انظر: تفسير الألوسي (٤/ ١١٧)، القاسمي (٧/ ٧٦)، المنار (٨/ ٤١٤)، التحرير والتنوير (٨/ ١٢٣).
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٨.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
ولكنكم لا تعلمون قدر ما ينالونه من العذاب المهين وشدته وهوله وألمه. وفي قراءة شعبة عن عاصم: ﴿ولكن لا يعلمونَ﴾ ولكن لا يعلم الجميع أن لكل منهم ضِعْفًا من العذاب، كانوا لا يعلمون ذلك، ويوم القيامة سيعلمونه: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: آية ٤٧].
وهذه الآيات الكريمة تدل على أن المتبوعين في الضلالة، والأتباع في الضلالة، كلهم - والعياذ بالله - يضاعف لهم العذاب في النار، وهؤلاء الأتباع الذين يدعون على الرؤساء بقولهم: ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: آية ٦٨] وقوله هنا عنهم: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ لو ضاعف الله العذاب على الرؤساء ما كان ذلك ينفع الأتباع بشيء ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: آية ٣٩] عذاب هؤلاء لا ينفع هؤلاء (^١). وإذا كنتم أيها الناس تعلمون أن القرآن العظيم مصرِّح في آيات كثيرة بالخصومة بين أهل النار، بين الرؤساء والمرؤوسين - الأتباع والمتبوعين - وأنَّ مصير الجميع إلى النار، فاحذروا - رحمكم الله - أن تكونوا من رؤساء الضلالة والقادة إلى النار، واحذروا أن تكونوا من الأتباع الذين يتبعون الناعقين الداعين إلى الضلالة والنار، لئلا تكونوا من الفريقين. والمؤسف - والعياذ بالله - أن كفرة الإفرنج في هذا الزمن قادة وسادة في الضلال، يدعون الناس إلى الكفر والإلحاد في آيات الله، والطعن في الدين بأنه تقاليد قديمة لا فائدة فيها ولا تساير ركب الحضارة، ولا يمكن أن تنظم علاقات العالم بحسب تطورات الدنيا الراهنة.
وكثير من الخفافيش الذين ليس
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٠٠).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
عندهم نور العقل يتبعونهم - والعياذ بالله - ويقلدونهم في كل شيء، فيوم القيامة إذا ماتوا تبرأ أولئك الرؤساء الكفرة المُتَّبَوعُون من أولئك الأتباع الضعفاء المساكين العمي الذين يقلدونهم في كل ما يجرهم إلى النار، فعلى المسلمين أن يعلموا أن ما يسميه الإفرنج اليوم بالحضارة الغربية والتقدّم هو حقيقته الدعاء إلى الكفر بالله، والإلحاد في آياته، والطعن في كتابه وفي رسوله ﷺ فهم قادة النار، وسادة أهل جهنم الذين يتبعهم كثيرٌ من الرعاع الذين لا عقول لهم، ولم تتنور بصائرهم بنور الوحي، فهم أتباع لأولئك في طريق جهنَّم، وعن قريب يقف الجميع أمام الله وهؤلاء متبوعون سادة في الكفر، وهؤلاء أتباع مساكين مغرورون خدعهم أولئك حتى جروهم إلى الكفر بالله، والطعن في رسله وكتبه، والإلحاد في آياته، وزينوا لهم أن الدين مسخرة لا فائدة فيه، وبعضهم يقول لهم: إنه أفْيُون الشعوب. فيلحذر المسلم أن يكون من أتباع الكفرة إلى نار جهنَّم.
واعلموا أن هذا الذي يطلقون عليه اسم الحضارة والتقدُّم أنه شعار يحمل في داخله حقيقة الكفر والإلحاد بالله، والتمردُ على نظام السماء، والطعن في الدين، وفي الرسول ﷺ، والازدراء بالإيمان، والاستخفاف بأوامر الله ونواهيه، فهذا الشباب المنتشر في أقطار الدنيا الذي يقلد أولئك في كل ما يقولون ويفعلون ويعتقدون، مع أنهم يتسمون باسم المسلمين، هم أتباع، وأولئك متبوعون، ويوم القيامة قد علمتم مصير المتبوعين الداعين إلى النار، ومصير الأتباع الذين يتبعونهم، فعلى المسلم في دار الدنيا قبل أن تضيع عليه الفرصة أن لا يغتر باسم الحضارة واسم التمدن واسم التقدم، وأن ينظر في الوحي السماوي، وما هي أوامر رب العالمين الذي خلق
[ ٣ / ٢٣٠ ]
السماوات والأرض، وما هي نواهيه، فيخضع لأوامر ربه، ويمتثل أمر الله، ويجتنب نهيه، ويقتدي بالرسول الكريم ﷺ لئلا يكون تبعًا لكفرة فجرة يتبرؤون منه يوم القيامة ويندم، ويصير الجميع إلى النار.
ودين الإسلام الذي نتكلم باسمه - الذي هو تشريع رب العالمين جلّ وعلا - لا يمكن أن يكون صخرة تعثر في طريق التقدُّم، بل هو دين كل تقدم في كل ميادين الحياة، فدين الإسلام يدعو إلى التقدم والقوة في جميع ميادين الحياة، فما يخيله الكفرة الإفرنج مِنْ أنَّهُ دين ركود وجمود ودعةٍ وإخلاد إلى الأرض، وأن المتمسك به لا يمكن أن ينهض، ولا يساير ركب الحضارة، كلها فلسفات شيطانية لا أساس لها، تروّج على ضعاف العقول.
أما دين الإسلام فهو في حقيقة ذاته دين التقدُّم في جميع الميادين الحيوية، فيدعو إلى كل تقدم في جميع الميادين الحيوية، إلا أنه يُعَلِّمُ الناس أن هذه الدنيا ليست فوضى، وأن عليها ربًّا حكمًا عدلًا هو خالق كل شيء، ومدبِّر كل شيء، ومنه كل شيء، وإليه مصير كل شيء، هو الذي خلق هذه الأرض والبحار، ونصب هذه الجبال ورفع السماوات، وخلق هذا الخلق، وشق أعينهم، وصبغ بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفعل بهم ما هو معروف، هذا الرب هو الذي له السلطان الأكبر، والكلمة العليا، فلا يُصدَر إلا عن أمره، فهو (جلّ وعلا) الحقيق بأن يطاع فلا يُعْصى، وأن يذكر فلا يُنْسَى، وهو (جل وعلا) أنزل كتابًا مبينًا محفوظًا من كلامه (جل وعلا)، وسنة نبوية على نبي كريم، بيَّن فيها معالم الحياة، وأقام فيها أُسس الدنيا التي إذا مشت عليها قامت بالعدالة التي لا نظير لها،
[ ٣ / ٢٣١ ]
والأمن والطمأنينة والرفاهية، وانتظمت علاقاتها على أكمل وجه، مع إرضاء خالق السماوات والأرض، والعمل لدار الكرامة والخلود في الجنة في الدار الأخرى.
وإذا نظرتم في القرآن فإنه لا يدعو إلى الإخلاد والضعف والعجز، لا وكلَاّ، بل إنه يدعو إلى التقدُّم والقوة في جميع ميادين الحياة، اقرءوا آية: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: آية ٦١] فتجدوا نص هذه الآية الكريمة يأمر بإعداد القوة، وهو مساير للتطور مهما بلغ التطور، ولو مما لا يتصوره الإنسان، فالمتكاسل الذي لا يُعد القوة لرد الكفاح المسلح، وقمع أعداء الله، هو مخالف لنظام القرآن، غير ممتثل أمر الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
وإذا نظرتم في القرآن تجدونه يبين معالم السياسة، ومعالم الاجتماع، ومعالم الاقتصاد على أبدع الوجوه وأكملها في جميع مرافق الحياة.
فالسياسة الخارجية مثلًا يعرف العاقلون بالاستقراء أنها تتركز على أصلين:
أحدهما: إعداد القوة الكافية لرد الكفاح المسلَّح، وقمع الطغاة أعداء الإسلام. وفي هذا الأساس يقول الله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: آية ٦١].
الثاني: اجتماع الكلمة اجتماعًا صحيحًا حقًّا حول كلمة لا إله إلا الله، لا تتخلله عداوات، ولا مباغضات، ولا مداهنة بالكلام جوفاء مع العداوات الباطنة. والله يقول في هذا: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُم﴾ [الأنفال: آية ٤٦] ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا
[ ٣ / ٢٣٢ ]
تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: آية ١٠٣] فمن عمل بهذين الأصلين فأعد القوة الكافية، وكانت كلمة المسلمين حول تلك القوة كلمة واحدة، وصفًّا واحدًا لا يتخلله خلل ولا فشل، كانت قوتهم وافية، وكلمتهم عالية؛ وعدوهم يهابهم، ولا يستطيع أن ينتهكهم.
وبيانه للسياسة الداخلية من المحافظة على الأموال، والأعراض، والأنفس، والعقول، والأديان حتى يكون المجتمع في طمأنينة، ورَفَاهَةٍ، ورخاء، قد أشرنا إليه مرارًا (^١). فدين الإسلام دين التقدُّم في جميع الميادين، لا دين إخلاد إلى الأرض وضعفٍ وركود، بل هو دين تقدُّم في الميادين. وخذوا أمثلة في القرآن في ذلك:
اقرءوا إن شئتم آيتين من سورة النساء في صلاة الخوف، يقول الله فيهما: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: آية ١٠٢] وفي هاتين الآيتين: هذا وقت التحام الكفاح المسلَّح، والمفروض أن الرجال تنزل رؤوسهم عن أعناقهم!! وكتاب الله وقرآنه العظيم في هذا الوقت يُعلِّم تدبير الخطة العسكرية على أكمل الوجوه وأبدعها ليتسنى للمسلمين في ذلك الوقت الحَرِج، وذلك الامتحان العسكري أن يتصلوا بخالق السماوات والأرض، ويأتوا بأدب من آداب السماء، وتتصل أرواحهم بالله، وهو الصلاة في الجماعة في هذا الوقت الحَرِج.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
واقرءوا من سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا (^١) [الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ فقوله: ﴿فَاثْبُتُواْ﴾ تعليم عسكري سماوي، يأمر به خالق السماوات والأرض بالصمود في الميدان في خطوط النار الأمامية. وفي هذا الوقت الضنك يقول الله (جل وعلا): ﴿وَاذْكُرُواْ الله كَثِيرًا﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] هكذا فليكن المؤمن قويًّا في جميع الميادين، محافظًا على آدابه الروحية، متصلًا بربه صلة روحية؛ لأن الروح المهذبة على ضوء التعليم السماوي تقود المادة والقوة قيادة طبيعية حكيمة ليس بها ويلة على البشر.
[١٧/أ] ثم أنتم تعلمون في التاريخ أنه]، / لمّا حاصرهم الأحزاب في غزوة الخندق ذلك الحصار العسكري التاريخي العظيم، الذي نوَّه الله بشأنه، وذكر هوله وشدته في سورة الأحزاب في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي من الخوف ﴿وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: الآيتان ١٠، ١١] هذا ليس زلزال أرض، ولا أن المدينة تزلزلت أرضها وجبالها، ولكنه زلزال خوف وشدة هول من كثرة العدو وإحاطته وقوته، لما جاءهم هذا الأمر العظيم ماذا قابلوا به هذا الأمر العظيم؟! وهم في ذلك الوقت ضعاف في العَدد والعُدد، يقاطعهم جميع أهل الأرض في السياسة والاقتصاد، ليست بينهم روابط سياسية مع أحدٍ من أهل الدنيا في ذلك الحين، ولا روابط اقتصادية، وهو الوقت الذي رؤي فيه ﷺ يشدُّ حزامه على الحجارة من الجوع كما ذكره الأخباريون وأصحاب السير.
في هذا
_________________
(١) في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل، وتم استدراك النقص من كلام الشيخ (﵀) عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
الوقت العظيم لم يكن عندهم في ذلك الوقت من الأصدقاء إلا بنو قريظة من اليهود، كان بينهم وبينهم عهد، فعندما أحاط بهم الأحزاب نقضوا العهد وصاروا مع العدو عليهم كما هو معروف، فصار جميع أهل الدنيا أعداءً لهم، والقوة العسكرية محاصرة لهم، وهم في قلة من العَدَد والعُدد والجوع، ضعيف عسكرهم، ضعيف اقتصادهم، إلا أن قوتهم بالله قوة عظيمة هائلة، فما هو الدواء والعلاج الذي قابلوا به هذا الحصار العسكري التاريخي الهائل العظيم؟! هو الإيمان بالله، وصدق اللجوء إليه (جلّ وعلا)، كما قال الله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: آية ٢٢] ما زادهم قوة العدوّ، وإحاطته بهم، وكون الدنيا كُلًاّ أعداءهم إلا إيمانًا بالله، وتسليمًا لله، فنتيجة قوة هذا الإيمان وهذا التسليم عند هذه الشدائد العظيمة والكروب كان من نتائج ذلك الإيمان والتسليم ما قصه الله في محكم كتابه في قوله: ﴿وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا﴾ وختمها بقوله ﴿وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: الآيات ٢٥ - ٢٧] يعني إن كنتم ضعافًا فهو جلّ وعلا ليس بضعيف بل هو قدير على كل شيء، لا يخذل أولياءه الذين يُسَلِّمُون له، ويؤمنون به إيمانًا قويًّا.
ومما يدّل على هذا المعنى أنه لما قيل للنبي ﷺ في غزوة الحديبية - معتمرًا عام ست في ذي القعدة، قيل له: إن عثمان بن عفان قُتل - لما أرسله بالهدايا إلى البيت - ثم بايعه أصحابه بيعة الرضوان تحث
[ ٣ / ٢٣٥ ]
شجرة الحديبية البيعة المشهورة، وكانوا وقت بيعتهم تحت الشجرة علم الله من قلوبهم الإيمان الكامل، والإخلاص التامّ الذي ينبغي، كما شهد الله لهم به في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: آية ١٨] فَنَوَّه عما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص بالاسم المُبْهم الذي هو الموصول، لمَّا علم من قلوبهم الإيمان والإخلاص لله كما ينبغي كان من نتائج ذلك الإخلاص والإيمان الذي علمه في قلوبهم ما قصه علينا في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: آية ٢١] فصرح أن إمكانياتهم العَدَدية والعُددية لم تُقْدِرْهُم عليها، ثم قال: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾ أي: فأقدركم عليها وجعلها غنيمة لكم. ثم ختمها فقال: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ إن كنتم ضِعَافًا فالله ليس بضعيف، وإن كنتم غير قادرين فالله (جلّ وعلا) قادر، والمتمسك بدين الإسلام لا يُغلب ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٤٩] والقرآن لا يدعو إلى الإخلاد، ولا الخمول، ولا التأخر، وإنما يدعو إلى القوة والكفاح، والتقدم في جميع الميادين.
فالذين يأخذون من الإفرنج قشور حضارتهم من الكفر والإلحاد والانحطاط الخُلقي، والتمرّد على نظام السماء، ولا يأخذون من القوة التي عندهم شيئًا، ويضعون على الإسلام أنه دين ركود، ولا يساير التطور، ويمنع التقدم، كلها فلسفات شيطانية لا أساس لها، بل دين الإسلام يأمر بالتقدم والقوة في جميع الميادين، ويأذن بأن تأخذ دنياك التي تحتاج إليها من كل برّ وفاجر، فلا مانع عند دين الإسلام من أن تأخذ حاجتك الدنيوية المحضة التي لا تمت إلى
[ ٣ / ٢٣٦ ]
الدين بصلة أن تأخذها من الكافر الخنزير الخسيس.
وقد بيّنا مرارًا (^١) أننا نذكر ثلاثة أمثلة لهذا لنبين للناس مرانة دين الإسلام، وأنه ليس بدين خمول ولا دين تأخر، بل هو دين كفاح، ودين قوة، ودين تقدم في جميع الميادين، والنصر يأتي فيه من السماء لأن أهله يربون أرواحهم على ضوء تعليم الله (جلّ وعلا)، ويتصلون بخالقهم، فهم حزبه، وهم جيشه، وهو ناصرهم (جلَّ وعلا) على عدوهم، ومما يدل على أن دين الإسلام لم يمنع أخذ الأمور الدنيوية حتى ولو من الكفرة الفجرة: أن نبينا ﷺوهو القدوة لنا صلوات الله وسلامه عليه- لما تعاونت عليه قوى الشر، واجتمع عليه جميع قريش، ودبّروا خطتهم أن يأتيه -مثلًا- رجل من كل قبيلة، فيضربوه ضربة واحدة، فيتفرق دمه في قبائل قريش، فيقبل أولياؤه الدية. ودبّروا هذه الخطة، واضطر ﷺ للخروج مهاجرًا، ودخل هو وصاحبه في غار، كما قصه الله في تاريخ القرآن في سورة براءة ﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: آية ٤٠] وجد في ذلك الوقت خبيرًا كافرًا عنده خبرة دنيوية، ولكنه هو كافر، وهذا الخبير يسمى عبد الله بن الأريقط الدؤلي، من بني دؤل من كنانة، عنده خبرة دنيوية وهو كافر، فالنبي ﷺ لمرانته وقوته وعلمه بمصالح الدنيا والآخرة لم يمتنع من الانتفاع بخبرته الكافرة بسبب كفره، بل أعطاه الركائب -مراكبه هو ومن معه- وقال: في الوقت الفلاني تعال عندنا واسلك بنا طريقًا غير معهودة؛ لأن الطرق المعهودة عليها العيون والرصد من كفار قريش، وقد جعلوا الجعائل لمن يأتيهم
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
به ﷺ، فجاءه ابن الأريقط، وصار مع كفره أمينًا في المعاملة، وجاءهم بمراكبهم في الوقت المعيّن، وذهب بهم في طريق غير مسلوك إلى جهة الساحل، حتى أوصلهم المدينة بسلام (^١)،
وحاشا بهم الطرق المعروفة التي عليها العيون والرصد، فهذا انتفاع من النبي ﷺ بخبرة خبير كافر، ولم يمنعه كفره من أن ينتفع في دنياه بتلك الخبرة على حدّ قولهم: (اجتنِ الثمار وألْقِ الخشبة في النار) (^٢).
وكذلك لما حاصرهم المشركون ذلك الحصار العسكري المنوَّه عنه آنفًا في الأحزاب - كما ذكر أصحاب السير، وأصحاب الأخبار (^٣) - أن سلمان الفارسي قال له: كنا يا رسول الله إذا خفنا خندقنا. فالخندق أشار إليه سلمان، وبيّن أنه خطة عسكرية ابتكرتها أذهان الفرس، وهم إذ ذلك مجوس يعبدون النار، فلم يمنع النبي ﷺ من الانتفاع بتلك الخطة العسكرية أن الأذهان التي ابتكرتها أذهان كفرة فجرة يعبدون النار وهم الفرس، بل جعل ذلك الخندق واستعان به على القوم، فهذه خطة عسكرية أصلها للكفار، وانتفع بها النبي ﷺ في دنياه وهو مرضٍ ربه.
وكذلك قد ثبت في صحيح مسلم (^٤) أن النبي ﷺ همّ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن الرجل إذا أتى امرأته وهي ترضع ولدها أن غشيانه أم الولد وهي ترضعه أن ذلك
_________________
(١) السابق ..
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
يضعف عظمه، ويترك فيه ضعفًا قويًّا وكان الرجل إذا ضرب بالسيف ونبا السيف عن الضريبة ولم يقطع قالوا: هذا من الغِيْلَة!! يعنون أنه وُطِئَت أمه وهي ترضعه!! كانوا يذمون هذا، وكان شاعرهم يقول (^١):
فَوَارسُ لم يغالُوا في رضَاعٍ فتَنْبُو في أكُفِّهمُ السُّيوفُ
فأخبرته فارس والروم بأنهم يفعلون هذا ولا يضرُّ أولادهم، فأخذ به ﷺ.
فتراه أخذ بخبر خبيرٍ كافر، وأخذ بخطة عسكرية كافرية، وأخذ بخطة طبية كافرية، لم يمنعه من الانتفاع بالدنيا أن أصل هذا من الكفار، وهذا من مرانة دين الإسلام، وكونه ليس دين خمول ولا دين ضعف، بل هو دين تقدم في جميع ميادين الحياة. والشاهد أن ما يوسوس به الشيطان ويفلسف به أعداء الإسلام أن الإسلام ليس دين تقدم، وأنه لا يساير ركب الحضارة، كله فلسفات شيطانية يروّجونها على ضعاف العقول لينسلخوا من الدين. أما دين الإسلام فهو في حدّ ذاته دين التقدم، ودين القوة، ودين التقدم في جميع الميادين، ودين الكفاح، ودين قمع أعداء الله بالقوة حتى يذلوا ويصغروا وتكون كلمة الله هي العليا. هذا دين الإسلام. والذين يتخذون دين الإسلام هزؤًا، وأنه تقاليد قديمة لا تنفع الآن، ولا تساير ركب الحضارة، فقادته ورؤساؤه في ذلك كفرة الإفرنج، وسيحشر الجميع يوم القيامة أتباعًا ومتبوعين يقع فيهم ما ذكر الله في هذه السورة الكريمة في رؤساء الكفر وأتباعهم والعياذ بالله جلّ وعلا.
_________________
(١) السابق.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
فعلى كل مسلم ألا يغتر بالشعارات الزائفة، والكلمات المضلة التي تحمل في وسطها الكفر والإلحاد، والتمرد على الله من اسم الحضارة، واسم التمدُّن، واسم التقدم، فإن هذه شعارات هي في حقيقتها المقصودة عند أهلها الذين جاءوا بها تحمل الطعن في الدين، والإلحاد في آيات الله، والكفر بالله، وتحمل كل شر وطغيان فيها والعياذ بالله. فعلى شباب المسلمين أن لا يغتروا بها، ولا يجعلوا الكفرة الفجرة الخنازير سلفهم ومتبوعيهم؛ لئلا يقع بهم ما يقع بالأتباع والمتبوعين من دعاة النار والعياذ بالله، وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٨].
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾.
لما شكا الأتباع من المتبوعين، وقالوا لربهم: ﴿هَؤُلاء أَضَلُّونَا﴾ قرأ ﴿هؤلاء يضلونا﴾ بإبدال الهمزة الأخيرة ياءً نافِعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو، وقرأ الباقون: ﴿هَؤُلاء أَضَلُّونَا﴾ بتحقيق الهمزتين (^١). لما قال الأتباع هذا، وشكوا المتبوعين، وسألوا الله أن يضاعف عليهم العذاب، وهم المراد بقوله: ﴿أُخْرَاهُمْ﴾ لأن الأتباع يدخلون النار متأخرين؛ لأن الرؤساء أعظم منهم ذنبًا فـ ﴿أُخْرَاهُمْ﴾ في دخول النار، أو ﴿أُخْرَاهُمْ﴾ درجة في الكفر هم الأتباع، و﴿أُولَاهُمْ﴾ دخولًا في النار، وفي مرتبة الكفر: هم
_________________
(١) انظر: إتحاف فضلاء البشر (١/ ١٩٦)، (٢/ ٤٨).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
الرؤساء المتبوعون (^١). أجاب الرؤساء المتبوعون: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ﴾ أي: أولى الأمم، الرؤساء المتبوعون، وهم سادة الكفر العظام الذين دخلوا النار أولًا ﴿لأُخْرَاهُمْ﴾ قالوا: ﴿لأُخْرَاهُمْ﴾ اللام: لام التبليغ؛ أي: للأتباع الذين شكوهم وطلبوا أن يزيد الله مضاعفة العذاب عليهم ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْل﴾ الظاهر أن الفاء هي التي يقولون لها: (الفصيحة). إن شكوتمونا وسألتم لنا ضِعْف العذاب فما لكم علينا من فضل، أنتم في النار عملتم في الدنيا بالكفر كما عملنا وستخلدون في النار كما خلدنا -والعياذ بالله- وهذا معنى: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْل﴾ فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكسبون في دار الدنيا، كما قال الله عنهم إنهم قالوا: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ﴾ [سبأ: آية ٣٢] يعنون: الرسل جاءتكم بآيات واضحات، ومعجزات، وكتب سماوية، ونحن ما جئناكم بشيء، فَلِمَ تتبعونا وتتركون الحق واضحًا فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ بسبب الذي كنتم تكسبونه في دار الدنيا.
ثم قال (جلّ وعلا) بعد أن ذكر ما للكفار - أتباعهم ومتبوعيهم - من عذاب النار، ومضاعفة العذاب -والعياذ بالله- قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾ [الأعراف: آية ٤٠] من الأتباع والمتبوعين الكفرة ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ قرأ هذا الحرف أبو عمرو: ﴿لَا تُفْتَحُ لهم أبواب السماء﴾ بالتاء الفوقية مع التخفيف. وقرأه حمزة والكسائي: ﴿لَا يُفْتَح لهم أبواب السماء﴾ وقرأه الباقون وهم
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤١٧، ٤١٩)، القرطبي (٧/ ٢٠٥)، ابن كثير (٢/ ٢١٢).
[ ٣ / ٢٤١ ]
(نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم): ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ ففي الكلمة الكريمة ثلاث قراءات سبعيات (^١): ﴿لا يُفْتَح لهم أبواب السماء﴾ وهي قراءة حمزة، والكسائي. ﴿لا تُفْتَحُ لهم أبواب السماء﴾ وهي قراءة أبي عمرو. ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ وهي قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر. هذه القراءات الثلاث معناها واحد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ وجحدوا أنها من عند الله، وتكبروا عن العمل بها من الكفار أتباعهم ومتبوعيهم قبحهم الله ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾. في عدم فتح أبواب السماء لهم أقوال متقاربة معروفة، لا يكذب بعضها بعضًا، وهي كلها حق (^٢)، قال بعض العلماء: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ فيرفع لهم منها عملٌ صالح؛ لأن أعمالهم مردودة إلى الله، كما قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: آية ١٠] والكفار ليس عندهم عملٌ صالح يرفع كَلِمَهم، وليس عندهم كَلِمٌ طيب، قالوا: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ لترفع أعمالهم الصالحة إلى الله. وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ لاستجابة دعواتهم؛ لأن دعواتهم مردودة ﴿وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: آية ١٤] وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ أي: لا تنزل إليهم البركات والرحمات من الله (جل وعلا) نازلة مفتحة لها أبواب السماء لكفرهم. وكل هذه الأقوال حق. وذهب جماهير من المفسرين أن معنى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾ لأرواحهم عند الموت ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ والآية تشمل هذا كله. لا تفتح لأعمالهم أبواب السماء فترفع،
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٨.
(٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٢١)، القرطبي (٧/ ٢٠٦)، ابن كثير (٢/ ٢١٣).
[ ٣ / ٢٤٢ ]
ولا تفتح لدعواتهم أبواب السماء لأنها غير مستجابة، ولا تفتح لهم أبواب السماء بالبركات، ولا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا.
وحديث البراء المشهور المعروف عند العلماء يستدل به المفسرون على دخول القول الأخير في الآية؛ لأن حديث البراء المذكور أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وغير واحد عن البراء: أن النبي ﷺ أنهم خرجوا معه في جنازة أنصاري، وجلس ﷺ قبل أن يُلحد الأنصاري، وأمرهم أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، ثم ذكر لهم حال الميت المسلم والميت الكافر، فقال ﷺ ما حاصله وملخَّصه: إن الإنسان المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، عندهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتسيل نفسه كما تسيل القطرة من فمِ السِّقاء، فإذا سالت أخذها فلم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، فتخرج منها ريح كأحسن ما يكون من نفحة مسك على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء، كلما مروا بملأ من الملائكة قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ قالوا: هذا فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا. حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله (جل وعلا): اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فَترد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله. فيقولان: وما دينك؟
[ ٣ / ٢٤٣ ]
فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ. فيقولان: وما علّمك هذا؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة يأتيه رَوْحُها ونعيمها.
ثم إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح - والمسوح: جمع مِسْح وهو الثوب الخلق البالي الخبيث الخشن السيئ والعياذ بالله- فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول: أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط وغضب من الله (جل وعلا). فتتفرّق روحه في جسده، فينزعها من جسده كما يُنزع السفود من الصوف المبلول، فإذا أخرجها لم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها ريح كأنتن جيفة وُجدت على وجه الأرض؛ ثم يصعدون بها إلى السماء كلّما مرت على ملأ من الملائكة قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ قالوا: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء فيستفتحوا له فلا يؤذن له -والعياذ بالله- وتطرح روحه طرحًا، وفي حديث البراء المذكور أن النبي ﷺ قرأ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: آية ٤٠] وأنه عند طرح روحه قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: آية ٣١] وفي القراءة الأخرى (^١) ﴿فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ثم ترد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويسألانه ويقولان: من
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٧.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار. وفي بعض روايات الحديث: أنه يُسلط عليه أعمى أبكم، عنده مرزبة من حديد لو ضَرب بها جبلًا لبقي ترابًا. يضربونه فيصرخ صرخة يسمعها كل الناس إلا الثقلين والعياذ بالله جل وعلا (^١). وحديث البراء هذا جاءت بمثله أحاديث تدل على أن السماوات () (^٢).
﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ التحقيق أن المراد بالجمل هنا هو البعير زوج الناقة المعروف. وعن ابن مسعود أنه سأله رجل عن الجمل هنا فاستهجن سؤاله وقال له: الجمل هو زوج الناقة (^٣). كأنه يستهجن سؤاله، وأن هذا لا ينبغي أن يُسأل عنه.
والمراد بـ (السَّم) هو الثقب. و(الخِيَاط): الإبرة، والمعنى: أن الجمل -وهو البعير الضخم الكبير- لا يمكن أن تُدخله من ثقب إبرة الخياطة هذه، لا يمكن أن تدخل من وسطها جملًا بعِظَمِه وتفرّق قوائمه. فالجمل لا يدخل في ثقب إبرة أبدًا، فهم لا يدخلون الجنة أبدًا. فهذا أسلوب عربي معروف، يعلقون الشيء على ما لا يكون، فيدل على أنه لا يكون، فيقولون: لا يقع كذا حتى يقع كذا. فيكون
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨) من هذه السورة.
(٢) في هذا الموضع وجد انقطاع في التسجيل.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٩٩)، وسعيد بن منصور (التفسير)، (٩٤٨، ٩٥١)، (٥/ ١٣٨، ١٤١)، وابن جرير (١٢/ ٤٢٨، ٤٢٩)، والدولابي في الكنى (٢/ ١٥١)، والطبراني في الكبير (٨٦٩١، ٨٦٩٢)، (٩/ ١٥١).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
وقوع الشيء محالًا، وهو أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^١):
إذا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أهْلِي وَصَارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ
القار: الزفت، وهو لا يَبْيَضُّ أبدًا، والغراب لا يشيب أبدًا. ومنه قول بشر بن أبي خازم (^٢):
فرَجِّي الخَيْرَ وانْتَظِرِي إِيابِي إِذَا مَا القَارِظُ العَنَزِيُّ آبَا
والقارظان العَنَزِيَّان لا يؤوبان أبدًا. وهذا أسلوب عربي معروف. والتحقيق أن المراد بالجمل هنا هو الجمل المعروف من الإبل، وأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يضربون [المَثَل] (^٣) في العظم بالجمل كما قال الشاعر (^٤):
جِسْمُ الجمال وأحلامُ العصافيرِ
وقال (جلَّ وعلا) في شرر النار: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْر (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ [المرسلات: الآيتان ٣٢، ٣٣] وفي القراءة الأخرى (^٥): ﴿كأنه جِمالات صفر﴾ هذا هو التحقيق، وأن المعنى: أنهم لا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل -البعير- الضخم الكبير
_________________
(١) البيت في النكت والعيون للماوردي (٢/ ٢٢٣)، الدر المصون (٥/ ٣٢٠)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٤٧٥).
(٢) البيت في القرطبي (٣/ ٥٠)، اللسان (مادة: رجا) (١/ ١١٣٨)، وفي (مادة: قرظ)، (٣/ ٦٣) وفيه مناسبة البيت والمُراد بالقارظين.
(٣) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
(٤) البيت لحسان، وهو في ديوانه ص١٢٩، والمثبت في الديوان: «جسم البغال» وصدره: «لا بأس بالقوم من طول ومن عِظَم».
(٥) انظر: المبسوط لابن مهران ص٤٥٧.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
مع عظمه وتفرُّق قوائمه حتى يدخل من ثقب إبرة الخياطة، وهذا لا يكون أبدًا!! فدخولهم الجنة لا يكون أبدًا. وهذا أسلوب عربي معروف. وهذا هو التحقيق.
والقراءات الكثيرة التي تروى هنا عن السلف: ﴿حتى يلج الجُمَّل﴾ ﴿حتى يلج الجُمَل﴾ ﴿حَتَّى يَلِجَ الجُمْلُ﴾ وغيرها من القراءات كلها قراءات شاذة. ومعانيها لا يعتمد عليها (^١)؛ لأنهم رووا عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الجُمَّل فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ وزعموا أن المراد بالجُمَّل هو الحبال الغليظة التي تجر بها السفينة، وأن هذه لا تدخل في عين الإبرة. فكل القراءات التي تشير إلى الجُمَّل، أو إلى الجُمَل، أو إلى الجَمْل، أو إلى الجُمْل، وغير ذلك من أنها حبال غليظة لا يمكن أن تدخل في الإبرة، كلها لا معوّل عليها، لأنها قراءات شاذة، ومعانيها غير صحيحة. والتحقيق هو قراءة الجمهور التي عليها السبعة بل والعشرة ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: آية ٤٠] أي: حتى يدخل البعير الضخم العظيم في ثقب الإبرة. وهذا لا يكون أبدًا، فدخولهم لا يكون أبدًا. كقول الشاعر (^٢):
إذا شَابَ الغرابُ أتيت أهلي وصار القارُ كاللّبن الحَليِبِ
فالغراب لا يشيب أبدًا، والقار -وهو الزفت- لا يَبْيَضُّ أبدًا، فلا آتي أبدًا.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٢٨، ٤٣١، ٤٣٣)، القرطبي (٧/ ٢٠٧)، المحتسب (١/ ٢٤٩).
(٢) مضى قريبًا.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
وهذا هو معنى قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ كذلك العذاب -والعياذ بالله- وإدخال النار، وتحريم الجنة ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ المجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو فاعل الإجرام، والإجرام: ارتكاب الجريمة، والجريمة في لغة العرب (^١): الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال، ومادته تكون رباعية وثلاثية، تقول: (أجرم) إذا ارتكب الجريمة. وتقول العرب: (جَرَمَ) ثلاثيًّا، والثلاثي لم يرد في القرآن، ولم يرد في القرآن إلا بصيغة الرباعي ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [المطففين: آية ٢٩] ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود: آية ٣٥] ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ كله بصيغة الإجرام بالرباعي. أمّا (جرم) الثلاثي فهو مسموع في اللغة وغير موجود في القرآن. ومن أمثلته في اللغة قول الشاعر (^٢):
وننصُرُ مولانَا ونعلم أنَّهُ كما الناسُ مجرومٌ عليهِ وجارمُ
لأن (المجروم) مفعول و(الجارم) فاعل، والمفعول والفاعل لا يأتيان إلا من الثلاثي كما هو معروف في فنِّ التصريف. وهذا معنى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.
ثم قال: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ﴾ أي: من النّار ﴿مِهَادٌ﴾ المهاد: الفراش. فراشهم من النار ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الغواشي: جمع غاشية، والغاشية: هي اللحاف الذي يتغطى به الإنسان. معناها: لُحُفُهم التي تغطيهم من النار، وفرشهم التي تحتهم من النار والعياذ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
بالله (^١). وهذا معنى قوله: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: آية ٤١] ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الواضعين العبادة في غير موضعها، كالمشركين والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ [الأعراف: الآيات ٤٢ - ٤٦].
يقول الله جلّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ٤٢، ٤٣].
لما بيَّن (جلّ وعلا) ما أعدَّ للكفار من العذاب الأليم، وأنه يدخلهم جميعهم النار، وأنهم يلعن بعضهم بعضًا -والعياذ بالله- ويطلب الأتباع زيادة مضاعفة العذاب للمتبوعين، لما بين -والعياذ بالله- ما يناله أصحاب النار من العذاب، وهم الكفرة العتاة
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
المتمردون، والذين يجاهرون بمعاصي الله -جلّ وعلا- لما بيَّن ما للعصاة والكفار من الوعيد، بين ما للمطيعين المؤمنين من الوعد الكريم، وجرت العادة في القرآن أن الله يجمع بين الوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين هما: اجتلاب النفع، واجتناب الضر. فبين ما للمتقين من النفع يوم القيامة، وما للذين لم يتقوا من العذاب والنكال، ليكون الخوف والطمع حافزين للإنسان في دار الدنيا على طاعة الله. ومن أمثال العرب: (سوط وتمرة) (^١) يعنون بالسوط: الشيء المؤلم الذي يُخاف. وبالتمرة: الشيء الحلو الذي يرغِّب، وهذا كثيرٌ في القرآن -الجمع بين الوعد والوعيد- كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: الآيتان ٤٩، ٥٠] وكقوله: ﴿حم (١) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: الآيات ١ - ٣] وكقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: آية ٦] والآيات بمثل ذلك كثيرة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [الأعراف: آية ٤٢] القاعدة المعروفة عند العلماء أن الإيمان إذا لم يعطف عليه العمل الصالح يشمل جميع خصال الدين من اعتقاديات وعمليات. فالإيمان على مذهب أهل السنة والجماعة قول وعمل، وإذا أُفرد الإيمان شمل جميع مسائل دين الإسلام من الاعتقاد والعمل (^٢). وقد بيَّن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أن الإيمان «بِضْعٌ -في بعض
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٧) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
الروايات: وسَبْعُونَ شُعْبَةً، وفي بعضها:- وسِتُّونَ شُعْبَةً، أعْلاهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (^١) فسمى إماطة الأذى عن الطريق إيمانًا، وهو من الأعمال. وفي الحديث: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمانًا » الحديث (^٢). فسمى الصوم إيمانًا «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسَابًا » (^٣) الحديث، فسمى صلاة ليلة القدر إيمانًا ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: آية ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. وأمثال هذا كثيرة جدًّا.
أما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله هنا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [الأعراف: آية ٤٢] فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى رُكْنِهِ الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله ﷺ، وبكل ما يجب الإيمان به مما بينته السنة الصحيحة والقرآن العظيم؛ لأن العمل هنا نُصَّ عليه في قوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ولو لم يُنص على العمل لدخل في الإيمان؛ لأن القلب إذا آمن إيمانًا صحيحًا تبعه جميع -سائر- الأعضاء؛ لأن القلب أمير البدن، إذا تَوَجَّهَ إلى جِهَة وجَّه إليها البدن، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (^٤).
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٢٥١ ]
وقوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم، وظهرت آثار ذلك الإيمان في القلوب على الجوارح، فعملت الجوارح بطاعة الله جل وعلا.
وقوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ معناها: عملوا الفعلات الصالحات. والعمل الصالح ضابطه عند العلماء: هو (^١) ما استكمل ثلاثة أمور، فكل عمل استكملت فيه هذه الأمور الثلاثة فهو صالح، وكل عمل اختل فيه واحدٌ منها أو أكثر، فهو عمل غير صالح:
الأول من هذه الأمور الثلاثة: أن يكون ذلك العمل مطابقًا لما جاء به النبي ﷺ؛ لأن الله لا يقبل التقرُّب إليه بغير ما شرع، فكل مَنْ تَقَرَّبَ إلى الله بعمل لم يشرعه الله على لسان نبيه ﷺ فعَمَلُهُ مَرْدُود عليه، وذلك التقرُّب لا يزيد من الله إلا بُعْدًا. فلو قال جاهل مثلًا: إن صلاة الصبح ركعتان، فهي قليلة، فأنا أريد أن أزيد بركعة تقربًا لله، فيجعلها ثلاثًا كالمغرب، فإنها تبطل وتُرد عليه، ويضرب بها وجهه؛ لأنه جاء بها على غير الوجه الذي جاء به النبي ﷺ. فلا يزيد ولا ينقص، فالزيادات على ما شرعه الله بدعوى التقرب هي باطلة. مثالها عند العلماء كالورم، فهو زيادة في العين بأن يكون العضو كبيرًا وهو في الحقيقة نقصان؛ لأنه ألمٌ وفَسَادٌ، فالذي ينبغي هو اتباع سُنَّتِهِ ﷺكما ينبغي طبق الأصل- من غير أن يزيد وأن لا ينقص. فهذا هو الأول من الأمور الثلاثة، أن يكون مطابقًا لما جاء به الرسول ﷺ؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
فَانتَهُوا﴾ [الحشر: آية ٧] ويقول: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: آية ٨٠] ويقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ [آل عمران: آية ٣١].
الثاني: أن يكون ذلك العمل فيما بين العَبْدِ وَرَبِّهِ؛ أي: في نية العبد الباطنة التي لا يطلع عليها إلا الله: أن يكون مخلصًا ذلك العمل لله لا يشرك معه فيه غيره. فإن كان ذلك العمل -في نية العبد وباطنه الذي لا يعلمه إلا الله- غير خالص لله فليس بعمل صالح، وإنما هو عمل طالح؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: آية ٥] فالذي عَبَد الله بغير الإخلاص له جاء بما لم يؤمر به، والله يقول: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: آية ١١] وفي الآية الأخرى: ﴿مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾ [الزمر: آية ١٥].
فالأول: مطابقة الشرع في الظاهر.
والثاني: الإخلاص من العبد فيما بينه وبين الله في السر الذي لا يعلمه إلا الله.
والثالث: أن يكون ذلك العمل مبنيًّا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العقيدة الصحيحة كالأساس، والعمل كالسقف، فإذا وجد السقف أساسًا ثبت عليه، وإن لم يجد أساسًا انهار، فالذي ليس عنده عقيدة صحيحة لو عمل الأعمال المطابقة، وأخلص فيها لله لا تنفعه في الآخرة؛ لأنها لم تُبْنَ على أساس؛ ولهذا يقول الله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: آية ١٢٤] فيشترط الإيمان بالعقيدة
[ ٣ / ٢٥٣ ]
الصحيحة. ويقول في عمل غير المؤمن: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: آية ٢٣] ويقول في أعمال غير المؤمنين: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ [إبراهيم: آية ١٨] وفي آية: ﴿كَسَرابٍ﴾ [النور: آية ٣٩] فأعمالهم باطلة -والعياذ بالله- فالكفار الذين لا عقيدة لهم ولا إيمان بالعقيدة الصحيحة قد يعملون أعمالًا صالحة يريدون بها وجه الله، كأن يبرّ الواحد والديه، وينفس عن المكروب، ويقري الضيف ويعين المظلوم، فهذه أعمال صالحة أخلص فيها لله ولكنها لا تنفعه يوم القيامة؛ لأنها لم تبُنَ على أساس عقيدة صحيحة، وإيمان بما يجب الإيمان به في الكتاب والسنة، لكن أعمال الكفار إن وقعت في الدنيا صالحة مطابقة للشرع مخلصون فيها يثيبهم الله بها في دار الدنيا؛ لأن الله لا يضيع عنده شيء، كما قال جل وعلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [وَهُمْ فِيَها لَا يُبْخَسُونَ (١٥)] [٧/ب] /أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: الآيتان ١٥، ١٦] وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس (^١) أن الله (جلَّ وعلا) يطعم الكافر بحسناته في الدنيا حتى يرد على الله يوم القيامة ولا جزاء له.
وهو أحد التفسيرين في قوله (جل وعلا): ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: آية ٣٩] فأحد التفسيرين: فوفاه حسابه في دار الدنيا، يعني: عمل الكافر بالعافية والمال والرزق والتنعم في الدنيا على أحد القولين كما سيأتي.
_________________
(١) مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا حديث رقم (٢٨٠٨)، (٤/ ٢١٦٢).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
فحيث اجتمعت هذه الأمور الثلاثة - بأن كان العمل مطابقًا للشرع، وصاحبه مخلص فيه فيما بينه وبين الله، وكان صاحبه بانيه على عقيدة صحيحة - فهذا عمل صالح ينفعه يوم القيامة، وهو الذي وعد الله أهله بالجنة في هذه الآية التي نحن بصددها وغيرها من الآيات، وحيث اختل أحد تلك الأمور الثلاثة لم يكن عملًا صالحًا كما بَيَّنَّا.
وقوله: ﴿الصَّالِحَات﴾ [الأعراف: آية ٤٢] أصله يستشكل طالب العلم: ما مفرد الصالحات؟ لأن العمل الصالح لا يجمع على صالحات. وإذًا فما مفرد الصالحات؟
والتحقيق أن مفرد الصالحات: صالحة؛ لأن العرب تسمي الخصلة (^١) الطيبة: حسنة، وتسميها: صالحة. وهذا معروف في كلامهم، تقول مثلًا: فعل فلان حسنة، وفعل صالحة. كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بالحَسَنَةِ﴾ [االأنعام: آية ١٦٠] أي: بالخصلة الحسنة، وكذلك من فعل الصالحة كالحسنة، أي: هي الخصلة الطيبة التي ترضي الله. وهذا معروف في كلام العرب. ومن إطلاق الصالحة على الخصلة الطيبة: قَوْلُ أبي العاص بنِ الرَّبِيع في زَوْجِهِ زينب بنت رسول الله ﷺ في أبياته المشهورة (^٢):
ذَكَرْتُ زَيْنَبَ بَالأَجْزَاعِ مِنْ إِضَما فَقُلْتُ سَقْيًا لِشَخْصٍ يَسْكُنُ الحَرَمَا
بِنْتُ الأَمِينِ جَزَاكِ اللهُ صَالِحَةً وَكُلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِالَّذِي عَلِمَا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٦٠) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
فقوله: «صالحة» أي: خصلة حسنة. ومنه بهذا المعنى قول الحطيئة (^١):
كيفَ الهجاءُ ولا تنفكُّ صالحة من آل لأْمٍ بظهرِ الغَيبِ تَأْتِينِي
يمدح بني لأم من الطائيين يقول:
كيفَ الهجاءُ ولا تنفكُّ صالحة
أي: فعلة صالحة طيبة.
من آلِ لأْمٍ بظهرِ الغيبِ تأتيني
وسُئِل أعرابي فقيل له: ما الحب؟ فقال (^٢):
الحُبُّ مَشْغَلةٌ عَنْ كُلِّ صَالحةٍ وسَكْرَةُ الحُبِّ تَنْفِي سَكْرَةَ الوَسَنِ
وقوله: «عن كل صالحة» أي: كل خصلة طيبة. فمعنى ﴿وَعمِلُوا الصَّالحَاتِ﴾ [الأعراف: آية ٤٢] فعلوا في دار الدنيا الفعلات - الخصلات - الطيبات من كونها مطابقة للشرع، وكون فاعلها مخلصًا فيها لله، مبنية على عقيدة صحيحة، وإيمان صحيح بالله وبِرُسُله، وبكل ما يجب الإيمان به.
وقوله: ﴿لَا نُكَلّفُ نَفسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: آية ٤٢] جملة اعتراضية بين المبتدأ وخبره، واعتراضها هنا من ألطف شيء؛ لأن الله لمَّا بين أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلون الجنة كأنه قال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة، هم فيها خالدون. فكأن الإنسان يخطر في ذهنه أولًا: الجنةُ مع عظمها وما
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٦٠) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
فيها من الملاذ والكرامات لا يمكن أن يستحقها أحد إلا بعد تعب هائل، وعناء شديد عظيم طويل، فبين الله أنه في هذه الشريعة السمحة التي جاء بها هذا النبي الكريم، أن الجنة تنال -مع عظم قدرها، وما فيها من اللذات والكرامة، وجميع الخيرات- بعملٍ سهل، لا مشقة فيه، ولا عناء ولا تعبًا شديدًا فيه؛ ولذا قال قبل أن يأتي بالخبر الذي هو: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: آية ٤٢] قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ اعلموا أن جنتي التي بَينت لكم ما فيها من الخير، وما فيها من النعيم، والحور، والولدان، والجنان، والأشجار المثمرة، والغرف العالية، وأنهار العسل، والماء، واللبن، والنساء الحسان، وغير ذلك من اللذات والمكارم ونضرة النعيم والخلود الذي لا يزول، الذي لا يداخله سقم ألبتة، ولا هرم ولا مرض. اعلموا أن هذه الجنة التي هي بهذه المثابة من العظَم، وعلو الأمر، وارتفاع الشأن، أني أدخلكم إياها على عمل ليس بالصعب، ولا بالشديد، لا يستلزم المشقة الفادحة، ولا العناء العظيم، بل هو سهل خفيف، لا نكلف أحدًا فيه إلا ما يطيقه، فمن عجز عن أن يصوم لسفر أو مرض أفطر ثم صام عدة من أيام أُخر، ومن لم يستطع الصلاة قائمًا فليصل قاعدًا، وهكذا، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: آية ١١٩] فإنه عند الضرورات يبيح لكم ما كان محرَّمًا، ويخفف عليكم عند المشقات، والتخفيف عند المشقات إحدى القواعد الخمس التي بني عليها الفقه الإسلامي، وهي معروفة في الأصول (^١):
_________________
(١) هذه القواعد الخمس يصدّر بها غالبًا أصحاب القواعد كتبهم المصنفة في هذا الباب، كالسيوطي في الأشباه والنظائر وغيره.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
الأولى منها: الضرر يزال.
الثانية: المشقة تجلب التيسير. وهو هذه.
الثالثة: لا يرتفع يقين بشك.
الرابعة: أن أعمال الناس ومعاملاتهم تبعٌ لأعرافهم وعوائدهم وما يعرفون.
الخامسة: الأمور بحسب مقاصدها.
والشاهد أن منها: المشقة تجلب التيسير ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: آية ٤٢] أي: طاقتها. فالوسع: الطاقة. أي: لا نكلف أحدًا ما يعجز عنه أو يشق عليه مشقة عظيمة، فالوسع: الطاقة التي يكون صاحبها في اتساع، ولا يرهقه ضيق عظيم هائل. وهذا مما يبين أنَّ الله يسَّر الوصول إلى هذه الدار الكريمة، وهي الجنة، على لسان هذا النبي الكريم ﷺ. فقد وضع في شريعته وعلى لسانه الآصار والأثقال، وأغلال التكاليف الشاقة التي كانت على مَنْ قَبْلَنَا، وجاء بها حنيفيَّةً سَمْحَةً هيِّنَةً لا ضيق فيها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: آية ٧٨] ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: آية ١٨٥] ولهذه الحكمة جاءت الجملة الاعتراضية بين المبتدأ والخبر ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتها وما تفعله في سعة لا يرهقها فيه ضيق وعناء شديد. ثم جاء بالخبر: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: آية ٤٢] ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ و﴿أَصْحَابُ﴾ خبره، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو الموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ خلودًا أبديًّا ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:
[ ٣ / ٢٥٨ ]
آية ١٠٨] ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: آية ١٠٨] ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: آية ٥٤] لا يمرضون، ولا يشيبون، ولا يزول عنهم النعيم، بل هم في سرور ونعيم دائم، يتمتعون بأنواع المآكل، والمشارب، والمفارش، والمناكح، إلى غير ذلك ممَّا بَيَّنَهُ الله في آيات كثيرة. وقد قدمنا (^١) أن الجنة في لغة العرب: البستان؛ لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه.
وجاء في القرآن إطلاق الجنة على البستان كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: آية ١٧] وهي قصة بستان معروف في أطراف اليمن، كما يأتي في تفسير سورة القلم إن شاء الله. وكقوله جلّ وعلا: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [الكهف: آية ٣٥] إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق العرب الجنة على البستان كما قدمنا قول زهير (^٢):
كَأَنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَي مُقَتَّلَةٍ من النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا
يعني بقوله: «جنة»: بستان نخل. وقوله: «سُحُقا» جمع سَحُوق، والسَّحوق: النخلة الطويلة.
أما الجنة في اصطلاح الشرع: فهي دار الكرامة التي أعد الله لعباده المؤمنين، وهي شجرة مثمرة، ونهر مطَّرد، وغرفة عالية، وزوجة حسناء، ورضى لا سخط بعده، والمؤمنون فيها ينظرون إلى وجه الله الكريم، كما جاء في آيات وأحاديث صحيحة، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. وهذا معنى قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٢] ومن أعظم السرور: الخلود؛
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
لأن أكبر ما يُنكد اللَّذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فترى الإنسان في سرور متمتعًا بنسائه الحسان، وماله، ونعيمه، ولذاته في الدنيا، فإذا خطر على قلبه أنه يموت، وتنكح نساؤه بعده، وتقسم أمواله، تكدرت عليه تلك اللذائذ وبقي مهمومًا؛ ولذا كان الخلود الأبدي وعدم الانقطاع هو ما تتم به اللذة في [الآخرة] (^١)؛ ولذا قال الله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يزولون عنها أبدًا، فلا تورث ديارهم من بعدهم، ولا تُنكح نساؤهم من بعدهم، ولا يصير ما عندهم من النعيم لأحدٍ بعدهم، هم خالدون في ذلك النعيم، وقد صدق من قال (^٢):
أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالا
فالسرور إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار عليه غمًّا. وقد أوضح هذا بعض الشعراء فقال (^٣):
أُحِبُّ لَيَالي الهَجْرِ لَا فَرَحًا بِهَا عَسَى الدَّهْرُ يَأْتِي بَعْدَهَا بِوِصَالِ
وَأُبْغِضُ أَيَّامَ الْوِصَالِ لأَنَّنِي أَرَى كُلَّ وَصْلٍ مُعْقَبًا بِزَوَالِ
فالفكرة بالزوال تُكَدِّرُ اللَّذَّات الحاضِرَة؛ ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات؛ لأن مَنْ تَذَكَّرَهُ ضَاعَتْ عليه لذته التي هو فيها؛ لأنه يقطعها؛ ولذا قال: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٢] لا يزول عنهم ذلك النعيم حتى تتكدر غبطتهم به بزواله.
_________________
(١) في الأصل: «الدنيا»، ولعله سبق لسان.
(٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه (بشرح العكبري ٣/ ٢٢٤)، شواهد الكشاف ص١٠٠.
(٣) البيتان في كتاب ألف ليلة وليلة ص١٤٣٦.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: آية ٤٣].
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] لما كان أهل الدنيا على مصادقتهم والقرابات بينهم يكون بينهم الغل، والغش، والبغضاء، والحسد، بيّن الله أن أهل الجنة سالمون من هذا الداء الذي يصاب به أهل الدنيا.
﴿وَنَزَعْنَا﴾ صيغة الجمع للتعظيم، والله (جلَّ وعلا) هو الذي نزع ﴿مَا فِي صُدُورِهِم﴾ أي: صدور عبادنا المؤمنين الذين هم أصحاب الجنة، نزعنا جميع ما في صدورهم من غلّ. واختلفت عبارات العلماء في الغلّ إلى معاني متقاربة (^١)، والظاهر أنه يشملها كلها، فبعضهم يقول: الغلّ: الحقد الكامن، وبعضهم يقول: هو البغض، وبعضهم يقول: هو الحسد والكراهية. وهو يشمل ذلك كله؛ لأن الإنسان قد يكون في قلبه للآخر حقد كامن، وحسد، وبغض، يكون هذا بين الآدميين، فالله (جلّ وعلا) يوم القيامة ينزع من صدور المؤمنين في الجنة جميع الأحقاد، فلا يكون هنالك أحدٌ يضمر حقدًا لأخيه، ولا بغضًا، ولا حسدًا، ولا غشًّا، بل ليس بينهم إلا التوادّ الكامل، والتعاطف والتناصح، يحب بعضهم بعضًا، ومن آثار ذلك أن منازلهم متفاوتة ينظر بعضهم منازل بعضٍ فوقه كما ننظر النجم في السماء، ومع ذا لا يحسده على ارتفاع منزلته عليه، بل هو يحبه
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٣٨)، القرطبي (٧/ ٢٠٨).
[ ٣ / ٢٦١ ]
ولا يضمر له في ذلك حسدًا ولا غِلًا، وذكر غير واحد عن علي بن أبي طالب (﵁) أنه قال: «أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾» ذَكَرَهُ عَنْ عَلِيٍّ (﵁) غير واحد؛ قتادة وغيره، وكثير من طُرُقِهِ فيها انقطاع، والله أعلم بصحته إليه، ولكنه مشهور فائض على ألسنة المفسرين والعلماء والله أعلم بصحته عنه (^١)،
ولا شك أنهم إن كان بينهم في الدنيا شيء؛ لأن طلحة والزبير ممّن قاتل عليًّا (﵁) يوم الجمل، وبعضهم يزعم أنه كان بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشيء، مع أن الذي يظهر أن عليًّا وعثمان لم يكن أحدهما يضمر للآخر إلا الطَّيِّب، وكان تسليم الحسن بن علي ﵁ الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عن الجميع) فيها أعظم منقبة لعلي بن أبي طالب (﵁)؛ لأن كثيرًا من الناس كانوا يتهمون عليًّا (﵁) بما هو بريء منه، أن له ضلعًا في قتل عثمان، وأنه كان يقول له الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان من أمّه، يعرّض بعلي (^٢):
_________________
(١) الأثر في ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٦٩، ٢٨١ - ٢٨٢)، وابن جرير (١٢/ ٤٣٨)، وابن سعد (٣/ (القسم الأول) ص٨٠، وابن أبي عاصم في السنة (١٢١٥)، واللالكائي (٢٥٧٣)، والحاكم (٣/ ١٠٥) وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٩٧) وعزاه للطبراني في الكبير. وأورده ابن كثير (٢/ ٢١٥)، والسيوطي في الدر (٣/ ٨٥) والزيلعي في تخريج الكشاف (١/ ٤٦٢)، وابن حجر في تخريج الكشاف ص٦، ورواية ابن سعد وابن جرير منقطعة، بخلاف رواية ابن أبي شيبة. وانظر: الفتح السماوي (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦).
(٢) البيتان في تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٢٧)، مختصر تاريخ ابن عساكر (مختصر ابن منظور) (٢٦/ ٣٤٦)، الكامل للمبرد (٢/ ٩١٦)، مع شيء من الاختلاف في الروايات.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
بَنِي هَاشِمٍ رُدّوا سِلاحَ ابْنِ أُخْتِكُمْ وَلَا تنهبُوه لَا تَحِلُّ مَنَاهبُهْ
بَنِي هَاشِمٍ كيْفَ التَّعَاقُدُ بَيْنَنَا وَعِنْدَ عَلِيٍّ سَيْفُه وحَرَائِبُهْ
وكانوا يظنون بأمير المؤمنين علي (﵁ وأرضاه) أنه مقصِّر في القَوَد من قَتَلَة عثمان، وأنه قادر على أن يقتلهم، وأنه مقصّر، فلما سلّم الحسن (﵁) الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان -مصداقًا لحديث جدّه: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي» (^١) - فصار الأمر كله إلى معاوية، وهو وليّ الدم الذي كان يطالب به في أهل الشام، وكان امتناعه من بيعة عليّ لا يعلله بعلّة إلا أنه يُمَكِّن من قَتَلَة عثمان فيقتلهم قصاصًا، ثم يبايع عليًّا، فلما خلصت الخلافة لمعاوية ولم يبق له منازعٌ أبدًا، واجتمعت عليه كلمة المسلمين، وصار واليًا على جميع المسلمين لا منازع له، لما سلّمه الحسن الخلافة -﵁- لم يستطع معاوية أن يقتل واحدًا كائنًا ما كان ممن قتلوا عثمان -﵁ (^٢) - فتبينت بذلك براءة أمير المؤمنين علي -﵁ وأرضاه- مما كانوا يتهمونه به، فصار في تسليم الحسن الخلافة لمعاوية أعظم منقبة لعلي -﵁- وأعظم براءة مما كان يُتَّهمُ به مِمَّن لا يعلم ولا يقدّر فضله ﵁.
وقوله جلّ وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] قال بعض العلماء: الله ينزعه من صدورهم بعد أن يدخلوا الجنة.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٥) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (١/ ١٤).
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وقال بعض العلماء: ينشئهم النشأة الجديدة على فطرة سليمة خالية من الأحقاد. فظاهر الآية أنَّهُمْ يَوْمَ القيامة يبعثون وهو موجود فيهم، إلا أن الله يسله وينزعه منهم (^١)، بدليل قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] وقد قال في سورة الحجر ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: آية ٤٧] وهذا من أعظم كمال اللذات حيث يكون الإنسان خالدًا مخلدًا، وحيث يكون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم ليس بين اثنين منهم شحناء، ولا عداوة، ولا حقد، ولا حسد، ولا مخاصمة، وكل هذا من كمال النعيم.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] أعربه بعضهم حالًا، وبعضهم منع إتيان الحال هنا لأنه قال: ﴿وَنَزَعنَا﴾ فاعلها لا دخل له في الجملة فلا يمكن أن تكون حالًا، وبعضهم يقول: يصح أن تكون حالًا. فعلى أن الجملة حالية فلا إشكال، وعلى امتناع الحالية فيها -كما زعمه بعض علماء العربية- فهي كلام آخر مستأنف مما يعطيهم الله (^٢).
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت قصورهم وغرفهم العالية ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ سائلة. يقول بعض العلماء: أنهار الجنة تجري في غير أخدود (^٣). ويذكرون أن المؤمن في غرفته العالية قد يشير إلى النهر تحته فيصعد إليه حتى يقضي منه حاجته. كما يأتي في تفسير قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: آية ٦]
_________________
(١) في هذه المسألة انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٣٩)، ابن كثير (٢/ ٢١٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٨)، الدر المصون (٥/ ٣٢٣).
(٣) انظر: ابن جرير (١/ ٣٨٤).
[ ٣ / ٢٦٤ ]
ولا غرابة في ارتفاع الماء إلى ولي الله في غرفته من الأرض؛ لأنه يشاهد في الدنيا ما هو أعظم من هذا وأغرب؛ لأنك أيام البلح تأخذ بلحة من نخلة طويلة سحوق، فإذا ضغطت على البلحة بضرسك طار منها الماء!! وهذا الماء إنما أَخَذَتْهُ من عروقها، فصعد من ثرى الأرض ومن عروق النخلة وطلع مع هذا الجذع القوي الخشن، طلع معه الماء ورفعه الله من هذا البعد العالي بقدرته، فمن فعل هذا فلا يصعب عليه أن يرفع الماء إلى غرف المؤمنين العالية. وهذه الأنهار مختلفة الألوان والأشكال، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: آية ١٥]. وهذا معنى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيم﴾ (^١) [يونس: آية ٩] تارة يفرد الجنة نظرًا إلى أنها اسم جنس، وتارة يجمعها. وإضافتها إلى النعيم لأنهم يتنعمون فيها بجميع اللذائذ، وتظهر على وجوههم نضرة النعيم، فهم في غاية النعيم، والنعيم ضدّ البؤس، فهم في نعمة دائمة ظاهرة آثارها على أبدانهم، في نضرة وجمال وسرور وغبطة، لا يشيبون ولا يهرمون ولا يمرضون؛ ولذا قال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: آية ٩].
﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: آية ٤٣] بين الله
_________________
(١) في هذا الموضع وقع للشيخ (﵀) سهو حيث ساق خاتمة الآية التي في سورة يونس: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وفسر هذا القدر منها، وقد نُبِّه الشيخ -﵀- على ذلك أثناء الدرس ولم يتفطن له. وعلى كلٍّ فلم يفت من تفسير آية الأعراف شيء، وإنما صار الكلام على ذلك القدر من سورة يونس من باب الزيادة.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
أنه لما أدخل أهل الجنة الجنة حمدوا الله على نعمه، وذلك ذكره عنهم في مواضع كثيرة كقوله عنهم أنهم قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: الآيتان ٣٤، ٣٥] وقال عنهم هنا أنهم حمدوه أيضًا فقالوا: ﴿الحَمْدُ لله﴾ الحمد (^١): معناه كل ثناءٍ جميل ثابت لله (جل وعلا)؛ لأنه يستحقه لذاته؛ ولأنه يستحقه علينا بما أنعم علينا حيث أدخلنا هذا النعيم الخالد الذي لا يزول.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ أي: وفقنا للطريق التي ينال بها هذا الثواب العظيم وهو الجنة. نحمد الله على أن وفقنا في دار الدنيا، وهدانا إلى الإيمان به واتباع رسله حتى نِلْنَا بذلك العَمَلَ الصَّالِحَ هذا الجزاء المقيم، والنعيم العظيم. ﴿الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ ثم قالوا: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] هذه اللام هي التي تسمى في النحو بلام الجحود، وهي تؤكد النفي، تؤكد نفي هدايتهم لولا أن الله هداهم، وتسمى لام الجحود ولا تكون إلا بعد كونٍ منفي، نحو: ما كان، ولم يكن، والفعل منصوب بعدها بـ (أن) مضمرة (^٢).
﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ إلى الطريق التي هذا ثوابها وجزاؤها ﴿لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾ [الأعراف: آية ٤٣] المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل رفع؛ لأن ما بعد (لولا) مبتدأ خبره محذوف غالبًا.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
والمعنى: لولا هداية الله موجودة لما نلنا هذا الجزاء، ولما هُدينا إلى هذا العمل الذي هذا جزاؤه. وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا الشامي، أعني ابن عامر: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾ وقرأه ابن عامر وحده: ﴿ما كنا لنهتدي﴾ بلا واو (^١). والمصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو، وإنما فيها: ﴿ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ بلا واو، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان؛ ولأجل هذا الاختلاف بزيادة حرفٍ في بعض القراءات الصحيحة وحذفه من القراءات الأخرى كان ذلك سبب تعدد نسخ المصحف العثماني، تعدد نسخه لتكون نسخة فيها الواو ونسخة لا واو فيها، فبعض المصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو وإنما فيها: ﴿ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ بلا واو، وهي قراءة الشامي، وهو ابن عامر. وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾.
ثم قالوا على سبيل الفرح والغبطة والسرور: ﴿لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق؛ لأن العمل الصالح الذي أَمَرَتْنَا به، والجزاء الذي وَعَدَتْنَا أن نناله هذا هو قد تحقق لنا، ودخلنا الجنة التي كانوا يعدوننا في دار الدنيا على الأعمال الصالحة. والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق الثابت الذي لا شك فيه فما كذبونا ولا دلسوا لنا، وإنما جاءونا بالحق. وقالوا هذا على وجه السرور والغبطة؛ لأن من دخل في غبطة وسرور يتكلم بهذا الكلام تلذذًا لا يقصد غير ذلك.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٨.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
ولما قالوا هذا الكلام: ﴿لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ قالوا هذا ﴿وَنُودُواْ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] أي: نودوا من قِبَل الله، ناداهم الله أو ملك من الملائكة بأمر الله ﴿أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] (أن) هذه فيها وجهان (^١): زعم بعضهم أنها المخففة من الثقيلة. و(أنْ) إذا خففت من الثقيلة - (أن) المفتوحة - لم يبطل عملها، ويكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها. وأظهر القولين أنها هنا هي التفسيرية. ومعنى التفسيرية أن ما بعدها يفسر ما قبلها، فنفس النداء الذي نودوا به هو قوله: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] وضابط أَنْ التفسيرية: التي يكون ما بعدها تفسيرًا لما قبلها هي أن يتقدمها ما فيه معنى القول وليس فيه حروف القول (^٢)، أعني: (القاف، والواو، واللام) وقد تقدمها ما فيه معنى القول؛ لأن النداء فيه معنى القول، وليس فيه حروف القول، فيظهر أنها تفسيرية، خلافًا لمن زعم أنها مخففة من الثقيلة.
﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ (تلك) إشارة إلى الجنة، نظرًا إلى أنها اسم جنس. وقوله: «كُم» هو حرف خطاب للمخاطبين؛ لأنهم جمعٌ كثير ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ معناه: أعطيتموها. فإيراث الجنة: إعطاؤها وليس المراد به أنها مأخوذة من أموات كميراث الميت، كما يزعمه بعضهم، بل المراد بإيراثها: أن الله أعطاهم إياها، وأدخلهم إياها، وأباحها لهم، خلافًا لمن زعم أن معنى إيراثهم لها أن الله جعل لكل نفس منفوسة مسكنًا في الجنة ومسكنًا في النار، فإذا أدخل أهل الجنة
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠٠)، الدر المصون (٥/ ٣٢٤).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
الجنة، وأهل النار النار اطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار -لو أنهم كفروا بالله وعصوه- لتزداد غبطتهم وسرورهم، وعند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾ [الأعراف: آية ٤٣] ثم إنه يطلع الكفار على منازلهم في الجنة -لو أنهم آمنوا وأطاعوا الله - لتزداد ندامتهم وحَسْرَتُهُمْ، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: آية ٥٧] قالوا: ثم إن الله يُعْطِي مَنَازِلَ أهْلِ النَّارِ في الجنة لأهل الجنة، وكأَنَّ أهل النار أموات؛ لأن من في العذاب الذي هم فيه ميت؛ لأنهم يتمنون الموت فلا يجدونها (^١)، فكأنهم ورثوها عنهم. وهذا وإن جاء به حديث فلا يصلح لتفسير الآية؛ لأن الله قال: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] ولم يقل: «أورثتموها من أهل النار». فصرح أنه أورثهم إياها بما كانوا يعملون، أي: بسبب ما كنتم تعملون في دار الدنيا من طاعة الله.
وتمسك المعتزلة بظاهر هذه الآية وأمثالها من الآيات فقالوا: إن العبد هو الذي خلق فعل نفسه في الطاعات، واستحق به الجنة لا بفضلٍ من الله -جل وعلا- أعاذنا الله من مقالتهم. وهنا يشنع الزمخشري في تفسير هذه الآية (^٢) -لأنه معتزلي- على من يقول: إنهم دخلوا الجنة بفضل الله ورحمته فيقول: قال المبطلة: إنهم دخلوها بفضل الله، والله يقول: إنهم دخلوها بأعمالهم. وهذا جهل من المعتزلة وعدم علم بالسنة؛ لأن النبي ﷺ قد ثبت عنه في الحديث الصحيح
_________________
(١) هكذا العبارة، ويمكن حملها على الأمنية.
(٢) انظر: الكشاف (٢/ ٦٣).
[ ٣ / ٢٦٩ ]
أنه قال: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَاّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (^١) وهذا الحديث الصحيح أصله فيه إشكال بينه وبين هذه الآيات التي يستدل بها المعتزلة، كقوله هنا: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: آية ٦٣] وأمثال ذلك.
وللعلماء أجوبة كثيرة عن الإشكال بين الحديث وبين هذه الآيات وما جرى مجراها من الآيات (^٢)، وأظهر أوجه التوفيق عندنا: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا تَقَبَّلَهُ الله منه، ولا يَعْمَلُ عَمَلًا صالحًا إلا إِذا وفَّقَه الله إليه وأعانَهُ عليه. فلما كان العمل الصالح الذي
_________________
(١) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، منهم:
(٢) أبو هريرة (﵁)، عند البخاري في الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، حديث رقم (٦٤٦٣)، (١١/ ٢٩٤). ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله ، حديت رقم (٢٨١٦)، (٤/ ٢١٦٩).
(٣) عائشة (﵂)، عند البخاري في الموضع المتقدم، حديث رقم (٦٤٦٤، ٦٤٦٧)، (١١/ ٢٩٤)، ومسلم في الموضع المتقدم من صحيحه، حديث رقم (٢٨١٨)، (٤/ ٢١٧١).
(٤) جابر بن عبد الله (﵄)، عند مسلم، في الموضع المتقدم من صحيحه. حديث رقم (٢٨١٧)، (٤/ ٢١٧٠).
(٥) انظر: شرح الطحاوية ص٦٤١، ولشيخ الإسلام (﵀) رسالة تعرف بـ (رسالة في دخول الجنة، هل يدخل أحد الجنة بعمله أم ينقضه قوله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وهي ضمن جامع الرسائل (١/ ١٤٣)، وانظر حادي الأرواح ص٦١.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
هو سَبَب دخول الجنة لا ينفع إلا إذا تَقَبَّلَه الله، ولو شاء لم يَتَقَبَّلْهُ، ولا ينفع إلا إذا وفَّقَ الله إليه ولو شاء لم يوَفِّق إليه، صار كل شي بفضله ورحمته -جلّ وعلا- كما هو الحق وهو الصواب. وهذا معنى قوله: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] أي: في دار الدنيا من طاعات الله، ودخلتموها بفضل الله ورحمته حيث تقبل منكم تلك الأعمال الصالحة، ووفقكم إلى فعلها في دار الدنيا، وأعانكم عليها برحمته وفضله، وتقبلها منكم، فلو لم يوفقكم لها ويعنكم عليها لما قدرتم على فعلها، ولو لم يَتَقَبَّلْهَا منكم لما نفعتكم أبدًا، وكل هذا بفضله ورحمته جلّ وعلا.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ [الأعراف: آية ٤٤] بين (جلّ وعلا) أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وبيّن ما يقوله أهل النار في النار من التخاصم، ولَعن بعضهم لبعض: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ وسؤال بعضهم مضاعفة العذاب لبعض، وما يقوله أهل الجنة من حمد الله، والثناء عليه للتوفيق، والغبطة بالخلود، ونزع الأحقاد والغلال (^١) التي كانت بينهم، لما بيّن هذا كله بيَّن أن أهل الجنة ينادون أهل النار كالموبخين على نوع من التوبيخ والشماتة بهم؛ لأنهم كانوا يكذبون في الدنيا بالنار والجنة.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ وهذا النداء للعلماء فيه سؤالات: هل نادى جميع أهل الجنة جميع أهل النار؟ أو نادى بعضهم بعضًا؟ وظاهر القرآن أنه نداءٌ عام. وقال بعض العلماء: كل
_________________
(١) هكذا العبارة. ولم أقف على من جمع (الغِلّ) على (الغِلَال).
[ ٣ / ٢٧١ ]
ناسٍ من المؤمنين ينادون من كانوا يعرفونهم في الدنيا من الكفار: يا أصحاب النار هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فنحن وجدنا ما وعدنا من النعيم حقًّا، فهل وجدتم ما كان يقال لكم من الوعيد بالعذاب حقًّا (^١)؟
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا﴾ (أَنْ) هذه كالتي قبلها في القول بأنها تفسيرية أو مخففة من الثقيلة. وقد ذكرنا الكلام عليها آنفًا (^٢).
﴿أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ من الجنة، والنعيم المقيم، والخلود الأبديّ في نعمِ الله، وجدناه حقًّا من الله، وصَدَقَنا وعده ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء﴾ [الزمر: آية ٧٤] فوجدنا وعد الله بالنعيم، والخلود الأبدي في الجنة على ألسنة الرسل، وجدناه حقًّا، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من العذاب، والنكال، ودخول النار، هل وجدتموه حقًّا؟ وهذا سؤال توبيخ وتقريع وشماتة، والعياذ بالله. قالوا في ذلك الوقت معترفين حيث لا ينفع الاعتراف، نادمين حيث لا ينفع الندم: ﴿قَالُواْ نَعَمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٤] وجدنا ما وعده الله من العذاب والنكال على ألسنة الرسل حقًّا، ووجدنا أن تكذيبنا به في دار الدنيا سفاهة منا وجناية على أنفسنا.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا عليًّا الكسائي ﴿قَالُواْ نَعَمْ﴾ بفتح النون والعين. وقرأه الكسائي وحده: ﴿قالوا نَعِم﴾ (^٣) و(نَعَم)
_________________
(١) انظر: الألوسي (٤/ ١٢٢).
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٢٥)، وراجع ما سبق عند تفسير الآية السابقة.
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٩.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
و(نَعِم) لغتان كلاهما تأتي بمعنى الأخرى على الصواب. و(نَعَم) لا تكون جوابًا إلا لاستفهام مُثْبَت، ولا تكون جوابًا لاستفهام منفي، فلو كانت الآية: «ألم تجدوا ما وعدكم ربكم حقًا؟» بالنفي لما جاز أن يجاب بـ (نعم) وإنما يجاب بـ (بلى) هذا هو المعروف؛ لأن المكان الذي تصلح به (بلى) لا تصلح به (نعم) والمكان الذي تصلح به (نعم) لا تصلح به (بلى). و(بلى) تأتي في اللغة العربية وفي القرآن العظيم لمعنيين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن (بلى) تأتي لنفي النفي، فهي نقيضه (لا) لأن (لا) لنفي الإثبات، و(بلى) لنقيض النفي، فإذا جاء نفي في القرآن ثم جاءت بعده (بلى) فإن (لا) تنفي ذلك النفي، ونفي النفي إثبات. فيصير ما بعد (بلى) إثبات؛ لأنها نفت النفي الذي قبلها، ونفي النفي إثبات. وهذا كثيرٌ في القرآن، كقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾ نفوا البعث بأداة النفي التي هي (لن) ﴿قُلْ بَلَى﴾ فنفى الله نفيهم للبعث، فثبت البعث؛ ولذا قال: ﴿وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: آية ٧] وكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ: آية ٣] نفوا إتيان الساعة بحرف النفي الذي هو (لا)، قال الله: ﴿بَلَى﴾ [سبأ: آية ٣] فنفت نفيهم، وأثبتت إتيان الساعة؛ ولذا قال بعده: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: آية ٣] وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.
المعنى الثاني: أن تأتي (بلى) جوابًا لاستفهام مقترن بالنفي خاصة، لا لاستفهام إيجابي، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: آية ١٧٢] ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى﴾ [يس: آية ٨١] وهكذا. ولا يجوز أن يقال في هذا: نعم. أما إن كان السؤال بالإثبات فالجواب بـ (نعم) لا بـ (بلى) فلو
[ ٣ / ٢٧٣ ]
قلت: هل جاء زيد؟ فالجواب: نعم قد جاء زيد. وقلت: أليس زيد قد جاء؟ فالجواب: بلى. لا بـ (نعم) (^١).
وما سُمع من كلام العرب في إتيان (نعم) بعد الاستفهام المقترن بالنفي الذي هو موضع (بلى) فإنه شاذّ يُحفظ ولا يُقاس عليه. وقد سُمع في كلام العرب إتيان لفظة (نعم) في محل (بلى) في الاستفهام المقترن بالنفي، ومن شواهده قول الشاعر (^٢):
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وَإِيَّانَا؟ فَذَاكَ لنَا تَدَانِ
نَعَمْ، وَتَرَى الهِلالَ كَمَا أَرَاهُ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلانِي
فالمحل هنا (بلى) لا لـ (نعم) لأن الاستفهام مقترن بنفي، وإنما يُحفظ مثل هذا ولا يقاس عليه.
وقوله: ﴿قَالُواْ نَعَمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٤] هو حرف إثبات، جوابٌ لاستفهام إثبات. معناه: وجدنا ما وعدنا ربنا من العذاب الأليم والنكال وجدناه حقًّا.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٤] التأذين في لغة العرب: الإعلام. تقول العرب: أذّن الرجل: إذا أَعْلَم. ومنه الأذَان لِلصَّلاةِ؛ لأنه الإعلام بدخول وقتها، ودعاء الناس ﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء﴾ [الأنبياء: آية ١٠٩] أعلمتكم، وآذَنَهُ: إذا أعْلَمَهُ (^٣). ومنه
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢١٠)، الدر المصون (٥/ ٣٢٦)، رصف المباني ص١٥٧، ٣٦٤.
(٢) البيتان في الأمالي للقالي (١/ ٢٨٢)، رصف المباني ص٣٦٥، الدر المصون (١/ ٤٥٦).
(٣) انظر: المفردات (مادة: أذن) ص٧٠.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
قول الحارث بن حِلِّزة (^١):
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادَى مُنَادٍ بِصَوْتٍ عَالٍ، وأعلم مُعلم ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف عامة القراء إلا ورشًا عن نافع: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ بهمزة محققة. وقرأه ورش وحده عن نافع: ﴿فَأَذَّنَ مُوَذِّنٌ﴾ بإبدال الهمزة واوًا. انفرد بهذه القراءة ورش عن نافع عن جميع القراء (^٢).
﴿بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٤٤] قرأ هذا الحرف نافع، وعاصم، وقنبل عن ابن كثير، وأبو عمرو، قرأوا كلهم: ﴿أَن لَّعْنَةُ الله﴾ بتخفيف (أن) وضم [٨/ أ] تاء (لعنة). وقرأه الباقون وهم حمزة، والكسائي، وابن عامرٍ، والبزي عن ابن كثير:/ ﴿أنّ لعنة الله﴾ (^٣). بتشديد (أَنَّ) ونصب (تاء) ﴿لَعْنَةَ﴾.
واللعنة في لغة العرب (^٤): الإبعاد والطرد. فالرجل إذا كان ذا جرائم، وذا جرائر، يطلبه هؤلاء بدم، وهؤلاء بدم، ثم إن قومه تبرءوا منه وطردوه لئلا تقاتلهم القبائل التي يطالبونه بالدم، إذا نفوه وطردوه يُسمى رجلًا لعينًا، ومنه قول الشماخ أو غيره (^٥):
ذَعَرْتُ به القَطَا، ونَفَيْتُ عنه مَقامَ الذئبِ، كالرجُل اللَّعينِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٠٥، إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٤٩).
(٣) انظر: السبعة لابن مجاهد ص٢٨١، المبسوط لابن مهران ص٢٠٩.
(٤) انظر: اللسان (مادة: لعن) (٣/ ٣٧٤).
(٥) البيت للشماخ، وهو في اللسان (مادة لعن) (٣/ ٣٧٤).
[ ٣ / ٢٧٥ ]
فـ (لعنة الله) معناها: طرده وإبعاده.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٤] أي: نادى مناد وأعلم مُعلم.
﴿أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم في دار الدنيا وكانوا يضعون العبادة في غير موضعها -والعياذ بالله- وهم الكفرة. وهذا من النكال بالكافرين لما اعترفوا بأن الوعيد حق عليهم نادى مناد يدعو عليهم باللعنة -والعياذ بالله- ويصفهم بالظلم الذي استحقوا به عذاب الله ونكاله.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ [الأعراف: آية ٤٥] ﴿الَّذِينَ﴾ في محل خفض لأنه نعت للظالمين.
﴿يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ العرب تستعمل (صد) استعمالين (^١): تستعملها متعدية إلى المفعول، تقول: صد زيد عَمْرًا يصُده، ومصدر هذه (الصد) لا غير. ومنه: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله﴾ [النساء: آية ١٦٠] صده يصُده صدًّا، على القياس؛ لأن كل فعل ثلاثي متعدٍّ إلى المفعول ينقاس مصدره إلى (فَعْل) بفتح فسكون، فصده صدًّا؛ لأن مصدرها: (الصد) على القياس. وهذه مضمومة الصاد، وليس فيها إلا الضم. تقول: صده يصُدُّه صدًّا، لا غير.
الثانية: يستعملون (صدَّ) لازمة غير متعدية إلى المفعول، تقول: كان زيد ذاهبًا إلى الشام فَصَدَّ عنه إلى العراق. أي: مال عنه إلى العراق، لازمًا، ومصدر هذه: (الصدود) على القياس أو الغلبة. وفي مضارعها ضم الصاد وكسرها. تقول: صد زيد عن الأمر يصِد
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٢٨).
[ ٣ / ٢٧٦ ]
ويصُد. وعليه القراءتان السبعيتان (^١): ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿إذا قومك منه يصُدون﴾ [الزخرف: آية ٥٧] و(صد): هنا في هذه الآية هي (صد) المتعدية للمفعول.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: يصدون الناس عن سبيل الله. و(السبيل): الطريق. وإنما أُضيفت الطريق إلى الله؛ لأنها السبيل التي أمر بسلوكها، وَوَعَدَ بالثَّوَاب مَنْ سَلَكَهَا، ونَهَى عن عدم سلوكها، ووعَدَ بالْعِقَابِ مَنْ لم يَسْلُكْهَا.
والسبيل في لغة العرب وفي القرآن تُذَكَّر وتؤنث (^٢)، فمن تأنيثها في القرآن: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله﴾ [يوسف: آية ١٠٨] وقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: آية ٥٥] على من قرأ ﴿سبيلُ﴾ بالرفع: تستبين هي أي: سبيل المجرمين (^٣).
وقد يذكَّر السبيل كقوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: آية ١٤٦].
وسبيل الله: هي دين الإسلام وطاعة الله التي جاءت بها رسله.
﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ أي: يطلبونها، وهي السبيل، أَنَّثها في هذه الآية. يطلبونها ﴿عِوَجَا﴾ هذا مصدر بمعنى الوصف، أي: في حال كونها معوجة، يبغونها معوجة زائغة مائلة، فيها عبادة الأوثان، والشركاء، والأولاد لله. يطلبون هذه السبيل العوجاء التي ليس فيها استقامة. أما القرآن العظيمِ فسبيله ليس فيها عوج، بل هي مستقيمة، كما
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٩٩.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٦) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٤ - ٥٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: آية ٢٨] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (١)﴾ [الكهف: آية ١] فسبيل الله ليس فيها عوج. والسبيل التي يبغيها الكفار ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: آية ٤٥] أي: معوجة ذات عوج، عوجاء غير مستقيمة لما تدعو إليه من الكفر بالله، وادعاء الشركاء والأولاد له. وهذا معنى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾.
﴿وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٥] وهم مع ذلك كافرون بالآخرة، جاحدون بها.
﴿بِالآخِرَةِ﴾: هي الدار الآخرة، وقد بينا مرارًا (^١) أنها إنما سُميت آخرة لأنها ليس بعدها مرحلة أخرى.
ويجب على كل إنسان أن ينظر في مراحله، وتاريخ مراحله، حتى يفهم الآخرة؛ لأن الله أمره بذلك حيث قال: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: الآيتان ٥، ٦] فاعلم أيها المسكين - الذي هو الإنسان - أن أول مراحلك تراب بلَّه الله (﵎) بماء فصار ذلك التراب طينًا، ثم بعد أن صار طينًا ونقله الله من طَور إلى طور خُمِّر حتى [صار] (^٢) طينًا لازبًا، وتغيرت ريحه حتى صار حمأ، ثم إنه يَبِسَ حَتَّى صَارَ صلصالًا، ثم إن الله نفخ فيه الروح، وجعله بشرًا سَوِيًّا خلق منه آدم، جعله ذا جسد ودم ولحم، ثم إنه خلق من ضلعِه امْرَأَتَهُ حَوَّاء، كما قال: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال في الأعراف: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٢) من سورة الأنعام.
(٢) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
[الأعراف: آية ١٨٩] وقال في أول النساء: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال في الزمر: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: آية ٦] وقد خلق حواء من آدم بلا نزاع كما نصت عليه هذه الآيات القرآنية، ثم بعد ذلك كانت طريق التناسل أيها الإنسان أن تكون أولًا نطفة من مني حقيرة مهينة، من ماء الرجل وماء المرأة في رحم المرأة، ثم تمكث ما شاء الله وأنت نطفة، ثم يقلب الله هذه النطفة علقة، أي: دمًا جامدًا إذا صُب عليه الماء الحار لم يذب، ثم إن الله يقلب هذا الدم مضغة، أي: قطعة لحم كما يقطعه آكل اللحم ليمضغه، ثم إن الله يقلب هذه اللحمة هيكل عظام يركب بعضها ببعض، يركب فيه المفاصل بعضها ببعض، والسُّلاميات بعضها ببعض، والفقار بعضها ببعض ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾ [الإنسان: آية ٢٨] ثم إنه (جل وعلا) يكسو هيكل هذا العظام اللحم، ويجعل فيه العروق، ويفتح فيه العيون، والأفواه، والآناف، ويجعل الكبد في محلها، والكليتين في محلهما، والطحال في محله، إلى غير ذلك، ثم ييسر لك طريق الخروج من بطن أمك، وهو مكان ضيق، كما قال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ [عبس: آية ٢٠] ثم يخرجك إلى الدنيا.
وقد جاوزنا جميع هذه المراحل ونحن في مرحلة الخروج إلى الدنيا، وهذه المرحلة المحطة التي نحن فيها منا من يسافر منها بسرعة، ومنا من يمكث فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: آية ٥] ويقال لنا: اعلموا أن السفر طويل، وأن الشقة فادحة، وأنه لا محطة يؤخذ منها الزاد إلا هذه المحطة، فمن لم يتزود من هذه المحطة هلك وانقطع عن القافلة، وبقي في بلاء وويل لا ينقطع.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
فعلينا أن نتزود من هذه المحطة التي هي محل الزاد ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: آية ١٩٧] فنأخذ من الأعمال الصالحات، والشقة أمامنا طويلة، والسفر بعيد، والسفر لم ينته. ثم بعد هذه المحطة ننتقل جميعًا إلى محطة القبور، وهي محطة من رحلة الإنسان. وسمع بدوي رجلًا يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: آية ١] قال: انصرفوا والله من المقابر إلى دار أُخرى؛ لأن الزائر منصرف لا محالة. ثم إن القبر محطة ومرحلة من هذه المراحل يخرجنا الله منه جميعًا أحياء نُساق إلى المحشر ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: الآية ٢٥] فنُساق جميعًا من محطة القبر إلى محطة المحشر في عرصات القيامة، ويلقى الناس فيها ما يلاقون من الأهوال والأوجال ودنُوّ الشمس منهم، وإلجام العرق إياهم كما هو معروف، ثم يشفع النبي ﷺ سيد الخلق الشفاعة الكبرى، فإذا جاء الناس، واعتذر لهم آدم، واعتذر لهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وجاءوا إليه صلوات الله وسلامه عليهم، وقال لهم: «أنا لها».
يعني: أن الله وعده بذلك في دار الدنيا حيث قال له: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: آية ٧٩] ولكنه (صلوات الله وسلامه عليه) لشدة علمه بالله، وتعظيمه لله، يعلم أنه لا شفاعة إلا بإذن الله ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٥٥] ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: آية ٣] فلا يتجرأ على الشفاعة فلتة بسرعة، وإنما يسجد ويلهمه ربه من المحامد ما لم يلهمه أحدًا قبله ولا بعده، ولم يزل كذلك حتى يقول له ربه: يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تُشَفَّعْ. فشفع ﷺ
[ ٣ / ٢٨٠ ]
الشفاعة الكبرى (^١)، ويظهر في ذلك الوقت فضله - صلوات الله وسلامه عليه - على جميع مَنْ في المحْشَرِ من الأنبياء والمرسلين، كما ظَهَرَ فَضْلُهُ عليهم في دار الدنيا لما عُرِج به مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سماوات، واجتمع بهم في بيت المقدس، وصلى بجميعهم بأمر من جبريل كما هو معروف في الأحاديث (^٢)،
فهو سيدهم في الدنيا وسيدهم في الآخرة -صلوات الله وسلامه عليه- ثم إذا أذن الله في الحساب حاسب الناس، ثم إذا انتهى حسابهم تفرقوا في ذلك الوقت فراقًا لا اجتماع بعده، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: آية ٦] وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم: آية ١٤] وهذا التفرق مذهوب به ذات اليمين إلى الجنة، ومذهوب به ذات الشمال إلى النار، وقد أوضح الله هذه الأشتات في سورة الروم حيث قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: الآيتان ١٥، ١٦] فيُذهب بأهل الجنة إلى الجنة، وبأهل النار إلى النار، وُيذبح الموت، ويُقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. فحينئذ تنقطع الرحلة، وتُلقى عصا التسيار، وتكون تلك هي المحطة الأخيرة التي لا انتقال منها أبدًا إلى محطة أخرى. فأهل الجنة في نعيم دائم، وأهل النار في عذاب دائم، لن ينتقل هؤلاء إلى منزل آخر، ولا هؤلاء إلى منزل آخر، ولهذا سُميت الآخرة؛
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٦١) من سورة الأنعام ..
[ ٣ / ٢٨١ ]
لأن ليس بعدها محطة أخرى يُنتقل إليها. وهذا إيضاح معنى (الآخرة).
وقوله: ﴿كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون. أصل الكفر في لغة العرب هو: الستر والتغطية، وكل شيء سترته وغطيته فقد كفرته. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قيل للزراع: كُفَّار؛ لأنهم يكفرون البذر في بطن الأرض، يسترونه ويغطونه. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد في معلقته (^١):
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
يعني: سترها وغطاها غمامُها. ومن هنا قيل للَّيل: كافر؛ لأنه يكفر الأجرام ويغطيها بظلامِهِ ومنه قول لبيد في معلقته (^٢):
حتى إذا ألقتْ يدًا في كافرٍ وأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثغُورِ ظَلامُها
كما هو معروف، وإنما سُمي الكافر كافرًا لأنه يجحد نعم الله، ويجحد آياته، ويريد أن يغطيها بالجحود والكفر والعياذ بالله. وهذا معنى قوله: ﴿وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٥].
قال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالُواْ
_________________
(١) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٥٢).
(٢) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٦٦).
[ ٣ / ٢٨٢ ]
إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف: الآيات ٤٦ - ٥١].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.
قوله جل وعلا: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي: بين أهل الجنة وأهل النار، وقيل: بين الجنة وبين النار حجاب، والحجاب هو: الحاجز الساتر بين الشيئين (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: آية ٥٣]. وهذا الحجاب الذي بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الجنة والنار هو السُّور المذكور في سورة الحديد في قوله جل وعلا: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: آية ١٣] وهذا الحجاب الذي هو هذا السُّور المبين في سورة الحديد لا يمنع من كون النار في أسفل السافلين، والجنة في أعلى؛ لأن الجنة فوق السماوات والنار منسفلة تحت الأرضين، وهذا لا يمنع من أن الله يجعل سورًا ساترًا بين أهل الجنة وأهل النار كما صرح به في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ وقوله مبينًا لهذا الحجاب: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: آية ١٣].
وضَرْبُ ذلك الحجاب يبيِّن أن أهل الجنة لا ينالهم شيء من
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٤٩)، القرطبي (٧/ ٢١١)، الدر المصون (٥/ ٣٢٨).
[ ٣ / ٢٨٣ ]
عذاب النار لا من حرّها ولا من نتنها ولا من أذاها، كما أن أهل النار لا ينالهم شيء مما في الجنة من النعيم، لا من بردها، ولا من نسيم روائحها الشذية، وهذا معنى قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾.
﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ الأعراف في اللغة: جمع عُرْف، والفُعْل يُجمع على أفعال. والعُرْف في لغة العرب هو كل مكان من الأرض مرتفع تسميه العرب عُرْفًا (^١)، فالجبل المرتفع والرمل المرتفع تسميه العرب عُرْفًا، ومن ذلك عرف الديك لارتفاعه على سائر بدنه، وعُرْف الفرس لارتفاعه على سائر بدنها، فكل مرتفع تسميه العرب عُرْفًا، وتجمعه على أعراف، وربما قالوا للعُرْف عُرُف بضمتين، ومنه قول الكُميت (^٢):
أبْكَاكَ بِالعُرُفِ المَنْزِلُ وما أَنْتَ والطَّلَلُ المُحْوِلُ
وهذه الأعراف معناها بإطباق المفسرين: أماكن مرتفعة عالية، وأكثر المفسرين على أنها هي أعاليها، والسور وشرفاته؛ لأن هذا الحجاب المضروب بين أهل الجنة والنار، والسور الذي له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب له شرفات -أي: أعاليه له شرفات- مرتفعة في أعلاه هي الأعراف التي عليها هؤلاء الرجال المذكورون. وعلى هذا القول أكثر المفسرين، خلافًا لمن زعم أن الأعراف مرتفعات فوق الصراط عليها رجال على هذه المرتفعات
_________________
(١) انظر: المجمل لابن فارس، كتاب العين، باب العين والفاء وما يثلثهما. ص٥١٣ تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٤٩)، القرطبي (٧/ ٢١١)، الدر المصون (٥/ ٣٢٨)، معجم البلدان (٤/ ١٠٥).
(٢) البيت في الصحاح، باب الفاء، فصل العين (٤/ ١٤٠١)، معجم البلدان (٤/ ١٠٥).
[ ٣ / ٢٨٤ ]
فوق الصراط، محبوسون عن الجنة، مُزَحْزَحُونَ عَنِ النَّارِ. والأكثر أن المراد بالأعراف: أعالي ذلك السور وشرفاته المرتفعة عليها رجال. الرجال: جمع الرجل، واختُلف في المراد بهؤلاء الرجال الذين هم على الأعراف المذكورة على نحو من اثني عشر قولًا مدارها على قَوْلَيْنِ كل منهما تَتَفَرَّعُ مِنْهُ أقْوَالٌ (^١):
أحدهما: أن الرجال الذين هم على الأعراف رجال قَلَّت حسناتهم عن سائر أهل الجنة فاستوت حسناتهم وسيئاتهم؛ لأنه إذا وُزن أعمال الجميع بالميزان المتقدم في قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ [الأعراف: آية ٨] من ثقلت حسناته على سيئاته بقدر صُؤابة -وهي بيضة القملة- دخل الجنة، وكذلك من ثقلت سيئاته على حسناته فخفت كفة حسناته بقدر ذلك دخل النار، ومن اعتدلت سيئاته وحسناته فلم ترجح كفة السيئات، ولم ترجح كفة الحسنات؛ لأن آحاده قابلت عشراته فلم يكن هنالك رجحان لهذه ولا هذه فهؤلاء هم أصحاب الأعراف على قول جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم. وممن صرح بهذا: عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس (^٢) ﵃.
فعلى هذا مدار هذه الأقوال راجع إلى هذا القول، سواء قلنا ما قاله بعضهم من أنهم رجال جاهدوا في سبيل الله، فنهاهم آباؤهم، فعصوا آباءهم وعقوهم بالخروج، وقتلوا في سبيل الله، فمنعهم القتل في
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٥٢، ٤٦١)، القرطبي (٧/ ٢١١)، ابن كثير (٢/ ٢١٦).
(٢) كما في ابن جرير (١٢/ ٤٥٢ - ٤٥٧).
[ ٣ / ٢٨٥ ]
سبيل الله من دخول النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة فكانوا على الأعراف.
وكذلك قول من قال: إنهم بروا آباءهم وعقوا أمهاتهم، أو بالعكس، فمنعهم بر الأمهات من النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة. إلى نحو هذا من الأقوال فمداره راجع إلى شيء واحد، كما رُوي مصرحًا به عن عبد الله بن مسعود (^١) أنه الوزن، وأن من ثقلت موازينه دخل الجنة، ومن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ دخل النار، ومن اعتدلت موازينه فلم ترجح إحدى الكفتين على الأخرى كان على الأعراف. أقوال العلماء تدور على هذا. وعلى هذا القول فأصحاب الأعراف أقل عَمَلًا من غيرهم من أهل الجنة؛ لأن لهم سيئات ثبطتهم عن دخول الجنة، ولهم حسنات منعتهم من دخول النار. وعلى هذا فهم أقل مرتبة من أهل الجنة الذين دخلوها.
وقال بعض العلماء: كما سيأتي في أنهم إذا دخلوا الجنة تبقى في كل واحد منهم شامة بيضاء يُعرف بها.
وقال بعضهم: يقال لهم مساكين أهل الجنة؛ لأنهم آخر الداخلين فيها، سواء قلنا: إن الأعراف هو أعالي السور المذكور وشرفاته، أو أنه مرتفعات فوق الصراط كما قاله بعض العلماء. وعلى هذ القول فأصحاب الأعراف أقل درجة من أهل الجنة.
وذهب قوم إلى أن أصحاب الأعراف من أعظم درجات أهل الجنة، فزعم بعضهم أنهم ملائكة، وزعم بعضهم أنهم الشهداء، وزعم بعضهم أنهم خيار أهل الجنة من العلماء العاملين، والأتقياء
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٢/ ٤٥٣).
[ ٣ / ٢٨٦ ]
الكرام، أنهم جاءوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الله أجلسهم على هذا المكان المرتفع ليشرفوا على أهل النار وأهل الجنة على سبيل النزهة والتمتع بمعرفة أخبار الجميع، وما صار إليه أهل النار وأهل الجنة.
والذين قالوا هذا القول اختلفوا فيهم اختلافًا كثيرًا، بعضهم يقول: ملائكة. وهذا لا يساعده ظاهر قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ لأن الملائكة لا يُسَمَّوْن رجالًا. واحتجوا بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: آية ٩] أنهم في صفة الرجال، أو أنهم أنبياء، أو أنهم الشهداء، إلى غير ذلك.
وزعم بعضهم أنهم مؤمنو الجن. كما ذكرنا أن العلماء اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة (^١)؟ فزعم بعضهم أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وإنما جزاؤهم الإجارة من العذاب الأليم كما صرحوا به في قوله تعالى عنهم في سورة الأحقاف عن الجن حيث قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: آية ٣١] ولم يقولوا: يدخلكم الجنة. قالوا: فعلموا أنهم إن أجابوا داعي الله وأطاعوه كان جزاؤهم غفران الذنوب، والإجارة من العذاب الأليم، قالوا: وربما سمى الله الجن رجالًا أيضًا كقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: آية ٦] وقد قدمنا أن التحقيق أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كالمؤمنين من الإنس، وأنه دل عليه بعض الآيات، كقوله مخاطبًا للجن والإنس معًا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
[الرحمن: آية ٤٦] ثم بين شمول الوعد بهاتين الجنتين للإنس والجن معًا فقال بعده: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: آية ٤٧] وهو خطاب للإنس والجن بالإجماع كما بَيَّنَّا.
وقول من قال: إن أصحاب الأعراف من أعظم أهل الجنة رتبًا، أو أنهم ملائكة لا يتجه كل الاتجاه؛ لأنه يشير إلى عدم اتجاهه قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: آية ٤٦] على التحقيق من أنها في أصحاب الأعراف؛ لأن الملائكة وخيار أهل الجنة لا يناسب أن يقال فيهم: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ وإن احتج من قال هذا بأن العرب قد تطلق الطمع على اليقين، إلا أنه ليس بالإطلاق المعروف المشهور الذي يجب حمل القرآن عليه.
وأقوال العلماء في هذا كثيرة، أظهرها الذي عليه الجمهور من الصحابة فَمَنْ بَعْدَهم أن أصحاب الأعراف رجال منعتهم حسناتهم من دخول النار، ومنعتهم سيئاتهم من دخول الجنة، ولم يكن هنالك رجحان للحسنات على السيئات، ولا للسيئات على الحسنات. وظاهر القرآن أنهم كلهم ذكور؛ لأنه قال: ﴿رِجَالٌ﴾ ولم يقل (نساء). والمقرر في الأصول: أن لفظة (الرجال) لا يدخل فيها النساء (^١). وقال بعض العلماء: إذا ذكر الرجال فلا مانع من دخول النساء بحكم التبع. واستأنسوا لهذا بأن العرب تسمي المرأة (رجلة)، وتسمية المرأة (رجلة) لغة صحيحة معروفة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
_________________
(١) انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٢٣٤)، المذكرة (٢١٢).
(٢) البيتان في اللسان (مادة: رجل) (١/ ١١٣٢).
[ ٣ / ٢٨٨ ]
كُلُّ جَارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطًا غَيْرَ جِيرَانِ بَنِي جَبَلَهْ
مَزَّقُوا ثَوْبَ فَتَاتِهُم لمْ يُراعُوا حُرْمَةَ الرّجُلَهْ
يعني: المرأة. وقوله: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: آية ٤٦] جملة حالية.
﴿يَعْرِفُونَ كُلًاّ﴾ [الأعراف: آية ٤٦] التنوين تنوين عوض ﴿كُلًاّ﴾ من أهل الجنة وأهل النار.
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ السيما في اللغة: العلامة التي يُميَّز بها الشيء عن غيره (^١). فسيما أهل الجنة: ابيضاض الوجوه، ونضرة النعيم، والحُسن، وسيما أهل النار: اسْوِدَاد الوجوه، والقبح، والتشويه الخلقي بأكل النار لهم والعياذ بالله ﴿يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٦].
ثم بين الله أن أصحاب الأعراف ربما نظروا تارة إلى الجنة، وربما أُجبروا على النظر إلى أهل النار؛ لأن منظر النار فظيع جدًّا، لا ينظر إليه أحد باختياره، ولذا قال: ﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: آية ٤٦] إذا نظروا إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم حيوهم تحية كريمة، نادوهم من مكانهم: ﴿أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٦] ومعنى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلمتم من جميع الآفات، وصرتم في مأمن من كل ما يؤذي. وهذه (^٢) تحية الإسلام: (السلام عليكم) لأن (السلام) معناه السلامة من كل الآفات (عليكم)، وهي أحسن تحية يُحيَّا بها، تحية الإسلام أحسن من تحيات الجاهلية وتَحَايا الملوك.
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: سام) ص٤٣٨.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
فأحسن تحية هي تحية الإسلام. (السلام عليكم) معناه: سلمكم الله من جميع الآفات، ومن كل شيء يؤذيكم. وكان الجاهلية يُحيُّون فيقولون: حياك الله، و(حياك الله): أطال الله حياتك. ومن ذلك قيل للسلام: تحية؛ لأن التحية مصدر: حَيَّاه يحيِّيه تحية. أصلها: (تَحْيِيَة) لأن المُقَرَّرَ في فن التصريف أن (فعَّل) مُضعَّفة العين إذا كانت معتلة اللامَ ينقاس مصدرها على (التَّفْعِلة) كزكاه تزكية، ونَمَّاهُ تنمية، وحيَّاه تَحْييَة، إلا أن الياء أُدغمت في الياء فقيل: (تحية) (^١). ومعنى: (حيَّاك الله): أطال الله حياتك. ومطلق الدعاء بطول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأن الإنسان قد تكون حياته تعسة نَكِدَة يتمنى أن يستريح منها بالموت، فرب حياة يفضل صاحبها عليها الموت، كما قال بعض المتأخرين (^٢):
أَلَا مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشْتَرِيهِ فَهَذَا العَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ
أَلَا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ تَصَدَّقَ بِالوَفَاةِ عَلَى أَخِيهِ
فهذا يريد من يتصدق عليه بالموت تفضيلًا لها على حياته. ومنه الأبيات المعروفة، قيل إنها للأعشى ميمون بن قيس، وقيل لغيره (^٣):
المَرْءُ يَرْغَبُ فِي الحَيَا ةِ وَطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضُرُّهْ
تَفْنَى بَشَاشَتُهُ وَيَبْـ قَى بَعْدَ حُلْوِ العَيْشِ مُرُّهْ
وَتَسُوؤُهُ الأَيَّامُ حَـ ـتَى مَا يَرَى شَيْئًا يَسُرُّهْ
كَمْ شَامِتٍ بِي إِذْ هَلَكْـ تُ وَقَائِلٍ للهِ دَرُّهْ
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٩٣.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
فالشاهد أن (حياك الله) أي: أطال الله حياتك. طول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأنه ربما يكون في حياة مزعجة قَلِقَةٍ يَتَمَنَّى أنْ يَمُوتَ، فالموت خير منها، كما جاءت الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أنه في آخر الزمان يأتي الرجل قبر أخيه فيتمَنَّى كل المُنى أن يكون مكانه ميتًا؛ قَلَقًا من حياته، وإيثارًا للراحة منها من كثرة الفتن، والعياذ بالله (^١).
هذا معنى ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: سلمكم الله سلامًا. فالسلام اسم مصدر (سلَّم) وقد تقرر في علم العربية (^٢) أن (فَعَّل) مُضعَّفة العين قياس مصدرها (التفعيل) إلا إذا كانت معتلة اللام أو مهموزته فالقياس في مصدرها (التَّفْعِلة) ويكثر إتيان (الفَعَال) بدلًا من (التفعيل) اسم مصدر، كما تقول: سلَّم عليه سلامًا؛ أي: تسليمًا. وكلَّمَهُ كلامًا؛ أي: تكليمًا. وبين له الأمر بيانًا؛ أي: تبيينًا. وطلّق امرأته طلاقًا؛ أي: تطليقًا. ومنه (السلام) لأنه مصدر (سلَّم) فمعنى (سلام عليكم) سلمكم الله من جميع الآفات، وهذه تحية عظيمة، وإنما ساغ الابتداء بالنكرة هنا لأنها في معرض الدعاء.
﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعر اف: آية ٤٦].
(أنْ) هذه كاللواتي قبلها التي ذكرنا احتمال كونها مخففة من الثقيلة، أو أنها تفسيرية. فعلى أنها مخففة من الثقيلة فاسمها ضمير الشأن المستكن، وخبرها جملة المبتدأ والخبر. وعلى أنها تفسيرية
_________________
(١) السابق.
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٧٧ - ٧٩).
[ ٣ / ٢٩١ ]
فهي بمعنى (أي) وما بعدها يفسر ما قبلها. وضابط (أن) التفسيرية: هي أن يتقدمها معنى القول وليس فيه حروف القول (^١). والمناداة التي تقدمتها فيها معنى القول وليس فيها حروف القول. هذا ﴿أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أظهر التفسيرين في قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أنه واقع على أصحاب الأعراف، ولا محل للجملة من الإعراب على أصح القولين. فكأن سائلًا سأل قال: ما شأن أصحاب الأعراف هؤلاء الذين يُحيُّون أهل الجنة ويخاطبون أهل النار، ما قصتهم، وما شأنهم؟ فأجيب بقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ لم يدخلوا الجنة بالفعل ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها في ثاني حال طمعًا منهم في رحمة ربهم وفضله جل وعلا، وهذا هو أصح التفسيرين، خلافًا لمن قال إن الأعراف أنها شرفات عالية فوق الصراط مرتفعات في الصراط، عليها هؤلاء الرجال، تمر بهم زُمَرُ الجنة، وزُمَرُ أهل النار، فإذا رأوا زُمَر أهل الجنة عرفوهم بسيماهم، وحيوهم، وقالوا لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ أي: أهل الجنة الذين هم مارون بأهل الأعراف ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها لأنهم ذاهبون إليها. هذا القول قال به جماعة من علماء التفسير، والأول أظهر منه.
ومعنى ﴿يَطْمَعُونَ﴾ الطمع: هو تعلق النفس وأملها في الحصول على الشيء. وهذا معنى قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ والأول أظهر من الثاني.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: آية ٤٧] ﴿صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ معناه قلبت عيونهم ﴿تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ﴾، إلى جهة أصحاب النار ومقابلتهم حتى يروهم. والعبارة بقوله: ﴿صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ تدل على أن الله هو الذي صرف أبصارهم إليهم، وأنهم ما كانوا يحبون النظر إليهم اختيارًا لشدة الهول وفظاعة الأمر - والعياذ بالله - ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ أي: قُلبت أبصارهم تجاه أهل النار ونظروا ما هم فيه من العذاب - والعياذ بالله - وما هم فيه من سوء الحال، واسوداد الوجوه، وتغيير الخلقة، وإحراق النار لهم، تَعَوَّذوا بالله من النار ومن شَرِّهَا، وتضرعوا ملتجئين إلى الله أن لا يجعلهم من أهل النار، قالوا: ﴿رَبَّنَا﴾ يا خالقنا وسيدنا ومدبر شؤوننا أعذنا من النار و﴿لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٤٧] أي: لا تصيرنا مع القوم الظالمين. يعنون: أصحاب النار. وقد قدمنا أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، يطلق بأصل الوضع العربي على خصوص الذكور، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع (^١) والدليل على إطلاقه بالأصالة على الذكور دون الإناث قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: آية ١١] فعطفه النساء على القوم يدل على أنهن لم يدخلن فيهم بحسب الوضع. ومن ذلك قول زهير (^٢):
وما أدري وسوفَ إِخَالُ أَدري أَقَومٌ آل حصنٍ أم نساءُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
فجعل النساء غير القوم. والدليل على دخول النساء في القوم بحكم التبع قوله تعالى في ملكة سبأ (بلقيس): ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣] فصرح أنها من قوم. دخلت في اسم القوم بحكم التبع.
ومعنى: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ قد قدمنا أن الظلم يطلق على الكفر، وهو أعظم أنواعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه (^١)، وأنه يطلق على ظلم دون ظلم، كظلم المسلم لنفسه. والظاهر أنهم يعنون الكفار، والكفار هم رؤساء الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسَّر قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: آية ٨٢] قال: بشرك (^٢). وقد قدمنا أن كل من وضع شيئًا في غير موضعه فقد ظلم، وأن أكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير الخالق؛ لأن أكل الإنسان رزقه ونعمه وتقلبه في فضله وهو يعبد غيره وضع للعبادة في غير موضعها. وذلك معروف في كلام العرب، فكل من وضع شيئًا في غير موضعه تقول له العرب: ظالمًا، وقد ذكرنا مرارًا أنهم يسمون الذي يضرب لبنه قبل أن يروب (ظالمًا) لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، فهو ضرب في غير موضعه، فهو ظلم (^٣).
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
وهذا معروف في كلامهم. وفي لُغَز الحريري في مقاماته: «هل يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا» (^١) يريد أن القاضي إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من أن يُستقضى إذا كان من أهل العلم، وهو معروف كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي وَهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكَدِ الظَّلِيمِ
والعَكَد: عَصَب اللسان. ويُروى: «على العكَد الظليم» ومنه قول الآخر في سقاء له من اللبن صبَّه وسقاه قومه قبل أن يروب (^٣):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شكَاتُهُ ظَلَمْتُ وَفِي ظَلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ
ومنه قيل للأرض التي حُفرت وليست محل حفر: (مظلومة)، وقيل للتراب الذي يستخرج من حفر القبر: (ظليم) لأنه حَفرٌ في غير محل الحفر، لم يحفر قبل هذا، ولم يكن معهودًا لأن يحفر لاستخراج ماء ونحوه. ومِنْ إِطْلاقِهِ عَلَى الأرض التي حُفِرَتْ ولَيْسَتْ محلًاّ للحَفْرِ قَوْل نابغة ذبيان (^٤):
إلا الأوَاريَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
أي: بالأرض المظلومة المحفور فيها وهي ليست محلًاّ للحفر؛ لأن الحفر وُضع في غير موضعه. وهذا هو المعنى الصحيح، خلافًا لمن زعم أن المظلومة هي التي تأخر عنها المطر، ومنه قيل
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
لتراب القبر (ظليم) لأن حَفْرَه ليس في محل الحَفْر عادة قبل ذلك. ومنه قول الشاعر يصف ميتًا مدفونًا في قبره مردودًا عليه تراب القبر (^١):
فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ مِنَ الْعَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْها ظَليمُها
وهذا معنى معروف في كلام العرب: فأكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير موضعها وهو الكفر بالله ﴿وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وفيه ظلم دون ظلم، كالذي يطيع الشيطان ويعصي الله معتقدًا أنه فاعل معصية، وأنه مرتكب قبيحة؛ لأن هذا من عصاة المسلمين الذين إن شاء الله غفر لهم، وقد ذكرنا أن الظالم لنفسه من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة؛ لأنه يخلط العمل الصالح والعمل السيئ، فقد يتوب الله عليه.
ومعنى قوله: ﴿لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تَصَيِّرْنَا مع أهل النار في ذلك العذاب الشديد والإهانة العظيمة -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: آية ٤٧] في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّات (^٢):
قرأه قالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير، وأبو عمرو في جميع الروايات: ﴿تلقَا أصحاب النار﴾ [الأعراف؛ آية ٤٧] بحذف إحدى الهمزتين مع المد بناءً على أن المحذوفة الأخيرة، ومع عدم المد بناء على أن المحذوفة الأولى.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص (١٢٥ - ١٢٦)، الإتحاف (١/ ١٩٣)، (٢/ ٤٧، ٥٠).
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وقرأه ورش عن نافع، وقنبل عن ابن كثير: ﴿تِلْقَآء أصْحَاب النار﴾ بمد الثانية همزًا للأولى، ومدها نظرًا للساكن بعدها.
وقرأه بقية القراء السبعة، وهم حمزة، والكسائي، وعاصم، وابن عامر: ﴿تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ﴾ بتحقيق الهمزتين.
والتلقاء: مصدر، معناه أن يكون الشيء جهة الشيء الذي يُتلقى منها. ولم يأت مصدر على (التِّفعَال) بكسر العين إلا (التلقاء، والتبيان) أما غير ذلك من المصادر فهو بالفتح في كل شيء، كالتَّسْيَار، والتَّذكار، والتَّطواف (^١). أما الأسماء فهي تأتي كثيرًا على (تِفْعال) كتِقصار، وما جرى مجراه، كما هو معروف في علم العربية. ﴿قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٤٧].
ثم بين (جل وعلا) أن أصحاب الأعراف ينادون رجالًا من أهل النار ويوبخونهم، وظاهر القرآن أنهم يعرفونهم في الدنيا، ويعرفونهم في النار بسيماهم فينادونهم ويوبخونهم ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ [الأعراف: آية ٤٨] يعني من أهل النار ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٨] وبخُوهم وقالوا لهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٤٨] ماذا نفعكم به؟ العرب تقول: أغنى عنه الشيء يغني: إذا نفعه. والاسم من هذا يُسمى (غَناء) لأن العرب تسمي النفع (غَناء) وتسمي المطرب الخبيث (غِناء) وتسمي الإقامة (غَنىً). فالمادة موجودة منها خمس لغات (^٢)، وهي: (الغِناء) بالكسر والمد،
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٣١).
(٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ٥٦٩)، المصباح المنير (مادة: غنت) ص١٧٣، اللسان (مادة: غنا) (٣/ ١٠٢٤)، القرطبي (٧/ ٢٥١ - ٢٥٢)، الدر المصون (٥/ ٣٨٧).
[ ٣ / ٢٩٧ ]
و(الغَناء) بالفتح والمد، و(الغِنى) بالكسر والقصر، و(الغَنى) بالفتح والقصر، و(الغُنى) بالضم والقصر، كلها موجودة في اللغة، ولم يوجد منها (الغُناء) بالضم فالمد، هذا ليس بموجود في العربية.
أما (الغِنَى) بالكسر والقصر فهو ضد الفقر. وأما (الغِنَاء) بالكسر والمد فالمراد به المطرب قبحه الله. وأما (الغَنَاء) بالفتح والمد كسحاب فهو النفع، ومنه قول الشاعر (^١):
قَلَّ الغَنَاءُ إِذَا لَاقَى الفَتَى تَلَفًا قَوْل الأَحبَّةِ: لا تَبْعدْ وقدْ بعدَا
وقول هبيرة بن أبي وهب على إحدى روايتي بيته (^٢):
لَعَمْرُكَ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ جُبْنًا وَلَا خِيفَةَ الْقَتْلِ
وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي
أي: نفعًا. ويروى (مساغًا) فالغَنَاء: النفع. ومن الغَنَاء بمعنى النَّفْعِ قولهم: فلان لا يُغني شيئًا؛ أي: لا ينفع بِشَيْءٍ. و﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي: ما نفعكم بشيء. هذا (^٣) من هذه المادة. أما (الغُنى) بالضم والقصر فهو جمع غُنية، والغُنية ما يَقْتَنِيه الإنسان فيستغني به عن الناس. وأما (الغَنى) بالفتح والقصر فهو مصدر غَنِيَ بالمكان يَغنَى به غَنىً على القياس إذا أقَامَ به. ومنه قوله: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس: آية ١٢٤] أي: كان لم تقِم بالأمس. هذا معنى هذه المادة وتصاريفها في لغة العرب. والمعنى: ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ نفعكم بشيء، ولا دفع عنكم شيئًا.
_________________
(١) البيت في المساعد على تسهيل الفوائد (٢/ ٢٣٥).
(٢) البيتان في السيرة لابن هشام ص (١٠٨٥ - ١٠٨٦)، وأوله: «لعمري » إلخ.
(٣) سيأتي قريبًا عند تفسير الآية (٩٢) من هذه السورة.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
وقوله: ﴿جَمْعُكُمْ﴾ هو ما كنتم تجمعون في دار الدنيا من الأموال، وما كنتم تتخذونه من الجمع المُؤَيِّد من الأولاد والأعوان، كل ما كنتم تجمعونه في الدنيا من الأموال، وتتخذون من الأعوان والأولاد، كل ذلك لم يُغْن عنكم شيئًا، لم ينفعكم بشيء، ولم يدفع عنكم شيئًا؛ إذ أنتم في دركات النار والعياذ بالله.
﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (ما) مصدرية. أي: ولم يغن عنكم كونكم مستكبرين في الدنيا متكبرين متعاظمين، لم يغن عنكم ذلك الاستكبار والتعاظم شيئًا؛ لأنكم صِرْتُمْ إلى دركات النار. وبعض المفسرين يزعم أنهم ينادون الرؤساء بأسمائِهِمْ فيقولون: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا فلان بن فلان، يا عتبة بن ربيعة، يا فلان بن فلان ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ توبيخًا وتقريعًا لهم والعياذ بالله.
وظاهر القرآن أن هذا التوبيخ والتقريع من أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين هم في النار، وأصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة وأهل النار، ولا مانع من أن الله يُطْلِع مَنْ فِي الجَنَّة على مَنْ في النار كما سيأتي في قوله: ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء﴾ [الأعراف: آية ٥٠] وستأتي قصة الرجل في سورة الصافات (^١)؛ لأن الله ذكر في الصافات قصة رجل وأجملها، والمفسرون يبسطونها ويشرحونها، إلا أن شرحهم لها وبسطها من القصص الإسرائيلية التي لا يعوَّل عليها، إلا أن القرآن جاء بقدر منها كاف. زعموا أنه كان رجلان في دار الدنيا شريكين ولهما مال عظيم، فاقتسما المال، وكان أحدهما مسلمًا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
والآخر كافرًا، فكان المسلم يقول للكافر: يا أخي تصدق من مالك واتق الله، وذلك يقول له: أنت مفقود العقل كيف نحيا بعد الموت؟ هذا أمر لا يكون وأنت لا عقل لك!! ثم إن الكافر اشترى بساتين جميلة، ثم سأل ذلك عن الثمن فقيل: اشتراها بكذا، فقال: اللهم إن فلانًا اشترى كذا وكذا من البساتين بكذا وكذا من المال، اللهم إني أشتري إليك من بساتين الجنة بمثل ما اشترى، ثم أخذ قدر الثمن وتصدق به. ثم إن الكافر تزوج امرأة جميلة بارعة في الجمال، وبذل لها مهرًا عظيمًا. فقال المؤمن: اللهم إن فلانًا تزوج فلانة، وبذل لها من المال كذا، اللهم إني أخطب إليك بقدر ذلك المال من الحور العين، ثم تصدق به على الفقراء. وهكذا إلى أن نفد ما عنده. فجاء لصاحبه الكافر يريد أن يعمل أجيرًا عنده فطرده ومنعه، وكان يراوده على الرجوع إلى الكفر، فدخل ذلك المؤمن الجنة وذلك الكافر النار، فبعض الأوقات كان ذلك المؤمن يتحدث مع إخوانه في نعيم الجنة، فأخبرهم أنه كان له صاحب في دار الدنيا من أمره كيت وكيت، وقال لهم: انظروا معي في النار لنعلم ما صار إليه، وننظر ماذا كان مصيره. فقالوا له: لا حاجة لنا فيه، ولا معرفة لنا به، وأنت إن شئت فانظر. فنظر في النار فرآه يتقلب في دركات الجحيم، وهذا الذي ذكرنا الآن تفاصيله إسرائيليات تُحكى ولا يعول عليها.
والصحيح الثابت هو ما نص عليه القرآن في سورة الصافات، وهو قوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ يعني في دار الدنيا ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ وفي القراءة الأخرى (^١):
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٧٦.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ (٥٢)﴾ ﴿لمن المُصَّدِقين﴾ (^١) ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ أي: مطلعون معي لننظر مصيره ﴿فَاطَّلَعَ﴾ أي: فاطلع هو، أي: صاحبه المؤمن من الجنة إلى النار ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: الآيات ٤٨ - ٥٧].
وقصة هذا الرجل التي ذكرناها استطرادًا تدل على المباعدة من قرين السوء؛ لأن هذا الرجل المؤمن الكريم حلف بالله وهو في الجنة أن قرينه قرين السوء كاد أن يهلكه ويلقيه في النار حيث قال: ﴿قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ أي: معك في النار؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: الآيتان ٤٨، ٤٩].
واختُلف في قائل هذا القول (^٢)، فظاهر القرآن أنه من بقية كلام أصحاب الأعراف، يوبخون رؤساء أهل النار، ويقولون لهم: أهؤلاء الضعفاء المساكين الذين كنتم تسخرون منهم في الدنيا، وتستهزئون بهم، وتضحكون منهم، وتقولون: الله أعظم من أن يعبأ بهؤلاء، والله لا يدخلهم جنة، ولا يدخلهم نعيمًا أبدًا ﴿أَهَؤُلاء﴾ الضعفاء المساكين الذين كنتم تستهزئون بهم في الدنيا وتسخرون منهم وتُقسمون - تحلفون بالله - ﴿لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ﴾ ماذا قال لهم الله؟ قال لهم: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:
_________________
(١) القراءة بتشديد الصاد من (المُصَّدِقين) رواية عن حمزة، كما في القرطبي (١٥/ ٨٢)، البحر المحيط (٧/ ٣٦٠)، الدر المصون (٩/ ٣٠٨).
(٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٦٩)، القرطبي (٧/ ٢١٤).
[ ٣ / ٣٠١ ]
آية ٤٩] وعلى هذا فيكون أصحاب الأعراف قد وبَّخوا رؤساء الكفر والقادة بأنهم لم يغن عنهم تكبرهم في الدنيا وجمعهم، وأن الضعفاء المساكين الذين كانوا يسخرون منهم أحلّهم الله دار كرامته، ونفى عنهم الخوف والحزن أبدًا.
وقال بعض العلماء: ﴿أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ﴾ هي من كلام الله يوبخ بها الكفار، أو من كلام بعض الملائكة أمره بذلك، وأن قوله: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ راجعه إلى أصحاب الأعراف، أن أصحاب الأعراف بعد أن وبَّخوا أهل النار وهم بين الجنة والنار يطمعون أنه بعد ذلك يرحمهم الله فيتفضل عليهم، ويقول لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وهذا الوجه الأخير ذكره جماعة كثيرة من المفسرين، والأول أظهر، وإن كان القائل بهذا الأخير كثيرًا جدًّا من علماء التفسير.
والجنة هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه.
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ قد بيَّنَّا (^١) أنَّ الخوف في لغة العرب هو: الغم من أمر مستقبل - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه - وأن الحَزَن - يُسمى (حَزَنًا) ويسمى (حُزْنًا) وفعله يأتي على (حَزَنَ وحَزِن) ومضارعه يأتي على (يَحزِن) و(يَحْزُن) - أنه والعياذ بالله - غم من أمر فائت. تقول: فلان حزين، إذا أصابته مصيبة وكان حزينًا من أمر قد مضى ووقع. وتقول: فلان خائف: إذا كان مغمومًا من أمر يتوقعه ولم يأت بعد. هذا أصل الخوف والحزن في لغة العرب -أعاذنا الله منهما- وربما وضعت العرب أحدهما في موضع الآخر فعبرت
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
بالخوف عن غم من أمر فائت. وربما عبّروا بالحزن عن الغم من أمر مستقبل، ربما وضعت أحدهما في موضع الآخر. وهذا معنى قوله: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالُواْ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: آية ٥٠] بين (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة أن الكفار في دركات النار - والعياذ بالله - إذا أحرقتهم النار وأضر بهم الجوع الشديد والعطش الشديد مع إحراق النار سألوا أهل الجنة، وفي قصتهم أنهم يقولون لله: إن لنا قرابات في الجنة فَأْذَن لنا أن نراهم ونقابلهم ونكلمهم، وأنهم إذا قابلوهم يدعو الواحد أخاه، والواحد أباه، والواحد ابنه، والواحد يدعو ابن عمه؛ لأنه -والعياذ بالله- يكون أَخَوَان أحدهما في الجنة، والثاني في النار، ويكون أَخَوَان، الابن في الجنة، والأب في النار والعكس، فيقولون -لهم يستغيثون بقراباتهم- إنهم في إحراق وجوع وعطش، ويطلبون منهم أن يفيضوا عليهم من الماء ليتبردوا من شدة الحريق الذي هم فيه وشدة العطش، فيجيبوهم: بأن الله حرم ما في الجنة على الكفار - أعاذنا الله من الكفر- وهذا معنى قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء﴾ [الأعراف: آية ٥٠] (أن) هي كالمذكورات قبلها في القولين اللذَين بينَّا.
﴿أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء﴾ إفاضة الماء: صبه بكثرة وسعة.
﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ [لأعراف: آية ٥٠] (أو) هنا مانعة خلو مُجوِّزة جمع، يجوز أن يكون الماء وحده، أو ما رزقهم الله، أو الجميع.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ بعضهم يقول: مما رزقكم الله من الأنواع التي تشبه الماء كالألبان وكالخمر؛ لأن الإفاضة يظنون أنها تختص بالسائلات، وعلى هذا قدروا في قوله: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ أو ألقُوا إلينا مما رزقكم الله. وهذا وإن كان سائغًا في اللغة العربية - أن يُحذف فعل يدل [عليه] (^١) المقام، وهذا موجود كثيرًا في اللغة العربية - إلا أنه لا يُحتاج إليه في هذه الآية الكريمة، وهو معروف في كلام العرب، كقول الراجز (^٢):
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
لأن الماء البارد لا يُعلف. يعني: علفتها تبنًا وسقيتها ماءً، ومنه قول الآخر (^٣):
إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا وَزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا
لأن العيون لا تُزجج. والمعنى: وأكحلن العيون. وقول الآخر (^٤):
وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
لأن الرمح لا يُتقلد. أي: وحاملًا رمحًا. وهذا كثير في المنصوبات. ومن أمثلته في المرفوعات قوله جل وعلا - على أحد التفسيرين - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ لأن الجلود لا تصهر. أي: لا تُذاب. معناه: وتحرق الجلود. ونظيره في
_________________
(١) في الأصل: «على».
(٢) البيت في الخصائص (٢/ ٤٣١).
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٠٨) من سورة الأنعام.
(٤) البيت في الخصائص (٢/ ٤٣١)، شرح القصائد المشهورات (١/ ١٣٣).
[ ٣ / ٣٠٤ ]
المرفوعات من كلام العرب قول لبيد بن ربيعة في معلقته (^١):
فَعَلا فُرُوعُ الأَيْهُقَانِ وأَطْفلَت بالجَلْهَتين ظِباؤُها ونَعَامُها
لأن النعام لا يُطْفِل، وإنما هو يبيض حتى بعد ذلك ينفلق البيض عن الأطفال. هكذا قال بعضهم، والتحقيق أن إفاضة الشيء وإلقاءه بكثرة قد يكون في المائعات وغير المائعات، وقد أطلقه الله على الآدميين المفيضين من عرفات وهم ليسوا من المائعات، كما قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: آية ١٩٩] ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: آية ١٩٨] والعرب تقول: «أفاض علينا من طعامه، وأفاض علينا من رزقه». إذا أكثر، كما هو معروف. فلا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذهب إليه كثير من المفسرين.
﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ من مآكل الجنة ومشاربها، يطلبونهم ويستجدونهم. قال بعض العلماء: يسألون مع اليأس. وقال بعضهم: لهم طمع لشدة ما هم فيه. فأجابهم المؤمنون في الجنة، فقالوا: ﴿إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا﴾ أي: الشيئين اللذين [سألتم] (^٢)، وهما: الماء وما رزقنا الله من نعيمه غير الماء.
﴿حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ٥٠] والتحريم هنا تحريم كوني قدري، أي: منعهما من الكافرين؛ لأن التحريم يُطلق
_________________
(١) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٣٢). وقوله: «الأيهُقَان» جمع أَيهُقانة، وهو الجرجير البري. وقوله: «وأطفلت» أي: كثُر أطفالها. والجلهتان: جانبا الوادي. والمعنى: أن الشاعر يصف ديارًا خلت من أهلها فنما فيها الجرجير البري وارتفع وكثر أولاد الوحش بها لأمنها فيها.
(٢) في الأصل: «سألتما».
[ ٣ / ٣٠٥ ]
في القرآن وفي لغة العرب على التحريم الشرعي، وعلى التحريم بمعنى المنع. وليس المراد هنا أنهما شرعًا محرمات، ولكنه تحريم قدري، وأن الله منع منهما الكافرين منعًا باتًّا بقدره وقضائه، ونظيره من التحريم بالمعنى القدري لا بالمعنى الشرعي قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: آية ٢٦] وقوله جل وعلا: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: آية ١٢]؛ لأن الرضيع لا يؤاخذ بالتحريم الشرعي حتى يكون عليه حرام أو حلال. والمعنى: منعناه منهما. ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء: آية ٥٠] هو من التحريم بمعنى المنع كونًا وقدرًا. والتحريم بمعنى المنع معروف في كلام العرب، مشهور في لغتهم التي نزل بها القرآن، ومنه قول الشاعر (^١):
حَرَامٌ عَلَى عَيْنَيَّ أَنْ تَطْعَمَ الْكَرَى وَأَنْ تَرْقَآ حَتَّى أُلَاقِيكِ يَا هِنْدُ
فمعنى «حرام على عيني أن تطعم الكرى»: ممنوعتان من ذوق النعاس والنوم. ونظيره قول امرىء القيس لِفَرَسِهِ (^٢):
جَالتْ لِتَصْرَعنِي فَقُلْتُ لهَا اقْصُرِي إِنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُ
أي: لا تقدرين عليه. فمعنى: ﴿إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ حكم بمنعهم منهما حكمًا باتًّا، كما قال (جل وعلا) عن عيسى ابن مريم: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّة وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: آية ٧٢] وكذلك الكفار كما أن الجنة حرام عليهم فما فيها من الماء والرزق والنعيم حرام عليهم لا يذوقونه أبدًا. وهذا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
معنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
ثم أخذوا يوبخونهم بصفاتهم الخسيسة التي كانوا يرتكبونها في دار الدنيا فقال: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: آية ٥١] إنما أضاف الدين إليهم مع أنهم ليس لهم دين - قبحهم الله - لأن الدين أمرهم الله به، وأرسل إليهم نبيه يدعوهم إليه، فكان من حقهم أن يعتنقوه، وأن يطيعوا الله، فلم يكن لهم دين إلا هذا اللهو واللعب، واللهو واللعب متقاربان (^١)، قال بعض العلماء: اللهو: هو صرف النفس عما ينفع ويفيد إلى ما لا ينفع ولا يفيد. واللعب: هو أن يطلب الإنسان لنفسه الفرح والسرور بما لا ينبغي أن يفرح به، ولا أن يُسَرَّ به. وهما متقاربان.
ومعنى اتخاذهم الدينَ لهْوًا ولَعِبًا: أنهم يسخرون من القرآن، ويسخرون من النبي ﷺ، ومن ضعفاء المسلمين، يستهزئون بالدين وبأهل الدين. وبذلك اتخذوا الدين [٨ / ب] لهوًا ولعبًا كما قال (جل وعلا) أنهم إذا مر بهم ضعفاء المسلمين:/ ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (٣١)﴾ [المطففين: الآيتان ٣٠، ٣١] ويسخرون منهم ويستهزئون كما قال (جل وعلا) عنهم إنهم يقولون: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: الآيتان ١٤، ١٥] ويسخرون من المؤمنين كما سخروا من نبي الله نوح، وقالوا له: بعد أن كنت نبيًّا صرت نجارًا. وقال لهم: ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ
_________________
(١) انظر: الفروق اللغوية ص٢١٠، المفردات (مادة: لعب) (٧٤١)، (مادة: لهى) ص٧٤٨.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (٣٩)﴾ [هود: الآيتان ٣٨، ٣٩] وهذا معنى اتخاذهم الدين لهوًا ولعبًا.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: آية ٥١] أي: خدعتهم الدنيا بِلَذَائِذِهَا ونعيمها، وظنوا أنها غير زائلة، وأنها لا جزاء بعدها، فألهتهم لذاتها -والعياذ بالله- والانهماك فيها حتى ماتوا وهم كفار.
وهذه الآيات ينبغي للمسلم أن يعتبر بها، ويأخذ منها عظات كريمة، فيعلم أن يوم القيامة إنما هو بحسب الأعمال، هنالك قوم قصرت بهم أعمالهم تقصيرًا شديدًا فأُدخلوا دركات النار، وقوم قصرت بهم أعمالهم تقصيرًا غير شديد فحُبسوا عن الجنة، وقوم لم تُقصر بهم أعمالهم فأُدخلوا الجنة، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه، كما ثبت عن النبي (^١)
ﷺ. والمراد من قصص هذه الأخبار أن نعتبر في دار الدنيا، ونعلم أن الأمور بحسب الأعمال، وأن من قصّر به عمله كان في دركات النار، ومن قصر به عمله تقصيرًا أخف من ذلك حُبس عن الجنة إلى ما شاء الله. فعلينا أن نحذر من التقصير في طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن التقصير قد يجر إلى دركات النار، وقد يجر أيضًا إلى الحبس عن الجنة. فعلى المسلم أن يحذر من هذا ومن هذا، وأن يطيع الله ويبالغ في مرضاة الله بامتثال أوامر الله واجتناب نواهي الله بحيث لا يتخلف عن أمرٍ أمره الله به، ولا يوجد عند أمر نهاه الله عنه؛ ليدخل الجنة، ولا يدخل النار، ولا يُحبس عن الجنة بسيئاته.
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن. حديث رقم: (٢٦٩٩)، (٤/ ٢٠٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
هذا يلزم، كذلك لا يتخذ الدين هُزُؤًا ولعبًا؛ لأن الذين يتخذون الدين هُزُؤًا ولعبًا سيجدون غِبَّ ذلك. وأتباع هؤلاء كثروا في هذا الزمان والعياذ بالله؛ لأن كل نزعة كفرية تتجدد لها أغصان بعروقها القديمة، وهذه النزعة متجددة الآن تجددًا كثيرًا؛ لأنك تجد كثيرًا من الشباب في جميع أقطار المعمورة ممن ينتسبون إلى الإسلام يتخذون الدين هزؤًا ولعبًا، ويتمسخرون من الذي يصلي، ومن الذي يتسم بسمت الأنبياء، فيعفي ذقنه ولا يحلقه، وربما قلدوا عليه التيس استهزاءً واستحقارًا، فهؤلاء ينالهم من وعيد الذين اتخذوا دينهم هزؤًا ولعبًا بقدر ما ارتكبوا، فيجب على كل مسلم شابًّا كان أو غيره أن لا يتخذ الدين هزوًا ولعبًا، وألا يتخذ الدين لهوًا ولعبًا، فلا يسخر من الدين، ولا يسخر من أهله، ولا يسخر من حملة الدين، ولا من العلماء، ولا من هيئاتهم. مع أن الذين يسخرون ذوقهم معكوس، وضمائرهم منطمسة؛ لأن هذا الذي يسخرون منه هو الشيء الذي ينبغي، وهم في الحالة التي يُسخر منها، كما في أمثال العرب: (رمتني بدائها وانسَلَّت) الآن إذا رأيتَ رجلًا ذقنه مثل ذقني، له لحية بيضاء موفورة لم تقطع منها شعرة، إذا سافر ورآه صبيان المسلمين وشبابهم في الخارج ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار، كأنه في أعينهم تيس، لا يفهم عن الدنيا، ولا يساير ركب الحضارة، مع أنه في الواقع أن الرجل المعفي ذقنه المتسم بسمة الأنبياء هو الرجل العاقل الآخذ بالسمت الكريم؛ لأن هذه اللحية هي أعظم ما يتميز به الذكر عن الأنثى، فحلقها والفرار منها فرار من كرم الرجولة وشرف الذكورة إلى أنوثة الخنوثة، يريد أن يتشبه بالأنثى!! وهذا شرف وكرم وجمال في وجهه، وميزة لفحولته وذكورته عن خنوثة الأنثى
[ ٣ / ٣٠٩ ]
وضعفها.
والرجال الكرام الذين أخذوا كنوز قيصر وكسرى لم يكن واحد منهم يحلق شيئًا من ذقنه، وكذلك سيد الخلق ﷺ كان أجمل الناس، وأحسن الناس وجهًا، وأكثر الرجال نساءً، ولحيته كثة معفاة، هي في غاية الجمال والكمال، فيجب على كل شاب وعلى كل مسلم أن لا يتمسخر من الإسلام، وأن لا يتخذ الإسلام لهوًا ولعبًا وأن لا يسخر من حملة الدين، ولا من هيئات العلماء، وليعلم أن هيئات العلماء هي السمت الذي كان عليه السلف الصالح، والصحابة الكرام، والنبي ﷺ، وهو سمت الأنبياء الكرام في ماضي الزمان.
هذا هارون - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- من أنبياء سورة الأنعام الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأنعام: آية ٨٤] وقال الله لنبينا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: آية ٩٠] وثبت في صحيح البخاري (^١) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص؟ قال: أوَمَا تقرأ؟! قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ [إلى أن قال:] (^٢) ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وهارون من الأنبياء الذين أمر نبينا أن يقتدي بهم، ومن الاقتداء بهم: الاقتداء في سمتهم الكريم - لما غضب عليه أخوه وَجَدَه كث اللحية معفاها، فقال له: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: آية ٩٤] ومرادنا بهذا الكلام أن اتخاذ دين الله هزوًا ولعبًا ولهوًا ولعبًا انتشر في أقطار الدنيا، ولا سيما من الشباب الذين يَتَسَمَّون باسم المسلمين إذا رأوا رجلًا
_________________
(١) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (٩٠) من سورة الأنعام.
(٢) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٣١٠ ]
يذهب إلى الصلاة يصلي سخروا منه وهَزَؤُوا به! يظنون أن الكرة رياضة خير من الصلاة، وإذا رأوا رجلًا متسمًا بسمت الإسلام، أو عليه سمت الإسلام، أو ينادي باسم الدين يقولون: هذا رجعي، هذا رجل لا يفهم، هذا لا يساير ركب الحضارة!! ويتخذون العلماء، وحملة الدين، والنور السماوي، وتعاليم الدين يسخرون منها، ويضحكون ويستهزئون فليحذروا من الاستهزاء بدين الله، ومن اتخاذ آيات الله هزوًا ولعبًا؛ لأن ذلك أمر عظيم عند الله. ولما ضحك بعض المنافقين، وقالوا: النبي ﷺ - لما ضلت راحلته في غزوة تبوك - هو يَدَّعى أنه يأتيه علم الغيب من السماء وهو لا يدري أين ذهبت راحلته!! وسخروا من النبي ﷺ وهزئوا به، فنزل القرآن فيهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: آية ٦٥] يعني: كنا نسخر ونضحك بهزل غير جد.
أجابهم الله ﴿قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن يُعْفَ عن طائفة منكم تُعَذَّبْ طائفةٌ يأنهم كانوا مجرمين﴾ [التوبة: الآيتان ٦٥، ٦٦] وفي قراءة عاصم وحده: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ (^١) وفيها قال ابن المرحَّل (^٢):
لِعَاصِمٍ قِرَاءَهْ لِغَيْرِهَا مُخَالِفَهْ
إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعذِّبْ طَائِفَهْ
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٢٨.
(٢) البيت في البحر المحيط، لأبي حيان (٥/ ٦٧) سمعه من أبي الحكم مالك بن المرحل المالقي (ت ٦٩٩) ولعله من قصيدة ابن المرحل الموسومة بـ (التبيين والتبصير في نظم كتاب التيسير) كما في ترجمته في الأعلام للزركلي (٥/ ٢٦٣) (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢) كما في الهامش.
[ ٣ / ٣١١ ]
والشاهد عندنا أن نُحَذِّر إخواننا المسلمين من أن يتخذوا دين الله وآيات الله هزوًا ولعبًا، لئلا يلحقهم ما لحق الكفار الذين اتخذوا دينهم هزوًا ولعبًا، فليحذر المؤمن كل الحذر أن يسخر من دين الله، وأن يستهزئ بآيات الله، وأن يسخر من حملة العلم ومن رجال الدين، وأن يتخذهم مسخرة ومضحكة، هذا لا ينبغي ولا يليق، ومن فعله سيناله من الوعيد بقدر ما قال الله في أهل النار: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: آية ٥١] فعلى المسلم أن يحترم الدين، ويعظم الدين، ويعظم كل ما جاء من ربه من الأوامر والنواهي، ويعظم العلماء وحملة العلم، والمتَّسِمِين بسمات العلم، ولا يحتقرهم، ولا يتخذهم هزوًا. وإنما بينا هذا لكثرة ما نشاهد من شباب المسلمين في أقطار الدنيا، يتخذون الدين مسخرة وملعبة ومضحكة، يضحكون ممن يصلي، ويستهزئون به، ويسخرون منه، ويتخذونه لهوًا ولعبًا كأنه مضحكة مسخرة!! هذا أمر خطير وعاقبته وخيمة. وقصدنا أن نحذر أنفسنا وإخواننا المسلمين منه، فعلينا أن نعظم آيات الله، ونحترم دين الله، ونحترم حملة الدين والعلماء المتصفين بحمل الدين، ولا نتخذهم لهوًا ولعبًا، ولا نسخر منهم، ولا نقلد عليهم التيوس إذا رأيناهم يعفون لحاهم، بل نعظمهم ونحترمهم؛ لئلا يلحقنا من الوعيد بقدر ما فعلنا من ذلك، كما قال الله في الكفار: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ لأنهم كانوا يسخرون من ضعاف المسلمين إذا رأوهم يصلون ويعبدون الله يتغامزون ويضحكون ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ [المطففين: آية ٣٠] ويقولون: ﴿أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: آية ٥٣] ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: الآية ١١] انظروا دين محمد
[ ٣ / ٣١٢ ]
يقول: إن هؤلاء البؤساء النتْنَى الفقراء أنهم ينالون الكرامة!! فيسخرون منهم ويضحكون من دينهم. هذا أمر لا ينبغي، بل يجب على المسلم أن يكون محترمًا للدين، معظمًا لما جاء من الله، معظمًا لرجال العلم، محترمًا لرجال الدين، غير مستهزئ بالدين، ولا بحملة الدين، ولا متخذهم مسخرة، هذا هو اللازم.
وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: خدعتهم. والدنيا: تأنيث الأدنى، وإنما سُميت (دنيا) لدنوها. أي: قربها، أو لدناءتها بالنسبة إلى الآخرة.
ثم قال الله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٥١] المراد بالنسيان هنا: الترك مع العلم التام؛ لأن الله لا ينسى، كما قال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَاّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: آية ٥٢] والعرب تُطلق النسيان على ذهاب الشيء عن علم الإنسان بعد أن كان يعلمه، وهذا المعنى مستحيل على الله، وتطلق النسيان على الترك عمدًا (^١). وهو المقصود هنا وهو في آيات كثيرة ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٥١] أي: نتركهم عن إرادة وقصد يتقلبون في دركات النار، وأنواع العذاب.
﴿كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: آية ٥١] أي: نسيانًا كنسيانهم لقاء يومهم هذا؛ لأن هذا اليوم لم ينسوه، وإنما تركوا العمل له عمدًا وقصدًا وعنادًا للرسل ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا﴾.
﴿وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: آية ٥١] في قوله: ﴿وَمَا﴾ ﴿وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ وجهان من
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣١٣ ]
التفسير (^١)، الصحيح منهما: أنها مصدرية، والمعنى: كنسيانهم لقاء يومهم هذا، وككونهم جاحدين بآياتنا في دار الدنيا، فـ (ما) مصدرية، وغلط قوم من علماء التفسير فقالوا: إنها نافية، والمعنى: ﴿وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ما كانوا يجحدون بها في قرارة أنفسهم، بل يعلمون أنها حق، ولكنهم كانوا يعاندون، كما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: آية ٣٣] والتحقيق أنها مصدرية، والمعنى: نتركهم في النار، وننساهم تاركين إياهم في النار عمدًا وقصدًا معذبين في النار خالدين فيها ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ كما تركوا العمل للقاء هذا اليوم، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: كنسيانهم لهذا اليوم، وكجحودهم لآياتنا، وتكذيبهم رسلنا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٥٣) إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: الآيات ٥٢ - ٥٤].
يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٣٦).
[ ٣ / ٣١٤ ]
الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ٥٢، ٥٣].
لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) مصيرَ أهلِ الجنةِ ومصيرَ أهلِ النارِ، وما يقولُه كُلٌّ من أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ للآخرين، وما يقولُه أصحابُ الأعرافِ لِلطَّرَفَيْنِ بَيَّنَ أن الذين هلكوا واستحقوا النارَ وخلدوا في النارِ ما جاءهم ذلك إلا عن الإعراضِ عن هذا الكتابِ الأعظمِ والنورِ المبين الذي أنزله رَبُّ السماواتِ والأرضِ، وَفَصَّل فيه العقائدَ، والحلالَ والحرامَ، وَبَيَّنَ فيه الأمثالَ، وما يُوصِلُ إلى الجنةِ، وما يُوصِلُ إلى النارِ، وأوضحَ فيه كُلَّ خيرٍ، وَحَذَّرَ فيه من كُلِّ شَرٍّ، وَبَشَّرَ فيه وَأَنْذَرَ، فَمَنْ أعرضَ عن هذا القرآنِ هُمُ الذين صاروا إلى النارِ، وَمَنْ عمل بهذا القرآنِ هم الذين صاروا إلى الجنةِ.
ومنذ أنزلَ اللَّهُ هذا الكتابَ - الذي هو أعظمُ كتابٍ نزلَ من السماءِ إلى الأرضِ، وَجَمَعَ اللَّهُ فيه علومَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ - استحالَ شرعًا أن يدخلَ أحدٌ النارَ إلا عن طريقِ الإعراضِ عنه أو يدخلَ أحدٌ الجنةَ إلا عن طريقِ العملِ به، فالعملُ به مفتاحُ الجنةِ، والإعراضُ عنه مفتاحُ النارِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآية [هود: آية ١٧] ولأَجْلِ ذلك جَعَلَهُ اللَّهُ رحمةً لقومٍ وَفَّقَهُمْ للعملِ به، وحجةً ووبالًا على قومٍ خَذَلَهُمْ فَلَمْ يعملوا به: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: آية ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: آية ٨٢] ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: آية ٦٤] ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ
[ ٣ / ٣١٥ ]
آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ ولذا قال هنا: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ﴾ أي: الخلائق الذين كنا نَقُصُّ خبرَهم؛ لأن بعضَهم في الجنةِ وبعضَهم في النارِ. فَعَلَى هذا القولِ فـ (الكتاب) جنسُ الكتبِ السماويةِ. والأظهرُ أن الْمُخَاطَبِينَ به المرادين به أمةُ محمدٍ ﷺ وأن الكتابَ هو هذا القرآنُ العظيمُ.
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم﴾ أي: جئنا هذه الأمةَ التي دخل بعضُها الجنةَ وبعضُها النارَ.
﴿بِكِتَابٍ﴾ أَنْزَلْنَاهُ على نبينا محمدٍ ﷺ. وقراءةُ الجمهورِ من السبعةِ بل والعشرةِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ أما قراءةُ: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فَضَّلْنَاهُ﴾ أي: على سائرِ الكتبِ، فليست من القراءاتِ السبعيةِ، وقرأ بها ابنُ محيصن وغيرُه (^١). وهي -وإن كانت شاذةً- فمعناها صحيحٌ؛ لأنه مُفَضَّلٌ على سائرِ الكتبِ.
وقراءةُ الجميعِ: اللامُ موطئةٌ للقَسَمِ، وَاللَّهِ ما تركناهم سُدًى ولا في غفلةٍ، وَاللَّهِ لقد جئناهم بكتابٍ. يعني: أَتَيْنَاهُمْ بكتابٍ. قدمنا أنه قيل له (الكتاب) لأنه مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ، كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: الآيتان ٢١، ٢٢] وفي صحفٍ عِنْدَ الملائكةِ، كما في قولِه: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ [عبس: الآيتان ١٣، ١٤] وكذلك هو مكتوبٌ عندَ المسلمين في مصاحفِهم يقرؤونه.
﴿بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ صِيغَةُ الجمعِ للتعظيمِ، وَاللَّهُ هو الآتِي بهذا
_________________
(١) انظر: الإتحاف (٢/ ٥١).
[ ٣ / ٣١٦ ]
الكتابِ وحدَه، المُفصِّلُ له وحدَه. وصيغةُ الجمعِ في (جئنا) وفي (فصلنا) إنما هي للتعظيمِ، والمعنَى: ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ التفصيلُ ضِدُّ الإجمالِ. ومعنَى تفصيلِ هذا الكتابِ: جَعَلْنَاهُ مُفَصَّلًا مُوَضَّحًا بَيِّنًا، فيه العقائدُ بتفصيلٍ وإيضاحٍ، والحلالُ والحرامُ والأمثالُ والمواعظُ، وما يُدْخِلُ الجنةَ، وما يُدْخِلُ النارَ، وما يُرْضِي اللَّهَ، وما يُسْخِطُ اللَّهَ، وما تصلح به أحوالُ الإنسانِ في دنياه وآخرتِه، وما تَفْسُدُ به، فقد فصَّل اللَّهُ فيه كُلَّ شيءٍ، وَبَيَّنَ فيه أصولَ كُلِّ شيءٍ، فأوضحَ فيه العقائدَ، ومكارمَ الأخلاقِ، والخروجَ من الشبهاتِ، وَرَفَعَ فيه الْهِمَمَ، وَبَيَّنَ أصولَ الحلالِ والحرامِ، وأصولَ المواعظِ وجميعَ الأشياءِ.
والغريبُ كُل الغريبِ الذي لَا يقضي الإنسانُ عجبَه منه أن أمةً ينزلُ عليها هذا الكتابُ الذي يقول اللَّهُ فيه: إنه فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه، بَيَّنَهُ مُفَصَّلًا بعلمِ اللَّهِ (جل وعلا) المحيطِ بِكُلِّ شيءٍ، وضمَّنه جميعَ المصالحِ ودرءَ جميعِ المفاسدِ وخيرَ الدنيا والآخرةِ، وهذا كُلُّهُ من رَبِّ العالمين المحيطِ علمُه بِكُلِّ شيءٍ، وهذا كلامُه الذي فصَّله على علمٍ منه وَأَوْضَحَهُ، وَبَيَّنَ فيه معالمَ الخيرِ ومعالمَ الشرِّ، وما يُصْلِحُ دنيا الإنسانِ وآخرتَه، وما يكونُ به على خيرٍ في كِلْتَا الدَّارَيْنِ، وهو تنزيلُ رَبِّ العالمين، وتفصيلُ خالقِ السماواتِ والأرضِ، ومع هذا كُلِّهِ يُرْغَبُ عن هذا الكتابِ ولا يُبَالِي به، ويذهبُ يطلبُ الخيرَ والحقَّ في آراءِ قومٍ كفرةٍ فجرةٍ كلابٍ خنازيرَ!! فهذا من غرائبِ الدهرِ وعجائبِه!! كيف تُصْرَفُ هذه الأمةُ عن هذا الكتابِ المنزلِ الذي هو كلامُ ربِّ العالمين، وما فيه من المعانِي، وما فيه من العقائدِ والحلالِ والحرامِ والمعاملاتِ والمواعظِ ومكارمِ الأخلاقِ، وإيضاحِ علاقاتِ المجتمعِ فيما بينَه، وإيضاحِ حالةِ الإنسانِ في نفسِه، وما ينبغي أن
[ ٣ / ٣١٧ ]
يكونَ عليه، وما ينبغي أن يكونَ عليه مع مجتمعِه الخاصِّ، ومع مجتمعِه العامِّ، وما يكون عليه مع أعدائه، كُلُّ هذا فَصَّلَهُ رَبُّ العالمين، وَأَوْضَحَهُ وزاده بيانًا رسولٌ كريمٌ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: الآيتان ٣، ٤] فَتَرَكَهَا محجةً بيضاءَ ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هَالِكٌ.
مَنْ سَلَكَ هذا القرآنَ العظيمَ، وعمل به، وبالسنةِ المبينةِ له نَالَ خيرَ الدنيا وخيرَ الآخرةِ، وكان أعظمَ الناسِ هيبةً، وَأَقْوَاهُمْ شوكةً، وَأَعَزَّهُمْ مَنَعَةً، ومع هذا كُلِّهِ فالأمةُ التي نَزَلَ القرآنُ على أسلافِها تَخَلَّتْ عن هذا الكتابِ المحكمِ الذي هو كتابُ رَبِّ العالمين، الذي قال فيه: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٢] المُفصِّلُ له هو اللَّهُ على علمٍ من الله المحيطِ علمُه بِكُلِّ شيءٍ، ومع هذا يتركونَه ولا ينظرونَ إليه، وينبذونَه وراءَ ظهورِهم، ويذهبونَ يطلبونَ الرشدَ ومصالحَ أمرِهم في قوانينَ وَنُظُمٍ رَتَّبَهَا كفرةٌ فجرةٌ جهلةٌ مُظْلِمَةٌ قلوبُهم، هم كالأنعامِ أو أضلُّ سبيلًا!! فهذا من أغربِ ما يشاهده الإنسانُ! ولو أننا لم نَرَهُ عيانًا لَمَا كُنَّا نصدق أن عاقلًا يذهب عن كلامِ رَبِّ العالمين الذي بَيَّنَ فيه الرشادَ وخيرَ الدنيا وخيرَ الآخِرَةِ، وأوضحَ فيه كُلَّ شيءٍ يتركه عمدًا زاعمًا أنه لا يُنَظِّمُ علاقاتِ الحياةِ، ولا يسايرُ رَكْبَ الحضارةِ، ثم يذهبُ إلى نُظُمٍ وَضْعِيَّةٍ، وقوانينَ إفرنجيةٍ وَضَعَهَا ملاحدةٌ لَا يعلمونَ عن الله شيئًا، لَا يعلمونَ إِلَاّ ظاهرًا من الحياةِ الدنيا وهم عن الآخرةِ هم غافلونَ.
فهذا من أغربِ ما وقع في التاريخِ!! نسألُ اللَّهَ أن يُبَصِّرَنَا بهداه ولا يُضِلَّنَا، ولكنا بَيَّنَّا مرارًا أن الذين يَنْصَرِفُونَ عن أنوارِ القرآنِ وَهُدَى القرآنِ يطلبونَ الرشادَ في نظمٍ كفريةٍ قانونيةٍ، مخالفةٍ لهدى اللَّهِ وكتابِه الذي فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه هُدًى وَرَحْمَةً، أن
[ ٣ / ٣١٨ ]
الذي جَرَّهُمْ إلى ذلك أنَّ القرآنَ أعظمُ نُورٍ، وَاللَّهُ يُسَمِّيهِ النورَ في آياتٍ كثيرةٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: آية ١٧٤] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: آية ٨] على عَبْدِنَا ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: آية ٥٢] فهو نورٌ أعظمُ نورٍ، وهؤلاء الذين ينصرفونَ عنه إلى النُّظُمِ الوضعيةِ الكافريةِ في الحقيقةِ هم خفافيشُ البصائرِ، والخفاشُ لا يُلَامُ إذا كان لا يمكنُ أن يَرَى ضوءَ الشمسِ؛ لأن بصيرتَه ليس لها استعدادٌ ولا قوةٌ على مقابلةِ الشمسِ.
مِثْلَ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ (^١)
خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (^٢)
كَمَا أشارَ اللَّهُ لهذا بقولِه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٠] وَبَيَّنَ (جل وعلا) في سورةِ الرعدِ أن هذا القرآنَ لا ينصرفُ عنه ويجهلُ أحقيتَه وأمرَه إلا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصيرتَه بالكليةِ، والأعمى إذا كان لا يبصرُ الشمسَ فما في تَبْصِيرِهِ لها حيلةٌ وذلك في قولِه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: آية ١٩] فَصَرَّحَ بأن الذي لا يعلمُ أنه الحقُّ أن الذي مَنَعَهُ من ذلك هو عَمَاهُ، وعدمُ رؤيةِ الأَعْمَى للشمسِ لا يجعلُ في الشمسِ لَبْسًا ولا شَكًّا ولا ريبًا:
إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ (^٣)
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٣١٩ ]
ولم يَكْفِ هؤلاء المساكين الخفافيشَ، لم يَكْفِهِمُ الإعراضُ عن القرآنِ، وتركُه وراءَ ظهورهم، وتفضيلُ آراءِ الكفرةِ الفجرةِ عليه، لم يَكْفِهِمْ ذلك أن طَعَنُوا فيه، وَزَعَمُوا أن بعضَ تشاريعِه التي نَظَّمَهَا اللَّهُ وَشَرَّعَهَا أنها ليست عادلةً - والعياذُ بالله - وَمَنْ زَعَمَ هذا فقد طَعَنَ في حكمةِ اللَّهِ، وَكَفَرَ بالله كُفْرًا بوَاحًا.
ترى الجهلةَ الملاحدةَ الذين صَبَغَهُمُ الإفرنجُ كما يشاؤون يقولونَ: كيفَ يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ ميراثَ المرأةِ أقلَّ من ميراثِ الرجلِ وعينُ القرابةِ التي يُدْلِي بها الرجلُ هي عينُ القرابةِ التي تُدْلِي بها المرأةُ، فكيف يكونُ نَفْسُ ما يُدْلِي به الرجلُ هو ما تُدْلِي به المرأةُ ثم يُفَضِّلُهُ عليها؟ (^١).
وَاللَّهُ (جل وعلا) يعلمُ أن هذا سَيَضِلُّ به قومٌ، وأن مَنْ زعم أن تفضيلَ الرجلِ على المرأةِ في الميراثِ ليس بحكمةٍ ولا صوابٍ أنه ضَالٌّ؛ وَلِذَا بَيَّنَ هذا من غرائبِ القرآنِ حيث قال بعدَ قولِه: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: آية ١٧٦] أَتْبَعَهُ بقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: آية ١٧٦] فَبَيَّنَ أن مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هذا التشريعَ وَطَعَنَ فيه أنه ضَالٌّ، وهو كما قال الله.
ثم يقولونَ: كيف يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ الطلاقَ بيدِ الرجلِ من غيرِ إِذْنِ المرأةِ، مع أن عقدَ النكاحِ أَوَّلًا لم يكن إلا بإذنِ المرأةِ وَرِضَاهَا، فهي عقدةٌ اجْتَمَعَا عليها، فكيف يَجْعَلُ الاستقالةَ منها للرجلِ وحدَه دونَ إِذْنِ المرأةِ؟
ثم يقولونَ بالفلسفاتِ الشيطانيةِ: ربما أَفْنَى الرجلُ جمالَها وشبابَها حتى صارت لَا يَرْغَبُ فيها غيرُه ثم يُلْقِيهَا وَيُطَلِّقُهَا فتبقَى ضائعةً، وهذا ظُلْمٌ. وَيُلَفِّقُونَ نحوَ هذا من الفلسفاتِ
_________________
(١) انظر: الأضواء (١/ ١٥٨).
[ ٣ / ٣٢٠ ]
الشيطانيةِ التي يأتِي بها قومٌ أَعْمَى اللَّهُ بصائرَهم عن أنوارِ القرآنِ وَحِكَمِ رَبِّ العالمين الباهرةِ (^١).
ونحن نذكرُ هنا (إن شاء الله) بعضَ الأشياءِ التي طَعَنُوا بها في التشريعِ الإسلاميِّ، وَنُبَيِّنُ أن الذي جَرَّهُمْ إلى ذلك هو سُوءُ فَهْمِهِمْ، وعدمُ معرفتِهم، وطمسُ بصائرِهم، وضلالُ قلوبِهم:
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ (^٢)
أما تفضيلُ اللَّهِ للرجلِ على المرأةِ فِي الميراثِ فقد أشارَ لحكمتِه بقولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: آية ٣٤] وتقريبُ هذا للأذهانِ: أن الميراثَ ما تَعِبَ فيه الرجلُ الوارثُ ولَا المرأةُ الوارثةُ، ولا مَسَحَا في تَحْصِيلِهِ عَرَقًا، وإنما هو مالٌ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إياه تفَضُّلًا منه مُلكًا جَبْرِيًّا من غيرِ أن يَتَسَبَّبَا فيه بعملٍ ولا بكدٍ ولا بكدحٍ، فَاللَّهُ ملَّكهما إياه، وقد أَجْرَى اللَّهُ عادتَه بحكمتِه أنه لَمَّا قَسَّمَ الإنسانَ إلى ذَكَرٍ وأنثى جعلَ الذكورةَ بقوةِ حَالِهَا وطبيعتِها قوةً وكمالًا.
فالذكورةُ قوةٌ وكمالٌ، والأنوثةُ ضَعْفٌ خِلْقِيٌّ جِبِلِّيٌّ، ونقصٌ خِلْقِيٌّ جَبَلَ اللَّهُ هذا النوعَ من الإنسانِ عليه. وعامةُ العقلاءِ لا يكادونَ يختلفونَ في هذا إلا المكابرين بالفلسفاتِ الشيطانيةِ.
والدليلُ على ذلك ما أشارَ له اللَّهُ في سورةِ الزخرفِ في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ (^٣) [الزخرف: آية ١٨] وفي القراءةِ الأُخْرَى: ﴿أومن يَنْشَأُ
_________________
(١) السابق (١/ ١٥٩).
(٢) البيت للمتنبي. وهو في ديوانه (بشرح العكبري ٤/ ١٢٠).
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٩٧.
[ ٣ / ٣٢١ ]
في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ يعني: أيجعلونَ لِلَّهِ البناتِ، يجعلونَ له الولدَ، ثم يجعلونَ له أضعفَ الْوَلَدَيْنِ جِبلَّةً وأنقصَهما خِلقَةً وهو الأُنْثَى؛ ولذلك منذ تُولَدُ الأُنْثَى وهي تُجْعَلُ لها الزيناتُ، وربما ثُقِبَتْ آذانُها وجُعلت فيها الأقراطُ والشنوفُ، ثم تُجْعَلُ في جيدِها القلائدُ - من أنواعِ الْحُلِيِّ - وفي مَعَاصِمِهَا، وفي خَلَاخِلِهَا، وَتُكْسَى الحليَّ والحللَ منذ تُولَدُ إلى أن تموتَ، كل ذلك التزيينِ هو جبرٌ لذلك النقصِ الخلقيِّ الذي خَلَقَهَا اللَّهُ عليه وَجَبَلَهَا عليه.
وَمَا الْحَلْيُ إِلَاّ زِينَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إِذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا (^١)
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفَّرًا كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوَّرا
أما الذَّكَرُ فجمالُ ذُكُورَتِهِ وكمالُ فحولتِه هو جمالٌ وكمالٌ طَبِيعِيٌّ، ولذا لا تجدُ الدنيا على مرورِ الأزمنةِ والقرونِ تخرقُ آذانَ الذكورِ وتجملهم بالأقراطِ والشنوفِ، ولا تجعلُ لهم قلائدَ الحلي والخلاخيلِ والأساورِ، وإنما تُجْعَلُ ذلك للأنثى.
والإفرنجُ الذين يحاولونَ أنهما سواء يُحَمِّرونَ فَمَ الأُنْثَى ولا يُحَمِّرونَ فَمَ الذَّكَرِ، وَكُلُّ ذلك يشيرُ إلى الفرقِ الجبليِّ الطبيعيِّ بينَهما الذي جَبَلَهُمَا اللَّهُ عليه.
فلما كان اللَّهُ (جل وعلا) جَعَلَ الأنوثةَ في أصلِ طبيعتِها وَخِلْقَتِهَا ضَعْفًا خلقيًّا ونقصًا جبليًّا، وجعلَ الذكورةَ
_________________
(١) البيتان لابن الرومي، وهما في ديوانه (٣/ ١٠٠٧، ١٠٠٨)، (تحقيق حسين نصار) مع شيء من الاختلاف، والذي في الديوان: ومَا الحَلْيُ إلا حيلة لنَقِيْصةٍ تُتَمِّمُ من حُسْنٍ إذا الُحسْنُ قَصَّرَا وليس لحليٍ في الجميلةِ منظرا جمال ولكن في القبيحة منظرا تضيء نجومُ الليل في الليلِ وحده وليس لها ضوءٌ إذا الصبحُ نوَّرا فأمَّا إذا ما الحُسنُ كان مُكَمَّلا كحُسْنكِ لم يحتجْ إلى أن يُزَوَّرَا
[ ٣ / ٣٢٢ ]
في أصلِ خلقتِها كمالًا طبيعيًّا وقوةً جِبِلِّيَّةً، اقتضت حكمةُ العليمِ الخبيرِ أن يجعلَ ذلك القويَّ بطبعه، الكاملَ بجبلته قَيِّمًا على ذلك الضعيفِ بقوتِه، الناقصِ بجبلته؛ ليستجلبَ له ما يعجزُ عنه من الخيرِ، ويدفعُ عنه ما يعجزُ عنه من الشَّرِّ، ولذلك كان الرجلُ يترقبُ النقصَ في حياتِه دائما؛ فإنه يبذلُ دائمًا النفقاتِ في صَدُقَاتِ الزوجاتِ، والإنفاقِ عليهن، وفي مُؤَنِ الجهادِ، وفي نوائبِ الدهرِ، فهو غارمٌ باذلٌ دائمًا، والمرأةُ تترقبُ طولَ حياتِها الزيادةَ، وأن يُمْلأَ كِيسُهَا، تترقبُ رجلًا يدفعُ لها مالًا كثيرًا في صَدَاقِهَا، ويقومُ بجميعِ مُؤَنِهَا ولوازِمها في الدنيا، فهي تترقبُ الزيادةَ دائمًا، والرجلُ يترقبُ النقصَ دائمًا.
فلما كان الحكيمُ الخبيرُ أرادَ أن يُقَسِّمَ عليهما الميراثَ آثَرَ مترقبَ النقصِ دائمًا على مترقبِ الزيادةِ دائما جَبْرًا لبعضِ نقصِه المترقبِ؛ ولذا تَجِدُ الرجلَ وأختَه، تجدُ أختَه تُدفع لها الأموالُ الكثيرةُ في صَدَاقِهَا، ويقومُ غيرُه بنفقاتِها وَكُلِّ ما يَلْزَمُ لها، والرجلُ أخوها الآخَرُ هو الذي يَبْذُلُ ما عندَه في نفقاتِ زوجاتِه ومهورهن، ونوائبِ الدهرِ، ومعوناتِ الجهادِ، وغيرِ ذلك.
وإذا وجدنا مَنْ يَقْسِمُ على اثْنَيْنِ أحدهما يترقبُ النقصَ دائمًا، والثاني يترقبُ الزيادةَ دائمًا، فآثر مترقبَ النقصِ دائمًا على مترقبِ الزيادةِ دائمًا جَبْرًا لبعضِ نقصِه المُترقب لقلنا له: إن إِيثَارَكَ لهذا وزيادتَك لهذا عن هذا واقعةٌ مَوْقِعَهَا عن حكمةٍ بالغةٍ، ووضع أَمْرٍ في موضعِه، وإيقاعِه في موقعِه، ولهذا كان (جل وعلا) يُفَضِّلُ في الميراثِ الذكرَ على الأنثى؛ لأن الذكرَ باذلٌ يبذلُ في مهورِ الأزواجِ وفي نفقاتِهن وفي نفقاتِ الأولادِ، وفي مُؤَنِ الجهادِ وغيرِ ذلك من وُجُوهِ الْبِرِّ.
والمرأةُ دائمًا تترقبُ
[ ٣ / ٣٢٣ ]
رجلًا يبذلُ لها مالًا كثيرًا يُسَمَّى الصداق، ويقومُ بشؤونها من إنفاقٍ وملبسٍ ومأكلٍ ومشربٍ وكلِّ ما تحتاجُ إليه. فإيثارُ مترقبِ النقصِ على مترقبِ الزيادةِ حكمةٌ بالغةٌ، وأمرٌ واضحٌ واقعٌ موقعَه كما لا يَخْفَى إلا على مطموسِ البصيرةِ، وإنما جَعَلَ اللَّهُ الرجالَ قَوَّامِينَ على النساءِ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ في الذكورةِ بِجِبِلَّتِهَا وخلقتها من القوةِ والكمالِ، وقصورِ الأنوثةِ عن ذلك؛ ولذلك كان الولدُ يُنْسَبُ إلى الرجلِ، والمرأةُ راضيةٌ، نفسُ المرأةِ تقولُ لولدِها الذي نُفِسَتْ به وخرج من قُبُلها: «هذا ابنُ فلان». تعني [زوجها] (^١)، تنسبُه لأبيه وَفْقًا لقولِه تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية ٥] وجعل الله الرجلَ هو المسؤولَ عن المرأةِ، يُقَوِّمُ أخلاقَها، وَيَقُومُ بشؤونِها، وهو مترقبٌ النقصَ والبذلَ دائمًا، وهي مترقبةٌ الزيادةَ دائمًا. وجَعْلُ اللَّهِ النساءَ يُنْفَقُ عليهن، وَيُكْفَيْنَ المؤنةَ ليسَ لإهانةٍ لهن، ولا لهضمٍ لحقوقهن، ولكنما هو إكرامٌ لهن بحسبِ طبيعتِهن وخلْقَتِهن التي جَبَلَهُنَّ عليها خالقُ السماواتِ والأرضِ؛ لأَنَّ المرأةَ تتعرضُ لأعينِ الخونةِ؛ لأن المرأةَ كُلَّهَا هي متعةٌ وتلذذٌ أَبَتْ أم كَرِهَتْ؛ لأن عينَ الإنسانِ إذا نظرت إلى جمالِها الْتَذَّتْ منها واستغلت جَمَالَهَا كرهًا، فاقتضت حكمةُ الشرعِ أن تُصَانَ، وَتُجْعَلُ كالدرةِ المصونةِ، وتُكفى مؤنَ الدهرِ ولوازمَه ونوائبَه؛ لئلا تضطرَ إلى الابتذالِ وما لا يليقُ بِشَرَفِهَا. فهذه تعاليمُ الإسلامِ، وصيانتُه للمرأةِ وإكرامُها وبذلُها لحقوقِها الكاملةِ، مع أنَّا بَيَّنَّا مِرَارًا أنها تُسَاعِدُ في بناءِ المجتمعِ، وتربيةِ الأسرةِ داخلَ بيتِها مساعدةً أعظمَ مما يعملُه الرجلُ خارجًا، لَكِنَّ تلك المساعدةَ في عفافٍ وسترٍ وكرمٍ. وهذا واضحٌ مَنْ نَظَرَهُ
_________________
(١) في الأصل: زوجة.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
يعلمُ أن تفضيلَ الرجلِ في الميراثِ عن المرأةِ لحكمةٍ بالغةٍ واضحةٍ لَا يجهلُها إلا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بصيرتَه.
كذلك جَعْلُ الطلاقِ بيدِ الرجلِ حكمتُه بالغةٌ واضحةٌ لَا إشكالَ فيها؛ لأن القرآنَ بَيَّنَ أن النساءَ وإن كُنَّ في غايةِ الكرامةِ على أزواجهن وعلى أُسَرِهِنَّ، وهن بالمنزلة العليا التي جَعَلَهَا اللَّهُ لهن من أنهن يُكْفَيْنَ جميعَ الحقوقِ، ويُكفينَ جميعَ المؤناتِ، ويُصَنَّ أكرمَ الصيانةِ وأعزَّها، وأن لا يُبْذَلْنَ لضياعِ شَرَفِهِنَّ، ولا مروءتهن وَهُنَّ مع ذلك مَزَارِعُ تُزْرَعُ فيها النطفُ حتى تُسْتَحْصَدَ ويأخذها صاحبُها فتثمرُ النطفةُ في رَحِمِ المرأةِ، ثم تَلِدُهَا فيأخذها صاحبُها الذي زَرَعَهَا وهو الرجلُ، ويقال: هذا ابنُ فلانٍ. وَاللَّهُ يقولُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣] وإنما سَمَّى النساءَ حَرْثًا لأن طبيعةَ الحالِ والأمرَ الواقعَ هو يقتضي ذلك بِلَا شَكٍّ ولا رَيْبٍ؛ لأن آلةَ التناسلِ والازدراعِ هي مع الرجلِ، فلو أَرَادَتِ المرأةُ أن تأخذَ حَمْلًا من الرجلِ، وأن تجامعَه فتحمل منه وهو كارهٌ فإن ذَكَرَهُ لَا ينتشرُ إليها، ولا تَقْدِرُ أن تأخذَ منه شيئًا، بخلافِ الرجلِ فعنده آلةُ النسلِ وآلةُ الازدراعِ، فهو فاعلٌ بطبيعةِ حالِه، وهي مفعولٌ بطبيعةِ الوضعِ الذي خَلَقَهَا اللَّهُ وَجَبَلَهَا عليه. فالرجلُ قد يُجَامِعُهَا راغمةً مكرهةً وَتَلِدُ ولدًا يكونُ هو خيرُ الدنيا والآخرةِ عليها وإن حملت به كرهًا وإرغامًا غيرَ راضيةٍ، أما الرجلُ فلا تكادُ المرأةُ أن تحصلَ منه على حملٍ وهو كارهٌ أبدًا؛ لأنه إذا كان غيرَ راغبٍ في ذلك لا ينتشرُ ذَكَرُهُ ولا يقومُ إليها، ولا تقدرُ منه على شيء. فتبين أنه فاعلٌ بطبيعةِ الحالِ والجبلةِ الخلقيةِ، وأنها مفعولٌ به بالطبيعةِ التي خَلَقَهَا اللَّهُ وجبلها عليها، كما قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾
[ ٣ / ٣٢٥ ]
لأنه يُحْبِلُهَا وهي كارهةٌ، كما قال أبو كبير الهذليُّ في ربيبه تأبط شرًّا (^١):
مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ حُبُكَ النِّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهبَّلِ
يعني حبلت به أُمُّهُ وهي عاقدةٌ حُبُكَ نطاقِها، شادةٌ إِزَارَهَا، ممتنعةٌ من أن تحل الإزارَ، فقد أُكْرِهَتْ على ذلك الجماعِ الذي حبلت منه. ولأَجْلِ هذا إذا كان الرجلُ فاعلًا والمرأةُ مُزْدَرَعٌ ليس من العقلِ ولا من الحكمةِ أن نقولَ لإنسانٍ لا رغبةَ له في الأولادِ في حقلٍ: لا بد أن نُرْغِمَكَ على هذا الحقلِ والبقاءِ معه وأنتَ لا رغبةَ لكَ فيه. والرجلُ لم يُفْنِ من جمالِ المرأةِ شيئًا، إنما أَفْنَى جمالَها الليالي والأيامُ.
أَفْنَاهُ قيل اللَّهِ لِلشَّمْسِ: اطْلُعِي (^٢)
فالرجل لم يُنْقِصْ من جمالِها شيئًا، وإنما نَقَصَهُ اللَّهُ بطولِ عُمْرِهَا. والمدةُ التي مَكَثَ معها هو قائمٌ بجميعِ شؤونها، وليس مُلْزَمًا بالبقاءِ دائمًا عندَ حقلٍ لَا خيرَ له فيه، فلو أُرْغِمَ على البقاءِ معها دائمًا وهو كارهٌ لم تَسْتَفِدْ منه شيئًا، ولم تَقْدِرْ أن تأتيَ منه بولدٍ، ولا أن تحصلَ منه على شيءٍ، بخلافِ الرجلِ.
وكذلك يزعمونَ أن تعددَ الزوجاتِ من التشريعِ الذي ليس بِطَيِّبٍ. وكلُّ هذا قصورٌ منهم - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - لأن تعددَ الزوجاتِ فيه مصلحةُ المرأةِ، ومصلحةُ الرجلِ، ومصلحةُ المجتمعِ، فهو تشريعٌ سماويٌّ يشملُ جميعَ المصالحِ، وهم يقولونَ: إن تعددَ الزوجاتِ أمرٌ
_________________
(١) البيت لأبي كبير الهذلي يصف تأبط شرًّا، وهو في ديوان تأبط شرًّا ص٨٨، الكامل (١/ ١٧٥)، مغني اللبيب (٢/ ١٩٣)، شواهد الكشاف ص١٠٥.
(٢) هذا شطر بيت لأبي النجم، وشطره الثاني: حتى إذا واراك أفق فارجعي وهو في «الإيضاح في علوم البلاغة (١/ ٢٩)، ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص١٨٥».
[ ٣ / ٣٢٦ ]
لَا ينبغي؛ لأَنَّ الرجلَ إذا كانت امرأتُه واحدةً أمكنه أن يأخذَ بِخَاطِرِهَا، وأن يعيشَ معها في عيشٍ مستقيمٍ لذيذٍ، كُلٌّ منهما قريرُ العينِ بصاحبِه، أما إن جَمَعَ معها أخرى فإنه إن أَرْضَى هذه سَخِطَتْ هذه، وإن أَرْضَى هذه سخطت هذه، فهو بَيْنَ سخطتين دائمًا، وفي نزاعٍ دائمٍ، وأن الإتيانَ بالضرةِ الأخرى يُؤْلِمُ قلبَ الزوجةِ الأُولَى، وأن هذا التشريعَ ليس بطيبٍ. وكلُّ هذا جهالةٌ منهم قَبَّحَهُمُ اللَّهُ؛ لأن المشاغبةَ أمرٌ طبيعيٌّ بينَ الناسِ، فالرجلُ تقعُ المشاغبةُ بينَه وبينَ أُمِّهِ، وبينَه وبينَ أبيه وأخيه، وبينَه وبينَ زوجتِه الواحدةِ، فهي أمرٌ طبيعيٌّ بالنسبةِ إلى الناسِ يتخاصمونَ مرةً ويكونُ بينَهم بعضُ الشنآنِ والشرِّ ثم يرجعُ كلٌّ منهم إلى رضا الآخَرِ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ من ضرورياتِ الحياةِ. والمرأةُ الواحدةُ قد تَمْرَضُ، وقد تُنفس، وقد تحيضُ، فتبقى منافعُ الرجلِ معطلةً، والمرأةُ غيرُ صالحةٍ في ذلك الوقتِ - لِنِفَاسِهَا أو حيضها أو مرضها، غير صالحة في ذلك الوقتِ - لأخصِّ لوازمِ الزوجيةِ، فتبقى مواهبُ الرجلِ معطلةً، وهذا لا يَنْبَغِي.
ثم إن اللَّهَ أجرى العادةَ بأن النساءَ أكثرُ من الذكورِ في جميعِ أقطارِ الدنيا، وكذلك تُثْبِتُهُ الإحصاءاتُ العالميةُ؛ لأن الذكورَ أكثرُ تعرضًا لأسبابِ الموتِ من النساءِ [فهم] (^١) أكثرُ خروجًا للقتالِ، وأكثرُ مزاولةً في ميادينِ الحياةِ، فالموتُ يَكْثُرُ [فيهم] (^٢) غالبًا، فالنساءُ أكثرُ في جميعِ أقطارِ الدنيا، فلو قُصر كُلُّ رجلٍ على امرأةٍ واحدةٍ لبقي عددٌ ضخمٌ ورقمٌ عالٍ عظيمٌ من النساءِ لا أزواجَ لهن فَيُضْطُرِرْنَ إلى الرذيلةِ، وإلى الزنى، وإلى تفشيِ الرذيلةِ وضياعِ الخُلقِ ومكارمِ الأخلاقِ. مع أنه لو جَمَعَ الرجل اثنتين أو ثلاثًا كما قال الله فلا ضررَ على المرأةِ
_________________
(١) في الأصل: «فهن» وهذا سبق لسان.
(٢) في الأصل: «فيهن» وهذا سبق لسان.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
لا تجدُ ضررًا من عدمِ الحظِّ الإنسانيِّ؛ لأن الرجلَ يأتيها في ليالٍ قليلةٍ، وتجدُ مَنْ يقومُ بشؤونها؛ ولذا البلادُ التي تمنعُ تعددَ الزوجاتِ تجدُها تمنعُ أمرًا حلالًا فيه صالحُ الرجلِ وصالحُ المرأةِ وصالحُ المجتمعِ بكثرةِ الأولادِ، وهم مع ذلك فيهم كثيرٌ من النساءِ هُمل لا أزواجَ لهن، لا حرفةَ لهن إلا الزنى، وكلُّ واحدٍ - والعياذُ بالله - له صدائقُ وخليلاتٌ يُزاني بهن - والعياذُ بالله - فتنتشرُ الرذيلةُ، وتضيعُ الأخلاقُ، وتضيعُ المروءةُ، فالنساءُ أكثرُ من الرجالِ، وكذلك النساءُ مستعداتٌ كُلُّهُنَّ للزواجِ؛ لأن كُلَّ امرأةٍ بلغت مبلغَ الزواجِ فهي مستعدةٌ للزواجِ، وما كل الرجالِ مستعدًّا للزواجِ؛ لأنه قد يعوقُه الفقرُ عن القيامِ باللازمِ ونحوِ ذلك. فلو قُصِرَ الواحدُ على الواحدةِ لَبَقِيَ عددٌ ضخمٌ خالٍ من أزواجٍ، وكانت حرفتُه الزنى - والعياذُ بالله - فضاعت أخلاقُه، وضاعت مروءتُه، وضاع شَرَفُهُ.
هذا هو تشريعُ خالقِ السماواتِ والأرضِ. والمرأةُ -وإن كان في الضرةِ عليها بعضُ أَذًى في قلبها- إلا أن هذا الأَذَى الخفيفَ أنه يُغْتَفَرُ لأجلِ هذه المصالحِ العظامِ، وهي مصلحةُ الرجلِ حيثُ لا تُعَطَّلُ منافعُه وقتَ حيضِ المرأةِ أو نفاسِها أو مرضِها، وفيه مصلحةٌ للمرأةِ حيث لا يَبْقَى عددٌ ضخمٌ من النساءِ لا أزواجَ لهن؛ لأن الرجالَ أقلُّ منهن، وفيه مصلحةٌ للأمةِ بكثرةِ النسلِ؛ لأنه إذا تَعَدَّدَتِ الزوجاتُ كَثُرَ النسلُ، وفي الحديثِ: أن النبيَّ ﷺ يأمرُنا بالتزويجِ، وأنه يُكَاثِرُ بنا الأممَ (^١)، فتعددُ الزوجاتِ مصلحةٌ لنفسِ المرأةِ؛ لئلا تبقى لا زوجَ لها فتحترفُ حرفةَ الزنى وتضيعُ، ومصلحةٌ للرجلِ؛ لئلا تُعَطَّلَ منافعُه وقتَ حيضِ المرأةِ أو نفاسِها أو مرضها، وفيه مصلحةٌ للأمةِ بكثرةِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
الرجالِ؛ لأن الكثرةَ لها شأنٌ، وَتَقْدِرُ الأمةُ على أن تكافحَ بها عدوَّ الإسلامِ وتردَّ بها الكفاحَ الداهمَ لبلادها. فهذه مصالحُ الإسلامِ، وهي واضحةٌ لا شَكَّ فيها.
وكذلك ما يزينُه إبليسُ من أنه لابدَّ أن تكونَ النساءُ كالرجالِ في جميعِ الميادين، فهذا أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَّا أيضًا أن الحقَّ فيه مع القرآنِ كما لا يَخْفَى، وأن الفلسفاتِ الشيطانيةَ إنما أَضَاعَتْ أخلاقَ الناسِ، وابتذلت النساءَ وضيعتهن من حيث لا يَشْعُرْنَ؛ لأن الشيطانَ يسوؤه لعداوتِه للإنسانِ ما جاءَ به الإسلامُ من معاونةِ الرجلِ وامرأتِه على بناءِ أولادِهما وأسرتِهما، والمساعدةِ في مجتمعِهما بأن يخرجَ الرجلُ؛ لأَنَّ فحولتَه وذكورتَه مناسبةٌ للخروجِ، عظامُه قويةٌ وعضلاتُه قويةٌ، وعيونُه محمرةٌ قويةٌ لَا يتلذذُ به من رَآهُ، وليس مُتَعَرِّضًا للفتنةِ، يقومُ في كدحِ الحياةِ لتحصيلِ شؤونِ الحياةِ، وفي الجهادِ لِرَدِّ الكفاحِ المسلحِ وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ، ويتركُ قرينَه الآخَرَ الكريمَ وهو امرأتُه الكريمةُ العفيفةُ الصَّيِّنَةُ المطيعةُ لِلَّهِ (جل وعلا)، الْمُحَافِظَةُ على شَرَفِهَا ودينِها وكرمِها، المُبَيِّضة وجهَ نفسِها ووجهَ أسرتِها، يتركُها في بيتِه في صيانةٍ وسترٍ وعفافٍ فيجدُها قائمةً أحسنَ قيامٍ، تَحْنُو على الرضيعِ فترضعُه، وعلى الفطيمِ فترحمُه، وعلى المريضِ فَتُعَالِجُهُ، وعلى شؤونِ البيتِ فتقومُ بجميعِ مصالِحها، فإذا جاء الرجلُ مِنْ عَمَلِهِ وَجَدَ قرينَه الآخَرَ الكريمَ قائمًا بأكبرِ مساعدةٍ وأعظمِ معونةٍ وأعظمِ تربيةٍ للأولادِ الصغارِ، من تعليمِهم الأدبَ ومبادئَ الدينِ والإصلاحِ البيتيِّ، فيجدُ قرينَه الآخَرَ الكريمَ قائمًا له بأعظمِ مساعدةٍ على بناءِ الأسرةِ الخاصِّ وبناءِ المجتمعِ العامِّ؛ لأنه مُتَرَكِّبٌ من الأُسَرِ الخاصةِ، إلا أن الشيطانَ لعداوتِه لِبَنِي آدمَ يغيظُه هذا التعاونُ الكريمُ الشريفُ
[ ٣ / ٣٢٩ ]
النزيهُ، وبناءُ المجتمعِ من الطرفين على أكملِ الوجوهِ وَأَتَمِّهَا وأليقها بالشرفِ والمروءةِ، فيأتِي لأوليائِه ويهمسُ في آذانهم وأذنِ المرأةِ ويقولُ: الرجلُ يخرجُ ويختلطُ بالدنيا وَتَبْقَيْنَ أنتِ محبوسةً كالدجاجةِ، فأنتِ لستِ بدجاجةٍ، أنتِ إنسانٌ ينبغي أن تخرجي كما يخرجُ الرجلُ، وَتُزَاوِلِي ما يزاولُه الرجلُ، فإذا خَرَجَا معًا اضطرا لأن يُؤَجِّرَا إنسانًا يجلسُ
في البيتِ ليحافظَ على الأولادِ وشؤونِ البيتِ الداخليةِ، فيصيرُ ذلك الأجيرُ المسكينُ هو الضحيةَ، وهو الدجاجةُ المحبوسةُ في البيتِ لتتمكنَ المرأةُ من الخروجِ، ويكونُ جَمَالُهَا وَقْفًا على الخونةِ كما أَوْضَحْنَاهُ مرارًا؛ لأنها إذا خرجت كانت كُلُّ عينٍ فاجرةٍ تنظرُ إليها وتتمتعُ بجمالِها كما شاءت، والرجلُ ربما نَزَلَ منه المنيُّ بالنظرةِ إلى جمالِ المرأةِ الجميلةِ كما هو معروفٌ، فيُستغل جمالَها مَجَّانًا بلا ثمنٍ، غدرًا وخيانةً ومكرًا وجنايةً على شرفِ المسكينةِ وعلى مروءتها وعلى فَضْلِهَا وعلى أُسْرَتِهَا، باسمِ فلسفةٍ شيطانيةٍ فاضيةٍ جوفاءَ باسمِ التقدمِ، باسم الحضارةِ، باسمِ التمدنِ!! وكلُّ ذلك ضلالٌ وإضلالٌ، وضياعٌ للأخلاقِ والمروءةِ والشرفِ تحتَ شعاراتٍ براقةٍ زائفةٍ كاذبةٍ، يُضَيِّعُ الشيطانُ تحتَها كُلَّ فضيلةٍ وكلَّ شرفٍ وكلَّ مروءةٍ، وهذا مُشَاهَدٌ في الأقطارِ التي أَطْلَقَتْ لنسائِها الحريةَ، وَصِرْنَ يَخْرُجْنَ عارياتٍ، يُزَاوِلْنَ ما يزاوله الرجالُ من الأعمالِ، فَتَرَاهُنَّ ذَهَبَ مِنْ جميعهن الحياءُ والشرفُ النسويُّ، وصارت أولادُ الزنى تُؤْخَذُ من الشوارعِ تُعَدُّ بالآلافِ والملايين!!
وَمَنْ نَظَرَ في إحصائياتِ أولادِ الزنى في العالمِ المتمدنِ يعلم أن نتيجةَ فلسفاتِ الشيطانِ هي الزنى والانحطاطُ الخلقيُّ، وضياعُ الشرفِ وذهابُ المروءةِ والكرمِ. ومع هذا يسمونه التقدمَ والحضارةَ
[ ٣ / ٣٣٠ ]
والتمدنَ، والذوقَ السليمَ!! والتشريعَ السماويَّ - الذي يقولُ اللَّهُ فيه: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ [الأعراف: آية ٥٢] الذي طَعَنُوا فيه وَنَبَذُوهُ وراءَ ظهورِهم وتقوَّلوا عليه كما تَقَوَّلَ الكفارُ أنه لا يُسَايِرُ ركبَ الحضارةِ، وليس بصالحٍ لكلِّ زمانٍ - هو الذي يأمرُهم بالعفافِ والكرمِ والمحافظةِ على الأخلاقِ والشرفِ مع العملِ الحثيثِ في الدنيا.
وربما تضطر بعضُ النساءِ إلى مزاولةِ الأعمالِ كالتي لا زوجَ لها ولا وَلِيَّ لها يقومُ بشؤونِها، فنحنُ لَا نقولُ: إنها تَبْقَى عالةً لَا تعملُ، بل تذهبُ وتعملُ في بعضِ مرافقِ الحياةِ لتسدَّ خَلَّتَها وماءَ وجهِها عن تكففِ الناسِ، ولكنها تعملُ في عفافٍ وسترٍ وصيانةٍ وكرمٍ، وعدمِ مخالطةٍ للأجانبِ، وعدمِ إهدارٍ للفضيلةِ وارتكابٍ للرذيلةِ، فَرُبَّ امرأةٍ عملت عملًا من أعمالِ الحياةِ الدنيا سَدَّتْ به خَلَّتها، وَقَوَّمَتْ به شَأْنَهَا، وهي في غايةِ العفافِ والتسترِ، والأخذِ بمكارمِ الأخلاقِ.
والحاصلُ أن اللَّهَ (جل وعلا) يقولُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ هذا الكتابُ فَصَّلَهُ خالقُ السمواتِ والأرضِ حالَ كونِ ذلك التفصيلِ على علمٍ منه (جل وعلا)، وعلمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ لَا يَخْفَى عليه شيءٌ، فهو عَالِمٌ بما كان وما يكونُ وما لو كان كيفَ يكونُ؛ لأنا بَيَّنَّا مِرَارًا أن العلمَ الكاملَ لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه، فهو المحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ، يعلمُ ما كان وما يكونُ حتى إنه من إحاطةِ عِلْمِهِ لَيَعْلَمُ ما سبقَ في علمِه أنه لا يكونُ أن لو كانَ كيفَ يكونُ.
ومن إحاطةِ علمِ اللَّهِ: أن جميعَ الخلائقِ لا يعلمونَ إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ من علمِه، فالعلمُ المحيطُ لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه، ولا يعلمُ أحدٌ شيئًا إلا ما عَلِمَهُ العليمُ الخبيرُ جل وعلا.
[ ٣ / ٣٣١ ]
ومما يُوَضِّحُ هذا أن أَعْلَمَ الخلائقِ (^١): الملائكةُ والرسلُ الكرامُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم)، فالملائكةُ لَمَّا قال لهم خالقُهم جل وعلا: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٣١] ماذا قال الملائكةُ؟ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: آية ٣٢] فقولُه: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هي (لَا) التي تُسَمَّى (لا) النافيةَ للجنسِ، فهي لنفيِ جنسِ العلمِ، فَنَفَوْا جنسَ العلمِ عنهم أصلًا إلا شيئًا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه.
[٩/ أ] / وهؤلاءِ الرسلُ الكرامُ الذين هم صفوةُ اللَّهِ من خلقِه، وأعلمُ الخلقِ بِاللَّهِ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - هذا سيدُهم وخاتُمهم وأفضلُهم على الإطلاقِ نبيُّنا ﷺ رُمِيَتْ زوجتُه أُمُّ المؤمنينَ عائشةُ بنتُ الصِّدِّيقِ (﵂) في غزوةِ المريسيعِ بأعظمِ فريةٍ وأكبرِ شنيعةٍ، وهو ﷺ مع ما أَعْطَاهُ اللَّهُ من النبوةِ والعلمِ العظيمِ ما كان يَدْرِي أَحَقٌّ ما قيل عنها أم كَذِبٌ، وكان يقول لها: «كَيْفَ تِيكُمْ»؟ لا يدري عن حقيقة الأمر، ويقول لها: «يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَتُوبِي، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّؤُكِ». ولم يعلم حقيقةَ الأمرِ حتى أَعْلَمَهُ الحكيمُ الخبيرُ فقال له: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: آية ٢٦] وَلَمَّا نزلَ الوحيُ ببراءتِها وقالت لها أُمُّهَا: قُومِي إلى رسولِ اللَّهِ فَاحْمَدِيهِ. قالت: لَا وَاللَّهِ لا أحمدُه ولا أحمدُ اليومَ إلا اللَّهَ، فإن اللَّهَ هو الذي بَرَّأَنِي وهو لم يُبَرِّئْنِي (^٢). وقد أُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقولَ: ﴿قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
آية ٥٠] وقد قيل له أن يقولَ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ - وَهُوَ هُوَ - قال اللَّهُ له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: آية ١٢٤] ذَبَحَ عجلَه وَتَعِبَ هو وامرأتُه في إنضاجِ العجلِ يظنُّ أن الضيفَ الذين عنده يأكلونَ، ولم يعلم أنهم جبريلُ والملائكةُ معه! ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: آية ٧٠]، وَبَيَّنَ لهم أنه خائفٌ منهم: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: آية ٥٢] ولم يعلم أنهم ملائكةٌ - رسلُ اللَّهِ - حتى أخبروه. قال لهم: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (٥٨)﴾ [الحجر: الآيتان ٥٧ - ٥٨] وَلَمَّا نزلوا بنبيِّ اللَّهِ لوطٍ - وهو هو -: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: آية ٧٧] يظن أنهم فتيانٌ حِسَانُ الوجوهِ، حسانُ الثيابِ، حسانُ الروائحِ، وأن قومَه يفعلونَ بهم فاحشةَ اللواطِ، حتى قال كلامَه المحزنَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: آية ٨٠] ولم يعلم أنهم ملائكةٌ حتى قال له جبريلُ: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: آية ٨١] وهؤلاء الذين كانوا يدفعونَ البابَ ليكسروه يريدونَ أن يفعلوا فاحشةَ اللواطِ بجبريلَ والملائكةِ معه لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لجبريلَ فيهم مَسَحَ وجوهَهم بريشةٍ من جناحِه فبقيت أعينُهم كأنها لم تكن أصلًا، كما يأتي في قولِه عنهم: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: آية ٣٧].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ - وهو هو - (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) ما كان يظنُّ أن ابنَه كافرٌ، وكان يقولُ: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: آية ٤٥] أي: وقد قلتَ لي: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ
[ ٣ / ٣٣٣ ]
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: آية ٤٠] ولم يَدْرِ ما حقيقةُ ولدِه حتى أَعْلَمَهُ الحكيمُ الخبيرُ فقال له: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: آية ٤٦] فما كان من نوحٍ إلا أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: آية ٤٧].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ الذي قال اللَّهُ فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: آية ٦٨] ابْيَضَّتْ عيناه من الحزنِ فهو كظيمٌ، ولم يَدْرِ عن ولده يوسفَ في مصرَ، ما بينَه وبينَه إلا مراحلُ قليلةٌ حتى جاءه البشيرُ بِخَبَرِهِ.
وهذا سليمانُ أعطاه اللَّهُ الريحَ غُدُوُّهَا شهرٌ وَرَوَاحُهَا شهرٌ، وَسَخَّرَ له الجنَّ والطيرَ، ما كان يدري عن ملكةِ سبأٍ، ولا عن مَأْرِبٍ، ولا ما جَرَى فيها حتى أخبرَه الهدهدُ المسكينُ الضعيفُ.
وكان سليمانُ (﵇) متوعدًا للهدهدِ لأنه خرجَ بلَا إِذْنٍ ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٢١)﴾ [النمل: الآيتان ٢٠ - ٢١] فَلَمَّا علم الهدهدُ من قضيةِ اليمنِ بعضَ علمِ التأريخِ وَعِلْمِ الجغرافيا - من ملكةِ سبأٍ وقومِها - وكان سليمانُ يجهلُه أعطاه هذا العلمُ قوةً وصمودًا أمامَ سليمانَ، ووقفَ أمامَ النبوةِ وَالْمُلْكِ وقفةَ الرجلِ الصامدِ، ونسبَ الإحاطةَ لنفسِه ونفاها عن سليمانَ، وقال: إني: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: آية ٢٢] وهكذا.
أما اللَّهُ (جل وعلا) فهو المحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ، ولكنه يُطْلِعُ
[ ٣ / ٣٣٤ ]
رسلَه على ما شاءَ من غَيْبِهِ، وقد أَطْلَعَ نَبِيَّنَا ﷺ على أمورٍ من الغيبِ لَا يعلمُ كثرتَها إلا اللَّهُ، فما تُوُفِّيَ ﷺ حتى لم يكن طائرٌ يُحَرِّكُ جناحه إلا أعطى لأصحابِه عنه عِلْمًا، وَبَيَّنَ لأصحابِه جميعَ الفتنِ، وجميعَ ما يقعُ في آخِرِ الزمانِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ من الغيوبِ - ولكنهم نَسُوهُ - ولكنه لا يَعْلَمُ من ذلك إلا ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، كما قال جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الآيةَ [الجن: الآيتان ٢٦، ٢٧] أما اللَّهُ (جل وعلا) فَعِلْمُهُ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، يعلمُ ما كان، ويعلمُ ما لم يكن، وما سيكونُ كيف يكونُ ويعلمُ ما سبقَ في علمِه أنه لا يكونُ، يعلمُ أن لو كان كيف يكونُ، فهو يعلمُ أن أبا لهبٍ لَنْ يؤمنَ، ويعلمُ لو آمَنَ أبو لهبٍ أيكونُ إيمانُه تَامًّا أو ناقصًا. والآياتُ الشاهدةُ بهذا في القرآنِ كثيرةٌ، فإن الكفارَ يومَ القيامةِ إذا عَايَنُوا العذابَ وَرَأَوْا حقيقةَ الآخرةِ نَدِمُوا وَتَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا مرةً أخرى لِيُصَدِّقُوا الرسلَ ويؤمنوا: ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٧] وفي القراءةِ الأُخْرَى (^١):
﴿وَلَا نُكذِّبُ بآيات ربنا ونَكُونُ من المؤمنين﴾ وَاللَّهُ يعلمُ أن هذا الردَّ الذي تَمَنَّوْهُ لا يكونُ، ومع ذلك فهو عَالِمٌ أَنْ لو كانَ كيفَ يكونُ؛ وَلِذَا قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٨] والمتخلفونَ عن غزوةِ تبوكَ عَلِمَ اللَّهُ في سَابِقِ أَزَلِهِ أنهم لن يحضروها أبدًا؛ لأنه هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها لحكمةٍ، كما قال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٦] وخروجُهم الذي سَبَقَ في علمِه أنه لا يكونُ هو عالمٌ أن لو كانَ كيفَ يكونُ، كما صَرَّحَ به في قولِه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٦) من سورة الأنعام ..
[ ٣ / ٣٣٥ ]
زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: آية ٤٧] وهذا في القرآنِ كثيرٌ (^١)، كقولِه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ [المؤمنون: آية ٧٥] فعلمه تعالى محيط بكل شيء، فإذا كان هذا العلم المحيط بكل شيء علم الله (جل وعلا) وهو الذي فصل هذا الكتاب بهذا العلم المحيط علمنا أنه ضمنه استجلاب كل خير، والتحذير من كل شر، ورتب فيه جميع المصالح ودرأ جميع المفاسد، ودعا فيه إلى جميع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ورفع الهمم وكل شيء صالح للدنيا والآخرة في شؤونِ الفردِ وشؤونِ المجتمعِ كما يعرفُه مَنْ تَأَمَّلَ آياتِ القرآنِ وَتَدَبَّرَهَا. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٢].
﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ٥٢] في قولِه: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ وجهانِ من الإعراب (^٢):
أحدهما: أنهما مَصْدَرَانِ مُنَكَّرانِ حالانِ. والمصدرُ المُنَكَّرُ يقعُ حالًا بكثرةٍ. جئناهم بكتابٍ في حالِ كونِه هاديًا وَذَا رَحْمَةٍ.
وقال بعضُ العلماءِ: هما مفعولانِ من أَجْلِهِ. والمعنَى: جئناهم بكتابٍ فصلناه لأَجْلِ هُدَى الناسِ؛ ولأَجْلِ أن نرحمَ بِاتِّبَاعِهِ الناسَ. وكلا الإِعْرَابَيْنِ له وجهٌ من النظرِ.
ومعنَى ﴿هُدًى﴾ هذا القرآنُ فَصَّلْنَاهُ حالَ كونِه هاديًا، أو لأَجْلِ كونِه هُدًى يهدي الناسَ إلى ما فيه صلاحُهم من خيرِ الدنيا والآخرةِ،
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٠٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠٦)، الدر المصون (٥/ ٣٣٦).
[ ٣ / ٣٣٦ ]
فَيُبَيِّنُ لهم الخيرَ في الدنيا والآخرةِ، ويأمرُهم بِاتِّبَاعِهِ، وَيُبَيِّنُ لهم الشرَّ في الدنيا والآخرةِ، ويأمرُهم باجتنابِه.
﴿وَرَحْمَةً﴾ يعنِي: وَمَنْ سَلَكَهُ وَاتَّبَعَهُ يرحمه اللَّهُ (جل وعلا) ويصلحُ له دينَه ودنياه.
وقولُه: ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ القومَ المؤمنيِن لأنهم هم المنتفعونَ به كما بَيَّنَّا الآياتِ الدالةَ عليه (^١) في قولِه: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ وقولِه: ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: آية ٤٤] وقولُه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: آية ٨٢].
ثم لَمَّا بَيَّنَ أن هذا القرآنَ العظيمَ هو الذي أَنْزَلَهُ، وهو الذي فَصَّلَهُ وَبَيَّنَ حلالَه وحرامَه وعقائدَه ومواعظَه وأمثالَه وآدابَه ومكارمَه، وأنه بَيَّنَ هذا بعلمِه المحيطِ بكلِّ شيءٍ، هَدَّدَ الكفارَ الذين لم يَعْمَلُوا به فقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] التأويلُ: يُطْلَقُ ثلاثةَ إِطْلَاقَاتٍ (^٢): أما التأويلُ في لغةِ القرآنِ فهو ما يَؤُولُ إليه الأمرُ وتصيرُ إليه الحقيقةُ في ثانِي حالٍ. وعلى هذا فتأويلُ القرآنِ هو ما يَؤُولُ إليه أَمْرُهُ في ثانِي حقيقةٍ، وتقعُ عليه الحقيقةُ، وهو صِدْقُ ما وَعَدَ به بأن يُدْخِلَ مَنْ آمَنَ به الجنةَ وَيُخَلَّدَ في نعيمها، وَيُدْخِلَ مَنْ كَفَرَ به النارَ ويخلد في جحيمها، فهذا تَأْوِيلُهُ، أي: ما تُؤَوَّلُ إليه حقيقةُ ما كان يَعِدُ به وينطقُ به في دارِ الدنيا. وهذا هو التأويلُ في لغةِ القرآنِ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: أضواء البيان (١/ ٢٦٦، ٢٦٧)، المذكرة في أصول الفقه ص١٧٦، قواعد التفسير (٢/ ٦٨٣).
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وَيُطْلَقُ التأويلُ أيضًا على التفسيرِ، ومنه قولُه ﷺ في ابنِ عباسٍ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (^١). وقولُهم: فلانٌ يعلمُ تأويلَ القرآنِ. أي: تفسيرَه.
والإطلاقُ الثالثُ - إطلاقٌ حادثٌ هو اصطلاحُ الأصوليين لم يَكُنْ معروفًا في الزمنِ الأولِ - وهو أن التأويلَ: حَمْلُ اللفظِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى محتملٍ مرجوحٍ بدليلٍ يدلُّ عليه. هذا اصطلاحٌ حادثٌ، وهو المعروفُ عندَ الأصوليين باسمِ التأويلِ.
وهو ثلاثةُ أنواعٍ: تأويلٌ صحيحٌ، وتأويلٌ فاسدٌ، وَلَعِبٌ. فإذا كان التأويلُ: صَرْفَ الكلامِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى معنًى مرجوحٍ ليس هو الظاهرَ من الكلامِ بدليلٍ صحيحٍ يدلُّ عليه حقًّا في نفسِ الأمرِ، فهو التأويلُ الصحيحُ الْمُسَمَّى بالتأويلِ القريبِ. ومثالُه: قولُ النبيِّ ﷺ الثابتُ في صحيحِ البخاريِّ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» (^٢) فإن ظاهرَ هذا الحديثِ الثابتِ في صحيحِ البخاريِّ أن الشفعةَ ثابتةٌ لِلْجَارِ؛ لأَنَّ الصقبَ والسقبَ هو ما يُلَاصِقُ الجارَ من أرضِ جارِه. إلا أنه حُمِلَ على محتملٍ مرجوحٍ، وهو أن المرادَ بالجارِ هنا: خصوصُ الشريكِ المُقاسِمِ. وهذا احتمالٌ مرجوحٌ، إلا إنه دَلَّ عليه نصٌّ صحيحٌ، فَحُمِلَ اللفظُ عليه لدلالةِ ذلك النصِّ، وهو قولُه ﷺ في حديثِ جابرٍ: «فَإِذَا صُرِفَتِ الطُّرُقُ، وَضُرِبَتِ الْحُدُودُ
_________________
(١) الحديث بلفظ: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» أخرجه أحمد (١/ ٣٢٨)، وهو في الصحيحين بلفظ: «اللهم علمه الكتاب». كما في البخاري (١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠)، ومسلم (٢٤٧٧).
(٢) البخاري في الشفعة، باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع. حديث رقم (٢٢٥٨) (٤/ ٤٣٧) وأطرافه في: (٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١).
[ ٣ / ٣٣٨ ]
فَلَا شُفْعَةَ» (^١). فَعُلِمَ أنه لم تكن هناك شفعةٌ إلا مع الاشتراكِ في الأرضِ أو في الطريقِ كما هو معروفٌ. ومثالُ التأويلِ البعيدِ يمثلُ له بعضُ أهلِ الأصولِ - بعضُهم يجيءُ بما يُخَالِفُهُ به الآخَرُ - والمعروفُ عندَ علماءِ الأصولِ: أن الأصوليَّ يكونُ مَالِكِيًّا مثلًا فيمثلُ بشيءٍ ضِدَّ مذهبِه، وقصدُه فَهْمُ القاعدةِ. ويكون شَافِعِيًّا مثلا ويمثلُ بمثالٍ مخالفٍ لمذهبِه لِتُفْهَمَ القاعدةُ. وقصدنا بكلامهم هنا المثالُ لا مناقشة أدلةِ الأقوالِ.
والشافعيةُ والمالكيةُ والحنبليةُ يمثلونَ للتأويلِ البعيدِ بِحَمْلِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ) المرأةَ في حديثِ عائشةَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» (^٢) قالوا: حَمْلُ أَبِي حنيفةَ للمرأةِ على المُكاتَبَةِ تأويلٌ بعيدٌ؛ لأنه بعيدٌ من ظاهرِ النصِّ، ولم يَقُمْ دليلٌ جازمٌ عليه؛ لأن (أي) صيغةُ عمومٍ، والعمومُ أُكِّدَ بلفظةِ (ما) فَلَا يَحْسُنُ حَمْلُهُ على صورةٍ نادرةٍ قد لا تَخْطُرُ في الذهنِ وهو الْمُكَاتَبَةُ. قالوا: وكقولِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ): ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: آية ٤]
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الشريك من شريكه، حديث رقم: (٢٢١٣)، (٤/ ٤٠٧). وأطرافه: (٢٢١٤، ٢٢٥٧، ٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦) من طريق أبي سلمة عن جابر، وأخرجه مسلم في المساقاة باب الشفعة، حديث رقم: (١٦٠٨)، (٣/ ١٢٢٩) من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ مغاير.
(٢) أحمد (٦/ ٦٦)، (١٦٦)، وأبو داود في النكاح، باب في الولي. حديث رقم (٢٠٦٩)، (٦/ ٩٨،١٠٠)، والترمذي في النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي. حديث رقم (١١٠٢)، (٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، وابن ماجه في النكاح، باب لا نكاح إلا بولي. حديث رقم (١٨٧٩)، (١/ ٦٠٥)، وهو في صحيح أبي داود (١٨٣٥)، وصحيح الترمذي (٨٨٠)، وصحيح ابن ماجه (١٥٢٤)، الإرواء (١٨٤٠)، المشكاة (١٣٣١).
[ ٣ / ٣٣٩ ]
حَمَلَ المسكينَ على المُد، وأجازَ أن يُعْطَى إطعامُ الستينَ لمسكينٍ واحدٍ. وقالوا: حَمْلُ (المسكين) على (المُدِّ) من التأويلِ البعيدِ. هكذا يمثلونَ، وَقَصْدُنَا المثالُ لَا مناقشة أدلةِ أقوالِ العلماءِ هنا.
أما إذا كان صُرِفَ الكلامُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه لَا لدليلٍ في نفسِ الأمرِ ولَا لدليلٍ [خارجيٍّ صحيحٍ فإن ذلك لَا يُعَدُّ من التأويلِ المقبولِ] (^١) بل هو تَلَاعُبٌ بنصوصِ القرآنِ، وكقولِهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: آية ١٩] البحرين: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: آية ٢٠] الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. فهذا ليس من التأويلِ، وإنما هذا من اللعبِ والتلاعبِ بكتابِ اللَّهِ. ويكثرُ مثلُ هذا في تفسيرِ الْبَاطِنِيِّينَ وغلاةِ الروافضِ، ولا يُسَمَّى تأويلًا وإنما هو لَعِبٌ.
أما التأويلُ في القرآنِ فمعناه: ما تَؤُولُ إليه حقيقةُ الأمرِ. فقولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي: ما تَؤُولُ إليه حقيقتُه من دخولِ أهلِ الجنةِ الجنةَ، ودخولِ أهلِ النارِ النارَ.
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] أي: يومَ يأتِي الوقتُ الذي تُحَقَّقُ فيه مواعيدُ القرآنِ، وتحقق الوعد للمؤمنِ والوعيد للكافرِ.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] أي: تَرَكُوهُ وَتَنَاسَوُا العملَ به في دارِ الدنيا. ﴿قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] هذا القرآنُ ونحوُه من الكتبِ كان حَقًّا، والذي أَمَرَ بأن يَدْخُلَ مَنِ امْتَثَلَهُ الجنةَ، ونحن - والعياذُ بالله - لَمَّا لم نَمْتَثِلْ
_________________
(١) في هذا الموضع وُجِدَ انقطاعٌ في التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ذلك الأمرَ فَمَصِيرُنَا إلى النارِ. وهذا معنَى قولِهم: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] وَتَمَنَّوُا الشفاعةَ حيثُ لَا شفاعةَ.
ثم قالوا: ﴿فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] جمعُ شفيعٍ و(هل) هنا لِلتَّمَنِّي، يتمنونَ الشفعاءَ: ﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: آية ٥٣] وَيُخْرِجُونَا مِمَّا نحن فيه: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] أو هل لنا أن نُرَدَّ إلى دارِ الدنيا لنبدلَ تكذيبَ الرسلِ بالتصديقِ، ونبدلَ المعاصيَ بالطاعاتِ؟ وهو معنَى قولِهم: ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] بَيَّنَ اللَّهُ أنهم لَا يجدونَ الشفعاءَ وَلَا يُرَدُّونَ وقال: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٥٣] خَسِرُوا أنفسَهم - والعياذُ بالله - لأنهم غُبِنُوا في أنفسِهم وَرُزِئُوا فيها.
والدليلُ على خُسْرَانِهِمْ أنفسَهم: أن غايةَ أمنيتِهم أن تعدمَ أنفسُهم ويموتوا ولكن لا يجدونَ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: آية ٧٧] وهذا معنَى خسرانهم أنفسَهم لأنهم رُزِئُوا في أنفسِهم فَبَاعُوهَا - والعياذُ بالله - بعرضٍ من الدنيا، وَصَارَتْ إلى العذابِ المخلدِ إلى يومِ القيامةِ.
وقولُه: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ [الأعراف: آية ٥٣] غَابَ وَاضْمَحَلَّ ما كان يفترونَه في دارِ الدنيا من أن الأصنامَ تشفعُ لهم، كقولِهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: آية ١٨] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: آية ٣] ومعنَى: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْكَذِبِ.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
[ ٣ / ٣٤١ ]
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: الآيات ٥٤ - ٥٧].
يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: آية ٥٤].
لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - جل وعلا - وَنَهَى في هذه السورةِ الكريمةِ، وَبَيَّنَ فيها أحوالَ أهلِ الجنةِ وأحوالَ أهلِ النارِ، وَأَوْضَحَ عواقبَ طاعتِه وعواقبَ معصيتِه، وَبَيَّنَ أنه أَرْسَلَ إلى الدنيا كتابًا فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه بَيَّنَ أن الذي قال هذه الأشياءَ وَأَخْبَرَ بها أنه هو رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وخالقُ كُلِّ شيءٍ، المعبودُ وحدَه، المستحقُّ لأَنْ يُعْبَدَ وحدَه، ولأن يطاعَ فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ إن ربكم الله، كُلُّ الناسِ يعلمونَ أن اللَّهَ رَبُّهُمْ، ولم يُكَابِرْ في هذا إلا مُكَابِرٌ، أو أحدٌ كالبهائمِ، لا عقلَ له؛ لأنه جُبِلَتْ فِطَرُ العقلاءِ على معرفةِ أن اللَّهَ هو الربُّ الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والكفارُ الذين يعبدونَ الأصنامَ مُقِرُّونَ بهذا عَالِمُونَ به، والآياتُ القرآنيةُ الدالةُ على ذلك كثيرةٌ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: آية ٨٧] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: آية ٣١] وإنكارُ فرعونَ لمعرفتِه ربوبيةَ اللَّهِ
[ ٣ / ٣٤٢ ]
حيث قال اللَّهُ عنه إنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آية ٢٣] وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: آية ٢٩] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: آية ٢٤] فإن فرعونَ مُكَابِرٌ عالمٌ أنه عبدٌ مربوبٌ، وأن اللَّهَ رَبُّهُ وَرَبُّ كُلِّ شيءٍ، كما أَوْضَحَهُ اللَّهُ في إقسامِ موسى على ذلك، قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: آية ١٠٢] وَاللَّهِ لقد علمتَ يا فرعونُ ما أنزلَ هؤلاء الآياتِ إلا رَبُّ السماواتِ والأرضِ. أي: وَمَنْ فيهن.
وكقولِه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل: آية ١٤] يعني: فرعونَ وقومَه ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: آية ١٤] فهو جاحدٌ مُكَابِرٌ ليستخفَّ قلوبَ قومِه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: آية ٥٤].
والذين ينفونَ ربوبيةَ اللَّهِ هم بهائمُ كالبغالِ والحميرِ لَا عقولَ لهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: آية ٤٤] أما عَامَّةُ العقلاءِ الذين ارْتَفَعَ إدراكُهم عن إدراكِ الحيواناتِ فَهُمْ يعلمونَ أن اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شيءٍ وخالقُ كُلِّ شيءٍ.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] أي: إن سيدَكم وخالقَكم ومدبرَ شؤونِكم ﴿الله﴾ - جل وعلا - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] أي: وما بينَهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] هذه الأيامُ الستةُ بَيَّنَ اللَّهُ تفصيلَ خَلْقِهِ الخلائقَ فيها في سورةِ فصلت - السجدة (^١) - حيث قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ قال: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٠٤).
[ ٣ / ٣٤٣ ]
فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: الآيتان ٩، ١٠] أي: بإضافةِ يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ لليومين الأولين فصارت أربعًا، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: الآيتان ١١، ١٢] تضافُ إلى الأربعةِ السابقةِ فتكونُ ستةً.
والعلماءُ يقولونَ: إن هذه الأيامَ المرادُ بها أوقاتُها؛ لأنه في ذلك الوقتِ لم يكن هنالك يومٌ؛ لأن اليومَ من طلوعِ الشمسِ إلى غروبِها، وإن لم يكن هنالك شمسٌ لَا يُعْرَفُ اليومُ. إلا أن اللَّهَ قبلَ أن يخلقَ الشمسَ والقمرَ يعلمُ زمنَ الأيامِ قبلَ وجودِ الشمسِ.
وهذه الأيامُ قد جاءَ في رواياتٍ كثيرةٍ أن أَوَّلَهَا الأحدُ وَآخِرَهَا الجمعةُ (^١). والقرآنُ بَيَّنَ أنه خلقَ الأرضَ في يومين ثم خلقَ فيها الجبالَ والأقواتَ والأرزاقَ في يومين، ثم خلقَ السماواتِ في يومين، فهي ستةُ أيامٍ. ويومُ السبتِ ليس منها.
وما جاء في صحيحِ مسلمٍ من حديتِ أَبِي هريرةَ أن اللَّهَ خلقَ التربةَ يومَ السبتِ (^٢)،
_________________
(١) جاء في هذا المعنى عدة روايات عن جماعة منهم مجاهد كما في تفسير الطبري (١٢/ ٤٨٢)، وعبد الله بن سلام كما في تاريخ الطبري (١/ ٢٤)، وابن مسعود، وابن عباس، وأيضًا عن أبي سنان عن أبي بكر مرفوعًا كما في (١/ ٢٦)، من تاريخ ابن جرير ﵀. وقد تكلم على هذه الرواية الحافظ ابن كثير في تاريخه (١/ ١٥)، ورجحها على الرواية الأخرى في التفسير (٢/ ٢٢٠)، وقد سبقه إلى ذلك ابن جرير (﵀) في تاريخه (١/ ٢٥).
(٢) مسلم في صفات المنافقين. باب: ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇. حديث رقم (٢٧٨٩)، (٤/ ٢١٤٩)، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٢٠) معلقًا على هذه الرواية: «وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّام﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، ليس مرفوعًا» ا. هـ. وراجع كلام ابن كثير على هذه الرواية في البداية والنهاية (١/ ١٧).
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وجعلَ في كُلٍّ من أيامِ الأسبوعِ بعضَ الخلقِ، وإن كان في صحيحِ مسلمٍ فهو غَلَطٌ، غَلِطَ بعضُ الرواةِ في رَفْعِهِ، والظاهرُ أنه أَخَذَهُ أبو هريرةَ عن كعبِ الأحبارِ أو نحوِه من الإسرائيلياتِ (^١)؛ لأنه خلافُ القرآنِ - الصحيحُ - أن السبتَ لم يكن من الأيامِ التي خُلِقَ فيها شيءٌ، وأن السماواتِ والأرضَ وما بينَهما خُلِقَتْ في ستةِ أيامٍ من الأسبوعِ، أولها يومُ الأحدِ، وآخرُها يومُ الجمعةِ، خَلَقَ اللَّهُ فيه آدمَ بعدَ صلاةِ العصرِ.
وهذه الأيامُ قال بعضُ العلماءِ (^٢): إنها كأيامِ الدنيا. وقال بعضُهم: اليومُ منها هو المذكورُ في قولِه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: آية ٤٧].
وَاللَّهُ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ وما بينَهما في ستةِ أيامٍ، مع أنه قادرٌ على أن يخلقَ الجميعَ في لحظةٍ واحدةٍ كلمحِ البصرِ لحكمتِه (جل وعلا)، قال بعضُ العلماءِ: أَرَادَ أن يُعَلِّمَ خَلْقَهُ التمهلَ في الأمورِ، والتدرجَ فيها لِيَقْدِرُوا عليها، وهو قادرٌ على خلقِ ما شَاءَ في لحظةٍ واحدةٍ: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: آية ٥٠]
_________________
(١) انظر: ابن كثير (٢/ ٢٢٠).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢١٩)، البحر المحيط (٤/ ٣٠٧)، ابن كثير (٢/ ٢٢٠).
[ ٣ / ٣٤٥ ]
فهو يقولُ للشيءِ كُنْ فَيَكُونُ (^١). هذا معنَى قولِه: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٤].
قال بعضُ العلماءِ: الستةُ أَصْلُهَا (سِدْسَة) أُبْدِلَتِ الدالُ تاءً وَأُدْغِمَتْ في التاءِ (^٢). قالوا: وَتُصَغَّرُ الستةُ على (سُدَيْسَة) ردًّا لها لأصلها. وعلى كُلِّ حالٍ فالستةُ العددُ المعروفُ، وهو الثلاثةُ مرتين كما هو معروفٌ.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] العرشُ يُطْلَقُ في اللغةِ إطلاقاتٍ متعددةً (^٣) مِنْ أَشْهَرِهَا في القرآنِ: سريرُ الْمُلْكِ (^٤). فالعرشُ سريرُ المُلْكِ، سريرُ المَلِك الذي يُعَدُّ له تسميه العربُ عَرْشًا، ومنه سريرُ ملكةِ سبأٍ في قولِه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وقولُه: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: آية ٤٢].
وقولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ جل وعلا: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهذه صفةُ الاستواءِ ونحوها من آياتِ الصفاتِ ارْتَبَكَ فيه
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢١٩)، البحر المحيط (٤/ ٣٠٧).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢١٨)، الدر المصون (٥/ ٣٣٩)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ١٣٩. وقد وقع للشيخ (﵀) هنا سبق لسان، وصواب العبارة - كما في المصادر المذكورة هنا - أن يقال «أُبدلت السين تاء، وأُدغمت في الدال».
(٣) انظر: القرطبي (٧/ ٢٢٠)، الدر المصون (٥/ ٣٤٠).
(٤) في الأصل قال الشيخ (﵀) بعد هذه الكلمة: «وإنما أُطلق على السُّقُف». ثم قال بعدها: «فالعرش سرير » إلخ، فصنيعه يُشعر أنه تراجع عن العبارة السابقة، ولذا لم أُثبتها. والله أعلم.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
عقولُ كثيرٍ من الناسِ، وَضَلَّ فيه من الخلقِ المنتسبين للعلمِ، بل والذين عندَهم علمٌ وعقولٌ ما لَا يُحْصِيهِ كثرةً إِلَاّ اللَّهُ (جل وعلا). ونحنُ نوضحُ لكم المقامَ في عقيدةِ السلفِ الصحيحةِ التي كان عليها رسولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه والسلفُ الصالحُ، وهي العقيدةُ الكريمةُ الصافيةُ من شوائبِ التشبيهِ والتعطيلِ، لا تشوبُها شائبةُ تشبيهٍ ولا تشوبُها شائبةُ تعطيلٍ، ونحنُ نوضحُ هذا في ضوءِ القرآنِ العظيمِ.
وإيضاحُ ذلك أن تَعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن اللَّهَ (﵎) أَوْضَحَ في كتابِه هذا القرآنِ العظيمِ الذي هو أصلُ الْهُدَى، ومنبعُ اليقينِ، ونورُ المعرفةِ والعلمِ، بَيَّنَ فيه أن الْمُعْتَقَدَ المُنجي في آياتِ الصفاتِ الذي يأتي صاحبُه يومَ القيامةِ سَالِمًا من بلايا التشبيهِ وبلايا التعطيلِ هو مُركَّزٌ على ثلاثةِ أُسس (^١)، نُوصِيكُمْ وأنفسَنا بتقوى اللَّهِ، وأن تعتقدوا هذه الأسسَ الثلاثةَ الكبارَ، فتنجيكم أمامَ اللَّهِ من بلايا هذا المأزقِ الذي ضَلَّ فيه من الخلقِ ما لَا يُحصى.
هي ثلاثةُ أُسُسٍ عظام مَنْ جَاءَ بها ولقي اللَّهَ عليها لَقِيَهُ سَالِمًا على بصيرةٍ مِنْ رَبِّهِ، عاملًا بنورِ القرآنِ العظيمِ، وَمَنْ أَخَلَّ بواحدٍ منها فَقَدْ أَدْخَلَ نفسَه في مهواةٍ.
وهذه الأسسُ الثلاثةُ نُوَضِّحُهَا لكم في ضوءِ القرآنِ العظيمِ:
الأولُ منها، وهو أساسُ العقيدةِ، والحجرُ الأساسيُّ لمعرفةِ اللَّهِ معرفةً صحيحةً، وللعقيدةِ التي هي على أساسٍ سماويٍّ صحيحٍ. هذا الأساسُ المذكورُ هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ - جل وعلا - عن أن يشبهه شيءٌ من خَلْقِهِ؛ لا فِي ذواتِهم ولا في صفاتِهم،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
ولا أفعالِهم. وكيف يخطرُ في ذهنِ العاقلِ أن الخالقَ - جل وعلا - يُشْبِهُهُ شيءٌ من خَلْقِهِ في الذاتِ أو الصفاتِ أو الأفعالِ؟ لأن جميعَ الخلائقِ صَنْعَةٌ من صُنْعِه - جل وعلا - ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: آية ٨٨] والصنعةُ لَا يمكنُ أن تُشْبِهَ صانعَها بحالٍ؛ لأنه هو الذي أَبْرَزَهَا من [العدمِ إلى الوجودِ] (^١)، واخترعَها بعدَ أن لم تكن شيئًا. فكيف يخطرُ في ذهنِ عاقلٍ أن تكونَ تُشْبِهُهُ؟ هذا مما لا يخطرُ في الأذهانِ السليمةِ، وَأَحْرَى الأذهان الممتلئة بنورِ الوحيِ؛ فأساسُ التوحيدِ الأكبرُ، وأساسُه الأعظمُ، هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ - جل وعلا - عن مشابهةِ خَلْقِهِ؛ لأَنَّ الخلقَ صنعةٌ من صنائعِه، والصنعةُ لَا تُشْبِهُ صانعَها. فعلينا أولًا أن نطهرَ قلوبَنا من أقذارِ التشبيهِ، وأنجاسِ التشبيهِ، وأدرانِ التشبيهِ، ونجزمَ جَزْمًا بَاتًّا قاطعًا أن الوصفَ إذا أُسْنِدَ إلى الله، وَوُصِفَ به اللَّهُ في كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ فإن ذلك الوصفَ بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقضي على جميعِ الوساوسِ، ويقطعُ علائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، وتجزمُ قلوبُنا بأن الخلقَ صَنْعَةٌ والخالقَ صانعٌ، ولا مناسبةَ بين الصنعةِ وصانعِها، لا في الذاتِ، ولَا في الصفاتِ، ولَا في الأفعالِ.
وهذا الأساسُ الأكبرُ للعقيدةِ التي هي عقيدةُ السلفِ في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها الذي هو التنزيهُ الكاملُ، وتقديسُ صفاتِ خالقِ السماواتِ والأرضِ وتعظيمُها وإكبارُها وإجلالُها عن أن تُشْبِهَ شيئًا من صفاتِ المخلوقين أو ذواتِهم أو أفعالِهم، ﷾ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. هذا الأَسَاسُ الأعظمُ في ضوءِ قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١]
_________________
(١) في الأصل: «من الوجود إلى العدم» وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: آية ٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: آية ٥٦] ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: آية ٧٤] فإذا رَزَقَ اللَّهُ العبدَ فَهْمَ هذا الأساسِ الأكبرِ، والحجرِ الأساسيِّ للعقيدةِ الصحيحةِ، وكان قلبُه قلبًا طاهرًا من أقذارِ التشبيهِ، مُنَزِّهًا لخالقِ السماواتِ والأرضِ كما ينبغي، جازمًا بأن الخلقَ صَنْعَتُهُ، وأن الصنعةَ لَا تُشْبِهُ صانعَها بحالٍ، فإذا كان قلبُ المؤمنِ طاهرًا واعتقدَ اعتقادًا جازمًا باتًّا بأن صفةَ اللَّهِ منزَّهة عن مشابهةِ صفاتِ خَلْقِهِ كتنزيهِه ذاتَه عن مشابهةِ ذواتِ خَلْقِهِ - إذا استحكم هذا الأساسُ العظيمُ في قلبِ المؤمنِ - فالأساسُ الثاني: هو أَنَّا كُلًاّ علينا أن نصدقَ اللَّهَ فيما أَثْنَى به على نفسه، ونصدقَ سيدنا محمدًا ﷺ فيما أَثْنَى به على رَبِّهِ؛ لأن اللَّهَ أصدقُ مَنْ يقولُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: آية ١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: آية ٨٧] ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية ١٤٠] فإذا مَدَحَ اللَّهُ نفسَه بوصفٍ كريمٍ في كتابِه، أو مَدَحَهُ رسولُه الصادقُ الأمينُ الذي قال في حَقِّهِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: الآيتان ٣، ٤] فعلينا أن لا نُكذِّبَ اللَّهَ، ولا نُكذِّبَ رسولَه، ولا نَنْفِيَ ما أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه، ولا ننفيَ ما أثبتَه الصادقُ الأمينُ ﷺ لِرَبِّهِ، ولكن علينا أن نؤمنَ بذلك الوصفِ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به الصادقُ الأمينُ ﷺ، ولكنَّ ذلك
الإيمانَ إيمانٌ مبنيٌّ على أساسِ التنزيهِ وعدمِ مشابهةِ الخلقِ؛ لأَنَّ الخلقَ لا يمكنُ أن يُشْبِهُوا خالقَهم.
وهذا التعليمُ العظيمُ الذي هو تنزيهُ اللَّهِ - جل وعلا - عن مشابهةِ الخلقِ. ثم إذا طَهُرَتِ القلوبُ من أقذارِ التشبيهِ يتبعُ ذلك الإيمانُ بالصفاتِ الثابتةِ بالقرآنِ العظيمِ والسنةِ الصحيحةِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
هذا لم نَقُلْهُ لكم من تلقاءِ أنفسِنا وإنما هو تعليمُ خالقِ السماواتِ والأرضِ في المحكمِ المنزلِ؛ لأَنَّ اللَّهَ أَوْضَحَ هذين الأَسَاسَيْنِ غايةَ الإيضاحِ، وَبَيَّنَهُمَا غايةَ البيانِ حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] وأتبع ذلك بقولِه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] ففي قولِه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذلك سِرٌّ أعظمُ، وتعليمٌ أكبرُ، ومغزًى عظيمٌ. وإيضاحُه أن السمعَ والبصرَ من حيث هما سَمْعٌ وبصرٌ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى - يتصفُ بهما جميعُ الحيواناتِ، فكلُّ الحيواناتِ تسمعُ وَتُبْصِرُ، فَكَأَنَّ اللَّهَ يقولُ في الآيةِ الكريمةِ: يا عبدي اعْرِفْ قَدْرَكَ ولَا تَتَنَطَّعْ، ولا تَنْفِ عَنِّي صفاتي، ولا تَذْهَبْ بصفاتِي إلى صفاتِ المخلوقين حتى تقولَ: هذا وصَفٌ غيرُ لائقٍ، هذا وصفٌ يجبُ صَرْفُهُ عن ظاهرِه إجماعًا. لا، لا يا عبدي، أَثْبِتْ لي سمعي وبصري، ولكن لَاحِظْ قولي قبلَ ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيكونُ إِثْبَاتُكَ للسمعِ والبصرِ إثباتَ تنزيهٍ عن مشابهةِ أسماعِ الخلائقِ وأبصارِهم، نَظَرًا لقولي قبلَه مقترنًا به: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فأولُ الآيةِ الكريمةِ وهو قولُه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيهٌ تَامٌّ عن مماثلةِ صفاتِ المخلوقين من غيرِ أن يفضيَ ذلك التنزيهُ إلى تعطيلٍ.
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ إيمانٌ بالصفاتِ على الحقيقةِ إيمانًا تَامًّا من غيرِ أن يفضيَ ذلك الإيمانُ إلى تشبيهٍ ولَا إلى تعطيلٍ.
فَعَلَيْنَا أن نعتقدَ جميعًا ما دَلَّ عليه أولُ الآيةِ من تنزيهِ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ، وأن نعتقدَ أيضًا ما دَلَّ عليه آخِرُهَا من إثباتِ الصفاتِ الثابتةِ في الوحيِ الصحيحِ على أساسِ ذلك
[ ٣ / ٣٥٠ ]
التنزيهِ، لَا على أساسِ مشابهةِ الخلقِ - ﷾ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا - وَلِذَا قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعدَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والصفاتُ كُلُّهَا من بابٍ واحدٍ؛ لأنك لا تجدُ صفةً يَكْثُرُ اتصافُ المخلوقاتِ بها أعظمَ من السمعِ والبصرِ فليست هناك صفةُ مجيءٍ، ولا صفةُ نزولٍ، ولا صفةُ وَجْهٍ، ولا صفةُ يَدٍ، ولا غيرُ ذلك من الصفاتِ أشدَّ اتصافًا للمخلوقاتِ بها من السمعِ والبصرِ، فَضَرَبَ لكَ السمعَ والبصرَ مثلًا على أن تُثْبِتَهُمَا لِلَّهِ وتلاحظَ في ذلك الإثباتِ قولَه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هو حلٌّ وإيضاحٌ برهانيٌّ في جميعِ الصفاتِ الثابتةِ في كتابِ اللَّهِ وسنةِ رسولِه ﷺ أن تُنَزِّهَ اللَّهَ أولًا حتى تُطَهِّرَ قلبَك من أقذارِ التشبيهِ وأدرانِه وأنجاسِه، ثم إذا طَهَّرْتَ أرضَ قلبكَ من أقذارِ التشبيهِ، وأنجاسِ التشبيهِ، وأدرانِ التشبيهِ يجبُ عليكَ أن تؤمنَ بما وصفَ اللَّهُ به نفسَه، أو وَصَفَهُ به رسولُه ﷺ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كما بَنَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ على قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فليس لكَ أن تقولَ: الحيوانُ يسمعُ ويبصرُ، الإنسانُ يسمعُ ويبصرُ، والبعيرُ يسمعُ ويبصرُ، والحمارُ يسمعُ ويبصرُ، وكلُّ حيوانٍ يسمعُ ويبصرُ، فإذا أَثْبَتُّ السمعَ والبصرَ لِلَّهِ كُنْتُ مُشَبِّهًا له بالحيواناتِ!! لَا وَكَلَاّ يا عَبْدِي، بل أَثْبِتْ لي سَمْعِي وبصري إثباتًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، وَانْظُرْ أني قلتُ قبلَ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ قلتُ قبلَها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ليكونَ الإيمانُ بإثباتِ سمعي وبصري مَبْنِيًّا على تنزيهي وعدمِ مماثلتي لِخَلْقِي، فبأولُ الآيةِ يحصلُ للمؤمنِ التنزيهُ التامُّ ويذهبُ عنه جميعُ أنواعِ التشبيهاتِ، وبآخِرِ الآيةِ يؤمنُ
العبدُ بما ثَبَتَ عن ربه أو عن رسولِه ﷺ إيمانًا كريمًا طاهرًا مُقَدَّسًا عن مشابهةِ صفاتِ
[ ٣ / ٣٥١ ]
الخلقِ، مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ. فهذانِ أساسانِ أعظمانِ:
الأولُ منهما: تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ صفاتِ خَلْقِهِ في ذواتِهم أو أفعالِهم أو صفاتِهم.
الثاني: هو الإيمانُ بما ثَبَتَ عن اللَّهِ مما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ، والتباعدِ كُلَّ البعدِ عن مشابهةِ الخلقِ. وكذلك ما أَثْبَتَهُ عليه به رسولُه ﷺ فبتنزيهك أيها المؤمنُ رَبَّكَ من مشابهةِ الخلقِ تكونُ عَامِلًا بقولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: آية ٤] ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: آية ٧٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: آية ٦] وَبِتَصْدِيقِكَ رَبَّكَ وتصديقِك رسولَك فيما أَثْنَى الربُّ به على نفسِه أو أثنى عليه به رسولُه تكونُ مُؤْمِنًا بالصفاتِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، فتسلمُ من ورطةِ التشبيهِ، وتسلمُ من ورطةِ التعطيلِ، وتأتي رَبَّكَ يومَ القيامةِ وقلبُك سليمٌ طاهرٌ من أقذارِ التشبيهِ، وأقذارِ التعطيلِ، وجحودِ آياتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نَفْسَهُ. فهذانِ الأساسانِ بَيَّنَهُمَا اللَّهُ لنا في هذا الْمُحْكَمِ الْمُنَزَّلِ في قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١].
والأساسُ الثالثُ: أن تعلمَ أيها العبدُ أن عقلَك المسكينَ الضعيفَ وَاقِفٌ عندَ حَدِّهِ، وَرَبُّ السماواتِ والأرضِ أعظمُ وأكبرُ وأجلُّ شأنًا من أن تحيطَ به علمًا، أو أن تعلمَ كُنْهَ كيفيةِ اتصافِه بصفاتِه - جل وعلا -؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: آية ١١٠] فَنَفَى إحاطةَ العلمِ البشريِّ به - جل وعلا - نفيًا قُرْآنِيًّا بَاتًّا.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
ونحن الآنَ أيها المسلمونَ تسيرُ بنا الأيامُ والليالي لحظاتُها ودقائقُها وثوانيها إلى القبورِ، وعن قليلٍ نُنْشَرُ من القبورِ إلى عرصاتِ القيامةِ، وَاللَّهُ سَائِلُنَا جميعًا كما قال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: آية ٦] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (٩٢)﴾ [الحجر: آية ٩٢] واعلموا أيها الإخوانُ أنه لا يُؤْمَنُ أن يسألَنا خالقُنا: ماذا كُنْتُمْ تقولونَ في صفاتِي التي مَدَحْتُ بها نَفْسِي، كاستوائِي على عَرْشِي؟ فإني مدحتُ نفسي في سبعِ آياتٍ من كتابِي بأني استويتُ على عَرْشِي، ماذا كنتُم تقولونَ فيما مدحتُ به نفسي؟ كنتُم تقولونَ: إن ظاهرَه خبيثٌ، وأنه قذرٌ نَجِسٌ تشبيهٌ وتنفونَه وتحرفونَ كلامي، تجيئون بقولٍ لَمْ أَقُلْهُ، كالذين قال اللَّهُ فيهم: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: آية ٥٩] أَمْ كنتُم تُنَزِّهُونَنِي، وتعلمونَ أني لا أُثْنِي على نفسِي إلا بصفةِ كمالٍ وجلالٍ لائقةٍ مقدسةٍ معظمةٍ منزهة، وتثبتونَ لِي ما أَثْبَتُّ لنفسي إثباتًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وأنا أؤكدُ لكم بمعرفةِ القرآنِ العظيمِ ونحنُ في دارِ الدنيا أَنَّ مَنْ مات منكم وَحُشِرَ وَنُشِرَ وَلَقِيَ اللَّهَ - جل وعلا - على هذه العقيدةِ السلفيةِ التي نلقنكم في دارِ الدنيا أنه يأتِي آمِنًا من كل توبيخٍ وتقريعٍ يأتِيه مِنْ قِبَلِ واحدٍ من هذه الأُسسِ الثلاثةِ.
أما الأساسُ الأولُ - الذي هو تنزيهُ اللَّهِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ - فَوَاللَّهِ لَا يأتِي واحدًا منكم بسببِه بَلِيَّةٌ ولا تقريعٌ ولَا عذابٌ أبدًا، فلا يقولُ اللَّهُ لأحدكم مُوَبِّخًا له مُقَرِّعًا: لِمَ كُنْتَ في دارِ الدنيا تُنَزِّهُنِي عن مشابهةِ خَلْقِي؟
لَا وَاللَّهِ. هذا أساسٌ هو طريقُ سلامةٍ محققةٍ لا يشكُّ فيها عاقلٌ،
[ ٣ / ٣٥٣ ]
وكذلك الأساسُ الثاني: وهو الإيمانُ بصفاتِ اللَّهِ، وتصديقُ اللَّهِ في كتابِه، وتصديقُ رسولِه في سُنَّتِهِ الصحيحةِ بما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه أو مَدَحَهُ به رسولُه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، فلَا يقولُ اللَّهُ لِوَاحِدٍ منكم يومَ القيامةِ مُوَبِّخًا له مُقَرِّعًا له: لِمَ كنتَ تصدقني فيما أَثْنَيْتُ به على نفسي، وتؤمنُ بالصفاتِ التي مدحتُ بها نفسي إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ؟ لا والله، لا تأتِي أحدًا منكم بَلِيَّةٌ من هذا الأساسِ، ولا يقولُ اللَّهُ لكم: لِمَ كنتُم في دارِ الدنيا تقولونَ: إن العقولَ البشريةَ لا تحيطُ بِاللَّهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: الآية ١١٠] فهذه عقيدةُ السلفِ الصحيحةُ، الصافيةُ من كُلِّ شائبةِ تشبيهٍ، وَمِنْ كُلِّ شائبةِ تعطيلٍ، فهي طريقُ سلامةٍ محققةٍ، كُلُّهَا عملٌ بنورِ القرآنِ العظيمِ لَا تَخْتَلِجُهَا شكوكٌ، ولا تَتَطَرَّقُهَا أوهامٌ؛ لأن أولَ أساسِها تنزيهُ خالقِ (^١) [السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ المخلوقين، فهي مبنيةٌ] على ثلاثةِ أُسُسٍ كُلُّهَا واضحٌ من نورِ القرآنِ العظيمِ، أولها: تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ.
وثانيها: الإيمانُ بما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ، وكذلك ما مَدَحَهُ به رسولُه ﷺ.
والثالثُ: العجزُ عن الإحاطةِ بِالكَيْفِ وَالْكُنْهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: الآية ١١٠] فالسلفيُّ بتنزيهِه طاهرُ القلبِ مِنْ أقذارِ التشبيهِ، وإيمانُه بالصفاتِ على أساسِ التنزيهِ طاهرُ القلبِ من أقذارِ التعطيلِ، وباعترافِه بعجزِه عن إدراكِ الكُنْهِ والإحاطةِ واقفٌ عِنْدَ حَدِّهِ، غيرُ مُتَكَلِّفٍ علمَ ما لم
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
يَعْلَمْ، فطريقُه طريقُ سلامةٍ محققةٍ، فإذا سَمِعَ السلفيُّ قولَه تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: الآية ٥٤] كما في آيةِ الأعرافِ هذه فيقولُ: هذا الاستواءُ على العرشِ الذي مَدَحَ خالقُ السماواتِ والأرضِ نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه هو صفةُ كمالٍ وجلالٍ بالغةٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقضي على جميعِ الوساوسِ ويقطعُ علائقَ أوهامِ التشبيهِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، فَيَمْتَلِئُ قلبُه لهذه الصفةِ من الإجلالِ والإعظامِ والإكبارِ والتقديسِ والتنزيهِ، فتكونُ أرضُ قلبِه طاهرةً بهذا التنزيهِ الكريمِ فيؤمنُ بالاستواءِ على أساسِ هذا التنزيهِ والإكبارِ والإجلالِ والإعظامِ والتقديسِ عن مشابهةِ صفاتِ الْخَلْقِ بوجهٍ من الوجوهِ؛ لأَنَّ الخلقَ مَنْ هُمُ الْخَلْقُ؟ أليسوا صنعةً من صَنَائِعِهِ وَأَثَرًا من آثارِ قدرتِه وإرادتِه؟ فكيفَ يخطرُ في ذهنِ العاقلِ أن يُشَبِّهُوهُ؟
فالسلفيُّ إذا سَمِعَ مثلَ هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَدَحَ نفسَه بهذا الاستواءِ الأعظمِ امتلأَ قلبُه من الإجلالِ والإعظامِ والإكبارِ والتقديسِ والتنزيهِ لهذه الصفةِ العظيمةِ فَأَثْبَتَهَا لِلَّهِ (جل وعلا) إِثْبَاتًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ١١] وليسَ الاستواءُ بأكثرَ في المخلوقين من السمعِ والبصرِ، بل استواءُ المخلوقين كسائرِ ذواتِهم وصفاتِهم، واستواءُ اللَّهِ وَسَمْعُهُ وبصرُه لائقانِ بذاتِه كسائرِ صفاتِه (جل وعلا) فالمخلوقُ حَقٌّ، وصفاتُه حَقٌّ، والخالقُ حَقٌّ، وصفاتُه حَقٌّ، إلا أن صفاتِ المخلوقِ مُنَاسِبَةٌ لذاتِ المخلوقِ، مُنْحَطَّةٌ كانحطاطِ ذاتِ المخلوقِ، وصفاتُ الخالقِ لائقةٌ بذاتِ الخالقِ، مُتَعَاظِمَةٌ كعظمةِ ذاتِ الخالقِ (جل وعلا) وَبَيْنَ صفةِ هذا وهذا مثلُ ما بينَ ذاتِ هذا
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وهذا كما هو معروفٌ.
فإذا سَمِعَ السلفيُّ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تَلَقَّى هذا الاستواءَ بالإعظامِ والإجلالِ والتقديسِ والتنزيهِ فكان قلبُه طَاهِرًا من أقذارِ التشبيهِ، ثم آمَنَ به على أساسِ ذلك التنزيهِ مع العجزِ عن إدراكِ الكيفيةِ، فهو في أولِ أَمْرِهِ مُنَزَّهٌ، وفي ثانِي أمرِه مؤمنٌ بالصفةِ، مُصَدِّقٌ رَبَّهُ على أساسِ التنزيهِ، عالمٌ بأنه عاجزٌ عن إدراكِ الكيفيةِ، فمذهبُه طريقُ سلامةٍ محققةٍ لا شَكَّ فيها، ليس فيها شائبةُ تَشْبِيهٍ، ولا شائبةُ تعطيلٍ، ولا تكلف بعلمِ ما لم يَعْلَمْ.
أما الخلفيُّ إذا سَمِعَ قولَه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فإنه يَدْخُلُ في ثلاثِ بلايا عِظَامٍ، كُلُّ بَلِيَّةٍ أكبرُ من أُخْتِهَا، وليس من المظنونِ أن يتخلصَ منها يومَ القيامةِ إن لم يَعْذُرْهُ اللَّهُ بجهلِه:
أَوَّلُهَا: أنه إذا سَمِعَ قولَه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه: الآية ٤] قال: هذا الاستواءُ أولُ ما يَتَبَادَرُ منه للأذهانِ - ظاهرُه المتبادرُ منه للأذهانِ - أنه مُشَابِهٌ لاستواءِ المخلوقين، فكأنه يقولُ لِلَّهِ: هذا الوصفُ العظيمُ الكريمُ الذي مَدَحْتَ به نفسَك ظاهرُه قذرٌ نَجِسٌ؛ لأنه لا كلامَ أقذر ظاهرًا ولَا أنجسَ ظاهرًا ولا أخبثَ ظاهرًا ولا أَنْتَنَ ظاهرًا من كلامٍ ظاهرُه تشبيهُ اللَّهِ بخلقِه، فهذا الظاهرُ هو أَنْتَنُ ظاهرٍ يُوجَدُ في الكلامِ وأقبحُه وأقذرُه وأنجسُه، فكأنه يقولُ لِلَّهِ: ظاهرُ ما مدحتَ به نفسَك المتبادر منه قذرٌ نجسٌ خبيثٌ لا يَلِيقُ، وهو مشابهةُ الخلقِ، فأولُ ما يسبقُ في قلبِه تشبيهُ صفةِ الخالقِ بخلقِه، فيكونُ هذا أولَ بذرٍ للشرِّ في قلبِ هذا المسكينِ من حيثُ لا يشعرُ، ثم إذا اسْتَحْكَمَ في قلبِه أن ظاهرَ هذا الاستواءِ المتبادر منه هو مشابهةُ الخلقِ اضطر إلى أن ينفيَه من أصلِه، وقال: هذا الذي مدحتَ به نفسَك لا يليقُ ظاهرُه!! ثم نفاه من أصلِه، نفى صفةَ الاستواءِ من أصلِها!! وهذه
[ ٣ / ٣٥٦ ]
هي الْبَلِيَّةُ الثانيةُ الْعُظْمَى؛ لأن مَنْ يدعي على صفاتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه بها مَنِ ادَّعَى عليها أن ظاهرَها قذرٌ، وأنه نَجِسٌ، وأنه خبيثٌ؛ لأنه مشابهةُ الخلقِ، هذه هي البليةُ الأُولَى من البلايا اللازمةِ لمذهبِ الخلفِ.
والبليةُ الثانيةُ: هو أنه إذا اسْتَحْكَمَ هذا التشبيهُ في قلبِه اضطر إلى أن ينفيَ الصفةَ، فيقولُ: هذا الاستواءُ ظاهرُه مشابهةُ المخلوقين فيلزمُ أن نَنْفِيَهُ ونصرفَه عن ظاهرِه إجماعًا؛ لأنه أَوْهَمَ غيرَ اللائقِ، فينفي الوصفَ الذي مدحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه، والوصفُ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه مَنْ نَفَاهُ فهو أَجْرَؤُ من خَاصِي الأسدِ بأضعافٍ، وهو واقعٌ في بليةٍ عُظْمَى، وجنايةٌ كبرى بلا شَكٍّ. ثم إذا ادَّعَى على الصفةِ أن ظاهرَها لا يليقُ ثم نَفَاهَا بسببِ هذه الدعوى جاءَ بصفةٍ أُخْرَى من كِيسِهِ الخاصِّ، من غيرِ اعتمادٍ إلى كتابٍ، ولا إلى سُنَّةٍ، يَظُنُّ أنها هي الكمالُ، فيقولُ: إذًا معنَى (استوى): اسْتَوْلَى، ثم يضربُ لذلك مثلًا ببيتِ الراجزِ المشهورِ (^١):
قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ
فيقولُ: «قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ» معناه: قَدِ اسْتَوْلَى بشرٌ، وإذًا فمعنَى قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم اسْتَوْلَى على العرشِ. وهذه هي البليةُ الثالثةُ من البلايا العظامِ، فَاللَّهُ قَالَ: ﴿اسْتَوَى﴾ وهذا قال: «اسْتَوْلَى» فَصَدَقَ عليه قولُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: الآية ٥٩] ثم نقولُ: أيها المسكينُ الخَلَفِيُّ الجاهلُ بالله وبعظمةِ اللَّهِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
المحرفُ آياتِ اللَّهِ: قولُك: إن (استوى) بمعنَى: (اسْتَوْلَى) وبيت الرجز الذي جئتَ به أَلَمْ تَخْشَ اللَّهَ في هذا؟ أَلَمْ تَسْتَحِ من اللَّهِ استحياءً يمنعُك أن تُشَبِّهَ استيلاءَ اللَّهِ على عَرْشِهِ الذي زعمتَ باستيلاءِ بِشْرِ بْنِ مَروَانَ على العراقِ؟! وهل يُعلم - أيها الإخوانُ - تشبيهٌ في الدنيا أشنعُ ولا أفظعُ ولا أقبحُ من تشبيهِ استيلاءِ خالقِ السماواتِ والأرضِ على عرشِه المزعومِ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ وهل يَرْضَى عاقلٌ أن يُشَبِّهَ العراقَ بالعرشِ، وأن يشبَه اللَّهَ (جل وعلا) ببشرِ بنِ مروانَ باستيلائِه على العراقِ؟ هل تعقلونَ في الدنيا تَشْبِيهًا أخسَّ من هذا، وأشنعَ من هذا، وأفظعَ من هذا؟! فنقول: أيها الخَلَفيُّ المستدلُّ بهذا البيتِ، أَلَمْ تَعْلَمْ أنكَ بدعواكَ واستدلالكَ بالبيتِ على استواءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ أنكَ أنتَ أكثرُ المُشَبِّهين في الدنيا نصيبًا في التشبيهِ حيث شَبَّهْتَ العرشَ بالعراقِ، وشَبَّهْتَ خالقَ السماواتِ والأرضِ في استيلائِه على عرشِه باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ ثم لِتَعْلَمْ أن الاستيلاءَ الذي جئتَ به وبدلتَ به لفظَ القرآنِ أنه هو أشدُّ الصفاتِ تَوَغُّلًا في التشبيهِ؛ لأنك لَمَّا قُلْتَ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معناه: (استولى) صرتَ مُشَبِّهًا لِلَّهِ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مَخْلُوقًا فغلبَه فاستولى عليه، والمخلوقاتُ التي تَقْهَرُ المخلوقاتِ فتغلبُها فتستولي عليها تُعَدُّ بالملايين، فالاستيلاءُ أكثرُ الصفاتِ
تَوَغُّلًا في التشبيهِ، فصاحبُه يُشَبِّهُ اللَّهَ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مخلوقًا فغلبَه فاستولى عليه، وهذا الاستيلاءُ تحتَه مِنَ التشبيهِ بحورٌ لَا سواحلَ لها تُعَدُّ بالملايين والآلافِ، ولَا شَكَّ أن هذا المسكينَ المغرورَ سيضطرُّ ويقولُ: الاستيلاءُ الذي فَسَّرْتَ به الاستواءَ واستشهدتَ له ببيتِ الرجزِ استيلاءٌ مُنَزَّهٌ عن
[ ٣ / ٣٥٨ ]
استيلاءِ المخلوقين.
فنقول له: نناشدكَ اللَّهَ أَنْصِفْ في الجوابِ ولا تُعْمِيكَ الأهواءُ والتعصباتُ، أيهما أحقُّ بالتنزيهِ، الأحقُّ بالتنزيهِ الاستواءُ الذي هو من كلامِ رَبِّ العالمين، ولفظ القرآنِ العظيمِ، نَزَلَ به الروحُ الأمينُ من فوقِ سبعِ سماواتٍ على سيدِ الخلقِ ﷺ قُرْآنًا يُتْلَى، الحرفُ منه بعشرِ حسناتٍ يُقْرَأُ به في الصلواتِ، وَمَنْ أَنْكَرَ أنه من كلامِ رَبِّ العالمين كَفَرَ بإجماعِ العلماءِ، فهذا هو الأحقُّ بالتنزيهِ أَمِ الأحقُّ بالتنزيهِ لفظةُ الاستيلاءِ الذي جاء به ناسٌ مِنْ قِبَلِ أنفسِهم من غيرِ اعتمادٍ على دليلٍ من كتابٍ وَلَا سُنَّةٍ ولا عقلٍ ولا لغةٍ ولا شيءٍ؟ ولا شكَّ أنه إن لم يكن مُكَابِرًا سيضطر إلى أن يقولَ: كلامُ رَبِّ العالمين أَحَقُّ بالتنزيهِ والإجلالِ والتقديسِ من كلامٍ جاءَ به ناسٌ من غيرِ اعتمادٍ على كتابٍ ولا سُنَّةٍ؛ فَلِذَا مذهبُ الخلفِ تحتَه ثلاثُ بَلَايَا:
أولُها: أنهم يَدَّعُونَ على آياتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نفسَه أن ظاهرَها خبيثٌ قذرٌ، فكأنَّهم يقولونَ لله: هذا الذي مدحتَ به نفسَك، وأثنيتَ به على نفسكَ، وعلَّمتَ خلقَك أن يمدحوك به في كتابِك هذا قذرٌ نجسٌ لَا يليقُ، ونحن نأتيك بالكمالِ من عندِ أنفسنا، ويأتوا بكمالٍ من عندِ أنفسِهم مزعومٍ!! هذا هوسٌ وجنونٌ لَا يقولُ به عاقلٌ.
فَالْبَلِيَّةُ الأُولَى: هي الادعاءُ على النصوصِ أن ظاهرَها لَا يليقُ بِاللَّهِ.
والبليةُ الثانيةُ: هي نفيُ الصفاتِ التي مَدَحَ اللَّهُ بها نفسَه.
والبليةُ الثالثةُ: هي الأمرُ الذي يجيئونَ به من عندِ أنفسِهم الذي هو أعظمُ الأمورِ تَشْبِيهًا، وأوغلُها في التشبيهِ، فبأيِّ عقلٍ وبأيِّ نقلٍ، وبأيِّ كتابٍ أو سُنَّةٍ يسوغُ للخلفيِّ أن يُشَبِّهَ استيلاءَ اللَّهِ على عرشِه
[ ٣ / ٣٥٩ ]
الذي زَعَمَ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ فهذا أَخَسُّ التشبيهِ وأشنعُ التشبيهِ، ولو كان عَالِمًا بما يعلمُ به السلفُ الصالحُ لَعَلِمَ أن الاستواءَ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقطعُ علائقَ الوساوسِ وأوهامَ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ، فَيُثْبِتُهُ لِلَّهِ كما أَثْبَتَهُ على نفسِه إثباتًا مُنَزَّهًا عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، مُقَدَّسًا مكَبَّرًا مُعَظَّمًا مُنَزَّهًا عن مشابهةِ المخلوقين على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ١١].
وهنا شُبَهٌ نتعرضُ لها وربما خَطَرَ في ذهنِ الإنسانِ أن يقولَ: ذكرتُم لنا أن كُلَّ وصفٍ أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه يجبُ أن نعتقدَ أن ذلك الوصفَ بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والتقديسِ والتنزيهِ والإعظامِ والإجلالِ والإكبارِ ما يقطعُ الوساوسَ وعلائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ، ومن ذلك صفةُ الاستواءِ، وصفةُ الوجهِ، وصفةُ اليدِ، ونحو ذلك مما ثَبَتَ مِمَّا مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في كتابِه أو مَدَحَهُ بها رسولُه ﷺ.
فإن قالوا: نحنُ لَا نعلمُ كيفيةَ استواءٍ منزهةً عن كيفيةِ استواءِ المخلوقين، فَلَمْ تُدْرِكْ عقولُنا إلا هذا الاستواءَ الذي هو انتصابٌ مُشَابِهٌ لصفاتِ المخلوقين فَبَيِّنُوا لنا كيفيةَ استواءٍ منزهةً معقولةً لنعتقدَ كيفيةً منزهةً.
فالجوابُ على هذه الشبهةِ من وجهين:
أحدُهما: أن نقولَ أَوَّلًا: هل عرفتُم - أيها المتنطعونَ - كيفيةَ الذاتِ الكريمةِ المقدسةِ المتصفةِ بهذا الاستواءِ؟ فلا بُدَّ أن يقولوا: لَا، فنقولُ: معرفةُ كيفيةِ الاتصافِ بالصفاتِ متوقفةٌ على معرفةِ كيفيةِ الذاتِ؛ لأن كُلَّ صفةٍ هي بحسبِ موصوفاتِها، والصفاتُ تتباينُ
[ ٣ / ٣٦٠ ]
باختلافِ موصوفاتِها، ونضربُ لذلك مثلًا - ولله المثلُ الأعلى - ألا ترونَ - أيها الإخوانُ - أن لفظةَ (رأس) راء، وهمزة، وسين (رأس) إذا أضفتَه إلى الإنسانِ فقلتَ: «رأسُ الإنسانِ» وأضفتَه إلى الجبلِ فقلتَ: «رأسُ الجبلِ» وأضفتَه إلى الوادي فقلتَ: «رأسُ الوادي» وأضفتَه إلى المالِ فقلتَ: «رأسُ المالِ» أَلَمْ تَكُنْ هذه الحقائقُ متباينةً مختلفةً اختلافًا تامًّا ليست بمتشابهةٍ ألبتةَ مع أن لفظةَ «الرأس» واحدةٌ، وإنما تَبَايَنَتْ حقائقُ هذه الكلمةِ بحسبِ اختلافِ إضافاتِها، وهذا باختلافِ الإضافاتِ إلى مخلوقاتٍ حقيرةٍ، فما بَالُكُمْ - أيها الإخوانُ - بما أُضِيفَ إلى الخالقِ وما أُضِيفَ إلى خَلْقِهِ الذي هو صنعةٌ من صنائعِه؟ فالفرقُ بَيْنَ هذا وهذا كالفرقِ بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ.
شُبْهَةٌ أُخْرَى: إذا قال مُعَطِّلٌ مُتَنَطِّعٌ: القرآنُ نَزَلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ، والعربُ لا تعرفُ في لغتِها للاستواءِ إلا هذا المُشَاهَدَ في المخلوقين، فيكونُ إثباتُه تشبيهًا بحسبِ ما دَلَّ عليه الوضعُ العربيُّ الذي نَزَلَ به القرآنُ.
فالجوابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أيضًا: فنقولُ: العربُ الذين نَزَلَ القرآنُ بلغتِهم يعرفونَ كُلَّ المعرفةِ مِنْ وَضْعِ لغتِهم ومعانيها أن بينَ الخالقِ والمخلوقِ، والرازقِ والمرزوقِ، والمُحْيِي والمُحْيَا والمميتِ والمُماتِ، يعلمونَ أن بينَهما فوارقَ عظيمةً هائلةً لا يُقادَر قدرها مستلزمة كُلَّ الالتزامِ لِتَبَايُنِ صفاتِهم، وأن تكونَ صفاتُ هذا متعاليةً متعاظمةً إلى اللياقةِ بذاتِه، وأن تكونَ صفاتُ هذا منحطةً منخفضةً متواضعةً إلى قَدْرِ ذاتِه، فانحطاطُ صفةِ المخلوقِ عن صفةِ الخالقِ كانحطاطِ ذاتِ المخلوقِ عن عظمةِ ذاتِ الخالقِ (جل وعلا) فهذا
[ ٣ / ٣٦١ ]
يعرفُه أهلُ اللسانِ من لغتِهم؛ وَلِذَا لم يكن الأعرابُ البدوُ يلتبسُ عليهم هذا، فيعلمونَ أن الفوارقَ التي بين الخالقِ وخلقِه، والرازقِ وَمَنْ رَزَقَهُ، والمُميتِ وَمَنْ يُمِيتُهُ، والمُحيي ومن يُحييه، يعلمونَ أن بينهما فوارقَ عظيمةً هائلةً يلزمُها تباينُ الصفاتِ، وأن صفاتِ هذا لا تُشْبِهُ صفاتِ هذا، وأن صفاتِ هذا كذاته لائقةٌ بذاتِه، وأن صفاتِ هذا لائقةٌ بذاتِه، وبينَ صفاتِ هذا وصفاتِ هذا من الاختلافِ كما بَيْنَ ذاتِ هذا وذاتِ هذا.
الجوابُ الثاني: أن نقولَ: القرآنُ نزلَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وقد أقررتُم بأن اللَّهَ سميعٌ بصيرٌ، والعربُ لا تَعْرِفُ في لغتِها معنًى للسمعِ والبصرِ لا يُدْرِكُونَ معنًى للسمعِ والبصرِ إلا هذا الْمُشَاهَدَ بالجارحةِ في الحيواناتِ، هل يعلمونَ كيفيةً له غيرَ هذا؟ لا، أبدًا.
فإن قالوا: لا نعلمُ للسمعِ والبصرِ كيفيةً إلا المشاهدَ في الحيواناتِ، لكنا نعلمُ أن سمعَ اللَّهِ وبصرَه مُنَزَّهَانِ عن مشابهةِ أسماعِ الخلقِ وأبصارِهم لتنزيهِ ذاتِه عن ذواتِهم وصفاتِه عن صفاتِهم. قلنا: وكذلك نقولُ في الاستواءِ وسائرِ جميعِ الصفاتِ.
فعلينا معًا أن نعلمَ أن الطريقَ الوحيدَ الأسلمَ الذي كان عليه السلفُ الصالحُ أولُه أن نُنَزِّهَ خالقَنا (جل وعلا) عن مشابهةِ الخلقِ، ونعلمَ أن الخلقَ صنعةٌ مِنْ صنعائِه، ثم لا ننكرُ وصفًا أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه، ولا نجحدُ مَدْحًا مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في كتابِه وَعَلَّمَ خلقَه أن يمدحوه، ولا نكذب رسولَنا ﷺ وننفي مَدْحًا مَدَحَ به رَبَّهُ، فَاللَّهُ أعلمُ بنفسِه منا: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: الآية ١٤٠] ولا يصفُ اللَّهَ بعدَ اللَّهِ أعلمُ بِاللَّهِ مِنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ. فَعَلَيْنَا أن نعتقدَ أولًا التنزيهَ وأن الخلقَ صَنْعَةٌ، والصَّنْعَةُ لَا تُشْبِهُ صانعَها .. ثم نؤمنُ بما ثبتَ عن اللَّهِ،
[ ٣ / ٣٦٢ ]
وما ثبتَ عن رسولِ اللَّهِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ١١] فنكونُ بتنزيهِنا طاهرةً قلوبُنا من أقذارِ التشبيهِ، وبإيمانِنا بالصفاتِ على أساسِ التنزيهِ طاهرة قلوبُنا من أقذارِ التعطيلِ، فَنَلْقَى اللَّهَ سَالِمِينَ غيرَ مشبهين ولا مُعَطِّلِينَ. وأما هذا المذهبُ الخلفيُّ أولُ ما يبدأ به الادعاءُ على آياتِ اللَّهِ أن ظاهرَها قَذِرٌ، وأنه نَجِسٌ، ثم بعد ذلك نَفْيُهَا، ثم الإتيانُ بشيءٍ آخَرَ من تلقاءِ أنفسِهم لم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّةٌ. وكلُّ هذه بليةٌ عُظْمَى من ثلاثِ بلايا لا يُؤْمَنُ أن يقعَ صاحبُها في مَهْوَاةٍ؛ لأن الادعاءَ على اللَّهِ أن ما مَدَحَ به نفسَه ظاهرُه خبيثٌ لَا يليقُ، هذه جنايةٌ كُبْرَى، ونفيُ ما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه جنايةٌ أُخرى، وإتيانُ الإنسانِ بوصفٍ من تلقاءِ نفسِه ليثبتَه لِلَّهِ لم يُثْبِتْهُ اللَّهُ لنفسِه كالاستيلاءِ الذي لم يُثْبِتْهُ الرسولُ ولم يُثْبِتْهُ اللَّهُ هو الجنايةُ الثالثةُ.
ولو هَدَاهُ اللَّهُ إلى ما هَدَى إليه السلفَ الصالحَ [لأَثْبَتَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه على ما يليقُ بجلالِ اللَّهِ وعظمتِه] (^١) لأن الوصفَ عندما يُسْنَدُ إلى اللَّهِ يعلمُ المؤمنُ أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والعلوِّ والشرفِ والرفعةِ واللياقةِ بِاللَّهِ ما يَقْضِي على جميعِ الوساوسِ وأوهامِ علائقِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، فيؤمنُ بالوصفِ على أساسِ التنزيهِ على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ لَكَانَ سَالِمًا من بليةِ التشبيهِ، وَسَالِمًا من بليةِ التعطيلِ.
ومن المعلومِ أن علماءَ الكلامِ الذين خَاضُوا في هذه الأمورِ،
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وَنَفَوْا بعضَ الصفاتِ بأقيسةٍ منطقيةٍ اسْتَنْتَجُوا نفيَ بعضِ الملزوماتِ من نفيِ اللوازمِ - في زعمِهم - أن ذلك غلطٌ منهم () (^١) زعموا أن هنالك صفةً نفسيةً، وصفةً سلبيةً، وصفةَ معنًى، وصفةً معنويةً، وصفةَ فِعْلٍ، وصفةً جامعةً. وَمَثَّلُوا لكلٍّ مِنْ هذا، وسنذكرُ لكم نَمُوذَجًا في أن كُلًاّ من الصفاتِ التي ذَكَرُوهَا جاء في القرآنِ العظيمِ وصفُ الخالقِ بها، وجاءَ فيه وصفُ المخلوقِ بها علينا أن نعتقدَ أن وصفَ اللَّهِ حَقٌّ، وأن وصفَ المخلوقِ حَقٌّ، وَلَكِنَّ وَصْفَ اللَّهِ لائقٌ بِاللَّهِ، مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ صفةِ المخلوقِ، ووصفُ المخلوقِ لائقٌ بالمخلوقِ ولا يليقُ بالله (جل وعلا) وبينَ وصفِ الخالقِ والمخلوقِ من المنافاةِ كما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ، فبعضُهم لا يُقِرُّ من صفاتِ المعانِي الثابتةِ إلا بسبعٍ، وهي القدرةُ والإرادةُ والعلمُ والحياةُ والسمعُ والبصرُ والكلامُ، وينفي غيرَ هذه السبعِ من المعانِي الثابتةِ في كتابِ اللَّهِ بدعوى أن ظاهرَها خبيثٌ لَا يليقُ ويؤولونَها بأمورٍ أُخَرَ كما ذَكَرْنَا، وَيُثْبِتُونَ هذه السبعَ المعانيَ.
والمعتزلةُ ينفونَ هذه المعانيَ السبعةَ ويثبتونَ أحكامَها فيقولونَ: هو قادرٌ بذاتِه لَا بقدرةٍ قامت بالذاتِ، سميعٌ بذاتِه لَا بسمعٍ قائمٍ بالذاتِ. ومذهبُهم يعلمُ كُلُّ عاقلٍ أنه مذهبٌ متناقضٌ باطلٌ لا يَشُكُّ فيه أَدْنَى عَاقِلٍ.
فنقولُ: القدرةُ التي ذَكَرُوهَا من صفاتِ المعانِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ لنفسِه في غيرِ آيةٍ من كتابِه فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: الآية ١٠٩] وأثبتَها لبعضِ المخلوقين فقال: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، والكلام مع ذلك منتظم.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: الآية ٣٤] فيعلمونَ أن قدرةَ اللَّهِ حَقٌّ، وأن للمخلوقِ قدرةً، وأنه لَا مناسبةَ بينَ قدرةِ الخالقِ وقدرةِ المخلوقِ، فقدرةُ المخلوقِ مُنَاسِبَةٌ لحالِه، وقدرةُ الخالقِ لائقةٌ به (جل وعلا) وبينَ القدرةِ والقدرةِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. وكذلك الإرادةُ وَصَفَ اللَّهُ نفسَه بأنه يريدُ قال: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: الآية ١٦]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: الآية ٨٢].
وَوَصَفَ بعضَ خلقِه بالإرادةِ فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٢]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: الآية ٨] ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَاّ فِرَارًا﴾ [الأحزاب: الآية ١٣] ونحنُ نعلمُ أن لله إرادةً حَقَّةً لائقةً بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ إرادةٌ مُنْسَفِلَةٌ إلى قدرِ المخلوقِ واللياقةِ بذاتِ المخلوقِ، وبينَ الإرادةِ والإرادةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ مع المنافاةِ.
وكذلك وَصَفَ نفسَه بالحياةِ قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٥] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: الآية ٥٨] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحياةِ فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: الآية ١٩] ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: الآية ٣٠] ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: الآية ١٥] فيجزمُ بأن لله حياةً حقيقيةً تليقُ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ حياةٌ مناسبةٌ لحالِه، وبينَ حياةِ المخلوقِ وحياةِ الخالقِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. ووصفَ اللَّهُ نفسَه بالسمعِ والبصرِ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: الآية ٢٨] ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: الآية ٦١] ﴿لَيْسَ
[ ٣ / ٣٦٥ ]
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ١١] ووصفَ بعضَ خلقِه بالسمعِ والبصرِ قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: الآية ٢] ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: الآية ٣٨] فلله سمعٌ وبصرٌ حقيقيانِ لائقانِ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ سمعٌ وبصرٌ لائقانِ بحالِه، وبينَ سمعِ الخالقِ وبصرِه ومسمعِ المخلوقِ وبصرِه من المنافاةِ كمثلِ مَا بَيْنَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. ووصفَ نفسَه () (^١).
وبينَ كلامِ الخالقِ والمخلوقِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. هذه صفاتُ المعانِي السبعُ.
وكذلك المعنوياتُ التي هي كونُه قادرًا مُرِيدًا حَيًّا سميعًا بصيرًا، إنما يُثْبِتُونَهَا صفاتٍ على ما يسمونَه (الحال) وهم يزعمونَ أن الحالَ المعنويةَ أمرٌ ثُبُوتِيٌّ غيرُ موجودٍ ولا معدومٍ!! وهو من خيالاتِ المتكلمين التي لا أساسَ لها؛ لأن عامةَ العقلاءِ يعلمونَ أنه لا واسطةَ بينَ النقيضين، وأن كُلَّ ما ليس بموجودٍ فهو معدومٌ، وما ليس بمعدومٍ فهو موجودٌ، وهذا مما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ. وزعمُهم أن الحالَ واسطةٌ ثبوتيةٌ، لا هي معدومةٌ على الحقيقةِ، ولا هي موجودةٌ على الحقيقةِ من الخيالاتِ الوهميةِ التي لَا أساسَ لها، بل كونُه قادرًا مُرِيدًا حَيًّا متكلمًا سميعًا بصيرًا هو معنَى كيفيةِ الاتصافِ بالقدرةِ والإرادةِ والعلمِ.
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وقد ذهب بسببه كلام طويل تجد نظائره في مواضع متعددة من هذا التفسير، ومن ذلك ما ذكره عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام، وكذا ما ذكره في محاضرته في الأسماء والصفات.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
والصفاتُ التي يسمونَها (سلبيةً)، معناها عندهم: هي الصفةُ التي لم تَدُلَّ على معنًى وجوديٍّ بالوضعِ، فالصفةُ عندهم إما أن تدلَّ على معنًى وجوديٍّ بدلالةِ المطابقةِ فهذه صفةُ معنًى كالقدرةِ؛ لأنها صفةٌ تدلُّ على معنًى، وهي المعنَى القائمُ بالذاتِ التي يَتَأَتَّى به إيجادُ الممكناتِ وإعدامُها على وَفْقِ الإرادة.
أما إذا كانت الصفةُ لا تدلُّ بدلالةِ المطابقةِ على معنًى وجوديٍّ وإنما تدلُّ على عَدَمٍ مَحْضٍ وهو عدمُ مَا لَا يليقُ بِاللَّهِ عن اللَّهِ هذه التي يسمونَها السلبيةَ وهم يقسمونَها إلى خمسِ صفاتٍ: القِدَم والبقاءِ والمخالفةِ للخلقِ والوحدانيةِ والغِنَى المطلقِ الذي يسمونَه (القيامَ بالنفسِ) وهو الاستغناءُ عندَهم عن المحلِّ والمُخَصَّصِ، كما هو معروفٌ في فَنِّ الكلامِ. فنقولُ: إن القِدَمَ والبقاءَ الذين وَصَفَ بهما المتكلمونَ اللَّهَ زاعمينَ أن اللَّهَ وصفَ بهما نفسَه في قولِه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: الآية ٣] جاء وصفُ المخلوقِ بهما، قال اللَّهُ في وصفِ المخلوقِ بالقِدَمِ: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: الآية ٣٩] ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: الآية ٩٥] ﴿أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ [الشعراء: الآية ٧٦] وقال في وصفِ الحادثِ بالبقاءِ: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: الآية ٧٧] ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: الآية ٩٦] فلو قَدَّرْنَا أن القِدَمَ يجوزُ إطلاقُه لِلَّهِ كما ذهبَ إليه جماعةٌ من العلماءِ، ويدلُّ عليه حديثُ أبِي داودَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (^١) لأن القِدَمَ يُطْلَقُ في اللغةِ: على ما له زمنٌ كثيرٌ وإن كان مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ، وهو في اصطلاحِ المتكلمينَ لَا يُطْلَقُ إلا على سَلْبِ
_________________
(١) سيأتي تخريجه عند تفسير الآية (٩٩) من هذه السورة.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
العدمِ السابقِ.
والقِدَمُ عندَ المتكلمين أَخَصُّ من الأزلِ؛ لأَنَّ القِدَمَ والأزلَ كلاهما في اصطلاحِ أهلِ الكلامِ عبارةٌ عن ما لَا أولَ له ولا افتتاحَ له، لكن الْقِدَمَ عبارةٌ عن ما لَا افتتاحَ له بشرطِ أن يكونَ وجوديًّا، والأزلُ عبارةٌ عن ما لَا افتتاحَ له ولا أولَ له، سواء كان وجوديًّا أو عدميًّا. فمثالُ ما اجتمعَ فيه الأزليُّ والقديمُ في اصطلاحِ المتكلمين: ذاتُ اللَّهِ وصفاتُه؛ لأنها لا أولَ لوجودِها وهي موجودةٌ. ومثالُ ما هو أَزَلِيٌّ وليس بقديمٍ: أَعْدَامُنَا سوى اللَّهِ فإنها أزليةٌ فإنا قبلَ أن نوجدَ كنا معدومين، وعدمُنا الأولُ لا أوليةَ له ولا افتتاحَ له، فهو أزليٌّ ولَا يُسَمَّى قَدِيمًا؛ لأنه غيرُ موجودٍ، كذلك الأوليةُ والآخريَّةُ المنصوصتانِ في الآيةِ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: الآية ٣] جاءَ وصفُ المخلوقِ بها أيضًا، قال في وصفِ المخلوقِ بِهِمَا: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ [المرسلات: الآيتان ١٦ - ١٧] فَلِلَّهِ (جل وعلا) أوليةٌ وآخريةٌ لائقتانِ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ أوليةٌ وآخريةٌ لائقتانِ بحالِه، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كما
[ ٣ / ٣٦٨ ]
بينَ الذاتِ والذاتِ.
كذلك صفاتُ الأفعالِ، فاللَّهُ (جل وعلا) وَصَفَ بها نفسَه، ووصفَ بها خَلْقَهُ، فوصفَ نفسَه بصفةِ الفعلِ التي هي الرِّزْقُ، وأنه يرزقُ الناسَ، قال: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: الآية ٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: الآية ٥٨] فهذه صفةُ فِعْلٍ، ووصفَ بعضَ خلقِه بها فقال: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٣] ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: الآية ٨] فَرزْقُ اللَّهِ لائقٌ بكمالِه وجلالِه، ورِزقُ بعضِ المخلوقين لبعضٍ لائقٌ بحالِهم، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. كذلك وَصَفَ نفسَه بالفعلِ الذي هو العملُ، قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا (٧١)﴾ [يس: الآية ٧١] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعملِ فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: الآية ١٧] وبينَ العملِ والعملِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يعلُّم خلقَه قال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: الآيات ١ - ٣].
ووصفَ بعضَ خلقِه بالتعليمِ قال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: الآية ١٦٤] وَجَمَعَ المثالين في قولِه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ [المائدة: الآية ٤] فالتعليمُ والتعليمُ بينَهما من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يُنَبِّئُ، ووصفَ بعضَ خلقِه بالفعلِ الذي هو التَّنْبِئَةُ، وجمعَ المثالين في قولِه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: الآية ٣] ووصفَ نفسَه بأنه يُؤْتِي، ووصفَ بعضَ خلقِه بأنه يُؤْتِي، فالفعلُ الذي هو الإيتاءُ أسندَه لنفسِه مرةً ولخلقِه مرةً، قال عن نفسِه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: الآية ٢٦٩] ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: الآية ٢٦] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٨] إلى غيرِ ذلك.
ووصفَ بعضَ المخلوقين بالإيتاءِ قال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: الآية ٢٠] ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: الآية ٢] وليس الإيتاءُ كالإيتاءِ، فالفرقُ بينَهما كالفرقِ بينَ الذاتِ والذاتِ.
وكذلك الصفاتُ الجامعةُ كالكِبَرِ وَالْعُلُوِّ والعِظَمِ والجبروتِ والمُلكِ والتكبرِ، كلها وَصَفَ به نفسَه في كتابِه،
[ ٣ / ٣٦٩ ]
ووصفَ به بعضَ خلقِه، قال في وصفِ نفسِه بالعلوِّ والعِظَمِ والكِبَرِ: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٥] وفي الكِبَرِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: الآية ٣٤] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: الآية ٩] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعِظَمِ فقال: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: الآية ٦٣] ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: الآية ٤٠] ووصفَ بعضَ خلقِه بِالْكِبَرِ فقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: الآية ١٤٣] ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ﴾ [الإسراء: الآية ٣١] ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [تبارك: الآية ١٢] إلى غيرِ ذلك.
ووصفَ بعضَ خلقِه بالعلوِّ فقال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: الآية ٥٧] ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: الآية ٤٠] فليسَ العِظَمُ كالعِظَمِ، ولا العلوُّ كالعلوِّ، ولَا الكِبَرُ كالكِبَرِ. ووصفَ نفسَه بالملكِ فقال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ [الجمعة: الآية ١] وقال جل وعلا: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: الآية ٥٥] ووصفَ بعضَ المخلوقين بالملكِ في قوله جل وعلا: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: الآية ٧٩] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: الآية ٤٣] فليس المُلكُ كالمُلكِ، فَمُلْكُهُ (جل وعلا) لائقٌ بذاتِه، وملكُ المخلوقين لائقٌ بحالِهم، وبينَ جميعِ هذه الصفاتِ من التنافِي كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه جَبَّارٌ متكبرٌ، قال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: الآية ٢٣] وصف نفسَه بأنه جبارٌ متكبرٌ، ووصفَ بعضَ الخلقِ بذلك قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ
[ ٣ / ٣٧٠ ]
مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: الآية ٣٥] ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ [الشعراء: الآية ١٣٠] ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: الآية ٦٠] فليس التكبرُ كالتكبرِ، ولا الجبرُ كالجبرِ، فبينَ الصفاتِ والصفاتِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ.
ووصفَ نفسَه بأنه رؤوفٌ رحيمٌ قال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: الآية ٧] ووصفَ بعضَ الخلقِ بذلك كقولِه في نَبِيِّنَا ﷺ: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: الآية ١٢٨] ووصفَ نفسَه بالحلمِ فقال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾ [الحج: الآية ٥٩] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحلمِ فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: الآية ١١٤] ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: الآية ١٠١] ووصفَ نفسَه بالعزةِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٠] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعزةِ: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: الآية ٥١] ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: الآية ٢٣] فليست العزةُ كالعزةِ، ولا الحلمُ كالحلمِ، ولا شيءٌ من صفاتِ اللَّهِ كشيءٍ من صفاتِ المخلوقين، فسائرُ صفاتِ اللَّهِ حقٌّ، وسائرُ صفاتِ المخلوقين حَقٌّ. ولو تَتَبَّعْنَا مثلَ هذا لَجِئْنَا منه بمئاتِ الآلافِ، ولكنَّ هذه الأمثلةَ كافيةٌ، والمقصودُ عندَنا أن يعلمَ إخوانُنا المؤمنونَ أن اللَّهَ حَقٌّ، وأن صفاته حَقٌّ، وأن المخلوقين حَقٌّ، وأن صفاتَه حقٌّ، وأن صفاتِ اللَّهِ بسائرِها الثابتة في الكتابِ والسنةِ منزهةٌ عن صفاتِ المخلوقين كتنزيهِ ذاتِه عن ذواتِهم، فصفاتُ المخلوقين لائقةٌ بذواتِهم، وصفاتُ الخالقِ لائقةٌ بذاتِه، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ هذا الواجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعتقدَه.
[ ٣ / ٣٧١ ]
وبهذا التقريرِ الذي قَرَّرْنَا تعلمونَ أن قولَهم: «مَذْهَبُ السَّلَفِ أَسْلَمُ» أنه مع ذلك أحكمُ وأعلمُ؛ لأنه طريقُ سلامةٍ محققةٍ، ليس فيه شائبةُ تشبيهٍ، وليس فيه شائبةُ تعطيلٍ، ولا جحودٌ بآياتِ اللَّهِ، كُلُّهُ طرقُ سلامةٍ محققةٍ في ضوءِ القرآنِ، وحيث حادَ عنه الإنسانُ دَخَلَ في بلايا، ونحنُ نقولُ لكم هذا وَنُقَرِّرُ لكم مذهبَ السلفِ على ضوءِ القرآنِ العظيمِ مع أنَّا ما دَرَسْنَا دراسةً شديدةً مثلَ علومِ الكلامِ والمنطقِ، وما تنفي به كُلُّ طائفةٍ بعضًا من صفاتِ اللَّهِ، ونحن مطلعونَ على جميعِ الأدلةِ وعلى تركيبِها التي نُفِيَ بها بعضُ الصفاتِ، عارفونَ كيف جاء البُطْلَانُ، ومن الوجهِ الذي جاءَ البُطْلَانُ، واسمُ الدليلِ الذي تُرَدُّ به، ولكن ذلك لا يليقُ في هذا المجلسِ الحافلِ؛ لأنه لَا يعرفُه إلا خواصُّ الناسِ، فبعدَ النظرِ العامِّ الطويلِ في علمِ الكلامِ وما يستدلُّ به طوائفُ المتكلمين وما تَرُدُّ به كُلُّ طائفةٍ على الأخرى، والأقيسةُ المنطقيةُ التي رَتَّبُوهَا وَنَفَوْا بها بعضَ الصفاتِ، ومعرفتُنا من الوحيِ ومن نفسِ الكلامِ والبحوثِ والمناظراتِ كيف يُبْطِلُ ذلك الدليلَ، ومن أين جاء الخطأُ، وَتَحَقَّقْنَا من هذا كُلِّهِ، بعد ذلك كله تَحَقَّقْنَا كُلَّ التحققِ أن السلامةَ كُلَّ السلامةِ، والخيرَ كُلَّ الخيرِ في اتباعِ نورِ هذا القرآنِ العظيمِ، والاهتداء بِهَدْيِ هذا النبيِّ الكريمِ، فما أثبتَه اللَّهُ لنفسِه نُثْبِتُهُ مع غاياتِ التنزيهِ، وما نَفَاهُ عن نفسِه نَنْفِيهِ مع غاياتِ التنزيهِ، وما أَثْبَتَهُ سيدُ الخلقِ ﷺ لِرَبِّهِ نثبتُه مع كمالِ التنزيهِ، وما نَفَاهُ نَنْفِيهِ مع كمالِ التنزيهِ، وما سَكَتَ عنه الوحيُ لم يتعرض له بالكليةِ فإن اللَّهَ لم يُكَلِّفْنَا من صفاتِه إلا بِمَا عَلِمْنَا عن طريقِ كتابِه أو سُنَّةِ رسولِه ﷺ.
وفي الختامِ نسألُ اللَّهَ جميعًا أن يُوَفِّقَنَا وإخوانَنا المسلمينَ لِمَا يرضيه،
[ ٣ / ٣٧٢ ]
ونوصي أنفسَنا وإخوانَنا بتقوى اللَّهِ، وأن لَا يُشَبِّهُوا اللَّهَ بصفاتِ خلقِه، وأن لَا يجحدوا وينفوا ما أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه وَمَدَحَ به نفسَه، وأن لَا يُكَلِّفُوا عقولَهم الإحاطةَ بشيءٍ عاجزة عنه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: الآيات ٥٤ - ٥٧].
يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.
تَكَلَّمْنَا على أولِ هذه الآيةِ الكريمةِ وَشَرَحْنَا مذهبَ السلفِ في الاستواءِ وما جَرَى مجراه من آياتِ الصفاتِ وأحاديثِ الصفاتِ، وَبَيَّنَّا أن المعتقدَ الْمُنَجِّي في ذلك عندَ اللَّهِ يَنْبَنِي على ثلاثةِ أُسُسٍ:
أوَّلُها: - وهو أساسُ توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ الأعظم - هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) عن مشابهةِ خَلْقِهِ، وكيفَ يخطرُ في ذهنِ المسلمِ العاقلِ مشابهةُ الخلقِ بخالقِهم وهو صَنْعَةٌ مِنْ صُنْعِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: الآية ٨٨] والصَّنْعَةُ
[ ٣ / ٣٧٣ ]
لا يمكنُ أن تشبهَ صانعَها بحالٍ، فالأساسُ الأعظمُ الأولُ هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) عن أن يُشْبِهَهُ شيءٌ من خلقِه في صفاتِهم أو ذواتِهم أو أفعالِهم.
والأساسُ الثاني: هو تصديقُ اللَّهِ، وعدمُ تكذيبه، وعدمُ جحودِ ما مدحَ به نفسَه، بل تصديقُ اللَّهِ بما مَدَحَ به نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه به والإيمان بذلك إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ كما عَلَّمَنَا اللَّهُ ذلك في قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ١١] فَبَيَّنَ لنا أنه يجبُ علينا أن ننزهَه أولًا عن مماثلةِ الخلقِ بقولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأن نؤمنَ بما وصفَ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ حيث قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعدَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
والأساسُ الثالثُ: هو أن نعلمَ أن إحاطةَ العلمِ البشريِّ منفيةٌ عن اللَّهِ نَفْيًا قرآنيًّا بَاتًّا في قولِه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ فإذا ماتَ العبدُ على هذه العقيدةِ الصحيحةِ جاء آمِنًا يومَ القيامةِ من توبيخٍ يلحقُه من واحدٍ من هذه الأُسسِ الثلاثةِ، فَلَا تَأْتِيهِ بليةٌ من قِبَلِ تنزيهِه لربه عن مشابهةِ خلقِه، ولا تأتيه بليةٌ من تصديقِه رَبَّهُ فيما مَدَحَ به نفسَه، أو تصديقه رسولَه فيما أَثْنَى به على رَبِّهِ تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كنحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وَلَا تأتيه بليةٌ من كونِه مُقِرًّا بأن علمَه لَا يحيطُ بِاللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: الآية ١١٠] وقد شَرَحْنَا تقسيمَ المتكلمين للصفاتِ، وَبَيَّنَّا ما جاء في القرآنِ من وصفِ الخالقِ ووصفِ المخلوقِ بها، وأن وصفَ الخالقِ حَقٌّ، وأن وصفَ المخلوقِ حَقٌّ إلا أن وصفَ الخالقِ مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ وصفِ
[ ٣ / ٣٧٤ ]
المخلوقِ، لائق بالخالقِ، ووصفُ المخلوقِ حقٌّ إلا أنه ملائمٌ مناسبٌ للمخلوقِ لَا يجوزُ في حَقِّ الخالقِ (جل وعلا) وَضَرَبْنَا لذلك أمثلةً كثيرةً ونُورِدُ هنا نُقْطَتَيْنِ:
إحداهما: أن اللَّهَ (جل وعلا) وَصَفَ نفسَه بالاستواءِ، وَوَصَفَ بعضَ المخلوقين بالاستواءِ، كما وَصَفَ نفسَه بالسمعِ والبصرِ والقدرةِ والحياةِ ونحوِ ذلك، فَاللَّهُ وصفَ نفسَه بأنه سميعٌ بصيرٌ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: الآية ٢٨] ووصفَ المخلوقَ بالسمعِ والبصرِ، قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: الآية ٢] ووصفَ نفسَه بالحياةِ، قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٥] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: الآية ٥٨] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحياةِ قال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: الآية ١٩] ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: الآية ٣٠] ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: الآية ١٥] إلى آخِرِ ما ذَكَرْنَاهُ، فَاللَّهُ (جل وعلا) له قدرةٌ حقيقيةٌ وحياةٌ وسمعٌ وبصرٌ، والمخلوقونَ لهم سمعٌ وبصرٌ وقدرةٌ وحياةٌ، إلا أن صفاتِ المخلوقين مُنَاسِبَةٌ لذواتِهم لَا تليقُ بِاللَّهِ ولَا تُشْبِهُ صفاتِ اللَّهِ، وصفاتُ الله من جميعِ ذلك لائقةٌ بِاللَّهِ، منزهةٌ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين كما أَوْضَحْنَا أمثلتَه بكثرةٍ.
كذلك وَصَفَ نفسَه بالاستواءِ على العرشِ في سبعِ آياتٍ من كتابِه، ولم يذكر صفةَ الاستواءِ في أحدِ تلك المواضعِ السبعةِ إلا مقرونةً بشيءٍ من صفاتِ الكمالِ والجلالِ يُبْهِرُ العقولَ ويقضي بأنه العظيمُ الأعظمُ التي لا يماثلُه شيءٌ في شيءٍ من صفاتِه، ولَا في
[ ٣ / ٣٧٥ ]
ذاتِه، ولا أفعالِه، وأن جميعَ تلك الصفاتِ بما فيها الاستواءُ لا يجوزُ جَحْدُ شيءٍ منها ولا إنكارُه.
الموضعُ الأولُ من المواضعِ السبعةِ بحسبِ ترتيبِ المصحفِ الكريمِ: هو قولُه هنا في سورةِ الأعرافِ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: الآية ٥٤] فَانْظُرُوا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكن أن يُحَرَّف شيءٌ منه، أو يُجحد شيءٌ منه؟ لا وَكَلَاّ.
والموضعُ الثاني: قولُه تعالى في سورةِ يونسَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: الآيات ٣ - ٦] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يُكذب بشيءٍ منه؟ لَا وَكَلَاّ.
الموضعُ الثالثُ: قولُه تعالى في أولِ سورةِ الرعدِ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)
[ ٣ / ٣٧٦ ]
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ وفي القراءة الأخرى (^١): ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. ﴿تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وفي القراءةِ الأخرى (^٢): ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾. ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكْلِ﴾ وفي القراءةِ الأخرى (^٣): ﴿الأُكُلِ﴾ ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: الآية ٤] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه أو يُكَذَّبَ بشيءٍ منه؟ لَا وَكَلَاّ.
الموضعُ الرابعُ: قولُه تعالى في سورةِ طه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَاّ تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى (٣) تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: الآيات ١ - ٨] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يُكذب بشيءٍ منه؟ لَا وَكَلَاّ.
والموضعُ الخامسُ: في سورةِ الفرقانِ في قولِه تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: الآيتان ٥٨ - ٥٩] فَانْظُرُوا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُكذبَ بشيءٍ منه، أو يُجحدَ شيءٌ منه؟ لَا وَكَلَاّ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
الموضعُ السادسُ: في سورةِ (ألم السجدة) في قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: الآيات ٣ - ٩] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ المذكورِ في جميعِ هذه الآياتِ مع صفةِ الاستواءِ هل يمكنُ أن يُكْفَرَ بشيءٍ منه، أو يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يقال: إن شيئًا منه ليس لَائِقًا بالله؟ لَا وَكَلَاّ.
الموضعُ السابعُ: وهو آخِرُهَا في سورةِ الحديدِ في قولِه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [الحديد: الآيات ٣ - ٥] فهل يمكنُ أن يُنكر شيءٌ من هذا من الكمالِ والجلالِ الذي أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه؟ فَكُلُّهُ كمالٌ وجلالٌ يجبُ تقديسُه وتنزيهُه بما فيه الاستواءُ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، والإيمان بجميعِ تلك الصفاتِ على أساسِ ذلك التنزيهِ على غرارِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ٢٨] كذلك - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى - وَصَفَ بعضَ خلقِه
[ ٣ / ٣٧٨ ]
بالاستواءِ فقال في بعضِ المخلوقين: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: الآية ١٣] ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: الآية ٢٨] ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: الآية ٤٤] فَاللَّهُ (جل وعلا) كما وَصَفَ نفسَه بالقدرةِ والسمعِ والبصرِ والكلامِ والحياةِ إلى غيرِ ذلك، وَوَصَفَ نفسَه بالاستواءِ، كذلك وَصَفَ بعضَ المخلوقين بالسمعِ والبصرِ والقدرةِ والإرادةِ والحياةِ والاستواءِ، فَسَمْعُ اللَّهِ وبصرُه وقدرتُه وإرادتُه واستواؤُه وذاتُه جميعُ ذلك مُنزَّهٌ غايةَ التنزيهِ عن مشابهةِ شيءٍ من المخلوقين في الذواتِ والصفاتِ والأفعالِ، وَسَمْعُ المخلوقينَ وأبصارُهم وحياتُهم وقدرتُهم وإرادتُهم واستواؤهم كُلُّ ذلك لائقٌ بحالهم وبينَ صفاتِ اللَّهِ من جميعِ ذلك وصفاتِ المخلوقين من جميعِ ذلك كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ لَا مناسبةَ ألبتةَ؛ لأن الخلقَ صَنْعَةٌ من صَنَائعِه
أَبْرَزَهُمْ من العدمِ إلى الوجودِ بقدرتِه وإرادتِه، فلا يخطرُ في العقلِ السليمِ أن يُمْكِنَ أن يُشْبِهُوهُ في شيءٍ من ذواتِهم أو صفاتِهم أو أفعالِهم، وهل تُشْبِهُ الصنعةُ صانعَها؟ لا وكلا - سبحانه وتعالى عما يقولُ الظالمونَ عُلُوًّا كبيرًا - وهذا هو الذي أَرَدْنَا أن نوضحَه لكم - أيها الإخوانُ - من مذهبِ السلفِ الذي هو طريقُ سلامةٍ محققةٍ مبنيٌّ على أساسِ تنزيهِ اللَّهِ عن مشابهةِ خلقِه، وعلى أساسِ تصديقِ اللَّهِ ورسولِه فيما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به رسولُه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، مع وقوفِ العقلِ البشريِّ عند حَدِّهِ، وعدم إدراكه بكنهيةِ كيفيةِ الاتصافِ.
وقد بَيَّنَّا أن هذا طريقُ سلامةٍ محققةٍ لَا شكَّ فيها، لا تستلزمُ تَبِعَةً ولا محذورًا ولا خوفًا ولا قلقًا؛ لأنه أمرٌ واضحٌ في نورِ القرآنِ العظيمِ تنزيهُ ربِّ
[ ٣ / ٣٧٩ ]
العالمين، وتصديقُ ربِّ العالمين، وتصديقُ رسولِه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، والبعدِ عن مشابهةِ الخلقِ، ووقوفِ العقلِ عند حَدِّهِ، وعدمِ تَعَدِّيهِ لطورِه، فهذا طريقِ سلامةٍ محققةٍ لَا يشكُّ فيها عاقلٌ أبدًا، وَبَيَّنَّا أن ما يسمونَه مذهبَ [الخلفِ] (^١) يستلزمُ بلايا أَوْضَحْنَاهَا فَأَغْنَى ذلك عن إعادتِها اليومَ، ولا يأمنُ معتقدُها أن تأتيَه منها بلايا يومَ القيامةِ قد لا يتخلصُ منها.
فالذي نُوصِي به أنفسَنا وإخوانَنا المسلمين تقوى اللَّهِ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا على صفاتِ اللَّهِ بِأَنَّ ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه ظاهرٌ خبيثٌ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا بِنَفْيِهَا، بل ينزهونَ خالقَهم أولًا ثم يصدقونَه فيما مَدَحَ به نفسَه، فيؤمنونَ بما أثبتَ لنفسِه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ويعلمونَ أن عقولَهم المسكينةَ المخلوقةَ عاجزةٌ عن إدراكِ الإحاطةِ وكيفيةِ الكُنْهِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: الآية ١١٠] وإنما أَكْثَرْنَا من تكرارِ هذه المسألةِ لشدةِ الحاجةِ إليها؛ ولأن كثيرًا من الناسِ يدَّعي على صفاتِ اللَّهِ أن ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه خبيثٌ، ثم ينفيها ويأتي ببدلِها من تلقاءِ نفسِه، وهذه أمورٌ قد لَا تُخْرِجُ صاحبَها عِنْدَ اللَّهِ، قد لا يتخارجُ منها لأنه كأنه يقولُ لِلَّهِ: هذا الذي مَدَحْتَ به نفسَك في كتابك مُعَلِّمًا خلقَك أن يمدحوك به، ظاهرُه خبيثٌ نجسٌ لا يليقُ، ثم ينفيه، ثم يأتي بتأويلٍ آخَرَ من تلقاءِ نفسِه، هذه الطريقُ شائكةٌ غيرُ مأمونةٍ، ولاسيما إذا وجدَ الناسُ مَنْ يُبَيِّنُ لهم ما تحتَها من المخاطرِ، وَيُبَيِّنُوا لهم المعتقدَ السلفيَّ الصحيحَ الواضحَ الذي لَا إشكالَ فيه ولا لبسَ، ولا خطرَ
_________________
(١) في الأصل: «السلف» وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
ولا مخطورَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.
ثم بَيَّنَ (جل وعلا) من صفاتِ كمالِه وجلالِه أنه استوى على العرشِ، وأنه كما أنه اسْتَوَى على عرشِه استواءً لائقًا بجلالِه وكمالِه كما قال مع ذلك هو يُدَبِّرُ شؤونَ الدنيا ويدبرُ السمواتِ والأرضَ وَمَنْ فيهما.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ قرأَ هذا الحرفَ حمزةُ والكسائيُّ وشعبةُ عن عاصمٍ: ﴿يُغشِّي الليل النهار﴾ مضارعُ غَشَّاهُ يُغَشِّيه.
وقرأه بقيةُ القراءِ السبعة (^١): ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] مضارعُ أغشاه يُغْشيه. وأغشى وغَشَّى بالهمزةِ والتضعيفِ معناهما واحدٌ، ويأتي كُلٌّ منهما في القرآنِ بمعنَى الآخرِ، وتكونُ في كل منهما قراءتانِ (يُغشي) و(يُغَشِّي).
أما في قولِه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ [النجم: آية ٥٤] فقد أَجْمَعَ القراءُ كلُّهُمْ على التضعيفِ.
وقولُه: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: آية ٩] أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ على الهمزةِ وعدمِ التشديدِ.
ومعنَى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ العربُ تقولُ: أَغْشَاهُ الشيءُ يغشيه. إذا جعلَه غشاءً له وساترًا ومغطيًا له. معناه: يجعلُ الليلَ مُغْشِيًا للنهارِ، أي: مُغَطِّيًا ضوءَ النهارِ بظلامِه، يذهبُ بضوءِ النهارِ ويغطي ضوءَه بظلامِ الليلِ.
وهذا من غرائبِ صنعِه وعجائبِ آياتِه. وفي الآيةِ محذوفٌ دَلَّ المقامُ عليه، أي: وَيُغْشِي النهارُ الليلَ أيضًا، فيأتِي ضوءُ النهارِ وَيغْشَى ظلامَ الليلِ فَيُذْهِبُهُ ويحل محلَّه، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٨١ ]
لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: الآيتان ٣٧، ٣٨] فالإتيانُ بالليلِ بدلَ النهارِ والإتيانُ بالنهارِ بدلَ الليلِ من أعظمِ آياتِ اللَّهِ - جل وعلا - الدالة على أنه المعبودُ وحدَه، وأنه الربُّ وحدَه، ومع كونِ الليلِ والنهارِ آيتين فَهُمَا أيضًا نعمتانِ عظيمتانِ من أعظمِ نِعَمِ اللَّهِ على خَلْقِهِ، فهما جامعانِ بينَ كونِهما آيتين وكونهما نعمتين، وَبيَّنَ أنهما آيتانِ بقولِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: آية ٢٧] وَبَيَّنَ أنهما نعمتانِ وآيتانِ في مواضعَ كثيرةٍ من أصرحِها سورةُ القصصِ حيث قال فيها: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ [القصص: الآيتان ٧١، ٧٢] ثم بَيَّنَ أنهما نعمتانِ بعدَ بيانِ أنهما آيتانِ قال: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: آية ٧٣] يعنِي النهار.
فجعل الليلَ مُظْلِمًا مُنَاسِبًا للسكونِ والهدوءِ وعدمِ الحركةِ ليستريحَ الناسُ من كَدِّ الأعمالِ والتعبِ في النهارِ، ثم يجعلُ النهارَ مُضِيئًا مُنِيرًا مُنَاسِبًا لِبَثِّ الناسِ في حوائجِهم واكتسابِ معايشهم في نورٍ ساطعٍ من غيرِ فتيلةٍ ولَا زيتٍ ولَا حاجةٍ إلى مؤنة، بل هو ضوءُ السراجِ الذي خَلَقَهُ اللَّهُ وجعلَ نورَه سبيلًا للأسودِ وللأحمرِ بلَا ثَمَنٍ، يسعونَ فيه إلى معايشهم، وهذا مِنْ عظائمِ قدرتِه ومن عجائبِ مِنَنِهِ وإنعامِه - جل وعلا - على خَلْقِهِ؛ ولذا قال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾.
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: آية ٥٤] الحثيثُ: أصلُ الحثِّ في
[ ٣ / ٣٨٢ ]
لغةِ العربِ: الإسراعُ والاستعجالُ (^١). أي: يطلبُه طَلَبًا حَثِيثًا مسرعًا غايةَ الإسراعِ فلَا يُمْهِلُهُ دقيقةً، عندما ينتهي وقتُ النهارِ فإذا الليلُ يطلبُه طلبًا مسرعًا فيحلُّ محلَّه في أسرعِ ما يكونُ، وليس بينَهما واسطةٌ بحيث تكونُ ليست من النهارِ ولَا من الليلِ. فـ (حثيثًا) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: طلبًا حثيثًا، أي: مُسْرِعًا. أو بمعنَى الحالِ، أي: حالَ كونِه حاثًّا، أي: مُسْرِعًا شديدَ الإسراع لا يمهلُه ساعةً (^٢).
وَاللَّهُ - جل وعلا - ذَكَرَ أن الليلَ - هنا - يطلبُ النهارَ طلبًا حثيثًا، والمفسرونَ [يقولون] (^٣): يتبعُه تبعَ الطالبِ. والعادةُ المقررةُ عندَ العلماءِ: أن ظاهرَ القرآنِ لَا يجوزُ العدولُ عنه إلا لدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه (^٤). فلا مانعَ من أن اللَّهَ - جل وعلا - يخلقُ في الليلِ إدراكًا يكونُ يطلبُ به النهارَ؛ لأنه يخلقُ الإدراكَ في الجماداتِ والأشياءِ التي لَا إدراكَ لها، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: آية ٤٤] وكما قال - جل وعلا - في الحجارةِ: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٧٤] فَصَرَّحَ أن الحجرَ وهو جمادٌ يهبطُ من أعلى الجبلِ من خشيةِ اللَّهِ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ في القصةِ المشهورةِ الصحيحةِ أن الجذعَ الذي كان يخطبُ عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تَحَوَّلَ عنه إلى المنبرِ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٨٣)، القرطبي (٧/ ٢٢١)، الدر المصون (٥/ ٣٤٢).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٢١)، البحر المحيط (٤/ ٣٠٩)، الدر المصون (٥/ ٣٤٢).
(٣) في الأصل: «يقول».
(٤) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وافتقدَ الجذعُ النبيَّ ﷺ حَنَّ حنينَ العشارِ، والصحابةُ يسمعونَ، حتى جاءَه ﷺ يُسْكِتُهُ كما تُسْكِتُ الأُمُّ وَلَدَهَا (^١).
وذلك الحنينُ بإدراكٍ خَلَقَهُ اللَّهُ في ذلك الجذعِ لَا نعلمُه. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ ﷺ قال وهو الصادقُ المصدوقُ: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا فِي مَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ» (^٢) وأمثالُ هذا كثيرةٌ في الكتابِ وَالسُّنَّةِ، كقولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: آية ٧٢] والإشفاقُ: الخوفُ. فنسبَ الخوفَ والإشفاقَ للسماواتِ والأرضِ والجبالِ وهي جماداتٌ، وصرَّح بأنه يعلمُ مِنَ الجماداتِ ما لا يعلمُه خلقُه حيث قال: ﴿وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: آية ٤٤] فلا مانعَ عَقْلًا من أن يجعلَ اللَّهُ للظلامِ المعبَّرِ عنه بالليلِ إدراكًا يطلبُ به النهارَ، لَا مانعَ عَقْلًا من ذلك، ولا ينبغي أن يُصْرَفَ القرآنُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه.
وعامةُ المفسرين يقولونَ: إن معنَى ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: آية ٥٤] أي: يُسْرِعُ تَابِعًا له، كما يفعلُه الطالبُ. مع زعمِهم أن الليلَ ليس عندَه إدراكٌ يطلبُ به؛ لأنه ظلامٌ، ومعروفٌ أن الليلَ ظلامٌ، ولكن اللَّهَ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ. وهذا معنى قوله: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.
وكذلك النهارُ يطلبُ الليلَ حثيثًا، أي: طلبًا بإسراعٍ جِدًّا. وبعضُ المفسرينَ يذكرُ هنا مسائلَ الأفلاكِ وحركاتِها، وحركةَ الفلكِ
_________________
(١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
الأعظمِ، وَكُلُّ ذلك من علومِ الهيئةِ التي لا ينبغي أن تُدْخَلَ في القرآنِ. وعلومُ الهيئةِ قد أشارَ القرآنُ العظيمُ إلى أنها ليست تحتَها فوائدُ لها طائلٌ؛ لأن أصحابَ النبيِّ ﷺ سألوه - وَالْمَلَكُ يَغْدُو وينزلُ، والوحيُ يأتي - عن هيئةِ القمرِ، قالوا له: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا ثم لم يَزَلْ يكبرُ حتى يستديرَ بَدْرًا (^١)؟ وهذا سؤالٌ عن هيئةِ القمرِ، والنبيُّ ﷺ لا يجوزُ في حقِّه تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ فيما للأمةِ فيه حاجةٌ. فلم يُبَيِّنْ لهم شيئًا مما يَزْعُمُهُ أصحابُ الهيئة؛ لأن أصحابَ الهيئةِ يزعمونَ أن القمرَ جرمٌ ظلمانيٌّ لا نورَ - أصلًا - فيه، إلا أنه جرمٌ صقيلٌ، والجرمُ الصقيلُ يقبل سطوعَ النورِ فيه كالمرآةِ إذا قَابَلَهَا شعاعُ الشمسِ يسطعُ فيها. ويقولون: إن القمرَ تشرعُ الشمسُ في البعدِ منه حتى يتمَّ البعدُ، فإذا تم البعدُ تَكَامَلَ شعاعُ الشمسِ؛ لأن شعاعَ الشمسِ عندهم يتسربُ من وراءِ التكورِ الأرضيِّ فيقابلُه القمرُ فيسطعُ فيه كما يسطعُ نورُ الشمسِ في المرآةِ، فيظهرُ ذلك النورُ للناسِ.
يقولونَ: إن البعدَ يتمُّ ليلةَ أربعَ عشرةَ، وعند ذلك يتسربُ نورُ الشمسِ من وراءِ التكورِ الأرضيِّ إلى وجهِ القمرِ الذي يلي أهلَ الأرضِ فيتمُّ نورُه تمامًا، ثم يبدأ القمرُ من القربِ إلى الشمسِ في ليلةِ خمسةَ عشرةَ من الشهرِ، فعندَ ذلك يبدأ نورُ الشمسِ يتسربُ من وجهِ القمرِ الذي يلي الأرضَ إلى وجهِه الأعلى الذي يلي ما فوقَه من السماءِ فيكونُ ليلةَ خمسةَ عشر وجهُه الأعلى كَلَيْلَةِ الهلالِ، يطلعُ قليلٌ من النورِ إلى وجهِه الأعلى ثم يزدادُ القربُ ليلةَ السادس عشر فينتقلُ نورُ الشمسِ من وجهِه الأعلى، حتى تكونَ ليلةُ الهلالِ فيتمُّ القربُ فيكونُ
_________________
(١) مضى تخريجه عند الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
جميع نورِ الشمسِ في طرفِ القمرِ الأعلى، ولا يظهرُ منه إلا قليلٌ في خفافِ القمرِ هو الهلالُ، والقمرُ هنالك مُسْتَتِرٌ مظلمٌ لَا يُرى منه إلا الشمسُ الذي نزلَ إليه الضوءُ من أعلاه وهو ما يرونه الهلالَ. هكذا يقولون من هذه المقالات، والنبيُّ ﷺ جاءه القرآنُ بالإعراضِ عن جميعِ هذه المقالاتِ كُلِّهَا وعدمِ الالتفاتِ إليها، فأجابَ قولَهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: آية ١٨٩] فَبَيَّنَ المقصودَ منها وفائدتَها الدنيويةَ، وَتَرَكَ ما لَا فائدةَ فيه؛ لأن المُشَرِّعَ كالطبيبِ يأتِي بما فيه الفائدةُ ويدعُ ما لا فائدةَ فيه.
ومن هنا عُرِفَ أن الهيئةَ لَا فائدةَ فيها، وما يزعمُه بعضُ الأفدامِ الذين لَا عقولَ لهم ولا حياءَ من أن المانعَ للنبيِّ ﷺ من أن يعلمَهم الهيئةَ الجغرافيةَ القمريةَ وَيُبَيِّن لهم الهيئةَ العلويةَ أن عقولَهم عاجزةٌ قاصرةٌ وأن الإفرنجَ وأذنابَ الإفرنجِ هم الذين كانت لهم عقولٌ عَرَفُوا بها هذا، فهذا من الهوسِ والجنونِ؛ لأَنَّ أكملَ الناسِ عقولًا وأثقبَهم أذهانًا أصحابُ النبيِّ ﷺ، وَاللَّهُ يمدُّهم بنورِ الوحيِ الذي ينزلُ به الْمَلَكُ من السماءِ؛ ولذلك بَيَّنَ القرآنُ أن النظرَ في الهيئةِ العليا ليس تحتَه نتيجةٌ ولا طائلٌ، ومن غرائبِ القرآنِ أن [٩/ ب] هذا البابَ الذي قَفَلَهُ القرآنُ / فتحَه الإفرنجُ بعد عشراتِ القرونِ ففتحوه عن كفرياتٍ وتكذيباتٍ للوحيِ السماويِّ وخيمة ليس تحتَها طائلٌ، لَا يُسْتَفَادُ منها في أمورِ الدنيا، وإنما تُسْتَفَادُ منها عقلياتٌ كافراتٌ كاذبةٌ.
والفلاسفةُ من اليونانيين من أرسطاطاليسَ وأصحابِه لَمَّا قسَّموا علومَ الفلسفةِ إلى قسمةٍ سداسيةٍ، وَقَسَّمُوهَا إلى فلسفةٍ رياضيةٍ،
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وفلسفةٍ منطقيةٍ، وفلسفةٍ إلهيةٍ، وفلسفةٍ طبيعيةٍ، وفلسفةٍ نفسيةٍ، وفلسفةٍ تشريعيةٍ (^١) قَسَّمُوهَا هذه القسمةَ السداسيةَ، وَبَحَثُوا في كُلِّ قِسْمٍ منها. قَسَّمُوا القسمَ الرياضيَّ منها - وهو الفلسفةُ الرياضيةُ منقسمةٌ - إلى ثلاثةِ أقسامٍ: وهي الهندسةُ، والحسابُ، والهيئةُ.
أما الهندسةُ والحسابُ: فَكِلَاهُمَا مَبْنِيٌّ على مقدماتٍ عقليةٍ يقينيةٍ، وقواعدَ حقيقيةٍ مُنْطَبِقَةٍ لَا يَشُكُّ فيها عاقلٌ، فهي علومٌ مبنيةٌ على مقدماتٍ عقليةٍ وأساسٍ يقينيٍّ؛ ولذلك لا يتطرقُها خطأٌ إلا من جهةِ الناظرِ فيها؛ وَلِذَا لا تجدُ فيلسوفًا يأتِي ويقولُ: فكرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في الحسابِ خاطئةٌ. أو فكرتُه في الهندسةِ خاطئةٌ؛ لأن الحسابَ والهندسةَ من الفلسفةِ الرياضيةِ كِلَاهُمَا مركبٌ في مقدماتٍ عقليةٍ صحيحةٍ لَا خطأَ فيها.
أما النوعُ الثالثُ من الفلسفةِ الرياضيةِ - وهو الهيئةُ - فقد أَطْبَقَ أهلُه على أنه لم يكن مَبْنِيًّا على مقدماتٍ عقليةٍ، ولا قواعدَ يقينيةٍ، وإنما مَبْنَاهُ تخميناتٌ، وظنونٌ أكثرُ ما تكونُ كاذبةً، وربما صَدَقَتْ؛ ولذا تجدُ الفيلسوفَ يقولُ: نظرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في كذا - في الشمسِ، أو في القمرِ، أو في طبقاتِ الجوِّ، أو في كذا - نظرةٌ خاطئةٌ، بل الحقُّ كذا وكذا؛ لأنها لم تُبْنَ على مقدماتٍ يقينيةٍ، ولا قوانينَ عقليةٍ، بل مَبْنَاهَا ظنونٌ وتخميناتٌ. وهذه الظنونُ والتخميناتُ أَضَلَّتْ كثيرًا من الرعاعِ الْمُتَسَمِّينَ باسمِ المسلمين، يُكَذِّبُونَ نصوصَ القرآنِ ونصوصَ السنةِ نَظَرًا إلى أقوالِ كفرةٍ فجرةٍ في شيءٍ لَا أساسَ لهم فيه، فقضيةُ الفلسفةِ الهيئيةِ من الفلسفةِ الرياضيةِ
_________________
(١) انظر: كشف الظنون (٢/ ١٢٨٩).
[ ٣ / ٣٨٧ ]
كُلُّ دَلِيلِهَا ما يُسَمُّونَهُ في المنطقِ: شَرْطِيَّةً متصلةً لزوميةً يستثنونَ فيها نقيضَ التالِي فينتجونَ نقيضَ المُقدَّمِ أو عينَ المقدمِ، فينتجونَ عينَ التالِي في زَعْمِهِمْ، والربطُ بَيْنَ اللازمِ والملزومِ؛ أَعْنِي المُقدمَ والتالِيَ قد يكونُ رَبْطًا منفكًا، فيقولونَ: لو لم تكن الشمسُ تدورُ حولَ نفسِها لكان كذا وكذا، لو لم يكن الكوكبُ الفلانيُّ بمسافةِ كذا وعلى قَدْرِ كذا لكانَ كذا وكذا، أَوَلَمْ يكن كذا وكذا. وهي أمورٌ لا طائلَ تحتَها.
وعلينا جميعًا أن نلتزمَ هذا الأساسَ: كُلُّ ما خَالَفَ كتابَ اللَّهِ مخالفةً صريحةً فيجبُ علينا أن نجزمَ بأن مَنْ قَالَهُ كاذبٌ كافرٌ ملعونٌ، كالذي يقولُ: إن الشمسَ ساكنةٌ وأنها لا تتحركُ، وينفِي عنها اسمَ الجريانِ ويقولُ: لا تَجْرِي، فهذا كافرٌ ملحدٌ مُكَذِّبٌ نصوصَ القرآنِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ [يس: آية ٣٨] فالذي ينفِي عنها الجريانَ الذي أَثْبَتَهُ اللَّهُ مُحَادٌّ لِلَّهِ، مناقضٌ لكلامِ اللَّهِ، علينا أن نُكَفِّرَهُ ونكذبه. وكذلك مَنْ يقولُ: إن القمرَ لَا يجري؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [لقمان: آية ٢٩] فَمَا نَاقَضَ القرآنَ مناقضةً صريحةً فيجبُ علينا أن نكذبَه، وما وافقَ القرآنَ أو السُّنَّةَ الصحيحةَ علينا أن نتقبلَه، وما لم يناقض القرآنَ ولا السنةَ الصحيحةَ مناقضةً صريحةً فيجبُ علينا أن لَا نقدمَ على تكذيبِه وأن لا نتجرأَ على أنه كَذِبٌ خَوْفَ أن يكونَ حَقًّا، وإذا كان حَقًّا ظَنَّ القائلونَ به المتمسكونَ به أن القرآنَ كَذِبٌ؛ لأنه قيل لهم: إنه يخالفُ القرآنَ. والقرآنُ في نفسِ الأمرِ لا يخالفُ نظريةً صحيحةً أبدًا؛ لأنه كلامُ اللَّهِ الحقُّ المقطوعُ بأنه حَقٌّ، والحقُّ لا يُخَالِفُ حَقًّا أبدًا، فعلينا أن نَتَثَبَّتَ، وأن لَا نتسرعَ في الشيءِ الذي لا يكونُ القرآنُ صريحًا في
[ ٣ / ٣٨٨ ]
نَفْيِهِ، ولا نَنْفِيهِ إلا بتثبتٍ تَامٍّ ويقينٍ؛ لئلَاّ نجنيَ على القرآنِ ونشككَ الناسَ في أنه حَقٌّ، ونقول: ظاهرُ القرآنِ كذا، والذي يتبادرُ لنا كذا، وإن وقع خلافُه فهو من قصورِ فَهْمِنَا، والقرآنُ بَرِيءٌ من كُلِّ ما لَيْسَ بِحَقٍّ، فَكُلُّهُ حَقٌّ، ولا يناقضُ حَقًّا.
ومن ذلك أن الأولين من أصحابِ الهيئةِ كانوا يظنونَ أن الجرمَ الواحدَ يستحيلُ أن يكونَ كُرَةً وَسَطْحًا، ويزعمونَ أن كُلَّ جسمٍ كرويٍّ يستحيلُ أن يكونَ سَطْحًا، ويقولونَ: إن الأرضَ كرويةٌ. والذين يقولونَ: إن الكرويَّ لَا يكونُ سَطْحًا نقولُ له: زعمُك الكرويةَ أنتَ فيه كافرٌ كَذَّابٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: آية ٢٠] فالأرضُ سطحٌ لَا شَكَّ فيه؛ لأن الله - جل وعلا - صَرَّحَ بأنها سَطْحٌ. أما حُذَّاقُهُمُ المتأخرونَ الذين يقولونَ: لَا تَنَافِيَ بينَ الكرةِ والسطحِ؛ لأن الجسمَ الكبيرَ قد يكونُ ارتفاعُه الكرويُّ مُدَرَّجًا تدريجًا دقيقًا دقيقًا دقيقًا حتى يكونَ سطحًا، ولا يظهرُ الارتفاعُ الكرويُّ إلا في جميعِ المجموعةِ العظيمةِ مع كِبَرِهَا. فهذا نقولُ له: لا مانعَ من ذِكْرِكَ أنها كرةٌ؛ لأنك تقولُ بأنها سطحٌ، وَتُصَدِّقُ رَبَّنَا في أنها سطحٌ. والحذاقُ من المسلمين الذين نَظَرُوا في حقيقةِ الأرضِ كُلُّهُمْ زعموا أنها كرةٌ، وكذلك الذي يَقْتَضِيهِ الدليلُ العقليُّ أن الأرضَ كرويةٌ، إلا أنها سطحٌ يَقِينًا كما قاله رَبُّ العالمين؛ لأن الارتفاعَ الكرويَّ في الأرضِ مدرجٌ تدريجًا دقيقًا دقيقًا بَالِغٌ من غايةِ الدقةِ ما لا يُنَافِي السطحيةَ، وتكونُ الأرضُ معه سَطْحًا، ولا يظهرُ الارتفاعُ إلا في المجموعةِ الكبيرةِ.
والحاصلُ أن كُلَّ ما نَاقَضَ صريحَ القرآنِ فهو كَذِبٌ باطلٌ يجبُ
[ ٣ / ٣٨٩ ]
علينا تكذيبُه وتكفيرُ صاحبِه إن أُنْذِرَ ولم يَتُبْ، وما لم يُنَاقِضِ القرآنَ مناقضةً صريحةً فعلينا أن لا نَعْجَلَ ولا نَتَجَرَّأَ ولَا نقول على طول: هذا كَذِبٌ لأنه يناقضُ القرآنَ!! بل نَتَثَبَّتُ ولا نحكمُ على نظريةٍ أنها تناقضُ القرآنَ إلا بتحقيقٍ ويقينٍ وكونِ القرآنِ صريحًا في ذلك. وغير ذلك نقول: الذي يظهرُ لنا من ظاهرِ القرآنِ كذا، وهذا الذي نفهمُه، فإن كان فَهْمُنَا صحيحًا فالأمرُ كما فَهِمْنَا، وإن كان غيرَ ذلك فالقصورُ مِنَّا وَمِنْ فَهْمِنَا، وكتابُ اللَّهِ حَقٌّ لَا يأتيه الباطلُ من بَيْنِ يديه وَلَا من خلفِه، لا يخالفُ نظريةً صحيحةً.
وقولُه جل وعلا: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ بنصبِ الأسماءِ الأربعةِ؛ فقولُه: ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفاتٌ على قولِه: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ وخلقَ الشمسَ والقمرَ، وخلقَ النجومَ في حالِ كونِ المذكوراتِ مسخراتٍ بِأَمْرِهِ.
وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه: ﴿والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ بأمره﴾ (^١) فعلى قراءةِ ابنِ عامرٍ بالرفعِ: (الشمسُ) مبتدأٌ، وما بعدَه معطوفٌ عليه، وخبرُ المبتدأِ: ﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ (^٢).
والتسخيرُ: التذليلُ. فقد سَخَّرَ الشمسَ لمنافعِ هذا الْخَلْقِ؛ ولأنها آيةٌ عُظْمَى كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ [النبأ: آية ١٣]
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٩.
(٢) انظر: حجة القراءات ص٢٨٤.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
يُطْلِعُهَا في كُلِّ يومٍ، ويسيرها بحسابٍ معلومٍ طرقها وسيرها بتسخيرِ رَبِّ العالمينَ دائبة. وكذلك سَخَّرَ القمرَ على سَيْرِهِ المعتادِ، وحسابِه المعروفِ، نعرفُ بهما عددَ السنين والشهورِ والحسابَ، وكذلك سَخَّرَ النجومَ ليهتديَ بها خَلْقُهُ، وليزينَ بها السماءَ، ويطردَ بها الشياطينَ. فهذه المخلوقاتُ العظامُ العلويةُ سَخَّرَهَا خالقُ السماواتِ والأرضِ للاعتبارِ بها، ولمنافعِ خَلْقِهِ منها؛ لأَنَّ اللَّهَ جعلَ في الشمسِ والقمرِ منافعَ عظيمةً في الثمارِ والمعادنِ والنباتاتِ والحيواناتِ وغيرِ ذلك بحكمتِه - جل وعلا - وَعَدْلِهِ، حتى إنك لترى النخلةَ التي في الظلِّ دائمًا بين النخلِ لا يُصِيبُهَا شعاعُ الشمسِ تَرَاهَا رديئةَ الحملِ جِدًّا، كما يأتي إيضاحُه في قولِه: ﴿لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: آية ٣٥] وهذا معنَى قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾.
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (ألا) حرفُ استفتاحٍ وتنبيهٍ. (له) أي: لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه ﴿الْخَلْقُ﴾ لأنه خالقُ كُلِّ شيءٍ.
وأصلُ الخلقِ في لغةِ العربِ (^١): التقديرُ، فَكُلُّ شيءٍ قَدَّرْتَهُ فقد خَلَقْتَهُ. فإذا رأيتَ الْحَذَّاءَ - صاحبَ النعالِ - أكرمكم اللَّهُ - يأخذُ بسوادٍ كَفَحْمٍ أو غيرِه ليقيسَ قدرَ ما يقطعُ من النعلِ يُسَمِّى ذلك (خَلْقًا) فإذا قطعَه يقال: (فَرَاهُ) ومن هذا قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلمى (^٢):
وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٣٩١ ]
يعني: تُقَدِّرُ الأمرَ ثم تُنْفِذُهُ، وبعضُ الناسِ يقدرُه ثم يعجزُ عن تنفيذِه. وَاللَّهُ - جل وعلا - يُقَدِّرُ الأشياءَ قبلَ أن يُوقِعَهَا ثم يَفْرِيهَا ويبرؤها مُطَابِقًا لِمَا قدر سابقًا، وتنفيذًا لِمَا سَبَقَ في عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ. فهذا معنَى (الخلقِ) ﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾ كما قال: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: آية ٢٤] يعنِي: يَخْلُقُهَا وَيُقَدِّرُهَا ثم يبرؤها وَيَفْرِيهَا وينجزها.
﴿وَالأَمْرُ﴾ لأَنَّ اللَّهَ خالقُ كُلِّ شيءٍ، وله الأمرُ، هو الذي وحدَه له الأمرُ، يأمر بما شاءَ بأوامرِه الكونيةِ وأوامرِه الشرعيةِ، فلَا أَمْرَ كونيًّا قدريًّا إلا له، ولا أمر شرعيًّا دينيًّا إلا له. وكان سفيانُ بنُ عيينةَ (﵀) وجماعةٌ من السلفِ يستدلونَ بهذه الآيةِ من سورةِ الأعرافِ على أن القرآنَ ليس بمخلوقٍ (^١)؛ لأن الأمرَ في القرآنِ كقولِه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس: آية ٨٢] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [النحل: آية ٤٠] فالقرآنُ فيه الأوامرُ الكونيةُ القدريةُ، وفيه الأوامرُ الشرعيةُ، وَاللَّهُ - جل وعلا - جَعَلَ الأمرَ وحدَه والخلقَ وحدَه، فَتَبَيَّنَ أن القرآنَ ليس دَاخِلًا في جملةِ المخلوقِ. وهذا الاحتجاجُ معروفٌ عندَ أهلِ السنةِ. ومناقشاتُ القائلين بخلقِ القرآنِ فِي الاستدلالِ بهذه الآيةِ كثيرةٌ طويلةٌ يَضِيعُ علينا الوقتُ بِتَتَبُّعِهَا من غيرِ طائلٍ. والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أن القرآنَ غيرُ مَخْلُوقٍ، وأنه كلامُ اللَّهِ منه بَدَأَ وإليه يعودُ، فكلامُ اللَّهِ ليس بمخلوقٍ.
وإنما نَشَأَتْ محنةُ القولِ بخلقِ القرآنِ في أيامِ المأمونِ،
_________________
(١) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٢١٩).
[ ٣ / ٣٩٢ ]
ولم تَزَلْ مستحكمةً مستفحلةً أيامَ المأمونِ، وأيامَ المعتصمِ، وأيامَ الواثقِ بِاللَّهِ، ثم أَزَالَ اللَّهُ المحنةَ على يدِ المتوكلِ على اللَّهِ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
وقد ذَكَرْنَا مرارًا (^١) أن أولَ مصدرٍ لكبحِ هذه الفتنةِ وَجِمَاحِهَا في أيامِ الواثقِ قضيةُ الشيخِ الشاميِّ، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الأذرميُّ في قصتِه المشهورةِ؛ لأن العلماءَ عُذِّبُوا في القولِ بِخَلْقِ القرآنِ، وَامْتُحِنُوا غايةَ الامتحانِ. وكانوا وقتَ المناظراتِ مِمَّا يستدلونَ به آيةُ الأعرافِ هذه، فيقولونَ: اللَّهُ جعلَ الخلقَ على حِدَةٍ والأمرَ على حِدَةٍ، والأمرَ في القرآن؛ لأن أمرَه بكلامِه فكلامُه غيرُ داخلٍ في خَلْقِهِ. وهم صَادِقُونَ، ومناقشاتُ الذين يُجَادِلُونَهُمْ معروفةٌ. وكان حاملُ رايةِ تلكَ المحنةِ: أحمدَ بنَ أَبِي دؤاد الإياديَّ جَازَاهُ اللَّهُ بما هو أَهْلُهُ. وقد قُتِلَ فيها كثيرٌ من العلماءِ، وَامْتُحِنَ خَلْقٌ من العلماءِ، وَدَاهَنَ كثيرٌ منهم، وَضُرِبَ أيامَ المعتصمِ بالله في محنةِ القولِ بالقرآنِ سيدُ المسلمين في زمانِه: الإمامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ برحمته، وَجَزَاهُ عن الإسلامِ والمسلمين خَيْرًا - ضُرب أيام الواثق، لم يزل يُضْرَب حتى يُرْفَعَ من محلِّ الضربِ لا يدري ليلًا من نهارٍ، غائبَ العقلِ من شدةِ الضربِ المبرحِ الأليمِ!! وإذا أَفَاقَ يقولونَ له: قُلِ القرآنُ مخلوقٌ. يقول: لَا وَاللَّهِ، القرآنُ كلامُ اللَّهِ غيرُ مخلوقٍ، صفةُ اللَّهِ، منه بَدَأَ وإليه يعودُ، لا أقولُ مخلوقٌ. وذكروا أن ذلك الشيخَ الشاميَّ هو أولُ مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ على يديه خمودَ القولِ بمحنةِ القرآنِ، وأن الواثقَ بالله لم يَمْتَحِنْ بعدَه أحدًا.
وقد ذَكَرَ الخطيبُ في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٤) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
تاريخِ بغدادَ وغيرِه روايتَه، وذكر ابنُ كثيرٍ في تاريخِه أن السندَ الذي ذَكَرَهَا به الخطيبُ فيه مَنْ لَا يُعرف (^١). إلا أن القصةَ مشهورةٌ معروفةٌ، لم يَزَلِ العلماءُ يستدلونَ بها قديمًا وحديثًا، والاستدلالُ بها صحيحٌ لَا شَكَّ فيه، ودليلُها الصحيحُ الذي اسْتَدَلَّ به هو المعروفُ في الأصولِ بـ (السَّبْرِ والتقسيمِ) وفي علومِ الجدلِ بـ (التقسيمِ والترديدِ) وفي علومِ المنطقِ بـ (الشرطيِّ المنفصلِ) وحاصلُه أن القصةَ التي ذَكَرَهَا الخطيبُ في تاريخِ بغدادَ ذَكَرَهَا من طريقِ محمدِ بنِ الواثقِ قال: كان أبي إذا أَرَادَ أن يقتلَ أحدًا أَحْضَرَنِي، وَجِيءَ بشيخٍ من الشامِ مكبَّلًا بالحديدِ، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الأَذْرَميُّ - ﵀ - شيخُ أبي داودَ والنسائيِّ، جِيءَ به مُكَبَّلًا بالحديدِ يريدونَ أن يقتلوه إن لم يَقُلْ إن القرآنَ مخلوقٌ. قال محمدُ بنُ الواثقِ: فأحضرني أبي فَجِيءَ بذلك الشيخِ مُكَبَّلًا بالحديدِ، فقال للواثقِ: السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنين.
فقال له الواثقُ بالله: لَا سَلَّمَكَ اللَّهُ.
فقال الشيخُ: بِئْسَ مَا أَدَّبَكَ مُؤَدِّبُكَ يا أميرَ المؤمنين!! اللَّهُ يقولُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: آية ٨٦] وَاللَّهِ مَا حَيَّيْتَ بأحسنَ منها ولا رَدَدْتَهَا.
فقال الواثقُ: ائذنوا لأبي عبدِ اللَّهِ. يعني أحمدَ بنَ أبِي دؤادَ - جازاه اللَّهُ بما هو أهلُه - فحضر ابنُ أبي دؤاد، فقال له الواثقُ: نَاظِرْ هذا الرجلَ (في بعضِ رواياتِ القصةِ أن ذلك الشيخَ الشاميَّ المكبلَ بالحديدِ قال: ابنُ أَبِي دؤاد أحقرُ وأصغرُ من أن يُنَاظِرَنِي).
_________________
(١) السابق.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
فقال ابنُ أبِي دؤاد لذلك الشيخِ: ما تقولُ في القرآنِ؟
قال: مَا أَنْصَفْتَنِي. يعنِي: وَلِي السؤالُ.
فقال له ابنُ أبي دؤاد: سَلْ.
فقال الشيخُ الشاميُّ لابنِ أبِي دؤاد: ما تقولُ في القرآنِ؟
قال: مخلوقٌ.
قال: أَسْأَلُكَ: هَلْ مَقَالَتُكَ هذه التي تدعو الناسَ إليها وَتُغْرِي [أميرَ] (^١) المؤمنين بتقتيلِ العلماءِ وتعذيبِهم وامتحانِهم في شأنِها هَلْ كان رسولُ اللَّهِ ﷺ عَالِمًا بها؟ وهل كان خلفاؤُه الراشدونُ عَالِمِينَ بها؟ وهل كان عَالِمًا بها أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وَعَلِيٌّ، أو كانوا جَاهِلِينَ بها؟!
فقال ابنُ أبي دؤاد: كانوا جَاهِلِينَ بها.
فقال الشيخُ الشاميُّ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ما شاء الله، جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أبِي دؤادٍ!!
فقال ابنُ أبِي دؤادٍ: أَقِلْنِي، والمناظرةُ على بَابِهَا.
فقال له الشيخُ الشاميُّ: هو كذلك. ثم قال له: ما تقولُ في القرآنِ؟
قال: مخلوق.
قال: مقالتُك هذه - أنه مخلوقٌ - التي تدعو الناسَ إليها هل كان رسولُ اللَّهِ ﷺ، وخلفاؤُه الراشدونُ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي عَالِمِينَ بها أو جَاهِلِينَ؟
_________________
(١) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
قال: كانوا عَالِمِينَ بها ولم يدعوا الناسَ إليها.
فقال الشيخُ الشاميُّ: أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أَبِي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ في أُمَّتِهِ؟ أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أبي دؤادٍ ما وسع الخلفاءَ الراشدين في رعاياهم من المسلمين؟ فقام الواثقُ من مَوْضِعِهِ، وسقطَ من عينِه ابنُ أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدَها أحدًا في خَلْقِ القرآنِ. وَذَكَرَ عنه الخطيبُ أنه تابَ من القولِ بخلقِ القرآنِ، إلا أنه لم يُظْهِرْهُ، وإنما أظهرَ السنةَ المتوكلُ على اللَّهِ. وفي القصةِ: أن الواثقَ خَرَجَ إلى مَحَلِّ خلوتِه واضطجعَ على قفاه ووضعَ رجلَه على ركبتِه ثم قال: جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أَبِي دؤادٍ!! ما شاء الله، جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أبِي دؤادٍ!! ثم قال: علمها رسول الله وخلفاؤه ولم يَدْعُوا الناسَ إليها، أَلَمْ يَسَعِ ابنَ أبي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ وخلفاءَه الراشدينَ؟ وسقط من عينه، ثم أمر بالحدادِ فَفَكَّ الحديدَ عن الشيخِ الشاميِّ، وأعطاه أربعمائة دينارٍ، وقال له: ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ رَاشِدًا. هكذا يقولونَ.
والشاهدُ: أن مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُمتحنون في القولِ بخلقِ القرآنِ آيةُ الأعرافِ هذه يقولونَ: إن الأمرَ إنما هو بكلامِه، وقد جَعَلَهُ على حِدَةٍ عن الخلقِ حيث قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] فَدَلَّ على أن الأمرَ ليس من الخلقِ، وأن كلامَ اللَّهِ الذي هو أمرُه ليس بمخلوقٍ. هكذا يستدلونَ. واستدلَّ به قبلَ المحنةِ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ وغيرُه. ومناقشاتُ القائلين بخلقِ القرآنِ في الاستدلالِ في هذه الآيةِ كثيرةٌ معروفةٌ. وهذا معنَى قولِه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٥٤] (تبارك)
[ ٣ / ٣٩٦ ]
معناه: تَعَاظَمَ وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ - جل وعلا- وأصلُ تَبَارَكَ: (تفاعل) إذا كَثُرَتْ بركاتُه وخيراتُه. وَاللَّهُ - جل وعلا - هو المتعالِي المتنزهُ عن كُلِّ شيءٍ، المتقدسُ الأعظمُ، الذي يُفِيضُ الخيرَ على خَلْقِهِ.
وقولُه: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ العَالَمُونَ: جمعُ العَالَمِ (^١)، وهو من الملحقاتِ بالجمعِ المذكرِ السالمِ؛ لأنه ليس بوصفٍ ولا عَلَمٍ، فهو ملحقٌ بالجمعِ المذكرِ السالمِ، لا جمعَ مذكرٍ سَالِمًا. وقد بَيَّنَ اللَّهُ في سورةِ الشعراءِ أن العالمينَ يشملُ السماواتِ والأرضَ وما بينَهما وَمَنْ فيهما، كما قال: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤].
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: آية ٥٥] لَمَّا بَيَّنَ - جل وعلا - أنه العظيمُ الأعظمُ، خالقُ السماواتِ والأرضِ وخالقُ الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وَمُسَخِّرُ الجميعِ، وَبَيَّنَ عظمتَه وجلَالَه، أَمَرَ خَلْقَهُ الضعافَ المساكينَ أن يسألوه ويدعوه ليأتيَهم بما يطلبونَ، ويكشفَ عنهم من الضرِّ ما يسألونَ كَشْفَهُ، والمرادُ بذلك: كأنه يقولُ: أنا العظيمُ الأعظمُ الجبارُ، الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والكواكبَ العظامَ، وأنا خالقُ كُلِّ شيءٍ، وأنتم عبادي الفقراءُ الضعافُ فَادْعُونِي؛ لأَنَّ الدعاءَ يستشعرُ به الدَّاعِي ذُلَّهُ وفقرَه وضعفَه وحاجتَه، ويستشعرُ به عظمةَ مَنْ يدعو، وأنه عَالِمٌ بكل شيءٍ، لا يَخْفَى عليه دعاؤُه
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
ولو كان في أَخْفَى الخفاءِ، وأنه عظيمٌ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، قادرٌ على أن يُذْهِبَ عنه بالضرِّ ويأتيه بالخيرِ، فالدعاءُ مُخُّ العبادةِ، وهو مِنْ أعظمِ العباداتِ إذا كان مُخْلَصًا فيه لِلَّهِ؛ ولذا أَمَرَ اللَّهُ خَلْقَهُ به في هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ أَيْ: خالقَكم وسيدَكم ومدبرَ شؤونكم، ادعوه: ﴿تَضَرُّعًا﴾ تَضَرُّعًا: مصدرٌ مُنَكَّرٌ حالٌ. أي: في حالِ كونِكم متضرعين. والتضرعُ: (التفَعُّل) من الضراعةِ. والعربُ تقولُ: ضَرَعَ فلانٌ لفلانٍ. إذا ذَلَّ له وَخَشِعَ (^١). أي: ادْعُوهُ تَضَرُّعًا، أي: في حالِ كونِكم متضرعينَ أذلَاّءَ خاشعينَ له - جل وعلا - مستشعرينَ ذُلَّكُمْ وفقرَكم وحاجتَكم، وعظمةَ ربكم وكبرياءَه، وشدةَ فقرِكم إليه، وشدةَ غِنَاهُ عنكم. وَكُلُّ ذليلٍ خاشعٍ تُسَمِّيهِ العربُ: (ضارعًا)، وهو معروفٌ في كلامهم، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):
ليُبْكَ يَزِيدٌ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
وقولُه: ﴿وَخُفْيَةً﴾ قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدَا شعبةَ عن عَاصِمٍ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ بضمِّ الخاءِ، وهو (فُعْلَة) من الخفاءِ الذي هو ضِدُّ العلانيةِ والجهرِ. وقرأه شعبةُ وحدَه عن عاصمٍ: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخِفْية﴾ بكسرِ الخاءِ (^٣). وَالْخُفْيَةُ والخِفيةُ لغتانِ. فهي (فُعلة) و(فِعلة) من الخفاءِ. لغتانِ فصيحتانِ، وقراءتانِ سبعيتانِ.
ومعنَى ادعوه خُفْيَةً: أي لِيَكُنْ دعاؤكم في خفاءٍ. وكان السلفُ الصالحُ (﵃) من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم يجتهدونَ في الدعاءِ ولَا يُسْمَعُ لهم شيءٌ، إنما هو هَمْسٌ خَفِيٌّ فيما بينَهم وبينَ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٩٦.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
ربهم؛ لأن إخفاءَ الدعاءِ أبعدُ من الرياءِ، ولأنه يدلُّ على ثقةِ العبدِ بأن رَبَّهُ عَالِمٌ بِمَا خَفِيَ وما ظَهَرَ لَا يَخْفَى عليه شيءٌ. فالدعاءُ الخفيُّ أفضلُ وأعظمُ من الدعاءِ الذي هو [جهرًا] (^١) وعلانيةً، وقد أَثْنَى اللَّهُ بخفاءِ الدعاءِ على عبدِه زكريا في قولِه: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: الآيات ١ - ٣] فتعليمُ رَبِّ العالمين أن اللَّهَ يأمرُك أن تدعوه في جميعِ حوائجِك إذا اضْطُرِرْتَ إلى شيءٍ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ يُيَسِّرْهُ لكَ، وإذا نَابَكَ أمرٌ، أو حَزَبَكَ مكروهٌ، أو دَهَمَتْكَ خطوبٌ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ، وَتَضَرَّعْ إليه بِذُلٍّ واستكانةٍ في دعاءٍ خَفِيٍّ لَا يسمعُه أحدٌ؛ لأن اللَّهَ - جل وعلا - السرُّ عندَه علانيةٌ، إذا أسررتَ به يعلمُه ولا يَخْفَى عليه، ولو هَمَسْتَ به في نفسِك كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: آية ٧].
ومن هذه الآيةِ الكريمةِ أَخَذَ الإمامُ أبو حَنِيفَةَ وأصحابُه حُكْمًا فِقْهِيًّا وهو عدمُ رفعِ الصوتِ بـ (آمين) إذا قال الإمامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قالوا: إن (آمين) دعاءٌ؛ لأن معناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ. وَاللَّهُ - جل وعلا - يقولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: آية ٥٥] قالوا: الأمرُ بإخفاءِ الدعاءِ نصٌّ صريحٌ في القرآنِ المتواترِ المعصومِ، فلَا تُعَارِضُهُ الأحاديثُ التي وَرَدَتْ بإظهارِ التأمينِ (^٢)؛ لأنه جاءَ بعضُ الأحاديثِ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كان إِذَا قَرَأَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رَفَعُوا أصواتَهم بآمين حتى تَرْتَجَّ
_________________
(١) في الأصل «سرًّا»، وهو سبق لسان.
(٢) انظر: الهداية (١/ ٤٨ - ٤٩)، القرطبي (١/ ١٢٩)، (٧/ ٢٢٤)، ابن كثير (١/ ٣١).
[ ٣ / ٣٩٩ ]
الجدرانُ (^١). والقاعدةُ المقررةُ في أصولِ أبِي حنيفةَ ﵀: أنه لا يُقَدِّمُ الخاصَّ على العامِّ؛ لأن دلالةَ العامِّ عندَه على أفرادِه قطعيةٌ (^٢)، فَكُلُّ فردٍ داخلٌ في العامِّ كأنه نُصَّ عليه بِنَصٍّ خَاصٍّ، ولا يُقَدَّمُ الخاصُّ على العامِّ بل يُنْظَرُ في الخاصِّ والعامِّ إذا عَرَفَ المتأخر منهما نَسَخَ به الأولَ، وإذا لم يَعْرِفِ المتأخرَ منهما احْتَاطَ (^٣)؛ ولأجلِ هذه القاعدةِ المقررةِ في أصولِ أبي حنيفةَ (﵀) كان يقولُ بوجوبِ الزكاةِ في كُلِّ ما خَرَجَ من الأرضِ ولم يَبْلُغْ خمسةَ أَوْسُقٍ، ولا نصفَ وسقٍ، ولا ربعَ وسقٍ؛ لأن النبيَّ ﷺ لَمَّا قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (^٤) قال أيضًا: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» (^٥) وكان أبو حنيفةَ لا يَرَى تقديمَ الخاصِّ على العامِّ.
قال: يتعارضُ هذا العامُّ وهو قولُه: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» مع الخاصِّ الذي هو قولُه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» لأن العامَّ عند أبي حنيفةَ قَطْعِيُّ الشمولِ لأفرادِه إلا ما أخرجَه دليلٌ، فَكَأَنَّ كُلَّ فردٍ من أفرادِ العامِّ عندَه دَلَّ عليه نَصٌّ مُسْتَقِلٌّ. فنظر أبو حنيفةَ في التاريخِ فلم يَعْرِفْ تاريخهما أيهما السابقُ، هل الأولُ الذي قال النبي: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» أو قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»؟ فلما جَهِلَ التاريخَ احتاطَ لوجوبِ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجهر بآمين. حديث رقم (٨٥٣)، (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁. وهو عند أبي داود في الصلاة، باب التأمين وراء الإمام. حديث رقم: (٩٢٢)، (٣/ ٢٠٨). وليس فيه: «فيرتج بها المسجد»، وهو في ضعيف ابن ماجه برقم (١٨٢)، والسلسلة الصحيحة (١/ ٧٥٤).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٣١) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
(٥) السابق.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
الزكاةِ احتياطًا لبراءةِ الذمةِ والخروجِ من عهدةِ التكليفِ بالزكاةِ. وكذلك في هذه الآيةِ قال: إن الأحاديثَ التي جاءت برفعِ الصوتِ في التأمينِ أخبارُ آحَادٍ. ولو فَرَضْنَا أنها متأخرةٌ؛ لأن الظاهرَ أنها متأخرةٌ؛ لأن هذه السورةَ - سورةَ الأعرافِ - من القرآنِ النازلِ بمكةَ إلَاّ ثمان آياتٍ منها تأتِي في قولِه: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآياتِ.
أما غيرُها في سورةِ الأعرافِ فهي من القرآنِ النازلِ بمكةَ قبلَ الهجرةِ. وأحاديثُ التأمينِ بالصلاةِ هي في المدينةِ متأخرةٌ عنها، إلا أن القاعدةَ المقررةَ فِي أصولِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ - ﵀ - أنه لَا تُنْسَخُ المتواتراتُ بأخبارِ الآحَادِ، والأحاديثُ أخبارُ آحادٍ، والإسرارُ بالدعاءِ متواترٌ؛ لأن قولَه هنا في سورةِ الأعرافِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ نَصٌّ متواترٌ ظاهرُ الدلالةِ يدلُّ على إخفاءِ الدعاءِ، و(آمين) هي مِنَ الدعاءِ؛ لأن معناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ.
وَهُنَالِكَ قولٌ ضعيفٌ شَاذٌّ يقولُ: إن (آمين) من أسماءِ اللَّهِ تعالى (^١). وعلى هذا القولِ قال بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ: لو قَدَّرْنَا أن (آمين) من أسمائِه تعالى فَاللَّهُ يقولُ: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٥] كذا يقولونَ!
والعلماءُ الذين يقولونَ: إن القضاءَ بالمتأخرِ، يقولونَ: إن هذا عَامٌّ، ورفعُ الأصواتِ بالتأمينِ خاصٌّ، ولَا يتعارضُ عامٌّ وخاصٌّ. وهذا مذهبُ الجمهورِ المقررُ في أصولِ الشافعيةِ والحنبليةِ والمالكيةِ أن الخاصَّ يَقْضِي على العامِّ ويقدم عليه، وكذلك المقيدُ على المطلقِ سواء تقدمَ أو تأخرَ عنه كما هو معروفٌ في الأصولِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
_________________
(١) انظر: القرطبي (١/ ١٢٨).
[ ٣ / ٤٠١ ]
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ جل وعلا: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: آية ٥٥] في الدعاءِ ولَا في غيرِه. وقد جاء حديثٌ في ابنِ ماجه وغيرِه أن النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّهُ يَكُونُ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» (^١).
والاعتداءُ فِي الدعاءِ على أنواعٍ كثيرةٍ (^٢): منها: الذي يَصِيحُ بالدعاءِ صِيَاحًا مُزْعِجًا، ومنها: الذي يَسْأَلُ اللَّهَ أن يعطيَه مَرْتَبَةَ النبيين في الجنةِ، أو فوقَ مرتبةِ النبيين، فهذا اعتداءٌ في الدعاءِ، وقد جاءَ عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مغفلٍ (﵁) أنه سَمِعَ ابنًا له يقولُ: «اللهم إني أسألك القصرَ الأبيضَ الذي عن يمينِ الجنةِ إذا أدخلتني الجنةَ» (^٣)
_________________
(١) ورد هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مغفل (﵄)، وهو جزء من حديثيهما الآتيين.
(٢) في هذه المسألة راجع: مسائل الإمام أحمد (رواية صالح) (١/ ١٧١)، الفروع (١/ ٤٥٨)، الفتاوى (١٠/ ٧١٣ - ٧١٤)، الفروق للقرافي (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٥)، تفسير القرطبي، والقاسمي، والمنار، للآية رقم (٥٥) من سورة الأعراف. الدعاء للطرطوشي (١٥٤ - ١٥٥)، تلخيص الاستغاثة (٩٣ - ٩٥)، بدائع الفوائد (٣/ ١٢ - ١٤)، تصحيح الدعاء من الغلط والاعتداء لبكر أبو زيد، الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية لجيلان بن خضر العروسي.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٨٦، ٨٧)، (٥/ ٥٥)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٨٨)، وعبد بن حميد في المنتخب برقم (٤٩٩)، وأبو داود في الطهارة، باب الإسراف في الوضوء. حديث رقم (٩٦)، (١/ ١٦٩). وابن ماجه في الدعاء. باب كراهية الاعتداء في الدعاء حديث رقم (٣٨٦٤)، (٢/ ١٢٧١)، وابن حبان (الإحسان ٨/ ٢٦٩)، والبيهقي (١/ ١٩٦)، والحاكم (١/ ٥٤٠)، من حديث عبد الله بن مغفل ﵁. وهو في الفتح السماوي (٢/ ٦٣٧)، صحيح أبي داود (٨٧)، صحيح ابن ماجه (٣١١٦)، المشكاة (٤١٨)، الإرواء (١٤٠). وقد حسنه ابن كثير في التفسير (٢/ ٢٢٢).
[ ٣ / ٤٠٢ ]
فهذا من الاعتداءِ في الدعاءِ. وعن بعضِ الصحابةِ أنه سَمِعَ ولدَه يقولُ: «اللهم إني أسالكَ الجنةَ وحورَها ونعيمَها وكذا وكذا، وأعوذُ بكَ من النارِ وسلاسلِها وأغلالِها وكذا وكذا وكذا. قال: هذا من الاعتداءِ في الدعاءِ، يَكْفِيكَ أن تقولَ: اللهم إني أسالكَ الجنةَ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، وأعوذُ بكَ من النارِ وما قَرَّبَ إليها مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» (^١).
فَاللَّهُ جل وعلا: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الْمُجَاوِزِينَ في الحدودِ، سواء كان في الدعاءِ أو في غيرِ الدعاءِ من مجاوزةِ ما ينبغي إلى ما لا ينبغي كما هو عامٌّ، وهي وإن نَزَلَتْ في الدعاءِ فالعبرةُ بعمومِ الألفاظِ لا بخصوصِ الأسبابِ.
ونحن وإن كنا نعلمُ أن الإخفاءَ في الدعاءِ أفضلُ من [الجهرِ] (^٢) به وندعو غالبًا في هذا المجلسِ دعاءً ظاهرًا قَصْدُنَا به أن يَسْمَعَنَا إخوانُنا ويُؤَمِّنُّونَ لنا فنكونَ مجتمعين على الدعاءِ في هذا الشهرِ المباركِ، ولو أَسْرَرْنَا الدعاءَ لَمَا سَمِعُوهُ وَلَمَا أَمَّنُوا لنا، والمُؤَمِّنُ أحدُ الدَّاعِيَيْنِ، وقد نَصَّ على ذلك القرآنُ؛ لأن اللَّهَ في سورةِ يونسَ قال عن نَبِيِّهِ موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ ذَكَرَ موسى وحدَه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٧٢، ١٨٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٨٨)، وأبو يعلى (٢/ ٧١)، والطيالسي رقم (٢٠٠)، وأبو داود في الصلاة، باب الدعاء .. حديث رقم (١٤٦٧)، (٤/ ٣٥٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وهو في صحيح أبي داود (١٣١٣)، وانظر: الزيلعي على أحاديث الكشاف (١/ ٤٦٢)، تخريج ابن حجر على الكشاف ص٦٤، الفتح السماوي (٢/ ٦٣٦).
(٢) في الأصل: «الإسرار» وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: آية ٨٨] وفي القراءةِ الأخرى (^١): ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ثم قال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: آية ٨٩] فجعل الداعيَ اثنين، والداعي في الآيةِ واحدٌ، وهو ﴿قَالَ مُوسَى﴾ قالوا: لأن هارونَ أَمَّنَ، والمُؤمِّنُ أَحَدُ الدَّاعِيَيْنِ. ومن هنا أخذ بعضُ العلماءِ أن قراءةَ الإمامِ إذا قال المأمومُ (آمين) تَكْفِي المأمومَ؛ لأن اللَّهَ سَمَّى المُؤَمِّنَ داعيًا، كما ذَكَرَهُ بعضُ العلماءِ (^٢).
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُنَ (٥٨)﴾. [الأعراف: الآيات ٥٦ - ٥٨]
يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: آية ٥٦] لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) عظمتَه، وأنه خالقُ كُلِّ شيءٍ المستحقُّ لأَنْ يُطَاعَ فلَا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُعْبَدَ وحدَه نَهَى عن الفسادِ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها، وَأَمَرَ بأن يدعوه عبادُه خوفًا وطمعًا قال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ المرادُ بالإفسادِ في الأرضِ يشملُ الشركَ بالله وسائرَ المعاصي؛ لأن مِنْ أعظمِ الفسادِ في الأرضِ الشركَ بِاللَّهِ. والشركُ بالله ومعاصيه قد يَحْبِسُ اللَّهُ بسببِها المطرَ فتموت الْحُبَارَى في وَكْرِهَا، وَالْجُعَلُ في جُحْرِهِ، بسببِ ذنوبِ بنِي آدمَ.
_________________
(١) انظر: الإتحاف (٢/ ١١٩).
(٢) انظر: ابن كثير (٢/ ٤٢٩).
[ ٣ / ٤٠٤ ]
وقولُ الضحاكِ وغيرِه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ ولَا تُغَوِّروا الأنهارَ، وَتَدْفِنُوا المياهَ الجاريةَ، وتقطعوا الأشجارَ المثمرةَ (^١). كُلُّ ذلك داخلٌ في هذا، وربما كان قَطْعُ الشجرِ مصلحةً للمسلمين إذا كان فيه حصارٌ للكفرةِ ومضرةٌ عليهم (^٢)، كما يأتي فيما وَقَعَ في بني النضيرِ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ أي: من نخلةٍ ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: آية ٥] ومن الفسادِ في الأرضِ: قطعُ الدنانيرِ، وإفسادُ السكةِ، وَكُلُّ معصيةٍ لله وضرر على المسلمين وشرك بالله، جميعُ هذا من الفسادِ في الأرضِ الذي نَهَى اللَّهُ عنه؛ لأَنَّ طاعةَ اللَّهِ كُلَّهَا صلاحٌ يستوجبُ المطيعون بها رحمةَ اللَّهِ ونعيمَه وعافيتَه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: آية ٢ - ٣] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: آية ٤] فطاعةُ اللَّهِ وتقواه سببٌ لإدرارِ الأرزاقِ والعافيةِ كما قال تعالى عن نَبِيِّهِ نوحٍ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: الآيات ١٠ - ١٢] وقال عن نَبِيِّهِ هودٍ أنه قال لقومِه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: آية ٥٢] وهذا متكررٌ في القرآنِ. والمعاصِي والشركُ كُلُّهَا إفسادٌ في الأرضِ، وطاعةُ اللَّهِ واتباعُ أوامرِه كُلُّهَا إصلاحٌ في الأرضِ.
ومعنَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف: آية ٥٦] أي: بالشركِ والمعاصِي وجميعِ أنواعِ الفسادِ.
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٢٦).
(٢) المصدر السابق (٧/ ٢٢٧)، (٩/ ٨٤)، (١٨/ ٨).
[ ٣ / ٤٠٥ ]
﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعدَ أن أَصْلَحَهَا اللَّهُ بأن بَعَثَ فيها الرسلَ الكرامَ، وعلَّموا أوامرَ اللَّهِ ونواهيَه، وما به صلاحُ الدنيا والآخرةِ، فإن مَبْعَثَ الرُّسُلِ تستقيمُ به أمورُ الدنيا، ويصلحُ به جميعُ الشؤونِ مما يُصْلِحُ الدنيا والآخرةَ، فَمَنْ جاءَ لأمورِ الناسِ وهي صالحةٌ قائمةٌ على أوامرِ اللَّهِ وشرعِه الذي جاءت به رُسُلُهُ وغيَّر في ذلك وَأَفْسَدَ وأشركَ وعصى فقد أَفْسَدَ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها. وهذا هو الأظهرُ في معنَى الآيةِ.
وقولُه جل وعلا: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: آية ٥٦] قال بعضُهم: ﴿وَادْعُوهُ﴾ معناه: اعْبُدُوهُ. وقال بعضُهم: هو الدعاءُ بمعنَى المسألةِ والطلبِ لجلبِ الخيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ. والدعاءُ من أعظمِ أنواعِ العبادةِ.
وَبَيَّنَ (جل وعلا) أن الداعيَ ينبغي له إذا دَعَا رَبَّهُ أو عبدَ رَبَّهُ يستشعرُ الخوفَ من اللَّهِ والطمعَ فيه، فيكونُ طامعًا في ثوابِ اللَّهِ ورحمتِه واستجابةِ دعائِه لِمَا يعلمُ من فضلِ اللَّهِ وكرمِه ورحمتِه ورأفتِه بعبادِه. فَعَلَى الداعِي أن يكونَ خائفًا طامعًا. وبهذا يُعْلَمُ أن ما يقولُه بعضُ مَنْ غَلَا: أن مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لأجلِ الخوفِ من الله، أو لأجلِ الطمعِ فيه أن عبادتَه ناقصةٌ!! لأنه مُتَاجِرٌ بعبادتِه ليدفعَ عنه الخوفَ، أو يستجلبَ له الطمعَ، وأن الأكملَ أن يكونَ عَبَدَ اللَّهَ لعظمةِ اللَّهِ وإجلالِه. هكذا يقول بعضُهم! وخيرُ الْهَدْيِ هَدْيُ كتابِ (^١) اللَّهِ، وقد أَمَرَنَا في دعائِه أن ندعوه خائفين من عذابِه وعقابِه وَنَكَالِهِ، طَامِعِينَ في فضلِه ورحمتِه ورأفتِه وَجُودِهِ وما عندَه من الخيرِ؛ لأن مطامعَ العقلاءِ محصورةٌ في أَمْرَيْنِ هما: جلبُ النفعِ، ودفعُ الضُّرِّ.
وإذا كان
_________________
(١) في الأصل: «كتاب الله ﷺ». وهذا سبق لسان.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
من يَعْبُدُ اللَّهَ أو من يدعو اللَّهَ مستشعرًا الخوفَ من الله والطمعَ في ثوابِه وما عندَه من الخير كان الخوفُ والطمعُ جَنَاحَيْنِ يطيرُ بهما إلى الاستقامةِ وإلى ما ينبغي.
وهذا يُعْلَمُ منه أنه ينبغي للمسلمِ أن يكونَ في جميعِ أحوالِه إذا دعا اللَّهَ أو عَبَدَ اللَّهَ أن يكونَ جامعًا بين الخوفِ من الله والطمعِ فيما عندَ اللَّهِ (جل وعلا)، فَلَا يَتْرُكِ الرجاءَ لئلَاّ يكونَ من القَانِطِينَ ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: آية ٨٧] ولا يَتْرُكِ الخوفَ فيأمن مَكْرَ اللَّهِ؛ لأنه لا يأمنُ مكرَ اللَّهِ إلا القومُ الخاسرونَ فيكونُ خائفًا من اللَّهِ، طامعًا راجيًا في فضلِ اللَّهِ.
والعلماءُ يقولونَ (^١): ينبغي للإنسانِ وهو في أيامِ صحتِه أن يُغلِّبَ الخوفَ دائمًا على الرجاءِ، وأن يكونَ خوفُه أغلبَ من رجائِه، فإذا حضره الموتُ غَلَّبَ الرجاءَ في ذلك الوقتِ على الخوفِ. فلا ينبغي لمؤمنٍ أن يموتَ إلا وهو يُحْسِنُ ظَنَّهُ بالله (جل وعلا)؛ لأن رَبَّهُ رؤوفٌ رحيمٌ كما جاء بذلك الحديثُ عن النبيِّ ﷺ (^٢).
فالمؤمنُ إذا احتضرَ وَعَلِمَ أن الموتَ قد حضره، وأن أيامَ حياتِه ذاهبةٌ مُدْبِرَةٌ، فهو في ذلك الوقتِ ينبغي له أن يحسنَ ظَنَّهُ بالله، وأن يعلمَ أنه قادمٌ إلى عَفُوٍّ كريمٍ رؤوفٍ رحيمٍ، واللَّهُ عندَ ظَنِّ عبدِه به.
أما في أيامِ صحتِه فيُغلِّبُ الخوفَ من اللَّهِ لئلا يحملَه حُسْنُ الظنِّ على أَمْنِ مكرِ اللَّهِ والتلاعبِ بأوامرِه ونواهيِه. هكذا قال بعضُ أهلِ
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٥١٧)، فتح الباري (١١/ ٣٠١).
(٢) مسلم في الجنة في صفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت. حديث رقم (٢٨٧٧)، (٤/ ٢٢٠٥).
[ ٣ / ٤٠٧ ]
العلمِ. وقد دَلَّ الحديثُ على أن الإنسانَ لَا ينبغي له أن يموتَ إلا وهو يُحْسِنُ الظنَّ بالله (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: آية ٥٦].
ثم قال: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: آية ٥٦] الرحمةُ صفةٌ من صفاتِ اللَّهِ اشْتَقَّ لنفسِه منها اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) وهي صفةٌ كريمةٌ من صفاتِ اللَّهِ تظهرُ آثارُها فيمن شاء أن يرحمَه مِنْ خَلْقِهِ، اشتق من هذه الصفةِ لنفسِه اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) ونحنُ نُثْبِتُ لله ما أثبتَه لنفسِه على أكملِ الوجوهِ وأنزهِها وأقدسِها وأليقِها بالله، وأبعدِها عن مُشَابَهَةِ صفاتِ المخلوقين.
وقولُه: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنونَ جمعُ تصحيحٍ للمحسنِ، والمحسنُ: اسمُ فاعلِ الإحسانِ، والإحسانُ مصدرُ أَحْسَنَ العملَ يُحْسِنُهُ إحسانًا، إذا جاء به حَسَنًا.
والإحسانُ هو الذي خَلَقَ اللَّهُ الخلائقَ من أجلِ الاختبارِ فيه (^١). إحسانُ العمل كما قال (جل وعلا) في أولِ سورةِ هودٍ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: آية ٧] فَبَيَّنَ أن الحكمةَ في الخلقِ: ابتلاؤُه الخلقَ أيهم أحسنُ عملًا، ولم يَقُلْ: أيهم أكثرُ عملًا. وقال في أولِ سورةِ الكهفِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: آية ٧] وقال في أولِ سورةِ الملكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: آية ٢] والإحسانُ الذي خُلِقْنَا من أَجْلِ الابتلاءِ فيه قد أَرَادَ جبريلُ ﵇ أن يُنَبِّهَ المسلمين إلى الطريقِ التي يَصِحُّ بها الإحسانُ الذي خُلِقُوا من أَجْلِهِ فجاءَ للنبيِّ ﷺ في حديثِ جبريلَ المشهورِ (^١) في صفةِ أَعْرَابِيٍّ، وسأله عن الإيمانِ والإسلامِ، وقال له: يَا مُحَمَّدُ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه - أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ؟ أي: وهو الذي خُلِقْتُمْ من أجلِ الاختبارِ فيه. فَبَيَّنَ له النبيُّ ﷺ أن إحسانَ العملِ لا يكونُ إلا بالواعظِ الأكبرِ والزاجرِ الأعظمِ وهو مراقبةُ الله، وعلم العبد أنه كأنه ينظر إلى الله (جل وعلا)، وأنه إن كان لم يَرَ اللَّهَ فَاللَّهُ (جل وعلا) يراه. فَمَنْ عَلِمَ أنه بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ السماواتِ والأرضِ الجبارِ العظيمِ الأعظمِ، وأن اللَّهَ يراه: أَحْسَنَ عَمَلَهُ؛ لأن الإنسانَ - وَلِلَّهِ المثلُ الأعلى - إذا كان أمامَ مَلِكٍ جبارٍ من ملوكِ الدنيا شديدِ البطشِ على مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ، وَأَمَرَهُ بعملٍ، وهو حاضرٌ ينظرُ إليه، لابد أن يَجِدَّ ويحسنَ ذلك العملَ على أكملِ الوجوهِ.
فعلى المؤمنِ أن يستشعرَ أنه بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ، وأن اللَّهَ يراه، وأنه ليس بغائبٍ عنه. فإذا لَاحَظَ هذا ملاحظةً صحيحةً أَحْسَنَ العملَ؛ ولذا قال النبيُّ ﷺ مجيبًا لجبريلَ في قولِه: أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ. قال ﷺ: «الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». لأن مَنْ لَاحَظَ هذه الموعظةَ وهذه المراقبةَ أَحْسَنَ عَمَلَهُ.
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ سؤالٌ عربيٌّ مشهورٌ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
عند علماءِ التفسيرِ، وهو أنه قال: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿قَرِيبٌ﴾ بصيغةِ التذكيرِ ولم يَقُلْ: قريبةٌ. يقولونَ: الرحمةُ لَفْظُهَا مؤنثٌ فَلِمَ لم يَقُلْ: إن رحمةَ الله قريبةٌ من المحسنين، بل قال: قريبٌ. وللعلماءِ عن هذا السؤالِ العربيِّ أجوبةٌ تزيدُ على العشرةِ (^١)، كما هي معروفةٌ في علومِ التفسيرِ وبعضِ علومِ العربيةِ، نذكر منها بعضًا فيه كفايةٌ:
منها: أن الرحمةَ مصدرٌ بمعنَى (الرُّحم) والمصدر مذكرُ المعنَى، فمعنَى ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ أي: إن رُحْمَه بعبدِه قريبٌ. فذكَّره نظرًا لمعنَى الرحمةِ؛ لأن معناها المصدرُ بمعنَى (الرُّحم).
وقال بعضُ العلماءِ: (رحمة الله) هنا يعني أنه يرحمُ العبدَ بالثوابِ، فيكونُ المعنَى: إن ثوابَ اللَّهِ النَّاشِئَ عن رحمتِه بعبدِه قريبٌ من المحسنين.
الوجهُ الثالثُ: هو ما قَرَّرَهُ بعضُ علماءِ العربيةِ: أن القربَ نوعانِ: قربٌ في النَّسَبِ، وقربٌ في المسافةِ المكانيةِ أو الزمانيةِ، أما قربُ النسبِ فالمؤنثةُ فيه يلزمُها التاءُ بلا خلافٍ بينَ علماءِ العربيةِ، فتقولُ: هذه المرأةُ قريبتي. تعنِي في النسبِ. ولا يجوزُ أن تقولَ: قَرِيبِي بلا تاءٍ. فالقرابةُ في النسبِ يلزمُ فيها تاءُ الفرقِ بين الذكرِ والأنثى، فلا يجوزُ - قولًا واحدًا - أن تقول: هذه المرأةُ قريبٌ مِنِّي في النسبِ، بل يلزمُ أن تقولَ: قريبةٌ مني في النسبِ بالتاءِ. أما إن كان القربُ قربَ مكانٍ أو زمانٍ فيجوزُ في المؤنثةِ التأنيثُ والتذكيرُ،
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٤٨٨)، القرطبي (٧/ ٢٢٧)، البحر المحيط (٤/ ٣١٣)، الدر المصون (٥/ ٣٤٤ - ٣٤٦)، أضواء البيان (٢/ ٣٢٢).
[ ٣ / ٤١٠ ]
فتقول: هذه المرأةُ قريبٌ مني. تعني في المسافةِ لَا في النسبِ. ودارُها قريبٌ من دَارِي. وإن شئتَ قلتَ: قريبةٌ من داري. والكلُّ مسموعٌ في كلامِ العربِ، فتقول: دارُ زيدٍ قريبٌ من دارِ عمرٍو، ودارُ زيدٍ قريبةٌ من دارِ عمرٍو، وهذه المرأةُ الفلانيةُ قريبٌ من فلانٍ. تعنِي في المسافةِ وقريبةٌ منه تعنِي في المسافة، والكلُّ مسموعٌ موجودٌ في كلامِ العربِ، فَمِنْ إدخالِ التاءِ على قرابةِ المسافةِ قولُ عروةَ بنِ حزامٍ (^١):
عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنِّي قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو، وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ
فقال: «قريبةٌ» بالتاءِ، وهو قربُ مسافةٍ. ومن تجريدِ (القريبةِ) من التاءِ في المسافةِ قولُ امرئِ القيسِ (^٢):
لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمَّ هَاشِمٍ قَرِيبٌ وَلَا البَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا
فقال: «أم هاشم قريب». يعنِي في المسافةِ. ومن هذا المعنَى قولُه تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: آية ١٧] أي: في الزمانِ، ولم يقل قَرِيبَةٌ. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: آية ٦٣].
قال بعضُ أهلِ العلمِ: وجهُ تذكيرِ الرحمةِ: إضافتُها إلى اللَّهِ جل وعلا.
وقال بعضُهم: وَجْهُ تذكيرِها لأنها نَعْتٌ لموصوفٍ محذوفٍ: إن رحمةَ اللَّهِ شيءٌ قريبٌ من المحسنين.
_________________
(١) البيت في ابن جرير (١٢/ ٤٨٨)، البحر المحيط (٤/ ٣١٣)، الدر المصون (٥/ ٣٤٦).
(٢) ديوان امرئ القيس ص٦٥.
[ ٣ / ٤١١ ]
والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ هي رحمتُه لعبدِه في الآخرةِ، يقولونَ: إن الإنسانَ كُلَّ يوم يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما أَمَامَكَ قريبٌ وما وراءَك بعيدٌ، كما قال الحطيئةُ أو غيرُه (^١):
لَعَمْرُكَ مَا السَّعَادَةُ جَمْعَ مَالٍ وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وَمَا لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِي قَرِيبٌ وَلَكِنَّ الَّذِي يَمْضِي بَعِيدُ
فَكَأَنَّ الإنسانَ كُلَّ يومٍ يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما يستقبلُه الإنسانُ يتقربُ إليه دائمًا، وما يَسْتَدْبِرُهُ يتباعدُ منه دائمًا، والآخرةُ قريبٌ جِدًّا، كما قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ قريبةٌ من عبادِه المحسنين بحصولِها لهم في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه في الدنيا يرحمُهم بالتوفيقِ إلى الأعمالِ الصالحةِ وبالعملِ بما يرضيه، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: آية ٧] ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: آية ٤٣] فَبَيَّنَ أنه بالمؤمنين رحيمٌ، يرحمهم بالدنيا بما يُيَسِّرُ لهم من التوفيقِ إلى ما يُرْضِيهِ، ويرحمُهم في الآخرةِ بالإدخالِ في دارِ كرامتِه. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾
_________________
(١) البيت للحطيئة، وهو في الأمالي (٢/ ٢٠٢)، الآداب الشرعية (٣/ ٣٠٧)، شعر الدعوة الإسلامية ص٥١٧، وبين البيتين بيت آخر وهو قوله: وتقوى الله خير الزاد ذُخرا وعند الله للأتقى مزيدُ وصدر البيت الأول: «ولست أرى».
[ ٣ / ٤١٢ ]
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الأعراف: آية ٥٧] قرأه أكثرُ السبعةِ: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ بالجمعِ، وقرأه بعضُ السبعةِ: ﴿يرسل الريح﴾ بالإفرادِ. وعلى قراءةِ الإفرادِ فالمرادُ الجنسُ، فلا تُنَافِي قراءةُ الإفرادِ قراءةَ الجمعِ (^١).
وقولُه: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٧] فيه قراءاتٌ كثيرةٌ (^٢)، السبعياتُ منها أربعٌ: ﴿نُشُرًا بين يدي رحمته﴾ ﴿نُشْرًا بين يدي رحمته﴾ ﴿نَشْرًا بين يدي رحمته﴾ ﴿بُشْرًا بين يدي رحمته﴾ هذه القراءاتُ الأربعُ هي السبعياتُ من القراءاتِ التي في هذه الكلمةِ.
فقرأ بعضُهم: ﴿نُشُرًا﴾ بِضَمِّ النونِ والشينِ. وهي قراءةُ نافعٍ وابنِ كثيرٍ وأبي عمرو.
وقرأ بعضُهم: ﴿نُشْرًا﴾ بِضَمِّ النونِ وسكونِ الشينِ. وقرأ بها من السبعةِ: ابنُ عامرٍ وحدَه.
وقرأ بعضُهم: ﴿نَشْرًا﴾ بفتحِ النونِ وسكونِ الشينِ. وهي قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ.
وقرأ عاصمٌ وحدَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ هذه القراءاتُ السبعيةُ، على أن بعضَ السبعةِ قرأَ (الرياح) وبعضُهم قَرَأَ (الريح).
ومعنى قراءةِ (الريح): جنسُ الرياحِ، فلا تُنَافِي قراءةُ الإفرادِ قراءةَ الجمعِ.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٩، الإتحاف (٢/ ٥١).
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٠٩،حجة القراءات ص٢٨٥.
[ ٣ / ٤١٣ ]
أما مَنْ قَرَأَ: ﴿نُشُرًا﴾ فنشرًا جمعُ ناشرةٍ، أو جمعُ نَشُورٍ، وفيها مَعْنَيَانِ (^١): أحدُهما: أنها تنتشرُ أمامَ المطرِ من ها هنا وها هنا، أو أنها تُلَقِّحُ المطرَ الذي به إحياءُ الأرضِ الميتةِ فكأنها تَنْشُرُهُ. والإنشارُ والنشورُ: النشورُ: الحياةُ بعدَ الموتِ، وَأَنْشَرَهُ: أحياه بعدَ الموتِ. وأكثرُهم على أن نُشُرًا جمع نَشُورٍ، أو جمع ناشرةٍ كما قال بعضُهم، كشاهدٍ وشُهُدٍ. ونُشُر هي التي تنتشرُ أمامَ المطرِ فتأتِي منتشرةً من ها هنا ومن ها هنا. وعلى هذا القولِ فهو من الانتشارِ؛ لأَنَّ الريحَ كأنها كانت راكدةً كالشيءِ المطويِّ، فإذا كانت أمامَ المطرِ نُشِرَتْ كما يُنْشَرُ الثوبُ، فجاءت منتشرةً أمامَ المطرِ من ها هنا ومن ها هنا.
وقراءةُ ابنِ عامرٍ: ﴿نُشْرًا بين يدي رحمته﴾ كقراءةِ نافعٍ وابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو إلا أن ابنَ عامرٍ خَفَّفَ الشينَ فسكَّن ضمتَها. كما تقولُ: رسُل ورُسْل، وكتُب وكُتْب، ونُشُر ونشْر. فمعنى قراءةِ ابنِ عامرٍ كالقراءةِ التي قَبْلَهَا، وهو أن اللَّهُ يُرْسِلُ الرياحَ في حالِ كونِها منتشرةً من ها هنا وها هنا أمامَ السحابِ. وهذا من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه جل وعلا.
وعلى قراءةِ حمزةَ والكسائيِّ ﴿نَشْرًا﴾ ففيه من الإعرابِ وجهانِ: أحدُهما: أنه ما نَابَ عن المطلقِ من ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ لأَنَّ معنَى (يرسلها) في قوةِ: ينشرُ الرياحَ بين يدي المطرِ نَشْرًا. فتكونُ مفعولًا مُطْلَقًا بالمعنَى من (يرسل). أو أنها مصدرٌ مُنكَّرٌ حَالٌ، أي: يرسلُ الريحَ في حالِ كونِها منتشرةً أمامَ المطرِ، أو ناشرةً كَمَا ذَكَرْنَا.
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٣).
[ ٣ / ٤١٤ ]
وعلى قراءةِ حفصٍ: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ فالبُشرُ هنا جمعُ البشيرِ؛ لأن الريحَ تُبَشِّرُ بإتيانِ المطرِ بعدها فهي بشيرُ المطرِ، كما يدلُّ عليه قولُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: آية ٤٦] فإجراءُ الريحِ وانتشارُها من ههنا وهاهنا أمامَ المطرِ مبشرةً به من غرائبِ صنعِه وعجائبِه، ومن عظائمِ نِعَمِهِ على خَلْقِهِ، وهو معطوفٌ على قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ هذا الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، وأغشى الليلَ النهارَ كذلك هو الذي يُرسل الرياحَ بشرًا بين يدي رحمته.
[١٠ / أ] / ومعنَى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ المرادُ بالرحمةِ هنا: المطرُ؛ لأن المطرَ رحمةُ اللَّهِ يرحمُ بها عبادَه في الدنيا فيكونونَ في جَدْبٍ وفي فَقْرٍ، ومواشيهم على وشكِ الهلاكِ، فيغيثُهم اللَّهُ بالمطرِ، فتنبت زروعُهم وثمارُهم وتنعمُ مواشيهم فتكثر عندَهم اللحومُ والأسمانُ والأزبادُ، وتتوفرُ عندهم الأشعارُ والأصوافُ والأوبارُ، ينسجونَ منها اللباسَ وغيرَه من الفُرُشِ والخيامِ وما جرى مَجْرَى ذلك. فهذا من غرائبِ آياتِه وعظائمِ نِعَمِهِ.
ومعنَى (بَيْنَ يَدَيِ الْمَطَرِ) يعنَي: أمامَ المطرِ قدامَه منتشرةً قدامَه مُبَشِّرَةً به. وهذا من غرائبِ صُنْعِهِ وكبائرِ نِعَمِهِ.
والريحُ اختلفَ الفلاسفةُ في حَدِّهَا، وربما عجزوا عنه. وبعضُهم يقولُ: الريحُ: هواءٌ يتحركُ. والريحُ هي هذا الشيءُ الذي تشاهدونَه وتحسونَه. أما تعريفُهم فقد عسر على مَنْ أَرَادَهُ. وَعَرَّفَهُ بعضُهم بأنه: هواءٌ يتحركُ. وقد سَلَّطَهَا اللَّهُ على قومِ عَادٍ فأهلكتهم عن آخرهم. وهذا معنَى قولِه: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾
[ ٣ / ٤١٥ ]
يعني أمامَ المطرِ. فقد سَمَّى المطرَ (رحمةً) لأن اللَّهَ يرحم به عبادَه فتخصبُ بلادُهم وتنمو زروعُهم ومواشيهم وثمارهم، وهو أصلُ النعمِ الدنيويةِ على الْخَلْقِ؛ ولذا سَمَّاهُ (رحمةً) هنا، وفي قولِه بالرومِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى أَثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: آية٥٠] وفي القراءةِ الأُخْرَى: ﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: آية ٥٧] من فوائدِ الريحِ: كما أن الله ينشرها مُبَشِّرَةً بالمطرِ منتشرةً أمامَه كذلك يحملُ عليها المطرَ؛ لأن السحابَ هو غيرُ المطرِ بإجماعِ أهلِ اللسانِ، فالسحابُ: الوعاءُ الذي فيه المطرُ. والمطرُ: هو نفسُ الماءِ، وهو نفسُ الوَدْقِ.
وهذه الآيةُ من سورةِ الأعرافِ تُبَيِّنُ أن الماءَ أنه في وعاءٍ، وأن ذلك الوعاءَ ثقيلٌ جِدًّا ثقلًا عظيمًا، وأن اللَّهَ يحملُه - مع ثقلِه - على متنِ الريحِ، ثم إن الريحَ تَذْهَبُ به إلى حيثُ شاءَ اللَّهُ (جل وعلا)، فيسيلُ ذلك المطرُ من الثقوبِ والخلالِ التي في ذلك السحابِ الذي هو الوعاءُ، وقد بيَّن اللَّهُ كيفيةَ هذا في سورةِ النورِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ أي: يسوقُ سحابًا: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: مُتَرَاكمًا بعضَه فوقَ بعضٍ ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ وهو نفسُ المطرِ الذي هو الماءُ ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: آية ٤٣] أي: من ثقوبِ السحابِ. وخلالُ الشيءِ: ثقوبُه وفروجُه. فهو يتقاطرُ من الثقوبِ والفروجِ التي جَعَلَهَا اللَّهُ في الوعاءِ الذي يحملُ فيه المطر. وَبَيَّنَ أن ذلك الوعاءَ ثقيلٌ جِدًّا في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾ [الأعراف: آية ٥٧] أَقَلَّتْ: أي حَمَلَتْ. والعربُ تقولُ. أَقَلَّتْهُ ناقتُه. أي: حَمَلَتْهُ. والمرادُ: أَقَلَّتِ الريحَ، أي:
[ ٣ / ٤١٦ ]
حَمَلَتِ الريحَ ﴿سَحَابًا﴾ جمعُ سحابةٍ، وهي الوعاءُ الذي فيه الماءُ، وهي المزنةُ.
﴿ثِقَالًا﴾ جمعُ ثقيلةٍ، أي: سحابةٌ ثقيلةٌ. وسحابٌ - بالجمعِ - ثقال. وَاللَّهُ صَرَّحَ بأنها ثقالٌ، أي: شديدةُ الثقلِ لِمَا هي موقرة به - مملوءةٌ به - من الماءِ (^١).
وهذا نَصٌّ صريحٌ من رَبِّ العالمين الذي هو أصدقُ مَنْ يقولُ أن اللَّهَ يجعلُ ماءَ المطرِ في وعاءٍ، وأنه يحملُ تلك الأوعيةَ الثقيلةَ جِدًّا على متنِ الريحِ، ثم إنه إذا أرادَ نزولَ المطرِ إلى مَحَلٍّ أخرجَ الماءَ من الثقوبِ والفروجِ والخللِ الذي في تلك الوعاءِ الذي فيه الماءُ، كما قال: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: آية ٤٣] وهذا الماءُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ (جل وعلا) من حيثُ شاءَ، وهو قادرٌ على أن ينزلَه من نَهْرٍ تحتَ العرشِ، وعلى أن يجعلَه من بخارِ البحرِ ثم يرفعُه فيجعلُه ماءً صافيًا ويجعله في الْمُزْنِ، وهو قادرٌ على كُلِّ ذلك. وأكثرُ السلفِ على أن الماءَ ينزلُ في السحابِ من نهرٍ تحتَ العرشِ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: لَا مانعَ من أن يرتفعَ من بخارِ البحرِ ماءٌ صَافٍ عذبٌ تتحلل منه الأجرامُ الملحةُ ثم يجعلُه اللَّهُ في وعاءِ الْمُزْنِ، ثم يحملُه على الريحِ، ثم يُلْقِيهِ حيث شاءَ. كما قال مسلم الجاهلية زيدُ بنُ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ (^٢):
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الأنعام.
(٢) الأبيات ذكرها ابن هشام في السيرة (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وفيه بعض اختلاف في البيت الثاني. ولفظه في ابن هشام: دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا
[ ٣ / ٤١٧ ]
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا
إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالَا
وبهذا تعلمونَ أن المطرَ إنما يَنْزِلُ بأمرِ اللَّهِ وقدرتِه وإرادتِه، يعلم قَدْرَهُ ويجعلُه في أوعيةِ السحابِ، ويحملُه على مَتْنِ الريحِ، ثم يُخْرِجُهُ من الثقوبِ والخلالِ التي في الوعاءِ الذي هو فيه وهو السحابُ، كما قال وهو أصدقُ مَنْ يقولُ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: آية ٤٣] والعربُ كانوا يزعمونَ أن بعضَ الْمُزْنِ يمتلئُ من البحرِ، وهو معروفٌ في أشعارهم، ومنه قولُ أبي ذؤيبٍ الهذليِّ (^١):
سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَنَاتِمُ غُرٌّ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
يعني: لُجَجَ البحرِ. ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ (^٢):
لَا تَلُمْنِي إِنَّهَا مِنْ نِسْوَةٍ رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقَالِيتٍ نُزُرْ
كَبَنَاتِ الْبَحْرِ يَمْأَدْنَ كَمَا إِذَا أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخُضَرْ
_________________
(١) البيت الأول في اللسان (مادة: ثج) (١/ ٣٤٩)، (حنتم) (١/ ٧٣٤)، وفيه (حناتم سُحْم) والبيت الثاني في الخصائص (٢/ ٨٥)، المحتسب (٢/ ١١٤)، اللسان (مادة: شرب) (٢/ ٢٨٧)، (متى) (٣/ ٤٣٥)، (مخر) (٣/ ٤٥٠).
(٢) البيتان في ديوان طرفة ص٥٨، البحر المحيط (١/ ٨٦)، والأول منهما في رصف المباني ص٢٦٨، والبيت الثاني في الخصائص (٢/ ٨٥)، اللسان (مادة: عسلج) (٢/ ٧٧٩)، (مخر) (٣/ ٤٥٠)، وفي جميع هذه المصادر: «أنبت الصيف».
[ ٣ / ٤١٨ ]
والشاهدُ: أن المطرَ لا تنزلُ قطرةٌ منه إلا بمشيئةِ خالقِ السماواتِ والأرضِ وبتدبيرِه. وقد بَيَّنَ لنا كيفَ يُنْزِلُهُ: أن اللَّهَ يسوقُ سحابًا وهو المزنُ الذي هو وعاءُ الماءِ، ثم يجمع بعضَه إلى بعضٍ حتى يجعلَه متراكمًا بعضَه فوقَ بعضٍ، ثم يُخْرِجُ الماءَ من تلك الثقوبِ والفروجِ التي هي خلالُ ذلك السحابِ. وهذا صريحُ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: آية ٤٣] أي: ترى ماءَ المطرِ يخرجُ من الخلالِ، جمع (خَلَل) وهي الثقوبُ والفروجُ التي في ذلك السحابِ الذي هو وعاءُ الماءِ. فهذا بفعلِ ملكٍ مقتدرٍ يُنْزِلُ المطرَ حيث شَاءَ، ويحملُ السحابَ الموقرةَ الثقيلةَ بالماءِ على مَتْنِ الريحِ، ثم يأمرُها بأن تَصُبَّهَا بالمكانِ الذي شَاءَ بتصريفٍ مِنْ عَالِمٍ قديرٍ، عالمٍ بقدرِ المطرِ الذي ينزلُه وبقدرِ الرشاشِ الذي ينزله. وقد بَيَّنَ تعالى أن كثيرًا من الخلقِ سيكفرونَ بهذا، كالذين يزعمونَ أن المطرَ لم يَنْزِلْهُ خالقٌ، وإنما هو أمرٌ طبيعيٌّ، كما يزعمُه الكفرةُ الإفرنجُ وأتباعُ الإفرنجِ، لَا يعترفونَ بأن المطرَ ينزلُه حكيمٌ خبيرٌ، بل يذهبونَ إلى فكرةٍ كافرةٍ ملحدةٍ يُقَرِّرُهَا كثيرٌ ممن لا يَفْهَمُ، ثم يطمسُها وَيذُرُّ في عيونِ الناسِ أن يقولَ: «بمشيئةِ اللَّهِ» مجاملةً.
وهو يعتقدُ الطبيعيةَ كما يعتقدُها الكفرةُ الإفرنجُ الذين قَرَّرُوا هذا!! فَهُمْ - والعياذُ بالله - كالأنعامِ بل هم أَضَلُّ، لا يعترفونَ بخالقٍ حكيمٍ مُدَبِّرٍ ينزلُ المطرَ، فيزعمونَ أن نزولَ المطرِ أمرٌ طبيعيٌّ، وأن حرارةَ الشمسِ إذا تَتَابَعَتْ على البحرِ حتى بلغت مئةَ درجةٍ تَبَخَّرَ ماءُ البحرِ، وكذلك احتكاكُ الماءِ بالريحِ يُبَخِّرُهُ، فيتصاعدُ بخارُ الماءِ وتتحللُ منه الأجرامُ الملحيةُ، ثم يتكاثفُ البخارُ بعضُه فوقَ بعضٍ، ثم إذا اجتمعَ وَلَاقَى هواءً بصفةِ كذا جاءته
[ ٣ / ٤١٩ ]
ريحٌ وَفَرَّقَتْهُ، وصارَ هو الرشاشُ بطبيعتِه وطبيعةِ المطرِ من غيرِ فاعلٍ مختارٍ!! وهذا كُفْرٌ بالله، وإلحادٌ سَافِرٌ، ونفيٌ للخالقِ الذي لا يكونُ شيءٌ إلا بأمره وقضائِه.
وَاللَّهُ قد بَيَّنَ أن كثيرًا من الناسِ سيَؤُولُونَ إِلى هذا الكفرِ والإلحادِ؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ المطرَ في سورةِ الفرقانِ قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ﴿أَنزَلْنَا﴾ نسبَ الإنزالَ لنفسِه بصيغةِ التعظيمِ قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان: الآيات ٤٨ - ٥١] يعني: لقد صَرَّفْنَا الماءَ بَيْنَ بني آدمَ فَأَكْثَرْنَا المطرَ في عامٍ على بعضِ الجهاتِ فَأَخْصَبَتْ لنختبرَ أهلَها هل يشكرونَنا على ذلك الإنعامِ؟ وَصَرَّفْنَا الماءَ في بعضِ السنينَ عن بعضِ البقاعِ حتى تمحلَ وتجدبَ لنختبرَ أهلَها هل يصبرونَ؟ وهل يُنِيبُونَ إلينا ويتضرعونَ لنكشفَ عنهم الضراءَ؟ فهو تصريفُ حكيمٍ خبيرٍ يُصَرِّفُ الماءَ بحكمتِه وإرادتِه، وينزلُه بمشيئتِه على هذا الوجهِ الأعظمِ الكريمِ الذي يَنْزِلُ رشاشًا.
والله لَمَّا قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ لأَجْلِ أن يتذكرَ مَنْ جاءهم الماءُ فأخصبوا فيشكروا نعمةَ اللَّهِ ويتذكر مَنْ صُرِفَ عنهم الماءُ فأجدبوا؛ لِيُنِيبُوا إلى اللَّهِ، ويتوبوا إلى اللَّهِ ثم قال: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا﴾ [الفرقان: آية ٥٠] فَأَبَى أكثرُ الناسِ إلا كفورًا بالله - جل وعلا - وَمِنْ أعظمِ الكفورِ الذي أَبَوْا إلا إياه: قولُهم: إن الماءَ يُنْزِلُهُ بخارُ كذا وكذا، وطبيعةُ كذا وكذا، فقد صَدَقَ اللَّهُ - جل وعلا - ولا تأتِي بليةٌ ولا إلحادٌ يتجددُ في الزمانِ إلا وهو مُشَارٌ إليه في القرآنِ.
فقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ وَإِتْبَاعُهُ لذلك بقولِه: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا﴾ [الفرقان: آية ٥٠]
[ ٣ / ٤٢٠ ]
من غرائبِ هذا القرآنِ وعجائبِه. وتطبيقُه الآن على أكثرِ مَنْ في المعمورةِ، ينفونَ أن المطرَ نازلٌ بحكمةِ خبيرٍ عليمٍ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فينطبقُ عليهم قولُه: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا﴾ وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ ﷺ أن النبيَّ ﷺ كَلَّمَهُمْ صبيحةَ ليلةٍ كان فيها مطرٌ، وقال لهم: «هَلْ سَمِعْتُمْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ الْبَارِحَةَ؟» قالوا: ماذا قال؟ قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. أَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا. فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (^١).
وَأَكْفَرُ منه بالله مَنْ قال: مُطِرْنَا ببخارِ كذا وكذا لا بفعلِ اللَّهِ وإرادتِه. فعلى المؤمنِ أن يعتقدَ أن المطرَ أَنْزَلَهُ حكيمٌ خبيرٌ، وأنه ماءٌ يُنْزِلُهُ مِنْ حيث شاء، إما من السماءِ أو من حيث شَاءَ اللَّهُ (جل وعلا) فيجعلُه في أوعيةِ السحابِ، فتمتلئُ حتى تكونَ ثقيلةً جِدًّا، كما قال هنا: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: آية ٥٧].
والثقالُ: جمعُ ثقيلةٍ، وإنما كانت ثقيلةً لكثرةِ ملئها من الماءِ. وَصَرَّحَ بأن الريحَ تُقِلُّهَا، وأنه يحملُها على ظهرِ الريحِ حتى تمطرَ في الموضعِ الذي شَاءَ اللَّهُ، وصرح بأنه هو الذي يصرفُ المطرَ بإرادتِه ومشيئتِه، فينزلُه على قومٍ فيخصبوا ليُختبروا هل يَشْكُرُونَ؟ ويرفعُه عن
_________________
(١) البخاري في الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم. حديث رقم: (٨٤٦)، (٢/ ٣٣٣). وأطرافه في: (١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣)، ومسلم في الإيمان، باب بيان كفر من قال: مُطرنا بالنوء. حديث رقم (١٢٥)، (١/ ٨٣)، من حديث زيد بن خالد ﵁.
[ ٣ / ٤٢١ ]
قومٍ فيجدبوا ليختبروا هل يُنِيبُونَ إلى الله ويتوبونَ؟ وهذا من غرائبِ صُنْعِ الله وعجائبِه. واللَّهُ (جل وعلا) أَمَرَ خلقَه أن ينظروا في هذا وتوابعِه حيث قال: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس: آية ٢٤] لَامُ الأَمْرِ هنا صيغةُ أمرٍ تقتضي الوجوبَ، معناه: يجبُ على كُلِّ إنسانٍ أن ينظرَ إلى طعامِه. يعني: يا أيها الإنسانُ المسكينُ الضعيفُ انْظُرْ إلى طعامِك، انظر إلى الخبزِ الذي تأكلُ ولَا تستغنِي عنه، مَنْ هو الذي خَلَقَ الماءَ الذي شَرِبَتْ به أرضُه حتى نَبَتَ بإذن اللهِ؟ أيقدرُ أحدٌ غيرُ اللهِ أن يخلقَ الماءَ ويبرزَ جرمَه من [العدمِ إلى الوجودِ] (^١)؟ هَبْ أن الماءَ خُلِقَ وصارَ موجودًا مَنْ هو الذي يَقْدِرُ على إنزالِه بهذه الطريقِ الحكيمةِ وإخراجِه من خلالِ السحابِ رشاشًا لا يضرُّ بأحدٍ، فلو أَرْسَلَ اللهُ المطرَ كلَّه قطعةً واحدةً مجتمعةً لأَغْرَقَتِ الدنيا ودمرت البلادَ والعبادَ، فهو يُنْزِلُهُ رشاشًا من خلالِ السحابِ لئلا يضرَّ بالناسِ، وينزلُه بِقَدَرٍ معلومٍ بحيث يكونُ فيه الحاجةُ، ولا يجعلُه طوفانًا يغمرُ الأرضَ لئلَاّ يُهْلِكَ مَنْ عليها كما وَقَعَ لقومِ نوحٍ. هَبْ أن اللهَ أَنْزَلَ الماءَ بهذه الطريقةِ العظيمةِ الحكيمةِ هل يقدرُ أحدٌ غيرُ اللهِ أن يشقَّ الأرضَ عن مسمارِ النباتِ الذي يكونُ منه الْحَبُّ الذي تأكلون؟
الجوابُ: لَا. هَبْ أن مسمارَ النباتِ خَرَجَ، مَنْ هو الذي يقدرُ على أن يُرَبِّيَهُ وينميه؟ هَبْ أنه نَمَا وكبر، مَنْ ذَا الذي يقدرُ أن يشقَّه ويخرجَ منه السنبلةَ؟ هَبْ أن السنبلةَ خَرَجَتْ، من هو الذي يقدرُ أن يربيها وينقلَها من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حتى تكونَ حَبًّا صالحًا للأكلِ؟ ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: آية ٩٩].
_________________
(١) في الأصل: «من الوجود إلى العدم». وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
هذه غرائبُ صنعِ اللهِ وعجائبُه، والكفرةُ الملاعينُ الذين يزعمونَ أن إنزالَ اللهِ للمطرِ بهذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ المُبيَّنِ في سورةِ النورِ وغيرِها - الذي صَرَّحَ اللهُ بأنه هو الذي أَنْزَلَهُ، وهو الذي يُصَرِّفُهُ بين خَلْقِهِ كما يشاءُ - يزعمونَ أن كُلَّ هذا كَذِبٌ، وأنه لَا خالقَ ولا فاعلَ مختار، وإنما هي أمورٌ طبيعيةٌ، فطبيعةُ الماءِ أن يتبخرَ بطبيعتِه إما بدرجاتِ حرارةِ الشمسِ؛ لأن الماءَ إذا بلغَ درجةَ مائةٍ من درجاتِ الحرارةِ يستحيلُ بُخَارًا، أو باحتكاكِه بالريحِ، فاحتكاكُ الريحِ بالماءِ قد يجعلُه بخارًا، ثم إن البخارَ يتصاعدُ بطبيعةِ حالِه، ثم يجتمعُ بعضُه إلى بعضٍ، فيلاقي هواءً آخَرَ بصفةِ كذا، فتفرقُه الريحُ، وأن هذا أمرٌ طبيعيٌّ لَا فاعلَ له. هذا كُفْرٌ بالله، وإنكارٌ لخالقِ السماواتِ والأرضِ، وجحودٌ له (جل وعلا).
واللهُ بَيَّنَ أن أكثرَ الخلقِ سيصيرونَ إلى ذلك في سورةِ الفرقانِ كما أَوْضَحَهُ بقولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا (٥٠)﴾ [الفرقان: الآيات ٤٨ - ٥٠] ولَا شَكَّ أن مِنَ الناسِ الذين أَبَوْا إلا كفورًا: الذين زَعَمُوا أنه نَزَلَ بطبيعةِ بخارِ كذا وكذا عليهم لعائنُ اللهِ، وإذا ماتوا فسيعلمونَ هل هناك رَبٌّ مُدَبِّرٌ ملكُ السماواتِ والأرضِ هو المنزلُ للمطرِ، الخالقُ لكلِّ شيءٍ أو لَا؟ وهذا معنَى قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا هي الابتدائيةُ التي تُذْكَرُ قبلَ الْجُمَلِ. و(أقلت) معناه: حَمَلَتْ «حتى إذا أقلت الرياح» أي: حَمَلَتْ: ﴿سَحَابًا﴾ أي: مُزْنًا مملوءةً بالماءِ.
﴿ثِقَالًا﴾ السحابُ: جمعُ سحابةٍ أو اسمُ جمعٍ للسحابةِ.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
والثقالُ: جمعُ ثقيلةٍ، لثقلها بالماءِ الذي هي موقرةٌ منه، يحملُها اللهُ على مَتْنِ الريحِ.
﴿سُقْنَاهُ﴾ أي: سُقْنَا ذلك السحابَ المُوقَرَ بالماءِ.
﴿إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ قَرَأَهُ بعضُ السبعةِ: ﴿مَيِّتٌ﴾ بالتشديدِ. وقرأه بعضُهم: ﴿مَيْت﴾ بالتخفيفِ، وهما قراءتانِ سبعيتانِ مشهورتانِ (^١) ولغتانِ صحيحتانِ معروفتانِ.
ومعنَى كونِ البلدِ مَيِّتًا أنه غبارٌ لَا نباتَ فيه ولا شجرَ. ميتٌ جَدْبٌ ليس فيه نباتٌ ولا شجرٌ نابتٌ.
﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ أي: بذلك البلدِ. وعليه فالباءُ ظرفيةٌ، أي: فَأَنْزَلْنَا فيه، أي: في ذلك البلدِ: ﴿الْمَاءَ﴾ أو ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ أي: بذلك السحابِ ﴿الْمَاءَ﴾ في ذلك البلدِ، وَصَرَّفْنَاهُ إلى ما شئنا من البلادِ وَصَرَفْنَاهُ عمن شئنا من البلادِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا﴾ [الفرقان: آية ٥٠] وهذا معنَى قولِه: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: بسببِ ذلك الماءِ: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى﴾ هذا من براهينِ البعثِ، كما أَخْرَجْنَا النباتَ بعدَ أن لم يكن شيئًا، وأخرجناه بعدَ أن انعدمَ، كذلك نُخْرِجُكُمْ من قبورِكم أحياءً بعدَ أن كنتُم معدومين؛ لأن الكلَّ إخراجٌ بعدَ عَدَمٍ، وإعادةٌ بعدَ فناءٍ، وحكمُ الكلِّ واحدٌ.
ومعنَى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (^٢) [الروم: آية ١٩، الزخرف:
_________________
(١) انظر: الإتحاف (٢/ ٥٢).
(٢) الظاهر أنه وقع للشيخ (﵀) سهو في هذا الموضع فذكر قوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وليست هذه الجملة في آية الأعراف، وإنما في آية الروم: (١٩)، وآية الزخرف: (١١)، وإنما في الأعراف: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
آية ١١] أي: تُخْرَجُونَ من قبورِكم أحياءً بَعْدَ الموتِ عندَ النفخةِ الثانيةِ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: آية ٦٨] وقال جل وعلا: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: آية ١٣ - ١٤] أي: على وجهِ الأرضِ أحياءً يمشونَ. وهذا معروفٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ (جل وعلا) يبعثُ الخلائقَ كُلَّهُمْ يومَ القيامةِ. وإحياءُ الأرضِ بعدَ موتِها دليلٌ على بعثِ الخلائقِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٧].
وقولُه: ﴿سُقْنَاهُ﴾ بصيغةِ التعظيمِ دليلٌ قاطعٌ على أن الموضعَ الذي يَأْتِيهِ المطرُ أن ما يأتيه بإرادةِ اللهِ - جل وعلا - وأنه هو الذي سَاقَ ذلك المطرَ محمولًا على الريحِ إلى ذلك البلدِ الْمُعَيَّنِ بحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه، لَا بطبيعةِ الريحِ، ولا بطبيعةِ البخارِ، ولا بطبيعةِ الهواءِ؛ لأن اللهَ (جل وعلا) هو الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والطبائعُ لا يؤثرُ منها إلا ما شاء اللهُ أن يؤثرَ. وقد أجمعَ أهلُ الحقِّ وأهلُ الباطلِ جميعًا - عن بكرةِ أبيهم - أن المؤثرَ من حيث هو مؤثرٌ لا يَعْدُو عن ثلاثةِ أشياء: مؤثرٌ بالاختيارِ، ومؤثرٌ بالطبيعةِ، ومؤثرٌ بالعلةِ (^١).
والحقُّ من هذه المؤثراتِ واحدٌ، وهو المؤثرُ بالاختيارِ، وهو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) سبحانَه وحدَه، لَا يمكنُ أن يقعَ تأثيرٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا تسكينةٌ ولا تحريكةٌ إلا بمشيئتِه وقدرتِه (جل وعلا) فالتأثيرُ بالاختيارِ هو التأثيرُ الحقُّ، وهو تأثيرُ خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي لا يمكنُ أن تقعَ تحريكةٌ ولا تسكينةٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا أَيِّ شيءٍ كائنًا ما كان إلا عن قدرتِه وإرادتِه
_________________
(١) انظر: الكليات ص٢٧٩، موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٣٤٦ - ١٣٤٧.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
ومشيئتِه - جل وعلا - وإنما قَسَّمُوا المؤثرَ - أهلَ الحقِّ وأهلَ الباطلِ - إلى مؤثرٍ بالاختيارِ، ومؤثرٍ بالطبيعةِ في زعمِ الطَّبَائِعِيِّينَ، ومؤثرٍ بالعلةِ في زعمِ الفلاسفةِ المعللين بِالْعِلَلِ؛ لأنهم يقولونَ: المؤثرُ من حيث هو مؤثرٌ إما أن يصحَّ منه التركُ، وإما أن لَا. فهذانِ قِسْمَانِ لَا ثالثَ لهما، وهو تقسيمٌ عَقْلِيٌّ؛ لأن حَصْرَ المُقَسَّمِ في الشيءِ ونقيضِه حصرٌ عَقْلِيٌّ كما هو معروفٌ في فنونِ البحوثِ والمناظراتِ؛ لأنهم يقولونَ: إما أن يصحَّ من المؤثرِ التركُ، وإما أن لا، فإن كان يصحُّ منه التركُ فهو المؤثرُ بالاختيارِ. وهذا واضحٌ؛ لأنه لَمَّا صَحَّ له أن يتركَ، وصحَّ له أن يفعلَ وقد أَثَّرَ وهو قادرٌ على تركِ التأثيرِ عَلِمْنَا أنه اختارَ أحدَ المقدورين على الآخَرِ، وهذا هو التأثيرُ الحقُّ، وهو تأثيرُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا)، ولا تأثيرَ ألبتةَ في الحقيقةِ إلا هذا التأثيرَ بالاختيارِ من خالقِ السماواتِ والأرضِ.
أما النوعانِ الباطلانِ من المؤثراتِ وهما: التأثيرُ بالطبيعةِ، والتأثيرُ بالعلةِ فإنهم يقولونَ: إن كان المؤثرُ لا يصحُّ منه التركُ فله حالتانِ: إما أن يتوقفَ تأثيرُه على وجودِ شرطٍ وانتفاءِ مانعٍ، وإما أن لا، فإن توقفَ تأثيرُه على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ فهو الذي يُسَمِّيهِ الطبائعيونَ: (المؤثرَ بالطبيعةِ) وضابطُ تأثيرِ الطبيعةِ عندَهم: هو المؤثرُ الذي لَا يصحُّ منه التركُ مع أن تأثيرَه يتوقفُ على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ. ومثالُه عندَهم: تأثيرُ النارِ بالإحراقِ، فهو تأثيرٌ بطبيعتِها؛ لأنَّ النارَ لَا يصحُّ منها التركُ، وتأثيرُها قد يتوقفُ على وجودِ الشرطِ، وهو إبرازُ النارِ من كُمُونِهَا الأصليِّ في الزنادِ ونحوِه، وانتفاءُ المانعِ وهو أن لَا يكونَ المانعُ الملاقِي للنارِ في أَوَّلِهَا مُنَافيًا
[ ٣ / ٤٢٦ ]
للإحراقِ، كأن يكونَ أول ما يلاقي الشهابَ الخارجَ من الزندِ الواري ماء، فإن الماءَ لَا يؤثرُ فيه، أو يكونَ أول ما يلاقيه صخر لا يؤثرُ فيه. فهذا توقفٌ على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ، وهو الذي يسمونَه: (المؤثرَ بالطبيعةِ) مع أنه لا يصحُّ منه التركُ.
أما إن كان لا يصحُّ منه التركُ ولا يتوقفُ تأثيرُه على وجودِ الشرطِ ولا على انتفاءِ المانعِ فهو الذي يسمونَه: (المؤثرَ بالعلةِ). ومثالُه عندَهم -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ-: تأثيرُ حركةِ الأصبُعِ في حركةِ الخاتمِ؛ لأن الأصبُعَ إن كان فيه خاتمٌ فماذا تَحَرَّكَ الأصبعُ لا بد أن يتحركَ الخاتمُ. والفلاسفةُ يقولونَ: إن تأثيرَ وجودِ اللهِ في وجودِ المخلوقاتِ تأثيرٌ بالعلةِ، ومن هنا زعموا قدمَ هيولى العالَم؛ لأن المؤثرَ لا ينفكُّ عن أثرِه. ومذاهبُهم - قَبَّحَهُمُ اللهُ - باطلةٌ كُلُّهَا كفرياتٌ وإلحادياتٌ.
ونعطيكم نماذجَ وأمثلةً على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو اللهُ، وأن اللهَ يسببُ ما شاءَ من المُسبَباتِ على ما شاء من الأسبابِ، ولو شاءَ انخرامَ السببِ لَانْخَرَمَ. ألا تسمعونَ في تاريخِ القرآنِ أن نبيَّ اللهِ إبراهيمَ أُلْقِيَ في النارِ هو والحطبُ، والحطبُ شيءٌ صلبٌ شديدٌ قويٌّ، وجسمُ إبراهيمَ لطيفٌ لَيِّنٌ، والنارُ لا عقلَ عندَها تُمَيِّزُ به بينَ إبراهيمَ وبينَ الحطبِ، فَأَكَلَتْ بحرارتِها الحطبَ حتى جَعَلَتْهُ رمادًا، في عينِ الوقتِ الذي هي فيه بردٌ على إبراهيمَ، والطبيعةُ معنًى واحدٌ لَا يتجزأُ أو لَا ينقسمُ، فالطبيعةُ من المعانِي الأفرادِ التي لا يمكنُ أن تتجزأَ، ولَا أن تنقسمَ، فالنارُ لو كان التأثيرُ بطبيعتِها لَاسْتَحَالَ أن تكونَ بَرْدًا على إبراهيمَ وَحَرًّا على الحطبِ حتى يصيرَ رمادًا، مع أنها معنًى واحدٌ وطبيعةٌ واحدةٌ. وذلك يدلُّ على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو
[ ٣ / ٤٢٧ ]
خالقُ السماواتِ والأرضِ لَمَّا قال للنارِ: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ [الأنبياء: آية ٦٩] وخصصَ وقال: ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: آية ٦٩] ولم يَقُلْ: «على الحطبِ» كانت على إبراهيمَ بَرْدًا إطاعةً لِمَالِكِ السماواتِ والأرضِ. والحطبُ الذي لم يُقَلْ لها أن تكونَ بردًا عليه كانت حَرًّا عليه فَأَحْرَقَتْهُ حتى كان رَمَادًا، وهو طبيعةٌ واحدةٌ، والطبائعُ لَا تتجزأُ لأنها معنًى واحدٌ لَا ينقسمُ، فَدَلَّ هذا على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا). وزعمَ المفسرونَ أن اللَّهَ لو لم يَقُلْ: ﴿وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: آية ٦٩] لأهلكه البردُ من شدةِ بردِ النارِ عليه في الوقتِ الذي هي فيه حَرٌّ على الحطبِ تحرقُه حتى يكونَ رمادًا.
فاللهُ يُسَبِّبُ ما شاءَ من الأسبابِ، على ما شاءَ من المُسَبِّباتِ، وهو المريدُ لكلِّ ذلك، الذي كُلُّ شيءٍ بمشيئتِه، لا يصدرُ أمرٌ إلا عن قُدْرَتِهِ وإرادتِه، وربما جعلَ السببَ مُضَادًّا للمسبِّبِ، وجعلَه سببًا في وجودِه، كما بَيَّنَّاهُ في سورةِ البقرةِ (^١) لَمَّا أرادَ إحياءَ قتيلِ بَنِي إسرائيلَ أَمَرَهُمْ أن يذبحوا بقرةً حتى صارت بقرةً ميتةً، وأمرَ بقطعِ قطعةٍ منها وهي ميتةٌ فَضُرِبَ الميتُ بها فَحَيِيَ!! فمن أين للميتِ الحياةُ من قطعةِ لحمٍ ميتةٍ من بقرةٍ ميتةٍ؟ فهذا لا سببَ فيه يعقلُ، فلو كانت البقرةُ حَيَّةً لقالوا: سَرَتْ للميتِ الحياةُ من حياتِها. فهي قطعةٌ ميتةٌ، فَمِنْ أَيْنَ جاءت هذه الحياةُ من الضربِ بهذه القطعةِ الميتةِ؟ ومثلُ هذا يُبَيِّنُ اللهُ به أنه هو الذي يَرْبِطُ بينَ الأسبابِ ومسبباتِها، فالأسبابُ حَقٌّ، والربطُ بينَها وبينَ مسبباتِها حَقٌّ، وإنكارُه تلاعبٌ بِالدِّينِ، وجعلُها مستقلةً
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
بشيءٍ كُفْرٌ باللهِ (جل وعلا) وإلحادٌ في شَرْعِهِ، بل الحقُّ أن اللهَ هو خالقُ كُلِّ شيءٍ، ومسببُ ما شاءَ من [المسببات] (^١) على ما شاءَ من الأسبابِ، هو الذي جَعَلَ تأثيرَ الإحراقِ في النارِ، وجعلَ تأثيرَ الريِّ في الماءِ، وجعلَ تأثيرَ الشبعِ في الخبزِ، وجعلَ تأثيرَ القطعِ في السكينِ. وهكذا فهو الخالقُ لكلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ بمشيئتِه وقدرتِه (جل وعلا)؛ وَلِذَا قال: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى﴾ [الأعراف: آية ٥٧] كذلك الإخراجُ الذي أَخْرَجْنَا به النباتَ بعدَ الانعدامِ نخرجُ الموتَى من قبورِهم أحياءً للبعثِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٥٧] (لعل) تأتِي في القرآنِ بِمَعْنَيَيْنِ (^٢)، قال بعضُ العلماءِ: هي على التَّرَجِّي، ولكن الترجِّي بحسبِ ما يظهرُ للناسِ، أما اللهُ فهو عَالِمٌ بما كان فلا يَصْدُقُ عليه الترجِّي، كقولِه لموسى وهارونَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: آية ٤٤] أي: على رجائِكما وَعِلْمِ بَنِي آدمَ القاصرِ، أما اللهُ فهو عالمٌ أنه لا يذَّكر ولا يَخْشَى.
الثاني: ما قاله بعضُ العلماءِ: إن كلَّ العللِ في القرآنِ مشمَّةٌ معنَى التعليلِ بمعنَى: لأَجْلِ. وعليه فـ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لأَجْلِ أن تتذكروا وتتعظوا بآيتِنا وغرائبِ صُنْعِنَا وعجائِبِنا. و(لعل) تأتِي في لغةِ العربِ بمعنَى التعليلِ، وهو معروفٌ في كلامِهم، ومنهُ قولُ الشاعرِ (^٣):
_________________
(١) في الأصل: «الأسباب» وهو سبق لسان.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوثَقِ
فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ كَشِبْهِ سَرَابٍ فِي الْمَلَا مُتَأَلِّقِ
وهذا معنَى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأَهُ بعضُ السبعةِ: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بحذفِ إحدى التَّائَيْنِ. والباقونَ: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بإدغامِ التاءِ في التاءِ.
ومعنَى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظونَ بما أريناكم من غرائبِ صنعِنا وعجائبِه.
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾.
يقول اللهُ جل وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: آية ٥٨] لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - جل وعلا - وَنَهَى في هذه الآيةِ الكريمةِ، وَبَيَّنَ عظائمَ آياتِه وبرهانَ عبادتِه وربوبيتِه أنه الربُّ وحدَه، والمعبودُ وحدَه، وَبَيَّنَ أنه أَنْزَلَ إلى هذه الخلائقِ كِتَابًا فصَّله على عِلْمٍ هدًى ورحمةً، بَيَّنَ هنا أن الناسَ الذين أُنْزِلَ عليهم هذا الكتابُ لهم شَبَهٌ بعنصرهم الأولِ وهو الأرضُ، وشبَّه الوحيَ الذي أنزلَه على نبينا ﷺ بالمطرِ، فالوحيُ كثيرًا ما يُشبَّهُ بالمطرِ كما أَوْضَحْنَاهُ في سورةِ البقرةِ في الكلامِ على قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآياتِ [البقرة: آية ١٩] فَكَمَا أن المطرَ يُحْيِي اللهُ به الأرضَ بعدَ موتِها وينبتُ به النباتاتِ والزروعَ والثمارَ، وَيُنْعِشُ به الحيواناتِ، وَيُهَيِّئ به لِبَنِي آدمَ مصالَحهم الدنيويةَ، فكذلك القرآنُ هو مطرُ أرضِ القلوبِ، إذا نزلَ مطرُ القرآنِ على أرضِ القلوبِ أَثْمَرَتِ
[ ٣ / ٤٣٠ ]
القلوبُ ثمراتِها الرائعةَ اليانعةَ من الإيمانِ باللهِ والتقوى والخشيةِ والإنابةِ والإيثارِ وطاعةِ اللهِ (جل وعلا) والخوفِ منه والانقيادِ لأوامرِه، والتباعدِ لنواهيه، فالقرآنُ مطرُ القلوبِ، والأرضُ كأنها المطرُ الذي يُثْمِرُ فيه القرآنُ، كما أن الأرضَ هي مطرُ السحابِ التي يُثْمِرُ فيها. فَضَرَبَ اللهُ المثلَ هنا لقلوبِ بَنِي آدمَ بِأَنَّ بَيْنَهُمْ شَبَهًا وبينَ الأرضِ؛ لأنها أصلُهم وعنصرُهم الذي خُلقوا منه، فإذا نزل المطرُ من السماءِ وأصابَ أرضًا طيبةً أَثَّرَ فيها أثرًا شَدِيدًا فأنبتتِ الزروعَ والحبوبَ والثمارَ والعشبَ والكلأَ الكثيرَ، وصارت تَرْفُلُ في حُلَلِ زِينَتِهَا من أنواعِ النباتاتِ.
وإذا نزلَ المطرُ على أرضٍ سَبِخَةٍ خبيثةٍ لَا تقبلُ النباتَ كلما ازدادَ نزولُ المطرِ عليها ازدادت خُبْثًا، لا تمسكُ ماءً عذبًا يُشْرَبُ منه، ولا تُنْبِتُ مرعًى يُرْتَعُ فيه، ولا ثمارًا ولا زروعًا تُؤْكَلُ، فهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لقلبِ المؤمنِ وقلبِ الكافرِ، وضربَ المثلَ للقرآنِ بأنه مطرُ القلوبِ المثمرِ فيها، كما أن مطرَ السحابِ هو مطرُ الأرضِ المثمرُ فيها، قال: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ [الأعراف: آية ٥٨] أصلُ البلدِ الطيبِ من الأرضِ إذا صادفَه المطرُ الكثيرُ يخرجُ نباتُه بإذنِ رَبِّهِ أَحْسَنَ ما يكونُ، يخرجُ نباتُه نباتًا حسنًا فيه الزروعُ والثمارُ والأعشابُ والكلأُ وكلُّ ما ينتفع به الناسُ في أمورِ معاشِهم، هذا هو البلدُ الطيبُ، كذلك القلبُ الطيبُ إذا نَزَلَتْ عليه أمطارُ القرآنِ: زواجرُه ونواهيه ومواعظُه وحلالُه وحرامُه أثمرَ ذلك القرآنُ في ذلك القلبِ ثمراتٍ أحسنَ من ثمراتِ الأرضِ الطيبةِ إذا نزلَ عليها المطرُ، فأثمرَ الإيمانَ باللهِ، والتطهرَ من أدناسِ المعاصِي والكفرِ، وامتثالَ أَمْرِ اللهِ واجتنابَ نواهيه.
وكلُّ خصلةٍ حسنةٍ يُثْمِرُهَا مطرُ القرآنِ في قلبِ المؤمنِ؛ كالخشيةِ من اللهِ، والتوبةِ عندَ الزلاتِ، والإنابةِ إليه،
[ ٣ / ٤٣١ ]
والسخاءِ والشجاعةِ والرضا بقضاءِ اللهِ، والإيثارِ وعدمِ الشُّحِّ، إلى غيرِ ذلك من خصالِ الإسلامِ الكريمةِ الجميلةِ.
﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ أي: والبلدُ الذي خَبُثَ كالبلدِ الذي يكونُ سَبِخًا خبيثًا لَا يخرجُ نباتُه ولو تَتَالَتْ عليه الأمطارُ: ﴿إِلَاّ نَكِدًا﴾ إلا في حالِ كونِه نَكِدًا عسيرَ الخروجِ لَا خيرَ فيه ولا منفعةَ فيه ألبتةَ، يخرجُ بِعُسْرٍ غايةَ العسرِ، ويخرجُ مَسْلُوبًا من الخيرِ والنفعِ.
وأصلُ النَّكِدِ في لغةِ العربِ: العسيرُ، لا يخرجُ إلا في حالِ كونِه نَكِدًا، أي: عسيرَ الخروجِ، مسلوبَ الفائدةِ، لَا يُنْتَفَعُ به في أَكْلِ الناسِ، ولَا أَكْلِ الأنعامِ؛ إِذْ لَا فائدةَ فيه، فكذلك قلبُ الكافرِ لَا يُثْمِرُ إلَاّ نكدًا عسيرًا، ثمرةً لَا فائدةَ فيها، كالأرضِ السبخةِ إذا كَثُرَتْ عليها الأمطارُ لَا يُثْمِرُ شيئًا فيه فائدةٌ.
وهذا المثلُ بَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ في حديثِ أبِي موسى الأشعريِّ المتفقِ عليه بيانًا واضحًا، وفيه: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى كَمَثَلِ غَيْثٍ كَثِيرٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءُ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُنْبِتُ كَلأً وَلَا تُمْسِكُ مَاءً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي الدِّينِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (^١).
والنبيُّ ﷺ في هذا الحديثِ الصحيحِ الذي اتفقَ عليه مسلمٌ والبخاريُّ من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ (﵁) بَيَّنَ أن
_________________
(١) البخاري في العلم، باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم. حديث رقم (٧٩)، (١/ ١٧٥). ومسلم في الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم. حديث رقم (٢٢٨٢)، (٤/ ١٧٨٧).
[ ٣ / ٤٣٢ ]
قلوبَ البشرِ بالنسبةِ إلى أمطارِ القرآنِ ثلاثةُ أنواعٍ: قلبٌ كالأرضِ الطيبةِ إذا نزلت عليه أمطارُ القرآنِ أَنْبَتَ العشبَ والكلأَ الكثيرَ، معناه: أنه يثمرُ فيه القرآنُ ومواعظُه فيجمعُ بينَ العلمِ به والعملِ، فيتعلمُ معانيه، ويفهمُ حِكمَه، ويعملُ بها، وَيُعَلِّمُهَا غيرَه. وفي حديثِ البخاريِّ من حديثِ عثمانَ بنِ عفانَ (﵁): «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» وفي روايةٍ في صحيحِ البخاريِّ: «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (^١) فهذه هي الطائفةُ الأُولَى من الطوائفِ الثلاثةِ التي شَبَّهَهَا النبيُّ ﷺ - في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه - بالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للماءِ الْمُنْبِتَةِ للكلأِ والعشبِ الكثيرِ، فكذلك القلوبُ الطيبةُ تُثْمِرُ فيها مواعظُ القرآنِ الثمراتِ الكثيرةَ الطيبةَ، فترى صاحبَها خائفًا من اللهِ، طَامِعًا في فَضْلِ اللهِ، مُطِيعًا لِلَّهِ، مُتَبَاعِدًا عن معاصِي اللهِ، مُمْتَثِلًا جميعَ الأوامرِ، مُتَبَاعِدًا عن انتهاكِ شيءٍ من النواهِي، فهذه الطائفةُ الأُولَى.
الطائفةُ الثانيةُ: ضَرَبَ لها النبيُّ ﷺ في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه مَثَلًا بأنها كأنها أجادبُ ليس فيها مَرْعًى ولكن فيها منافعُ تمسكُ الماءَ فيسيلُ الماءُ ويحبسُ فيها فتكونُ مجتمعةً فيها مياهٌ كثيرةٌ، ثم هذه المياهُ ينفعُ اللَّهُ بها خلقَه: منهم مَنْ يأتي فيشربُ، ومنهم مَنْ يسقِي مواشيَه من هذا الماءِ، ومنهم مَنْ يُسَلِّطُهُ على زروعِه وبساتينِه فينتفعُ بهذا الماءِ. وهذه الطائفةُ هي التي حَفِظَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ العلمَ الذي جاء به من القرآنِ والحديثِ الصحيحِ، ولم يكن عندهم من قوةِ الفهمِ ما يتفهمونَ في معانيه ويطلعونَ على أسرارِه وَحِكَمِهِ،
_________________
(١) البخاري في فضائل القرآن. باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. حديث رقم (٥٠٢٨)، (٩/ ٧٤)، وذكر اللفظ الآخر قبله برقم (٥٠٢٧).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
فَهُمْ كهذا المستنقعِ الذي أَمْسَكَ هذا الماءَ حتى انتفعَ به آخرونَ، فهم يحفظونَ ذلك العلمَ فيرويه عنهم فَطَاحِلُ علماء يقفونَ على أسرارِه ويفهمونَ معانيه ويستنبطونَ منه، فكذلك هذا الماءُ الذي أَمْسَكَتْهُ هذه الأجادبُ لم يُنبت هو فيه نفسه، ولكن الله نَفَعَ به الناسَ حيث شربوا منه وَسَقَوْا مواشيَهم وزروعَهم، كذلك هؤلاء يحفظونَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ما أَنْزَلَ اللهُ عليه، ولم تكن أفهامُهم بالغةً أفهامَ فطاحلِ العلماءِ، إلا أن العلماءَ يَرْوُونَهُ عنهم روايةً صحيحةً ثابتةً عنه ﷺ، فيتفهمونَ في معانيه، ويقفونَ على أسرارِه، ويستنبطونَ منه وَيُبَيِّنُونَهُ للناسِ.
هذه الطائفةُ الثانيةُ: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» (^١)
فَتَرَى بعضَ الأئمةِ العظامِ يروي حديثًا صحيحًا وبعضُ رواتِه ليس من أهلِ العلمِ، وليسَ من أهلِ الاستنباطِ والخوضِ في معانِي الكتابِ
_________________
(١) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة منهم:
(٢) زيد بن ثابت. عند الترمذي في العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع. حديث رقم (٢٦٥٦)، (٥/ ٣٣)، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلغ علمًا، حديث رقم (٢٣٠)، (١/ ٨٤)، وهو في صحيح الترمذي (٢١٣٩)، صحيح ابن ماجه (١٨٧)، السلسلة الصحيحة (٤٠٣).
(٣) ابن مسعود. عند الترمذي (في الموضع المتقدم من سننه) برقم (٢٦٥٧)، (٢٦٥٨)، (٥/ ٣٤)، وابن ماجه (في نفس الموضع المتقدم) برقم (٢٣٢)، (١/ ٨٥)، وهو في صحيح الترمذي برقم (٢١٤٠)، وصحيح ابن ماجه برقم (١٨٩)، المشكاة (٢٣٠).
(٤) جبير بن مطعم. عند ابن ماجه (الموضع المتقدم) برقم (٢٣١)، (١/ ٨٥)، وهو في صحيح ابن ماجه (١٨٨).
(٥) أنس بن مالك. عند ابن ماجه (الموضع السابق) برقم (٢٣٦)، (١/ ٨٦)، وهو في صحيح ابن ماجه برقم (١٩٣).
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وَالسُّنَّةِ، فيحفظُ عنه ذلك الفحلُ من فحولِ الأئمةِ ذلك الحديثَ مثلًا فيستنبطُ منه الأحكامَ، وَيُبَيِّنُ فيه الأسرارَ المشتملةَ عليه.
الطائفةُ الثالثةُ: هي التي ضَرَبَ لها مثلًا بالأرضِ السبخةِ التي لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كلأً، وهذه مضروبةٌ لقلوبِ الكفارِ والمنافقين، كلما تَتَابَعَتْ عليهم المواعظُ وَسَمِعُوا آياتِ القرآنِ تُتْلَى وَأُسْمِعُوا مواعظَه وزواجرَه كان يَمُرُّ على قلوبِهم من غيرِ أن يستفيدوا شيئًا، كما أن تلك الأرضَ السبخةَ كُلَّمَا تَتَابَعَ عليها المطرُ لم تَزْدَدْ إلا خبثًا، لم تُمْسِكْ ماءً عذبًا يُشْرَبُ منه، ولم تُنْبِتْ للناسِ كلأً ولَا عُشْبًا. فقلوبُ هؤلاءِ لم تَحْفَظْ عن النبيِّ ﷺ عِلْمًا يُرْوَى عنهم حتى ينتفعَ به غيرُهم، ولم ينتفعوا بأنفسِهم مما سَمِعُوا منه ﷺ، فَهُمْ كالسباخِ التي لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأً.
وهذا مَثَلٌ عظيمٌ ضَرَبَهُ اللهُ، وَجَرَتِ العادةُ أن الكتبَ السماويةَ تَكْثُرُ فيها ضروبُ الأمثالِ؛ لأن المثلَ يُصيِّر المعقولَ كالمحسوسِ؛ ولذا قال اللهُ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: آية ٢١] وَبَيَّنَ أن الأمثالَ لَا يفهمها عن اللهِ إلا أهلُ العلمِ حيث قال في العنكبوتِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: آية ٤٣] وَبَيَّنَ (جل وعلا) أنه لا يَسْتَحْيِي أن يضربَ مثلًا ما، كائنًا ما كان، وأن الأمثالَ التي يَضْرِب يهدي اللهُ بها قومًا أرادَ هداهم، وتكونُ سببًا لضلالِ آخَرِينَ أرادَ اللهُ إضلالَهم، فهي من فتنةِ اللهِ التي يُضِلُّ بها مَنْ يشاءُ ويهدي من يشاءُ، وذلك في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ثم قال:
[ ٣ / ٤٣٥ ]
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٦] هذه أمثالُ القرآنِ يهدي اللَّهُ بها من يريد هُدَاهُ، وما يضلُّ بها إلا الفاسقينَ. ولما سمعَ الكفارُ أن اللهَ يضربُ المثلَ بالكلبِ في قولِه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: آية ١٧٦] ويضرب المثلَ بالحمارِ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: آية ٥] ويضربُ المثلَ بالذبابِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: آية ٧٣] وسمعوه يضربُ المثلَ بهذه الأشياءِ قالوا: اللهُ أعظمُ وأكبرُ وَأَنْزَهُ من أن يذكرَ الحمارَ والكلبَ والذبابَ والعنكبوتَ! فهذا الكلامُ الذي فيه هذه الحقيراتُ ليس من كلامِ اللهِ؛ لأن اللهَ أعظمُ من هذا.
فَبَيَّنَ اللهُ أنه يضربُ الأمثالَ وَيُبَيِّنُ العلومَ العظيمةَ الجليلةَ في ضَرْبِ الأمثالِ في أمورٍ حقيرةٍ؛ وَلِذَا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ فترى الذبابَ من أحقرِ الأشياءِ ولكن المثلَ المضروبَ فيه من أعظمِ العلومِ؛ يُبَيِّنُ للناسِ أن المعبوداتِ من دونِ اللهِ بالغةٌ من التفاهةِ وعدمِ الفائدةِ ما يجعلُها لَا تقدرُ على خلقِ ذُبَابٍ، وَلَوْ تَسَلَّطَ الذبابُ عليها فانتزعَ منها شيئًا ما قَدَرَتْ على أن تنتصفَ منه. وهذا من التحقيرِ والتصغيرِ للمعبودِ من دونِ اللهِ يقتضي عِلْمًا عظيمًا له قَدْرُهُ ومكانتُه، وهو إفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وإدراكُ أن ما سواه لا يُغْنِي شيئًا. وكذلك ضربُه المثلَ في العنكبوتِ لأنه يُبَيِّنُ أن بيتَ العنكبوتِ الذي تنسجه من خيوطِ رِيقِهَا لا يُغْنِي شيئًا عن أحدٍ، فكذلك المعبوداتُ من دونِ اللهِ. فالشيءُ في نفسِه حقيرٌ، والعلمُ المبينُ في ضربِ المثلِ فيه علمٌ عظيمٌ كريمٌ له مكانتُه وَقَدْرُهُ؛ ولذا قال تعالى:
[ ٣ / ٤٣٦ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا﴾.
وبهذه الآياتِ وهذه الأمثالِ التي ذَكَرْنَا يجبُ على المسلمِ أن يخافَ من سَخَطِ اللَّهِ وأن يكونَ قلبُه كالأرضِ السبخةِ التي لَا تنتفعَ بمواعظِ القرآنِ ولَا بزواجرِه، ويسألُ اللهَ أن يجعلَ أرضَ قلبِه طيبةً قابلةً لمواعظِ القرآنِ وزواجرِه وأوامرِه ونواهيه؛ فإن مَنْ كانت أرضُ قلبِه طيبةً انتفعَ بمواعظِ هذا القرآنِ، وَنَفَعَتْهُ أوامرُه فَامْتَثَلَهَا، وزواجرُه فَاجْتَنَبَهَا، وأمثاله فَاعْتَبَرَ بها، وقصصَه فاعتبر بها.
فَعَلَيْنَا جميعًا أن نسألَ اللهَ أن لا يجعلَ قلوبَنا كالأرضِ السبخةِ التي لا تنتفعُ بما ينزلُ عليها من أمطارِ الوحيِ، وأن يجعلَ أرضَ قلوبِنا كالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للإثمارِ وإنباتِ العشبِ والكلأِ الكثيرِ والتأثرِ بآياتِ اللهِ (جل وعلا) لتثمرَ الخيرَ كُلَّهُ من الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وامتثالِ أَمْرِهِ واجتنابِ نَهْيِهِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا﴾ [الأعراف: آية ٥٨].
﴿كَذَلِكَ﴾ التصريفُ. التصريفُ: قَلْبُ الشيءِ من حالٍ إلى حالٍ. واللهُ يبينُ لنا المواعظَ موعظةً بعدَ موعظةٍ، والآياتِ آيةً بعدَ آيةٍ في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ. كذلك التصريفُ الذي صَرَّفْنَا لكم فيه هذه الآياتِ، وَبَيَّنَّا لكم ما يلزمُ، وَبَيَّنَّا لكم عِظَمَ قدرتِنا، وأدلةَ رُبُوبِيَّتِنَا وألوهيتِنا، وَضَرَبْنَا لكمُ الأمثالَ في مَنْ ينفعُ فيه ذلك وَمَنْ لَا ينفعُ فيه، كذلك التصريفُ الموضحُ للآياتِ جملةً بعدَ جملةٍ، وآيةً بعدَ آيةٍ، كذلك التصريفُ ﴿نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ نأتِي بها على أنحاء مختلفةٍ، في أساليبَ مختلفةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يهدي بذلك مَنْ يشاءُ.
وقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٥٨] خَصَّ القومَ الذين يشكرونَ لأنهم هم المنتفعونَ بالآياتِ. كقولِه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ
[ ٣ / ٤٣٧ ]
مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] لأَنَّ مَنْ يخافُ الوعيدَ هو المنتفعُ به، كقولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: آية ٤٥] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: آية ١١] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: آية ١٨] وما جَرَى مَجْرَى ذلك (^١).
وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا (^٢) أن لفظةَ (القومِ) أنه اسمُ جمعٍ لَا واحدَ له من لَفْظِهِ، وأنه يُطْلَقُ على خصوصِ الذكورِ بالوضعِ العربيِّ، وربما دَخَلَتْ فيه الإناثُ بحكمِ التبعِ، وَبَيَّنَّا أن الدليلَ على اختصاصِ لفظِ (القومِ) بالذكورِ قولُه تعالى في الحجراتِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: آية ١١] ثم عطفَ النساءَ على القومِ فقالَ: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: آية ١١] فَدَلَّ على عدمِ دخولِ النساءِ في القومِ بحسبِ الوضعِ العربيِّ، وَدَلَّ عليه أيضًا قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سلمى (^٣):
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ
فَعَطَفَ النساءَ على القومِ، فَدَلَّ على أنهن غيرُ داخلاتٍ في اسمِ القومِ وَضْعًا؛ لأَنَّ الأصلَ عدمُ التكرارِ، وعدمُ عطفِ الشيءِ على ما هو أعمُّ منه أو أخصُّ إلا بدليلٍ. والدليلُ على دخولِ الإناثِ في القومِ بِحُكْمِ التبعِ قولُه تعالى في بلقيسَ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: آية ٤٣] فَصَرَّحَ بأنها من قومٍ كَافِرِينَ. أَدْخَلَهَا في اسمِ القومِ تَبَعًا.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من هذه السورة.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
وقولُه: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٥٨] مفعولُه محذوفٌ، أي: يشكرونَ لله نِعَمَهُ. وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن مِنْ أعظمِ إنعامِ اللهِ هو هذا القرآنُ العظيمُ وتصريفُ الآياتِ فيه وَبَيَانُهَا للناسِ؛ لأن أعظمَ النعمِ هو إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ وبيانُ ما فيه من الآياتِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ، ومما يستجلبُ المعاطبَ والمخاوفَ، ومما يستجلبُ السلامةَ؛ وَلِذَا بَيَّنَ اللَّهُ أن إنزالَه فضلٌ كبيرٌ على الخلقِ لَمَّا قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقسَّمهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وَبَيَّنَ أن إنزالَ القرآنِ العظيمِ أكبرُ فَضْلٍ، قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٢] أي: الفضلُ الكبيرُ من اللهِ عليهم حيثُ أَنْزَلَ لهم كتابَه يُتْلَى، مَحْفُوظًا، يُبَيِّنُ لهم ما يُقَرِّبُهُمْ إلى رَبِّهِمْ، وما يُبْعِدُهُمْ من النارِ، وما يهذبُ نفوسَهم ويربِّي أرواحَهم، ويرفعُ أخلاقَهم، وَيُبَيِّنُ لهم مكارمَ الأخلاقِ، إلى غيرِ ذلك؛ وَلِذَا قال هنا: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ فَبَيَّنَ أن تفصيلَ الآياتِ لإيضاحِها في هذا القرآنِ نعمةٌ عُظْمَى من اللَّهِ يستحقُّ أن يُشْكَرَ عليها؛ وَلِذَا عَلَّمَ خَلْقَهُ أن يحمدوه على هذه النعمةِ العظمى التي هي إنزالُ القرآنِ، قال في أولِ الكهفِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (١)﴾ [الكهف: آية ١] فقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن يحمدوه أعظمَ الحمدِ على هذه النعمةِ العظمى الكبرى التي هي إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ، وأشارَ لذلك بقولِه هنا: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.
وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا (^١) أن أصلَ الشكرِ في لغةِ العربِ رُبَّمَا يُرَادُ به: الظهورُ، وَلِذَا تُسَمِّي العربُ الغصنَ الذي يَنْبُتُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
في الجذعِ الذي كان مقطوعًا تُسَمِّيه (شكيرًا) لأنه ظَهَرَ [١٠/ ب] بعدَ أن لم يكن هناك شيءٌ ظاهرٌ، وتقول العربُ: ناقةٌ شكورٌ. إذا كان / يظهرُ عليها آثارُ السِّمَنِ. والمرادُ به في اللغةِ: أن يكونَ أثرُ نِعَمِ اللَّهِ ظاهرًا على عَبْدِهِ، فلَا يجحدُه ولا يكفرُ به، ولَا يجحدُ نِعَمَهُ، ولا يستعينُ بها على ما لا يُرْضِيهِ.
وقد بَيَّنَّا أن القرآنَ جاء فيه شكرُ الربِّ لعبدِه وشكرُ العبدِ لِرَبِّهِ (^١). جاء شكرُ الربِّ لعبدِه في قولِه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: آية ١٥٨] ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: آية ٣٤] وشكرُ العبدِ لربه كقولِه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] وقولِه هنا: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: آية ١٥٢] وَبَيَّنَّا أن بعضَ العلماءِ يقولُ: إن شكرَ الربِّ لعبدِه هو أن يثيبَه الثوابَ الجزيلَ من عملِه القليلِ. وشكرُ العبدِ لربِّه: هو أن يستعملَ نِعَمَهُ في مرضاةِ رَبِّهِ، فنعمةُ العينِ: أن لا ينظرَ بها إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وامتنَّ بها، وشكرُ نعمةِ اليدِ أن لا يبطشَ بها إلا فيما يُرْضِي مَنْ خلقها وَامْتَنَّ بها، وشكرُ نعمةِ الرِّجْلِ: أن لَا يمشيَ بها إلا إلى ما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وَامْتَنَّ بها، وشكرُ المالِ: أن لَا يستعينَ به ويصرفَه إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهُ وَامْتَنَّ به، وهكذا.
وَبَيَّنَّا أن العبدَ الذي يستعينُ بِنِعَمِ اللَّهِ على معاصِي اللهِ أنه بالغٌ من اللؤمِ والوقاحةِ شيئًا لا يقادر قدره، فَمِنْ أعظمِ الناسِ لؤمًا، وأشدِّهم وقاحةً، وأقلهم حياءً هو مَنْ يستعملُ نِعَمَ خالقِ السماواتِ والأرضِ التي أَنْعَمَهَا عليه يستعملُها ويستخدمُها في معصيتِه وفيما يسخطه. فهذا الإنسانُ ليس في وجهِه ماءٌ يستحي به،
_________________
(١) السابق.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
فهو من أقلِّ الناسِ حياءً وَأَلأَمِهِمْ وَأَخَسِّهِمْ، وكيف يجملُ بعبدٍ مسكينٍ ضعيفٍ أن يُنْعِمَ عليه خالقُ السماواتِ والأرضِ نِعَمَهُ الكثيرةَ بفضلِه ورحمتِه ثم يستعينُ بِنِعَمِ خالقِه على معصيةِ خالقِه وما يُسْخِطُ خالقَه، فهذا أقبحُ اللؤمِ وأخسُّه، وصاحبُه أقلُّ الناسِ حياءً وأشدُّهم وقاحةً.
وَبَيَّنَّا أن (^١) مادةَ (شكر) في لغةِ العربِ أنها تتعدى إلى النعمةِ بنفسِها بدونِ حرفِ الجرِّ. تقولُ: شكرتُ نعمةَ اللهِ. وهذا أمرٌ لا خلافَ فيه. ومنه قولُه: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: آية ١٩] فإذا كان الشكرُ شكرَ نعمةٍ تَعَدَّى إليه الفعلُ بنفسِه بِلَا خلافٍ. أما شكرُ المنعمِ فاللغةُ الفصحى التي نَزَلَ به القرآنُ أن يُعَدَّى الشكرُ إلى المنعمِ باللامِ فتقولُ: «شُكْرًا لك». وتقولُ: «أنا أشكرُ لَكَ» ولَا تقول: «أنا أَشْكُرُكَ». وتقول: «نحمدُ اللهَ ونشكرُ له» ولا تقول: «ونشكره». وهذه هي اللغةُ الفصحى، تعديتُه باللامِ هي اللغةُ الفصحى التي لا شكَّ في أنها أفصحُ، وهي لغةُ القرآنِ؛ لأنه ما جاء في القرآنِ مُعَدًّى إلى المنعمِ إلا باللامِ، كقولِه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان: آية ١٤] ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: آية ١٥٢] ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] ولم يَقُلْ في آيةٍ واحدةٍ: اشكرني. بتعديةِ الفعلِ إلى المفعولِ دونَ اللامِ. ومن هنا شَذَّ قومٌ من علماءِ العربيةِ فقالوا: (أحمدُه وأشكرُه) لَحْنٌ، ولا يجوزُ (وأشكره) وإنما يجوزُ: (وأشكر له) ولكنهم غلطوا؛ لأن اللغةَ الفصحى هي (وأشكر له) ولكن (وأشكره) بتعديةِ الفعلِ إلى المنعمِ بلَا واسطةِ حرفِ جرٍّ لغةٌ معروفةٌ مسموعةٌ في كلامِ العربِ، وقد بَيَّنَّا فيما مضى
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٤١ ]
شواهدَها. ومن شواهدِها قولُ أبي نخيلةَ (^١):
شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي
فهذا الشاعرُ الفصيحُ. قال: «شكرتُك» بالكافِ ولم يَقُلْ: «شكرتُ لك» ومنه قولُ جميلِ بنِ معمرٍ في شعرِه المشهورِ (^٢):
خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا عَلَى عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي
فقال: «شكرتُكما» ولم يَقُلْ: «شكرتُ لكما» فَتَبَيَّنَ من هذا أن مادةَ (شكر) تَتَعَدَّى إلى النعمةِ مفعولًا بنفسها، وإلى المنعمِ باللامِ في اللغةِ الفصحى، وربما تَعَدَّتْ إلى المنعمِ بنفسِها بدونِ حرفِ جَرٍّ. وهذا معنَى قولِه: ﴿نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨].
والتفصيلُ ضِدُّ الإجمالِ (^٣)، أي: نَأْتِي بها مفصلةً مفصلةً، آيةً بعدَ آيةٍ، وموعظةً بعدَ موعظةٍ، في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ.
﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَنَا في ذلك البيانِ؛ لأَنَّ بيانَ اللهِ فيما ينفعُ وما يضرُّ من أعظمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ على خَلْقِهِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) قرأ الشيخ (﵀) الآية: (نفصل) وهي: (نصرف) ثم فسرها بناء على ذلك.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: آية ٥٩] قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا الكسائيَّ: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهِ﴾ وَقَرَأَ الكسائيُّ من السبعةِ: ﴿ما لكم من إلهٍ غَيْرهِ﴾ (^١).
وقرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو: ﴿إنيَ أخاف عليكم﴾ بفتحِ ياءِ المتكلمِ. وقرأَ الباقونَ: ﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بإسكانِ الياءِ (^٢). والجميعُ لغةٌ.
أما قراءةُ الكسائيِّ: ﴿ما لكم من إله غَيْرِه﴾ فـ (غَيْرِه) نعتٌ للإلهِ وهو مجرورٌ بـ (من). وأما على قراءةِ الجمهورِ: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فالنعتُ راجعٌ للمحلِّ؛ لأَنَّ الأصلَ: (ما لكم إله غيره) فَجُرَّ المبتدأُ بـ (من) لتوكيدِ النفيِ، فهو مخفوضٌ لفظًا مرفوعٌ مَحَلًاّ، والتابعُ للمخفوضِ لفظًا المرفوعُ محلًاّ يجوزُ رفعُه نظرًا إلى المحلِّ، وخفضُه نَظَرًا إلى اللفظِ كما هو معروفٌ في علمِ العربيةِ (^٣).
واللامُ في قولِه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ هي جوابُ قسمٍ محذوفٍ: واللهِ لقد أرسلنا. وهذه اللامُ الموطئةُ للقسمِ إذا جاءت مع الفعلِ الماضِي لا تكادُ العربُ تُجَرِّدُهَا من (قد)، تأتِي معها بـ (قد) التحقيقيةِ دائمًا، حتى زَعَمَ بعضُ العلماءِ أن (قد) واجبةٌ معها إن كانت بعدَ اللامِ
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٠.
(٢) المصدر السابق ص٢١٩، الإتحاف (٢/ ٥٣).
(٣) انظر: حجة القراءات ص٢٨٦، الإتحاف (٢/ ٥٢).
[ ٣ / ٤٤٣ ]
الموطئةِ للقسمِ قبلَ فعلٍ مَاضٍ. والتحقيقُ أنه لغةٌ فصحى كثيرةٌ ربما نَطَقَتِ العربُ بغيرِها فجاءت باللامِ والماضي دونَ (قد)، وهو مسموعٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ امرئِ القيس (^١):
حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حَلفْةَ فَاجِرٍ لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِي
ولم يقل: لقد ناموا.
واللهِ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ﴿نُوحًا﴾ هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ. والمؤرخونَ يقولونَ: إنه ابن لمك بن متوشَلَخ بن خنوخ، ويزعمونَ أن خنوخَ هو إدريسُ، وأن نوحًا من ذريةِ إدريسَ. هكذا ذَكَرَهُ غيرُ واحدٍ من المفسرين (^٢). وأن إدريسَ قَبْلَ نوحٍ، وجاء في بعضِ رواياتِ حديثِ الإسراءِ ما يدلُّ على أن نوحًا ليس من ذريةِ إدريسَ، لأنه إذا سَلَّمَ على أجدادِه كإبراهيمَ ونوحٍ وَمَنْ جرى مجرَاهم يقولونَ: مَرْحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الكريمِ. وإدريسُ لم يَقُلْ مرحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ، وإنما قال: والأخِ. كما جاءَ في بعضِ رواياتِ حديثِ المعراجِ (^٣) كما هو معروفٌ، وأكثرُ المؤرخين على هذا.
ونوحٌ هو أولُ نَبِيٍّ بعثَه اللهُ في الأرضِ بعدَ أن صارَ الكفرُ في الأرضِ، وَعُبِدَتْ فيها الأصنامُ، وَعُبِدَ فيها غيرُ اللهِ. فأولُ رسولٍ أُرْسِلَ بمنعِ عبادةِ الأصنامِ وتوحيدِ اللهِ بعبادتِه هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ، وقد ثَبَتَ في أحاديثِ الشفاعةِ التي تكادُ
_________________
(١) البيت في ديوانه ص١٢٥، و«الصالي»: المستدفئ بالنار.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٤) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٦١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
أن تكونَ متواترةً أن آدمَ يقولُ لهم: اذهبوا إلى نوحٍ فإنه أولُ نبيٍّ بعثَه اللهُ في الأرضِ (^١). وَذَكَرَ المؤرخونَ وأصحابُ الأخبارِ أن بَيْنَ نوحٍ وآدمَ عشرةُ قرونٍ كُلُّهَا كانت على دينِ الإسلامِ، وكان في قومِ نوحٍ رجالٌ صالحونَ من أفاضلِ الناسِ في العبادةِ والزهدِ وطاعةِ اللهِ، وهم: وَدّ، ويغوث، ونَسْر، ويعوق (^٢)، فلما ماتوا صَوَّرَ قومُهم صورَهم وَبَنَوْا عليهم مساجدَ، وصاروا إذا نظروا إلى صُوَرِ أولئك الصالحين بَكَوْا بكاءً شديدًا ونشطوا في العبادةِ لِمَا يعلمونَ من صلاحِ أولئك القومِ وما كانوا عليه من العبادةِ، فَتَطَاوَلَ بهم الزمانُ حتى مات أهلُ العلمِ وَبَقِيَ الجهالُ فجاءهم الشيطانُ فقال لهم: إنما كانوا يعبدونَ هؤلاء وَيُسْقَوْنَ بها. فعبدوهم، وذلك أولُ كفرٍ وقعَ في الأرضِ.
وَعُلِمَ بذلك أن أولَ كفرٍ وقع في الأرضِ إنما جاءَ عن طريقِ التصويرِ، فكثيرٌ من الناسِ الذين لا يفهمونَ يقولونَ: هؤلاء الْمُنْتَسِبُونَ للعلمِ يُشَدِّدُونَ النكيرَ في التصاويرِ وَيُحَرِّمُونَ التصويرَ، والتصويرُ ليس فيه جنايةٌ على مالٍ، ولا على نَفْسٍ، ولا على عِرْضٍ، فَأَيُّ ذنبٍ عظيمٍ في التصويرِ، وَأَيُّ بأسٍ فيه؟ ويظنونَ لجهلهم أن أمرَه خفيفٌ.
والتصويرُ له أثرُه البالغُ في إفسادِ الدنيا وإفسادِ الدينِ أَوَّلًا وَآخِرًا، أما أولًا: فالتصويرُ هو سببُ أولِ كفرٍ وَقَعَ في الأرضِ تحتَ السماءِ، أولُه تصويرُ صورِ أُولئك القومِ الصالحين الذين صَوَّرُوهُمْ بقصدٍ حَسَنٍ، وكانوا إذا رأوا صورَهم بَكَوْا وأنابوا إلى اللهِ، وجَدُّوا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) لم يذكر سواعًا.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
في العبادةِ بما كانوا يعلمونَ من صلاحِ أولئك القومِ الذين صَوَّرُوا صُوَرَهُمْ، ثم تطاولَ بهم الزمانُ إلى أن كَانَتْ تلك الصورُ أوثانًا تُعْبَدُ من دونِ اللهِ؛ ولذا عَارَضُوا نبيَّ اللهِ نوحًا في عبادتهم أشدَّ المعارضةِ: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: الآيتان ٢٣، ٢٤] فَعُلِمَ أن التصويرَ كان أولَ جنايةٍ شركيةٍ وَقَعَتْ في الدنيا. وهذا الأثرُ السيئُ التاريخيُّ يدلُّ على عِظَمِ شَرِّهِ قَبَّحَهُ اللهُ.
وكذلك في الآخِرِ كان من أعظمِ الأسبابِ التي ضَيَّعَتْ أخلاقَ المسلمين وَذَهَبَتْ بعقولهم ومكارمهم؛ لأن الذين يريدونَ ضياعَ الإسلامِ يَسْعَوْنَ كُلَّ السعيِ في أن يُصوروا النساءَ عارياتِ الفروجِ، ويطبعونَ صُوَرَهَا في الصحفِ والمجلاتِ، ويرسلونَها لأقطارِ الدنيا. فإذا رأى الشابُّ الغِرُّ المسكينُ صورةَ فرجِ الخبيثةِ بَادِيًا تَحَرَّكَتْ غريزتُه، وقامت شهوتُه، وَسَافَرَ إلى البلادِ التي تُمْكِنُهُ فيها الحريةَ وإشباعَ رغبتِه الغريزيةِ التي لم يُقَيِّدْهَا تقوى، ولم يَزُمَّهَا إيمانٌ ولا ورعٌ ولا مروءةٌ. فصارَ التصويرُ في الأحوالِ الراهنةِ له أيضًا أثرُه البالغُ في ضياعِ الأخلاقِ، وانتشارِ الرذيلةِ، والقضاءِ على مكارمِ الأخلاقِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - ويكفيه أن الله (جل وعلا) له الأسماءُ الحسنى، والصفاتُ العلى، ومن أسمائِه العظيمةِ التي تَحْتَهَا غرائبُ وعجائبُ تُفَتِّتُ الأكبادَ: اسمُه (المصورُ) جل وعلا، فهو جل وعلا من أسمائِه الأزليةِ التي سَمَّى بها نفسَه (المصور) واسمُه (المصور) تحتَه من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِ قدرتِه ما يُبْهِرُ العقولَ لِمَنْ كان له عقلٌ أو أَلْقَى السمعَ وهو شهيدٌ، ومما يوضحُ عظمةَ هذا الاسمِ وما يشيرُ إليه من كمالِ قدرةِ اللَّهِ وَعِظَمِ عِلْمِهِ وإحاطتِه بكلِّ شيءٍ أن ينظرَ
[ ٣ / ٤٤٦ ]
الواحدُ منكم إلى الحجيجِ يومَ جمرةِ العقبةِ فيجدُ الناسَ بهذه الكثرةِ العظيمةِ مع اختلافِ ألوانِهم وأشكالِهم وبلادِهم وهيئاتِهم، ويجد الجميعَ مَصْبُوبِينَ صَبَّةً واحدةً، الأنفُ موضوعٌ في مَحلِّهِ، والعينانِ في محلهما، والأُذُنَانِ في محلِّهما، والفمُ في محلِّه، وكلُّ عضوٍ موضوعٌ في موضعِه من الجميعِ.
واللهُ يصورُ كلَّ واحدٍ منهم صورةً مستقلةً يطبعه عليها بعلمِه وقدرتِه لا يشاركُه فيها أحدٌ ألبتةَ، فلا يَشْتَبِهُ منهم اثنانِ، وكلُّ صورةٍ طُبِعَ عليها واحدٌ منهم فهي كانت في عِلْمِهِ الأزليِّ قبلَ أن يقعَ ذلك الإنسانُ، فلما وقعَ وقعَ مُصَوَّرًا بالصورةِ التي كانت مهيأةً له في العلمِ السابقِ، ولو جاءَ ملايينُ أضعافَ الحصى من البشرِ لم يَضِقْ علمُ اللَّهِ عن أن يخترعَ لكلِّ واحدٍ منهم صورةً تَخُصُّهُ لَا يشاركُه فيه غيرُه، حتى إن أصواتَهم لم تتشابه، وآثارَهم في الأرضِ لا يختلطُ بعضُها ببعضٍ، وبصماتُ أصابعِهم في الأوراقِ لَا يُشَابِهُ بعضُها بعضًا عندَ مَنْ يعرفُ ذلك، فاللهُ سَمَّى نفسَه (المصورَ) لِمَا تحتَه من هذه الأسرارِ العظامِ والعجائبِ والغرائبِ التي تُبْهِرُ العقولَ، فيأتي هذا الإنسانُ الضعيفُ المسكينُ لِيُنْزِلَ نفسَه منزلةَ العظيمِ الجبارِ المصورِ ويفعلُ كفعلِه؛ ولذا جاء عن النبيِّ ﷺ فِي تشديدِ عذابِ الْمُصَوِّرِينَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أنهم أشدُّ الناسِ عذابًا، وأن ما صَوَّرُوهُ في الدنيا يُؤْمَرُونَ بأن يُحْيُوهُ وَيُعَذَّبُونَ عليه عذابًا شديدًا.
والحاصلُ أن التصويرَ هو سببُ أولِ شركٍ وَقَعَ في الدنيا، وله أثرُه الفعَّال الآنَ في فسادِ الأخلاقِ، وضياعِ شبابِ المجتمعِ كما هو معروفٌ؛ لأَنَّ مِنْ أعظمِ أسبابِ الفسادِ وتغييرِ فِطَرِ شبابِ المسلمين أن يَرَوْا في أوراقِ الصحائفِ والمجلاتِ فروجَ النساءِ - صورها - عارياتٍ، فإذا رأى صورةَ المرأةِ على هيئتِها متجردةً من كُلِّ شيءٍ،
[ ٣ / ٤٤٧ ]
باديةَ الفرجِ، فلا شكَّ أن الشبابَّ الذي ليس عقلُه مَزْمُومًا بإيمانٍ كاملٍ، وورعٍ ومروءةٍ تَامَّةٍ أن ذلك يُحَرِّكُ غريزتَه ويهيجُ طبيعتَه، فتراهم كثيرًا يسافرونَ باسمِ العلاجِ، وباسمِ كذا وكذا من الأعذارِ الكاذبةِ، وإنما مقصدُهم في الحقيقةِ هو أن يُشْبِعُوا رغباتِهم الغريزيةَ مما عَايَنُوا مُنْتَشِرًا من الفسادِ في قعرِ بلادِهم نعوذُ بالله من ذلك، وهذا معنَى قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٩].
ذَكَرَ بعضُ العلماءِ أن قومَ نوحٍ كانوا خَلْقًا كثيرًا مُنْتَشِرِينَ في أقطارِ الدنيا. وبعضُهم يقولُ: إنهم كانوا في بعضِ الأرضِ دونَ بعضِها. ولم يَقُمْ دليلٌ صحيحٌ على عددِهم وكثرتِهم، وهل كانوا يشغلونَ جميعَ نواحِي المعمورةِ أو بعضًا منها؟ ولم يَأْتِ مَنْ هُمْ. واللهُ في القرآنِ لم يُسَمِّهِمْ إلا بقومِ نوحٍ. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ يعنِي: بعدَ أن عَبَدُوا الأصنامَ، وَعَبَدُوا صورَ أولئك الصالحينَ: وَدًّا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، وبعدَ أن فَعَلُوا ذلك أَرْسَلَ اللهُ إليهم نبيَّه نوحًا ليتركوا عبادةَ الأصنامِ ويعبدُوا اللهَ وحدَه، فقال لهم نوحٌ: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] حَذَفَ ياءَ المتكلمِ، والأصلُ: (يا قومي) والمنادَى المضافُ إلى ياءِ المتكلمِ أصلُه فيه الخمسُ اللغاتِ المعروفةِ (^١) منها حذفُ ياءِ المتكلمِ.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] أصلُ العبادةِ في لغةِ العربِ (^٢): الذلُّ والخضوعُ، فكلُّ خاضعٍ ذليلٍ تُسَمِّيهِ (عابدًا) وَكُلُّ ما خُضِّعَ وَذُلِّلَ فَقَدْ عُبِّدَ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في مُعَلَّقَتِهِ (^٣):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) انظر: المفردات (مادة: عبد) ص٥٤٢.
(٣) شرح القصائد المشهورات (١/ ٦٠). وقوله: «تباري» أي: تعارض. والعتاق: الكرام. والناجيات: السريعات. والوظيف: عظم الساق. والمور: الطريق. والمعَبَّد: المذلَّل.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
تُبَارِي عِتاقَ النَّاجِيَاتِ وَأَتْبَعَتْ وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
أَيْ: فوقَ طريقٍ مُذَلَّلٍ بأقدامِ المشاةِ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ.
والعبادةُ في اصطلاحِ الشرعِ (^١): هي التقربُ إلى اللهِ (جل وعلا) وإفرادُه بذلك التقربِ والعبادةِ في جميعِ ما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به على سبيلِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ، فلا يكفي الذلُّ والخضوعُ دونَ المحبةِ، ولا تكفي المحبةُ دونَ الذلِّ والخضوعِ، فلا بد من الجمعِ بينَ الأَمْرَيْنِ. فإن كان الذلُّ والخضوعُ دونَ محبةٍ فالذليلُ الخاضعُ قد يكونُ مُبْغِضًا كَارِهًا لِمَنْ أَذَلَّهُ وأخضعَه، وَمَنْ أَبْغَضَ رَبَّهُ وَكَرِهَهُ فهو في دركاتِ النارِ. والمحبةُ وحدَها إذا لم يكن معها خوفٌ قد يتجرأُ صاحبُها ويكونُ ذَا دلالٍ فيتجرأُ على المقامِ الأقدسِ بما لا يَنْبَغِي. فلا بدَّ أن تكونَ هناكَ محبةٌ، وأن يكونَ هناك خوفٌ وَذُلٌّ وخضوعٌ لله. وضابطُها: هي التقربُ إلى اللهِ بما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به بإخلاصٍ، على النحوِ الذي شَرَعَ، فلا يرضى اللهُ أن يعبدَ بغيرِ ما شَرَعَ. فلا بد أن تكونَ بما شَرَعَ مطابقة للشرعِ، مُخلَصًا فيها لله وحدَه (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] ليس لكم من إِلَهٍ غيره.
قولُه هنا: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] أصلُه مبتدأٌ زِيدَتْ قَبْلَهُ (من) والمقررُ في فَنِّ الأصولِ: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ ظاهرةٌ في العمومِ، أما إذا دَخَلَتْ عليها (مِنْ) الْمَزِيدَةِ لتوكيدِ النفيِ
_________________
(١) انظر: الكليات ص٥٨٣.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
فإنها تنقلُها من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ (^١). فلو قيل: «ما لكم إلهٌ غيره» كان ظاهرًا في العمومِ. فإن قيل: «ما لكم من إله غيره». كان نصًّا صريحًا في العمومِ، وقد تُزَادُ (مِنْ) قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ لتنقلَه من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ، تَطَّرِدُ زِيَادَتُهَا هكذا بهذا المعنَى في اللغةِ العربيةِ في ثلاثةِ مواضعَ لَا رابعَ لها (^٢):
الأولُ: أن تُزَادَ قبلَ المبتدأِ كما هنا، كقولِه: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أصلُه: (ما لكم إلهٌ غيره).
الثانِي: أن تزادَ قبلَ الفاعلِ، نحو: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ [المائدة: آية ١٩]، الأصلُ: (ما جاءنا بشير) فالمجرورُ بها فاعلٌ أصلًا.
الثالثُ: أن تزادَ قبلَ المفعولِ به، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾ [الأنبياء: آية ٢٥] الأصلُ: (وما أرسلنا من قبلك رسولًا).
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] على قراءةِ الجمهورِ فِي ﴿غَيْرُهُ﴾ نعتٌ لِمَحَلِّ الإلهِ؛ لأن أصلَه مرفوعٌ. وعلى قراءةِ الكسائيِّ فهو نعتٌ للفظِ الإلهِ؛ لأنه مجرورٌ بـ (مِنْ) (^٣) وقد قَدَّمْنَا أن (الإلهَ). (فِعَال) بمعنَى (مفعولٍ) أي: معبودٌ، فالإِلَهَةُ في اللغةِ: العبادةُ. والإلهُ: المعبودُ. وفي قراءةِ ابنِ عباسٍ:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٠، حجة القراءات ص ٢٨٦.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
أي: وعبادتك. فالإلهُ معناه المعبودُ الذي يعبدُه خَلْقُهُ بِذُلٍّ وخضوعٍ ومحبةٍ إليه (جل وعلا). وقد قَدَّمْنَا أن إتيانَ (الفِعَالِ) بمعنَى (المفعولِ) مسموعٌ في اللغةِ وليس بِمُطَّرِدٍ، ومنه: (إله) بمعنَى: مألوه، و(كتاب) بمعنَى: مكتوبٍ، و(لباس) بمعنَى: ملبوس، و(إمام) بمعنَى: مُؤْتَمٍّ به، في أوزانٍ معروفةٍ، وهذا معنَى: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١).
﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] ﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تُفْرِدُوا رَبَّكُمْ بالعبادةِ وَتُخْلِصُوا له بالعبادةِ وتتركوا عبادةَ الأوثانِ: ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن متم على ذلك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو [يومُ القيامةِ، يعنى] (^٢) أن مَنْ مات يعبدُ غيرَ اللهِ لَقِيَهُ العذابُ العظيمُ. والعظيمُ هنا نعتٌ لليومِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أنه نعتٌ للعذابِ جُرَّ بالمجاورةِ؛ لأن مِنْ عَادَةِ العربِ أن تُنَوِّهَ بالأيامِ وتُشنِّعَهَا مع أنها ظروفٌ وأزمانٌ نَظَرًا لِمَا يَقَعُ فيها. يقولونَ: يومٌ ذُو كواكبَ، يومٌ أشنعُ، يومٌ عصيبٌ. ومنه قولُ نَبِيِّ اللهِ لوطٍ: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: آية ٧٧] ونظيرُه قولُ الشاعرِ (^٣):
وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ وقَدْ سَلَكوُكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ
ومنه قولُه تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: آية ١٧ - ١٨] فاليومُ (^٤) تُذَكِّرُهُ العربُ وتُهوِّلُ شأنَه نَظَرًا لِمَا يقعُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٤) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٥١ ]
فيه، أما نفسُ اليومِ في حَدِّ ذاتِه فهو ظرفٌ من الظروفِ، وإنما المرادُ تهويلُه بما يقعُ فيه. وهذا معنَى: ﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] والآيةُ لها صُورَتَانِ: إن كان مقصودُه أنه يخافُ عليهم عذابَ يومٍ عظيمٍ في دارِ الدنيا وقتَ طَمَعِهِ في إيمانِهم فلَا إشكالَ في الآيةِ. ومعنَى خوفِه عليهم: أنه يخافُ ألا يتوبوا فيموتوا كافرين. فيكونُ الخوفُ في موقعِه، وهو أنهم في دارِ الدنيا يحتملُ أن يؤمنوا فلا يُعذبوا، ويُخاف أن يتمادوا على الكفرِ حتى يَمُوتُوا فيعذبوا. فيكونُ الخوفُ في موقعِه. وعلى قولِ مَنْ يقول: أخافُ عليكم العذابَ إن متم على الكفرِ فيتعينُ أن تُحمل (أخافُ) بمعنَى أعلمُ؛ لأن نوحًا عَالِمٌ كُلَّ العلمِ بأنهم إن ماتوا كُفَّارًا عُذِّبوا عذابًا عظيمًا لَا شَكَّ فيه. والعربُ تُطْلِقُ الخوفَ وتريدُ به العلمَ كما هو معروفٌ في لغتِها.
وقال بعضُ العلماءِ: منه قولُه: ﴿إِلَاّ أَنْ يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٢٢٩] قالوا: معناه: إلا أن يَعْلَمَا ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾: فإن عَلِمْتُمْ. وقد ذَكَرْنَا مرارًا أن مِنْ شَوَاهِدِ إتيانِ الخوفِ بمعنَى العلمِ قولُ أبي مِحْجَنٍ الثقفيِّ في أبياتِه المشهورةِ (^١):
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمةٍ تُروِّي عِظَامِي بِالْمَمَاتِ عُرُوقُهَا
وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مُتُّ أَلَاّ أَذُوقَهَا
وهو يعلمُ عِلْمًا يقينًا أنه إذا ماتَ ليس شاربًا للخمرِ بعدَ موتِه كما لَا يَخْفَى. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
فأجابه قومُه شَرَّ جوابٍ وَأَخَسَّهُ وأقبحَه: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٦٠] الملأُ: أشرافُ الجماعةِ وَذُكُورُهَا الذين ليس فيهم امرأةٌ. قيل سُمُّوا (ملأً) لأنهم يملؤون صدورَ المجالسِ بقامتِهم الوافيةِ، أو يملؤونَ صدورَ الناظرِ لأُبَّهَتِهِمْ وَجَمَالِهِمْ، أو أنهم يَتَمَالَؤُونَ على العقدِ والحلِّ فيتفقونَ عليه. أي: قال أشرافُ جماعتِه ورؤساؤُهم وأهلُ الحلِّ والعقدِ منهم: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ لَنَعْتَقِدُكَ يا نوحُ ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٠] أي: في ذَهَابٍ عن طريقِ الحقِّ بَيِّنٍ واضحٍ حيث جِئْتَنَا لِتَصْرِفَنَا عما كانَ يعبدُ آباؤُنا، فهذا التوحيدُ الذي جِئْتَنَا به وإفرادُ اللهِ بالعبادةِ نَرَاكَ في ضلالٍ وَذَهَابٍ عن الحقِّ مبينٍ واضحٍ.
وقد قَدَّمْنَا (^١) أن (المُبِيْن) هو اسمُ فاعلِ (أَبَانَ) وأن العربَ تستعملُه استعمالين كِلَاهُمَا في القرآنِ. تقولُ العربُ: أَبَانَ الأَمْرُ يَبِينُ. من (أبان) اللازمةِ. فهو بَيِّنٌ ومُبِينٌ. وعلى هذا فالمُبِينُ صفةٌ مشبهةٌ من (أبان) اللازمةِ بمعنَى (بَيَّنَ) وعليه: في ضلالٍ بَيِّنٍ. أَي: واضحٍ لَا إشكالَ فيه. وهذا المعنَى كثيرٌ في كلامِ العربِ - إطلاقُ (أبانَ) لازمةً - ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ (^٢):
قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ
قولُه: «عتق مبين» أي: كَرَمٌ ظَاهِرٌ. ومن (أبان) لازمة بِمَعْنَى: (بان) قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ المخزوميِّ (^٣):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ
يعنِي: لَظَهَرَ من آثارِ النملِ على جِلْدِهَا ورمٌ لرقةِ بَشْرَتِهَا. ومنه قولُ جريرٍ (^١):
إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ الْعِرَابِ
أَيْ: ظهرَ المقرفات من العراب.
الوجهُ الثاني: تستعملُ (أبان) اسم فاعلِ (أبان) المتعدية، أبانَه يُبِينُهُ. فاسمُ الفاعلِ (مبين) واسمُ المفعولِ (مُبان) كما هو معروفٌ. والظاهرُ أن هذه هنا من اللازمةِ.
ومعنَى: ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ضلالٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ، من (أبان) اللازمةِ.
قال نوحٌ مُجِيبًا لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: آية ٦١] هم قالوا: إنه في ضلالٍ كثيرٍ. وهو نَفَى أن تكونَ معَه ضلالةٌ فردٌ واحد، وإذا انتفى عنه فردٌ واحدٌ من أفرادِ الضلالةِ فانتفاءُ غيرِه أَنْفَى وَأَنْفَى: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ ولا حَيْدُودَةٌ عن طريقِ الحقِّ، بل أنا على حقٍّ وعلى طريقٍ مستقيمٍ، ولكنِّي غيرُ ضَالٍّ.
﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦١] أُرْسِلْتُ إليكم مِنْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما ومدبرِ شؤونِ الجميعِ. وقد بَيَّنَ في الشعراءِ أن (العالمين) يشملُ السماءَ والأرضَ وَمَنْ فيهما وما بينَهما في قولِه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤].
_________________
(١) السابق.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ﴾ قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا أبا عمرٍو: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: آية ٦٢] بفتحِ الباءِ وتشديدِ اللامِ. وقرأَه أبو عمرو وحدَه: ﴿أُبْلِغُكُمْ رسالات ربي﴾ (^١) الأُولَى: من التبليغِ، والثانية من الإبلاغِ (^٢). وَسَمَّى رسالاتِه رسالات؛ لأنها في نواحٍ متعددةٍ (^٣).
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ العربُ تقولُ: نَصَحَهُ وَنَصَحَ له، و(نصح له) أكثرُ. ومعناه: ﴿أَنْصَحُ لَكُمْ﴾ أَبْغِي لكم النصيحةَ خالصةً من شوائبِ الغشِّ جميعِه، بل إنما أُعْطِيكُمُ النصيحةَ صافيةً خالصةً من شائبةِ الغشِّ، أدعوكم إلى اللَّهِ: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٦٢] أعلمُ من رَبِّي ما لا تعلمونَه، ومن جملةِ ذلك أنكم إن عصيتموني، وَمُتُّمْ على كفرِكم أنكم تَلْقَوْنَ العذابَ العظيمَ والإهانةَ الكبرى والخلودَ في دركاتِ النارِ، وأنكم إن أطعتموني دخلتُم الجنةَ وخلدتُم في نعيمِ اللهِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: بوحيٍّ من الله جل وعلا.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٠.
(٢) انظر: حجة القراءات ص٢٨٦ - ٢٨٧.
(٣) في هذا الموضع وقع للشيخ (﵀) وهم حيث ظن أنه تكلم على الآية رقم (٦٨) والتي فيها قول نبي الله هود (﵊)؛ ولذا قال (﵀) هنا: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا قول نبي الله نوح، والذي فسرنا الآن قول نبي الله هود كما سيأتي في قصته» ا. هـ. والواقع أن كلام الشيخ (﵀) في تفسير الآية على وجهه لم يقع فيه وَهْم في الحقيقة؛ ولذا لم نثبت استدراك الشيخ (﵀) في الأصل وإنما اكتفينا بالتنبيه على ذلك في الحاشية. وانظر ما ذكره عند تفسير الآية (٦٥) من هذه السورة.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
[١١/ أ] / قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾ [الأعراف: الآيتان ٦٣ - ٦٤].
يقول اللهُ جل وعلا: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾ [الأعراف: الآيتان ٦٣، ٦٤].
هذا مما قَصَّ اللهُ علينا من قصصِ أنبيائِه مع أُمَمِهِمْ. لَمَّا قال نوحٌ لقومِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] وَرَدُّوا عليه ذلك الردَّ القبيحَ الشنيعَ، وقالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٠] وقابل سفاهتَهم وَجَهْلَهُمْ وَقُبْحَ رَدِّهِمْ بالكلامِ اللطيفِ، والجوابِ الكريمِ الخالِي من بذاءةِ اللسانِ، اللَّيِّنِ كما هي عادةُ الرسلِ في مخاطباتِهم مع الكفرةِ الجهلةِ: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ [الأعراف: الآيتان ٦١، ٦٢] قال أيضًا لقومِه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٦٣] أَجْرَى اللهُ العادةَ بأن الأممَ إذا بُعِثَ فيهم رُسُلٌ منهم يقولونَ: لو كان اللَّهُ مُرْسِلًا رسولًا لَمَا جَعَلَهُ بَشَرًا يأكلُ الطعامَ، ويشربُ كما نشربُ، ويروحُ إلى السوقِ ليقضيَ حاجتَه، ويتزوجُ، ويولدُ له! لو كان مُرْسِلًا رسولًا لأَرْسَلَ الملائكةَ؛ لأَنَّ لهم هيبةً ليست عندَ الآدَمِيِّينَ، وعلاماتٍ تميزهم عن الآدميين. ويقولونَ للرسلِ: أنتم بشرٌ مثلُنا، تأكلونَ كما نأكلُ، وتشربونَ كما نشربُ، وتذهبونَ إلى
[ ٣ / ٤٥٦ ]
الأسواقِ لقضاءِ حاجاتِكم كما نفعلُ، وتتزوجونَ كما نتزوجُ، ويولدُ لكم كما يُولَدُ لنا، فأنتم بشرٌ مثلُنا لا يمكنُ أن نكونَ لكم تَبَعًا، وأن تكونوا أفضلَ منا بحيثُ تكونونَ آمِرِينَ نَاهِينَ علينا!! هذه عادةٌ أَجْرَاهَا اللهُ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء: آية ٩٤] كيف يبعثُ اللهُ بشرًا يأكلُ ويشربُ، ويذهبُ إلى السوقِ؟ وهذا كثيرٌ في القرآنِ (^١)
﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ﴾ [القمر: آية ٢٤] لا يمكن هذا ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن: آية ٦] ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: آية ١٥] ﴿مَا هَذَا إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ [المؤمنون: الآيتان ٣٣، ٣٤] فيعجبونَ من أن الله يبعثُ الرسلَ من البشرِ، ويستنكرونَ هذا الأمرَ. والرسلُ تُبَيِّنُ لهم أن هذا لا عجبَ فيه؛ لأن اللهَ ما أرسلَ إلى الأممِ إلا رُسُلًا منهم، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالًا﴾ [يوسف: آية ١٠٩] لم نُرْسِلْ قَبْلُ ملائكةً. وقال (جل وعلا) لَمَّا قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: آية ٧] قال الله: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: آية ٢٠] إلى غير ذلك.
ومن هذا القبيلِ قال نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ لقومِه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٦٣] هذه الهمزةُ التي تأتِي بعدَها أداةُ عطفٍ كالواوِ والفاءِ وَثُمَّ، الأكثرونَ من علماءِ العربيةِ على أن الهمزةَ تتعلقُ بجملةٍ محذوفةٍ، وأن الواوَ إنما فُتِحَتْ لأنها عاطفةٌ على الجملةِ المحذوفةِ الذي دَلَّ عليه
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٢/ ٣٢٣) ..
[ ٣ / ٤٥٧ ]
المقامُ (^١). وهذا هو الوجهُ المختارُ من الوَجْهَيْنِ، واعتمدَه ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقولِه (^٢):
وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ
وتقديرُ المحذوفِ: أكفرتُم وَكَذَّبْتُمُونِي وعجبتُم أيضًا من أن جاءَكم ذِكْرٌ من ربكم، أي: أكفرتُم وعجبتُم؟ إنكارٌ لكفرِهم، وإنكارٌ لعجبهم المعطوفِ عليه؛ لأن كل هذا ليس محلَّ استنكارٍ.
والعَجَبُ معروفٌ، وهو أن يستغربَ الإنسانُ الشيءَ ويستبعدَه كأنه ليس من المألوفِ وجودُ نظيرِه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ [الأعراف: آية ٦٣] أي: أَكَفَرْتُمْ وعجبتُم؟ أي: تعجبتُم واستغربتُم من ﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٦٣] أي: جاءكم ذِكْرٌ. أي: موعظةٌ. المرادُ بِالذِّكْرِ هنا: موعظةُ اللهِ التي أَنْزَلَهَا على نَبِيِّهِ نوحٍ من توحيدِ اللهِ الخالصِ وعبادتِه وحدَه (جل وعلا)، والوعظِ الذي يُلَيِّنُ القلوبَ، والزجرِ عن عبادةِ غيرِ اللهِ، فهذا الذكرُ الذي جاءَهم، (ذكر) أي: وعظٌ نازلٌ من الله.
﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٦٣] على لسانِ رجلٍ منكم بَعَثَهُ اللهُ فيكم نَبِيًّا، بعثَه اللهُ بهذا الوعظِ لأَجْلِ أن ينذرَكم. وقد قَدَّمْنَا أن (^٣) (الإنذارَ) أنه الإعلامُ المقترنُ بتهديدٍ خاصةً. فكلُّ [إنذارٍ إعلامٌ وليس كُلُّ إعلامٍ إنذارًا] (^٤)، أي: لينذركم. أي ليخبرَكم برسالاتِ اللهِ، مبلغكم أوامرَه ونواهيَه، مُبَيِّنًا لكم أنكم إن لم تتقوه وتطيعوا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٤) في الأصل: «فكل إعلام إنذار، وليس كل إنذار إعلامًا» وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
رسولَه أنكم سَتَلْقَوْنَ العذابَ الأليمَ والنكالَ الشديدَ.
وكونُ الإخبارِ مُقْتَرِنًا بهذا التهديدِ والتخويفِ من عذابِ اللهِ ونكالِه هو معنَى الإنذارِ. أي: (لينذركم) لأجلِ أن ينذرَكم، يخوفكم عقابَ اللهِ وشدةَ نكالِه وبأسِه إن تماديتُم على كفركم.
﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ [الأعراف: آية ٦٣] علةٌ أُخْرَى. أي: جاءكم ذِكْرٌ من ربكم على لسانِ رَجُلٍ منكم لأَجْلِ أن تتقوا اللهَ وتجعلوا بينَكم وبين سَخَطِهِ وعذابِه وقايةً، هي امتثالُ أمرِ اللهِ واجتنابُ نهيِ اللهِ؛ ولأَجْلِ أن تُرْحَمُوا.
(لَعَلَّ) هنا الظاهرُ فيها أنها تعليليةٌ؛ لأنها معطوفةٌ على مَوْضِعَيْنِ من لامِ كَيْ؛ لأن قولَه: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا﴾ كِلْتَاهُمَا لَامُ كَيْ، فَعَطْفُ (لعل) عليهما يدلُّ على أنها للتعليلِ. وقد قال بعضُ علماءِ التفسيرِ (^١): كل (لَعَلَّ) في القرآنِ فَفِيهَا معنَى التعليلِ إلا التي في سورةِ الشعراءِ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: آية ١٢٩] قالوا: هي بمعنَى: كأنكم تَخْلُدُونَ. هكذا قالوا واللَّهُ أعلمُ.
ولا شكَّ أن (لعلَّ) تأتِي في القرآنِ للتعليلِ، وكذلك تأتِي في كلامِ العربِ، فَمِنْ إتيانِها في القرآنِ ظاهرةً في التعليلِ واضحةً فيه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: آية٧٨] أي: أَنْعَمَ عليكم بنعمةِ الأبصارِ والأفئدةِ لأَجْلِ أن تشكروا نعمَه فتؤمنوا به. وَمِنْ إتيانِ (لعل) في كلامِ العربِ بمعنَى التعليلِ قولُ الشاعرِ (^٢):
فَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
فقولُه: (كُفُّوا الحروبَ لعلنا) أي: كُفُّوا الحروبَ لأَجْلِ أن نَكُفَّ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ هذا الذِّكْرُ الذي أَنْزَلَهُ اللهُ عليكم على لسانِ رجلٍ منكم لا عجبَ فيه وإنما أنزل اللهُ هذا الذي تعجبتُم منه لصلاحِكم:
أولًا: لأَجْلِ أن تتقوا اللهَ بإنذارِ هذا النبيِّ الكريمِ الذي هو مِنْكُمْ.
الثاني: ﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ يخوفكم عقابَ اللهِ، وتتقوا اللهَ، ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ برحمتِه الواسعةِ إذا أقلعتُم عن الكفرِ واتقيتُم اللهَ؛ لأن رحمةَ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ، ولكن الله بَيَّنَ من يكتب لهم رحمتَه في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: الآيتان ١٥٦، ١٥٧] هؤلاء هم الذين يكتب اللهُ لهم رحمتَه؛ ولذا قال نبيُّ اللهِ نوحٌ لقومِه: لا تعجبوا فهذا ليس مَحَلَّ عَجَبٍ، وهذا أمرٌ لا يُعْجَبُ منه؛ لأن اللهَ أَنْزَلَ عليكم ذِكْرًا على لسانِ رَجُلٍ منكم ليخوفَكم من اللهِ، من عبادةِ غيرِه؛ ولأجلِ أن تتقوا رَبَّكُمْ بما يعلمكم ويبلغكم عن الله؛ ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ إن أنتم فعلتُم ذلك. وهذا معنَى قوله: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ثم أعادَ الكلامَ فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ لأنه ذَكَرَ أولًا أنهم كَذَّبُوهُ تكذيبًا شنيعًا حيث قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٠] فَلَمَّا أعادَ عليهم الكلامَ، وَبَيَّنَ لهم أن بعثَه إليهم لا يُسْتَعْجَبُ منه، وأنه لصلاحِهم ليخوفَهم من معاصِي اللهِ، وليتقوا اللهَ فيرحمهم اللهُ عادوا إلى التكذيبِ.
وقال اللهُ هنا: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ عادوا إلى تكذيبِهم الأولِ. والظاهرُ أنه قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ولم يَذْكُرْ شناعةَ قولهم لأنهم تَمَادَوْا على مثلِ قولِهم الأولِ من التكذيبِ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾
[ ٣ / ٤٦٠ ]
يعني لَمَّا كَذَّبُوهُ - في الكلامِ اختصارٌ - صبر على أَذَاهُمْ، ومكثَ تسعمائة وخمسين سنةً وهو يدعوهم إلى الإسلامِ صابرًا على ما يَلْقَى منهم من الأذى، حتى إن رَبَّهُ تعالى قنَّطَه منهم وَبَيَّنَ له أنه لا يؤمنُ منهم أحدٌ أبدًا كما قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: آية ٣٦] فَتَيَقَّنَ نوحٌ أنه لم يَبْقَ يُرْجَى منهم خَيْرٌ، وإنما فيهم الشرُّ، وتعذيبُ نوحٍ وإهانتُه بما ينال منهم من السوءِ، وأنهم كلهم شرٌّ لَا يُرْجَى منهم خيرٌ أبدًا، ولا من نَسْلِهِمْ بعدَ أن مَكَثَ فيهم هذا الزمنَ الطويلَ الذي بَيَّنَهُ اللَّهُ في العنكبوتِ فِي قولِه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: آية ١٤] لَمَّا أعلمَه اللهُ أنهم لا يُرجى لهم صلاحٌ، ولا يُرجى لهم خيرٌ، وأنه لا يؤمنُ منهم ولا من ذرياتهم أحدٌ، لما حَصَلَ هذا اليأسُ عند ذلك دَعَا عليهم في قولِه: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: آية ٢٦] دَيَّارًا: أي: داخل دَارٍ، أو عامر بيتٍ، فأهْلِكْهُمْ كُلَّهُمْ.
ثم قال: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَاّ فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: آية ٢٧] وإنما قال نوحٌ: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَاّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ لأن رَبَّهُ أخبرَه بأنهم لا يؤمنُ منهم أحدٌ في قولِه في سورةِ هودٍ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: آية ٣٦] فَلَمَّا دعا عليهم نوحٌ وَبَيَّنَ اللهُ دعاءَه عليهم فيٍ آياتٍ كثيرةٍ: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: آية ١٠] ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ [الأنبياء: الآيتان ٧٦، ٧٧].
لَمَّا مَكَثَ فيهم هذا الزمنَ الطويلَ وهم يكذبونَه ويؤذونَه، وكانت امرأتُه خبيثةً تَدُلُّهُمْ على مَنْ أَسْلَمَ من القليلين الذين أَسْلَمُوا
[ ٣ / ٤٦١ ]
معه فيعذبونَهم ويهينونَهم أهلكها اللهُ معهم، وصارت مع الكافرين، ودخلتِ النارَ والعياذُ بالله، وَضَرَبَهَا اللهُ مثلًا مع امرأةِ لوطٍ لِمَنْ يكونُ في صحبةِ أفاضلِ الناسِ وخيارِ الأنبياءِ ولا يكونُ في نفسِه طَيِّبًا فلا ينتفعُ بتلك الصحبةِ الكريمةِ لِخُبْثِ نفسِه، قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم: آية ١٠] ومعنَى (خانتاهما) أي: بالكفرِ وإطلاعِ الكفارِ على أسرارِهما، وليس المرادُ أنهما خَانَتَا خيانةَ زِنًى كما تَوَهَّمَهُ بعضُ الناسِ، وأن امرأةَ نوحٍ خَانَتْهُ فَزَنَتْ! واستدلوا بأن اللهَ لَمَّا قال نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قال: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: الآيتانِ ٤٥، ٤٦] فهذا غلطٌ، بل غلطٌ عظيمٌ فاحشٌ. والمحققونَ من أهلِ العلمِ أن اللهَ كرم مناصبَ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، وَطَهَّرَ فُرُشَهُمْ فلم تَزْنِ امرأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، والولدُ الكافرُ الذي أُغْرِقَ هو ابنُ نوحٍ لا شكَّ فيه؛ لأن اللهَ - وهو أصدقُ مَنْ يقولُ - صَرَّحَ بأنه ابنُه حيث قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: آية ٤٢] وقولُ اللهِ له: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ يعنِي بحذفِ الصفةِ، من أهلِك الموعودِ بنجاتِهم وإركابِهم في السفينةِ في قولِه: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: آية ٣٣] لأنه فَارَقَ دينَكم وَكَانَ كافرًا.
فَلَمَّا تَطَاوَلَ الزمنُ على نوحٍ وهو يدعوهم، ولا يزيدُهم دعاؤُه إلا فرارًا وَبُعْدًا عن الحقِّ؛ دعا عليهم فأجابَ اللهُ دعوتَه، فأرسلَ
[ ٣ / ٤٦٢ ]
السماءَ مِدْرَارًا، وَفَجَّرَ عيونَ الأرضِ، فَالْتَقَى الماءُ من أعلى وأسفلَ، حتى صارَ طُوفَانًا غَطَّى على الجبالِ. والدليلُ على أنه غَمَرَ الجبالَ: أن نوحًا لَمَّا قال لولدِه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ وقال الولدُ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ أجابَه نوحٌ فقال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَاّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: الآيتان ٤٢، ٤٣] فَدَلَّ على أنه ليسَ هناك معتصمٌ في الجبالِ؛ وَلِذَا قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ [القمر: الآيات ١٠ - ١٢] فصارَ طوفانًا جارفًا أَهْلَكَ جميعَ مَنْ على وجهِ الأرضِ، مِنْ كُلِّ ما هو حَيٌّ إلا مَنْ كان في تلك السفينةِ، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: آية ١٥] وأمر اللهُ نَبِيَّهُ نوحًا بأن يجعلَ تلك السفينةَ - ويجعلَها بالنجارةِ - وكان ينجرها والأرضُ يبَس، وهم يضحكونَ منه ويسخرونَ ويقولونَ: كنتَ نَبِيًّا فصرتَ نَجَّارًا! وهو يقولُ لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: الآيتان ٣٨، ٣٩] فَلَمَّا قَرُبَ الوعدُ المحددُ لإهلاكِهم قيلَ لنوحٍ: ارْكَبْ في السفينةِ وَاحْمِلْ فيها أهلكَ ومن آمَنَ مَعَكَ، ثم قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ [هود: آية ٤٠] وَأَمَرَ أن يأخذَ من كُلِّ شيءٍ من جميعِ الحيواناتِ زَوْجَيْنِ.
أي: ذَكَرًا وَأُنْثَى؛ لأن جميعَ مَنْ على وجهِ الأرضِ سيهلكه الطوفانُ، ولن يبقى إلا مَنْ فِي تلك السفينةِ، فيكونُ كُلُّ جنسٍ من أنواعِ الحيواناتِ موجود معه منه ذَكَرٌ وأنثى ليتناسلَ ذلك الذكرُ بتلك الأنثى وينشأَ منهما ذلك النوعُ من أنواعِ الحيواناتِ كما يأتي في قولِه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: آية ٤٠] وفي القراءةِ
[ ٣ / ٤٦٣ ]
الأخرى (^١): ﴿مِنْ كُلِّ زوجين اثنين﴾ أي: ذَكَرًا وَأُنْثَى ليقعَ منهما التناسلُ وينتشرَ منهما ذلك النوعُ؛ لأن مَنْ على وجهِ الأرضِ سَيُهْلِكُهُ ذلك الطوفانُ. وذلك يُبَيِّنُ أن ذنوبَ بَنِي آدمَ قد يُهْلِكُ اللهُ بها الجميعَ حتى الحيواناتِ. قال بعضُ العلماءِ: قد تهلك الحبارى في وَكْرِهَا، والجُعْل في جُحْره بذنوبِ بَنِي آدمَ، وقد يهلك اللهُ بني آدمَ بذنوبِ بعضِهم. فإذا انتشرَ الفسادُ في الأرضِ وكانَ الناسُ قادرين على أن يَكُفُّوهُ فلم يكفوه نزلَ البلاءُ فَعَمَّ الصالحَ والطالحَ، كما جاء في الأحاديثِ الكثيرةِ وفي قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: آية ٢٥] وَمِنْ أَوْضَحِ ذلك حديثُ النعمانِ بنِ بشيرٍ الثابتُ في الصحيحِ - المشهور - الذي ضَرَبَ فيه النبيُّ ﷺ مثلًا للناسِ إن أَخَذَتْ على أيدي السفهاءِ، وَمَنَعَتْهُمْ من معاصِي اللهِ، وَأَمَرَتْ بالمعروفِ، وَنَهَتْ عن المنكرِ، وإن لم تَفْعَلْ ذلك، فضربَ لهم مثلًا بقومٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ، فكان بعضُهم في أسفلِ السفينةِ، وكانوا إذا أَرَادُوا أن يشربوا من الماءِ صَعدُوا فَمَرُّوا على مَنْ فَوْقَهُمْ، فقالوا: لَا ينبغي لنا أن نصعدَ ونمرَّ على مَنْ فَوْقَنَا بل نَخْرِقُ السفينةَ مما يَلِينَا، ونشربُ مِمَّا يَلِينَا فلَا نصعد حتى نَمُرَّ على مَنْ بأعلاها. فَبَيَّنَ النبيُّ ﷺ أنهم إن تركوهم وما أرادوا وخرقوا السفينةَ دخلَ الماءُ فيها فامتلأت فغرقَ الجميعُ، وإن زَجَرُوهُمْ وكفوا أيديَهم نَجَوْا ونجا الجميعُ.
نقلنا الحديثَ بالمعنَى، وهو حديثٌ صحيحٌ، ثابتٌ في الصحيحِ (^٢)، مشهورٌ، وهو واضحٌ في أن السفهاءَ
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٣٩.
(٢) البخاري في الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه. حديث رقم (٢٤٩٣) (٥/ ١٣٢)، وطرفه في (٢٦٨٦).
[ ٣ / ٤٦٤ ]
إن لم يُؤْمَرُوا بالمعروفِ وَيُنْهَوْا عن المنكرِ وَيُضْرَبْ على أيديهم أنهم يُهلِكونَ الجميعَ، فيهلك الجميعُ بذنوبهم.
وفي الحديثِ الصحيحِ المشهورِ من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ الحكمِ زينبَ بنتِ جحشٍ (﵂): أنها لَمَّا سَمِعَتِ النبيَّ ﷺ يقولُ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هَكَذَا». وعقدَ التسعينَ مثل هذا. أنها (﵂) لَمَّا سَأَلَتْهُ فقالت: أَنَهْلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» (^١) فإذا انتشرت المعاصي وكثر الخَبَثُ ولم يُضرب على أيدي السفهاءِ أوشكَ اللهُ أن يعمهم بعذابٍ من عندِه؛ ولذا عَمَّ جميعَ مَنْ في الأرضِ بذنوبِ مَنْ كَذَّبُوا نوحًا عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ.
وَلَمَّا دعا عليهم نوحٌ قيلَ لنوحٍ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: آية ٤٠] الذي سَبَقَ عليه القولُ مِنْ أَهْلِهِ: زوجتُه الكافرةُ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وابنُه الكافرُ - والمؤرخونَ يزعمونَ أن اسمَه كَنْعَانُ - فلما رَكِبَ نوحٌ في السفينةِ، وَفَجَّرَ اللهُ عيونَ الأرضِ، وأنزلَ الماءَ من السماءِ فالتقَى الماءُ على أَمْرٍ قد قُدِرَ، أَهْلَكَهُمُ اللهُ بذلك الطوفانِ، ولم يُبْقِ منهم باقيةً. وفي قصتِهم: أن اللَّهَ (﵎) لو كان يرحمُ أحدًا منهم لَرَحِمَ امرأةً منهم في القصةِ؛ لأن عندَها ولدًا صغيرًا تُحِبُّهُ حُبًّا شديدًا، كانت كلما طلع الماءُ ارْتَفَعَتْ بالولدِ إلى الجبلِ، حتى صارت على رأسِ الجبلِ، فَطَمَّ الماءُ على الجبلِ، فكان الماءُ
_________________
(١) البخاري في الفتن، باب قول النبي ﷺ: «ويل للعرب » حديث رقم (٧٠٥٩)، (١٣/ ١١)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة باب: اقتراب الفتن حديث رقم: (٢٨٨٠)، (٤/ ٢٢٠٧).
[ ٣ / ٤٦٥ ]
كُلَّمَا بلغَ شيئًا منها رَفَعَتِ الولدَ، حتى بلغ حلقومَها، رَفَعَتْ يدَها بالولدِ حتى أغرقَ اللهُ الجميعَ (^١)، وَدَمَّرَ اللهُ الجميعَ. واعتذرَ نبيُّ اللهِ نوحٌ عن دعائِه عليهم - مع أن اللَّهَ أَعْلَمَهُ أنهم خبثاءُ ليس فيهم خيرٌ - قال يقولُ لِرَبِّهِ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَاّ فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ. [نوح: الآيات ٥ - ١٠] فالقصةُ اخْتُصِرَتْ هنا في سورةِ الأعرافِ وَبَسَطَهَا اللهُ في سورٍ أخرى متعددةٍ.
ولذا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ [الأعراف: آية ٦٤] أي: أنجيناه هو والذين معَه في الفلكِ، وهم قليلٌ؛ لأن اللهَ قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ [هود: آية ٤٠].
وبعضُ المؤرخين يقولونَ: هم أربعونَ رجلًا وأربعونَ امرأةً، هم ثمانونَ نَفْسًا. وبعضُهم يقولُ: هم تسعةُ أَنْفُسٍ. واللهُ تعالى أعلمُ. ولكن اللَّهَ بَيَّنَ أنهم قليلٌ حيث قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ وقال: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: آية ٣٦] فصارت تلك السفينةُ تجري بهم تتلاطمُ عليها الأمواجُ كما قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: آية ٤٢] الأمواجُ كأنها الجبالُ، وهذا يدلُّ على عِظَمِ الطوفانِ وارتفاعِه فوقَ الأرضِ حيث شَبَّهَ أمواجَه بالجبالِ كما قال: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ فأهلكهم اللهُ وَدَمَّرَهُمْ، وَاسْتَوَتِ السفينةُ على الْجُودِيِّ ثُمَّ لَمَّا قَضَى اللهُ أَمْرَهُ: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: آية ٤٤] فَلَمَّا أَرْسَلَ اللهُ
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١١٣ - ١١٤).
[ ٣ / ٤٦٦ ]
الرياحَ وَنَشَفَتِ الأرضُ، ويبست من آثارِ ذلك الطوفانِ نَزَلَ نوحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَنَاسَلَ مَنْ مَعَهُ، وصارَ جميعُ الدنيا من أولادِه الثلاثةِ الذين كانوا مَعَهُ، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: آية ٧٧].
والمؤرخونَ يُسَمُّونَ نوحًا: آدمَ الأصغرَ؛ لأن جميعَ مَنْ بَعْدَهُ من الدنيا من نَسْلِهِ. وأولادُه الذين مَعَهُ: سام وحام ويافث. وبعضُ المؤرخين يقولونَ: إن جميعَ الموجودين في الدنيا راجعٌ إلى تلك الأصنافِ التي هِيَ مِنْ نسلِ هؤلاء الرجالِ، ويزعمونَ أن سَامًا من نسلِه: العربُ والرومُ والفرسُ، وأن حامًا من نسلِه: القبطُ والسوادين والبربرُ، وأن يافث من نسلِه: الصقالبةُ ويأجوجُ ومأجوجُ والتركُ. وأن جميعَ أنواعِ الناسِ يرجعُ في الأصلِ إلى هذه العناصرِ، هكذا يقولونَ، وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ (^١). وَلِذَا قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ [الأعراف: آية ٦٤].
الْفُلْكُ: السفينةُ. وهذه السفينةُ تَمْشِي في البحرِ تحملُ الناسَ، آية من آياتِ الله، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس: آية ٤١] وفي القراءةِ الأخرى (^٢): ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَاّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ [يس: الآيات ٤١ - ٤٤] الفلكُ: السفينةُ، وَيُطْلَقُ على جمعِ السفنِ، فهو يُطْلَقُ على المفردِ وعلى الجمعِ. قال بعضُ علماءِ العربيةِ (^٣): إن أُطْلِقَ على
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١١٥).
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٧١.
(٣) انظر: المفردات للراغب ص٦٤٥.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
المفردِ فضمةُ (فُلْك) كضمةِ (قُفْل)، وإن أُطْلِقَ على الجمعِ فضمةُ (فُلُك) كضمةِ (كُتُب) و(رُسُل). هكذا يقولون.
وقد يجوزُ تذكيرُه وتأنيثُه، وإذا جاء في القرآنِ مجموعًا كان مؤنثًا دائمًا كقولِه في الفلكِ: ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: آية ١٤] إلى غيرِ ذلك من التأنيثِ. وربما جَاءَ (الفلك) مذكرًا مفردًا في قولِه: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: آية ٤١] ولم يَقُلْ: (المشحونة) أي: الموقرِ بالناسِ. أي: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ [الأعراف: آية ٦٤] أي: في السفينةِ التي أُمِرَ بِنَجْرِهَا، وأن اللَّهَ وعدَه بأنه سَيُهْلِكُ قومَه بالغرقِ في الطوفانِ.
وهذا مِمَّا يدلُّ على أن الآدميين ينبغي لهم معرفةُ الصنائعِ، وأن لَا يكونوا مُتَوَاكِلِينَ متكاسلين، فالصنائعُ وَالْحِرَفُ الصناعيةُ ينبغي للمجتمعِ أن يَتَعَلَّمُوهَا، ألا يرونَ أن النجارةَ هي من جملةِ الصنائعِ، وكثيرٌ من الناس يأنفُ عن أن يتعاطاها، مع أن مُعَلِّمَهَا الأولَ هو جبريلُ - ﵇ - وتلميذها الأول هو نوحٌ - عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ - كما في قولِه: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: آية ٣٧] فَمُعَلِّمُهَا الأولُ جبريلُ، وتلميذُها الأولُ نوحٌ، ثم إنها هي السببُ في وجودِ الموجودين من بَنِي آدمَ على ظهرِ الأرضِ؛ لأَنَّ مَنْ لم يكن في تلك السفينةِ المصنوعةِ عن طريقِ النجارةِ لم يَبْقَ منهم أحدٌ، لم تَبْقَ منهم عينٌ تَطْرِفُ، بل ماتوا كلُّهم كما قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: آية ١٥] وقال هنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ [الأعراف: آية ٦٤] وهذا يدلُّ على أنَّ الْحِرَفَ الصناعيةَ ينبغي للمجتمعِ الاهتمامُ بها؛ ولذا كان أَوَّلَ نجَّار في الأرضِ نوحٌ، وأول مُعلِّم للنجارةِ جبريل، وأول حدَّاد في الأرض هو
[ ٣ / ٤٦٨ ]
داود - ﵇ - كمَا قال الله له: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: الآيتان ١٠، ١١] والله يعلِّمه أصولَ الحدادةِ كقولِه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: آية ١١] لأن قولَه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ من أعظمِ تعاليمِ أصولِ الحدادةِ؛ لأَنَّ معنَى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ السردُ في لغةِ العربِ (^١): نسجُ الدرعِ، تُسَمِّيهِ العربُ سردًا وزردًا، وتسمي ناسجَ الدروعِ: سرَّادًا زَرَّادًا، ودرعٌ مسرودةٌ كما هو معروفٌ، ومنه قولُ أَبِي ذُؤَيْبٍ (^٢):
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ
وقولُ الآخَرِ (^٣):
نَقْرِيهِمُ لَهْذَمِيَّاتٍ نَقُدُّ بِهَا مَا كَانَ خَاطَ عَلَيْهِمْ كُلُّ زَرَّادِ
فمعنَى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: آية ١١] أي: اجْعَلِ المساميرَ والحِلَقَ في نسجِ الدروعِ بأقدارٍ متناسبةٍ متلائمةٍ؛ لأن المسمارَ إن كان أكبرَ من الحلقةِ جِدًّا كَسَرَهَا، وإذا كان أصغرَ منها جِدًّا لم يَشُدَّهَا كما ينبغي، فإذا كانت المساميرُ والحِلَقُ بأقدارٍ متناسبةٍ كانت الدروعُ مشدودةً كما ينبغي، تردُّ وقعَ السلاحِ من السيوفِ والسهامِ. وهذا مِمَّا يدلُّ على أن الحِرَفَ الصناعيةَ لَا ينبغي التكاسلُ فيها ولا عدمُ تعاطيها؛ لأن أولَ مَنْ تعاطاها الرسلُ الكرامُ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - وكانت آثارُها الكريمةُ ظاهرةً في المجتمعِ؛ لأن الموجودين في الدنيا كانوا مَوْجُودِينَ بفضلِ اللَّهِ ثم بسببِ تلك الصناعةِ التي هي
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: سرد) ص٤٠٦، القرطبي (١٤/ ٢٦٧).
(٢) البيت في القرطبي (١٤/ ٢٦٨).
(٣) البيت للقطامي، وهو في الكامل (١/ ٨٣)، أسرار البلاغة ص٤٠، ٤٥.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
النِّجَارَةُ؛ لأن مَنْ لم يكن في تلك السفينةِ المصنوعةِ عن طريقِ حرفةِ النجارةِ كُلُّهُمْ هلكوا وماتوا من ذلك الطوفانِ، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ٦٤] أي: الكفار الذين كذَّبوا نوحًا أَغْرَقْنَاهُمْ جميعًا بذلك الطوفانِ، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٥)﴾ [العنكبوت: الآيتان ١٤ - ١٥] ولذا قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦٤] ﴿إِنَّهُمْ﴾: أي: الكفار الذين كَذَّبُوا نوحًا الذين أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بالإغراقِ بالطوفانِ: ﴿كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾. والعَمُونَ جمع الْعَمِيِّ، ووزنُ العميِّ: (فَعِل) أصلُه: (عميٌ) تطرفت الياءُ بعدَ الكسرِ فصارَ ناقصًا (^١). والعميُّ هو أَعْمَى القلبِ، والعياذُ بالله.
وقراءةُ الحجةِ من القراءِ، منهم السبعةُ، بل والعشرةُ: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾ جمع عَمِي، والعميُّ هو: الذي قَلْبُهُ أعمى لا يعرفُ الحقَّ، ولا يميزُ بينَ الشرِّ والخيرِ، ولا الباطلِ والحقِّ، ولا الحسنِ ولا القبيحِ.
أما قراءةُ «قومًا عامِين» على وزنِ (فاعل) فهي من القراءاتِ الشاذةِ (^٢)، فلا تجوزُ القراءةُ بها. وإن كان المقررُ في علومِ العربيةِ أن الصفةَ المشبهةَ سواءً كانت على وزنِ (فَعِل) كما هنا في قولِه: ﴿عَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦٤] أو وزنِ (فعيل) أو غيرهما إذا أُرِيدَ
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١٩٤. وفيه: «أصله: (عميين) استُثْقِلت الكسرة على الياء فحُذِفت، فالتقى ساكنان فحُذِفت اللام» ا. هـ.
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٥٨).
[ ٣ / ٤٧٠ ]
بها التجددُ والحدوثُ جاءت على وزنِ (فاعل) (^١). هذا معنًى معروفٌ مُقَرَّرٌ في علومِ العربيةِ، كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، إلا أنه لا يجوزُ قراءةً هنا وإن كان سائغًا لغةً؛ لأن الصفةَ المشبهةَ إذا أُرِيدَ بها التجددُ والحدوثُ عُبِّرَ عنها بصيغةِ الفاعلِ، سواء كانت من (فَعيل)، أو من (فَعِل)، أو (فَيعِل) أو غيرِهما كما هو معروفٌ. فالعربُ مثلًا تقولُ: ضَاقَ صدرُه يضيقُ فهو ضيِّق. فالضيِّقُ صفةٌ مشبهةٌ من (ضاق) على وزنِ (فَيْعِل) فإذا أُرِيدَ به التجددُ والحدوثُ عُدِلَ عن (ضَيْق) وقيل: ضائق. ومنه قولُه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: آية ١٢] لَمْ يَقُلْ: (ضَيِّق) لأنه أَرَادَ تجددَ الضيقِ وحدوثَه، وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ العكلي حيث قال (^٢):
بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللَّئِيمُ فَسَامِنٌ بِهَا وَكِرَامُ النَّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا
سَامِنٌ: أصلُه سَمِينٌ. صفةٌ مشبهةٌ. وَلَمَّا أرادَ به التجددَ والحدوثَ عَبَّرَ عنه بوزنِ (فاعل). ومنه على وزنِ (فعيل) قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ ﵁ (^٣):
رَأَيْتُ التُّقَى وَالْجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا
أصله: ثقيلٌ. صفةٌ مشبهةٌ من (ثَقُل) فهو ثقيلٌ، فلما أرادَ به
_________________
(١) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٩٣).
(٢) البيت في البحر المحيط (٥/ ٢٠٧)، والدر المصون (٦/ ٢٩٤). وهو لأبي حزام غالب بن الحارث العكلي وقد عزاه أبو حيان لبعض اللصوص يصف السجن.
(٣) البيت في ديوانه ص١١٩.
[ ٣ / ٤٧١ ]
التجددَ والحدوثَ قال: ثاقلٌ. ومن هذا المعنَى قولُ قيسِ بنِ الخطيمِ لَمَّا قال (^١):
أَبْلِغْ خِدَاشًا أَنَّنِي مَيِّتٌ كُلُّ امْرِئٍ ذِي حَسَبٍ مَائِتُ
فلما أراد التجددَ والحدوثَ قال: (مائت). وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ يَكْفِينَا منه ما ذَكَرْنَا الآنَ. والشاهدُ أَنَّ قراءةُ الحجةِ من القراءِ: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦٤] جمعُ تصحيحٍ لِلْعَمِيِّ على وزنِ (فَعِل) صفةٌ مشبهةٌ من عَمِيَ يعمى فهو عَمِيٌّ إذا كان أَعْمَى القلبِ. وأن قراءةَ: (عامين) قراءةٌ شاذةٌ لا تجوزُ القراءةُ بها وإن كان مثلُها يجوزُ لغةً إذا أريدَ التجددُ والحدوثُ، وما كُلُّ ما يجوزُ لغةً يجوزُ قراءةً؛ لأن القراءةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦٤] والعياذُ بالله؛ لأن اللَّهَ يُعْمِي بصائرَ الكفارِ حتى يهلكوا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: آية ٥٧] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦] وصرَّح في سورةِ الرعدِ بأن جميعَ الذين يعرفونَ حَقِّيَّةَ هذا القرآنِ أنهم لم يمنعهم من ذلك إلا عَمَى بصائرِهم - والعياذُ بالله - والعينُ العمياءُ لا يمكنُ أن ترى الشمسَ ولو كانت في رابعةِ النهارِ.
إِذْ لَا تَرَى الشَّمْسَ عَيْنٌ تَشْتَكِي الْعَوَرَا (^٢)
إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ (^٣)
_________________
(١) البيت في ديوانه ص٢١١.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
والآيةُ التي بَيَّنَ اللَّهُ بها ذلك من سورةِ الرعدِ هي قولُه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: آية ١٩] فَصَرَّحَ أن الذي لا يعلم أنه الحقُّ أن ذلك إنما جاءه من قِبَلِ عماه، فالقرآنُ نورٌ أوضحُ من نورِ الشمسِ، والذي لا يرى أحقيتَه إنما جَرَّهُ لذلك عَمَاهُ، والأعمى لا يرى الشمسَ، وعدمُ رؤيتِه للشمسِ لا يجعلُ في الشمسِ لَبْسًا ولا رَيْبًا ولا شَكًّا كما بَيَّنَّا. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦٤].
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾ [الأعراف: الآيات ٦٥ - ٦٨].
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ هذا معطوفٌ على قولِه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] وتقريرُ المعنَى: واللهِ لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه، وقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا.
وهذه الأممُ يَقُصُّ اللهُ خبرَها على هذه الأمةِ لتستفيدَ من ذلك فوائدَ عظيمةً: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: آية ١١١] فيخافُ المكذبونَ للرسلِ الجاحدونَ بآياتِ اللهِ أن ينزلَ بهم مِثْلُ ما نَزَلَ بأولئك من الْمَثُلَاتِ، ومن عذابِ اللهِ المستأصلِ المتصلِ بعذابِ النارِ، وكذلك يُعَلِّمُ الناسَ الآدابَ، وآدابُ الدعاةِ إلى اللهِ في لِينِهِمْ وَعَطْفِهِمْ، وَلِينِ كَلَامِهِمْ، وكرمِ مخاطبتِهم، وعدمِ بذاءتِهم وكلامِهم بكلامِ الجاهلين؛ هذا نبيُّ اللهِ نوحٌ لَمَّا قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٠] هو يعلمُ أنهم هم
[ ٣ / ٤٧٣ ]
الضالونَ، وأنه هو المهتدِي، والذي يَعِيبُكَ ويلمزُك بعيبٍ أنتَ تعلمُ أنه فيه هو، وأنك أنتَ بَرِيٌ منه هذا مما يستدِعي الغضبَ، والكلامَ الشديدَ، والردَّ العنيفَ، فَنَبِيُّ اللهِ نوحٌ لم يَقُلْ لهم شيئًا من ذلك، ولم يَرُدَّ عليهم رَدًّا عنيفًا، وإنما رَدَّ بأكرمِ العبارةِ، وألطفِ الردِّ، فقال: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦١] فلم يَقُلْ: أنتم هم الكفرةُ الفجرةُ الضُلَاّلُ، ولم يقذع فيهم بلسانِه، بل بالعباراتِ اللطيفةِ اللينةِ، وهذا تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن الداعيَ المتبعَ لآثارِ الرسلِ إذا قَابَلَهُ الجهلةُ ببذاءةِ اللسانِ وَعَابُوهُ وتكلموا له بالقبيحِ أنه لا يقابلهم إلا بالقولِ اللَّيِّنِ اللطيفِ، والحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، كما هي عادةُ الرسلِ في خطاباتِهم لأُمَمِهِمْ.
وقولُه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: آية ٦٥] واللهِ لقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. عادٌ قبيلةٌ عظيمةٌ، والمؤرخونَ يقولونَ: إن عادًا ابنُ إرمَ بنِ عوص (^١)، وهو من ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ بلا خلافٍ بين المؤرخين. ويزعمونَ أن قبيلةَ عادٍ كانوا أعظمَ الناسِ أجسامًا. يزعمُ أهلُ القصصِ والأخبارِ أن أقصرَهم قامتُه ستونَ ذراعًا، وأن الواحدَ
_________________
(١) عامة كتب التاريخ تذكر نسب عاد أنه ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وبعضهم يقول: عاد بن عوص بن سام بن نوح. ولم أقف على من قال بأنه ابن إرم بن عوص. ووقع في معجم البلدان لياقوت عند الكلام على (دمشق) و(إرم): «عاد بن إرم بن سام بن نوح». ولعل الذي وقع للشيخ (﵀) هنا سبق لسان، خاصة أنه قال بعدها بأسطر في نسب هود (﵇): «ابن إرم بن نوح» وقال عن عاد: «عاد بن إرم. وقيل: ابن عوص بن إرم» ا. هـ. وانظر: تاريخ ابن جرير (١/ ١١٠)، البداية والنهاية (١/ ١٢٠).
[ ٣ / ٤٧٤ ]
منهم يكونُ مئةَ ذراعٍ. وعلى كُلِّ حالٍ فَهُمْ من أَشَدِّ الناسِ قوةً كما قال اللَّهُ عنهم: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: آية ٢٥] وهم قبيلةُ إرمَ المذكورةُ في القرآنِ؛ لأن عادَ بن إرم، وقيل: ابنُ عوص بن إرم. فهو من أولادِ إرمَ. و(إرم) اسمُ رجلٍ تُسَمَّى به القبيلةُ، وعادٌ من ذريتِه؛ وَلِذَا قال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾ ثم أَبْدَلَ منها فقال: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ [الفجر: الآيات ٦ - ٨].
قولُه: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ يدلُّ على عظمةِ أبدانِهم وشدةِ طُولِهِمْ وبدانتِهم وقوتِهم كما هو معروفٌ. أرسل اللهُ إلى هذه القبيلةِ العاتيةِ الشديدةِ الْقُوَى والبطشِ أرسلَ إليهم أخاهُم هودًا - عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ - وكان نَبِيُّ اللهِ هود عربيَّ اللسانِ، وإنما مُنِعَ من الصرفِ (^١) قال بعضُهم: لأنه عربيٌّ، والعجميُّ إذا كان علمًا على ثلاثة حروف وسطها ساكنٌ يكون مصروفًا كما هو معروفٌ، كما صُرِفَ نوحٌ ولوطٌ وهما علمانِ أعجميانِ كما هو معروفٌ (^٢).
ويزعمونَ أن هودَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ من ذريةِ إرمَ من سامِ بنِ نوحٍ (^٣).هو من نفسِ القبيلةِ، كما قال: ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: آية ٦٥] خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أن أصلَه ليس منهم، وأن (أخاهم) صاحبَهم. والتحقيقُ أنه منهم، وأنه أخوهم ومن قبيلتهم كما يأتي في قولِه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٦٩] فَبَيَّنَ أنه منهم؛ وَلِذَا قال هنا: ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾ بعثَ اللهُ إليهم
_________________
(١) «هود» غير ممنوع من الصرف، بل هو مصروف؛ لأنه اسم رجل عربي، وكذا على القول بأنه أعجمي لكونه علمًا على ثلاثة أحرف ساكن الوسط. انظر: الدر المصون (٥/ ٣٥٨).
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٢٧٨).
(٣) انظر: تاريخ ابن جرير (١/ ١١٠)، البداية والنهاية (١/ ١٢٠). وفيهما أقوال أخرى في نسب هود ﵇.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
نبيَّه هودًا. وَصَرَّحَ اللهُ في سورةِ الأحقافِ بأن منازلَهم في الأحقافِ، والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْف حبلُ الرملِ (^١). وهم يزعمونَ أنها حبالُ الرملِ التي في أطرافِ اليمنِ أو حضرموتَ، كانوا إلى تلك الجهةِ كما يأتِي في قولِه: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: آية ٢١] والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْفُ: هو الحبلُ الممتدُّ العالِي من الرملِ، فَهُمْ في رمالٍ هناك، كانت منازلُهم في رمالٍ تتخلَّلُها أوديةٌ في نواحِي اليمنِ أو حضرموتَ، كما يأتي في سورةِ الأحقافِ.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ماذا قال هودٌ؟ قال دعوةَ الرسلِ التي جاؤوا بها كلهم وهي عبادةُ اللهِ وحدَه، فَهُمْ متفقونَ على وتيرةٍ واحدةٍ وهي الدعاءُ إلى أن يُعْبَدَ اللَّهُ وحدَه، ويُخلص له في توحيدِه، فهذه دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها عامةً، وهي التي فيها المعاركُ بينَهم وبين أُمَمِهِمْ، والقرآنُ بَيَّنَ ذلك جملةً وتفصيلًا، أما بيانُه بالتفصيلِ كقولِه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ماذا قال نوحٌ؟ ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ماذا قال هودٌ؟ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٦٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ماذا قال صالحٌ؟ ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٧٣] وهكذا في جميعِ الرسلِ. ومن الأدلةِ العامةِ الْمُبَيِّنَةِ لذلك: قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: آية ٣٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ يُوحَى إِلَيْهِ﴾ [الأنبياء: آية ٢٥] وفي القراءةِ الأخرى (^٢): ﴿نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا
_________________
(١) المفردات (مادة: حقف) ص٢٤٨.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٠١.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: آية ٤٥] فإخلاصُ العبادةِ لخالقِ السماواتِ والأرضِ هو دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها كُلُّهُمْ عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُه؛ ولذا أَمَرَ نبيَّنا ﷺ في سورةِ الأنبياءِ أن يقولَ: إنه لم يُوح إليه شيءٌ إلا عبادة اللهِ وحدَه، وإفرادُه بالعبادةِ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: آية ١٠٨] و(إنما) مِنْ صِيَغِ الحصرِ كما هو مقررٌ في المعانِي في مبحثِ القصرِ (^١)،
وفي الأصولِ في مبحثِ العامِّ (^٢)؛ لأن كلمةَ (لا إله إلا الله) هي التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وهي المتضمنةُ توحيدَ العبادةِ بنفيها وإثباتها، فَنَفْيُهَا يتضمنُ: خلعَ جميعِ أنواعِ المعبوداتِ غيرَ اللهِ في جميعِ العباداتِ، وإثباتُها يتضمنُ: إفرادَه - جل وعلا - بالعبادةِ دونَ غيرِه، وهذا معنَى قولِهم: (لَا إِلَهَ) نَفْيٌ (إِلَاّ اللَّهُ) إِثْبَاتٌ.
وهذه الكلمةُ الشريفةُ التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وَخُلِقَتْ من أجلها الجنةُ والنارُ، وهي التي جاء بها جميعُ الرسلِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم - وَلِذَا قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٦٥] قد بَيَّنَّا معنَى هذه الجملةِ والقراءاتِ فيها في قضيةِ نوحٍ (^٣)، ومعنَى الكلمتين واحدٌ لا فَرْقَ بينَهما. ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلا أن نوحًا قال لقومِه: ﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] وهودًا قال لقومِه: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: آية ٦٥] يعني:
_________________
(١) انظر: الإيضاح للقزويني ص١٢٥ ..
(٢) انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٥١٥)، وهي تُذْكَرُ عادةً في كتب الأصول في الكلام على المفاهيم.
(٣) راجع ما تقدم عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
أتكفرونَ بالله فلا تَتَّقُونَهُ، فلا تتخذونَ بينَكم وبينَه وقايةً تَقِيكُمْ من سخطِه وعذابِه، هي امتثالُ أمرِه واجتنابُ نَهْيِهِ. وكان رَدُّ الكفارِ مُتَشَابِهًا لِتَشَابُهِ قلوبِهم في الكفرِ، كما قال تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: آية ١١٨] فقومُ نوحٍ قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٠] وقوم هود قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٦] والسفاهةُ: (فَعَالة) من السَّفَهِ، وأصلُ السفهِ في لغةِ العربِ هو: الخفةُ والطيشُ، فكلُّ شيءٍ خفيف طائش تُسَمِّيهِ العربُ سفهًا (^١). وتقولُ العربُ: تَسَفَّهَتِ الريحُ الريشةَ إذا اسْتَخَفَّتْهَا فطارت بها كُلَّ مَطَارٍ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ
معنَى (تسفهت أعاليها) أي: اسْتَخَفَّتْهَا فَهَزَّتْهَا. هذا أصلُ معنَى السَّفَهِ في لغةِ العربِ.
وهو في الاصطلاحِ المشهورِ: هي خفةُ العقلِ وطيشُ الْحِلْمِ، بحيث يكونُ السفيهُ لا يهتدي إلى مصالِحه، ولا يعرفُ مضارَّه من مصالِحه، لا يميزُ بينَ الضارِّ والنافعِ، ولا الحسنِ ولَا القبيحِ لِخِفَّةِ عقلِه وطيشِه وعدمِ رجاحتِه (^٣)؛ ولذا كان السفيهُ يجبُ التحجيرُ عليه، وجَعْلُ مالِه تحتَ يَدَيْ وَلِيٍّ يحفظُ له مالَه؛ لأن عقلَه الطائشَ وَحِلْمَهُ الخفيفَ يجعلُه يُضَيِّعُ مالَه.
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: سفه) ص٤١٤.
(٢) البيت لذي الرمة. وهو في القرطبي (١/ ٢٠٥)، (٧/ ٢٣٦).
(٣) انظر: الكليات (٣٤٩، ٥١٠)، القاموس الفقهي ص١٧٣ - ١٧٤.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
والعلماءُ مختلفونَ في السفهِ الذي يُحْجَرُ به على الرجلِ البالغِ ويُولَّى عليه في مالِه (^١)، فكانَ مالكُ بنُ أنسٍ (﵀) وعامةُ أصحابِه وَمَنْ وَافَقَهُ من العلماءِ يَرَوْنَ أن السفهَ الذي يُحْجَرُ به على السفيهِ في مالِه ويولَّى عليه غيرَه إنما هو السفهُ في خصوصِ المالِ، بحيث يكونُ طيشُ عقلِه وخفةُ حِلْمِهِ في نفسِ التصرفِ الماليِّ، بحيث يضيعُ عن المعاملاتِ، ولا يُحْسِنُ حفظَه ولا التصرفَ فيه. فَمَنْ كان عندَ مالكٍ يحسنُ التصرفَ في المالِ ويحفظُه وَلَا يُخْدَعُ، بل هو عارفٌ بوجوهِ التصرفاتِ وحفظِ المالِ فمالُه يُدْفَعُ إليه عندَ مالكٍ وأصحابِه، ولا يُسَمَّى سَفِيهًا، ولو كان سِكِّيرًا شِرِّيبًا للخمرِ، مُرْتَكِبًا للمعاصي:
وَشَارِبُ الْخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَّرا لِمَا يَلِي مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحْجَرَا (^٢)
هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه. وذهبَ الشافعيُّ في جماعةٍ من العلماءِ إلى أن مَنْ كان يتعاطى المعاصيَ كالشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الذي يشربُ الخمرَ، ويتعاطى المعاصيَ أنه سفيهٌ لَا يُمكَّنُ من مالِه أبدًا حتى تصلحَ حالُه الدينيةُ مع حالِه الدنيويةِ. قال: لأنه لا أحدَ أخفّ حِلْمًا وأطيشَ عَقْلًا من الذي يتسببُ في أن يحرقَ نفسَه بالنارِ، فهذا خفيفُ الحلمِ طائشُ العقلِ، لَا يُعطى له مالُه، فهو السفيهُ بمعنَى الكلمةِ.
وهذا كلامٌ معروفٌ في فروعِ المذاهبِ مشهورٌ؛ ولذا نَسَبَ قومُ هودٍ هودًا إلى خفةِ العقلِ وطيشِه، قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾
_________________
(١) انظر: القرطبي (٥/ ٢٨ - ٣١).
(٢) البيت لابن عاصم المالكي، وهو أحد أبيات تحفته المسماة: (تحفة الحكام) انظر: البهجة في شرح التحفة (٢/ ٢٩٤)، وهو في الأضواء (٢/ ٢٨١).
[ ٣ / ٤٧٩ ]
[الأعراف: آية ٦٦] أي: في خفةِ عقلٍ وطيشِ حِلْمٍ؛ لأنك تَدْعُونَا إلى أن نتركَ ديننا ونذهبَ إلى دينٍ آخَرَ جديدٍ ما نعرفُه، فلا عقلَ عندك ولا حِلْمَ، بل أنتَ سفيهٌ خفيفُ العقلِ طائشُ الحلمِ. هذا قولُهم لَعَنَهُمُ اللهُ.
﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦٦] نَظُنُّكَ كاذبًا؛ لأنك بشرٌ مِثْلُنَا، فلا زيادةَ لك علينا ولا فضلَ لَكَ علينا؛ لأنا من عنصرٍ واحدٍ آدميونَ جميعًا نشربُ ونأكلُ جميعًا، فما نظنُّك إلا كاذبًا، وأنك سفيهٌ خفيفُ العقلِ طائشُه. فقابلهم هودٌ بهذا الردِّ الكريمِ اللطيفِ، وَالتَّأَنِّي الكريمِ، والتؤدةِ العظيمةِ، وقال: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: آية ٦٧] ليس بِي شيءٌ من طيشِ العقلِ ولا من خِفَّتِهِ، وإنما أنا راجحُ العقلِ ثابتُه، ثابتُ الْحِلْمِ، لستُ بطائشٍ ولَا خفيفٍ.
﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٦٧] رسولٌ مُرْسَلٌ إليكم من رَبِّ العالمين. قد بَيَّنَّا فيما مضى (^١) أن الرسولَ (فَعُول) بمعنَى (مُفْعَل) أي: مُرسَل من رَبِّ العالمين أرسلني إليكم. وأن أصلَ الرسولِ: مصدر سُمِّيَ به، وإتيانُ المصدرِ على وزن (فعول) قليلٌ جِدًّا في العربيةِ، مسموعٌ في أوزانٍ قليلةٍ، كالقَبُولِ، والوَلُوعِ، والرسُولِ. وأصلُ الرسولِ مصدرٌ بمعنَى الرسالةِ، وهو مشهورٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):
لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمُ بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
يعنِي: ما أرسلتُهم برسالةٍ. وقول الآخَرِ (^١):
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ
[١١/ب] أي: (بني عمرو رسولًا) أي: رسالة. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ/ ومن فوائدِ كونِ الرسولِ أصلُه مصدرٌ تُحل إشكالاتٍ في القرآنِ؛ لأن العربَ إذا نَعَتَتْ بالمصدرِ أَلْزَمَتْهُ الإفرادَ والتذكيرَ (^٢)، وربما تَنَاسَتِ المصدريةَ فيه وعملت بالوصفيةِ العارضةِ فَجَمَعَتْهُ وَثَنَّتْهُ؛ ولذا جاء الرسولُ مُفْرَدًا في القرآنِ والمرادُ به اثنانِ، وجاء مُفْرَدًا في كلامِ العربِ والمرادُ به جمعٌ نَظَرًا إلى أن أصلَه مصدرٌ.
فإذا قال لك قائلٌ: اللهُ يقولُ عن موسى وهارونَ في سورةِ طه: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: آية ٤٧] بالتثنيةِ، ويقولُ في القصةِ بِعَيْنِهَا في سورةِ الشعراءِ: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٦] بالإفرادِ، ولم يقل: «رسولا رب العالمين».
فالجوابُ: إن الإفرادَ نَظَرًا إلى أصلِ الرسولِ، وأن أصلَه مصدرٌ، والعربُ إذا نَعَتَتْ بمصدرٍ أَلْزَمَتْهُ التذكيرَ، وأن التثنيةَ في قولِه: ﴿رَسُولَا﴾ والجمعُ في قولِه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: آية ٢٥٣] نظرًا إلى الوصفيةِ العارضةِ؛ لأن العربَ نَقَلَتْهُ من المصدريةِ فَجَعَلَتْهُ وصفًا؛ ولأجلِ كونِ أصلِه مصدرًا تُطْلِقُهُ العربُ مفردًا وتريدُ به الجمعَ على عادةِ النعتِ بالمصادرِ، ومنه قولُ أَبِي ذؤيبٍ الْهُذَلِيِّ (^٣):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٨) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٨١ ]
أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ
فقولُه: «أعلمهم» رَدَّ الجمعَ على الرسولِ مُفْرَدًا نظرًا إلى أن أصلَه مصدرٌ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ هي كالقراءاتِ التي قَدَّمْنَا في كلامِ نوحٍ (^١)، قَرَأَهَا أبو عمرٍو: ﴿أُبلِغْكم رسالات ربي﴾ والباقونَ: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ وتفسيرُها كتفسيرِ الذي قَبْلَهَا بلا زيادةٍ.
﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ وأنا لكم ناصحٌ فيما أقولُ، لَا أغشكم ولا أخدعُكم، أمينٌ فيه لا أكذبُ، وأنتم تعلمونَ أني فيما مَضَى في غايةِ النصحِ والأمانةِ؛ لأني رجلٌ منكم قد جَرَّبْتُمُونِي قبلَ الرسالةِ فما جربتم فِيَّ إلا النصحَ والأمانةَ، فأنا لكم ناصحٌ. وكُلُّ خالصٍ لا شائبةَ فيه يُسَمِّيهِ العربُ (ناصحًا) والناصحُ: هو السالمُ من جميعِ الغشِّ والخديعةِ. والأمينُ: هو الذي لا خيانةَ معه. أنا لكم ناصحٌ فيما جئتُكم به، لا غشَّ معي ولا خديعةَ، أمينٌ فيما أقولُ لكم، في غايةِ الصدقِ، ليس فيه كَذِبٌ، هذه حقيقتِي، أما السفاهةُ التي رَمَيْتُمُونِي بها فليست بي سفاهةٌ. ولم يقل لهم: «بل أنتم السفهاء» لكرامةِ رَدِّ الرسلِ، ومعاملتِهم للجهلةِ الْحَمْقَى بالتي هي أحسنُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي﴾ الرسالاتُ جمعُ رسالةٍ، وهي اسمٌ لِمَا يُرسِلُ به المرسِلُ رسولًا إلى غيرِه. ورسالاتُ اللهِ هي ما بَعَثَهُ به إليهم من الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وامتثالِ أمره واجتنابِ نواهيه.
_________________
(١) راجع ما تقدم عند تفسير الآية (٦٢) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (٧١) فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾ [الأعراف: الآيات ٦٩ - ٧٢].
يقول اللهُ جل وعلا: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ [الأعراف: آية ٦٩].
هذه الآيةُ التي هي قولُه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ فَسَّرْنَاهَا؛ لأنها اتَّفَقَ فيها قولُ نوحٍ وقولُ هودٍ، فَكُلٌّ منهم قالها لقومِه؛ لأن كلًاّ من قومِهما عَجِبُوا من أن يَبْعَثَ اللَّهُ بَشَرًا، وكذلك عادةُ الأممِ أن تعجبَ من بَعْثِ الرسلِ، ويقولونَ: لَا يمكنُ أن يبعثَ اللهُ رسولًا يأكلُ ويشربُ ويتزوجُ ويُولَدُ له، حتى إن الله (جل وعلا) بَيَّنَ أن هذه الشبهةَ الكاذبةَ كانت هي المانعَ الأكبرَ من إيمانِ الناسِ، حيث قال: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء: آية ٩٤] كأنه قال هنا: ما منعَهم من الإيمانِ إلا استغرابُ بَعْثِ البشرِ واستعجابُهم منه، كما أن الذين بُعِثْ فيهم نَبِيُّنَا ﷺ عَجِبُوا من بَعْثِ البشرِ كما قال تعالى في أولِ سورةِ يونسَ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ
[ ٣ / ٤٨٣ ]
النَّاسَ﴾ [يونس: آية ٢] وقال في أولِ سورةِ ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ [ق: آية ٢] والآياتُ بمثلِ ذلك كثيرةٌ.
وقد بَيَّنَّا (^١) أن أظهرَ الوجهين في قولِه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ أن الهمزةَ تتعلقُ بمحذوفٍ، والواو مفتوحة؛ لأنها عاطفةٌ على ذلك المحذوفِ، وتقديرُه: أكفرتُم وعجبتُم أن يأتيكم ذِكْرٌ من ربكم على رجلٍ منكم؟ وقد فَسَّرْنَا الآيةَ، وبينا أن الذِّكر هو المواعظُ والأوامرُ والنواهي التي تأتيهم بها الرسلُ، وأن قولَه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ على لسانِ رجلٍ منكم، لأن أنبياءَ اللهِ رجالٌ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالًا﴾ [يوسف: آية ١٠٩] فلم يُرْسِلِ اللهُ امرأةً قَطُّ؛ ولذا قال: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ كما أوضحناه في مقاولةِ نوحٍ لقومِه.
ثم إن نبيَّ اللهِ هودًا قال هنا لقومِه ما لم يَقُلْهُ نوحٌ لقومِه، وهو قولُه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٩] ﴿وَاذكُرُوا﴾ نِعَمَ اللهِ عليكم: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ﴾ خلفاءَ في الأرضِ، يعني: بأن أَهْلَكَ قومَ نوحٍ واستخلفكم في الأرضِ فجعلكم خلفاءَ في الأرضِ آمِنِينَ فيها، عليكم نعم اللهِ مُسْبَلَةً.
والخلفاءُ: جمع خليفةٍ، وهو مَنْ يُستخلف بعدَ مَنْ كان قبلَه. قال بعضُ العلماءِ: إنما قيل لهم (خلفاءَ) لأنهم صاروا خَلَفًا من قومِ نوحٍ حيث أَهْلَكَ اللهُ أولئك وأسكن هؤلاء في الأرض بعدَهم، فكانوا خَلَفًا من بعدهم، وخلفاءَ مِنْ بعدِهم. وقال بعضُهم: إنهم خلفاءُ أي: فيهم ملوكٌ، والعربُ تُسَمِّي الخليفةَ الذي يكونُ مَلِكًا بعدَ مَنْ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
قبلَه: خليفةً. ولفظُه مؤنثٌ (^١) ومعناه مُذَكَّرٌ، فيجوزُ تذكيرُ الضمائرِ الراجعةِ عليه نَظَرًا إلى المعنَى، ويجوزُ تأنيثُها كما قال الشاعرُ (^٢):
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٩] الخلفاءُ: جمعُ الخليفةِ؛ لأنه جَعَلَهُمْ خَلَفًا منهم يسكنونَ الأرضَ، أو جَعَلَهُمْ ملوكَ الأرضِ. يزعم أصحابُ القصصِ والأخبارِ أنهم كان عددُهم كثيرًا جِدًّا، وأنهم منتشرونَ فيما بينَ حضرموتَ إلى عمانَ (^٣)، وأنهم كانوا يظلمونَ غيرَهم ويقهرونَهم لِمَا أعطاهم اللهُ من القوةِ. ولكن اللَّهَ بَيَّنَ أن منازلَهم كانت في الأحقافِ حيث قال في سورةِ الأحقافِ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: آية ٢١] وقد بَيَّنَّا (^٤) أن الأحقافَ جمعُ حِقْفٍ، والحِقفُ في لغةِ العربِ: الحبلُ من الرملِ، الرملُ المرتفعُ تُسَمِّيهِ العربُ حِقفًا، فالأحقافُ: الرمالُ. والمفسرونَ يقولونَ: إنها رمالٌ في جوانبِ اليمنِ وحضرموتَ، وأنهم كانوا في تلك الرمالِ بينَها أوديةٌ يزرعونَ فيها ويعيشون. وسيأتِي في سورةِ الفجرِ قولُ مَنْ قال من العلماءِ: إنهم كانوا رُحَّلًا يذهبونَ بالمواشِي؛ لأنه أحدُ القولين في قولِه: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ [الفجر: آية ٧] لأن أحدَ القولين في معنىَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ أنهم أصحابُ عمودٍ يرتحلونَ وَيَبْنُونَ خيمهم على العمدِ؛ ولذا قيل لهم: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ على أحدِ الوجهين.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
(٣) انظر: ابن جرير (١٢/ ٥٠٧).
(٤) مضى عند تفسير الآية (٦٠) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
والوجهُ الثاني: أنهم لقوةِ أجسامِهم وَعِظَمِهَا وَطُولِهَا وبدانتِها قيل فيهم: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لشدةِ اعتمادِ أجسامِهم وقوتِها كما يأتي هناك (^١). وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾ [الأعراف: آية ٦٩] أي: في الأرضِ في عافيةٍ وطمأنينةٍ ورفاهيةٍ من الدنيا من بعدِ قومِ نوحٍ. والآيةُ تشيرُ إلى تهديدٍ، يعني: كما أن قومَ نوحٍ لَمَّا كذبوا نُوحًا دمَّرهم اللهُ وأهلكهم، وجعلَكم خلفاءَ في الأرض من بعدِهم فاحذروا أن تفعلوا مثلَ فعلهم؛ لئلا يُهْلِكَكُمْ ويجعلَ خلفاءَ الأرض بعدَكم غيرَكم. فيه تهديدٌ وتذكيرٌ بالنعمةِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾.
وبعضُ علماءِ العربيةِ (^٢) يقولونَ: (إذ) ها هنا مفعولٌ به لا مفعول فيه. أعني: أنها مفعولٌ وليست ظَرْفًا. والمعنَى: ﴿اذْكُرُوا﴾ تَذَكَّرُوا الوقتَ الذي جَعَلَكُمْ فيه خلفاءَ من بعدِ قومِ نوحٍ تَذَكُّرًا يحملكم على شكرِ نعمةِ اللهِ والخوفِ من نِقَمِه أن يُنْزِلَ بكم مثلَ ما أَنْزَلَ بقومِ نوحٍ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٩] الذين أَهْلَكَهُمُ الطوفانُ إهلاكًا مستأصلًا.
﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: آية ٦٩] في هذا الحرفِ قراءتانِ سبعيتان (^٣): ﴿بصطة﴾ بالصادِ، و﴿بسطة﴾ بالسينِ. فقولُه: ﴿وزادكم في الخلق بصطة﴾ بالصادِ هي قراءةُ نافعٍ والكسائيِّ، وقراءةُ ابنِ كثيرٍ في روايةِ البزيِّ خاصةً، وقراءةُ عاصمٍ في روايةِ شعبةَ خاصةً، وقراءةُ ابنِ عامرٍ في روايةِ ابنِ ذكوانَ خاصةً. أما حمزةُ
_________________
(١) انظر: ابن كثير (٤/ ٥٠٧).
(٢) وهو قول الزمخشري في الكشاف (٢/ ٦٩). وانظر: الدر المصون (٥/ ٣٦٠).
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص ١٤٨.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
فقرأها عنه خلادٌ بالوجهين: ﴿بصطة﴾ بالصادِ، و﴿بسطة﴾ بالسينِ. فقد قَرَأَهَا خلادٌ عن حمزةَ بالوجهين، وقرأها نافعٌ، وأبو عمرو، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وشعبةُ عن عاصمٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ، كل هؤلاء قرءوا: ﴿بصطة﴾ بالصادِ. وَقَرَأَهَا الباقونَ بالسينِ، والباقونَ الذين قرءوها بالسينِ هم: أبو عمرو، وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ، وابنُ عامرٍ في روايةِ هشامٍ، وابنُ كثيرٍ في روايةِ قنبل، وحمزةُ في روايةِ خَلَفٍ، كل هؤلاء قرءوا: ﴿بسطة﴾.
وما ذكره الشاطبيُّ (^١) وغيرُه من أن ابنَ ذكوانَ له عن ابنِ عامرٍ فيها: (السين والصاد) كقراءةِ خلادٍ عن حمزةَ ليس يصحُّ عند الْمُحَقِّقِينَ؛ لأن جميعَ رواياتِ الشاطبيِّ إنما هي من طريقِ أبي عمرٍو الداني، وأبو عمرٍو الداني لم يذكر عن أحدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ عنهم القراءاتِ عن ابنِ ذكوانَ في قراءةِ ابنِ عامرٍ إلا ﴿بصطة﴾ بالصادِ خاصة، ولم يَرْوِ عنه السينَ عن أحدٍ، فهذانِ هما القراءتانِ السبعيتانِ. والبسطةُ والبصطةُ معناهما واحدٌ، وإنما أُبْدِلَتِ السينُ صادًا في قراءةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿بصطة﴾ بالصادِ نَظَرًا إلى حرفِ الإطباقِ الذي بعدَ السينِ وهو الطاءُ، ولذلك تُبْدَلُ السينُ صادًا كثيرًا إذا كان بعدَها حرفٌ من حروفِ الإطباقِ، والأصلُ (بسطة) بالسينِ.
والبسطُ: أصلُه الزيادةُ. والمعنَى: زَادَكُمْ في خلقِ أجسامِكم بسطةً. أي: زيادةً على خَلْقِ الناسِ في الطولِ وَعِظَمِ الأبدانِ وقوتِها وبدانتِها، كما يأتي في سورةِ فصلت قولُ بعضِ العلماءِ: إنهم - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - زعموا أنه لا يمكنُ أن نقهرَهم قوةً ولو قوةَ اللَّهِ (عز
_________________
(١) انظر: الوافي في شرح الشاطبية ص٢٢٠.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
وجل) - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - كما يأتي قولُ مَنْ قال بذلك في قولِه: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: آية ١٥] مَنْ هو الذي يكونُ أشدَّ منا قوةً حتى يقهرنا؟ ثم إن اللَّهَ بَيَّنَ أن اللَّهَ الذي خلقهم هو أشدُّ منهم قوةً. وَلَمَّا أرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ علموا أنهم ضعافٌ غايةَ الضعفِ إذا جاءتهم قوةُ رَبِّ العالمين التي يهلكهم بها ويسلطها عليهم، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾.
﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ ذكَّرهم نبيُّ اللهِ هودٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ، أمرهم أن يذكروا آلاءَ اللهِ. وآلَاءُ اللهِ: نِعَمُهُ المتواترةُ عليهم، من الصحةِ والعافيةِ وقوةِ الأبدانِ، وما يَسَّرَ لهم من الأرزاقِ والرفاهيةِ في الدنيا. والآلاءُ: النِّعَمُ، واحدُه (إِلى) بكسرِ الهمزةِ وفتحِ اللامِ مقصورًا، كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ. ويقال فيه: (إِلْيٌ) و(ألْوٌ) و(ألآء) وأكثرُها في مفردِ الآلاءِ: (إِلىَ) بكسرٍ فَفَتْحٍ (^١)، والمرادُ به النعمةُ. والآلاءُ: النِّعَمُ ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: تَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ الكثيرةَ التي لا تُحْصَى، التي أَنْعَمَهَا عليكم ذِكْرًا يحملكم على طاعةِ اللهِ، وتصديقِ رسولِه، وعبادتِه وحدَه، وتركِ عبادةِ الأصنامِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ تَذَكَّرَ نِعَمَ اللهِ عليه ذِكْرًا يحملُه على شكر تلك النعمةِ والخضوعِ لله والإنابةِ إليه بطاعتِه أنه يُفْلِحُ؛ ولذا رَتَّبَ على قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإنكم إن ذَكَرْتُمْ آلاءَ اللهِ يُرْجَى لكم الفلاحُ، بناءً على أن (لعل) على بابِها من التَّرَجِّي بحسبِ ما يظهرُ لهودٍ (عليه الصلاةُ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٥٠٦)، القرطبي (٧/ ٢٣٧)، الدر المصون (٥/ ٣٦٠)، تفسير المشكل من غريب القرآن ص٨٥.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
والسلامُ). وعلى أنها حرفُ تعليلٍ فالمعنَى: اذكروا نعمةَ اللهِ لأَجْلِ أن تُفْلِحُوا.
وقد بَيَّنَّا مرارًا (^١) أن العربَ تقولُ: أَفْلَحَ الرجلُ يُفْلِحُ فلاحًا. والفلاحُ: اسمُ المصدرِ، والقياسُ في مصدرِها: (إفلاحًا)؛ لأن المقررَ في فَنِّ التصريفِ: أن كُلَّ ماضٍ جاء على وزنِ (أَفْعَلَ) فالقياسُ في مصدرِه أن يكونَ (إفعالًا) ما لم يكن مُعْتَلَّ العينِ، فإن كان معتلَّ العينِ سَقَطَتِ العينُ بالاعتلالِ وَعُوِّضَتْ منها التاءُ على الروايةِ الكثيرةِ الفصيحةِ، كما هو معروفٌ في علمِ العربيةِ، مُوَضَّحٌ في فَنِّ التصريفِ. فالفلاحُ اسمُ مَصْدَرٍ.
والفلاحُ في لغةِ العربِ: يُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ كما بَيَّنَّاهُ مرارًا، يطلقُ الفلاحُ في لغةِ العربِ على الفوزِ بالمطلوبِ الأكبرِ، تقولُ العربُ: أَفْلَحَ فلانٌ. إذا فَازَ بأعظمِ مطلوبٍ كان يطلبُه. فَمَنْ نالَ رغبتَه وحصَّل مطلوبَه تقولُ له العربُ: أَفْلَحَ. وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ (^٢):
فَاعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ
يعنِي: مَنْ أعطاه اللَّهُ نورَ العقلِ فَازَ بالمطلوبِ الأكبرِ؛ لأَنَّ العقلَ يعقلُه عما لا ينبغي، ويميزُ به الحسنَ والقبيحَ، والنافعَ والضارَّ، والحقَّ والباطلَ.
وَيُطْلَقُ الفلاحُ في لغةِ العربِ أيضًا على البقاءِ السرمديِّ الدائمِ في النعيمِ، تقولُ العربُ: أفلحَ فلانٌ. إذا كان بَاقِيًا في نعيمٍ سَرْمَدِيٍّ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨) من هذه السورة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨) من هذه السورة.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ أيضًا في رجزه (^١):
لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الْفَلَاحِ لَنَالَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ
وقولُه: «مدركُ الفلاحِ» أي: مدرك البقاء في الدنيا بلا مَوْتٍ. ومنه بهذا المعنَى قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ، أو الأضبطِ بنِ قريعٍ في الشعرِ المشهورِ (^٢):
لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُومِ سَعَةْ وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ
يعنِي أنه لا بقاءَ في الدنيا مع تخالفِ الإمساءِ والإصباحِ. وبهذين الْمَعْنَيَيْنِ اللذين هما البقاءُ السرمديُّ في النعيمِ، والفوزُ بالمطلوبِ الأكبرِ، بكلِّ واحدٍ منهما جاءَ تفسيرُ حديثِ الأذانِ والإقامةِ في قولِه: «حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» فقال بعضُ العلماءِ: «حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» هَلُمَّ إلى الفوزِ بالمطلوبِ الأكبرِ وهو الجنةُ وَرِضَى اللهِ؛ لأن أعظمَ أسبابِ ذلك: الصلاةُ.
القولُ الثاني: «حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» هَلُمَّ إلى البقاءِ السرمديِّ في جناتِ النعيمِ؛ لأن أكبرَ أسبابِ ذلك: الصلاةُ كما هو معروفٌ فِي تفسيرِ حديثِ الأذانِ والإقامةِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا آلاء الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: آية ٦٩] هذه عادةُ الرسلِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم - بِعِظَمِ التذكيرِ، وشدةِ النصحِ، ولطافةِ الأسلوبِ، والاجتهادِ في هُدَى قومهم، ولكن الْهُدَى بيدِ اللهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: آية ٤١].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١١) من سورة الأنعام.
(٢) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾ [الأعراف: الآيات ٧٠، ٧٢].
لَمَّا نصحَ نَبِيُّ اللَّهِ هودٌ قومَه هذا النصحَ الكريمَ، وذكَّرهم بآلاءِ اللهِ وَنِعَمَهُ، وأشارَ لهم إلى أن اللهَ أَهْلَكَ مَنْ كان قبلَهم لَمَّا عَصَوْا وتمردوا، وكان قد خَوَّفَهُمْ قبلَ هذا وهددهم بأنهم إن لم يؤمنوا باللهِ أَهْلَكَهُمُ اللهُ وَعَذَّبَهُمْ، قالوا له هذا الجوابَ الخبيثَ الذي هو في غايةِ الخبثِ وبذاءةِ اللسانِ والعتوِّ والتمردِ على اللهِ ﴿قَالُوا﴾ أي: قال: قومُ هودٍ لهودٍ: ﴿أَجِئْتَنَا﴾ يا هودُ بهذه الدعوى التي جئتَ بها، وَالدِّينِ الذي تَزْعُمُ وتدعو إليه لِتَصْرِفَنَا عن آلهتِنا التي كنا نعبدها: ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ نعبد إِلَهًا واحدًا لا نشرك به شيئًا آخَرَ من الآلهةِ ﴿وَنَذَرَ﴾ أي: ونتركَ ﴿مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهةِ. فقولُه: ﴿وَنَذَرَ﴾ معناه: نتركَ. وهذا الفعلُ لا يوجدُ منه في العربيةِ إلا مضارعُه وَأَمْرُهُ، تقول: «يَذَرُ الأمرَ» بمعنَى: يتركه، و(ذَرْ) بمعنى: اتْرُكْ. ولا يُستعمل منه في العربيةِ إلا الأمرُ والمضارعُ، فماضيه: (تَرَكَ)، واسمُ فاعلِه: (تارك)، واسمُ مفعولِه: (متروكٌ)، ومصدرُه: (التركُ)؛ لأنه لَا يوجدُ منه إلا الأمرُ والمضارعُ (^١). فمعنَى ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: آية ٧٠] أي: لِنُفْرِدَ خالقَ السماواتِ والأرضِ وحدَه بالعبادةِ: ﴿وَنَذَرَ﴾ أي: ونتركَ ﴿مَا كَانَ﴾ أي: عبادةَ ما كان يعبدُه
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٤٩١ ]
آباؤُنا من قَبْلِنَا من هذه الآلهةِ والأصنامِ.
وكانت عندَهم أصنامٌ يسمونها، كما دَلَّ عليه قولُه: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: آية ٧١] والمؤرخونَ وأهلُ الأخبارِ يزعمونَ أن منها صَنَمًا يُسَمَّى: صداء أو (صمدا)، وَصَنَمًا يُسَمَّى: (صمودا) وصنمًا يُسَمَّى: (الهباء) (^١). وهم يعبدونَ هذه الأصنامَ ويسمونَها بهذه الأسماءِ.
﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ هذا إنكارٌ منهم، وهم يُنْكِرُونَ أعظمَ الحقِّ وأوضحِ الْحِجَجِ، وهي توحيدُ رَبِّ العالمين. ﴿وَنَذَرَ﴾ أي: ونتركَ ﴿مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ مِنْ قَبْلِنَا. ثم قالوا له: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ نحنُ لا نُصَدِّقُكَ أبدًا ولا نؤمنُ لكَ أبدًا، فالعذابُ الذي تُهَدِّدُنَا به عَجِّلْ به علينا، فإن كان عندكَ شيءٌ أو صِدْقٌ فَأْتِ بالذي تُهَدِّدُنَا به وَتُخَوِّفُنَا به، إن كنتَ صادقًا في ذلك الوعيدِ فهاتِ العذابَ وَعَجِّلْهُ. وهذا أعظمُ طغيانٍ وَتَمَرُّدٍ، كما قال كفارُ مكةَ: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: آية ٣٢] وقالوا: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: آية ١٦] فَاسْتَعْجَلُوا بالعذابِ وأظهروا التمردَ النهائيَّ، وأنهم لا يَرْتَدِعُونَ ولا ينكفون عن كفرهم. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: بالذي تَعِدُنَا به من العذابِ، وعذابُ اللهِ لنا في زعمكَ
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٢١)، وفي تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٠٧)، «صُداء» و«صمود» و«الهباء». وفي ابن كثير (٢/ ٢٢٥)، كما في الأصل عدا الأخير (الهنا) وهو تحريف كما لا يخفى. وانظر: (تكملة أسماء الأصنام) وهو ملحق في آخر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص١١٠، ١١١، وانظر كذلك: الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة في الإسلام ص١٤٨ - ١٤٩.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
إن كنتَ مِنْ جملةِ الصادقين فهاتِ الذي تُهَدِّدُنَا به، تَمَرُّدًا على اللهِ، وتعجيزًا لرسولِه، واستخفافًا بدعوةِ نَبِيِّهِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فَأُوحِيَ إلى هودٍ في ذلك الوقتِ أن القولَ حَقَّ عليهم، وأن العذابَ وَجَبَ عليهم، وأن اللَّهَ قَضَى أمرَه فيهم فقال - بسببِ ذلك - هودٌ: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: آية ٧١] جَزَمَ بأنه وقعَ عليهم بالفعلِ؛ لأن [الْمُتَوَقَّعَ كالواقعِ] (^١)؛ لأن اللهَ حَكَمَ به. ومن أساليبِ اللغةِ العربيةِ: إطلاقُ الفعلِ الماضِي مُرَادًا به المستقبلُ إيذانًا بتحققِ الوقوعِ، وهو كثيرٌ في القرآنِ العظيمِ جِدًّا وفي كلامِ العربِ (^٢)،
ومنه في القرآنِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعنِي القيامةَ، بدليلِ: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: آية ١] وَأَكْثَرَ اللَّهُ منه في سورةِ الزمرِ حيث قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: الآيات ٦٩ - ٧٣] كُلُّ هذه الأفعالِ الماضيةِ المذكورةِ في الزمرِ معناها: الاستقبالُ، وإنما عُبِّرَ عنها بالماضِي إيذانًا بتحققِ الوقوعِ.
والرِّجْزُ هنا: العذابُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُه من الارتجازِ، وهو الاضطرابُ؛ لأن الْمُعَذَّبَ يبقى في الاضطرابِ. وهو (رجسٌ) بالسينِ هنا. ﴿رِجْسٌ﴾ أي: عذابٌ. وربما يقالُ للرجسِ: (رجزٌ) بالسينِ والزايِ. ومعناه: العذابُ. والمعنَى: وَقَعَ عليكم عذابٌ وغضبٌ كائنٌ من ربِّكم فمعناه أن اللَّهَ غَضِبَ عليكم، وأنه مُعَذِّبُكُمْ عذابًا مستأصلًا لا مَحَالَةَ.
_________________
(١) في الأصل: «الواقع كالمتوقع». وهو سبق لسان.
(٢) راجع ما مضى عند تفسير الآية (١٤٨) من سورة الأنعام ..
[ ٣ / ٤٩٣ ]
والغضبُ وصْفٌ وَصَفَ اللهُ به نفسَه إذا انْتُهِكَتْ حرماتُه. فنحن معشرَ المسلمين نَمْشِي على ما كان عليه السلفُ الصالحُ نُمِرُّ كُلَّ الصفاتِ كما جاءت، ونصدقُ رَبَّنَا فيما وَصَفَ به نفسَه مع التنزيهِ التامِّ الكاملِ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] كما أوضحناه في آيةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: آية ٥٤].
ثم قال لهم نَبِيُّ اللهِ هودٌ: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي﴾ معناه: تُخَاصِمُونَنِي وَتُنَازِعُونَنِي: ﴿فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أنا أدعوكم إلى عبادةِ الواحدِ الجبارِ، خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي هو يرزقُكم وَيُمِيتُكم ويحييكم، وأنتم تخاصمونَني وتجادلونَني لتعبدوا أسماءً بلا مسمياتٍ، لا حقيقةَ لها، لا تنفعُ ولا تضرُّ، فهذا أمرٌ جديرٌ بأن يُنْكَرَ.
والمجادلةُ: المخاصمةُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُ اشتقاقِها من (الْجِدَالةِ)، والجِدَالةُ: الأرضُ، وجدَّلَه: إذا تَرَكَهُ صريعًا في الأرضِ. قالوا: كأن المتضاربَيْن في الخصامِ كُلٌّ منهما يريدُ أن يُسْقِطَ صاحبَه حتى يُجَدِّله. هكذا قال بعضُهم واللَّهُ أعلمُ (^١).
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ﴾ أي: في أصنامِكم، وإنما هي أسماءٌ بلا مسمياتٍ؛ لأنكم تزعمونَ أنها آلهةٌ، وأنها معبوداتٌ!! ومعنَى الإلهيةِ واستحقاقِ العبادةِ مَنْفِيٌّ عنها نَفْيًا بَاتًّا، فهي اسمٌ بلا مُسَمًّى؛ شيءٌ اخْتَلَقَتْهُ ألسنتُكم لا حقيقةَ له في نفسِ الأمرِ. تُجَادِلُونَنِي فيها زاعمينَ أنها لا بُدَّ أن تُعْبَدَ مع اللهِ، وأنها شركاءُ له يُصْرَفُ لها من الحقوقِ كما يُصْرَفُ له.
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: جدل) ص١٨٩.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ هم الذين اخترقوا لها هذه الأسماءَ بلا مسمياتٍ، إِذِ الأسماءُ التي وَضَعْتُمْ لها ليس لها أساسٌ من الحقيقةِ ولَا من الصحةِ. فليست بآلهةٍ ألبتةَ، وليست بمستحقةٍ للعبادةِ ألبتةَ، كما صَرَّحَ اللهُ بذلك في قولِه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: آية ٦٦] يعني: هؤلاء الذين يتبعونَهم ليسوا شركاءَ ألبتةَ في الحقيقةِ.
ثم قال: ﴿مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ لأن هذه الآلهةَ التي تعبدونَ ﴿مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي: بعبادتِها واستحقاقِها للعبادةِ ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حُجَّةٍ واضحةٍ أبدًا، بل الذي نزَّله اللهُ من الحججِ القاطعةِ مَنْعَ عبادتِها، وكُفْرَ عابدِها، وخلودِه في النارِ.
ثم قال: ﴿فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ انتظرُوا ماذا يحدثُ عليكم من اللهِ وهو الغضبُ والهلاكُ الذي وعدتُكم به أنه وَجَبَ وحقَّ عليكم.
﴿إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ وسوفَ تعلمونَ عن طريقِ ذلك الانتظارِ هل يقعُ عليكم ما وعدتُكم به أو لا يقعُ. وهو تهديدٌ عظيمٌ.
ثم إن اللهَ بَيَّنَ مصيرَ الجميعِ، قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ [الأعراف: آية ٧٢] فَأَنْجَيْنَا هودًا والذين آمنوا معه - وهم طائفةٌ قليلةٌ - أنجيناهم برحمةٍ مِنَّا. وذلك الإنجاءُ من عذابٍ شديدٍ، كما قال تعالى في سورةِ هودٍ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: آية ٥٨].
[ ٣ / ٤٩٥ ]
﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قولُه: «قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ» معناه: اسْتَأْصَلَهُمْ عن آخرِهم؛ لأن النسلَ كأنه دابرٌ للآباءِ، فالدابرُ هو الذي يتبعك عند دُبُرِكَ، فكأن الآباءَ أمةٌ سالفةٌ، ونسلَهم شيءٌ تابعٌ أَدْبَارَهُمْ، نَاشِئٌ بعدَهم. فإذًا قَطْعُ الدابرِ معناه: أُهلكوا عن آخرِهم فلم يَبْقَ منهم نسلٌ يَدْبُرهم، أي: يَمْشِي في دبرهم سالكًا الحياةَ بعدَهم. فقَطْع الدابرِ معناه: إهلاكُهم المستأصلُ بحيث لا يَبْقَى لهم نسلٌ في الأرضِ يكونُ حَيًّا عن دبرٍ منهم، بل أهلكهم اللهُ جميعًا، ولم يترك منهم دَاعيًا ولا مُجِيبًا.
والمفسرونَ يذكرونَ قِصَّتَهُمْ (^١) هنا، ويذكرُه الأخباريون (^٢) وبعضُها جاء به بعضُ الأحاديثِ، كما جاء في حديثٍ عن الإمامِ أحمدَ (^٣).
والذي يَعْرِفُ التاريخَ معرفةً لا بأسَ بها يظهر له أن كثيرًا مما يزعمُه المؤرخونَ في قصةِ عادٍ أنه ليس من الشيءِ الصحيحِ. ومعلومٌ أن التاريخَ وَالسِّيَرَ كالإسرائيلياتِ، منها ما هو صحيحٌ، ومنها ما ليس بصحيحٍ، فَتُحْكَى لِيُعْتَبَرَ بما فيها من الغرائبِ والعجائبِ، وَيُنْتَفَعَ بما
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٥٠٨)، ابن كثير (٢/ ٢٢٥).
(٢) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٢٦).
(٣) أحمد (٣/ ٤٨١، ٤٨٢)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: «ومن سورة الذاريات» حديث رقم (٣٢٧٣، ٣٢٧٤)، (٥/ ٣٩١، ٣٩٢)، وابن ماجه في الجهاد مختصرًا باب: (الرايات والألوية). حديث رقم (٢٨١٦)، (٢/ ٩٤١)، وابن جرير (١٢/ ٥١٣، ٥١٦). وانظر: صحيح الترمذي، حديث رقم (٢٦١١)، وصحيح ابن ماجه، حديث رقم (٢٢٧٢)، والسلسلة الصحيحة (٥/ ١٣٧).
[ ٣ / ٤٩٦ ]
تشيرُ إليه من اجتلابِ المصالحِ وتجنبِ المضارِّ، ولا يُحْكَمُ بصحةِ شيءٍ منها إلا شيءٌ قام عليه دليلٌ من كتابٍ أو سُنَّةٍ.
والمفسرونَ يذكرونَ في قصتِهم أنهم لَمَّا تَمَرَّدُوا هذا التمردَ العظيمَ على نَبِيِّ اللهِ هودٍ، وأراد اللهُ أن يُهلكهم أمسكَ عنهم المطرَ ثلاثَ سِنِينَ، فقحطت أرضُهم وأجدبوا وجاعوا، وأضعفَهم القحطُ وكادَ يُهلكهم. ويزعمونَ أن عادةَ الناسِ في ذلك الزمانِ أن مَنْ أَصَابَهُ كَرْبٌ أو بلاءٌ يُرْسِلُونَ مَنْ يدعو اللهَ لهم عند بيتِه الحرامِ؛ لأنهم يظنونَ أن اللهَ إذا دُعِيَ عند بيتِه الحرامِ لا يَرُدُّ مَنْ دعاه ولا يخيِّبه. فلما وَقَعَ بهم ما وَقَعَ جَهَّزُوا وفدًا منهم، يزعمونَ أنه يقربُ من سبعينَ رجلًا، كبيرُهم: قَيْل بنُ عنز، المشهورُ في التاريخِ، وأرسلوا معه جماعةً من كبرائِهم - يزعمُ المؤرخونَ أن منهم: نعيمَ بنَ هزَّالةَ، ومنهم: مرثدُ بنُ سعدٍ. وكان مرثدُ بنُ سعدٍ فيما يزعمونَ مِمَّنْ آمَنَ بهودٍ، وكان يكتُم إيمانَه - ويزعمونَ أن الذين عند مكةَ في ذلك الوقتِ العمالقةُ، والعمالقةُ: أولادُ عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وأن رئيسَهم في ذلك الزمانِ يُسمَّى: معاويةَ بنَ بكرٍ، وأن أخوالَه عادٌ، وهم أخوالُه وأصهارُه، وأنه كان نازلًا بظاهرِ مكةَ خارجًا عن الْحَرَمِ، وأن الوفدَ الذي أرسلَه عادٌ ليستسقيَ اللهَ لهم عند بيتِ اللهِ الحرامِ نزلوا عندَ معاويةَ بنِ بكرٍ رئيسِ العماليقِ، وكان عادٌ أخوالَه وأصهارَه، وكان عنده قينتان يُغَنِّيَانِ، اسْمُهُمَا: الجرادتانِ، وأن رئيسَ العماليقِ - وهو معاويةُ بنُ بكرٍ - مَكَثَ عندَه الوفدُ العادي شهرًا، يسقيهم الخمرَ، وَيُحْسِنُ إليهم، وتغنيهم الجرادتانِ، حتى نَسُوا ما جاؤوا من أَجْلِهِ.
وكان معاويةُ بنُ بكرٍ - فيما يزعمُه المؤرخونَ والمفسرونَ -
[ ٣ / ٤٩٧ ]
رَقَّ لأخوالِه وأصهارِه عادٍ، وَأَسَاءَتْهُ حالةُ وَفْدِهِمْ، ولم يَقْدِرْ أن يُبَيِّنَ لهم شيئًا لئلا يظنوا أنه مُسْتَثْقِلٌ بضيافتِهم، فاستشارَ قينتيه فَقَالَتَا: قُلْ شعرًا تنبههم به ونغنيهم بذلك الشعرِ لينتبهوا، وأن معاويةَ بنَ بكرٍ ابتدعَ الشعرَ المذكورَ المعروفَ الذي نَبَّهُهُمْ به، وأن الجرادتين [غنتاهم] (^١) بذلك الشعرِ، [وأنهم لما غنتاهم] (^٢) الجرادتان به انتبهوا وذهبوا إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فقام قَيْل يدعو عندَ البيتِ، ويزعمُ المؤرخونَ والمفسرونَ أنه طَلَعَتْ سَحَابَاتٌ، وناداه منادٍ: اخْتَرْ أيها شِئْتَ؟! وأنه اخْتَلَى السوداءَ، وأنه سَمِعَ فيها قائلًا يقولُ: اخْتَرتَ رمادًا رمددًا، لا يترك من عادٍ أحدًا، لا والدًا ولا ولدًا. وأن تلك السحابةَ ذَهَبَتْ إليهم وجاءت مِنْ قِبَلِ وادٍ لهم يسمونَه: المغيثَ، ففرحوا بها وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: آية ٢٤] ويزعمُ المؤرخونَ أن منهم امرأةً تُسَمَّى: مميد (^٣)، أنها صُعِقَتْ، فلما أَفَاقَتْ قالوا: ما بَالُكِ؟ قالت: رأيتُ في العارضِ الذي تظنونه مطرًا شيئًا كالنارِ مَعَهُ رياحٌ، تَقُودُهُ رجالٌ، وفيه هلاكٌ. فأرسل اللهُ عليهم الريحَ العقيمَ، ما تذرُ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ [الحاقة: الآيتان ٦، ٧] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ.
والشعرُ الذي اخترعَه معاويةُ بنُ بكرٍ وَنَبَّهَ به وفدَ العاديين هو
_________________
(١) في الأصل: «غنتهما».
(٢) في الأصل: «وأنهما لما غنتهما».
(٣) هكذا في تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٦)، وفي البداية والنهاية (١/ ١٢٧): (فهد). وفي تفسير ابن جرير (١٢/ ٥١٢)،: (مَهْدَد).
[ ٣ / ٤٩٨ ]
قولُه فيما يَذْكُرُ المفسرونَ وأصحابُ السيرِ والأخبارِ، أنه قال (^١):
أَلَا يَا قَيْلَ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينَا غَمَامَا
فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا قَدَ امْسَوْا لَا يُبِينُونَ الْكَلَامَا
مِنَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو بِهِ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَلَا الْغُلَامَا
وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْرٍ فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ أَيَامَا
وَإِنَّ الْوَحْشَ تَأْتِيهِمْ جِهَارًا وَلَا تَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا
وَأَنْتُمُ هَا هُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا
قَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ وَلَا لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَا
هكذا يزعمُه المفسرونَ والمؤرخونَ، ويزعمونَ أَنَّ وقتَ إهلاكِ عادٍ أن الذين على مكةَ أنهم العمالقةُ. والناظرُ في التاريخِ يَسْتَرِيبُ في هذا ولا يُصَدِّقُهُ؛ لأن المعروفَ في التاريخِ أن بيتَ اللهِ الحرامَ لَمَّا انْدَرَسَ من أيام طوفانِ نوحٍ أنه لم يُبْنَ قبل أن بَنَاهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ بِنَاءَهُمَا المشهورَ المذكورَ في القرآنِ العظيمِ، وأنه قَبْلَ ذلك كان مُنْدَرِسًا لا يُعْرَفُ له محلٌّ كما قال اللهُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: آية ٢٦] ووجدوه في ذلك الوقتِ كانَ محلَّ مربضٍ لغُنَيْمَةٍ لرجلٍ من جُرْهُمٍ.
والمؤرخونَ يذكرونَ أن اللهَ لَمَّا أَنْبَعَ ماءَ زمزمَ لهاجرَ وإسماعيلَ أن أولَ من ساكنَها العمالقُ، وهم أولادُ عمليق. وهم من العربِ البائدةِ؛ لأنَّ العربَ نوعانِ: عربٌ بائدةٌ (^٢): أي: هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ
_________________
(١) الأبيات في تفسير ابن جرير (١٢/ ٥١٠)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، البداية والنهاية (١/ ١٢٦ - ١٢٧).
(٢) وهم العرب العاربة. ولم يذكر النوع الثاني وهم العرب المستعربة.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
ولم يَبْقَ لهم نَسْلٌ، وهم قبائلُ معروفةٌ، منهم عادٌ وَجُرْهُمٌ، ومنهم ثمودٌ، ومنهم أُميم وعبيل، وجديس وطسم من العربِ البائدةِ المعروفةِ الذين هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ (^١). وجاء في بعضِ الأحاديثِ ما يدلُّ على أنَّ أولَ مَنْ سَاكَنَ هاجرَ جُرْهُمٌ (^٢) ويمكن أن يُحْمَلَ على أنهم أولُ مَنْ سَاكَنَهَا بعدَ زوالِ العمالقِ (^٣).
والمذكورُ في التاريخِ (^٤) المعروف عند المؤرخين أَنَّ ماءَ زمزمَ لَمَّا نَبَعَ لهاجرَ وإسماعيلَ مَرَّ بهم قومٌ من العماليقِ كانوا مسافرين، وكانت مكةُ في ذلك الوقتِ لَا يُعْرَفُ بها ماءٌ، فَرَأَوْا طيرَ الماءِ، فجاؤوا فوجدوا هاجرَ وإسماعيلَ واستأذنوهم في المساكنةِ، وَاشْتَرَطَتْ عليهم هاجرُ أَنَّ الماءَ لها، ولم يَزَلِ العمالقُ معهم حتى بَغَوْا وطغوا في الحرمِ، وشبَّ إسماعيلُ، فَسَلَّطَ اللهُ عليهم جرهمًا - وهم من العربِ البائدةِ، من ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ، خلافًا لمن قال من المؤرخين: إن نفس جرهم كان مُسْلِمًا من الذين دخلوا في السفينةِ مع نوحٍ. والصحيحُ الذي عليه جمهورُ المؤرخين: أنه مِنْ ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ - فَسَلَّطَ اللهُ عليهم جرهمًا، وكان رئيسُهم مضاضَ بنَ عمرٍو الجرهميَّ، الذي زوَّج ابنتَه رَحْلَةَ لإسماعيلَ، وهي صاحبةُ القصةِ المشهورةِ الذي قال لها إبراهيمُ: إذا جاء زَوْجُكِ فقولِي له:
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٢٠)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (١/ ٢٩٤ - ٢٩٨)، صبح الأعشى (١/ ٣١٣)، فما بعدها.
(٢) يشير إلى الحديث الطويل في قصة هاجر وإسماعيل ونبع ماء زمزم. وهو في البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: يزفون: النَّسَلَانُ في المشي، حديث رقم (٣٣٦٤)، (٣٣٦٥)، (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٩).
(٣) قال الحافظ في الفتح: (٦/ ٤٠٣): «وقيل إن أصلهم من العمالقة» ا. هـ.
(٤) انظر: تاريخ الطبري (١/ ١٣٠).
[ ٣ / ٥٠٠ ]
لِيُثَبِّتْ عَتَبَةَ بَابِهِ (^١). ولم تزل جرهمٌ حتى شبَّ فيهم إسماعيلُ، وتزوجَ منهم، وتعلَّم منهم العربيةَ، وكانت سدانةُ البيتِ عندَ أولادِ إسماعيلَ إلى آخرِهم نابتِ بنِ إسماعيلَ، فلما مَاتَ نابت أخذَ الجرهميون مفاتيحَ الكعبةِ، وصارت عندَهم سدانةُ البيتِ، كما قال شاعرُهم لَمَّا أَجْلَتْهُمْ خزاعةُ (^٢):
وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ
فَأُرْسِلَ نبيُّ اللهِ إسماعيلُ لجرهم في مكةَ المكرمةِ، ثم مات إسماعيلُ وكبارُ أولادِه، وأخذَ الجرهميون سدانةَ البيتِ، ولم يزل البيتُ عند جرهم، وقد بنوه -جرهمٌ- أيامَ ولايتهم عليه، كما قال زهيرُ بنُ أبي سُلمى في معلقتِه (^٣):
فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ
ولم يزل جرهمٌ هم أهلَ بيتِ اللهِ الحرامِ حتى طَغَوْا وَبَغَوْا.
ويزعمُ المؤرخونَ أن رجلًا منهم يُسَمَّى (إسافًا) وامرأةً تُسَمَّى (نائلة) دَخَلَا جوفَ الكعبةِ فَزَنَى بها في جوفِ الكعبةِ، وأن اللَّهَ مَسَخَهُمَا حَجَرَيْنِ، وأنهما هما الصنمانِ اللَّذَانِ أخذهما الخبيثُ الخسيسُ اللعينُ: عمرُو بنُ لُحَيٍّ- الذي ضيَّع بقايا دينِ إبراهيمَ، وجاء بعبادةِ الأصنامِ، وبحَّرَ البحائرَ والسوائبَ - ووضعَ أحدَهما على الصَّفَا، والثانيَ على المروةِ، وكانوا يسجدونَ لهما في
_________________
(١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٢) البيت لعمرو بن الحارث بن مضاض من قصيدة له ذكرها ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢/ ١٨٦).
(٣) شرح القصائد المشهورات (٢/ ١٠٨).
[ ٣ / ٥٠١ ]
الْمَسْعَى!! وأشارَ لهما أبو طالبٍ في لَامِّيَّتِهِ المشهورةِ حيث قال (^١):
وَحَيْثُ يُلْقِي الأَشْعَرُونَ رِحَالَهُمْ بِمَلْقَى الرِّفَاقِ مِنْ إِسَافٍ وَنَائِلِ
فَلَمَّا بغى جرهمٌ وَطَغَوْا في الأرضِ سَلَّطَ اللهُ عليهم خزاعةَ. وخزاعةُ أصلُهم من العربِ المذبذبةِ، أكثرُ المؤرخين يقولونَ: إنهم من سبأ، وأن اللهَ لَمَّا أرسلَ سيلَ العرمِ على سبأٍ: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ صارت خزاعةُ منهم إلى الحجازِ ونزلوا على جرهمٍ في بيتِ اللهِ الحرامِ (^٢).
وبعضُ العلماءِ يزعمُ أنَّ خزاعةَ من أبناءِ قَمَعَةَ الذين منهم عمرُو بنُ لحيِّ بنِ قَمَعَةَ (^٣)، وقمعةُ بنُ إلياسَ. وإلياسُ أولادُه هم الذين يُسَمَّوْنَ: خِنْدَفًا؛ لأن إلياسَ بنَ مضرَ جَدَّ النبيِّ ﷺ يزعمُ أهلُ السيرِ والأخبارِ (^٤) أن امرأتَه تُسَمَّى: ليلى، وهي بنتُ الحارثِ بنِ قضاعةَ (^٥)، وأن إبلَهم ضَاعَتْ فَتَبِعَهَا عمرُو بنُ إلياسَ فأدرك الإبلَ فسُمِّي مدركةَ، وهو جَدُّ النبيِّ ﷺ، مدركةُ بنُ إلياسَ. وأن قمعةَ قَمَعَ بالبيت فقام به فسُمِّي قمعة (^٦). وَمِنْ نسلِه عمرُو بنُ لُحَيٍّ
_________________
(١) البيت في البداية والنهاية (٢/ ١٩١).
(٢) المصدر السابق (٢/ ١٨٧)، السيرة لابن هشام (١/ ١٠٦).
(٣) انظر: السيرة لابن هشام (١/ ٨٨)، البداية والنهاية (٢/ ١٩٩).
(٤) السابق.
(٥) في طبقات ابن سعد (١/ ٣٦)، تاريخ الطبري (٢/ ١٨٩) ومعجم البلدان (٢/ ٥٠٨)، ومعجم ما استعجم (٣/ ٨٥٩): «ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة». وتُسَمَّى أيضًا: خِنْدَفًا.
(٦) في تاريخ الطبري (٢/ ١٨٩): «وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج، فسمِّي قمعة» ا. هـ. والروايات في مدركة وطابخة متناقضة، فبعضها كما ذكر الشيخ هنا، وبعضها على العكس حيث تقول: إن عَمْرًا هو طابخة، وأن أخاه عامرًا هو مدركة.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
الخبيثُ (^١).
وخزاعةُ على قولِ مَنْ يقول: إنهم خِنْدَفيون لا أنهم من سبأٍ، وأن أحدَ أولادِه (^٢) اصطادَ أَرْنَبًا فطبخه فسُمي طابخة، وهو جدُّ تميمٍ، وأن تميمَ بنَ مر بن أُدِّ بن طابخةَ، وقبائل الرَّباب: بنو تيمٍ، وبنو عدي، وبنو عكل، وضبة وبنو ثور وبنو عجل (^٣) وهم قبائلُ الربابِ الذين تَحَالَفُوا على رُبٍّ (^٤) مع تميمٍ وصاروا يُنْسَبُونَ إليهم وقال فيهم الشاعرُ (^٥):
يَعُدُّ النَّاسِبُونَ إِلَى تَمِيمٍ بُيُوتَ الْمَجْدِ أَرْبَعَةً كِبَارَا
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري (٢/ ١٨٩)، السيرة لابن هشام (١/ ٨٨)، البداية والنهاية (٢/ ١٩٩).
(٢) أي. أولاد إلياس.
(٣) انظر: المعارف لابن قتيبة ص٧٤، الأنساب للسمعاني (٣/ ٣٩)، بلوغ الأرب (١/ ٢١)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (١/ ٤٠٢).
(٤) جاء في الأنساب (٣/ ٣٩): «وإنما سموا الرباب لأنهم ترببوا- أي: تحالفوا- على بني سعد بن زيد مناة. وقال الكلبي في كتاب الألقاب قال: إنما سموا الرباب أنهم غمسوا أيديهم في رُب فتحالفوا على بني تميم فسموا الرباب جميعًا، وخُصت تيم بالرباب» ا. هـ. ولم أقف على من عَدَّ بني عجل من الرباب، ففي الأنساب: نقلًا عن أبي عبيدة: «تيم الرباب: ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة بن أُدّ، وضبة بن أُدّ» ا. هـ. ونقل عن ابن الكلبي أنهم: «تيم وعدي وعوف والأشيب وثور أطحل وضبة بن أُدّ» ا. هـ. وفي بلوغ الأرب (١/ ٢١) (هامش): «الرباب - بالكسر - خمس قبائل تجمعوا فصاروا يدًا واحدة وهم: ضبة وثور وعكل وتيم وعدي» ا. هـ.
(٥) الأبيات في بلوغ الأرب (١/ ٢١). وصدر البيت الأخير: «ويذهب فيهما المري لغوًا».
[ ٣ / ٥٠٣ ]
يَعُدُّونَ الرَّبَابَ وَآلَ سَعْدٍ وَعَمْرًا ثُمَّ حَنْظَلَةَ الْخِيَارَا
وَيَسْقُطُ بَيْنَهَا الْمرِّيُّ عَفْوًا كَمَا أَلْغَيْتَ فِي الدِّيَةِ الْحُوَارَا
كذلك بنو مزينةَ الذين منهم زهيرٌ وأولادُه، وهم من أُدّ بنِ طابخةَ. هكذا يقول المفسرونَ. ثم لم يَزَلِ البيتُ عندَ خزاعةَ فَسَلَّطَهُمُ اللهُ على جرهم فطردوهم شَرَّ طردة، وَسَلَّطَ اللهُ الأمراضَ على جرهم، وَلَمَّا طلع الجرهميُّ على أحدِ جبالِ مكةَ ورأى خزاعةَ مُسْتَوْلِينَ على البيتِ ينحرون أباعرَ جرهم قال أبياتَه المشهورةَ المعروفةَ (^١):
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحُجُونِ إِلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا صُروفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَائِرُ
وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ
الأبيات المشهورة، ثم إن قُصَيًّا كان في الطائفِ ومعَه أبو غُبْشَانَ سيدُ خزاعةَ الذي بيدِه مفاتيحُ الكعبةِ، فسقاه خَمْرًا حتى سَكِرَ، واشترى منه البيتَ الحرامَ وسدانتَه، وأخذ مَفَاتِحَهُ وباعه له وهو سكرانُ بِزِقٍّ من خَمْرٍ، وكتب عليه صكَّ البيعِ، ولما استفاقَ ذلك وَصَحَا من سكره نَدِمَ وصار بينَ قريشٍ وخزاعةَ بعضُ حروبٍ على ذلك، وفي الواقعةِ يقولُ الشاعرُ (^٢):
بَاعَتْ خُزَاعَةُ بَيْتَ اللَّهِ إِذْ سَكِرَتْ بِزِقِّ خَمْرٍ فَبِئْسَتْ صَفْقَةُ الْبَادِي
_________________
(١) الأبيات لعمرو بن الحارث بن عمرو بن مُضاض، وهي في السيرة لابن هشام (١/ ١٣١)، البداية والنهاية (٢/ ١٨٥). وقد سقط هنا - بعد البيت الأول - بيت من أبياتها وهو قوله: فقُلتُ لها والقَلبُ منيّ كأنما يُلَجْلِجهُ بين الجَنَاحَيْنِ طائرُ
(٢) البيت في نهاية الأرب (١/ ٢٤٧).
[ ٣ / ٥٠٤ ]
وَقَعَ بينَهم بعضُ الحروبِ والقتلى فيما يذكره الأخباريون وأهلُ السِّيَرِ، فاستعانَ قُصَيٌّ بأخيه لأُمِّهِ سيدِ قضاعةَ، وكانت القتلى أكثرَ في خزاعةَ، ثم تَحَاكَمُوا إلى يَعْمَرَ الشَدَّاخِ (يعمر الكناني) الذي يقولُ فيه امرئُ القيسِ (^١):
كِنَانِيَّةٌ بَانَتْ وَفِي الصَّدْرِ وُدُّهَا مُجَاوِرَةٌ غَسَّانَ وَالْحَيَّ يَعْمَرَا
وكان من حكامِ العربِ، فحكم بأن تُشْدَخَ دماءُ خزاعةَ، أي: تُهْدَرَ، وحكم بصحةِ البيعِ، وأن الكعبةَ لِقُصَيٍّ (^٢). فأخذَها قُصَيٌّ، وأخذَ الوظائفَ المشهورةَ، وأعطاها لبني عبدِ الدارِ في خبرٍ يَطُولُ.
والمقصودُ عندنا من هذا أن العمالقَ إنما سَكَنُوا مكةَ بعدَ أن نبعَ ماءُ زمزمَ لهاجرَ وإسماعيلَ، وهذا هو المعروفُ في التاريخِ. والمعروفُ أن عادًا هلكوا بأزمنةٍ طويلةٍ قبلَ وجودِ إبراهيمَ، وأن هودًا كان قبل إبراهيمَ، وهذا مما يُشَكِّكُ في أن هذه الأخبارَ السيريةَ ليست بصحيحةٍ كما هو معروفٌ، وَاللَّهُ تعالى أعلمُ. إلا أن المفسرينَ يذكرونَ القصةَ كما ذَكَرْنَا.
ومعنَى قولِه: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: آية ٧١] الرجسُ هنا العذابُ، قال بعضُهم: أصلُه من الارتجاسِ، وهو: الاضطرابُ؛ لأن الْمُعَذَّبَ يضطربُ من شدةِ العذابِ. والغضبُ: هو غضبُ اللهِ الذي حَلَّ بهم.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ السلطانُ: الحجةُ الواضحةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا.
_________________
(١) ديوان امرئ القيس ص٥٩.
(٢) انظر: السيرة لابن هشام (١/ ١٤٠)، البداية والنهاية (٢/ ٢٠٧).
[ ٣ / ٥٠٥ ]
قال بعضُ العلماءِ: هي من السلطنةِ والقهرِ؛ لأن المتمسكَ بها يقهرُ خصومَه. وقال بعضُ العلماءِ: الأَلِفُ والنونُ فيها زائدتانِ، وأصلُها من السليطِ الذي يُوقَدُ به ضوءُ المصباحِ؛ لأَنَّ الحجةَ الواضحةَ ضوؤها يكشفُ ظلامَ الجهلِ، وهو معروفٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):
كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِيـ ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا
ثم قال: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ٧١] صيغةُ الأمرِ هنا في قولِه: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ للتهديدِ وقد تَقَرَّر في فَنِّ المعانِي في مبحثِ الإنشاءِ (^٢)، وفي فَنِّ الأصولِ في مبحثِ الأمرِ (^٣): أن مِنَ [المعانِي التي تَرِدُ لها صيغةُ:] (^٤) (افعل) التهديدَ.
﴿فَانْتَظِرُوا﴾ ومعنَى الانتظارِ: هو التربصُ لشيءٍ يأتِي.
﴿إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ أي: أَنْجَيْنَا هودًا وَأَنْجَيْنَا الذين آمنوا مع هودٍ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ لأنهم مؤمنونَ بنا ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: اسْتَأْصَلْنَاهُمْ بالهلاكِ، وذلك الهلاكُ بالريحِ العقيمِ.
ويذكرونَ في قصتِهم أن الريحَ تقلعُ الرجلَ من مكانِه فترفعُه إلى السماءِ كأنه ريشةٌ ثم تُلْقِيهِ في الأرضِ مُنَكَّسًا على رأسِه فينكسرُ
_________________
(١) البيت للجعدي، وهو في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٦١)، وفي اللسان (مادة: سلط)، و(مادة: نحس)، جمهرة أشعار العرب للقرشي (١/ ١٣٧)، الكامل للمبرد (١/ ٤٧٧). وصدره في بعض المصادر: «يُضيء كضَوء سِرَاجِ ». وفي بعضها: «تُضيءُ كمثلِ سِراجِ الذُّبال».
(٢) انظر: الإيضاح للقزويني ص١٤٨.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٤) في الأصل: «صيغ».
[ ٣ / ٥٠٦ ]
رأسُه، وتسقطُ أُمُّ رَأْسِهِ. ويدلُّ على هذه قولُه تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: آية ٢٠] والنخلُ المنقعرُ معناه: المنقلعُ من الأرضِ بعروقِه. وهذا يدلُّ على عِظَمِ أجسامِهم وَطُولِهَا، وأن اللهَ شَبَّهَهُمْ بقولِه: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ وإن كان العربُ يُشَبِّهُونَ القتلى مُطْلَقًا بالنخلِ المنقعرِ، ومنه قولُ العباسِ بنِ مرداسٍ السلميِّ (^١):
حَتَّى رَفَعْنَا وَقَتْلَاهُمْ كَأَنَّهُمْ نَخْلٌ بِظَاهِرَةِ الْبَطْحَاءِ مُنْقَعِرُ
وهذا معنَى قولِه: ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ٧٢] وإنما عُبِّرَ عن الاستئصالِ بقطعِ الدابرِ لأن الدابرَ هو الذي يَمْشِي وراءَك عند دبركَ. تقول: مَشَى زيدٌ فَدبَرَهُ عمرٌو. معناه: كان يمشي في أثرِه عن دبرٍ منه. والأولادُ - النسلُ - كأنه دابرٌ للآباءِ، إذا ماتَ هؤلاءِ بَرَزَ هذا دُبرهم يمشي من بعدِهم حَيًّا خلفَهم. وقطْعُ الدابرِ معناه: إهلاكُ الجميعِ حتى لا يَبْقَى به نَسْلٌ يكونُ خَلفًا من الآباءِ. بل اللهُ دَمَّرَ الجميعَ وأهلَكَهم عن آخرهم. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وهذا يدلُّ على أن التكذيبَ بآياتِ اللهِ مستوجبٌ للهلاكِ الْمُسْتَأْصِلِ.
وقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تأكيدٌ. وما كانوا في عِلْمِ اللَّهِ مؤمنين أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ طَبَعَهُمْ على الشقاوةِ، والعياذُ باللهِ جل وعلا.
ويزعم المفسرونَ أن نبيَّ اللهِ هودًا هو وَمَنْ مَعَهُ إنما جاءهم من الرياحِ ريحٌ باردةٌ لَيِّنَةٌ قدرَ ما يكون مُسْتَلَذًّا من الريحِ، ولم يَنَلْهُمْ منها شيءٌ (^٢).
_________________
(١) البيت في ديوانه ص٧٢، وأوله: «حتى تولوا ..».
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥١٣)، البداية والنهاية (١/ ١٣٠).
[ ٣ / ٥٠٧ ]
وزعم بعضُهم أن هودًا تُوُفِّيَ هنالك بجنبِ رمالِ حضرموتَ. وعن عَلِيِّ بنِ أبِي طالبٍ (﵁) أنه وَصَفَ لرجلٍ من حضرموتَ كَوْمًا من الرملِ فيه أشجارٌ وكذا وكذا حتى عَرَفَهُ الحضرميُّ بالعلاماتِ، فزعم له أن قبرَ هودٍ عِنْدَهُ (^١).
وأكثرُ المؤرخين يقولونَ: إن هودًا لَمَّا أهلكَ اللَّهُ قومَه سارَ هو ومن آمَنَ معه إلى الحجازِ، وماتوا كلهم بِمَكَّةَ، هكذا يقولونَ واللهُ تعالى أعلمُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.
[١٢/ أ] / قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)﴾ [الأعراف: الآيات ٧٣ - ٧٥].
يقولُ اللهُ جل وعلا: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١/١٣٥)، وابن جرير (١٢/ ٥٠٧)، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٣٠).
[ ٣ / ٥٠٨ ]
[الأعراف: آية ٧٣].
هذه هي القصةُ الثالثةُ من قصصِ الأنبياءِ التي قَصَّ اللَّهُ علينا في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - ذَكَرَ لنا قصةَ نوحٍ وماذا قال لقومه، وماذا قالوا له، وماذا كان مصيرُهم [ثم ذَكَرَ لنا قصةَ هودٍ] (^١) مع عادٍ وماذا قال لهم وقالوا له، وماذا كان مصيرُهم. ثم ذَكَرَ لنا القصةَ الثالثةَ وهي قصةُ صالحٍ مع قومِه ثمود، واللهُ - جل وعلا - يُبَيِّنُ لنا هذه القصصَ ليس المرادُ مطلقَ تاريخٍ فقط، وإنما يُبَيِّنُهَا للاعتبارِ، وليحذر الناس من معاصي الله، والتمردِ على أوامرِه، وتكذيبِ رُسُلِهِ؛ لئلَاّ ينزلَ بهم من الهلاكِ ما نَزَلَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ كما قال نبي اللَّهِ شعيبٌ لقومِه: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾ [هود: آية ٨٩].
وقولُه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ عُطِفَ على قولِه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] أَيْ: لقد أَرْسَلْنَا نوحًا إلى قومِه ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: آية ٦٥] أي: وَأَرْسَلْنَا إلى عادٍ أخاهم هودًا ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. أي: وَأَرْسَلْنَا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا.
ثمودُ: قبيلةٌ من قبائلِ العربِ البائدةِ الذين انقطعَ نَسْلُهُمْ، فَهُمْ من العربِ البائدةِ. والمؤرخونَ يزعمونَ أن ثمودَ أنه ابنُ عابرٍ، وبعضُهم يقولُ: جاثر أو جائر بن إرم بن سام بن نوح (^٢). وَنَبِيُّ اللهِ صالحٌ - من نَسَبِهِمْ - من أَوْسَطِهِمْ نَسَبًا وأكرمِهم بيتًا وحسبًا، بَعَثَهُ
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٢٤)، القرطبي (٧/ ٢٣٨)، البداية والنهاية (١/ ١٣٠).
[ ٣ / ٥٠٩ ]
اللَّهُ فيهم، وهو صالحُ بنُ عبيدِ بنِ آسفَ، من ذريةِ أروم من إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ (^١) من قبيلةِ ثمودَ، وهو من أوسطِهم نَسَبًا كما هي عادةُ الأنبياءِ. وهو نَبِيٌّ عربيٌّ كريمٌ، أرسله اللهُ إلى قبيلةٍ عربيةٍ من العربِ البائدةِ، كانت منازلُهم بَيْنَ الشامِ والحجازِ في وادِي الْقُرَى وما حَوْلَهُ، منازلهم معروفةٌ إلى الآن، وآثارُ نحتِهم للجبالِ باقيةٌ إلى الآن، كما يعرفُه مَنْ يَمُرُّ عليهم في طريقِه إلى الشامِ من الحجازِ، وبلادُهم هي المسماةُ بالْحِجْرِ، وتأتِي في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾ [الحجر: الآيات ٨٠ - ٨٣].
لَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ عادًا استخلفَ في الأرضِ بعدَهم قبيلةَ ثمودَ، وأكثرَ اللهُ عليهم الأرزاقَ وَالنِّعَمَ، وَوَسَّعَ لهم في المعاشِ، وعاثوا في الأرضِ وَأَفْسَدُوا فيها، وَعَبَدُوا الأصنامَ، فأرسلَ اللهُ إليهم نَبِيَّهُ صالحًا يُذكِّرهم، والمفسرونَ يقولونَ: لم يَزَلْ يدعوهم إلى الإسلامِ حتى بدأ فيه الشَّمطُ، وهو البياضُ الذي يَبْدُو في اللحيةِ، أو الشيبُ الذي يدخلُ في الرأسِ يخالطُه سوادٌ، وهو يدعوهم إلى اللهِ، وهم
_________________
(١) في طبقات ابن سعد (١/ ٢٧): «صالح بن آسف بن كماشج بن أروم بن ثمود بن جائر بن إرم بن سام بن نوح». وفي تاريخ الطبري (١/ ١١٥): «صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جائر بن إرم بن سام بن نوح». وفي تفسير القرطبي: (٧/ ٢٣٨): «صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود». وفي البداية والنهاية (١/ ١٣٠): «صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجز بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح». كما ذكر المعلق في الهامش عن بعض النسخ ما يغاير بعض ما سبق. ولا يخفى أن بعض هذه الفروقات بسبب الأخطاء المطبعية.
[ ٣ / ٥١٠ ]
لا يَزْدَادُونَ إلا عُتُوًّا وَتَمَرُّدًا؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [النمل: آية ٤٥] ثمودُ جَدُّهُمْ. وأجمعَ مَنْ يُعْتَدُّ به من القراءِ في هذا الحرفِ على عدمِ صرفِ ثمودَ، قرؤوا كُلُّهُمْ: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: آية ٧٣] مجرورٌ بالفتحةِ؛ لأنه غيرُ منصرفٍ؛ لأنه عَلَمٌ مؤنثٌ؛ لأَنَّ المرادَ عَلَمُ القبيلةِ، فاجتمعت فيه العلميةُ والتأنيثُ، فمُنِع من الصرفِ. وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وإلى ثمودٍ أخاهم صالحًا﴾ فهي قراءةٌ شاذةٌ (^١)، والقراءاتُ السبعيةُ بعضُها يأتِي فيه صرفُ ثمودَ، [وبعضها] (^٢) يأتي فيه مَنْعُهَا من الصرفِ كما هو معروفٌ. فَمَنْعُهَا من الصرفِ نَظَرًا إلى تأنيثِ القبيلةِ، وأنه عَلَمٌ مؤنثٌ، والعلميةُ والتأنيثُ مَانِعَانِ من الصرفِ، وَمَنْ صَرَفَ ثمودَ فقال: (ثمودًا) بتنوينِ الصرفِ أَرَادَ جَدَّهُمُ الأكبرَ الذَّكَرَ ولم يُرِدِ القبيلةَ فلم تجتمع علامتانِ مانعتانِ من الصرفِ، وهذا هو وجهُ كونِه ينصرفُ في بعضِ المواضعِ ولا ينصرفُ في بعضها (^٣).
أرسلنا إليهم: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ أخاهم في النسبِ لَا في الدِّينِ؛ لأن دِينَهُ يخالفُ دينَهم، فلما جاءهم نَبِيُّ اللهِ صالحٌ جاءهم بدعوةِ جميعِ الأنبياءِ وهي عبادةُ اللهِ وحدَه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ليس لكم معبودٌ يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه سواه، بل هو (جلَّ وعلا) المعبودُ وحدَه، المستحقُّ لأَنْ يُفْرَدَ فِي العبادةِ وَيُخْلَصَ له
_________________
(١) انظر: إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٥٣).
(٢) في الأصل: «وبعضهم».
(٣) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٢٥)، القرطبي (٧/ ٢٣٨)، الدر المصون (٥/ ٣٦١).
[ ٣ / ٥١١ ]
الدينُ؛ لأنه الخالقُ الرازقُ الْمُحْيِي المميتُ الذي بيدِه الأمرُ، وإليه يصيرُ كُلُّ شيءٍ، فهو المعبودُ وحدَه.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الْبَيِّنَةُ: هي الدليلُ الذي يقومُ على الحقِّ فيتركُه واضحًا لا شبهةَ فيه، ومنه قِيلَ للشهودِ على الحقِّ: (بينة) لأنهم يُثْبِتُونَهُ ويظهرون أنه حَقٌّ حتى يبقَى لَا لَبْسَ فيه. فَكُلُّ دليلٍ يُظْهِرُ الحقَّ وَيُبَيِّنُهُ حتى لا يبقى فيه لبسٌ تُسَمِّيهِ العربُ: (بَيِّنَةً). وهذه البينةُ جاءتهم من رَبِّهِمْ. (مِن) لابتداءِ الغايةِ. أعنِي: مبدأُ إتيانِها من ربكم. أي: خالقِكم وسيِّدكم ومدبرِ شؤونكم. فكأن قائلًا قال: ما هذه الْبَيِّنَةُ والمعجزةُ الواضحةُ التي لم تَتْرُكْ في الحقِّ لَبْسًا، وَأَنَّ صالحًا رسولٌ من ربِّ العالمين؟ فَسَّرَ البينةَ بقولِه: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: آية ٧٣] يذكرونَ في قصتِهم أن سيدَهم كان رجلًا يُسَمَّى: جندعَ بنَ عمرٍو. وَبَنُو عمرٍو من ساداتِ ثمودَ وبطونِهم الكبارِ العظامِ، فلما أَلَحَّ عليهم صالحٌ في الدعاءِ إلى اللَّهِ زَعَمَ المؤرخونَ (^١) والمفسرونَ (^٢) أنهم قالوا له: «اذْهَبْ مَعَنَا إلى عِيدِنَا الذي نجتمعُ فيه، فنذهبُ بأصنامِنا وندعو أصنامَنا وتدعُو أنتَ إِلَهَكَ، فإن اسْتُجِيبَ لأصنامِنا اتَّبِعْنَا وإن اسْتَجِيبَ لإِلَهِكَ اتَّبَعْنَاكَ. فقال لهم: نَعَمْ. فخرجَ معهم فَدَعَوْا أصنامَهم فلم يستجيبوا لهم بشيءٍ - كما هو معلومٌ لَا يَخْفَى- فاقترحَ عليه سَيِّدُهُمْ، أو جماعتُهم - تَعَنُّتًا - قالوا: هذه الصخرةُ - يزعمونَ أنها كانت صخرةً كبيرةً كالهضبةِ، ويزعمونَ أنها
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٣٤).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٢٨).
[ ٣ / ٥١٢ ]
تُسَمَّى (الكاثبةَ) - أَخْرِجْ لنا منها ناقةً مخترجةً. معناه: هي كالبختيةِ، تكونُ جوفاءَ وَبْرَاءَ عُشراء، فان أخرجتَها لنا على هذا الوصفِ اتَّبَعْنَاكَ.
فأخذ صَالِحٌ عليهم عهودَ اللهِ ومواثيقَه أنه إن أَخرَجَ لهم اللهُ تلك الناقةَ من تلك الصخرةِ الصَّماءِ اتَّبَعُوهُ، فلما أَخَذَ عليهم المواثيقَ يقولُ المفسرونَ: إنه قام فصلَّى ركعتين وَدَعَا اللهَ تعالى وَهُمْ ينظرونَ، فلما دَعَا اللهَ تَحَرَّكَتِ الصخرةُ وَتَمَخَّضَتْ تمخضَ النَّتُوجِ عن وَلَدِهَا، فانشقت عن تلك الناقةِ، عُشْراءَ، وَبْرَاءَ، جَوْفَاءَ، ضخمةً بالغةً في غايةِ الضخمِ.
ثم إنها وَلَدَتْ فصيلًا ضخمًا مثلَها وهم ينظرونَ، فلما عَايَنُوا هذا أسلمَ رئيسُهم جندعُ بنُ عمرٍو وَمَنْ كان معه من الرهطِ الذين يُطِيعُونَهُ، وحاولَ كُبراءُ ثمودَ أن يُسلموا كلُّهم لَمَّا عَايَنُوا من آياتِ اللهِ، فجاءهم خبثاءُ منهم، منهم ذؤابُ بنُ عمرِو بنِ لَبِيدٍ، بعضُهم يقولُ: ابنُ عمرِو بنُ أَسَدٍ، والحُبابُ صَاحِبَا آلهتهم التي يَسْدنُونَهَا، وربابُ بنُ صمعر، وجماعةٌ من رؤسائِهم، فَزَيَّنُوا لهم الارتدادَ، وأن لا يتبعوا صَالِحًا، فَثَبَّتُوهُمْ على الكفرِ والعياذُ بالله. وكان فيهم رجلٌ يُسَمَّى: شهابَ بنَ خليفةَ، ابن عَمِّ سيدِهم جندعَ بنِ عمرٍو، كان من أَعَزِّ الفتيانِ في ثمودَ، ومن أفاضلِهم وأماثلِهم المتَّبعين، فدعاه مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قومِه من بني عمرو ليُسلم فمنعه الخبيثُ ذؤابُ بنُ عمرٍو وربابٌ وَمَنْ معهم من الأعزاءِ من كفرةِ ثمودَ. وكان شاعرُهم المُسلم يقولُ في ذلك (^١):
وَكَانَتْ عُصْبةٌ مِنْ آلِ عَمْرٍو إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا
عَزِيزَ ثَمُودَ كُلَّهُمُ جَمِيعًا فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا
لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًا وَمَا عَدَلُوا بِصَاحِبِهِمْ ذُؤَابَا
_________________
(١) الأبيات في ابن جرير (١٢/ ٥٣٠)، البداية والنهاية (١/ ١٣٤).
[ ٣ / ٥١٣ ]
إلى آخِرِ الأبياتِ المعروفةِ. فَأَسْلَمَتْ تلك الطائفةُ القليلةُ مع صالحٍ، وَبَقِيَ أكثرُهم في غايةِ الكفرِ والعتوِّ والتمردِ على اللَّهِ. وَلَمَّا أخرجَ لهم الناقةَ أمرَه اللهُ بأن يقولَ لهم: إن بئرَهم التي يشربونَ منها: نهارٌ منها للناقةِ لَا يَشْرَبُ منها غيرُها أبدًا، والنهارُ الثاني لجميعهم يَسْقُونَ مواشيَهم وأنفسَهم وَيَدَّخِرُونَ ما شاؤوا من الماءِ، كما قال: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ [القمر: آية ٢٨] وقال: ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: آية ١٥٥] يَذْكُرُ المؤرخونَ أن يومَ شُرْبِ الناقةِ أنها تأتِي من بَيْنِ الْجَبَلَيْنِ فَتُدْخِلُ رَأْسَهَا في البئرِ ولا تتركُ في البئرِ قطرةً من الماءِ، ثم إنها تُفَرِّجُ فَخِذَيْهَا فيحلبونَ منها كلما شاؤوا فيملؤونَ جميعَ أوعيتِهم، ويدخرونَ من لَبَنِهَا كلما شاؤوا فَيُغْنِيهِمْ ذلك عن الماءِ (^١)، وَلَبَنُهَا من أصفَى اللبنِ وأعذبِه وأحلاه. فلما طَالَ عليهم ذلك عَقَرُوهَا - والعياذُ بالله - كما جاء في آياتٍ قرآنيةٍ كثيرةٍ، وسببُ عَقْرِهَا يقولُ المفسرونَ والمؤرخونَ (^٢): إنه كانت فيهم عجوزٌ كافرةٌ، هي امرأةُ ذؤابِ بنِ عمرِو بنِ لبيدٍ، أو ابنِ عمرِو بنِ أسدٍ، هي من أقبحِ الناسِ وأشدِّهم كُفْرًا وَعَدَاوَةً لِصَالِحٍ، تُسَمَّى: عُنيزةَ بنتَ غُنْمٍ، وَتُكْنَى: أُمَّ غنم (^٣)، وكانت ذاتَ بناتٍ حِسَانٍ، وهي زوجُ ذؤابِ بنِ عمرٍو - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وأنها جاءت للقبيحِ قُدارِ بنِ سالفٍ - وكان قُدارُ بنُ سالفٍ قصيرًا أَحْمَرَ، أزرقَ العينين عزيزًا في قومِه، وجاء في الحديثِ وَصْفُهُ بأنه
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٢/ ٥٣٠ - ٥٣١).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٣١)، البداية والنهاية (١/ ١٣٥).
(٣) في البداية والنهاية (١/ ١٣٥): «عنيزة بنت غنيم بن مجلز وتكنى: أم عثمان».
[ ٣ / ٥١٤ ]
عارمٌ عزيزٌ في قومِه (^١).
والعارمُ: شديدُ الشرِّ - وقالت له: إن أنتَ عقرتَ هذه الناقةَ أعطيتُك أَيَّ بَنَاتِي شِئْتَ. وكان عندها بناتٌ حِسَانٌ، ذواتُ جمالٍ، ويزعمونَ أن امرأةً منهم أخرى تُسَمَّى: صدقةَ أو صدوقَ (^٢) بنتَ الْمُحَيَّا، وكانت ذاتَ جمالٍ بارعٍ، وَكِلْتَا المرأتين لهما أغنامٌ وآبال وأبقارٌ كثيرةٌ، وكانت الناقةُ لِعِظَمِهَا إذا رأتها مواشيهم تَفِرُّ منها خوفًا منها، وكانت الناقةُ زمنَ الصيفِ تخرجُ عن حرِّ الوادي، فإذا رَأَتْهَا مواشيهم نَفَرَتْ منها واضطُرت إلى حرِّ الوادي، وإذا كان في الشتاءِ دَخَلَتِ الناقةُ في الوادي لِتَتَدَفَّأَ به، فنفرت منها مواشيهم، فتضرروا بذلك، وكانوا يتمنونَ عَقْرَهَا. وأكثرُ المفسرين يقولونَ: إن السببَ فيه هاتانِ المرأتانِ، وأنَّ قُدارَ بنَ سالفٍ - لَمَّا أَغْرَتْهُ الخبيثةُ عنيزةُ بنتُ غنمٍ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وَخَيَّرَتْهُ في بناتِها مع جَمَالِهِنَّ إن هو عَقَرَ الناقةَ - انتدبَ واحدًا من قومِه يُسَمُّونَهُ مصدعَ، وأن هذين الرَّجُلَيْنِ اتَّبَعَهُمَا سبعةٌ من قومِهم فصاروا تسعةً، وأنهم هم المذكورونَ في سورةِ النملِ: ﴿وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل: أية ٤٨] وأنهم ذهبوا إلى الناقةِ وَكَمِنُوا لها يومَ شُرْبِهَا عندما صَدَرَتْ من الماءِ، والمؤرخونَ يزعمونَ أنها لا يمكنُ أن تصدر من الفجِّ الذي جاءت منه لِعِظَمِهَا (^٣)؛ لأنها يصعب عليها أن تَنْثَنِيَ، فتطلع من فَجٍّ آخَرَ، فكمنوا لها وهي صادرةٌ
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير (تفسير سورة والشمس وضحاها) حديث رقم (٤٩٤٢) (٨/ ٧٠٥)، وأطرافه (٣٣٧٧، ٤٩٤٢، ٥٢٠٤، ٦٠٤٢).
(٢) في البداية والنهاية (صدوق) (١/ ١٣٥)، وفي تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٣١): (صدوف).
(٣) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٣٥)، البداية والنهاية (١/ ١٣٥).
[ ٣ / ٥١٥ ]
من الماءِ. يقولُ المفسرونَ والمؤرخونَ (^١):
إن مصدعَ كَمَنَ لها في أصلِ صرفٍ وَكَمَنَ قدارُ بنُ سالفٍ في صخرةٍ أخرى، فَمَرَّتْ بهما الناقةُ فرماها مصدع فانتظمَ بسهمِه عَضَلَتَهَا، ثم مرت على قدارِ بنِ سالفٍ يزعمونَ أن الخبيثةَ - المرأةَ - كَشَفَتْ له عن بنتِها الجميلةِ وَحَرَّضَتْهُ على عقرِ الناقةِ فضربَ عرقوبَها فَسَقَطَتْ، فضربَ في لُبَّتِهَا فنحرها، وأنهم اقتسموا لَحْمَهَا.
واختلفت رواياتُ المؤرخين والمفسرين في الفصيلِ (^٢)، ولا شيءَ في ذلك ثابتٌ، فمنهم مَنْ يقولُ: إن مصدعًا تَبِعَهُ فأخذه وَنَحَرَهُ معها واقتسموا لحمَه مع لَحْمِهَا. ومنهم مَنْ يقول: إنه رَغَا مَرَّاتٍ، وصار فوقَ جبلٍ، وانفتحت له صخرةٌ فدخل فيها، حتى إن قومًا ليزعمونَ أنه هو الدابةُ التي تأتِي في آخِرِ الزمانِ! وَكُلُّ ذلك قصصٌ لَا مُعَوَّلَ عليها ولا ثبوتَ لها. واللهُ أعلمُ بقصةِ الفصيلِ؛ لأنَ القرآنَ لم يُبَيِّنْ ماذا كان مصيرُه، ولم يُبَيِّنْهُ ولم يثبت خبره بوحيٍ صحيحٍ، وإنما هي رواياتٌ يَحْكِيهَا المؤرخونَ والمفسرونَ.
فَلَمَّا عقروا الناقةَ - والعياذُ بالله - والذي تَوَلَّى عقرها قدارُ بنُ سالفٍ - قَبَّحَهُ اللهُ - هو أَشْقَى الأَوَّلِينَ، ويُزعَمُ أن أصلَه ابنُ زَنْيَةٍ، وُلِدَ على فراشِ سالفٍ، وهو خبيثٌ أحمرُ أزرقُ، عزيزٌ في قومِه عَارِمٌ، أنه لَمَّا عقروها -والقرآنُ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ عقرِهم لها- فبيَّن أن عاقرَها واحدٌ، وأسندَ عقرَها للجميعِ حيث قال: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: آية ٢٩] وقال في آياتٍ كثيرةٍ إن الذي عَقَرَهَا الجميعُ كقولِه: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف:
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٣١) ..
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٣٣)، البداية والنهاية (١/ ١٣٥).
[ ٣ / ٥١٦ ]
آية ٧٧] وكقولِه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: الآيات ١١ - ١٤] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ (^١). وأجابَ العلماءُ عن أن اللَّهَ مرةً نَسَبَ العقرَ إلى واحدٍ وهو قولُه: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ وتارةً نَسَبَ العقرَ إلى الجميعِ، قالوا: لأنهم كُلَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ، وأنه لم يذهب لعقرِها حتى اتَّفَقَ جميعُهم، حتى إنه لَيَسْتَأْذِنُ المرأةَ في خِدْرِهَا فتقولُ: نَعَمْ. فَوَافَقُوا جميعًا على عقرها، والمتمالئون على شيءٍ، المتفقونَ عليه، كأنهم فَعَلُوهُ كُلُّهُمْ، وإن كان المباشرُ واحدًا منهم. هكذا قَالَهُ بعضُ العلماءِ، مع أن عادةَ اللغةِ العربيةِ إسنادُ الفعلِ للناسِ وفاعلُه بعضُهم (^٢)، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، وكثيرٌ في القرآنِ العظيمِ، ومما يُوَضِّحُهُ كناية الإيضاحِ: قراءةُ (^٣) حمزةَ والكسائيِّ ﴿فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^٤) [البقرة: آية ١٩١] لأنه لا يَصِحُّ أنه إن قتلوكم ومتم فاقتلوهم بعدَ أن قُتِلْتُمْ ومتم. هذا ليس من المعقول!
والمعنَى: فإنا قَتَلُوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الآخَرُ، فَأَطْلَقَ [الكلَّ وأرادَ البعضَ] (^٥). وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ ابنِ مطيعٍ يومَ حرةِ واقمٍ لَمَّا جاءت جيوشُ يزيدَ بنِ معاويةَ يرأسُها (مجرم) الذي يُسَمَّى: مسلمَ بنَ عقبةَ، وفعلوا بالمدينةِ ما فَعَلُوا، وكان الشاعرُ يقولُ (^٦):
_________________
(١) راجع المصدرين السابقين.
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.
(٤) السابق.
(٥) في الأصل: «فأطلق البعض وأراد الكل». وهو سبق لسان.
(٦) مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٥١٧ ]
فَإِنْ تَقْتُلُونَا عِنْدَ حَرَّةِ وَاقِمٍ فَلَسْنَا عَلَى الإِسْلَامِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ
فقولُه: «فإن تَقْتُلُونَا» لو كان هو ميتًا مقتولًا لَمَا كان حَيًّا يُرزَق يقولُ الشعرَ، وإنما المرادُ: فإن تقتلوا بعضَنا.
فَلَمَّا عقروا الناقةَ واقتسموا لَحْمَهَا، قيل: وكذلك فصيلها. وقيل: دَخَلَ فصيلُها في الصخرةِ فَانْفَرَجَتْ له. ويزعم بعضُ المؤرخين: أن صَالِحًا لَمَّا عَلِمَ أنهم عقروها قال لهم: أَدْرِكُوا فَصِيلَهَا لعلَّ اللهَ يكشفُ عنكم العذابَ. وأنهم لم يستطيعوا أن يُدْرِكُوهُ، فلما أَخْبَرُوا نَبِيَّهُمْ صالحًا قال لهم ما حَكَى اللهُ عنه: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: آية ٦٥] يعنِي: لكم متعةُ ثلاثةِ أيامٍ وبعدَ اليومِ الثالثِ يأتيكم العذابُ الْمُسْتَأْصِلُ. قالوا له: وما علامةُ ذلك؟ يذكرُ المفسرونَ والمؤرخونَ أنه قال لهم: تُصْبِحُونَ في اليومِ الأولِ وألوانُكم مُصْفَرَّةٌ، ثم في اليومِ الثانِي تحمرُّ ألوانُكم، ثم في اليومِ الثالثِ تسودُّ ألوانُكم، ثم في اليومِ الرابعِ يأتيكم عذابُ اللهِ المستأصلُ فيهلككم اللهُ. هكذا يقولونَ.
ويزعمُ المفسرونَ والمؤرخونَ: أن عَقْرَ الناقةِ كان يومَ الأربعاءِ - وكانوا يسمونَ الأيامَ بغيرِ هذه الأسماءِ المعروفةِ - فلما كان يومُ الخميسِ أصبحت وجوهُهم مُصْفَرَّةً، وصار بعضُهم يقولُ لبعضٍ: أَلَا ترى هذه الصفرةَ التي في وَجْهِكَ؟ فعلموا بالهلاكِ، وَأَيْقَنُوا صِدْقَ النبيِّ صالحٍ، فلما كان يومُ الجمعةِ - فيما يزعمونَ - أصبحت ألوانُهم مُحْمَرَّةً، فازدادوا يقينًا بالهلاكِ، فلما كان يومُ السبتِ أصبحت ألوانُهم مُسْوَدَّةً (^١). وبعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: هو اليومُ الثالثُ
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٣٥)، البداية والنهاية (١/ ١٣٦).
[ ٣ / ٥١٨ ]
من عَقْرِهَا، فهلاكُهم يومُ السبتِ. وبعضُهم يقولُ: هو صبيحةُ الأحدِ. وَلَمَّا أَيْقَنُوا بالهلاكِ يزعمونَ أنهم تَحَنَّطُوا بالأشياءِ المصبِّرةِ، ولبسوا الأشياءَ التي هي كالأكفانِ مستعدينَ للهلاكِ، فلما ارْتَفَعَتْ شمسُ اليومِ بعدَ اليومِ الثالثِ جاءتهم الصيحةُ، سَمَّاهَا اللهُ في آياتٍ صيحةً، كما قال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: آية ٦٧] والمرادُ بهم قومُ صالحٍ، وَسَمَّاهَا هنا رجفةً فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾ [الأعراف: آية ٧٨] ولا منافاةَ بَيْنَ تسميتِها صيحةً وتسميتِها رجفةً؛ لأَنَّ الصيحةَ يصيحُ بهم الملكُ من فوقِهم نازلًا من السماءِ، فإذا صَاحَ بهم رَجَفَتْ بهم الأرضُ وَارْتَعَدَتْ من شدةِ صيحةِ الملكِ، فَفَارَقَتْ أرواحُهم أبدانَهم فلم يَبْقَ منهم دل ولا مجيبٌ والعياذُ باللهِ جل وعلا (^١).
وهذا معنَى قولِه: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: آية ٧٣] ﴿آيَةً﴾: حالٌ مقدَّرةٌ، والعاملُ فيها معنَى الإشارةِ، أُشِيرَ إليها في حالِ كونِها آيةً. أي علامةً واضحةً على أنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ من اللَّهِ جِئْتُكُمْ. والتحقيقُ: أنها إنما كانت آيةً لانْفِلَاقِ الصخرةِ عنها، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ثم قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَاّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: آية ٥٩] خِلَافًا لمن زَعَمَ أن كونَها آيةً: عِظَمُهَا، وأنها تشربُ البئرَ كُلَّهَا، ولا توجدُ ناقةٌ من إبلِ الدنيا تشربُ بِئْرًا كُلَّهَا وحدَها في وقتٍ واحدٍ!! وخلافًا لِمَنْ زعم أن كونَها آيةً: كثرةُ ما يُحْلَبُ منها من اللبنِ؛ لأنها يُحْلَبُ بها من اللبنِ ما يَسَعُ خلائقَ كثيرةً، كل هذا قيل به، والأظهرُ هو ما عليه جمهورُ المفسرينَ، ويدلُّ
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٣٦)، الدر المصون (٥/ ٣٦٩)، الأضواء (٢/ ٣٢٥).
[ ٣ / ٥١٩ ]
عليه ظاهرُ القرآنِ أنها معجزةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صالحٍ، وهذا معنَى قولِه: ﴿فَذَرُوهَا تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: آية ٧٣].
﴿فَذَرُوهَا﴾ معناه: اتْرُكُوهَا ﴿تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾؛ لأن الأرضَ التي تأكلُ فيها ليست لكم، والعُشْب الذي تَأْكُلُهُ ليس من إِنْبَاتِكُمْ، بل هي أرضُ رَبِّهَا، والنباتُ الذي أنْبَتَهُ مَنْ خَلَقَهَا، فليست الأرضُ لكم، ولستُم أنتم الذين أَنْبَتُّمْ النباتَ ﴿فَذَرُوهَا تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ﴾ أي: لا تَتَعَرَّضُوا لها بشيءٍ فيه سوءٌ: من عَقْرٍ، ولا نَحْرٍ، ولَا طَرْدٍ، ولَا مَنْعِهَا من نصيبِها من الماءِ، إلى غيرِ ذلك.
﴿فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فهذه فاءُ السببيةِ، والمضارعُ منصوبٌ بـ (أن) مضمرةٍ بعدَها يجبُ حَذْفُهَا، والمعنَى: لا تَمَسُّوهَا بسوءٍ فيتسببُ عن ذلك أن يأتيَكم عذابٌ أليمٌ. والأليمُ معناه: الْمُؤْلِمُ. والصحيحُ: أن (الفعيل) في لغةِ العربِ تأتِي بمعنَى (المُفْعِل) وما يذكرُه بعضُ علماءِ العربيةِ عن الأصمعيِّ من إنكارِه إتيانَ (الفَعِيْل) في اللغةِ بمعنَى (المُفْعِل) وَاغْتَرَّ به بعضُ المفسرين فقال: أليمٌ معناه: مُتَأَلَّمٌ منه، فجعلَه بصيغةِ اسمِ المفعولِ. كُلُّ ذلك غيرُ صحيحٍ، بل غَلَطٌ، والتحقيقُ: أن (الفَعِيل) تأتِي في اللغةِ العربيةِ بمعنَى (المُفْعِل) (^١) كقولِه: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بمعنَى: مُؤْلِمٍ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):
وَنَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ
_________________
(١) انظر: تفسير الألوسي (١/ ١٥٠)، التحرير والتنوير (١/ ٢٨٢).
(٢) البيت لذي الرمة. وهو في الكامل للمبرد (١/ ٢٦٠). والشمردلات: الإبل الطوال. ونرفع: أي: نستحثها في السير. والوهج: الحر الشديد.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
أَيْ: وهجٌ مُؤْلِمٌ. ومنه بهذا المعنَى قولُه تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: منذرٌ. فالنذيرُ بمعنَى الْمُنْذِرِ. وقولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ في مطلعِ عَيْنِيَّتِهِ المشهورةِ (^١):
أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
فقولُه: «السميع» يعنِي: الدَّاعِي الْمُسْمِع. فأطلق على المسمعِ السميعَ.
ومنه قولُه فيها أيضا (^٢):
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ تَحِيَّةُ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ وَجِيْعُ
أي: ضَرْبٌ مُوجِعٌ. فهذا هو التحقيقُ.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ﴾ فيتسببُ عن مَسِّكُمْ إياها بالسوءِ أن يأتيكَم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ العذابُ: نكالُ اللهِ (جلَّ وعلا) الذي يأتِي به لِمَنْ يستحقُّه بسببِ ارتكابِ الذنبِ. ﴿عَذَابٌ﴾ من اللهِ ﴿أَلِيمٌ﴾ أي: مُؤْلِمٌ، وهذا معنَى قولِه: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾.
قولُه: ﴿تَأْكُلْ﴾ المضارعُ مجزومٌ بجوابِ الأمرِ، ويجوزُ رَفْعُهُ، إلا أنَّ عَامَّةَ مَنْ يُعْتَدُّ به من القراءِ على الجزمِ، وأكثرُ علماءِ العربيةِ: أن المضارعَ المجزومَ في جوابِ الطلبِ أن أصلَه مجزومٌ بجملةٍ شرطيةٍ محذوفةٍ (^٣) وتقريرُ المعنَى: إن تَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أرضِ اللهِ. وهذا معنَى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ يعنِي: إن تَتْرُكُوهَا وتذروها تأكلْ في أرضِ اللهِ.
_________________
(١) البيت في الأصمعيات ص١٧٢، الشعر والشعراء لابن قتيبة ص٢٤٠، (شرح الكافية الشافية) لابن مالك (٢/ ١٠٣٤).
(٢) البيت في الكتاب لسيبويه (٢/ ٣٢٣)، الدر المصون (٢/ ٤٧).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٦٩) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٥٢١ ]
ومعنَى قولِه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ﴾ أي: بأيِّ أَذًى من أنواعِ الأَذَى، من عَقْرٍ، أو نَحْرٍ، أو ضَرْبٍ، أو تَنْفِيرٍ، أو مَنْعٍ من المرعى، أو مَنْعِ نَصِيبِهَا من الماءِ ﴿فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ثم إن نَبِيَّ اللهِ صالحًا ذكَّر قومَه أيضًا بِنِعَمِ اللهِ قال: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: آية ٧٤] أي: نِعَمَ اللهِ ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾ يعني: في الأرضِ من بعد عَادٍ، مثلما قال [هود] (^١) لقومِه: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: آية ٦٩] وهذا قَرَّرْنَاهُ فيما مَضَى، أي: أَهْلَكَهُمْ وجعلكم مُسْتَخْلَفِينَ في الأرضِ بعدَهم تتمتعونَ فيها. واستدلَّ بعضُ العلماء (^٢) بهذه الآياتِ على أن الكافرَ يصدقُ عليه أنه مُنَعَّمٌ عليه في الدنيا؛ لأن نَبِيَّ اللهِ هودًا - وهو هو - قال لقومِه: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ فصرَّح بأن لله عليهم نِعَمًا في الدنيا، وكذلك قال نَبِيُّ اللهِ صالحٌ: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ كُلٌّ مِنْ هودٍ وصالحٍ أن لله في الدنيا على الكفرةِ آلاء وَنِعَمًا بما أعطاهم من الرزقِ والعافيةِ ورغدِ العيشِ والتمتعِ بلذاتِ الدنيا، هذه الآياتُ دَلَّتْ على هذا.
وقال بعضُ العلماءِ: لا نعمةَ على الكافرِ أَصْلًا؛ لأن هذا استدراجٌ، واللهُ يقولُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٨٢، ١٨٣] فمنزلتُه منزلةُ الطعامِ اللذيذِ الذي فيه السمُّ الفتاكُ القاتلُ، فشربُه ليس بلذيذٍ، والإنعامُ به ليس بإنعامٍ!! وظاهرُ القرآنِ أَوْلَى بالإتباعِ؛ لأَنَّ اللهَ سمَّى
_________________
(١) في الأصل: نوح. وهو سبق لسان.
(٢) انظر: القرطبي (٤/ ٣٣٠)، (٧/ ٢٤٠).
[ ٣ / ٥٢٢ ]
هذه آلاء ونعمًا عليهم على ألسنةِ رسلِه الكرامِ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم)، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾.
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف: آية ٧٤] العربُ تقولُ: (بَوَّأَهُ يُبَوِّئه) إذا جَعَلَ له مباءة. والمباءةُ في لغةِ العربِ: المنزلُ. تقولُ العربُ: (بَوَّأَهُ يُبَوِّئُهُ) أي: اتَّخَذَ له مباءةً، أي: منزلًا. وتَبَوَّأَ الرجلُ يَتَبَوَّأ: اتخذَ مباءةً، أي: منزلًا. والمبوَّأ: هو المنزلُ (^١). وهذا كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، فَمِنْهُ في القرآنِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: آية ٧٤] أي: نَتَّخِذُ من مباءاتها ومنازلِها حيث نشاءُ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: آية ٥٨] أي: لَنَجْعَلَنَّ الغرفَ مباءاتٍ ومنازلَ لهم. وهذا في القرآنِ كثيرٌ ﴿وَلَقَدْ بَوَّأنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: آية ٩٣] أي: أَنْزَلْنَاهُمْ مُنْزَلًا كَرِيمًا طَيِّبًا كما هو معروفٌ، وهذا كثيرٌ في القرآنِ. ومن إطلاقِه في كلامِ العربِ قولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ (^٢):
كَمْ مِنْ أَخٍ لِي مَاجِدٍ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدَا
أَيْ: جَعَلْتُ اللحدَ مباءةً ومنزلًا له عند موتِه. وهذا معروفٌ، وهذا معنَى قولِه: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف: آية ٧٤] أَيْ: جَعَلَ في الأرضِ لكم مباءاتٍ ومنازلَ متنوعةً، منها ما تَتَبَرَّدُونَ به في الصيفِ، ومنها ما تستدفئونَ به في
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: باء) ص١٥٨، اللسان (مادة: بوأ) (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٢) البيت في الكامل (٣/ ١٣٧٧)، الدر المصون (٣/ ٣٧٩)، شواهد الكشاف ص٣٢، وشطره الأول في هذه المصادر: «كم من أخ لي حازم». سوى شواهد الكشاف إذ فيه: «صالح».
[ ٣ / ٥٢٣ ]
الشتاءِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ هي بَيْنَ الحجازِ والشامِ من وادِي القُرَى فما حَوْلَهُ، كانت ديارُهم هناك. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ السهولُ: جمعُ سَهْلٍ، وهو المكانُ المنخفضُ المستوي الذي لا وَعْرَ فيه. أي: تتخذونَ من أَمْكِنَتِهَا السهلةِ التي ليست بجبالٍ قصورًا، تَبْنُونَ تلك القصورَ من سَهْلِ الأرضِ مِمَّا توقدونَ عليه من آجُرها وطينِها وتؤسسونها بالحجارةِ، وكانوا في الصيفِ يسكنونَ القصورَ المبنيةَ من الآجُرِّ والطينِ؛ لأنها أشدُّ برودةً.
﴿وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتًا﴾ نحتُ الشيءِ: هو أن تنحته شيئًا فشيئًا، ومنه قيل للمِبْرَدِ: (مِنْحَتٌ) لأنه ينحتُ الشيءَ، ومعنَى نحتهم الجبالَ: أنهم يأخذونَ آلات حديد - وكانت سواعدُهم قويةً جِدًّا - فيحفرونَ في الجبلِ، حتى يجعلوا فيه أُوب البيوتِ، ثم يقطعونَ لها أبوابَها وطاقاتِها من نفسِ الجبلِ، ثم تكونُ تلك الأبوابُ والغرفُ والطاقاتُ كُلُّهَا من الجبالِ، يَنْحِتُونَهَا بالحديدِ بقوةِ أيديهم نَحْتًا، إذا اشتدَّ البردُ زمنَ الشتاءِ دَخَلُوهَا فكانت لشدةِ استدفائِها لا يحسونَ بالبردِ شيئًا، وهذا من نِعَمِ اللَّهِ عليهم.
وقرأَ هذا الحرفَ جماهيرُ القراءِ: ﴿وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتًا﴾ بكسرِ باءِ: (بيوت) لِمُجَانَسَةِ الياءِ. وقرأه بضمِّ الباءِ على الأصلِ: ﴿بُيُوتًا﴾ أبو عمرٍو، وحفصٌ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ. لم يَقْرَأْهُ مِنَ القراءِ السبعةِ على الأصلِ: ﴿بُيُوتًا﴾ إلا عاصمٌ في روايةِ حفصٍ خاصةً، ونافعٌ في روايةِ ورشٍ خاصةً، وأبو عمرٍو. وغيرُ ذلك من سائرِ القراءِ قرؤوا: ﴿وتَنْحِتونَ الجبال بِيوتًا﴾ (^١) أي: تنحتونَ من
_________________
(١) انظر: إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٥٤).
[ ٣ / ٥٢٤ ]
الجبالِ بيوتًا ينحتونها في الجبال.
وقراءةُ الحسنِ شاذةٌ: ﴿تَنْحَتُونَ من الجِبَال بيوتًا﴾ (^١) وإن كانت قياسيةً؛ لأن (فَعَل) إذا كانت حلقيةَ العينِ أو اللامِ يقاسُ في مضارعِها الفتحُ (^٢)، إلا أن السماعَ (تَنْحِتُونَ) بالكسرِ، وهي قراءةُ السبعةِ وغيرِهم؛ وقراءةُ الحسنِ: «تَنْحَتونَ» شاذةٌ، وأشذُّ منها قراءةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿تَنْحاَتُونَ﴾ بإشباعِ الفتحةِ، فهذه قراءةٌ شاذةٌ جِدًّا، أشذُّ من الأُولَى فـ (تَنْحَتُونَ) بفتحِ الحاءِ شاذةٌ، وإشباعُ الفتحةِ أَلِفًا أَشَذُّ وَأَشَذُّ، وإن كان إشباعُ الفتحةِ بألفٍ يسوغ في كلامِ العربِ، هو مسموعٌ في كلامِ العربِ، إلا أنه لَا يجوزُ قراءةً، وهو موجودٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ عبدِ يغوثَ بنِ وقاصٍ (^٣):
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
فَأَشْبَعَ الفتحةَ بالأَلِفِ، وأصلُ الفعلِ مجزومٌ، فالأصلُ: «تَرَ» بلا أَلِفٍ، أشبعَ الفتحةَ أَلِفًا. وقول الآخَرِ (^٤):
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
الأَصْلُ: (ولَا ترضَّها) فأُشْبِعَتِ الفتحة. ومنه في وسط الكلامِ قولُ عنترةَ في معلقتِه (^٥):
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٥٣)، القرطبي (٧/ ٢٣٩)، البحر المحيط (٤/ ٣٢٩)، الدر المصون (٥/ ٣٦٤).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٣٩).
(٣) البيت في المحتسب (١/ ٦٩)، المفضليات ص١٥٨.
(٤) البيت لرؤبة، وهو في الخصائص (١/ ٣٠٧)، اللسان (مادة: رضي) (١/ ١١٧٩).
(٥) ديوان عنترة ص١٢٢.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ زَيَّافَةٍ مِثْلَ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ
فقولُه: (ينباع) أصلُه: (يَنْبَع) يعنِي: أن العرقَ ينبعُ من عَظْمِ ذِفراها، وهو العظمُ الذي خَلْفَ أُذُنِهَا، أصلُه يسيلُ منه العرقُ من الإبلِ إذا سَارَتْ سيرًا شديدًا.
وقراءةُ الجمهورِ هي التي يجوزُ القراءةُ بها ﴿تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ﴾ جمع جبلٍ. ﴿بُيُوتًا﴾ جمع بيتٍ. قرأه حفصٌ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ، وأبو عمرٍو: ﴿بُيُوتًا﴾ بضمِّ الباءِ على الأصلِ (^١): جمعُ بيتٍ، والبيتُ هو ما يُسْكَنُ فيه، سُمِّيَ بيتًا لأَنَّ الساكنَ يبيتُ فيه.
﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نِعَمَ اللَّهِ عليكم حيث جعلكم خلفاءَ في الأرضِ من بعدِ عادٍ ويسَّر لكم القصورَ في سهولِها، وَيَسَّرَ لكم نحتَ الجبالِ في نفسِ الجبالِ لِتَنَالُوا من بردِ السُّكْنَى زمنَ الحرِّ، ومن الاستدفاءِ زمنَ البردِ، وَكُلُّ هذا نعمُ اللَّهِ وآلاؤُه عليكم. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نِعَمَهُ التي أَنْعَمَهَا عليكم.
وكان بعضُ العلماءِ يقولُ (^٢): هذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على بناءِ القصورِ الشامخاتِ لأَنَّ اللهَ امْتَنَّ عليهم على لسانِ نَبِيِّهِمْ، بأنهم يتخذونَ القصورَ. وقد جاء عن النبيِّ ﷺ ما يدلُّ في ظواهرَ كثيرةٍ من الشرعِ أنه لا ينبغي للإنسانِ أن يتطاولَ في البنيانِ وَيَبْنِيَ فوقَ حاجتِه وَيُضَيِّعَ المالَ في ذلك، فينبغي للإنسانِ أن يبنيَ قدرَ حاجتِه وألا يضيعَ المالَ فيما يزيدُ على قدرِ حاجتِه من القصورِ الشامخةِ، ولاسيما إن كان ذلك على سبيلِ المباهاةِ والتفاخرِ فلا خيرَ
_________________
(١) راجع ما تقدم قريبًا.
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٣٩).
[ ٣ / ٥٢٦ ]
فيه.
وأكثرُ العلماءِ على أنه لا يمنعُ الرجل أن يبنيَ بيتًا ليستغلَّه فيؤجرَه ويأخذَ منه؛ لأنه من أنواعِ التجاراتِ وابتغاءِ فضلِ اللَّهِ - جل وعلا - وكذلك ما يحتاجُ إليه هو وَمَنْ يَعُولُهُ، فهذا من الأمورِ الضروريةِ.
وقولُه جل وعلا: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ العِثِيُّ والعثوُّ معناهما: الفسادُ. وهذه الحالُ مؤكدةٌ عاملها؛ لأن معنَى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ لا تُفْسِدُوا. فـ (مفسدون) حالٌ مؤكدةٌ لعامِلِها، والحالُ قد تؤكدُ عاملَها فيكونُ معناها هو معنَى عاملها، وإلى هذه بعينِها أشارَ ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقوله (^١):
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا
معناها: لا تُفْسِدُوا في الأرضِ في حالِ كونِكم مُفْسِدِينَ، فالحالُ مؤكدةٌ لعاملِها، والمقصودُ تأكيدُ النهيِ عن الفسادِ في الأرضِ بالإشراكِ بالله وعبادةِ غيرِه معه، وأذيةِ مَنْ أَسْلَمَ من قومِ صالحٍ، وتكذيبِ نَبِيِّ اللهِ صالحٍ، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ الفسادِ.
﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَاّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: الآيات ٧٥ - ٧٩].
_________________
(١) الخلاصة ص٣٣.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ قارئَ أهلِ الشامِ: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ بلا واوٍ، وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه: ﴿وقال الملأ الذين اسْتَكْبَرُوا﴾ بالواو. وفي المصاحفِ الشاميةِ هذه الواوُ. وهما قراءتانِ سبعيتانِ (^١)، إحداهما بالواوِ والثانيةُ بلا واوٍ، وكونُ بعضِ الحروفِ الصحيحةِ يزيدُ فيه حرفٌ أو كلمةٌ وينقصُ ذلك الحرفُ أو الكلمةُ في قراءةٍ أخرى لأَجْلِ هذا السببِ بعينه كان عثمانُ بنُ عفانَ (﵁ وأرضاه) وَمَنْ معه من الصحابةِ في جَمْعَةِ المصحفِ الأخيرةِ التي جَمَعَهَا عثمانُ (﵁) عَدَّدُوا نسخَ المصاحفِ العثمانيةِ ليمكن أن تكونَ نسخةٌ فيها هذه الواوُ ونسخةٌ عارية من هذه الواوِ، والجميعُ كأنه نسخةٌ واحدةٌ، إلا أنهم نَوَّعُوهَا وَعَدَّدُوهَا ليمكنَ أن تأتيَ جميعُ القراءاتِ مطابقةً لها.
﴿قَالَ الْمَلأُ﴾ قَدَّمْنَا أن الملأَ أشرافُ الجماعةِ ورؤساؤهم الذكورُ الذين ليس فيهم إناثٌ.
﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: تَكَبَّرُوا وَعَتَوْا ولم يؤمنوا استكبارًا عن الإيمانِ ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: مِنْ قومِ صالحٍ، وهم ثمودُ قالوا ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وكان جُلُّ مَنْ آمَنَ بصالحٍ - قبلَ أن يؤمنَ جندعُ بنُ عمرٍو وَمَنْ آمَنَ معه - كان أغلبُهم ضعافًا؛ لأَنَّ اللهَ أجرى العادةَ بأن أكثرَ أتباعِ الأنبياءِ: الضعفاءُ، وأكثرَ مَنْ عادى الأنبياءَ وأكثرَ أهلِ النارِ: أهلُ الترفِ في الدنيا والمكانةِ والمالِ والجاهِ. والسرُّ في ذلك: أن المساكينَ الضعافَ لا يُحَارِبُونَ عن رئاسةٍ، ولا يستنكفونَ أن يكونوا تَبَعًا، فإذا سَمِعُوا الحقَّ آمَنُوا به، أما الرؤساءُ فإنهم
_________________
(١) انظر: السبعة لابن مجاهد ص٢٨٤، إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٥٤).
[ ٣ / ٥٢٨ ]
لا يَرْضَوْنَ أن يكونوا تَبَعًا، وأن يكونوا مرؤوسين غيرَ رؤساءَ، فيجادلوا لتبقَى لهم مكانتُهم ورئاستُهم؛ لأنهم إن أطاعوا الرسلَ كانوا تَبَعًا تحتَ أوامرِ الرسلِ لَا رئاسةَ لهم ولا سيادةَ؛ ولذا في قصةِ هرقلَ الثابتةِ في الصحيحِ لَمَّا سألَ أبا سفيانَ السؤالاتِ المعروفةَ - المشهورةَ الثابتةَ في الصحيحِ - عن النبيِّ ﷺ مِنْ جُمْلَتِهَا أن قال له: أشرافُ الناسِ يتبعونَه أم ضعفاؤُهم؟ فقال أبو سفيانَ: بل ضعفاؤُهم، قال هرقلُ: أولئك أتباعُ الرسلِ (^١). كما هو معروفٌ.
﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: الرؤساءُ والقادةُ من قبيلةِ ثمودَ الذين تَكَبَّرُوا عن الإيمانِ وإجابةِ نَبِيِّ اللهِ صالحٍ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: للضعفاءِ المستضعفين. وقولُه: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ مِنْ قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: المستضعفينَ، أعنِي خصوصَ المؤمنين من المستضعفين ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾ أَتَتَيَقَّنُونَ وتجزمونَ بأن ﴿صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ وأنه غيرُ كاذبٍ على اللهِ؟ فأجابهم المستضعفونَ أحسنَ جوابٍ وأبلغَه، فلم يقولوا لهم: نَعَمْ نحنُ نجزمُ بأنه مُرْسَلٌ، ولكن جعلوا كونَه مُرْسَلًا أمرًا لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه، ولا أن يكونَ النزاعُ ولا الخلافُ فيه، وقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ إنا مؤمنونَ بالأمرِ الذي أُرْسِلَ به، الذي لا ينبغي أن يُشَكَّ ولا أن يُخْتَلَفَ في أنه حَقٌّ، ولهذه الحكمةِ عَدَلُوا عن أن يقولوا: نَعَمْ، فأجابهم الملأُ الكفارُ المتكبرونَ فقالوا: ﴿إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ من رسالةِ صالحٍ ﴿كَافِرُونَ﴾ جاحدونَ والعياذُ بالله، وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
فَلَمَّا تَمَرَّدُوا وَطَغَوْا ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ العربُ تقولُ: عَقَرَ البعيرَ إما قَطَعَ عرقوبَه. هذا أصلُ العقرِ، إذا قطعَ عرقوبَه. وكانت عادةُ العربِ إذا أرادوا أن يَنْحَرُوا الإبلَ ضربوا عراقيبَها بالسيوفِ حتى تسقطَ فينحروها، وصارَ العقرُ يُطلق على النحرِ، وعلى قطعِ العرقوبِ، وعلى كُلِّ جرحٍ في البعيرِ، حتى أنهم إذا جُرِحَ ظهرُه بدَبَرٍ ونحوِه تقولُ العربُ: عَقَرَهُ، وهو معنًى مشهورٌ في كلامِ العربِ (^١)، ومنه قولُ امرئِ القيسِ في معلقتِه (^٢):
تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فَانْزِلِ
تَعْنِي أنه أَثَّرَ بالدَّبَرِ في ظهرِه. فمعنَى (عقروها): قَتَلُوهَا. وقد بَيَّنَّا قصتَها فيما فَكَّرْنَا الآنَ أن تَيْنَكَ المرأتين الخبيثتين استنفرَا لها ذينك الرجلين وهما: قدار بن سالف، ومصدع، وأنهما استهويَا سبعةً من قومِهم فكانوا تسعةَ رهطٍ، وهم التسعةُ الرهطُ المذكورونَ في سورةِ النملِ، وأن مصدعًا وقدارًا كَمَنَا لها عندَ صدورِها من الماءِ في أصلِ صخراتٍ، فانتظمَ مصدعٌ عضلتَها بسهمِه، وعقرَها قُدارٌ بسيفِه فقطعَ عرقوبَها فسقطت وَرَغَتْ، ثم طَعَنَ في لُبَّتِهَا فنحرها. وهذا معنَى ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ بِمُمَالأَةٍ منهم.
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ هي ناقةُ اللهِ التي أَخْرَجَهَا آيةً لهم: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ العتوُّ: التكبرُ والتمردُ، تمردوا وتكبروا عن قَبُولِ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وعقروا الآيةَ التي أجاءهم اللهُ بها معجزةً لِنَبِيِّهِ، ثم قالوا في
_________________
(١) انظر: المفردات (مادة: عقر) ص٥٧٧، القرطبي (٧/ ٢٤٠)، الدر المصون (٥/ ٣٦٦).
(٢) ديوان امرئ القيس ص١١٣.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
غايةِ الكفرِ والعنادِ: ﴿يَا صَالِحُ﴾ سَمَّوْهُ باسمِه وقاحةً منهم واحتقارًا وعدمَ حياءٍ.
﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا﴾ بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأه ورشٌ عن نافعٍ وَالسُّوسِيِّ عن أبِي عمرٍو: ﴿وقالوا يا صالحُ اوْتِنَا﴾ (^١) بإبدالِ الهمزةِ واوًا. أما إذا كان الوقفُ على ﴿يَا صَالِحُ﴾ فجميعُ القراءِ يقرؤونَ: ﴿إيتنا بما تعدنا﴾ بكسرِ الهمزةِ. فالقراءةُ في حالةِ الابتداءِ بـ ﴿إيتنا﴾ متفقٌ عليها إذا وَقَفْتَ فَقُلْتَ: ﴿يَا صَالِحُ﴾ قلتَ: في قراءةِ الجميعِ ﴿إيتنا بما تعدنا﴾ أصلُه ﴿ائتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أُبْدِلَتِ الهمزةُ الثانيةُ مَدًّا للأُولَى.
وَمَدًّا أَبْدِلَ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ كِلْمَةٍ إِنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ (^٢)
أما في الوصلِ فعامةُ القراءِ يقرؤون: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا﴾ بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأَ ورشٌ عن نافعٍ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو: ﴿يَا صَالِحُ اوتِنَا﴾ بإبدالِ الهمزةِ واوًا. هذه قراءةُ السبعةِ في الوصلِ والوقفِ (^٣).
ومعنَى: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ هذا العذابُ الذي تَعِدُنَا به إن تَعَرَّضْنَا للناقةِ بسوءٍ؛ لأنك قلتَ لنا: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فقد مَسَسْنَاهَا بسوءٍ، وهاتِ العذابَ الأليمَ الذي تَعِدُنَا به إن كُنْتَ من المرسلين، إن كنتَ رسولًا حقًّا فهاتِ العذابَ الذي
_________________
(١) رُسمت في المصحف المكتوب على وفق رواية ورش عن نافع هكذا: ﴿يَا صَالِحُ إيتِنَا﴾ والنقطة أسفل همزة الوصل تدل على الابتداء بها مكسورة. وقد وُضعت الكسرة قبلها مكان الهمزة التي نُقلت حركتها للساكن قبلها وحُذفت للدلالة على الابتداء بهمزة مضمومة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة البقرة.
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٣١)، الدر المصون (٥/ ٣٦٧).
[ ٣ / ٥٣١ ]
وَعَدْتَ به. فلما قالوا ذلك ذَكَرَ المفسرونَ ما ذَكَرْنَاهُ الآنَ، وقد قال اللهُ إنه قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: آية ٦٥] فهذا قرآنٌ لا شَكَّ فيه (^١)، والمفسرونَ يزعمونَ أنهم قالوا له: ما العلامةُ؟ وأنه بَيَّنَ لهم أن العلامةَ اصفرارُ الألوانِ في اليومِ الأولِ، واحمرارُها في الثاني، واسودادُها في الثالثِ، ونزولُ العذابِ صبيحةَ الرابعِ، وكان كما وَقَعَ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: آية ٧٨] سَمَّاهَا هنا في الأعرافِ: (رجفةً)، وَسَمَّاهَا في مواضعَ أُخَرَ: (صيحةً)، كقوله في سورةِ هودٍ في قصةِ قومِ صالحٍ: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ (٦٨)﴾ [هود: الآيتان ٦٧، ٦٨] سَمَّاهَا (صيحةً) في مواضعَ، وَسَمَّاهَا هنا (رجفةً)، وهي صيحةٌ في الحقيقةِ ورجفةٌ؛ لأن الْمَلَكَ يصيحُ بهم من السماءِ فترجفُ بهم الأرضُ وتزلزلُ من شدةِ الصيحةِ فتفارقُ أرواحُهم أبدانَهم (^٢).
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ الدارُ هنا معناه: الديارُ، وفي بعضِ الآياتِ: ﴿فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: الآيات ٦٧، ٩٤] بالجمعِ، وفي بعضِها: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف الآيات: ٧٨، ٩١، العنكبوت: آية ٣٧] لأن الدارَ اسمُ جنسٍ، وهو إذا أضيفَ إلى معرفةٍ فهو عَامٌّ. فمعنَى ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ و﴿دِياَرِهِمْ﴾ واحدٌ، والمقررُ في
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٥).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من هذه السورة.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
الأصولِ: أن مِنْ صِيَغِ العمومِ إضافةُ المفردِ إذا كان اسمَ جنسٍ إلى معرفةٍ، فإنه يَعُمُّ، ونظيرُه في القرآنِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: آية ٣٤] أي: نِعَمَ اللَّهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: آية ٦٣] أي: أوامرَه ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: آية ٦٨] أي: أَضْيَافِي، ونحو ذلك كثيرٌ معروفٌ في الأصولِ وفي العربيةِ (^١).
ومعنَى: ﴿جَاثِمِينَ﴾ هو خبرُ أَصْبَحُوا، والجاثمونَ جمعُ تصحيحٍ للجاثمِ، والجاثمُ: المتصفُ بالجثومِ، وأصلُ الجثومِ: هو أن يكونَ الإنسانُ مُنْكَبًّا على وَجْهِهِ، رُكْبَتَاهُ في الأرضِ، ومكانُه يُسَمَّى (المجْثَم) فالذي يفعلُه ولدُ الظبيةِ إذا كان مُنْبَطِحًا مُنْكَبًّا على وجهه يسمى (جثومًا) ومكانُه يسمى (المجْثَم) على القياسِ (^٢)، ومنه قولُ زهيرِ بنِ أبي سلمى في معلقتِه (^٣):
بِهَا الْعِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ
فمعنَى ﴿جَاثِمِينَ﴾ مُنْكَبِّينَ على وجوهِهم مَوْتَى، مفارقة أرواحِهم أبدانَهم، ليس منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ، حَلَّتْ بهم نقمةُ اللهِ - جل وعلا - وعذابُه المستأصلُ المتصلُ بعذابِ الآخرةِ (والعياذُ بالله، وهذه النكالاتُ التي وَقَعَتْ في الأممِ يجبُ الاعتبارُ بها، وأن يخافَ الموجودونَ في الدنيا من عصيانِ اللهِ، ومبارزةِ رُسُلِهِ بالمعصيةِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٤٦)، القرطبي (٧/ ٢٤٢) عمدة الحفاظ (مادة: جثم) ص٨٨.
(٣) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٠٠). و(العِين): البقر. و(الآرام): الظباء. و(الأطلاء): أولادها. و(خِلْفَة): فوجًا بعد فوج.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
ومضادةِ ما جاؤوا به لئلا يُهْلِكَهُمُ اللهُ وينزلَ بهم ما أنزلَ بغيرهم، وهذا معنَى قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٧٨].
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٧٩] فَتَوَلَّى نَبِيُّ اللهِ صالحٌ عنهم، وهذا التولِّي للعلماءِ فيه وَجْهَانِ (^١):
[١٢/ب] / أحدُهما: أنه تَوَلَّى عنهم لَمَّا تَحَقَّقَ الهلاكَ، وأنه نازلٌ بهم تَوَلَّى راجعًا عنهم وقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ﴾ وَاللَّهِ ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ غايةَ النصحِ ﴿لَاّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ فكرهتُم نصيحتِي ورددتموها وستجدونَ غِبَّ ذلك.
وبعضُ العلماءَ يقولونَ: إن نَبِيَّ اللهِ صالحًا لم يقل لهم هذا إلا بعدَ أن نزلَ بهم عذابُ اللهِ وصاروا مَوْتَى، وَفَارَقَتْ أرواحُهم أجسادَهم، جاء إلى جثثِهم وَوَبَّخَهُمْ هذا التوبيخَ بعدَ أن ماتوا. وهذا الأخيرُ هو ظاهرُ القرآنِ؛ لأَنَّ قوله: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ مُرَتَّبٌ بالفاءِ على قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ والفاءُ تَقْتَضِي التعقيبَ، فكونُه قال لهم هذا بعدَ أن ماتوا وَأَصْبَحُوا في دارِهم جاثمينَ هو ظاهرُ القرآنِ، وظاهرُ القرآنِ لا يجوزُ العدولُ عنه إلا لأمرٍ يجبُ الرجوعُ إليه (^٢). وقد وَقَعَ مثلُ هذا من نَبِيِّنَا ﷺ فقد ثَبَتَ في الصحيحِ أن كفارَ قريشٍ لَمَّا ماتوا يومَ بدرٍ وَجُعِلُوا في القليبِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - موتَى كُفَّارًا وَقَفَ عليهم النبيُّ ﷺ وَهُمْ أمواتٌ بعدَ ثلاثٍ وقال: - نَادَاهُمْ بأسمائهم - يا أَبَا جهل بن هشامٍ، يا عتبة بن ربيعةَ، يا شيبةُ بنَ ربيعةَ،
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٤٢).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
هل وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. ووبخهم وقرعهم. ولما قال له عمرُ بنُ الخطابِ ما مضمونُه: كيفَ تُكَلِّمُ قومًا قد جَيَّفُوا، هم جِيَفٌ وأمواتٌ؟ قال له النبيُّ ﷺ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ» (^١).
فلا مانعَ من أن يكونَ توبيخُ صالحٍ لقومِه بعدَ الموتِ كتوبيخِ النبيِّ ﷺ للكفرةِ أصحابِ القليبِ يومَ بدرٍ، وهذا ظاهرُ القرآنِ؛ لأنه رَتَّبَ ﴿فَتَوَلَّى﴾ على قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ وَاللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالةَ رَبِّي ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ نُصْحًا خالصًا غيرَ مشوبٍ بغشٍّ بحقيقةٍ، حَذَّرْتُكُمْ نقَمَ اللهِ ﴿وَلَكِنْ﴾ ولكنكم والعياذُ باللهِ ﴿لَاّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ بل تكرهونَ مَنْ ينصح لكم وتعصونَ أَمْرَهُ، وإذًا فَقَدْ وجدتُم غِبَّ ذلك ونتيجتَه والعياذُ بالله.
يقول جل وعلا: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ [الأعراف: الآيات ٨٠، ٨٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل، حديث رقم (٣٩٧٩، ٣٩٨٠، ٣٩٨١)، (٧/ ٣٠١)، ومسلم في الجنائز، باب الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، حديث رقم (٩٣٢) (٢/ ٦٤٣)، وأورده في موضع آخر، حديث رقم (١٧٩٤) من حديث عائشة (﵂) مختصرًا. وأخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل، حديث رقم (٣٩٧٦)، (٧/ ٣٠٠)، من حديث أنس عن أبي طلحة ﵄.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
هذه هي القصةُ الرابعةُ من قِصَصِ الأنبياءِ الذين قَصَّ اللهُ علينا أخبارَهم مع أُمَمِهِمْ في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - لِنَعْتَبِرَ بما فيها ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ ﴾ [يوسف: آية ١١١] فَبَيَّنَ لنا أن قومَ نوحٍ كَذَّبُوهُ، وأنه أهلكهم بطوفانٍ أَغْرَقَهُمْ فَبَادُوا عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ هودٍ كَذَّبُوهُ فأرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ فَدَمَّرَتْهُمْ عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ صالحٍ كذبوه فأخذتهم الصيحةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين، ليس فيهم دَاعٍ ولا مُجِيبٌ، كأن اللَّهَ يقولُ: اعْلَمُوا مُعَامَلَتِي لِمَنْ عَصَانِي وَطَغَى وتكبر وعادَى رُسُلِي فإني سأهلُكه الإهلاكَ المستأصلَ، وأجعلُ مصيرَه إلى النارِ. وهم - والعياذُ بالله - مغضوبٌ عليهم في الدنيا، مغضوبٌ عليهم في الآخرةِ، ولأَجْلِ ذلك ثَبَتَ في الصحيحين من غيرِ وَجْهٍ (^١) أن النبيَّ ﷺ في سفرِه في غزوةِ تبوكَ مَرَّ بأرضِ الحِجْرِ - وهي ديارُ ثمودَ - فَلَمَّا مَرَّ بها ﷺ تَلَثَّمَ وَأَسْرَعَ السيرَ جِدًّا ليجاوزَ أرضَ الغضبِ بسرعةٍ، ونهى أصحابَه أن يشربوا من مياهها، وكان قومٌ منهم قد عَجَنُوا بمائها عجينًا، وقومٌ قد حَاسُوا منه حَيْسًا، فنهاهم أن يأكلوا العجينَ الذي عُجِنَ بماءِ تلك الأرضِ، وَنَهَاهُمْ عن أن يأكلوا الحيسَ الذي بُلَّ بماءِ تلك الأرضِ. وفي بعضِ رواياتِ
_________________
(١) البخاري في المغازي، باب نزول النبي ﷺ الحجرَ، حديث رقم (٤٤١٩، ٤٤٢٠)، (٨/ ١٢٥)، وفي أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ الأحاديث رقم (٣٣٧٨ - ٣٣٨١)، وفي التفسير، باب: «ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين» حديث رقم (٤٧٠٢). ومسلم في الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين. حديث رقم (٢٩٨٠، ٢٩٨١)، (٤/ ٢٢٨٥، ٢٢٨٦).
[ ٣ / ٥٣٦ ]
الحديثِ أنه أَذِنَ لبعضِهم في أن يُطْعِمُوا ذلك الحيسَ إبلَهم، ونهاهم عن أَكْلِهِ.
ومعلومٌ اختلافٌ العلماءِ (^١): هَلْ يجوزُ الوضوءُ بمياهِ أَرْضِهِمْ؟ وهل يرفعُ الحدثَ؟ وهو تجوزُ الصلاةُ في دَيْرِهِمْ أو لا تجوزُ؟ وإن وقعت فهل هي باطلةٌ أو غيرُ باطلةٍ؟ خلافُ العلماء في هذا معروفٌ. ومما ينبغي أن يُتَنَبَّهَ له الآنَ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن مياهِ أولئك القومِ؛ لأنها مياهُ أرضِ غضبٍ، وَبَيَّنَ أن الشربَ منها لا يجوزُ، وإذا كان الشربُ منها لا يجوزُ فالطهارةُ التي هي طاعةُ اللهِ يظهرُ أنها من بابِ أَوْلَى لا تجوزُ.
وصَرَّحَتِ الأحاديثُ المتفقُ عليها أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يدخلَ ديارَهم إلا بَاكِيًا، خَوْفًا أن ينزلَ به مثلُ ما نَزَلَ بهم (^٢). فأرضُهم أرضُ غضبٍ. وكذلك جاءَ عن عَلِيٍّ (﵁) لَمَّا مَرَّ بأرضِ الخسفِ في بابل من أرضِ العراقِ أنه أَسْرَعَ وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى جَاوَزَهَا (^٣).
_________________
(١) انظر: المجموع (١/ ٩١).
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة الماضية.
(٣) ورد ذلك عن علي (﵄) من غير وجه، فرواه أبو داود في الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (٤٨٦، ٤٨٧)، (٢/ ١٥٦ - ١٥٨)، والبيهقي (٢/ ٤٥١) وفي آخره التصريح بأن النبي ﷺ نهاه عن الصلاة فيها. وقد ضعفه ابن حزم في المحلى (٤/ ٨٢)، والحافظ في الفتح (١/ ٥٣٠)، والخطابي في معالم السنن (١/ ١٦٧)، ونقل الصيني عن ابن القطان تضعيفه، وكذا ضعفه البيهقي في المعرفة وعبد الحق الإشبيلي. انظر: عون المعبود (٢/ ١٥٨). وجاء من وجه آخر عن علي (﵁) موقوفًا كما عند ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٧)، والبيهقي (٢/ ٤٥١)، والخطيب في تاريخه (٨/ ٢٧٤) من طرق عدة. وقال البخاري في صحيحه: «باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، ويذكر أن عليًّا (﵁) كَرِهَ الصلاةَ بخسف بابل». انظر البخاري مع الفتح (١/ ٥٣٠).
[ ٣ / ٥٣٧ ]
ومن ذلك يُعْلَمُ أنه لا تجوزُ السُّكْنَى في مَحَلِّ ديارِهم، ولا الزراعةُ ولا الغرسُ في محلِّ ديارهم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ. لا يجوزُ الانتفاعُ بمياهِ أرضِهم، ولا الازدراعُ فيها، ولا الشربُ منها، ولا غَرْسُ شجرٍ بها، كُلُّ ذلك حرامٌ ممنوعٌ لا يجوزُ، كما دَلَّتْ عليه الأحاديثُ النبويةُ الصحيحةُ. فيجبُ على مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه إذا أرادَ بعضُ الجهلةِ أن يسكنَ في ديارِ قومِ صالحٍ وأن يشربَ من مياهِها ويزرعَ على مياهِها ويغرسَ عليه الأشجارَ أن يمنعَه من ذلك كُلِّهِ اقتداءً بالنبيِّ ﷺ وهو خيرُ قدوةٍ، فقد مَنَعَ أصحابَه من أن يشربوا من مائِها، وَمَنَعَهُمْ أن يأكلوا عَجِينًا عُجِنَ بمائها، وأن يأكلوا حَيْسًا بُلَّ بمائِها، وهو ﷺ خَيْرُ أُسوةٍ، وكل هذا ثابتٌ في الصحيحين عن ابنِ عمرَ وغيرِه ﵃.
فنهيُ النبيِّ ﷺ عن الشربِ من آبارِ ثمودَ ومنعُه من أَكْلِ العجينِ الذي بُلَّ بمائها، وَمِنْ أَكْلِ الحيسِ الذي بُلَّ بمائها، وَتَلَثُّمُهُ ﷺ وإسراعُه السيرَ ليجاوزَ واديَهم، وأمرُه أصحابَه أن لا يشربوا إلا من البئرِ التي كانت تشربُ منها الناقةُ يدلُّ على أن بلادَهم أرضُ غضبٍ، وأنها لا يجوزُ السُّكْنَى فيها، ولا يجوزُ دخولُ ديارِهم لأحدٍ إلا وهو يَبْكِي خوفًا من اللَّهِ أن يُنْزِلَ به مثلَ ما أنزل بهم. فالذي يدخلُ بلادَهم ليتفرجَ وينظرَ غيرَ باكٍ ففعلُه حرامٌ لا يجوزُ للأحاديثِ الصحيحةِ النبويةِ الثابتةِ عنه ﷺ، ولا يجوزُ أن يُتْرَكَ أحدٌ يزرعُ في ديارِهم، ويشربَ من مائها، ويأكلَ من الحَبِّ المزروعِ
[ ٣ / ٥٣٨ ]
بمياههم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ؛ لأنها أرضُ غضبٍ ملعونةٌ لا يجوزُ المقامُ فيها ولا الانتفاعُ بمائها.
ثم ذَكَرَ تعالى القصةَ الرابعةَ وهي قصةُ لوطٍ، قال: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٨٠] اختلفَ العلماءُ في وجهِ نصبِ ﴿لُوطًا﴾ في قولِه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ على وَجْهَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ (^١):
قال بعضُ العلماءِ: هو معطوفٌ على ما قبلَه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: آية ٦٥] أي: وَأَرْسَلْنَا هودًا إلى عادٍ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: آية ٧٣] أي: وَأَرْسَلْنَا صالحًا إلى ثمودَ، وأرسلنا لوطًا أيضًا فقال لقومِه كذا وكذا.
وبعضُ العلماءِ يقولُ: هو منصوبٌ بـ «اذْكُرْ» محذوفًا. وَاذْكُرْ لوطًا حينَ قال لقومِه. وعليه يكونُ: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ بدلُ اشتمالٍ من قولِه: ﴿لُوطًا﴾ كما قاله غيرُ واحدٍ.
ولوطٌ: هو لوطُ بنُ هارانَ ابنُ أَخِي إبراهيمَ.
والمؤرخونَ يزعمونَ أن أبا إبراهيمَ اسمُه (تارح) والقرآنُ صَرَّحَ بأن اسمَ أبيه (آزر) حيث قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: آية ٧٤] ولا مانعَ من أن يكونَ له اسمانِ، أو اسمٌ وَلَقَبٌ (^٢). وهم يقولونَ: إن نَبِيَّ اللَّهِ لوطًا ابنُ أَخِي إبراهيمَ، وأنه لَمَّا أَنْجَى اللهُ إبراهيمَ من نارِ النمرودِ وسافرَ من سوادِ العراقِ مُهَاجِرًا إلى الشامِ أن لوطًا كان مِمَّنْ هَاجَرَ مع إبراهيمَ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٧٠).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٤) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٣٩ ]
رَبِّي﴾ [العنكبوت: آية ٢٦] فَنَزَلَ إبراهيمُ فلسطينَ، وكانت محلَّ مهاجره، ونزلَ لوطٌ بالأردنِّ - والأُرْدُنُّ بضمِّ الهمزةِ والدالِ وتشديدِ النونِ - يقولونَ: إنه نهرٌ وَكُورَةٌ (^١) في أعالِي الشامِ، فأرسلَ اللهُ نبيَّ اللهِ لوطًا إلى قومِ لوطٍ، وهم قُرًى، يزعمُ بعضُ المفسرين أنها أربعةٌ، وبعضُهم يقولُ: هي خمسةٌ وعاصمتُها - البلدُ الكبيرُ - تُسَمَّى: (سدومَ) وبعضُ علماءِ العربيةِ يقولونَ: (سذوم) بذال المعجمةِ، وهو قولُ الجوهريِّ (^٢)، وَنَصَرَهُ القاموسُ. وبعضُهم يقولُ: هي (سدوم) بالدالِ المهملةِ (^٣)، وهي أكبرُ قُرَاهُمْ، فأرسلَ اللهُ فيهم نبيَّه لوطًا (عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ)، وجرى لهم معه ما قَصَّهُ اللهُ علينا في آياتٍ متعددةٍ، منها آيةُ الأعرافِ هذه.
﴿وَلُوطًا﴾ أي: وَأَرْسَلْنَا لوطًا، أي: وَاذْكُرْ نَبِيَّ اللهِ لوطَ بنَ هارانَ إِذْ قال لقومِه الذين أُرْسِلَ إليهم وهم بلدُ سدوم والقرى التي حَوْلَهَا، وهي المعروفةُ بالمؤتفكاتِ؛ لأن المؤتفكاتِ قُرَى قومِ لوطٍ، والمؤتفكةُ بالإفرادِ يمكنُ أن يكونَ المرادُ بها جميعُ القُرَى؛ لأن مثلَ ذلك يُطْلَقُ عليه ما يُطْلَقُ على المؤنثةِ المفردةِ المجازيةِ التأنيثِ.
وقيل لقرى قومِه: (المؤتفكات) لأن جبريلَ ﵇ أَفَكَهَا أي: قَلَبَهَا بهم فَاقْتَلَعَهَا من الأرضِ وَرَفَعَهَا إلى السماءِ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، كما قال
_________________
(١) أي: مدينة أو صقع؛ لأنه يدور على ما فيه من قرى.
(٢) المثبت في الصحاح: (سدوم) بالدال. (٥/ ١٩٤٩) قال في القاموس: «وسدوم: لقرية قوم لوط، غلط فيه الجوهري، والصواب: (سذوم) بالذال المعجمة» ا. هـ (مادة: سدم) ص١٤٤٧. وللتوسع انظر اللسان (مادة: سدم) و(مادة: سذم).
(٣) انظر: معجم البلدان (٣/ ٢٠٠)، معجم ما استعجم (٣/ ٧٢٩).
[ ٣ / ٥٤٠ ]
تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: آية ٨٢] وجَعْلُ العالِي هو السافلَ هو معنَى القلبِ والأَفْكِ؛ لأن العربَ تقولُ: أَفَكَ الشيءَ يأفكه إذا قَلَبَهُ، ومنه سُمِّيَ أسوأُ الكذبِ (إِفْكًا) لأنه قلبٌ للحقيقةِ عن ظاهرِها الصحيحِ إلى شيءٍ آخَرَ بَاطِلٍ.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: آية ٨٠] ﴿أَتَأْتُونَ﴾ هنا همزةُ إنكارٍ، أَنْكَرَ نَبِيُّ اللهِ لوطٌ عليهم الفاحشةَ، وقد قَدَّمْنَا أن الفاحشةَ (^١) في لغةِ العربِ أنها كُلُّ خصلةٍ متناهيةٍ في القبحِ تُسَمِّيهَا العربُ فاحشة، وكلُّ شيءٍ بالغٍ نهايتَه تُسَمِّيهِ العربُ فاحشًا، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في معلقتِه (^٢):
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
فَسَمَّاهُ فاحشًا لَمَّا بَلَغَ نهايتَه في البخلِ. فالفاحشةُ: الخصلةُ المتناهيةُ في القبحِ والشناعةِ، وهذه الخصلةُ الخسيسةُ القبيحةُ هي فاحشةُ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللَّهُ وقبحَ مرتكبَها - ولذا أَنْكَرَهَا نبيُّ اللهِ لوطٌ عليهم، وَبَيَّنَ أنه مُبْغِضٌ لها غايةَ البغضِ في قولِه: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٦٨] أَيْ: من الْمُبْغِضِينَ الكارهين أَشَدَّ البغضِ والكراهيةِ. ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: الخصلةَ الذميمةَ الخسيسةَ الدنيةَ البالغةَ غايةَ الدناءةِ والخبثِ والفحشِ والقباحةِ، وهي إتيانُ الرجالِ في أَدْبَارِهِمْ، وهي فاحشةُ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللهُ وَقَبَّحَ مُرْتَكِبَهَا - فإنها فاحشةٌ خسيسةٌ قبيحةٌ لم يَسْبِقْ إليها أحدٌ قَوْمَ لُوطٍ، كما قال هنا: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ الباءُ هذه تأتِي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٥٤١ ]
بعدَ (سبق) كقولِه ﷺ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (^١) وهي للتعدي؛ لأن الفعلَ لَا يتعدى إلى الضميرِ إلا بها ﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾ بهذه الفاحشةِ ﴿مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ (من) الأُولَى أصلُها دخلت على الفاعلِ، والأصلُ: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ بها. إلا أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إن زِيدَتْ قَبْلَهَا (من) نَقَلَتْهَا من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ (^٢).
وقولُه: ﴿مِّن الْعَالَمِينَ﴾ تبعيضيةٌ، أي: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ من بعضِ جميعِ العالمينَ إلى هذه الفاحشةِ الْمُنْكَرَةِ والخصلةِ القبيحةِ الخسيسةِ - قَبَّحَهَا اللهُ جل وعلا - ولذا بَيَّنَهَا فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: آية ٨١].
قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا حَفْصًا عن عاصمٍ ونافعًا: ﴿أئنكم لتأتونَ الرجالَ﴾ بهمزةِ استفهامٍ إلا أن أبا عمرٍو وابنَ كثيرٍ سهَّلَا الهمزةَ الثانيةَ بَيْنَ بَيْنَ، وأبا عمرٍو يُدْخِلُ بينَهما الألفَ المعروفةَ بألفِ الإدخالِ، والباقونَ من القراءِ قرؤوها بتحقيقِ الهمزتين ﴿أئنكم﴾ بهمزتين ولم يُدْخِلْ بَيْنَ الهمزتين المحققتين أَلِفًا من عامةِ القراءِ إلا هشامٌ عن ابنِ عامرٍ، فهشامٌ وحدَه عن ابنِ عامرٍ قرأ: ﴿ءائنكم﴾ بألفٍ بَيْنَ الهمزتين المحققتين، وعامةُ القراءِ غيرُ هشامٍ عن ابنِ عامرٍ الذين حَقَّقُوا الهمزتين لم يُدْخِلُوا بينهما ألفًا، والذين
_________________
(١) البخاري في اللباس، باب: البرود والحبر والشملة، حديث رقم (٥٨١١)، (١٠/ ٢٧٦)، وأخرجه في موضع آخر، انظر: حديث رقم (٦٥٤٢)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب. الأحاديث رقم (٢١٦،٢١٨،٢٢٠)، (١/ ١٩٧).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
سَهَّلُوا الهمزةَ الثانيةَ - وَهُمَا: أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ - ابنُ كثيرٍ منهم لم يُدْخِلِ الألفَ، وأبو عمرٍو أَدْخَلَ الألفَ، فَتَحَصَّلَ أن في قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ ثلاثُ قراءاتٍ سبعياتٍ (^١): قرأه نافعٌ وحفصٌ عن عاصمٍ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ لَا على الاستفهامِ، وقرأه أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ: ﴿أَينَّكُمْ﴾ بتسهيلِ الهمزةِ الثانيةِ، إلا أن أَبَا عمرٍو زَادَ ألفَ الإدخالِ، وابنُ كثيرٍ لم يَزِدْهُ. وقرأها الباقونَ بتحقيقِ الهمزتين، ولم يُدْخِلْ أَلِفًا معَ تحقيقِ الهمزتين أحدٌ منهم إلا هشامٌ فِي روايتِه عن ابنِ عَامِرٍ. هذه القراءاتُ في الآيةِ.
أما على قراءةِ (^٢): ﴿أئنكم لتأتونَ الرجال﴾ [الأعراف: آية ٨١] فهو توبيخٌ بعدَ توبيخٍ، وتقريعٌ بعدَ تقريعٍ؛ لأن الاستفهامَ للإنكارِ، وهو يتضمنُ التوبيخَ والتقريعَ، فهو يكررُ لهم التوبيخَ والتقريعَ المرةَ بعدَ المرةِ، والإنكارَ بعدَ الإنكارِ؛ لأَنَّ فِعْلَهُمْ القبيحَ الشنيعَ يستحقُّ ذلك التوبيخَ والتقريعَ والإنكارَ.
أما على قراءةِ نافعٍ وحفصٍ عن عاصمٍ ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ فبعضُ العلماءِ يقولُ: إنه خبرٌ لَا استفهامَ فيه، والأظهرُ أنه فيه استفهامٌ إلا أن الاستفهامَ حُذِفَ لدلالةِ القراءةِ الثانيةِ عليه؛ لأَنَّ المقامَ أليقُ بتكريرِ التوبيخِ والتقريعِ من غيرِ ذلك، وهمزةُ الاستفهامِ إذا دَلَّ الدليلُ عليها جَازَ حَذْفُهَا، وهو قِيَاسِيٌّ عند الأخفشِ، وَسَمَاعِيٌّ عندَ غيرِه. وهو موجودٌ بكثرةٍ في كلامِ العربِ مع (أَمْ) وَدُونَ (أَمْ)، ومع
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٠.
(٢) في توجيه هذه القراءات انظر: حجة القراءات (٢٨٧، ٢٨٨).
[ ٣ / ٥٤٣ ]
ذِكْرِ الجوابِ، ودونَ ذكرِ الجوابِ (^١)، قال بعضُ العلماءِ منه في القرآنِ: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: آية ٣٤] قالوا: الأصلُ: أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ. فَاكْتَفَى بالاستفهامِ الأولِ عن الثانِي، وزعم بعضُهم أن منه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: آية ٢٢]. قالوا: الأصلُ أَوَتِلْكَ نعمةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ؟ وزعم بعضُهم أن منه قولَه: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: آية ٧٦] أي: أهذا ربي؟ باستفهامِ الإنكارِ. والدلالةُ على حذفِ الهمزةِ هو توحيدُ إبراهيمَ وعدمُ شَكِّهِ في ربوبيةِ الكوكبِ. وأنشدَ سيبويه (﵀) في كتابِه لِحَذْفِ همزةِ الاستفهامِ إذا دَلَّ المقامُ عليها قولَ الشاعرِ (^٢):
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا شُعَيْثُ بْنُ سُهَيْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ
وأنشد له سيبويه أيضًا في كتابِه قَوْلَ الأَخْطَلِ (^٣):
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا
فَبَيْتُ الأخطلِ هذا أَوْرَدَهُ سيبويه في كتابِه مُجَوِّزًا أن تكونَ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً، وأن الأصلَ: أَكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ؟ فَحُذِفَتْ همزةُ الاستفهامِ. وإن كان الشيخُ الخليلُ بنُ أحمدَ يخالفُ سيبويه في معنَى بيتِ الأخطلِ هذا ويقولُ: إنه خَبَرٌ (^٤)، وأن المرادَ به ما يسميه علماءُ البلاغةِ: الرجوعَ، وهو من البديعِ المعنويِّ عندَهم، وهو أن يَأْتِيَ الإنسانُ بأمرٍ ثم ينقضُ ذلك الأمرَ بعينِه ليدلَّ على أنه قاله أولًا،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
وهو في غيبةٍ عن رُشْدِهِ من شوقٍ أو وَلَهٍ أو نحوِ ذلك، ثم يراجعُه رُشْدُهُ، وينفِي الأمرَ للأولِ الذي كان كَذِبًا ويأتِي بالحقِّ (^١)، ويمثلونَ له بقولِ زهيرٍ (^٢):
قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ بَلَى وَغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ
يزعمونَ أن زُهَيْرًا قال: «لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ» لَمَّا رأى دارَ المحبوبِ خَامَرَهُ الشوقُ والحبُّ حتى طاش عقلُه، فَعَبَّرَ بغيرِ الواقعِ، ثم رَاجَعَهُ عقلُه فَرَجَعَ للصوابِ، وأن الخليلَ يقولُ: إن بيتَ الأخطلِ من هذا القبيلِ، وسيبويه (﵀) يقولُ: إنه حُذِفَتْ فيه همزةُ الاستفهامِ.
وحذفُ همزةِ الاستفهامِ مع ذِكْرِ الجوابِ، وعدمُ ذِكْرِ الجوابِ، ومع (أَمْ) ودونَ (أَمْ) كثيرٌ في اللغةِ العربيةِ عِنْدَ مَنْ تَتَبَّعَهَا (^٣)، فَمِنْهُ دونَ (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، كقولِ الكميتِ (^٤):
طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْربُ وَلَا لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
يعني: أَوَ ذو الشيبِ يلعبُ؟ فَحَذَفَ همزةَ الاستفهامِ، دون (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، ومنه قولُ خويلدٍ الهذليِّ (^٥):
رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ فَقُلْتُ - وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ - هُمُ هُمُ
يعنِي: أَهُمْ هُمْ؟ كما هو التحقيقُ. ومنه مع ذِكْرِ الْجَوَابِ قولُ
_________________
(١) انظر: الصناعتين للعسكري ص٤٤٣، علوم البلاغة للمراغي ص٣٢٧.
(٢) البيت في ديوانه ص٩٠.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الأنعام.
(٤) السابق.
(٥) السابق.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
عمرَ بنِ أبي ربيعةَ المخزوميِّ المعروف المشهور، في شِعْرِهِ المشهورِ (^١):
شَفَّ عَنْهَا مُرَقَّقٌ جَنَدِيٌّ فَهْيَ كَالشَّمْسِ مِنْ خِلَالِ السَّحَابِ
أَبْرَزُوهَا مِثْلَ الْمَهَاةِ تَهَادَى بَيْنَ خَمْسٍ كَوَاعِبٍ أَتْرَابِ
ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا عَدَدَ النَّجْمِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ
فقولُه: «تُحِبُّهَا» يعنِي: أَتُحِبُّهَا؟ على التحقيقِ، وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ. ومنه مع (أَمْ) قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ هذا (^٢):
بَدَا لِيَ مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ وَكَفٍّ خَضِيبٍ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
يعني: «أبسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمان» ومنه بهذا المعنَى قولُ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلَاحِ الأنصاريِّ (^٣):
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي وَإِنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ
يعني: أَلِغَيْرِكَ أَمْ يكون لك.
وقولُ الخنساءِ الشاعرةِ بنتِ عمرِو بنِ الشريدِ السُلميةِ (^٤):
قَذًى بِعَيْنَيْكَ أَمْ بِالْعَيْنِ عُوَّارُ أَمْ خِلْتَ إِذْ أَقْفَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية رقم (٧٦) من سورة (الأنعام)، والبيت الأول من قصيدة في ديوانه ص٤٥، والبيتان الأخيران من قصيدة أخرى. وهي في الديوان ص٥٩ - ٦٠، وبين البيتين أربعة أبيات.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
(٤) السابق، ولفظه في الديوان: قذًى بِعَيْنِكِ أم بالعين عُوَّارُ أم ذَرَفت إذ خَلَتْ من أهلها الدار
[ ٣ / ٥٤٦ ]
يعنِي: أَقَذًى بِعَيْنَيْكَ؟ ومنه قولُ امرئِ القيسِ (^١):
تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِرْ
يعني: أَتَرُوحُ؟ وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ معروفٌ، وَيَكْفِينَا منه ما ذَكَرْنَا على سبيلِ المثالِ. وعلى هذا فقراءةُ نافعٍ وحفصٍ حُذِفَتْ فيها الهمزةُ لدلالةِ المقامِ عليها، فهي لَا تَخْلُو أيضًا من إنكارٍ وتوبيخٍ كالتي قَبْلَهَا، وهذا أليقُ بالمقامِ، خِلَافًا لمن قال: لم تُقَدَّرْ هناك همزةُ استفهامٍ، وإنما الجملةُ خبريةٌ لَا استفهامَ فيها، فكأنه حَكَمَ عليهم بأنهم يفعلونَ هذا الأمرَ لَمَّا وَبَّخَهُمْ عليه.
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [الأعراف: آية ٨١] جَمْعُ رَجُلٍ وهم الذكورُ ﴿شَهْوَةً﴾ شهوةً هنا في إعرابِه أَوْجُهٌ متقاربةٌ (^٢)، بعضُهم يقولُ: مفعولٌ لأَجْلِهِ، أي: تأتونَ الرجالَ لأجلِ شهوتِكم لهم دونَ النساءِ. وبعضُهم يقول: هو مصدرٌ مُنَكَّرٌ حالًا، أي: في حالِ كونِكم مُشْتَهِينَ الرجالَ دونَ النساءِ. وبعضُهم يقولُ: هو ما نَابَ عن المطلقِ من قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ فإنه مُضَمَّنٌ معنَى: تشتهونَ الرجالَ شهوةً.
والشهوةُ: هي مَيْلُ النفسِ إلى الشيءِ ورغبتُها فيه.
﴿مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ لأَنَّ النساءَ هُنَّ أزواجُكم اللاتِي خَلَقَهُنَّ اللَّهُ لكم، لِتَتَمَتَّعُوا بهن تَمَتُّعًا نزيهًا طاهرًا يكونُ عنه النسلُ وبقاءُ الجنسِ الآدميِّ، فَتَرَكْتُمْ هذا الأمرَ الطيبَ الكريمَ وهو إتيانُ النساءِ، وهي الأزواجُ التي خَلَقَهُنَّ اللهُ لكم، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ
_________________
(١) السابق، وفي الديوان: «أو تبتكر».
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٧٢).
[ ٣ / ٥٤٧ ]
مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: الآيتان ١٦٥، ١٦٦] فَبَيَّنَ اللَّهُ شدةَ قُبْحِ فعلهم هنا حيث أنكر عليهم في قوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ معناه يأتونَهم في أدبارِهم بفعلِ فاحشةِ اللواطِ قَبَّحَهُمُ اللهُ جل وعلا ﴿مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ اللاتِي هُنَّ أزواجُكم وَخُلِقْنَ لكم لِتَتَمَتَّعُوا بهن تمتعًا طاهرًا كريمًا لائقًا بالمروءةِ يَتْبَعُهُ النسلُ وبقاءُ الجنسِ الآدميِّ، فتركتُم هذا الأمرَ الطيبَ الذي خلق اللهُ النساءَ له، وذهبتُم إلى هذا الأمرِ الوسخِ القبيحِ النجسِ الذي يقضي بانقطاعِ نَسْلِ الإنسانِ؛ لأَنَّ الرجالَ إذا اكْتَفَوْا بالرجالِ عن النساءِ انقطعَ النسلُ كُلُّهُ وضاعَ جنسُ بَنِي آدمَ؛ ولذا وَبَّخَهُمُ اللَّهُ.
وفاحشةُ اللواطِ -قَبَّحَهَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مُرْتَكِبَهَا- أولُ مَنْ فَعَلَهَا من أهلِ الدنيا قومُ لوطٍ، وهي من خسائسِ الذنوبِ الجامعةِ بينَ الخسةِ ودناءةِ صاحبِها ورداءتِه، وشناعتِها وكثرةِ مفاسدِها، فإن لها مفاسدَ عظيمةً، مع أنها لَا يرتكبُها إلا أخسُّ الناسِ، وأرذلُ الناسِ، وأقبحُ الناسِ دِينًا، ومروءةً وإنسانيةً، الذين يَرْتَكِبُونَهَا أشبهُ شيءٍ بالبهائمِ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَقَبَّحَ فِعْلَهُمْ القبيحَ.
ومن خسائسِ هذه الفاحشةِ: أنها إن انْتَشَرَتْ في الناسِ واستغنى الرجالُ بالرجالِ صار ذلك سببًا لانقطاعِ الجنسِ الإنسانيِّ ودمارِ الدنيا، وخصلةٌ إذا تَمَادَى الناسُ فيها كانت خَرَابًا لجميعِ الدنيا، هي من أَخَسِّ الخصالِ. ويزعمُ الناسُ الذين مَارَسُوا أضرارَ هذه الخسيسةِ أن الإنسانَ المفعولَ به إذا نَزَلَ مَنِيُّ اللائطِ فيه أن ذلك الْمَنِيَّ - والعياذُ بالله - يُورِثُهُ أضرارًا قبيحةً: يجعلُه دَيُّوثًا، وَيُضَيِّعُ هِمَّتَهُ، ويخربُ إنسانيتَه وكيانَه، فيبقى القبيحُ الخسيسُ الخنزيرُ كَلَا
[ ٣ / ٥٤٨ ]
شَيْءٍ، وكذلك اللائطُ - قَبَّحَهُ اللَّهُ وقبح فِعْلَهُ - يذهبُ إلى أنتنِ مَحَلٍّ وأقذرِه ومحلِّ النجاساتِ ليتمتعَ بهذا! فهو من أَخَسِّ الناسِ وأنتنِهم، والمحلُّ الذي يريدُ التمتعَ منه هو أنجسُ شيءٍ وأنتنُه وأقبحُه. وفعلُه الخسيسُ يقتضِي بانقضاءِ النسلِ، وربما أورثَ الخبيثَ الخسيسَ أمراضًا كما هو مُشَاهَدٌ عند مَنْ يعلمُ ذلك ويعلمُ الطِّبَّ؛ لأن اللَّهَ جعلَ في أرحامِ النساءِ خاصيةً لجذبِ مَنِيِّ الرجالِ، إذا هَاجَ مَنِيُّ الرَّجُلِ لينزلَ وهو يُجَامِعُ امرأتَه كان في رَحِمِ امرأتِه خاصيةٌ لجذبِ ماءِ الرَّجُلِ، فتجذبُ رَحِمُهَا مَنِيَّهٌ، فيخلصُ من بقايا الْمَنِيِّ، أما إذا كانت القضيةُ لُوَاطًا - قبح الفاعل فيه والمفعول به فيه، قَبَّحَ اللهُ الجميعَ - فإنه لا يكونُ في دُبُرِ الرجلِ استعدادٌ لجذبِ ماءِ الرجلِ الآخَرِ، فيتهيأُ الماءُ للخروجِ، ويبقَى في المجارِي، فينتنُ ويتعفنُ، ثم تنشأُ منه أمراضٌ وأورامٌ وأسقامٌ عظيمةٌ، قَبَّحَ اللَّهُ الجميعَ.
والحاصلُ أنها خصلةٌ من أقبحِ الخصالِ وأخسِّها وأكثرِها ضررًا، صاحبُها في الدنيا تُؤْذِنُ بأنه ساقطُ المروءةِ، ساقطُ الدِّينِ، لا يخافُ اللَّهَ، وَتُدْخِلُهُ يومَ القيامةِ النارَ، وَمَنِ ارْتَكَبَهَا أجمعَ العلماءُ على أنه يُعَاقَبُ في الدنيا عقوبةً زاجرةً.
واختلفَ العلماءُ في عقوبةِ اللائطِ (^١)، المرتكِب هذه الفاحشةَ الخبيثةَ - قَبَّحَهَا اللهُ وَقَبَّحَ مرتكبَها - فذهبَ جماعةٌ من العلماءِ، وحكى عليه غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ، وهو مذهبُ مالكٍ وعامةِ أصحابِه، وروايةً عن الشافعيِّ، وروايةً عن الإمامِ أحمدَ أنهما يُقْتَلَانِ:
_________________
(١) انظر: المجموع (٢٠/ ٢٧)، المغني (١٢/ ٣٤٨)، القرطبي (٧/ ٢٤٣).
[ ٣ / ٥٤٩ ]
الفاعلُ والمفعولُ به يقتلانُ معًا، إلا أن العلماءَ الذين قالوا يقتلانِ، اختلفوا في كيفيةِ قتلِه، فمنهم مَنْ قال: يُقْتَلُ بالسيفِ، ومنهم مَنْ قال: يُرْجَمُ بالحجارةِ حتى يموتَ، ومنهم مَنْ قال: يُحْرَقُ الخبيثُ بالنارِ حتى يُقْتَلَ تحريقًا، ومنهم مَنْ قال: يُرْفَعُ على شَاهِقٍ ثم يُرْمَى من الشاهقِ وَيُتْبَعُ بالحجارةِ كما فَعَلَ اللهُ بقومِ لوطٍ الذين هم أولُ مَنِ ارتكبَ هذه الفاحشةَ، رَفَعَهُمْ إلى أعلى ثم قَذَفَ [بهم إلى] (^١) الأرضِ وَأَرْسَلَ عليهم حجارةً مِنْ سِجِّيلٍ.
والذين قالوا: يُقْتَلُ اللائطُ والملوطُ استدلوا بالحديثِ الذي رَوَاهُ عكرمةُ عن ابنِ عباسٍ، وأخرجَه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وغيرُهم، أن النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (^٢). وقال ابنُ حَجَرٍ في رجالِ هذا الإسنادِ: إنهم موثقونَ. وَذَكَرَ فيه بعضَ اختلافٍ (^٣). وأكثرُ العلماءِ يُثْبِتُونَ هذا الحديثَ، وكم من واحدٍ قال: إنه حديثٌ ثابتٌ. وما جاء عن يَحْيَى بنِ مَعِينٍ من أن في إسنادَه عمرُو بنُ أبِي عمرٍو مَوْلَى المطلب، وأنه اتَّهَمَهُ في هذا الحديثِ (^٤)، مردودٌ بأن عَمْرًا المذكورَ من الحفاظِ المشهورين، الذين رَوَى لهم مالكٌ والشيخانِ، فلا يقدحُ فيه هذا، فهذا الحديثُ الذي رواه هؤلاء عن ابنِ عباسٍ هو حجةُ مَنْ قال: يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ به، سواء كانا مُحْصَنَيْنِ أو غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ.
_________________
(١) في الأصل: «قذف الأرض بهم».
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٣) بلوغ المرام ص٢٥٩.
(٤) انظر: الدراية (٢/ ١٠٣).
[ ٣ / ٥٥٠ ]
والذين قالوا: يُقْتَلَانِ بالسيفِ؛ لأن النبيَّ قال في الحديثِ: «فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ». والقتلُ إِذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى القتلِ بالسيفِ.
والذين قالوا: يُرْجَمَانِ اسْتَدَلُّوا بآثارٍ جاءت في ذلك، جاء عن عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ أنه رَجَمَ لُوطِيًّا (^١)، جاء عنه من بعضِ الوجوهِ. وَرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أيضًا أن هذه اللوطيةَ الكبرى، أن فيها الرجمَ (^٢). فقد رُوِيَ عن عَلِيٍّ وابنِ عباسٍ وغيرِهم.
والذين قالوا: يُحْرَقُ بالنارِ استدلوا بما رواه البيهقيُّ وغيرُه من أن خالدَ بنَ الوليدِ (﵁) أرسل إلى أبِي بكرٍ الصديقِ أيامَ خلافتِه أنه وَجَدَ في بعضِ نواحِي بلادِ العربِ رَجُلًا يُنْكَحُ - والعياذُ بالله - كما تُنْكَحُ النساءُ، وأن أبا بكر جَمَعَ الصحابةَ فاستشارهم فكان أشدُّهم في ذلك قولًا عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ (﵁)، فقال: يَا أميرَ المؤمنين، إن هذه فاحشةٌ لم تَرْتَكِبْهَا من الأممِ إلا أمةٌ واحدةٌ، وقد فَعَلَ اللَّهُ بها ما علمتُم في كتابِه، فَأَرَى أن يُحَرَّقَ بالنارِ، واتفقَ الصحابةُ على ذلك (^٣).
ذكر هذه القصةَ البيهقيُّ وإسنادُه فيها
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٨٨)، وابن أبي شيبة (٩/ ٥٣٠)، والبيهقي (٨/ ٢٣٢)، وانظر: الدراية (٢/ ١٠٣).
(٢) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (١٣٤٩١)، وابن أبي شيبة (٩/ ٥٣٠)، وأبو داود في الحدود، باب: فيمن عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ (٤٤٣٩)، (١٢/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ٢٣٢)، والدارقطني (٣/ ١٢٥)، انظر: صحيح أبي داود (٣٧٤٦).
(٣) أخرجه البيهقي (٨/ ٢٣٢)، وعزاه الحافظ في الدراية (٢/ ١٠٣)، لابن أبي الدنيا والواقدي في الردة. وقال: «ضعيف جِدًّا» ا. هـ.
[ ٣ / ٥٥١ ]
مرسلٌ، وجاءت مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عن عَلِيٍّ (﵁) أنه حَرَّقَ رجلًا وَرَجَمَهُ (^١).
والذين قالوا: يُرْفَعُ من عَالٍ إلى أسفلَ، ثم يُتْبَعُ بالحجارةِ، قالوا: إن اللَّهَ كذلك فَعَلَ بقومِ لُوطٍ.
هذا هو القولُ الأولُ - أنه يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ - وهو أقوى الأقوالِ دليلًا، وهو مذهبُ مالكٍ وعامةِ أصحابِه، وَحَكَى عليه غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولٌ عن الشافعيِّ.
المذهبُ الثاني في عقوبةِ اللائطِ: أن اللواطَ كَالزِّنَى، إن كان اللائطُ مُحْصَنًا رُجِمَ، وإن كان غيرَ محصن جُلِدَ مائةً وَغُرِّبَ سَنَةً، كما هو معروفٌ. وهذا هو الروايةُ التي رَجَعَ إليها الشافعيُّ في قولِ الربيعِ وغيرِه (^٢)، وهو الروايةُ الأخرى عن الإمامِ أحمدَ، قالوا: إنه كالزِّنَى: واستدلوا بحديثٍ لا يَصِحُّ، وهو أن النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ، وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» (^٣) وهذا الحديثُ لا يصحُّ إسنادُه، وإن جاء من وَجْهَيْنِ، فلا يصحُّ إسنادُه. واستدلَّ مَنْ قال هذا القولَ بالقياسِ، قَاسُوهُ على الزنى،
_________________
(١) البيهقي (٨/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، بنحوه.
(٢) السابق (٨/ ٢٣٣).
(٣) أخرجه البيهقي (٨/ ٢٣٣)، قال الحافظ في التلخيص (٤/ ٥٥): « البيهقي من حديث أبي موسى، وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري كذبه أبو حاتم ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء، والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى، وفيه بشر بن الفضل البجلي وهو مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه» ا. هـ. وضعفه الألباني في الإرواء (٢٣٤٩).
[ ٣ / ٥٥٢ ]
قالوا: بِجَامِعِ أن كلًاّ منهما إيلاجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مُشْتَهًى طبعًا. وهذا رواية عن الشافعيِّ، وَرُوِيَ عن أحمدَ، وقال به جماعاتٌ كثيرةٌ من فقهاءِ الأمصارِ، وَمِمَّنْ رُوي عنه هذا من الصحابةِ: ابنُ الزبيرِ وجماعاتٌ من التابعينَ، وفقهاء الأمصارِ، وهذا هو الروايةُ الأخرى عن الإمامِ أحمدَ، والقولُ الآخَرُ عن الشافعيِّ. وعن الربيعِ: أن الشافعيَّ رَجَعَ إلى هذا القولِ.
المذهبُ الثالثُ: أنه لا يُقْتَلُ ولا يُحَدُّ حَدَّ الزنى، وإنما يُعَزَّرُ بحسبِ ما يراه الإمامُ مِنْ ضَرْبٍ أو سَجْنٍ. وهذا مذهبُ أبِي حنيفةَ، إلا أن صَاحِبَيْهِ خالفاه فيما ذَكَرَ بعضُهم أنهما في هذا وَافَقَا الشافعيَّ وغيرَه في أنه كالزاني. ومذهبُ أبي حنيفةَ احتجَّ له بأن الصحابةَ اختلفوا فيه، فَدَلَّ على أنه ليس فيه نَصٌّ صريحٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشبهاتِ، وقال: قياسُه على الزنى غيرُ مقبولٍ؛ لأن الزنَى له اسمٌ يَخُصُّهُ، واللواطُ له اسمٌ يَخُصُّهُ، واستدلَّ له بعضُ الحنفيةِ ببيتِ أَبِي نُوَاسٍ (^١):
مِنْ كَفِّ ذَاتِ حِرٍّ فِي زِيِّ ذِي ذَكَرٍ لَهَا مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءُ
قالوا: الزنى له اسمٌ يَخُصُّهُ، واللواطُ له اسمٌ يَخُصُّهُ، والقياسُ لا يصحُّ مع وجودِ الفارقِ. قالوا: لأن الزنى يُضَيِّعُ الأنسابَ ويورثُ الشبهةَ في الفراشِ، واللواطُ لا يضيعُ نَسَبًا ولا يورثُ شبهةً في فراشٍ؛ لأن اللواطَ لا يقعُ منه ولدٌ، بخلافِ الزنى فقد تَشْتَبِهُ به الفُرُشُ، وتختلطُ به الأنسابُ. قالوا: والداعيةُ في الزنى من الجانبين؛ لأن الزانيَ والزانيةَ كُلٌّ منهما يَتَلَذَّذُ، واللواطُ من جهةٍ
_________________
(١) البيت في ديوانه ص٢٨.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
واحدةٍ؛ لأَنَّ المفعولَ به - قَبَّحَهُ اللَّهُ - قد لَا يتلذذُ - قبح الله الجميعَ - واستدلَّ أبو حنيفةَ أيضًا بتفسيرِ مجاهدٍ في قولِه تعالى: ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: آية ١٦] قال: اللَّذَانِ يأتيانها: الرَّجُلَانِ يفعلانِ فاحشةَ اللواطِ، فَآذُوهُمَا بالسبِّ والضربِ بالنعالِ ونحوِ ذلك (^١). كما قال به بعضُ العلماءِ في تفسيرِ الآيةِ.
هذه مذاهبُ العلماءِ في عقوبةِ الخنزيرِ الخبيثِ اللائطِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
وَاعْلَمُوا أن أَوْجُهَ التلذذِ المحرمةَ على أنواعٍ: منها: أن يأتيَ الرجلُ الرجلَ، ومنها: أن يأتيَ الرجلُ المرأةَ حرامًا، ومنها: أن تأتيَ المرأةُ المرأةَ، قبح اللهُ الجميعَ ولعنَ مَنْ يفعلُ ذلك.
أما إتيانُ الرجلِ الرجلَ فهو فاحشةُ اللواطِ الذي كُنَّا نذكرُه الآنَ.
وأما إتيانُ الرجلِ المرأةَ غيرَ زوجِه ولا سريته فهو الزِّنَى، وسيأتِي إيضاحُ الكلامِ عليه - إن شاءَ اللهُ - في سورةِ النورِ، حيث أَوْضَحَهُ اللهُ وَبَيَّنَ ما يترتبُ عليه. وكذلك إتيانُ المرأةِ المرأةَ. وإتيانُ الرجلِ زوجَه في دُبُرِهَا هو من هذه المحرماتِ الخسائسِ (^٢). والعلماءُ يُسَمُّونَهُ: اللوطيةَ الصغرى. فيجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعلمَ أن إتيانَ الرجلِ امرأتَه في دبرِها حرامٌ، وقد قال أبو عبد اللَّهِ القرطبيُّ - ﵀ -
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٨/ ٨٢)، وابن أبي حاتم (٣/ ٨٩٥)، وعزاه في الدر (٢/ ١٣٠)، لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٢) انظر: القرطبي (٣/ ٩٠ - ٩٥)، المغني (١٠/ ٢٢٦)، فتح الباري (٨/ ١٩٠ - ١٩٢).
[ ٣ / ٥٥٤ ]
في تفسيرِه (^١): إن حرمتَه رواها عن النبيِّ ﷺ اثْنَا عَشَرَ صحابيًّا من الصحابةِ الكرامِ. وناهيكَ بالتحريمِ شيءٌ يَرْوِي حرمتَه عن النبيِّ ﷺ اثْنَا عشر صحابيًّا من الصحابةِ الكرامِ (﵃).
وأحاديثُهم معروفةٌ موجودةٌ، أخرجَها الإمامُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ، وأصحابُ السننِ، وهي معروفةٌ بكثرةٍ، وفيها الوعيدُ الشديدُ والتهديدُ لِمَنْ يأتِي امرأتَه في دُبُرِهَا.
وما رُوِيَ عن بعضِ السلفِ: - كما يذكرونَه عن ابنِ عُمَرَ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وجماعةٍ من الصحابةِ والتابعين - من أنهم رَخَّصُوا للرجلِ أن يأتيَ امرأتَه في دُبُرِهَا، كل ذلك بَيْنَ أَمْرَيْنِ (^٢): إما مكذوبٌ لا أصلَ له، وإما مُحَرَّفٌ عن حقيقتِه، مُصَوَّرٌ بصورةٍ غيرِ حقيقتِه؛ لأن الذين قالوا من السلفِ ذلك، وَجَوَّزُوا إتيانَ النساءِ من الأدبارِ يَعْنُونَ أن يأتيَ الرجلُ امرأتَه من جهةِ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا، وَكَمْ من رجلٍ يجامعُ امرأتَه في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا، وهذا معروفٌ، وتدلُّ على هذا وجوهٌ صحيحةٌ ثابتةٌ، منها: ما ثَبَتَ في الصحيحين وغيرِهما عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ (﵁) أن اليهودَ كانوا يقولونَ: إذا جَامَعَ الرجلُ امرأتَه في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا جاءَ ولدُها أحولَ. فأنزل اللهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٣) [البقرة: آية ٢٢٣] وهذا تفسيرٌ من جابرٍ (﵁) للآيةِ الكريمةِ بمعنَى:
_________________
(١) تفسير القرطبي (٣/ ٩٥).
(٢) انظر: السابق (٣/ ٩٣ - ٩٦).
(٣) البخاري في التفسير، باب (نساؤكم حرث لكم) حديث رقم (٤٥٢٨، ٨/ ١٨٩)، ومسلم في النكاح، باب: جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر. حديث رقم (١٤٣٥)، (٢/ ١٠٥٨).
[ ٣ / ٥٥٥ ]
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَيْ: وَأْتُوا نساءَكم في مَحَلِّ الحرثِ وهو القُبُلُ خاصةً، أنى شئتُم، سواء كانتِ المرأةُ باركةً على وَجْهِهَا فلا يكونُ الولدُ أحولَ، أو مستلقيةً على قَفَاهَا، أو على جَنْبٍ. والمقررُ في علومِ الحديثِ: أن تفسيرَ الصحابيِّ إذا كان له تَعَلُّقٌ بسببِ النزولِ فحكمُه حكمُ المرفوعِ إلى النبيِّ ﷺ (^١). وحديثُ جابرٍ هذا له حُكْمُ الرفعِ، وهو حديثٌ ثابتٌ في الصحيحين، يُبَيِّنُ أن المعنَى: إتيانُها في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا.
وما اشتهر عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنه أَذِنَ وَرَخَّصَ في ذلك فهو باطلٌ؛ بدليلِ ما رواه الدارميُّ (﵀) في مسندِه بإسنادٍ صحيحٍ أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ (﵄) سأله رجلٌ فقال له: أيُحَمَّضُ لِلْجَوَارِي؟ فقال: وما التحميضُ؟ فَذَكَرَ له الدبرَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: وهل يفعلُ هذا أحدٌ من المسلمين؟! (^٢) هذا إسنادٌ صحيحٌ في مسندِ الدراميِّ (﵀)، يُبَيِّنُ أن ما ذُكِرَ عن ابنِ عمرَ أنه كَذِبٌ، وأنه لا يَقْصِدُ إتيانَ المرأةِ في دُبُرِهَا. وَمَنْ رُوِيَ عنه من السلفِ ما يُوهِمُ ذلك فمرادُه أنه يجوزُ أن يأتِي الرجلُ امرأتَه في قبلِها من جهةِ دبرِها وهذا لا نَهْيَ فيه، وهو الذي نَزَلَتْ فيه آيةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣].
وما يستدلُّ به بعضُ مَنْ لَا يعلمُ معانيَ القرآنِ من أن اللهَ أَذِنَ للرجلِ أن يأتيَ امرأتَه حيثُ شاءَ لأنه قال: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيفَ شِئْتُمْ. وقولُه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يقتضِي سواء كان ذلك في القبلِ أم في الدبرِ!! فهذا جهلٌ وَعُجْمَةٌ، وعدمُ فَهْمٍ للقرآنِ؛ لأن هذا مُرَتَّبٌ بالفاءِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣١) من هذه السورة.
(٢) الدارمي (١/ ٢٠٨)، (١١٤٧).
[ ٣ / ٥٥٦ ]
على قولِه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ فَرَتَّبَ على كونِ النساءِ حَرْثًا أي: مَحَلَّ ازدراعِ الأولادِ بقولِه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ولا حرثَ في الدبرِ ألبتةَ، فلا يدخلُ في الآيةِ ألبتةَ (^١).
ومما استدلَّ به العلماءُ - مع روايةِ اثني عشرَ صَحَابِيًّا عن النبيِّ ﷺ تحريمُ إتيانِ النساءِ في أدبارِهن، مما استُدلَّ به من غيرِ النصوصِ -: القياسُ، فَمِنْ ذلك أن اللهَ (تعالى) حَرَّمَ على الرجلِ إتيانَ امرأتِه في فَرْجِهَا أيامَ الحيضِ. وَعَلَّلَ ذلك بأن الحيضَ أَذًى يُنَزِّهُ الرجالَ عن أن يتلبسوا بأذَى الحيضِ وقذرِه حيث قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ ثم بَيَّنَ علةَ الاعتزالِ بأنه أَذًى فقال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية ٢٢٢] وقولُه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ هو القبُلُ؛ لأن اللَّهَ قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣] والمأمورُ بإتيانِه: محلُّ الحرثِ، ومعلومٌ أن محلَّ حرثِ الأولادِ ليس الدبرَ، وتدلُّ عليه آيةٌ أخرى، وهي قولُه تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة آية ١٨٧] لأن معنَى: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: من الأولادِ على أصحِّ التفسيرين، وعليه جمهورُ العلماءِ، يعنِي: بَاشِرُوهُنَّ وَلْتَكُنْ تلك المباشرةُ في محلِّ ابتغاءِ الأولادِ، ومعلومٌ أن الدبرَ ليس محلَّ ابتغاءِ الأولادِ؛ ولذا كانت المرأةُ أيامَ حيضِها يُمْنَعُ على زوجِها جِمَاعُهَا حَذَرًا من أذَى الحيضِ ونجاستِه، فالدبرُ أنجسُ وأنجسُ من محلِّ الحيضِ؛ لأنه محلُّ الغائطِ، ومحلُّ النتنِ والخبثِ والنجاسةِ الدائمةِ، فهو أنجسُ وأنجسُ والعياذُ بالله.
_________________
(١) انظر: القرطبي (٣/ ٩١ - ٩٣).
[ ٣ / ٥٥٧ ]
ومما استدلَّ به بعضُ العلماءِ (^١): قالوا: إن الرجلَ إذا تَزَوَّجَ امرأةً فَوَجَدَهَا رتقاءَ -والرتقاءُ هي التي فَرْجُهَا مسدودٌ، ليس فيها محلٌّ يمكن أن يُجَامِعَهَا فيه؛ لأن فَرْجَهَا مسدودٌ بالكليةِ- قالوا: إن هذا عيبٌ تُرَدُّ به بإجماعِ العلماءِ، ولو كان الدبرُ مَحَلَّ تلذذٍ لَمَا رُدَّتِ الرتقاءُ؛ لأن عندَه محلًاّ آخَرَ يتمتعُ به غير القُبلِ المسدودِ، وهو دُبُرُهَا.
وحكى القرطبيُّ إجماعَ العلماءِ على أن الرتقَ عيبٌ يُرَدُّ به، وأن الرجلَ إذا تزوجَ امرأةً فَوَجَدَهَا مسدودةَ الفرجِ بالكليةِ أنه عَيْبٌ يَرُدُّهَا به، ولا يلزمُه شيءٌ من نصفِ الصداقِ. وقال الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ (﵀) (^٢): إن عامةَ العلماءِ أَجْمَعُوا على أن الرتقَ عَيْبٌ تُرَدُّ به الرتقاءُ، ولم يُعْلَمْ في ذلك خلافٌ، إلا شيءٌ ضعيفٌ لم يَثْبُتْ، رُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (﵀) أنها لَا تُرَدُّ بالرتقِ. فإن قيل: قد يكونُ الرتقُ عَيْبًا؛ لأن الرَّتْقَاءَ لَا تَلِدُ، والعقمُ عَيْبٌ. أجاب عنه بعضُ العلماءِ: بأن العقمَ ليس بعيبٍ، وَمَنْ تزوجَ امرأةً فَوَجَدَهَا عقيمًا لا تلدُ، لا يكونُ هذا عَيْبًا يَرُدُّهَا به، وإن طَلَّقَهَا لَزِمَهُ نصفُ الصداقِ إن كان قبلَ الدخولِ؛ لأن العقمَ في النساءِ ليس عَيْبًا يُرَدُّ به. وحكى القرطبيُّ (﵀) في تفسيرِ قولِه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣] إجماعَ العلماءِ على أن عُقْمَ المرأةِ ليس من العيوبِ التي يَرُدُّهَا به الرجلُ (^٣)، ويدلُّ على ذلك ظواهرُ آياتٍ:
هذا زكريا ﷺ يقولُ: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: آية ٤٠] ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: آية ٥] وهو مقيمٌ معها على
_________________
(١) انظر: السابق (٣/ ٩٤).
(٢) الاستذكار (١٦/ ١٠٠).
(٣) القرطبي (٣/ ٩٤).
[ ٣ / ٥٥٨ ]
ذلك، وذلك يدلُّ على أن ذلك الأمرَ لو كان مِمَّا لَا ينبغي البقاءُ عليه لَمَا بَقِيَ هو عليه. ولا ينافِي هذا ورودُ أحاديثَ كثيرةٍ بتزوجِ الولودِ؛ لأَنَّ النبيَّ ﷺ يُكَاثِرُ بنا الأممَ، فالولودُ قَطْعًا خيرٌ من العقيمِ، وكثرةُ النسلِ خيرٌ من قِلَّتِهِ كما لَا يَخْفَى.
والحاصلُ أن الوجوهَ المحرمةَ من التلذذِ أن: منها إتيانَ الرجلِ امرأةً غيرَ زوجِه ولا سُرِّيَّتِهِ، وهذا هو الزنا أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمين منه.
ومنها إتيانُ الرجلِ الرجلَ، وهذا هو اللواطُ - قبحه الله ولعنَ مرتكبه - وهو الذي كُنَّا نتكلم عليه ومنها: إتيانُ امرأةِ الرجلِ في دُبُرِهَا، فلا يَحِلُّ له أن يأتيَ امرأتَه في دبرها، وذلك يُسَمَّى اللوطيةَ الصغرَى، وهو الذي كنا نُبَيِّنُ روايةَ اثني عشرَ صحابيًّا حرمتَه عن النبيِّ ﷺ والتشديدَ فيه.
ومن ذلك إتيانُ المرأةِ المرأةَ، المعروفُ بِالْمُسَاحَقَةِ؛ لأن بعضَ النساءِ الخبيثاتِ الخسيساتِ التي لا مروءةَ لَهُنَّ ولَا خُلُقَ ولا حياءَ يجامعُ بَعْضُهُنَّ بعضًا، فتتلاقَى عوراتُهن، وَتَحُكُّ هذه فرجَها بفرجِ هذه - قبح الله الجميعَ، الخسيساتِ - فإن هذا الفعلَ من أخسِّ الأفعالِ وأقبحِها، وهو من المحرماتِ الخسيسةِ الخبيثةِ التي لا تَرْتَكِبُهَا إلا ساقطةُ مروءةٍ، وساقطةُ دينٍ، خبيثةٌ لا حياءَ لها ولَا مروءةَ ولا إنسانيةَ، وهذه من أقبحِ الأفعالِ وأحرمِها وأشنعِها، وإذا ثَبَتَتْ على امرأةٍ يجبُ على مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه أن يعزرَها التعزيرَ البالغَ الرادعَ لها ولأمثالِها من الخسيساتِ الخبيثاتِ القبيحاتِ، وهذه المساحقةُ - قَبَّحَهَا اللَّهُ وأخزاها، وقبحَ مَنْ تَرْتَكِبُهَا وأخزاها - هي من قبائحِ الذنوبِ، وخسائسِ الفضائحِ، وربما نَشَأَتْ عنها بلايا عظامٌ، ربما نَشَأَ عنها مثلَ الزاني بعينه؛ لأن المُساحِقَاتِ ربما حَمَلَتْ إحداهن
[ ٣ / ٥٥٩ ]
عن طريقِ المساحقةِ فتيقن الناس أنها زانيةٌ.
وذلك أن التي تتخذُ أخدانًا مساحقاتٍ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - قد تكونُ ذاتَ زوجٍ فَيُجَامِعُهَا زوجُها فيستقرُّ ماءُ زوجِها في رَحِمِهَا، ثم تأتِي أخرى خدنتُها التي تساحقُها وماءُ زوجِها مستقرٌّ في رَحِمِهَا فتحكُّ ذلك العضوَ منها بالعضوِ من الأخرى فتتحركُ الشهوةُ منهما، وعندَ تحركِ الشهوةِ ينزلُ ماءُ زوجِها من رَحِمِهَا فيدخلُ في رحمِ الأخرى عندَ ثورانِ شهوتِها فيختلطُ بِمَنِيِّهَا المنعكسِ إلى رَحِمِهَا فينشأُ من ذلك الحملُ، فيقدرُ الناسُ أن الخبيثةَ الكلبةَ زانيةٌ قبحها اللهُ وقبح فِعْلَهَا وقبحَ مَنْ يرتكبُ هذه الخسائسَ الشنائعَ، فإن الإنسانَ حتى ولو كان غيرَ ذِي دِينٍ لا ينبغي له إن كان ذَا إنسانيةٍ أو مروءةٍ أن يرتكبَ هذا، وقد صَدَقَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ حيث قال: إنه لو لم يَسْمَعِ اللواطَ يُذْكَرْ في القرآنِ لَمَا صَدَّقَ أن ذَكَرًا يَنْزُو على ذَكَرٍ؛ لأن النفوسَ الطبيعيةَ والفطرَ السليمةَ تستقذرُ هذا وتستخبثُه كُلَّ الاستخباثِ، حتى ولو ضُرِبَتْ عنقُ الرجلِ السليمِ الفطرةِ أن يفعلَ هذا لَمَا فَعَلَ - قبحَ اللَّهُ مَنْ يَرْتَكِبُ هذه الخسائسَ والخبائثَ - فهذه هي الأمورُ التي لا يجوزُ أن تُفْعَلَ، وهي إتيانُ الرجلِ امرأةً أجنبيةً، وإتيانُه زوجتَه في دُبُرِهَا، وإتيانُ الرجلِ الرجلَ، وإتيانُ المرأةِ المرأةَ، كُلُّ هذا خبيثٌ قَبِيحٌ.
[١٣/ أ] / أما استمناءُ الرجلِ بيدِه - لأن الرجلَ إذا اشتدت غُلْمَتُهُ فيجعلُ مثل صابونٍ أو غاسولٍ في يدِه ويحكُّه على ذَكَرِهِ حتى ينزلَ منه الماءُ - فالتحقيقُ أن هذا الاستمناءَ باليدِ المعروفَ في اصطلاحِ الأدباءِ بجَلْدِ عُمَيرَة (^١)، وَيُسَمَّى (الخضخضةَ)، فالتحقيقُ الذي لا شَكَّ
_________________
(١) انظر: المنتخب في كنايات الأدباء ص١٠٥، القاموس (مادة: عمر) ص ٥٧٢، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٣٩٧).
[ ٣ / ٥٦٠ ]
فيه أنه فعلٌ قبيحٌ وأنه حَرَامٌ (^١)، وإن كان الإمامُ أحمدُ - مع جلالتِه وَعِظَمِ قَدْرِهِ في العلم - يُذْكَرُ عنه أنه يُرَخِّصُ في هذا كالترخيصِ بإخراجِ الدمِ بالفصادةِ إذا خِيفَ منه أَذًى (^٢).
إلا أن التحقيقَ مع الجمهورِ، وأن الاستمناءَ باليدِ المعروفَ بجلدِ عميرةَ المُسَمَّى بالخضخضةِ - قبحَّه الله - أنه حرامٌ، وظاهرُ القرآنِ يدلُّ على أنه حرامٌ ظهورًا بَيِّنًا، ولم يَرِدْ في كتابِ الله ولا في سنةِ رسولِ اللَّهِ شيءٌ يعارضُ ظاهرَ آيةِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ الدالةِ على تحريمِ الاستمناءِ باليدِ، وهي قولُه تعالى في: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و(سَأَلَ سَائِلٌ): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: الآيتان ٥، ٦] و[المعارج: الآيتان ٢٩، ٣٠] فلم يَسْتَثْنِ اللهُ إلا نوعين وهو قولُه: ﴿إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ ثم جاء بِحُكْمٍ عامٍّ شاملٍ قال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: آية ٧] و[المعارج: آية ٣٠] ولا شَكَّ أن الناكحَ يدَه مِمَّنِ ابتغَى وراءَ ذلك فهو داخلٌ في قولِه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ خِلَافًا لمن يجيزُ ذلك. والسفهاءُ يفعلونَ هذا كما قال شَاعِرُهُمْ (^٣):
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا عَارٌ وَلَا حَرَجُ
_________________
(١) انظر: القرطبي (١٢/ ١٠٥)، المجموع (٢٠/ ٣١ - ٣٤).
(٢) المذهب عند الحنابلة أنه حرام، ونقله في الإنصاف عن جميع الأصحاب، وإنما يُباح حال الخوف من الزنا مع عدم القدرة على النكاح أو التسري، وزاد بعضهم ما إذا خاف على نفسه وبدنه. وفي رواية عن الإمام أحمد التحريم بإطلاق. انظر: الإنصاف (١٠/ ٢٥١)، الفروع (٦/ ١٢١)، كشاف القناع (٦/ ١٢٥)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٣٦٢).
(٣) البيت في القرطبي (١٢/ ١٠٥)، المجموع (٢٠/ ٣٣).
[ ٣ / ٥٦١ ]
وهذا من الشيءِ الذي لا ينبغي أن يُختلفَ في تحريمِه، وإن قال به هذا الإمامُ الجليلُ ما قال، وكلُّ كلامٍ فيه مقبولٌ ومردودٌ كما قال إمامُ دارِ الهجرةِ مالكُ بنُ أنسٍ ﵀.
فَفَاحِشَةُ اللواطِ - قبحها الله - وما يتبعُها يجبُ على المسلمين الحذرُ منها، وأظهرُ الأقوالِ دَلِيلًا: أن مرتكبَها يُقْتَلُ، يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ.
أما مَنْ يَزْنِي ببهيمةٍ (^١) فقد جاء فيه حديثٌ أنه يُقْتَلُ هو والبهيمةُ التي زَنَى بها (^٢)، والحديثُ الذي وَرَدَ في ذلك قد يكونُ لا يَقِلُّ عن درجةِ الاحتجاجِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أن مَنْ زَنَى ببهيمةٍ لا يُقْتَلُ هو ولا البهيمةُ؛ واستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ الثابتِ فِي الصحيحين: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَاّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» (^٣). والثلاثُ معروفةٌ ليس منها نكاحُ البهيمةِ. قالوا: هذا الحصرُ القويُّ اليقينيُّ أقوى من الأحاديثِ الواردةِ في قتلِ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً.
وبعضُ العلماءِ يقولُ: إذا أَتَاهَا جَازَ أَكْلُهَا. وهو مذهبُ مالكٍ، وبعضُهم يقول: تُقْتَلُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا. وَاللَّهُ (جل وعلا) أَعْلَمُ بذلك.
وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: آية ٨١] النساءُ: اسمُ جمعٍ لَا واحدَ له من لَفْظِهِ، واحدتُه امرأةٌ.
_________________
(١) انظر: المجموع (٢٠/ ٢٩)، المغني (١٢/ ٣٥١).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
﴿شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ هذا النوعُ من الإضرابِ يُسَمَّى (إضرابًا انْتِقَالِيًّا).
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ والإسرافُ مجاوزةُ الحدِّ؛ لأن اللَّهَ خَلَقَ لهم النساءَ وجعلَ فيهن الجمالَ، وركبَ فيهن الشهوةَ؛ لأن اللَّهَ إنما رَكَّبَ الشهوةَ في الرجالِ والنساءِ، الحكمةُ الكبرى في ذلك أن يقعَ التناسلُ ويبقى نوعُ الإنسانِ؛ لأن المرأةَ إذا كانت لا تَشْتَهِي الجماعَ لا يمكنُ أن تَقْبَلَهُ بحالٍ أبدًا، فلا يمكنُ أن يُرْغِمَهَا على قبولِ جماعِ الرجلِ لها إلا شهوتُها في ذلك الفعلِ، فلو كانت لا تشتهيه ألبتةَ لَمَا قَبِلَتْهُ أبدًا وَلَتَمَنَّعَتِ النساءُ عن ذلك الفعلِ فَانْقَطَعَ نسلُ بَنِي آدمَ، وكذلك الرجلُ إن كان لم يُرَكَّبْ فيه شهوةُ هذا الفعلِ لَا يقبلُ ذلك الفعلَ أبدًا. فجعلَ اللَّهُ الشهوةَ في الرجالِ إلى النساءِ، وفي النساءِ إلى الرجالِ؛ لتجتمعَ الشهوةُ والشهوةُ فيقعُ بذلك التناسلُ، ويبقَى نوعُ الإنسانِ. فَمَنْ صَرَفَ الشهوةَ إلى غيرِ محلِّها وجعلَها في الذَّكَرِ أَسْرَفَ؛ لأنه جَاوَزَ الحدَّ وَوَضَعَ الأمرَ في غيرِ مَوْضِعِهِ؛ لأنه لو اقْتَصَرَ الرجالُ على الرجالِ وتركوا النساءَ لَانْقَطَعَ النسلُ وانقطعَ بَنُو آدمَ وخرب الْعَالَمُ كُلُّهُ؛ ولذا قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ وَلَمَّا قال لهم لوطٌ هذا الكلامَ قال اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٢] ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: لوطًا وَمَنْ مَعَهُ، وقد بَيَّنَ القرآنُ أن لُوطًا لم يُؤْمِنْ معه إلا أهلُ بَيْتِهِ فقط، وهم بناتُه.
وزوجتُه بَيَّنَ القرآنُ أنها كَافِرَةٌ، وأنها هَلَكَتْ مع الهالكين في آياتٍ كثيرةٍ، والآيةُ التي دَلَّتْ على أنه لم يؤمن معه إلا أهلُ بيتِه هي قولُه في الذارياتِ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: الآيتان ٣٥، ٣٦] وهو
[ ٣ / ٥٦٣ ]
بيتُ لوطٍ، هو وَابْنَتَاهُ؛ ولهذا قال: ﴿إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: لوطًا وأهلَه ﴿مِّنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ سدوم ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ﴾ أي: جماعةٌ وناسٌ ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ يتطهرونَ من أدبارِ الرجالِ، ويتنزهونَ عن إتيانِ الرجالِ في أدبارِهم، فكأنَّهم يعيبونَهم بما ليس بعيبٍ، فهم يعيبونهم بالتطهرِ من أقذارِ أدبارِ الرجالِ، وهذا العيبُ الذي عَابُوهُمْ به هو غايةُ المدحِ والنزاهةِ:
وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا (^١)
قال بعضُ العلماءِ: عَابُوهُمْ والله بما ليسَ بعيبٍ، بل هو غايةُ المدحِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ [الأعراف: آية ٨٣] اخْتُصِرَتِ القصةُ هنا وَبُسِطَتْ في مواضعَ أُخَرَ كثيرةٍ، وذلك أن الرسلَ لَمَّا جاؤوا إلى إبراهيمَ وَبَشَّرُوهُ بغلامٍ عَلِيمٍ، ووقعَ ما وقعَ مِنْ ذَبْحِهِ لهم العجلَ، وَخَوْفِهِ منهم، وسؤالِه لهم: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذاريات: الآيات ٣١ - ٣٣] وجاءوا لوطًا وَسِيئ بهم لوط ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: الآيتان ٧٧، ٧٨] وَحَاوَرَهُمُ المحاورةَ المعروفةَ المتكررةَ في القرآنِ ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: آية ٧٠] وجاءوا يكسرونَ البابَ، يظنونَ أن جبريلَ والملائكةَ معه جاؤوا في صفةِ شبابٍ حِسَانِ الوجوهِ، حسانِ الثيابِ، حسانِ الريحِ، فجاءوا يريدونَ
_________________
(١) البيت في الفائق للزمخشري (٣/ ٤٤٥)، روح المعاني (١/ ٢٢)، (١٣/ ١٦١)، (٢٣/ ١١)، اللسان (مادة: ظهر) (٢/ ٦٥٩).
[ ٣ / ٥٦٤ ]
أن يفعلوا بهم فاحشةَ اللواطِ، فلما غَلَبُوا لوطًا على البابِ وكادُوا أن يكسروه، وقال لوطٌ كلامَه المحزنَ: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: آية ٧٨] عندَ ذلك أخبرَه جبريلُ والملائكةُ معه: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: آية ٨١] وَأَمَرُوهُ بالإسراءِ بأهلِه ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: آية ٨١] وقالوا له: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَاّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: آية ٨١] الخبيثةُ الكافرةُ بَقِيَتْ معهم؛ وَلِذَا قال هنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ [الأعراف: آية ٨٣] حيث أَمَرْنَاهُ بأن يَسْرِيَ ليلًا إنا مُهْلُكُوهُمْ مع الصبحِ ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: آية ٨١] فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقولُه: ﴿إِلَاّ امْرَأَتَكَ﴾ [هود: آية ٨١] كانت امرأتُه قبيحةً خبيثةً مع الكفارِ كافرةً، وَضَرَبَ اللَّهُ لها مَثَلًا هي وامرأة نوحٍ في قولِه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم: آية ١٠] قَبَّحَهَا اللَّهُ (^١).
وقراءةُ الجمهورِ ما عدا ابنَ كثيرٍ وأبا عمرٍو لا إشكالَ؛ لأن الجمهورَ قرؤوا: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَاّ امْرَأَتَكَ﴾ وعلى قراءةِ النصبِ لا إشكالَ في الآيةِ ألبتةَ، وأن المعنَى: فَأَسْرِ بأهلِك بقطعٍ من الليلِ إلا امرأتَك فلا تَسْرِ بها فَاتْرُكْهَا مع الهالكينَ ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: آية ٨١] لأنها كافرةٌ منهم.
أما على قراءةِ أبي عمرٍو وابنِ كثيرٍ: ﴿إِلَاّ امْرَأَتُكَ﴾
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٦).
[ ٣ / ٥٦٥ ]
بالرفعِ (^١) ففي الآيةِ إشكالٌ متعارضٌ مع قولِه: ﴿إِلَاّ امْرَأَتَكَ﴾ لأن قولَه: ﴿إِلَاّ امْرَأَتَكَ﴾ بالفتحِ يدلُّ على أنه لم يَسْرِ بها، وعلى قراءةِ ﴿إلا امرأتُك﴾ يدلُّ على أنه سَرَى بها، وأنها لم يَلْتَفِتْ أحدٌ إِلَاّ هِيَ.
وَجَمَعَ بعضُ العلماءِ بينَ القراءتين بأن اللهَ أَعْلَمَهُ أنها هالكةٌ لا مَحَالَةَ، وأنه لم يَسْرِ بها إسراءً إلى حيثُ النجاةُ، سواء بَقِيَتْ معهم أو ذَهَبَتْ معهم قليلًا فالتفتت فأصابَها حجرٌ فأهلكها كما أَهْلَكَ قومَها، فهي هالكةٌ على كِلَا القولين سواء أَسْرَى بها فالتفتت فهلكت، أو بقيت معهم، فهي هالكةٌ على كُلِّ حالٍ. وفائدةُ إسرائِه بِمَنْ معه هي النجاةُ، وهي محرومةٌ من هذه الفائدةِ. وإذًا يكونُ معنَى القراءتين كالشيءِ الواحدِ. هكذا قال بعضُ العلماءِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ﴾.
﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ٨٣] (الغابرين): جمعُ الغابرِ، والغابرُ اسمٌ مشتركٌ من الأضدادِ، يُطْلَقُ على الماضِي وعلى الباقِي، تُقال (الغابر) للماضي، و(الغابر) للباقي. والمرادُ بها هنا: الباقين. ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في الهلاكِ. فَعَلَى القولِ بأنه لم يَسْرِ بها فالكلامُ ظاهرٌ، وعلى القولِ بأنه أَسْرَى بها: عندما خرجَ بها الْتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ، فكأنها بَقِيَتْ معهم، فهي باقيةٌ معهم في الهلاكِ: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: آية ٨١] وَاللَّهُ بَيَّنَ هذه القصةَ في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه وأوضحَها؛ لأن الرسلَ لمَّا قالوا لإبراهيمَ: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وَبَيَّنُوا له أنهم سَيُهْلِكُونَ القريةَ قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا
_________________
(١) انظر: السبعة ص٣٣٨، حجة القراءات ص٣٤٧، الدر المصون (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٩).
[ ٣ / ٥٦٦ ]
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: آية ٣٢] القبيحةَ، فَلَمَّا كان وقتُ الصبحِ الذين جاؤوا يريدونَ كسرَ البابِ وفاحشةَ اللواطِ بجبريلَ والملائكةِ معه لَمَّا قال جبريلُ للوطٍ: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: آية ٨١] ذَكَرَ المفسرون أن اللَّهَ أَذِنَ له في النكالِ بهم، فجاءَ في صورتِه، وعليه ما عليه من الوشاحاتِ والأجنحةِ، ثم مَسَحَ أعينَهم بريشةٍ من جَنَاحِهِ، فبقيت وجوهُهم كأنها لم تَكُنْ فيها عيونٌ أصلًا، كما سيأتِي في قولِه في القصةِ بِعَيْنِهَا: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: الآيات ٣٧ - ٣٩] وَيَذْكُرُونَ أن جبريلَ ﵇ اقتلعَ أرضَهم من الأرضِ، وَأَدْخَلَ جناحَه من تحتها، وَاقْتَلَعَهَا من الأرضِ، ورفعَها حتى قَرُبَتْ من السماءِ، ثم أَلْقَاهَا مُنَكِّسًا لها، جاعلًا عاليَها أسفلَها، وأنهم أَتْبَعَتْهُمُ الملائكةُ حجارةَ السجيلِ، كما يأتِي في قولِه: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: آية ٨٢] والتحقيقُ: أن السجيلَ: أنه الطينُ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذاريات: آية ٣٣] وخيرُ ما يُفَسِّرُ القرآنَ القرآنُ (^١)، إلا أنه طينٌ مشويٌّ بالنارِ، شديدُ الحرارةِ، لا يأتي على شيءٍ إلا خَرَقَهُ. وهذه القصةُ مذكورةٌ في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِ اللَّهِ؛ ولذا قال هنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾ [الأعراف: الآيتان ٨٣، ٨٤] لم يَذْكُرْ هنا أنه جَعَلَ عَالِيَ أرضِهم سافلَها، وذكرَه في هودٍ حيث قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (٨٢) مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٦).
[ ٣ / ٥٦٧ ]
مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: الآيتان ٨٢ - ٨٣] ذَكَرَ هنا مطرَ الحجارةِ وقال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾ وهذا المطرُ مطرٌ من حجارةِ السجيلِ كما قال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: آية ٧٤] وقال: ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: آية ٤٠] وهي حجارةُ السجيلِ. وقال في بعضِ الآياتِ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: الآية ١٧٣، النمل: الآية ٥٨] وقال هنا: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ انظر يا نَبِيَّ اللَّهِ: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٨٤].
العاقبةُ: هي ما يَؤُولُ إليه الأمرُ عقبَ الأمرِ الأولِ، وتؤولُ إليه الحقيقةُ في ثانِي حَالٍ.
والمجرمونَ جمعُ المجرمِ، والمجرمُ مرتكبُ الجريمةِ، والجريمةُ: الذنبُ الذي يستحقُّ صاحبُه العذابَ والنكالَ (^١) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾ الحالُ التي يَؤُولُ إليها أمرُ المجرمينَ وعاقبتُهم، وهو الدمارُ والنكالُ، والعذابُ المستأصلُ المتصلُ بعذابِ الآخرةِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ يُخَوِّفُ اللهُ خلقَه أن يقعَ بهم مثلُ ما وقعَ بهؤلاءِ، ومن أعظمِ ما يخوفُ الطغاةَ الفجرةَ من فاحشةِ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللهُ وقبَّح مرتكبَها - أن الله بَيَّنَ في كتابِه أن مرتكبيَها أُرْسِلَ عليهم حجارةُ السجيلِ، ثم بَيَّنَ أن تلك الحجارةَ موجودةٌ، وأنها لم تُعْدَمْ، وأنها ليست ببعيدٍ من الظالمينَ الذين يفعلونَ مثلَ فِعْلِهِمْ حيث قال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (٨٢) مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٦٨ ]
الآيتانِ ٨٢ - ٨٣].
فقولُه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ على أشهرِ التفسيرين وأصحِّهما فيها أعظمُ تهديدٍ وأكبرُ زجرٍ وتخويفٍ لمن يَرْتَكِبُ الخسيسةَ القبيحةَ وهي فاحشةُ اللواطِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ [الأعراف: الآيات ٨٥ - ٨٧].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: آية ٨٥].
قولُه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ معناه: وَأَرْسَلْنَا إلى مدينَ أخاهُم شعيبًا فهو معطوفٌ على قولِه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] لأَنَّا في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - تَكَلَّمْنَا فيما مَضَى في الدروسِ السابقةِ على قصةِ نوحٍ، وقصةِ هودٍ، وقصةِ صالحٍ، وقصةِ لوطٍ مع أصحابِهم، وَكُنَّا واقفينَ عندَ قصةِ شعيبٍ مع مَدْيَنَ، وابتداء ما ذكر قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
[ ٣ / ٥٦٩ ]
قَوْمِهِ﴾ ثم قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: آية ٦٥] أي: وَأَرْسَلْنَا إلى عادٍ أَخَاهُمْ هودًا، ثم قال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: آية ٧٣] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا، إلى أن قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: أَرْسَلْنَا إلى مدينَ أخاهُم شعيبًا. أكثرُ المفسرين والمؤرخين يقولونَ: إن (مدينَ) اسمُ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأن هذه الأمةَ التي أُرْسِلَ إليها شعيبٌ أنها من ذريةِ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأن شعيبًا أخاهم في النسبِ، وكانت ديارُ مدينَ بأرضِ مَعَانٍ من أطرافِ الشامِ مما يلي الحجازَ، قريبًا من بحيرةِ قومِ لوطٍ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: (مَدْيَنُ) اسمُ بلدةٍ. واختلفَ المؤرخونَ والمفسرونَ (^١) في نسبِ شعيبٍ اختلافًا كثيرًا لا يقومُ شيءٌ على دليلٍ قاطعٍ منه، فكثيرٌ من المؤرخينَ يقولونَ: هو شعيبُ بنُ ميكيلَ بنِ يشجرَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيمَ. وبعضُهم يقولُ: هو ابنُ صيفورَ أو ضيفورَ بنِ عيفاءَ أو عنقاءَ. وبعضُهم يقول: هو شعيبٌ من ذريةِ يشجرَ بنِ لَاوِي بنِ يعقوبَ. والأقوالُ في نَسَبِهِ كثيرةٌ جِدًّا، ولم يَقُمْ برهانٌ على شيءٍ منها.
وقد جاء في حديثِ أبي ذَرٍّ المشهورِ في الأنبياءِ عندَ ابنِ حبانَ أن النبيَّ ﷺ ذكرَ لأَبِي ذَرِّ أن أربعةً من الأنبياءِ عربٌ قال: «وَهُمْ هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ» (^٢) وكان السلفُ الصالحُ يسمونَ شُعَيْبًا خطيبَ الأنبياءِ (^٣) لحسنِ
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٥٤)، القرطبي (٧/ ٢٤٧)، البداية والنهاية (١/ ١٨٤ - ١٨٥)، معجم البلدان (٥/ ٧٧)، البحر المحيط (٤/ ٣٣٦).
(٢) أخرجه ابن حبان: الإحسان (١/ ٢٨٧)، حديث رقم (٣٦٢).
(٣) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٦٧)، القرطبي (٧/ ٢٤٨)، البداية والنهاية (١/ ١٨٥)،الدر المنثور (٣/ ١٠٢).
[ ٣ / ٥٧٠ ]
مراجعتِه لقومِه، ووضوحِ أدلتِه التي يدعوهم بها إلى الدينِ. وسيأتِي في سورةِ هودٍ كلامُ الناسِ وما يُخْتَارُ منه على قولِهم في تفسيرِ قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: آية ٩١] أنه كان أَعْمَى.
وقد يَشْكُلُ على طالبِ العلمِ كونُ شعيبٍ عَرَبِيًّا فَمِنْ أينَ تَعَرَّبَ وَمِنْ أينَ أخذَ العربيةَ عَمَّنْ؟ لأن إبراهيمَ أَعْجَمِيٌّ، وإسماعيلُ أبو العربِ العاربةِ (^١)، معلومٌ أنه تَعَرَّبَ من العربِ العاربةِ البائدةِ الذين سَاكَنُوهُ عندَ زمزمَ كَجُرْهُمٍ، وقد أُرْسِلَ إلى جرهمٍ وَتَعَلَّمَ منهم اللسانَ العربيَّ على الصحيحِ.
ذَكَرَ بعضُ العلماءِ - وممن ذَكَرَهُ حافظُ المغربِ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ، وذكرَه ابنُ حجرٍ في الإصابةِ أيضًا وغيرُهم - ذَكَرُوا في ترجمةِ سلمةَ بنِ سعدٍ - ويقالُ: سلمةُ بنُ سعيدٍ - أنه وَفَدَ على النبيِّ ﷺ وَانْتَسَبَ له وهو عَنَزِيٌّ، وأن النبيَّ ﷺ قال «نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةَ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ مَنْصُورُونَ، أُولَئِكَ قَوْمُ شُعَيْبٍ، وَأَخْتَانُ مُوسَى». هذا حديثٌ رواه الطبرانيُّ وغيرُه، وذكرَه ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ وغيرِه (^٢).
قال بعضُ العلماءِ: لو كان هذا الحديثُ محفوظًا صحيحًا لكانَ دَالًاّ على أن شعيبًا من قبيلةٍ من قبائلِ العربِ البائدةِ تُسَمَّى: عَنَزَةَ،
_________________
(١) هكذا في الأصل. ولعله سبق لسان؛ إذ من المعلوم أنه أَبٌ للعرب المستعربة.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٥٥)، والبزار: كشف الأستار (٣/ ٣١٣)، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٩١)، والحافظ في الإصابة (٢/ ٦٥)، والهيثمي في المجمع (١٠/ ٥١)، وقال: «وفيه من لم أعرفهم» ا. هـ. وقال الحافظُ في الإصابةِ (٢/ ٦٥)، عن إسنادِه عند الطبراني: «وفي الإسناد من لا يُعرف» ا. هـ.
[ ٣ / ٥٧١ ]
ولكنه لم يَصِحَّ. وعنزةُ هؤلاء المذكورونَ في هذا الحديثِ ليس المرادُ بهم بنو عنزةَ بنِ أسدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارٍ، المعروفونَ؛ لأَنَّ شعيبًا قبلَهم بكثيرٍ، كما قالَه غيرُ واحدٍ، وعلى كُلِّ حالٍ فالكلامُ في شعيبٍ ونسبِه كثيرٌ، واختلافُ العلماءِ فيه كثيرٌ، وَغَلِطَ بعضُ العلماءِ وبعضُ المؤرخين - كصاحبِ صُبْحِ الأَعْشَى - فَزَعَمَ أن شعيبًا كان بعد مُوسَى (^١). وهذا لا شَكَّ أنه غَلَطٌ؛ لأن شُعَيْبًا قَبْلَ موسى، وقد دَلَّتْ عليه آياتُ القرآنِ في سورةِ الأعرافِ هذه وغيرِها؛ لأن اللَّهَ في سورةِ الأعرافِ هذه لَمَّا ذكرَ قصةَ نوحٍ وقصةَ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ مع قومِهم قال بعدَ ذلك في الآياتِ الآتيةِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ١٠٣] فَدَلَّ على أن بعثَ موسى بآياتِ اللهِ بعدَ هؤلاءِ الرسلِ وَأُمَمِهِمْ، كما هو نَصُّ القرآنِ العظيمِ. وزعمَ بعضُ العلماءِ أن شعيبًا ابنُ بنتِ لوطٍ.
وقال بعضُ العلماءِ: هو مِمَّنْ آمَنَ مع إبراهيمَ لَمَّا نَجَا مِنَ النارِ، وهاجرَ معه (^٢). وَكُلُّهَا أقوالٌ لا دليلَ عليها، وغايةُ ما يفيدُه القرآنُ: أن اللَّهَ بعثَ نبيَّه شعيبًا إلى أهلِ مدينَ. وذكر اللهُ في آياتٍ أُخْرَى متعددةٍ - كما سيأتي في سورةِ «الحجراتِ»، وفي سورةِ «الشعراء»، وفي سورةِ «ص» وغيرِ ذلك - أن شعيبًا أرسلَ أيضًا إلى أصحابِ الأيكةِ، كما سيأتِي في قولِه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ [الشعراء: آية ١٧٦] والعلماءُ مختلفونَ: هل أصحابُ الأيكةِ هم مَدْيَنُ أنفسُهم فيكون شعيبٌ أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ واحدةٍ، أو مدينُ أمةٌ وأصحابُ الأيكةِ أمةٌ أخرى، فيكون شعيبٌ قد أُرْسِلَ إلى
_________________
(١) في (١/ ٣١٤) من صبح الأعشى عدَّ (مدين) من قبائل العرب البائدة، وهذا يعني أنه يرى تأخر موسى عن زمان شعيب (﵉). والله تعالى أعلم.
(٢) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٨٥).
[ ٣ / ٥٧٢ ]
أُمَّتَيْنِ؟ هذا خلافٌ معروفٌ بَيْنَ العلماءِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنهم أمةٌ واحدةٌ كانوا يعبدونَ أيكةً، أي: شجرًا مُلْتَفًّا، وأن اللَّهَ سماهم مرةً بنسبهم (مدين) ومرةً أضافهم إلى الأيكةِ التي يعبدونَها. وجزمَ بصحةِ هذا ابنُ كثيرٍ في تاريخِه وتفسيرِه (^١) وَمِمَّنِ اشتهر عنه أنهم أُمَّتَانِ قتادةُ (^٢) وجماعةٌ، وهو خلافٌ معروفٌ.
والذين قالوا: إنهما أُمَّتَانِ قالوا: في (مدين) قال: إنه أَخُوهُمْ حيث قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] أما أصحابُ الأيكةِ فلم يَقُلْ: إنه أخوهم بل قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء: الآيتانِ ١٧٦، ١٧٧] ولم يقل: أخوهم شعيبٌ.
وَأُجِيبَ عن هذا بأنه لَمَّا ذَكَرَ مَدْيَنَ ذَكَرَ الجدَّ الذي يشملُ القبيلةَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا شعيبٌ، ذكر أنه أخوهم من النسبِ. أما قولُه: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ فمعناه: أنهم يعبدونَها، وَلَمَّا ذَكَرَهُمْ في مقامِ الشركِ وعبادةِ غيرِ اللَّهِ لم يُدْخِلْ معهم شعيبًا في ذلك وهم أمةٌ واحدةٌ. هكذا قاله بعضُهم (^٣) وَاللَّهُ أعلمُ.
وعلى كُلِّ حالٍ فشعيبٌ هذا معروفٌ أنه نبيٌّ من الرسلِ الكرامِ، وقد ذَكَرَ اللَّهُ قصتَه مع قومِه مفصلةً في آياتٍ من كِتَابِهِ، ذكرَها هنا، وذكرَها في سورةِ هودٍ، وفي سورٍ أخرى كما سيأتِي إن شاءَ اللَّهُ. هذا معنَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وَأَرْسَلْنَا إلى مدينَ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٥٦)، البداية والنهاية (١/ ١٨٥، ١٨٩، ١٩٠).
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٤/ ٤٨).
(٣) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٩٠).
[ ٣ / ٥٧٣ ]
أخاهم شعيبًا، ماذا قال لهم؟ وماذا أُرْسِلَ به إليهم؟ قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٨٥].
قولُه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هو حظُّ الإثباتِ مِنْ لَا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ. وقولُه: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حظُّ النفيِ منها. وهذه الكلمةُ التي هي (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ) هي التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وَخُلِقَتْ لأجلِ الحسابِ عليها الجنةُ والنارُ وَأُرْسِلَ بها الرسلُ، وهي محلُّ المعاركِ بَيْنَ الرسلِ وَأُمَمِهِمْ، وجميعُ الرسل مَا أُرْسِلَ منهم نبيٌّ إلا بهذه الكلمةِ وما تَتَضَمَّنُهُ من الشرائعِ والأحكامِ. إذا نظرتَ في رسائلِ الرسلِ إجماعًا وتفصيلًا وجدتَ ذلك كما قُلْنَا، ومما يدلُّ عليه تفصيلًا أن كُلَّ رسولٍ إذا أُرْسِلَ إلى قومِه يُبَيِّنُ القرآنَ أن أولَ ما يقولُ لهم هو مضمونُ (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ) كقولِه في قِصَصِهِمْ في هذه السورةِ الكريمةِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ماذا قال لهم؟ قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] ثم قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ماذا قال لهم؟ قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٦٥] ثم قال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٧٣] وكذلك قال في شعيبٍ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] وهكذا. وكذلك بالإجمالِ قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: آية ٢٥] وفي القراءةِ الأُخْرَى (^١):
﴿إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٦٥) من هذه السورة ..
[ ٣ / ٥٧٤ ]
وهو حَظُّ الإثباتِ منها، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النمل: آية ٣٦] وهو حظُّ النفيِ منها ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: آية ٤٥] وهكذا.
وهذا من تاريخِ الأنبياءِ والقصصِ القرآنيةِ يدلُّ على عظمةِ هذه الكلمةِ، وأنها هي رسالةُ اللهِ في أرضِه لِخَلْقِهِ، حتى إنه (جل وعلا) حَصَرَ جميعَ الوحيِ فيها في سورةِ الأنبياءِ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: آية ١٠٨] وغيرِ ذلك من الآياتِ و(إنما) أداةُ حصرٍ لشدةِ أهميةِ هذه الكلمةِ.
وهي مركبةٌ مِنْ نَفْيٍ وإثباتٍ، إثباتُها قولُه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وهي الأمرُ بعبادتِه وحدَه. أصلُ العبادةِ الذلُّ والخضوعُ، ومنه قِيلَ للعبدِ (عبد) لِذُلِّهِ وخضوعِه بين يَدَيْ سَيِّدِهِ، فكلُّ خاضعٍ ذليلٍ يقال له: عبدٌ وعابدٌ. فالعبادةُ: الذُّلُّ والخضوعُ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ مشهورٌ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في معلقتِه (^١):
تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
يعني: فوقَ طريقٍ مُذَلَّلٍ. ومعناها في الاصطلاحِ (^٢): هي الذلُّ والخضوعُ لخالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) بكلِّ ما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به على وجهِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ. فلا تكفِي المحبةُ عن الذلِّ والخضوعِ، ولا الخضوعُ عن الذلِّ والمحبةِ؛ لأن الذليلَ الخاضعَ إذا كان غيرَ مُحِبٍّ لمعبودِه قد يكونُ مُبْغِضًا له، وَمَنْ أَبْغَضَ معبودَه فهو كافرٌ ضَالٌّ. والمحبةُ وحدَها لا تكفي؛ لأن الذي
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٥٩) من هذه السورة.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
لَا يخافُ قد يحملُه التذللُ على أن يسيءَ الأدبَ مع المحبوبِ الذي يُحِبُّهُ، فإذا اجتمعَ الحبُّ والذلُّ والخضوعُ كان الأمرُ كما ينبغي. وهذا معنَى قولِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] (ما) هنا نافيةٌ، والإلهُ (فِعَال) من الإلهةِ وهي العبادةُ. أي: ما لكم من معبودٍ يُعْبَدُ حَقًّا غيرُه (جل وعلا)؛ لأنه هو المعبودُ وحدَه. والإلهُ: قال بعضُ علماءِ العربيةِ: هو (فِعَال) بمعنَى: (مفعولٍ) أي مَأْلُوهٌ، أي: معبودٌ يعبدُه خَلْقُهُ على وجهِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ.
وإتيانُ (الفِعَال) بمعنَى (المفعولِ) مسموعٌ في أوزانٍ معروفةٍ في اللغةِ العربيةِ، كالإلهِ بمعنَى المعبودِ، والكتابِ بمعنَى المكتوبِ، واللباسِ بمعنَى الملبوسِ، والإمامِ بمعنَى المؤتمِ به، في أوزانٍ غيرِ كثيرةٍ (^١).
والإلهةُ: العبادةُ، وفي قراءةِ ابنِ عباسٍ - وهي من قراءاتِ الصحابةِ الشاذةِ (^٢) -: (ويذرك وإلاهتك) أي: وعبادتَك. وقد قال رؤبةُ بنُ العجاحِ في رجزِه وهو عربيٌّ قُحٌّ فَصِيحٌ (^٣):
لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهْ سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي
وقولُه: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] نَادَى شعيبٌ قومَه باسمِ (القوم) وحذفَ ياءَ المتكلمِ، وَحَذْفُ يَاءِ المتكلمِ من المنادَى الصحيحِ الآخِرِ أحدُ اللغاتِ المشهورةِ المعروفةِ فيه. قال بعضُ علماءِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٢) تقدمت هذه القراءة عند تفسير الآية (٥٩) من هذه السورة.
(٣) البيت في تفسير ابن جرير (١/ ١٢٣)، زاد المسير (١/ ٩)، ابن كثير (١/ ١٩)، اللسان (مادة: أله) (١/ ٨٨).
[ ٣ / ٥٧٦ ]
العربيةِ: القومُ في وضعِ اللسانِ العربيِّ الذي نَزَلَ به القرآنُ: يختصُّ بالذكورِ دونَ الإناثِ، وربما دَخَلَ فيه الإناثُ بحكمِ التبعِ (^١). قالوا: والدليلُ على اختصاصِ القومِ بأصلِ الوضعِ بالذكورِ دونَ الإناثِ قولُه تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ﴾ [الحجرات: آية ١١] قالوا: لو دَخَلَتِ النساءُ بالوضعِ في القومِ لَكَفَى ذلك عن قولِه: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ﴾ ونظيرُ آيةِ الحجراتِ هذه قولُ زهيرِ بنِ أبي سُلمى (^٢):
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
والدليلُ على دخولِ النساءِ باسمِ القومِ بحكمِ التبعِ: قولُه تعالى في سورةِ النملِ في ملكةِ سبأٍ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣].
وقولُه: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ﴾ (إله) هنا: نكرةٌ في سياقِ النفيِ زِيدَتْ قبلَها (من) وقد تَقَرَّرَ في الأصولِ - وَذَكَرَهُ الشيخُ عمرو سيبويه (﵀) -: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إذا زِيدَتْ قبلَها لفظةُ (مِنْ) لتوكيدِ النفيِ انتقلت بذلك من الظهورِ في العمومِ إلى كونِها نَصًّا صريحًا في العمومِ (^٣). فهذا نَصٌّ صريحٌ في عمومِ النفيِ لجميعِ الآلهةِ غيرِه (جل وعلا) وحدَه.
وينقاسُ زيادةُ (من) قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ في توكيدِ العمومِ ينقاسُ بقياسٍ مطردٍ في اللغةِ في ثلاثةِ مواضعَ (^٤):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة النساء.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٤) السابق.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
أحدُها: زيادةُ (مِنْ) قَبْلَ النكرةِ التي هي مبتدأٌ، كما في قولِه هنا: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأصلُ: (ما لكم إله غيره) مبتدأٌ سَوَّغَ الابتداءَ به النفيُ، وَجَرَّتْهُ (مِنْ) هنا. فدخولُ (من) على النكرةِ التي هي مبتدأٌ لتوكيدِ العمومِ مطردٌ في اللغةِ العربيةِ.
الثاني: دخولُ (من) على النكرةِ إن كانت فَاعِلًا، نحو: ﴿مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ [القصص: آية ٤٦] ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ [المائدة: آية ١٩].
الثالثُ: زيادتُها قبلَ المفعولِ، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ﴾ [إبراهيم: آية ٤] أَيْ: مَا أَرْسَلْنَا رسولًا.
وقولُه: ﴿غَيْرُهُ﴾ إنما رُفِعَ (غيرُه) مع أن المنعوتَ مجرورٌ بـ (من) لأَنَّهُ في محلِّ رَفْعٍ، أصلُه مرفوعٌ مبتدأٌ، فَرُوعِيَ في نعتِه محلُّه؛ ولذا قيل: ﴿غَيْرُهُ﴾ مراعاةً للمحلِّ كما هو معروفٌ. أي: ما لكم إله سواه.
ثم قال نبيُّ اللهِ شعيبٌ: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] (قد) هنا حرفُ تحقيقٍ لمجيءِ البينةِ، ولا شكَّ أن المرادَ بالبينةِ في هذه الآيةِ: المعجزةُ التي تُثْبِتُ صدقَ شعيبٍ وَتُوجِبُ الإيمانَ بما جاء به. وَالْبَيِّنَةُ: هي الحجةُ الواضحةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا، وهي هنا: المعجزةُ بلا نزاعٍ إلا مَنْ شَذَّ، فمعنَى: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ﴾ أي: جاءتكم معجزةٌ من اللهِ عرفتموها وَعَايَنْتُمُوهَا على أَنِّي رسولُ اللَّهِ. وهذه البينةُ التي جاءهم
[ ٣ / ٥٧٨ ]
بها شعيبٌ وَذَكَرَهَا اللَّهُ هنا على سبيلِ الإجمالِ لم تَأْتِ مفصلةً قي القرآنِ وإنما جاءت مُجْمَلَةً، كما أن أكثرَ معجزاتِ نبيِّنا ﷺ لم تَأْتِ مفصلةً في القرآنِ بل غالبًا يُنَوِّهُ منها عن القرآنِ حيث إنه معجزةٌ عُظْمَى. وقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ في الحديثِ الصحيحِ أن الله ما أَرْسَلَ رسولًا قَطُّ إلا وأعطاه معجزةً تقومُ الحجةُ بها على الخلقِ؛ لأنه إذا لم يُعْطِهِ برهانًا قاطعًا من المعجزاتِ، تقومُ الحجةُ به على الخلقِ قيامًا لا لبسَ فيه؛ تَزْعُمُ الأُمَّةُ أنه مُدَّعٍ لا دليلَ على دعواه؛ ولذا وَجَبَ أن كُلَّ نبيٍّ جاء بمعجزةٍ، وقد صرح النبيُّ ﷺ بذلك في الحديثِ الصحيحِ الذي يقولُ فيه: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَاّ أُوتِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١) وقد بَيَّنَ تعالى أن رُسُلَهُ مصحوبونَ بالمعجزاتِ في قولِه: ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [التغابن: آية ٦] ونحو ذلك من الآياتِ.
وأعظمُ البيناتِ، وأكبرُ البيناتِ، وأوضحُ المعجزاتِ: هو هذا القرآنُ العظيمُ الذي نُفَسِّرُهُ ونتكلمُ فيه؛ لأنه معجزةٌ عُظْمَى، وبينةٌ كُبْرَى تترددُ في آذانِ بَنِي آدمَ إلى يومِ القيامةِ. أما غيرُه من المعجزاتِ: فقد ينقضِي مع انقضاءِ وقتِه، كناقةِ صالحٍ، فإنا لا نجدُها الآنَ، وكما تَقَدَّمَ من معجزاتِ الأنبياءِ لم يَبْقَ بعدَهم منه شيءٌ تراه الناسُ بعدَهم، بخلافِ هذا القرآنِ فمعجزتُه الكبرى [باقيةٌ إلى آخِرِ الزمانِ] (^٢) وذلك في قولِه مُنْكِرًا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ [العنكبوت: آية ٥١] الآيةَ. وهذا معنَى قولِه: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنعام.
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
أي: جاءتكم علي يَدِي معجزةٌ واضحةٌ مبدأُ مجيئِها كائنٌ من ربكم (جل وعلا). وَرَبُّهُمْ: هو اللهُ، وأصلُ الربِّ في لغةِ العربِ التي نَزَلَ بها القرآنُ: مشتركٌ بين عشرةِ معانٍ، منها (^١): أن العربَ تُطْلِقُ الربَّ على الذي يسوسُ الأمورَ وَيُدَبِّرُهَا، وعلى السيدِ الذي إليه المرجعُ. فاللهُ (جل وعلا) هو السيدُ الذي إليه المرجعُ، وهو الذي يُدَبِّرُ الأمورَ والشؤونَ، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، فالعربُ تقولُ للرجلِ الذي يدبرُ شأنَ البلدةِ: هذا رَبُّهَا، أي: مدبرُ شؤونِها، وهو معروفٌ في كلامِهم، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عبدةَ التميميِّ (^٢):
وَكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رِبَابَتِي وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي - فَضِعْتُ - رُبُوبُ
أي: قبلَك سَاسَتْنِي سادةٌ فضيعوني. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وأنتم تعرفونَ في التاريخِ والسيرةِ في غزوةِ حُنَيْنٍ، أن النبيَّ ﷺ لَمَّا فتحَ مكةَ وتركَ صفوانَ بنَ أميةَ بنَ خلفٍ ينتظرُ في شأنِه، واقترضَ منه السلاحَ المعروفَ، وذهبَ معه صفوانُ إلى حنينٍ، وكانت هوازنُ في غزوةِ حنينٍ جَمَعَهَا مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ - في مضيقٍ من مضايقِ وادِي حُنَيْنٍ - ودخل النبيُّ وأصحابُه بعد صلاةِ الصبحِ في بقيةِ ظلامِ الغلسِ، وَشَدَّ عليهم هوازنُ شدةَ رجلٍ واحدٍ حتى كأن الرماحَ والنبالَ مطرٌ تزعزعه الريحُ، ووقع ما وقع مما ذَكَرَهُ اللهُ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٢٥] وفي ذلك الوقتِ قال رجلٌ كان مع صفوانَ بنِ أميةَ: بَطَلَ سِحْرُ محمدٍ. زاعمًا أن الذي عنده سِحْرٌ، وأن هوازنَ غَلَبُوهُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
(٢) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٨٠ ]
وهزموا أصحابَه، وأن السِّحْرَ بَطَلَ، فقال له صفوانُ بنُ أميةَ - وكان عدوًّا للنبيِّ ﷺ؛ لأنه قَتَلَ أباه أميةَ بنَ خلفٍ يومَ بدرٍ، وقتلَ معه أَخَا صفوانَ وهو: عَلِيُّ بْنُ أميةَ، وقتلَ عمَّه أُبَيَّ بنَ خلفٍ بيدِه الكريمةِ يومَ أُحُدٍ، فلما قال صاحبُه: بَطَلَ سِحْرُ محمدٍ. قال له صفوانُ وقد أَخَذَتْهُ العصبيةُ والحميةُ النسبيةُ -: اسْكُتْ فُضَّ فُوكَ، وَاللَّهِ لأن يَرُبُّنِي رجلٌ من قريشٍ أحبُّ إِلَيَّ من أن يَرُبَّنِي رجلٌ من هوازنَ (^١). وهو محلُّ الشاهدِ؛ لأنه أطلقَ (يربني) على معنَى يَسُوسُنِي وَيَسُودُنِي ويدبرُ شؤونِي هذا معناه.
﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] رَبُّنَا وسيدُنا وخالقُنا ومدبرُ شؤونِنا هو اللَّهُ (جل وعلا)، وأصلُ (البينةِ) صفةٌ مشبهةٌ من بَانَ يَبِينُ فهو بَيِّنٌ، والأنثى يقال لها: (بَيِّنَةٌ) والتأنيثُ ليس بحقيقيٍّ. ومعنى البينةِ: الحجةُ الواضحةُ التي هي المعجزةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا.
وهذه المادةُ التي منها (البينةُ) (الباء، والياء، والنون) جاء استعمالُها في القرآنِ وفي لغةِ العربِ على أربعةِ أَضْرُبٍ (^٢): جاءت في
_________________
(١) السابق.
(٢) قال: قال الشيخ (﵀) عند تفسير الآية رقم (١٠١)، من هذه الدروس في سورة الأعراف: «وقد ذكرنا فيما مضى في الكلام على قولِه: ﴿قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ تصريف هذه الكلمة وما جاء من أمثلتها في القرآن ببعض أمثلتها، وكان ذلك الذي ذكرنا هنالك سقط منه قسم نسيانًا، وكنا نتحرى إن جاءت لها مناسبة أخرى أن نبين القسم الذي سقط من كلامنا سهوًا؛ لئلا يضيع على بعض طلبة العلم الذين يسمعون هذه الدروس وقد ذكرنا فيما مضى أن البينة جاء من تصاريفها في القرآن ولغة العرب أربعة تصاريف، واحد منها مجرد وثلاثة مزيدة - وهذا محل النسيان- لأنها جاءت على خمسة أنواع، أربعة منها مزيدة وواحد مجرد ومن هنا وقع الغلط، وكنا نريد إذا جئنا بمناسبة كهده أن نتدارك النسيان السابق لنبين القسم الذي سقط » إلى آخر ما ذكر (﵀) فليراجع هناك.
[ ٣ / ٥٨١ ]
كُلِّهَا لَازِمَةً، وفي ثلاثةٍ منها ربما جاءت متعديةً. والرابعُ: لازمٌ على كُلِّ حالٍ، فإن هذه المادةَ جاء فِعْلُهَا الماضِي مُجَرَّدًا وهو قولُهم: (بَانَ يَبِينُ فهو بَيِّنٌ) وهو الذي منه الصفةُ المشبهةُ التي هي (البينةُ) فهي صفةٌ مشبهةٌ من (بان يَبين). وقد تقررَ في علمِ الصرفِ: أن الثلاثيَّ الأجوفَ تكثرُ الصفةُ المشبهةُ منه على وزنِ (فَيْعِل) سواء كان وَاوِيَّ العينِ أو يَائِيَّهَا، كـ (هان) فهو هَيِّنٌ، و(بان) فهو بَيِّنٌ، و(مات) فهو ميِّت، و(ساد) فهو سيِّد، وما جَرَى مَجْرَى ذلك. هذا أحدُها، وهو مجردُها أعني: (بان يَبْيَنُ فهو بَيِّن) ولم يُسمع هذا في اللغةِ العربيةِ إلا لازمًا.
أما الأوزانُ الثلاثةُ المزيدةُ من هذه المادةِ فهي قولهم (^١): (أَبَانَ) وقولُهم: (بَيَّنَ) وقولُهم: (اسْتَبَانَ) يأتِي مزيدُه على: (أَفْعَل) وعلى: (فَعَّل) وعلى: (اسْتَفعَل). وهذه الأوزانُ الثلاثةُ من (بَانَ يَبِينُ) مزيدةٌ تكونُ متعديةً ولازمةً، وقد جاءت كُلُّهَا في القرآنِ، وجاء كلامُ العلماءِ في تَعَدِّيهَا ولزومِها في القرآنِ. أما (أبان) مزيدةً بالهمزةِ على وزنِ (أفعل) فالعربُ تُعَدِّيهِ وتقولُ: «أَبَانَ الأَمْرَ يُبِينُهُ إبانةً» فهي (أَفْعَل) متعديةً للمفعولِ، واسمُ الفاعلِ منه (مُبِينٌ) واسمُ المفعولِ (مُبَانٌ) وقد تأتِي (أبان) لازمةً، ويكثرُ لزومُها في القرآن، تقول العربُ: «أبان الشيءُ يُبِينُ» بمعنَى: بان في نفسِه وَظَهَرَ لازمًا، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه: «كِتَابٌ مُبِينٌ» أي: بَيِّنٌ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٨٢ ]
ومن إتيانِ (أبان) لازمةً غيرَ متعديةٍ للمفعولِ قولُ جريرٍ وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ (^١):
إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ العِرَابِ
أي: ظَهَرَتْ وَاتَّضَحَتْ. من غيرِ تعديةٍ للمفعولِ، ونظيرُه قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ المخزوميِّ، وهو عربيٌّ قُحٌّ أيضا (^٢):
لَوْ دَبَّ ذَرٌ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ
أَيْ: لظهرَ واتضحَ من آثارِهن حدورٌ، أي: وَرَمٌ. هذا مَعْرُوفٌ.
الوزنُ الثانِي: (بَيَّنَ) وقد يأتِي لازمًا ومتعديًا، تقول العرب: «بَيَّنْتُ له الأمرَ أُبِينُهُ تبيينًا». متعديًا، وتقولُ العربُ: «بَيَّنَ الأمرُ» بمعنَى: بَانَ وَاتَّضَحَ، ومنه المثلُ المعروفُ (بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ) (^٣) أي: بَانَ وَاتَّضَحَ، ومن شواهدِها المعروفةِ: قولُ قيسِ بنِ ذُرَيْحٍ (^٤):
وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ تَبَيَّنُ بِالْفَتَى شُحُوبٌ وَتَعْرَى مِنْ يَدَيْهِ الأَصَابِعُ
فهذا البيتُ روايتُه المشهورةُ: (شحوبٌ) بضمِّ الباءِ، والمعنَى: وللحب علاماتٌ تَبَيَّنُ أي: تظهرُ وتَبِينُ بالفتى، وهي شحوبٌ إلى آخِرِه. وأنشدَ بيتَ ابنِ ذُريح هذا ثعلبٌ:
وِلِلْحُبِّ آيَاتٌ تُبَيِّنُ بِالْفَتَى شُحُوبًا. . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
بالنصبِ، وعليه فَلَا شَاهِدَ في البيتِ. ومن هذا المعنَى قولُ جريرٍ التميميِّ يمدحُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ (^١):
رَأَى النَّاسُ الْبَصِيرَةَ فَاسَتَقَلُّوا وَبَيَّنَتِ الْمِرَاضُ مِنَ الصِّحَاحِ
أي: ظَهَرَتْ وَاتَّضَحَتْ.
الوجهُ الثاني: (اسْتَبَانَ) وقد جاء في القرآنِ، والقراءتانِ في الآيةِ على إحداهما تكونُ (استبان) لازمةً، وعلى الأخرى متعديةً، وهي قولُه: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: آية ٥٥] ﴿ولتستبين سبيل المجرمين﴾ فعلى رفعِ ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فـ (استبان) لازمةٌ. أي: تستبين سبيلُ المجرمين: تتضحُ وتظهرُ. وعلى قراءةِ النصبِ: ﴿ولتستبين سبيلَ المجرمين﴾ فـ (تستبين) متعديةٌ و(سبيلَ) مفعولٌ به، لتستبينَ أنتَ يا نبيَّ اللَّهِ سبيلَ المجرمين (^٢).
هذا أصلُ هذه المادةِ، وما جاء منها في القرآنِ، وما جاء من لغاتِها. والعادةُ في التفسيرِ أن الكلمةَ التي يَكْثُرُ تَكَرُّرُهَا في القرآنِ يُشْبَعُ الكلامُ عليها في موضعٍ واحدٍ لا يُعَادُ؛ ولذلك تَكَلَّمْنَا عليها هنا.
ومعنَى قولِه: ﴿قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] أي معجزةٌ واضحةٌ لم تَتْرُكْ لكم عُذْرًا في التكذيبِ.
وقولُه: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ كان قومُ شعيبٍ الذين أُرْسِلَ إليهم مِنْ أَخَسِّ الخلقِ معاملةً، كانوا يُطَفِّفُونَ المكيالَ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
والميزانَ، ويبخسونَ الناسَ أشياءَهم، ويأخذونَ المكوسَ، ويقطعونَ الطريقَ، وَيَصُدُّونَ مَنْ أَرَادَ الإسلامَ عن الإسلامِ، فبعثَ اللَّهُ إليهم هذا النبيَّ الكريمَ؛ لينهاهم عن هذه المنكراتِ؛ ولذا قال لهم: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ لَا شَكَّ أن إيفاءَ الكيلِ يستلزمُ إيفاءَ المكيالِ، وإيفاء المكيالِ يستلزمُ إيفاءَ الكيلِ حيث إنه آلَتُهُ، فإذا استوفَى الفعل استوفى كيل الآلةِ، وإذا استوفى مَلْء الآلةِ فقد استوفَى الفعل، فَهُمَا متلازمانِ، كُلٌّ منهما يكفِي عن الآخَرِ؛ ولذا فهو (جل وعلا) تارةً يُعَبِّرُ بالكيلِ كقولِه هنا: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ وقولُه في الشعراءِ: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾ [الشعراء: آية ١٨١] وتارةً يُعَبِّرُ بآلةِ الكيلِ التي هي المكيالُ، كقولِه في سورةِ هودٍ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: آية ٨٤] [١٣/ب] / فتعبيرُه تارةً بالمكيالِ وتارةً بالكيلِ يدلُّ على أن الْعِبَارَتَيْنِ متلازمتانِ، وَكُلٌّ منهما تُؤَدِّي معنَى الأخرى، وهو كذلك؛ لأن مَنْ أَوْفَى فِعْلَ الكيلِ لابد أن يملأَ الآلةَ كما ينبغي، وَمَنِ اسْتَوْفَى الآلةَ أي: مَلأَهَا تمامًا فقد استوفَى فِعْلَ الكيلِ، فهما متلازمانِ.
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] عَبَّرَ في أحدِهما بالمصدرِ وفي الثانِي بالميزانِ الذي هو آلةُ الوزنِ، وقال قومٌ: الميزانُ هنا كالكيلِ، اسمُ مصدرٍ كالميعادِ بمعنَى الوعدِ، والميلادُ بمعنَى الولادةِ. والياءُ في الميزانِ منقلبةٌ عن واوٍ، أصلُه: (مِوْزَان) بالواوِ، سَكَنَتِ الواوُ بعد كسرٍ فوجب إبدالُها ياءً على القاعدةِ التصريفيةِ المشهورةِ (^١).
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٢٧٩.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
وَاللَّهُ (جل وعلا) مِنْ حِكَمِهِ البالغةِ، وتشريعاتِه الرائعةِ وَضْعُهُ المقاييسَ كالمكاييلِ والموازين؛ لأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنسانَ مُحْتَاجًا للنساءِ، وَمُفْتَقِرًا للغذاءِ، وخلق له ما في الأرضِ جميعًا، ولم يتركه سُدًى، فهو محتاجٌ للطعامِ الذي عِنْدَ أَخِيهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ المقاديرَ والمقاييسَ؛ ليأخذَ قَدْرًا مُعَيَّنًا معلومًا بدقةٍ ويدفعُ ثمنَه فينتفعُ به، وهو وصاحبُه كُلٌّ منهما طيبُ النفسِ. ولو لم تُجْعَلْ مقاييسُ وموازينُ وأشياءٌ دقيقةٌ يعلم بها كُلُّ ما أخذ وما دفع لكانوا يتهارشون على الحاجاتِ الضروريةِ تهارشَ الكلابِ، وَفَسَدَ نظامُ الدنيا، وهذا من تشريعِ خالقِ السماواتِ والأرضِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] والله (جل وعلا) في كتابِه شَدَّدَ في إيفاءِ الكيلِ والوزنِ تشديدًا بالغًا، وهددَ مَنْ يخونُ تهديدًا بالغًا، كما سيأتيكم في قولِه: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: الآيات ١ - ٦] وذلك لأَنَّ الطعامَ المكيلَ عليه أساسُ الدنيا؛ لأن البشرَ لا حياةَ لهم دينيةٌ ولا دنيويةٌ إلا بشيءٍ يأكلونَه، واللَّهُ يقولُ في الأنبياءِ الْكِرَامِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَاّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: آية ٨] فَلَمَّا كانت المكيلاتُ والموزوناتُ غالبًا أساسَ الحياةِ جاءَ الوحيُ المنزلُ والتشريعُ السماويُّ في شريعتِنا وغيرِها على شِدَّةِ المحافظةِ عليها.
وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] كانوا يَبْخَسُونَ الناسَ جميعَ أشيائِهم. والبخسُ في لغةِ العربِ التي نزل بها القرآنُ: النقصُ، العربُ تقولُ: بَخَسَهُ
[ ٣ / ٥٨٦ ]
حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ منه؛ ولذلك سَمَّوُا المكسَ (بخسًا) لأنه أَخْذٌ من أموالِ الناسِ ونقصٌ لها، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):
أَفِي كُلِّ أَسْوَاقِ الْعِرَاقِ إِتَاوَةٌ وَفِي كُلِّ مَا بَاعَ امْرِؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ
يعنِي: في كُلِّ ما باع امرؤٌ مكس درهم. وكانوا ينقصونَ أشياءَ الناسِ: تارةً يخدعونهم عنها، وتارةً يعيبونَها وَيُزَهِّدُونَهُمْ فيها، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ البخسِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٥] والأشياءُ: جمعُ شيءٍ، وهو - على التحقيقِ - ممنوعٌ من الصرفِ، وقد قَدَّمْنَا اختلافَ أهلِ العلمِ في الموجبِ الذي مَنَعَ لفظةَ (أشياء) من الصرفِ.
وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على أن المسلمَ الإنسانَ لَا يجوزُ له أن يبخسَ أخاه شيئَه ولَا ينقصَه، فَيَحْرُمُ عليكَ أيها المسلمُ أن تعيبَ سلعةَ أَخِيكَ، وأن تزهدَه فيها، وأن تخدعَه عنها، كُلُّ ذلك من أفعالِ الكفرةِ - الحرامِ - وهذا يدلُّ على أن أموالَ الناسِ محترمةٌ، وأنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يبخسَ أحدًا شيئًا، ولا أن ينقصَه شيئًا، فأموالُ الناسِ لا يجوزُ أَخْذُهَا.
وقد بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في سورةِ النساءِ ما يدلُّ على أن اللَّهَ عَالِمٌ بأنه سيأتِي قومٌ يتخذونَ سبيلًا ووسيلةً من قولِهم: «هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ» إلى أن يظلموا هذا الغنيَّ بادعاءِ أنهم يَرُدُّونَ من مالِه على الفقيرِ للمساواةِ والعدالةِ!! وَاللَّهُ حَذَّرَ من هذا غايةَ التحذيرِ، وَنَهَى
_________________
(١) البيت لزهير، وقيل: لجابر بن حيي التغلبي. وهو في شواهد الكشاف ص١١٦ وشطره الثاني: وما كل ما باع امرؤ مكس درهم
[ ٣ / ٥٨٧ ]
عنه غايةَ النهيِ، وهذا المحكمُ المنزلُ لَا تأتِي معضلةٌ في الزمانِ ولا يقعُ شَرٌّ إلا هو موجودٌ فيه وموجودٌ فيه دَوَاؤُهُ وَشِفَاؤُهُ، قال اللَّهُ تعالى في سورةِ النساءِ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: آية ١٣٥] فلا تقولوا: هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ، والعدالةُ الإنسانيةُ تستوجبُ أن نَبْتَزَّ غِنَى هذا لندفعَه لهذا لنساويهم!! لَا. لَا ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ فَبَيَّنَ أن أخذَ أموالِ الناسِ وابتزازَ ثرواتِهم بطريقِ: (هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ) اتِّبَاعٌ للهوى ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [الأعراف: الآيات ٨٥ - ٨٩].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: آية ٨٦].
[ ٣ / ٥٨٨ ]
هذا من كلامِ نَبِيِّ اللَّهِ شعيبٍ يُذَكِّرُ قومَه بنعمةِ اللَّهِ عليهم كي يشكروا نعمةَ الله فيتوبوا إلى اللهِ ويصدقوا رسولَه ويؤمنوا به.
وقولُه: ﴿إِذْ﴾ قال بعضُ العلماءِ: هو مفعولٌ به لا مفعول فيه. أي: اذْكُرُوا الوقتَ الذي كُنْتُمْ فيه قليلين فكثركم اللهُ وَأَنْعَمَ عليكم بالكثرةِ.
قال بعضُ العلماءِ: هو مفعولٌ فيه ووقت للذِّكْرِ (^١).
وقولُه جل وعلا: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ اذْكُرُوا يا قوم ﴿إِذْ كُنتُمْ﴾ حينَ كنتُم ﴿قَلِيلًا﴾ قليلًا عَدَدُكُمْ ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ اللَّهُ فجعل عددَكم كثيرًا. والكثرةُ تستلزمُ القوةَ؛ لأن الجمعَ الكثيرَ أقوى عادةً من الجمعِ القليلِ.
يقولُ المفسرونَ: إن مَدْيَنَ بنَ إبراهيمَ تَزَوَّجَ إحدى ابْنَتَيْ لوطٍ فولدت له فَرَمَى اللَّهُ في نسلِها البركةَ والنماءَ (^٢)؛ فلذا قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٦] كَثَّرَهُ: أي: جَعَلَهُ كثيرًا بعدَ أن كان قليلًا. والمعروفُ أن الكثرةَ بعدَ القلةِ أنها من نِعَمِ اللَّهِ التي تَسْتَوْجِبُ الشكرَ (^٣)، ومن هنا يعلمُ أن الذين يأتونَ بتشاريعِ الشيطانِ دائمًا يعكسونَ نورَ الوحيِ النازلِ على الأنبياءِ!! فَنَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ يذَكِّرُ قومَه بنعمةِ الكثرةِ بعدَ القلةِ، وأولياءُ الشيطانِ وأنصارُ نظامِ إبليسَ يقولونَ: يجبُ على الأُمَّةِ تحديدُ النسلِ () (^٤)
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٧٨).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٤٠).
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٤) في هذا الموضع كلام غير واضح. ويمكن استدراك النقص بمراجعة كلام الشيخ (﵀) في هذه المسألة عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٨٩ ]
إشفاقًا، كما بَيَّنَّاهُ في قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: آية ٨٥].
وَاعْلَمُوا أن ما قَالَهُ بعضُ المفسرين من أن الكثرةَ لا تستلزمُ العزةَ!! وأن الأقلِّين ربما كانوا أَعَزَّ من الأكثرين!! ويستدلونَ على هذا بشعرٍ للسموألِ بنِ عاديا () (^١) في قولِه (^٢):
تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيلُ
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا عَزِيزٌ وَجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ
وهذا لا حجةَ فيه؛ لأَنَّ هذا الشاهدَ [من قولِ] (^٣) بعضِ الشعراءِ [الذين لا عبرةَ بقولهم] (^٤) والله يقولُ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: الآيات ٢٢٥ - ٢٢٧] ولا شَكَّ أن الكثرةَ هي مظنةُ العزةِ والقوةِ، ونعمةٌ تستحقُّ الشكرَ، وهو الصحيحُ؛ ولذا قال الأعشى ميمونُ بنُ قيسٍ في مناظرةِ علقمةَ بنِ علاثةَ وعامرِ بنِ الطفيلِ (^٥):
عَلْقَمَ، لَا لَسْتَ إِلَى عَامِرٍ النَّاقِضِ الأَوْتَارَ وَالوَاتِرِ
_________________
(١) في هذا الموضع كلام غير واضح. والكلام مستقيم بدونه.
(٢) البيتان في البحر المحيط (٤/ ٣٤٠)، الأمالي (١/ ٢٦٩)، العقد الفريد (١/ ٢٠٨)، وبينهما بيت آخر، وهو قوله: وما قلَّ من كانت بقاياهُ مثْلُنَا شبابٌ تسامَى للعُلَا وكُهولُ
(٣) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٤) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٥) ديوان الأعشى ص٩٢، ٩٣.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
إلى أن قال:
ولَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ
فصرَّح بأن الكثرةَ تستلزمُ العزةَ، فهذا أفضلُ من قولِ السموألِ كما هو معروفٌ، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾.
﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: آية ٨٦] العاقبةُ: من أسماءِ المصادرِ التي جاءت على وزنِ اسمِ فاعلٍ، فقد تقررَ في علمِ العربيةِ: أن المصدرَ ربما جاء بوزنِ () (^١) كأن يأتِي بوزنِ اسمِ الفاعلِ أو اسمِ المفعولِ، فَمِنَ المصادرِ الآتيةِ على وزنِ (فاعل): (عاقبة) بمعنَى: العُقْبَى. اسمُ مصدرٍ و(الفاعلة) أصلُها وزنُ (اسم فاعل). ومنه (العافيةُ) بمعنَى: المعافاةِ في أوزانٍ قليلةٍ معروفةٍ. ومن إتيانِ المصدرِ بمعنَى اسمِ المفعولِ قولُهم: مأسورٌ ومقتولٌ ومعقولٌ () (^٢) كما هو معروفٌ في محلِّه.
والعاقبةُ هي ما يؤولُ إليه الأمرُ في حالِه آخِرًا، سُمِّيَتْ (عاقبةً) لأنها تُبَيِّنُ الحقائقَ عقبَ الأمرِ الأولِ () (^٣) وما يؤولُ الشيءُ إليه () (^٤) كما تقدمَ (^٥). ومعنَى هذا أن نَبِيَّ اللَّهِ شعيبًا ذكَّر قومَه نِعَمَ اللهِ، أن يُنِيبُوا إلى اللهِ ويشكروا له، وَحَذَّرَهُمْ من الإفسادِ في الأرضِ، وَبَيَّنَ لهم عاقبةَ السوءِ كما كانت عاقبةُ قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ
_________________
(١) في هذا الموضع كلمة غير واضحة.
(٢) في هذا الموضع كلام غير واضح.
(٣) في هذا الموضع كلام غير واضح. والكلام مستقيم بدونه.
(٤) في هذا الموضع كلام غير واضح. والكلام مستقيم بدونه.
(٥) مضى عند تفسير الآية (٨٤) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٥٩١ ]
صالحٍ، وقومِ لوطٍ، وكان لوطٌ غيرَ بعيدٍ من أهلِ مدينَ كما تَقَدَّمَ في أحدِ التفسيرين في قولِه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: آية ٨٩] وهذا معنَى قولِه: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ [الأعراف: آية ٨٧].
قد آمَنَتْ لشعيبٍ طائفةٌ من قومِه كما يأتي في قولِه عن الكفارِ منهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ الآيةَ [الأعراف: آية ٨٨] فهذه الطائفةُ أَقَلُّ الطائفتين، فكانت طائفةٌ آمَنَتْ بشعيبٍ وطائفةٌ كَفَرَتْ به، فكانت تهددُ شعيبًا وقومَه بالإخلاءِ من الوطنِ والنفيِ من البلدِ أو يرجعوا إلى كفرِ الكفارِ فيكونوا معهم في كُفْرِهِمْ كما سيأتِي قريبًا.
فقال لهم نبيُّ اللهِ شعيبٌ: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ﴾ لم تدخل تاءُ التأنيثِ هنا في قولِه: (كان) لأن تأنيثَ الطائفةِ تأنيثٌ غيرُ حقيقيٍّ؛ والفعلُ إذا أُسْنِدَ إلى مؤنثٍ تأنيثًا غيرَ حقيقيٍّ جازَ تجريدُه من التاءِ وإلحاقُ التاءِ له، كما هو معروفٌ (^١). ﴿طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا﴾ رُدَّ الضميرُ في قولِه: ﴿آمَنُوا﴾ ضميرَ جمعٍ على (الطائفة) نظرًا إلى المعنَى؛ لأن الطائفةَ اسمُ جمعٍ تدلُّ على أفرادٍ كثيرةٍ. وهذا معنَى قولِه: ﴿طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ أي: آمنوا بما
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٥) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٩٢ ]
أَرْسَلَنِي اللَّهُ به من إثباتِ التوحيدِ لله، وإيفاءِ المكيالِ والميزانِ، وعدمِ بخسِ الناسِ أشياءَهم، وعدمِ الإفسادِ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها، ونحوِ ذلك.
﴿وَطَائِفَةٌ﴾ أخرى ﴿لَّمْ يُؤْمِنُوا﴾ بي بل كفروا، وصارت الطائفتانِ طائفتين مختلفتين كُلٌّ منهما تقولُ: إننا على الحقِّ والأخرى على الباطلِ ﴿فَاصْبِرُوا﴾ انتظروا قضاءَ اللهِ وحكمَه حتى يحكمَ بيننا وهو خيرُ مَنْ يَحْكُمُ. وفي هذا أعظمُ تهديدٍ، فالكفارُ يَرَوْنَ حكمَ الله سيأتِي بإهلاكِ الظالمِ الكافرِ وإنجاءِ المسلمِ، وقد حَكَمَ اللَّهُ بينهم هذا الحكمَ المنتظرَ في قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا﴾ ثم قال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: الآيتان ٩٤، ٩٥] هذا حكمُ اللهِ جاء مُبَيَّنًا في سورةِ هودٍ، وستأتِي الإشارةُ إليه هنا في سورةِ الأعرافِ (^١). وهذا معنَى قولِه: ﴿فَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: آية ٨٧] أي: انْتَظِرُوا وَتَرَبَّصُوا.
﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ حتى حَرْفُ غايةٍ، والفعلُ المضارعُ بعدَها منصوبٌ بـ (أن) مضمرةً، وهو في محلِّ جرِّ بمعنَى ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ إلى أن يحكمَ اللَّهُ ﴿بَيْنَنَا﴾ إلى أن يأتيَ حكمُ اللَّهِ بَيْنَنَا. فالمقصودُ أن حكمَ اللهِ عاقبتُه لنا فيهلك الكافرُ وينجي المسلمُ كما لا يَخْفَى.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٨٧] جل وعلا. (خَيْرٌ) هنا صيغةُ تفضيلٍ؛ لأن مِنَ الناسِ مَنْ يحكم، في الدنيا حُكَّامٌ
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٧).
[ ٣ / ٥٩٣ ]
يحكمون، ربما حَكَمُوا بعدلٍ وتشريفٍ وَطُهْرٍ، إلا أن اللَّهَ خيرُ مَنْ يَحْكُمُ - جل وعلا - لأنه لَا يَخْفَى عليه الحقُّ مِنَ الباطلِ، ولا يفعلُ إلا ما هو في غايةِ الصوابِ والسدادِ والحكمةِ؛ ولذا قال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨)﴾ [الأعراف: آية ٨٨].
لَمَّا قال اللَّهُ (جل وعلا) عن شعيبٍ هذا الكلامَ العظيمَ الذي خَاطَبَ به قومَه أجابَ أشرافُ قومِه بهذا الجوابِ السخيفِ الخسيسِ: ﴿قَالَ الْمَلأُ﴾ الملأُ: أشرافُ الجماعةِ من الذكورِ (^١)، قال بعضُ العلماءِ: سُمُّوا ملأً لأنهم يملؤون صدورَ المجالسِ بقاماتِهم الوافيةِ، وقال بعضُ العلماءِ: سُمُّوا ملأً لأنهم هم الذين يتمالؤون على العقدِ والحلِّ حيث إنهم أشرفُ رجالِ البلدِ.
قولُه: ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: تَكَبَّرُوا عن أن يكونوا أَتْبَاعًا لشعيبٍ ويُقرُّوا بقولِه. قالوا: لشعيبٍ رَادِّينَ عليه أخسَّ رَدٍّ وأسخفَه: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ﴾ اللامُ موطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ، والمعنَى: وَاللَّهِ لنخرجنك يا شعيبُ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوفٌ على الضميرِ المنصوبِ. ومعلومٌ في علمِ العربيةِ أن الضمائرَ المنصوبةَ يجوزُ العطفُ عليها بلا قَيْدٍ ولا شَرْطٍ، والذي يذكرونَ فيه بعضَ الشروطِ هو العطفُ على الضمائرِ المرفوعةِ المتصلةِ، والضمائرِ المنخفضةِ، كما هو مُقَرَّرٌ في محله. وكان من
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٦٠) من هذه السورة.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
سفاهتِهم ووقاحتِهم أن نَادَوْهُ باسمِه مُجَرَّدًا ﴿يَا شُعَيْبُ﴾ كما يُنَادَى أحدُ الناسِ، وهو نَبِيٌّ كَرِيمٌ!! ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ فـ (أو) هذه هي التي يسميها النظارُ: مانعةَ الخلوِّ. وكما أنهم أَقْسَمُوا أن لا يخلُو المقامُ من إحدى حَالَتَيْنِ: إما أن يُخْرِجُوا شعيبًا، وأما أن يعودَ هو وقومُه في ملتِهم، فلا بد من إحدى الاثنتين؛ فهي مانعةُ خلوٍّ. والمعنَى: أن إقسامَهم أن الحالَ لا يَخْلُو من أحدِ أمرين: إما إخراجُ شعيبٍ وَمَنْ آمَنَ به، أو يدخلَ في ملةِ الكفارِ. لا بد من أحدهما. وهذا معنَى قولِه: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ مشهورٌ؛ لأن ظاهرَ القرآنِ هنا أن شعيبًا قد دَخَلَ في ملتهم سابقًا يومًا؛ لأَنَّ قولَهم مخاطبونَ له: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ وقول شعيبٍ مُجِيبًا لهم: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: آية ٨٩] يدلُّ بظاهرِه على أنه قد كان فيها سابقًا يومًا ما. وأكثرُ العلماءِ يقولونَ: إن الأنبياءَ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم) معادنُ وَحْيٍ، ومحلُّ الخيرِ، واللهُ يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: آية ١٢٤] وفي القراءةِ الأخرى (^١): ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته﴾ فلا يكفرونَ بالله لأَنَّ فِطْرَتَهُمْ التي وُلدوا عليها لا يُبَدِّلُهَا اللَّهُ بالكفرِ لمكانتهم عنده، فبعضُ العلماءِ يقولُ: لو فَرَضْنَا أنهم وقعَ منهم بعضُ الشركِ وأنابوا إلى اللَّهِ [فإنهم يصيرونَ إلى مثلِ حالهم] (^٢) قَبْلَهُ وصارَ كأنه لم يَكُنْ.
_________________
(١) انظر: إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٢٩)، حجة القراءات ص٢٧٠.
(٢) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٥٩٥ ]
وأكثرُ الأصوليين وعلماءِ التفسيرِ أن شعيبًا لم يكن كافرًا يومًا ما. ويجابُ عن ظاهرِ الآيةِ بِجَوَابَيْنِ (^١):
أحدُهما: أن العربَ تطلقُ لفظةَ (عَادَ) تُطلقه إطلاقين:
أحدُهما: عَادَ إلى أمرٍ كان فيه سَابِقًا.
والثاني: تقولُ العربُ: «عَادَ كذا كذا» بمعنَى (صار) إلى كذا من جَدِيدٍ (^٢)، ومنه [قولُهم: عادَ الطينُ خزفًا، وعادَ الخمرُ خَلًاّ] (^٣) ولا شَكَّ أن هذا الاستعمالَ موجودٌ في (عَادَ) تقولُ العربُ: عَادَ [رجلًا] (^٤) فلان. أي: صارَ إلى [الرجولةِ] (^٥) ولم يتقدمه [وصفٌ مماثلٌ قَبْلَهَا] (^٦) ومنه بهذا المعنَى قولُ الشاعرِ:
[وَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا مَا تَرَكْتُهُ أَخَا الْقوْمِ وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَسْحِ شَارِبُهْ
وَبِالْمَحْضِ حَتَّى عَادَ جَعْدًا عَنَطْنَطًا إِذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الْفَحْلِ غَارِبُهْ] (^٧)
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٠)، البحر المحيط (٤/ ٣٤٢)، الدر المصون (٥/ ٣٧٩).
(٢) انظر: فقه اللغة للثعالبي ص٣٥٥.
(٣) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٤) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٥) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٦) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٧) في هذا الموضع كلام غير واضح. والبيتان بين المعقوفين في الدر المصون (٥/ ٣٧٩).
[ ٣ / ٥٩٦ ]
قالوا: معناه [صار جَعْدًا] (^١).
الوجهُ الثاني: وبه قال غيرُ واحدٍ: أن نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبًا كان معه جماعةٌ من قومِه آمنوا به، فالذين آمنوا به من قومِه كانوا كُفَّارًا على ملةِ قومِهم، وهم عددٌ كثيرٌ، وهو رجلٌ واحدٌ [فعُبِّر] (^٢) باسمِ العددِ الكثيرِ وَغَلَّبُوهُ على ذلك الواحدِ، والتزمَ معهم شعيبٌ في هذا الخطابِ تَغْلِيبًا لقومِه الأكثرين. وظاهرُ كلامِ ابنِ جريرٍ (﵀) في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ ذَاهِبًا أن شعيبًا كان معهم - سابقًا - على مِلَّتِهِمْ، وكذلك قال صَرِيحًا عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: آية ٧٦] فنقل ابنُ جريرٍ عن ابنِ عباسٍ أن إبراهيمَ كان يظنُّ ربوبيةَ الكوكبِ في ذلك الزمنِ. ونحنُ نقولُ: إن قولَه في الخليلِ إبراهيمَ غَلَطٌ مَحْضٌ لا شَكَّ فيه، وَإِنْ نَسَبَهُ إلى ابنِ عباسٍ؛ لأن الآياتِ القرآنيةَ صَرَّحَتْ بأن إبراهيمَ لم يكن من المشركين، ونفى عنه الشركَ في الكونِ الماضِي، والكونُ الماضِي يستغرقُ كُلَّ الزمنِ، كقولِه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: آية ٦٧] قولُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نَفَى الشِّرْكَ عن إبراهيمَ في الكونِ الماضِي، والكونُ الماضِي مستغرقٌ. ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل: آية ١٢٠] ونحو ذلك من الآياتِ، فنفيُ هذا عن إبراهيمَ صريحٌ، ونفيُه
_________________
(١) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٥٩٧ ]
عن شعيبٍ لم يَقُمْ دليلٌ عليه في الصراحةِ كإبراهيمَ. وأقوالُ أهلِ العلمِ قد ذَكَرْنَاهَا لكم الآنَ فيه. وهذا معنَى قولِه: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ الملةُ: الشريعةُ والدِّينُ.
قال بعضُ العلماءِ: أصلُها مشتقةٌ من الإملالِ، والإملالُ - بِلَامَيْنِ - هو الإملاءُ، وهو أن تُلْقِيَ على الكاتبِ الجملةَ ليكتبَها ثم تلقيَ عليه جملةً أخرى، قالوا: [وجه كون] (^١) الشرائعِ كالإملاءِ: أنها تقعُ كذلك مفرقةً شيئًا بعدَ شيءٍ كما تقعُ جملةُ الكتابةِ إملاءً مفرقةً حتى تَتِمَّ. وعلى كُلِّ حالٍ فَالْمِلَّةُ: الشريعةُ والدينُ، وملتهم كافرةٌ، والعياذُ بالله.
قال لهم نَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف: آية ٨٨] والتحقيقُ من القولين أن همزةَ الاستفهامِ هنا تتعلقُ بمحذوفٍ، والواوُ عاطفةٌ على ذلك المحذوفِ، هذا أظهرُ القولين اللَّذَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا مرارًا في هذه الدروسِ (^٢)، وإليه يَلْمَحُ ابنُ مالكٍ في خلاصتِه بقولِه في بابِ العطفِ:
وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ (^٣)
كما هو معروفٌ في محلِّه، ويكونُ المعنَى: أتُكرهونا على العَوْدِ في ملتِكم وإن كُنَّا كارهين فَتُخْرِجُونَنَا من مقامِنا قَهْرًا ولو كنا كَارِهِينَ لذلك؟! هذا معنَى قولِه: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الاستفهامُ هنا للإنكارِ، أنكرَ عليهم هذا القولَ السخيفَ [مع بيانِ كراهتِه له] (^٤).
_________________
(١) في الأصل: «وهو» وما بين المعقوفين [] زيادة ينتظم بها الكلام.
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٤٣)، الدر المصون (٥/ ٣٨١).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
(٤) في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
ثم قال: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأعراف: آية ٨٩] فهذه الجملةُ معلقةٌ على شَرْطٍ، والمعلقُ على الشرطِ لَا يُعْرَفُ كذبُه ولا صدقُه إلا بوجودِ الشرطِ أو عدمِه، وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، تقولُ: قد وقعَ كذا إن كان كذا. فإن كان الشرطُ مَنْفِيًّا انتفى المشروطُ، والمعنَى: قد افْتَرَيْنَا على اللَّهِ كذبًا إن عُدْنَا في مِلَّتِكُمْ. المعروفُ عند البصريين أن الشرطَ إذا تَقَدَّمَهُ ما يكونُ جزاءً أنه يكونُ دليلًا على الجزاءِ المقدَّر، والكوفيونَ لا يمنعونَ تقدمَ الجزاءِ على الشرطِ. فعلى قولِ الكوفيين لا مانعَ من أن يكونَ المعنَى: إِنْ عُدْنَا في ملتكم فقد افْتَرَيْنَا على اللَّهِ الكذبَ، وأن قولَه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ هو جزاءُ الشرطِ قُدِّمَ عليه في قولِه: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾.
والثاني: على مذهبِ البصريين من النحاةِ: أن جزاءَ الشرطِ لا يتقدمُ عليه ولكنه يدلُّ عليه، وعلى قولِهم فجزاءُ الشرطِ مقدرٌ تقديره: إِنْ عُدْنَا في ملتكم فقد افترينا على اللهِ كَذِبًا، والمعنَى: أن ملةَ الكفارِ كُلَّهَا كَذِبٌ وزورٌ وبهتانٌ، يدَّعونَ لِلَّهِ الأولادَ، ويجعلونَ له الأندادَ، ويُكَذِّبونَه ويُكَذِّبونَ رُسُلَهُ، فكلُّها كَذِبٌ وافتراءٌ، والعائدُ إليها عائدٌ إلى أعظمِ الكذبِ والافتراءِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
الصحيحُ أن الكذبَ هو: عدمُ مطابقةِ الكلامِ للواقعِ في نفسِ الأَمْرِ (^١)، والأقوالُ فيه معروفةٌ يذكرها البلاغيونَ في فَنِّ المعانِي.
﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ أي: رَجَعْنَا إليها، وهذا بالنسبةِ إلى غيرِ شعيبٍ ظاهرٌ أي: أُلْجِئْنَا إليها بالنظرِ إلى شعيبٍ كما ذَكَرْنَاهُ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٣) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٥٩٩ ]
﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: آية ٨٩] وقولُه: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ قرينةٌ على أنه عودٌ بعدَ ملابسةٍ سابقةٍ لقولِه: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ لأَنَّ الجماعةَ الذين آمنوا لشعيبٍ كانوا كَافِرِينَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ أَنْقَذَنَا اللَّهُ من الكفرِ وعبادةِ الأوثانِ وغيرِ دلك بِأَنْ بَعَثَ إلينا نَبِيًّا كريمًا معه المعجزاتُ الواضحةُ تدلُّ على صِدْقِهِ، كما تَقَدَّمَ في قولِه: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ الآيةَ [الأعراف: آية ٨٥].
ثم قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا﴾ ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ [الأعراف: آية ٨٩] معناه: ما يَصِحُّ لنا، وما ينبغي مِنَّا، ولا يمكنُ لنا ﴿أَنْ نَّعُودَ فِيهَا﴾ أن نرجعَ إليها، أو أن نصلَ إليها كما قِيلَ، فَنَبِيُّ الله شعيبٌ لمَّا تَبَرَّأَ من الملةِ الكافريةِ، وقال إنهم إن عَادُوا إليها فقد افْتَرَوْا على اللَّهِ كَذِبًا، فَوَّضَ جميعَ أَمْرِهِ إلى اللَّهِ، وَبَيَّنَ أن الأمورَ كُلَّهَا بيدِ الله، فهو الذي بيدِه الهدايةُ وإليه الضلالُ، فإن نَبِيَّ اللَّهِ شعيبًا وإن كان من خيارِ المرسلين لَا يهديه ويوفقُه إلا رَبُّهُ - جل وعلا - وهذه عادةُ العارفينَ بالله يعلمونَ أنه لَا توفيقَ إلا بتوفيقِ اللَّهِ ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: آية ٤١] ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: آية ٣٧] ونحو ذلك من الآياتِ.
﴿إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ يريدُ رَبُّنَا بمشيئتِه الكونيةِ القدريةِ شيئًا فلا مَفَرَّ ولَا مَوْئِلَ عما شَاءَ وَقَدَّرَ.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (علمًا) هنا: تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعلِ، أصلُه فاعل (وسع) فَأُعْطِيَ الفعلُ فاعلًا آخَرَ وَحُوِّلَ التمييزُ عن الفاعلِ. معنَى ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: وَسِعَ علمُه كُلَّ شيءٍ، فَاللَّهُ يعلمُ كُلَّ شيءٍ، ويعلمُ ما هو أَعَمُّ من الشيءِ؛ لأن المعدومَ في مذهبِ أهلِ
[ ٣ / ٦٠٠ ]
السنةِ والجماعةِ ليس بشيءٍ (^١)،
وَاللَّهُ يعلمُ المعدومَ الذي ليس بشيءٍ، فهو (جل وعلا) يعلمُ الموجوداتِ والمعدوماتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ، فإنه بإحاطةِ عِلْمِهِ ليعلمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في سابقِ عِلْمِهِ أنه لا يوجدُ، وهو يعلمُ أن ذلك المعدومَ الذي لا يُوجَدُ أن لَوْ وُجِدَ كيف يكونُ، فهو يعلمُ مثلًا: أن أبا لَهَبٍ لَنْ يُؤْمِنَ، ومع ذلك يعلمُ لو آمَنَ أبو لهبٍ أيكونُ إيمانُه تَامًّا أو ناقصًا، كما لا يَخْفَى، وكونُه (جل وعلا) يعلمُ المعدومَ الذي لا يوجدُ أن لو وُجِدَ كيفَ يكونُ، دَلَّتْ عليه آياتٌ كثيرةٌ من كتابِ اللَّهِ، من الآياتِ الدالةِ على ذلك: أن الكفارَ يومَ القيامةِ إذا رَأَوُا النارَ، وَعَايَنُوا صدقَ ما جاءت به الرسلُ، وندموا وقد فَاتَتِ الْفُرْصَةُ نَدِمُوا حيث لا ينفعُ الندمُ، وَتَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا مرةً أخرى ليُصدقوا الرسلَ، واللَّهُ يعلمُ أنه لا يَرُدُّهُمْ إلى الدنيا مرةً ثانيةً، فقد بَيَّنَ في سورةِ الأنعامِ أن هذا الردَّ الذي عَلِمَ أنه لا يكونُ، بَيَّنَ أنه لو كان لَعَلِمَ كيفَ يكونُ؛ وَلِذَا قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٨] فهو يعلمُ أنهم لا يُرَدُّونَ ويعلمُ لو رُدُّوا ماذا يكونُ، كما صَرَّحَ بقولِه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [لأنعام: آية ٢٨] والمتخلفونَ عن غزوةِ تبوكَ لا يَحْضُرُونَهَا أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها بإرادتِه لحكمةٍ، كما بَيَّنَهُ بقولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: آية ٤٦] وهذا الخروجُ الذي لَا يكونُ قد عَلِمَ (جل وعلا) أَنْ لو كان كيفَ يكونُ، كما صَرَّحَ به في قولِه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام ..
[ ٣ / ٦٠١ ]
الآيةَ [التوبة: آية ٤٧] وهذا كثيرٌ في كتابِ اللَّهِ كقولِه جل وعلا: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنْ ضُرٍّ
لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ [المؤمنون: آية ٧٥] هذا هو العلمُ المحيطُ بكلِّ شيءٍ في الجائزاتِ والمعدوماتِ والمستحيلاتِ، والمعدومُ الذي لا يُوجَدُ أن لو وُجِدَ كيف يكونُ، أما الخلقُ فإنهم لا يعلمونَ من العلومِ إلا ما عَلَّمَهُمْ خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا). وسنوضحُ لكم ذلك بأمثلةٍ قرآنيةٍ:
فَمِمَّا لا يَخْفَى عليكم أن أَعْلَمَ المخلوقاتِ وأفضلَهم الملائكةُ والرسلُ عليهم جميعًا صلاةُ اللَّهِ وسلامُه، فالملائكةُ جميعًا - مع عِلْمِهِمْ - لَمَّا قال لهم اللَّهُ: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٣١] أَطْبَقُوا كلُّهم على جوابٍ واحدٍ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: آية ٣٢] فقولُهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ بُنِيَتِ النكرةُ مع (لا) وذلك لا يكونُ إلا في لَا التي لنفيِ الجنسِ، فالملائكةُ نَفَوْا جِنْسَ العلمِ من أصلِه عنهم، ولم يَسْتَثْنُوا إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه.
وكذلك وقائعُ الرسلِ القرآنيةِ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - هذا سيدُ الخلقِ، وأعلمُ الناسِ، وأفضلُ الرسلِ، سيدُنا محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، رُمِيَتْ أَحَبُّ أزواجِه إليه - أُمُّ المؤمنينَ عائشةُ - بأعظمِ فريةٍ وأكبرِ مُنْكَرٍ أنها فَعَلَتْهُ مع صفوانَ بنِ معطلٍ السلميِّ، وهو ﷺ لَا يعلمُ ما قالوه عنها أَهُوَ حَقٌّ؟!! أم هو كَذِبٌ؟!! ولذا كان يقولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» وقالت (﵂) إنها في ذلك المرضِ أيامَ قولِ الناسِ عليها مسألةَ الإفكِ قالت: فَقَدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللطفَ الذي كنتُ أعرفُه منه. وهي لا تَدْرِي ما قيلَ عنها.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
وكان يقولُ لها: «يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ قَدْ فَعَلْتِ شَيْئًا فَتُوبِي، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْكِ، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ». ولم يَدْرِ عن الحقيقةِ، حتى عَلَّمَهُ الحكيمُ الخبيرُ خالقُ السماواتِ والأرضِ الذي لا تَخْفَى عليه خافيةٌ وقال له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ﴾ الآيات العشر إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: آية ٢٦] وَلِذَا لَمَّا قالت لها أُمُّهَا أُمُّ رومانَ: قُومِي إليه فَاحْمَدِيهِ. قالت: واللَّهِ لا أحمدُه، ولا أَحْمَدُ اليومَ إلا اللَّهَ؛ لأنه هو الذي بَرَّأَنِي (^١).
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ - وهو هو - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه جاء بتاريخِ القرآنِ أنه ذَبَحَ عجلَه للملائكةِ يظنُّ أنهم يأكلونَ، وَتَعِبَ في إنضاجِه، ولم يَدْرِ أن ضيوفَه ملائكةٌ؛ ولذا خَافَ منهم وأخبرَهم بأنه خافَ منهم في سورةِ الحجرِ في قولِه تعالى عنه: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: آية ٥٢] ولم يَدْرِ عنهم شيئًا حتى أَخْبَرُوهُ. وَلَمَّا جاءوا لنبيِّ اللَّهِ لوطٍ: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: آية ٧٧] فَظَنَّ أنهم شبابٌ يَفْعَلُ فيهم قومُه فاحشةَ اللواطِ، حتى جاءوه يدافعونَه عن البابِ ليدخلوا عليهم فيفعلوا بهم فاحشةَ اللواطِ، حتى قال ذلك الكلامَ المؤثرَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: آية ٨٠] حتى أَعْلَمَهُ جبريلُ أنهم ملائكةُ اللَّهِ: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: آية ٨١] فعندَ ذلك عَلِمَ.
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ مع جلالتِه وعظمةِ رُتْبَتِهِ في الأنبياءِ مِنْ أُولِي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٦٠٣ ]
العزمِ، قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: آية ٤٥] كان يَظُنُّ أن ذلك الابنَ الكافرَ من الأهلِ الموعودِ بنجاتِهم، ولم يَعْلَمِ الحقيقةَ حتى قال له اللَّهُ: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِّنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: الآيتان ٤٦، ٤٧].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ قال الله فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: آية ٦٨] ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: آية ٨٤] ولا يَدْرِي عن ولدِه يوسفَ شيئًا حتى كان يقولُ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: آية ٨٧].
وهذا سليمانُ سَخَّرَ له اللَّهُ الرياحَ والجنَّ، الريحُ غُدُوُّهَا شهرٌ وَرَوَاحُهَا شهرٌ، ما كان عندَه علمٌ عن مَأْرِبٍ - قريبًا من صنعاءَ باليمنِ - حتى جاءه الهدهدُ وتَمَدَّحَ عليه بما عَلِمَ من عِلْمِ جغرافيةِ وتاريخِ اليمنِ وسليمانُ يَجْهَلُهُ، وكان سليمانُ تَوَعَّدَ الهدهدَ في قولِه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٢١)﴾ [النمل: آية ٢١] فلما جاء الهدهدُ معه بعضُ العلمِ عن تاريخِ مَأْرِبٍ - جماعةِ بلقيسَ من سبأٍ - بعضُ تاريخٍ وجغرافيةٍ عنهم، صَمَدَ أمامَ سليمانَ ولم يَرُعْهُ الوعيدُ الشديدُ من نَبِيٍّ مَلِكٍ، فنسب الإحاطةَ إلى نفسِه، وَنَفَاهَا عن سليمانَ، وقال له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ الآية [النمل: آية ٢٢] [١٤ /أ] / كما هو معروفٌ. وإنما أَشَرْنَا إلى هذا لِنُبَيِّنَ أن الْعَالِمَ الحقيقيَّ هو اللَّهُ: ﴿قُل لَاّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ﴾ [النمل: آية ٦٥] فالملائكةُ والرسلُ
[ ٣ / ٦٠٤ ]
لا يعلمونَ إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، والله يُعْلِمُ رسلَه وملائكتَه ما شاء من وَحْيِهِ (^١)، وقد علَّم نَبِيَّنَا (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) عُلُومًا كثيرةً؛ ولو حَفِظَ الناسُ عنه ما أخبرهم به من الغيوبِ لَمَا مَضَى عليهم شيءٌ من البلايا والزعازعِ إلا وقد كان عندَهم خَبَرٌ منه ﷺ، فهو أَخْبَرَ بكثيرٍ من الأمورِ، بعضُها حُفِظَ، وأكثرُها لم يَحْفَظْهُ الناسُ، صارت تُشَاهَدُ منه اليومَ غرائبُ عديدةٌ؛ لأنه ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ () (^٢)
القلاص فلا يُسْعَى عليها» هذا الحديثُ العظيمُ من غرائبِ وعجائبِ الإخبارِ بالغيبِ؛ لأنه ما كان أحدٌ في الدنيا يُصَدِّقُ أن الإبلَ تتركُ ولا تُقْطَعُ عليها المسافاتِ، فنحن في هذا الزمانِ شَاهَدْنَا صِدْقَ هذا الحديثِ بِأَعْيُنِنَا، نرى [ونشاهدُ] (^٣) الإبلَ محمولةً مع المتاعِ في السياراتِ!! وهذا من غرائبِ وعجائبِ الوحيِ التي أَخْبَرَ بها - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه - ومن ذلك قوله: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ » الحديثَ المشهورَ (^٤) ألا ترونَ كيف اتَّبَعَ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
(٢) لم يتضح الكلام لضعف التسجيل ولفظ الحديث عند مسلم: «والله لينزلن ابن مريم حكمًا عادلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتُتركن القلاص فلا يُسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد». مسلم في الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ. حديث رقم (٢٤٢)، (١/ ١٣٦).
(٣) في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٤) () البخاري في أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكر عن بني إسرائيل، حديث رقم (٣٤٥٦)، (٦/ ٤٩٥)، وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم (٧٣٢٠)، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، حديث رقم (٢٦٦٩)، (٤/ ٢٠٥٤).
[ ٣ / ٦٠٥ ]
المسلمونَ النصارى واليهودَ - عياذًا بالله؟! وهذا معنَى قوله: ﴿إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: آية ٨٩] هذا كلامُ نَبِيِّ اللِّه شعيبٍ، وتقديمُ المعمولِ الذي هو الجارُّ والمجرورُ يدلُّ على القصرِ (^١)، أي: لَا نَتَوَكَّلُ إلا عليه وحدَه جل وعلا.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ الفُتاحةُ في لغةِ حميرَ القديمةِ معناها: الحكمُ. كان الحميريونَ وغيرُهم من قبائلِ اليمنِ من قحطانيين يطلقونَ اسمَ الفُتاحةِ على القضاءِ، والفَتَّاح على الحاكمِ، والفتح على الْحُكْمِ، والقرآنُ جاءت فيه لغاتُ العربِ (^٢).
ومعنَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: آية ٨٩] أي: احْكُمْ بَيْنَنَا وبين قومِنا بالحقِّ، ومعلومٌ أن اللَّهَ لا يحكمُ إلا بالحقِّ.
﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: الحاكمين. وجاء في القرآنِ إطلاقُ الفتحِ على القضاءِ كثيرًا، كقولِه: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة: آية ٢٩] وقولُه جل وعلا ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: آية ٢٦] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ.
﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (٩٠)﴾ [الأعراف: الآية ٩٠].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
قَدَّمْنَا الكلامَ على قولِه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾.
وقولُه: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ ذَكَرَ هنا أَمْرَيْنِ كلاهما يحتاجُ] (^١) إلى جوابٍ، أحدُهما الْقَسَمُ المدلولُ عليه باللامِ. والثاني: الشرطُ الذي من أدواتِه (إن) والقاعدةُ المقررةُ في علمِ العربيةِ أنه إذا اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشرطٌ جِيءَ بجزاءِ السابقِ منهما، وَحُذِفَ جزاءُ الثاني؛ لدلالةِ جزاءِ الأولِ عليه (^٢). والسابقُ هنا الْقَسَمُ، وإذا كان الجوابُ هنا جوابَ الْقَسَمِ (^٣) لم يُقْرَنْ بالفاءِ كما هو معروفٌ في مَحَلِّهِ، وهو قولُه: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٩٠] أي: وقال الملأُ الذين كفروا من قومِ شعيبٍ، أي: لِمَنْ دُونَهُمْ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ وَاللَّهِ لئن اتبعتُم نبيَّ اللَّهِ شعيبًا ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ التحقيقُ أن التنوينَ في قولِه: ﴿إِذًا﴾ أنه تنوينُ عِوَضٍ، والمعنَى: إن اتبعتموه خَسِرْتُمْ، ومعنَى خسرانِهم هنا: يزعمونَ أنهم عندَ ذلك يشترونَ الضلالةَ بِالْهُدَى زاعمينَ أن الهدى هو الكفرُ الذي كانوا عليه، وأن اتباعَ نَبِيِّ اللَّهِ ضلالٌ كما هو مذكورٌ في إفسادِ الأرضِ بعدَ إصلاحِها، وَمِنْ خُسْرَانِهِمُ المزعومِ: أنهم كانوا ينتفعونَ بأموالِ الناسِ إذا أَضَلُّوهُمْ وَبَخَسُوهُمْ أشياءَهم وَطَفَّفُوا لهم المكيالَ والميزانَ، ونبيُّ اللَّهِ شعيبٌ يُضَيِّقُ عليهم هذه المصالحَ الدنيويةَ
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
(٣) لعله سبق لسان، والمراد جواب الشرط كما هو معلوم. وفي وجوب اقترانه بالفاء تفصيل معروف. راجع: التوضيح والتكميل (٢/ ٣١٦).
[ ٣ / ٦٠٧ ]
فيخسرونَ ما كانوا يأخذونَه من أموالِ الناس ظُلْمًا. هذا من خسرانِهم المزعومِ.
وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن الكافرَ الضالَّ يدّعِي بكفرِه وضلالِه أنه هو عَيْنُ الْهُدَى، وأن الْهُدَى هو الخسرانُ والضلالُ كما كنا نُبَيِّنُهُ في آيةِ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: آية ٨٥] وهذا معنَى قولِه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (٩٠)﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: آية ٩١] الفاءُ سببيةٌ، وقد تَقَرَّرَ في علمِ الأصولِ في مبحثِ مسلكِ الإيماءِ والتنبيهِ، وفي مبحثِ النصِّ والظاهرِ (^١) أن الفاءَ تُذْكَرُ في التعليلِ لدلالتِها على السببيةِ، كقولِه: «سَهَى ﷺ فَسَجَدَ» أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ. «سَرَقَ السَّارِقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ». أي: لِعِلَّةِ سرقتِه قالوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: بسببِ كفرِهم وإلحادِهم.
وقولُه: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الرجفةُ: معناه الزلزلةُ القويةُ التي تُؤَدِّي إلى تحريكٍ قَوِيٍّ عنيفٍ، فكلُّ مَا تَحَرَّكَ تحريكًا قويًّا عنيفًا فقد رَجَفَ، فالرجفةُ زلزلةٌ قويةٌ حَرَّكَتِ الأرضَ مِنْ تَحْتِهِمْ حتى اهتزت بهم هَزًّا عنيفًا أَدَّى إلى موتِهم. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه: زلزلةُ القيامةِ لزلزلتِها الأرضَ وتحريكِها إياها تحريكًا عنيفًا ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ [النازعات: الآيتان ٦، ٧] فهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ مشهورٌ، ومنه قولُ عنترةَ (^٢):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) ديوان عنترة ص٦١.
[ ٣ / ٦٠٨ ]
مَتَى مَا تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرجُفْ رَوَانِقُ أَلْيَتَيْكَ وتُسْتَطَارَا
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ مشهورٌ عند العلماءِ وطلبةِ العلمِ، وهو: أن اللهَ في هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ بَيَّنَ أن الذي أَهْلَكَ اللهُ به قومَ شعيبٍ رجفةٌ، حيث قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾ [الأعراف: آية ٩١] جَاثِمِينَ: أي: مَوْتَى، وَكُلُّ واحدٍ منهم مُنْكَبٌّ على وجهِه لا روحَ في جسدِه، والجاثمُ: الذي يلزمُ مَحَلًاّ واحدًا، لَرُبَّمَا كان على وجهِه كما هو معروفٌ، ومنه قولُ زهيرٍ في معلقتِه (^١):
بِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ
المجثمُ: مكانُ الجثومِ، وهو المكانُ الذي كان فيه مُنْكَبًّا على وجهِه غالبًا. وهنا قال إن سببَ إهلاكِهم بالرجفةِ، وصرَّح بسورةِ هودٍ بأن سببَ إهلاكِهم صيحةٌ، حيث قال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: آية ٩٤] وصرَّح في سورةِ الشعراءِ أن قومَ شعيبٍ أصحابَ الظلةِ كان عذابُهم في ظُلَّةٍ، المذكور فِي قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: آية ١٨٩] تارةً يُعَبِّرُ عن سببِ إهلاكِهم بالرجفةِ، وتارةً بالصيحةِ، وتارةً بالظُّلَّةِ، فهذا هو وجهُ السؤالِ المعروفِ في هذه الآياتِ (^٢).
وحاصلُ الجوابِ: أن العلماءَ اختلفوا - كما قَدَّمْنَا - هل شعيبٌ أُرْسِلَ إلى أمةٍ واحدةٍ أو أُرْسِلَ إلى أُمَّتَيْنِ (^٣)؟ وكان قتادةُ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٨) من هذه السورة.
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٧).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٥) من هذه السورة.
[ ٣ / ٦٠٩ ]
(﵀) في طائفةٍ من العلماءِ يقولونَ: أُرْسِلَ شعيبٌ إلى أُمَّتَيْنِ، أُرْسِلَ إلى مَدْيَنَ فأهلكهم اللَّهُ بالصيحةِ، وأرسلَ إلى أصحابِ الأيكةِ بعدَ أن هَلَكَ أصحابُ مدينَ فأهلكهم اللَّهُ بِالظُّلَّةِ. وهذا القولُ قال به بعضُ العلماءِ، واستدلوا باختلافِ نوعِ العذابِ، وفي أن اللَّهَ قال في أهلِ مَدْيَنَ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: آية ٨٥] ولم يَقُلْ في أصحابِ الأيكةِ: أخاهم. وأكثرُ العلماءِ على أن أهلَ مَدْيَنَ هم أهلُ الأيكةِ، وأنها أمةٌ واحدةٌ، وأنهم نُسِبُوا إلى جَدِّهِمْ مدينَ بنِ إبراهيمَ وأنه كانت لهم أيكةٌ - غيضةٌ - ملتفةٌ من الشجرِ يعبدونَها، وبعضُ المؤرخين يقولونَ: كانت أيكتُهم من شجرِ الدومِ، واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.
الجوابُ عن هذا (^١): هو ما قال به غيرُ واحدٍ، وممن أَلَمَّ به ابنُ كثيرٍ (﵀) في تفسيرِه: أن كُلَّ ذلك وَقَعَ لقومِ شعيبٍ، وأن أصحابَ مدينَ هم أصحابُ الأيكةِ، والاسمُ مُخْتَلَفٌ فيهما والمسمَّى واحدٌ. قالوا: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أن يُهْلِكَهُمْ صاحَ بهم الْمَلَكُ صيحةً شديدةً؛ ولذا قيل: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: آية ٩٤] فَلَمَّا صَاحَ الْمَلَكُ اهتزت الأرضُ بهم هزًّا عنيفًا، وَرَجَفَتْ بهم رجفةً قويةً، فصارَ هو معنَى قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: آية ٩١] ثم إن اللَّهَ أَضْرَمَ عليهم الظلَّةَ نَارًا فاحترقوا، فَاجْتَمَعَتِ لهم الصيحةُ من أَعْلَى، والرجفةُ من أسفلَ، وَأَحْرَقَهُمُ اللَّهُ، واجتمعَ لهم ذلك كُلُّهُ - والعياذُ بالله تعالى - قال بعضُ العلماءِ: وممن ذَكَرَهُ ابنُ كثيرٍ (^٢): أنهم كان لهم كاهنانِ أحدُهما يُسَمَّى: سُميرًا، والثاني يسمى
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٥) من هذه السورة.
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣٢)، البداية والنهاية (١/ ١٨٩).
[ ٣ / ٦١٠ ]
عِمْرَانَ بنَ شدادٍ، وأن رجلًا منهم يُقال له: عمرُ بنُ جلهاءَ نَظَرَ إلى الأيكةِ وَرَأَى فيها العذابَ فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عليه، وأنه كان يقولُ لهم أبياتِه المعروفةَ، يقولُ لهم (^١):
يَا قَوْمِ، إِنَّ شُعَيْبًا مُرسَلٌ فَذَرُوا عَنْكُمْ سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِ
إِنِّي أَرَى غَبْيَةً يَا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي
وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا فِيهَا ضَحَاءَ غَدٍ إِلَاّ الرَّقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أَنْجَادِ
والرقيمُ: كَلْبُهُمْ. يقولُ: فِي ضُحَى غَدٍ لَا يُرى إلا الكلبُ وحدَه يمشي. لكونِهم قد أَبَادَهُمُ اللَّهُ.
وَزَعَمَ جماعةٌ من المؤرخين (^٢) أن أبا جَاد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت أنها أسماءُ ملوكِ مدينَ الذين أُرْسِلَ إليهم شعيبٌ، وأن وقتَ إهلاكِهم كان في ذلك الوقتِ مَلِكُ مَدْيَنَ المسمَّى (كلمن)، وأنه لَمَّا أهلكَه اللَّهُ قال قالت ابنتُه، وبعضُهم يقول: أختُه تَبْكِيهِ:
كلمن قَدْ هَدَّ رُكْنِي هُلْكُهُ وَسْطَ الْمَحَلَّةْ
سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْـ حَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّةْ
جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّةْ (^٣)
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فقد أهلكهم اللهُ ودمرهم بالرجفةِ والصيحةِ والإحراقِ بعذابِ يومِ الظُلةِ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ [الأعراف: آية ٩١] الدارُ
_________________
(١) الأبيات في ابن جرير (١٢/ ٥٦٧).
(٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ٥٦٨).
(٣) الأبيات في ابن جرير (١٢/ ٥٦٨).
[ ٣ / ٦١١ ]
هنا: اسمُ جنسٍ مفردٍ، أُضِيفَ إلى مُعَرَّفٍ فهو يَعُمُّ أي: في ديارِهم. وألفُ الياءِ منقلبةٌ عن واوٍ؛ لأن أصلَها (دوَرَ) ولذا تُصَغَّرُ على (دُويرة) لا على دُيَيْرَةٍ (^١)، والجاثمُ هو المستلقي على وَجْهِهِ، والمرادُ أنهم أصبحوا مُنْكَبِّينَ على وجوهِهم مَوْتَى لا أرواحَ في أجسادِهم، وانتقلوا إلى الشقاءِ الأبديِّ - عياذًا بالله - وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩١ - ٩٢] فَرَدَّ اللَّهُ على الذين قالوا ما قالوا فِي شعيبٍ: تَوَلَّى اللَّهُ الردَّ عنه عليهم؛ لأنهم قالوا لقومهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٩٠].
فَرَدَّ اللَّهُ عليهم فقال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: آية ٩٢] أُهْلِكُوا وكأنهم لم يُقِيمُوا فيها أحياء أبدًا، ثم قال وهو محلُّ الشاهدِ من الردِّ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ وهو الخسرانُ الحقُّ لَا الذين اتَّبَعُوهُ.
ومعنَى قولِه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ (الذين) هنا اسم موصول، ومحلُّه من الإعرابِ: مبتدأٌ، وخبرُ المبتدأِ جملةُ: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ و(كَأَنْ) مخففةٌ من الثقيلةِ، وإذا خُفِّفَتْ من الثقيلةِ نُوِيَ اسمُها وقُدِّرَ مَحْذُوفًا كثيرًا، وربما ظَهَرَ كما هو معروفٌ في محلِّه. والمعنَى: كأنهم، أي: كأنه أَي: الأمرُ والشأنُ لم يَغْنَوْا فيها أبدًا.
وقولُه: ﴿يَغْنَوْا﴾ هو مصدرُ (غَنِيَ يَغْنَى غَنًى) بفتحتين على القياسِ؛ لأن المقررَ في فَنِّ العربيةِ: أن (فَاعِلَ) مكسورةِ العينِ إذا كانت لازمةً ينقاسُ مصدرُها على (فَعَل) بفتحتين، والعربُ تقولُ:
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١١٣.
[ ٣ / ٦١٢ ]
«غَنِيَ بالمكانِ يَغْنَى به غَنَاءً». إذا أقامَ به في رفاهيةٍ، ومكانُ إقامتِه يُسَمَّى: (المَغْنَى) وَيُجْمَعُ على (المَغَانِي) وهو معروفٌ في لغةِ العربِ كثيرًا (^١)، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):
وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ فِي ظِلِّ مَلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ
(غَنَوْا) أي: أقامُوا في نعمةٍ ورفاهيةٍ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وقد تقولُ العربُ: «غَنِينَا في كذا» أي: عِشْنَا به مقيمينَ عليه. ومنه قولُ حَاتِمٍ (^٣):
غَنِينَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى فَكُلًاّ سَقَانَاهُ بِكَأْسَيْهِمَا الدَّهْرُ
فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَةٍ غِنَانَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الْفَقْرُ
هذا معروفٌ، وهذه المادةُ جاءت منها خمسُ لغاتٍ في اللغةِ العربيةِ (^٤)، جاء منها: (الغَنَى) بالفتحِ والقصرِ، و(الغِنَى) بالكسرِ والقصرِ، و(الغَنَاء) بالفتحِ والمدِّ، و(الغِنَاء) بالكسرِ والمدِّ. و(الغُنى) بالضمِّ والقصرِ، ولم يَأْتِ منها (الغُناءُ) بِضَمٍّ فَمَدٍّ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأعراف.
(٢) البيت للأسود بن يعفر، وهو في الدر المصون (٥/ ٣٨٧).
(٣) ديوان حاتم ص٢٤، وهي في الديوان هكذا: غنينا زمانًا بالتصعلك والغنى كما الدهر في أيامه العسر واليسر كسينا صروف الدهر لينًا وغلظة وكلًاّ سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا بأوًا على ذي قرابة غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر ولفظها في القرطبي (٧/ ٢٥٢): كما ذكر الشيخ (﵀) إلا أن محقق الكتاب أضاف الشطر الثاني من البيت الأول، والشطر الأول من البيت الثاني ليوافق ما في الديوان.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من هذه السورة.
[ ٣ / ٦١٣ ]
أما (الغَنى) بفتحٍ وقصرٍ فهو محلُّ الشاهدِ هنا، وهو مصدرُ غَنِيَ بالمكانِ يغنَى به غَنَاءً إذا أقام به على الدوامِ.
أما (الغَنَاءُ) بفتحِ الغينِ مع المدِّ إلى الهمزةِ فهو المَلَاءُ. تقولُ العربُ: «ماله غَنَاء» أي: ماله مَلَاء. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):
قَلَّ الْغَنَاءُ إِذَا لَاقَى الْفَتَى تَلَفًا قَوْلُ الأَحِبَّةِ: لَا تَبْعُدْ وَقَدْ بَعُدَا
و(الغِنَى) بكسرٍ فقصرٍ هو ضِدُّ الفقرِ، وهو أن يكونَ الإنسانُ غَنِيًّا مُوسِرًا.
وأما المطربُ الخسيسُ الخبيثُ - الأصواتُ المطربةُ - فهو (الغِنَاء) بكسرِ الغينِ ومدِّها إلى الهمزةِ.
فالغِنَاءُ بالكسرِ والمدِّ هو المطربُ، والغِنَى بالكسرِ والقصرِ ضِدُّ الفقرِ، والغَنَى بالفتحِ والقصرِ هو الإقامةُ، والغَنَاءُ بالفتحِ والمدِّ هو المَلَاءُ، ومنه قولُ الشاعرِ:
قَلَّ الْغَنَاءُ إِذَا لَاقَى الْفَتَى تَلَفًا قَوْلُ الأَحِبَّةِ: لَا تَبْعُدْ وَقَدْ بَعُدَا
ومنه قولُ هبيرةَ بنِ أبي وَهْبٍ المخزوميِّ - على إحدى الروايتين في بيتِه - يخاطبُ زوجَه أُمَّ هانئٍ بنتَ أبي طالبٍ لَمَّا هَرَبَ يومَ الفتحِ إلى نجرانَ ومات بها كافرًا، أَرْسَلَ لها يُخَاطِبُهَا (^٢):
لَعَمْرِيَ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّدًا أَصْحَابَهُ جُبْنًا وَلَا خِيفَةَ الْقَتْلِ
وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي
يعني: غناء أي: نَفْعًا.
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٦١٤ ]
وَقَفْتُ فَلَمَّا خِفْتُ ضَيَعَةَ مَوْقِفِي رَجَعْتُ كَضِرْغَامٍ هِزَبْرٍ أَبِي شِبْلِ (^١)
أَمَّا (الغُنَى) بضمِّ الغينِ مع القصرِ فهو جمعُ غُنْيَةٍ، وَالْغُنْيَةُ: ما يقتنيه الرجلُ من المالِ لِيَسُدَّ به خلَّتَه وَفَقْرَهُ.
فهذا ما جاء من هذه المادةِ في اللغةِ العربيةِ، ومحلُّ الشاهدِ منه هنا أن العربَ تقولُ: «غَنِيَ بالمكانِ، يَغْنَى به غَنَاءً» على القياسِ، إذا أقامَ به.
والمعنَى: الذين كَذَّبُوا شعيبًا دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهلكهم إهلاكًا مستأصلًا حتى كأنهم لم يُقِيمُوا في دارهم يومًا من الدهرِ أبدًا ولم يُوجَدُوا، والذي زَالَ زَوَالًا كُلِّيًّا تقولُ العربُ: كأنه لم يكن يومًا ما، كما قال أحدُ الجرهميين لَمَّا طَرَدَهُمُ الخزاعيونَ من مكةَ (^٢):
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
كأن ذلك لم يُوجَدْ أصلًا. وهذا معنَى قولِه: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: آية ٩٢] أي: كأنه. أي: الأمرُ والشأنُ لم يُقِيمُوا في دارهم أبدًا للهلاكِ المستأصلِ الذي دَمَّرَهُمْ.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ فَرَدَّ عليهم كَذِبَهُمْ ردًّا فصيحًا بليغًا، يعني: ليس الخاسرُ مَنِ اتَّبَعَ شُعَيْبًا ولكن مَنْ كَذَّبَ شعيبًا هم الخاسرونَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ والإتيانُ بالضميرِ بعدَ (كان) يدُلُّ على التوكيدِ.
_________________
(١) لفظ هذا البيت في السيرة لابن هشام: وقَفْتُ فلما لم أجدْ لي مُقَدَّمًا صددت كَضِرغَام هِزَبْرٍ أَبِي شِبلِ
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٦١٥ ]
وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا معنَى (الخُسرانِ) وما ضَرَبَ العلماءُ له من الأمثالِ (^١). فالخاسرونَ: جمعُ الخاسرِ، وأصلُ الخسرانِ في اللغةِ هو: ذهابُ بعضِ مالِ التاجرِ، كان يُرْزَأَ بشيءٍ من مالِه من ربحٍ كان أو رأسِ مالٍ، ولكن الخسرانَ أَقْسَمَ (^٢) اللَّهُ في كتابِه على أنه لا يُنَجَّى منه أحدٌ إلا بأمورٍ معينةٍ بَيَّنَهَا في سورةٍ عظيمةٍ من كتابِه وهي قولُه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ أي: إِنَّ كُلَّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان لَفِي خُسْرٍ ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ فهؤلاء هم الذين يَخْرُجُونَ من هذا الْخُسْرَانِ.
وقد ضَرَبَ العلماءُ لهذا الخسرانِ مَثَلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ يعطيانِ موعظةً لطالبِ العلمِ وفكرةً صادقةً. قالوا: أحدُ هذين الْمَثَلَيْنِ: أن اللَّهَ ﵎ أَعْطَى كُلَّ نفسٍ رأسَ مالٍ، وأمرَها بالتجارةِ معَه فيه - ورأسُ هذا المالِ المذكورِ قد قَدَّمْنَا مرارًا في هذه الدروسِ بيانَه، وَكَرَّرْنَاهُ المرةَ بعدَ المرةِ - قَصْدًا - لِنَعِظَ به إخوانَنا المسلمين ونحاولَ نفعَهم بِلِينِ قلوبِهم على ضوءِ القرآنِ العظيمِ - قالوا: رأسُ المالِ هذا المذكورُ المُنَوَّهُ عنه: هو الجواهرُ النفيسةُ العظيمةُ الذي لا يوجدُ في الدنيا شيءٌ يُمَاثِلُهَا أبدًا، وهذه الجواهرُ النفيسةُ، والأعلاقُ العظيمةُ، هي - أيها الإخوانُ - هي ساعاتُ العمرِ ولحظاتُه، فهذا رأسُ مالِ الإنسانِ، وهو أَنْفَسُ شيءٍ يُعْطَاهُ الإنسانُ، وخالقُ السماواتِ والأرضِ يأمرُنا أن نتجرَ معه في رأسِ هذا المالِ، فَنُحَرِّكَ رأسَ هذا المالِ، وهي هذه اللحظاتُ والدقائقُ من ساعاتِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩) من سورة الأعراف.
(٢) السابق.
[ ٣ / ٦١٦ ]
العمرِ المعدودةِ، فَنَتَّجِرَ مع خالقِ السماواتِ والأرضِ فيها، فننظرَ ما يتوجهُ إلينا طولَ حياةِ العمرِ ودقائقِه من أوامرِ اللَّهِ ونواهِيه فنبادرَ بإرضاءِ خالقِ السماواتِ والأرضِ بامتثالِ ما أَمَرَ به واجتنابِ ما نَهَى عنه، وربُّنا (جل وعلا) يُعْطِينَا أرباحًا هائلةً بائنةً على هذا: يُسْكِنُنَا الجنةَ، وهي: زوجةٌ حسناءُ، وغرفةٌ عاليةٌ، ونهرٌ مُطَّرِدٌ، وشجرةٌ مثمرةٌ، وَمُلْكٌ لا ينفدُ أبدًا، فنربحُ رِبْحًا لا نفادَ له، وعافيةً لا كَدَرَ فيها، وحياةً لَا موتَ بعدَها، وصحةً لا يخالطُها مرضٌ أبدًا، فَمَنْ حَرَّكَ رَأْسَ هذا المالِ على الوجهِ الكيِّسِ الصحيحِ مع رَبِّ العالمين رَبِحَ الأرباحَ الهائلةَ، فإنه يربحُ منه مجاورةَ ربِّ العالمين في دارِ كرامتِه، والنظرَ إلى وجهِه الكريمِ.
وإن كان صاحبُ رأسِ هذا المالِ - وهو ساعاتُ العمرِ ودقائقُه - كان رَجُلًا غيرَ عاقلٍ - يعنِي أخرقَ لا يَفْهَمُ الحقائقَ ولا يقدِّر قدرَ عمرِه - فإن المسكينَ يضيعُ هذه الأعلاقَ النفيسةَ، وهذه الجواهرَ العظيمةَ في قَالَ وقالوا، ولا يُرَاقِبُ ما يَتَوَجَّهُ إليه مِنْ قِبَلِ خالقِه بالامتثالِ والاجتهادِ فيضيعُها دائمًا، وربما صَرَفَهَا فيما لا يُرْضِي اللَّهَ من المعاصِي والملاهِي - والملائكةُ تكتبُ عليه - حتى ينقضيَ الوقتُ المحددُ فيذهب إلى القبرِ وهو مُفْلِسٌ - والعياذُ بالله - فعندَ ذلك يندمُ حيث لا ينفعُ الندمُ، فعلينا جميعًا، ما دَامَتِ الفرصةُ ممكنةً أن نعتبرَ في رأسِ هذا المالِ، وأن لَا نُضَيِّعَهُ، ولا نكونَ حَمْقَى جهلاء، بل نعتبرُ به، ونتصرفُ مع اللَّهِ بتجارةٍ مُرْضِيَةٍ؛ لأن طاعتَنا لِلَّهِ وإثابتَه لنا سمَّاهُ في كتابِه: (تجارةً) (بيعًا) (شراءً) إلى غيرِ ذلك، قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَاتِ [الصف: الآيتانِ ١٠، ١١]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
[ ٣ / ٦١٧ ]
الجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: آية ١١١] وَسَمَّاهُ (قَرْضًا) في قولِه: ﴿مَّنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: آية ٤٥] إلى غير ذلك. ومقصودُنا - أيها الإخوانُ - أن نُنَبِّهَكُمْ وأنفسَنا إلى مكانةِ العمرِ وَعِظَمِهَا، وأن مَنْ خَسِرَهُ خَسِرَ كُلَّ شيء، وأن مَنْ كان حَازِمًا في تحريكِه والعملِ فيه رَبِحَ كُلَّ شيءٍ كما لا يَخْفَى، فعلى هذا القولِ يكونُ خُسرانُ الإنسانِ في رأسِ مالِه الذي أعطاه اللَّهُ - وهو عمرُه إذا ضَيَّعَهُ، ولم يُبْقِ منه شيئًا - كان أَخْسَرَ الخاسرين، وإذا خَسِرَ هو رأسَ المالِ عُلِمَ أنه ليس هناك رِبْحٌ أبدًا كما هو معروفٌ.
وَاعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن العمرَ كما أن اللَّهَ (جل وعلا) جعلَه رأسَ المالِ، وهو التجارةُ الرابحةُ مَنْ خَسِرَهَا خَسِرَ كُلَّ شيءٍ، فإنه مع ذلك جَعَلَهُ حُجَّةً على المعمَّر، فأعمارُكم كما أنها رؤوسُ أموالِكم، وأصلُ فوائدِكم، فكذلك هي حجةٌ عليكم؛ لأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ العمرَ مع الرسولِ لأَنَّ كُلًاّ منهما حُجةٌ على المعمِّر كالمرسلِ إليه، كما قال تعالى في العُمْرِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٧] فجاء بالعمرِ والرسولِ مُقْتَرِنِينَ؛ لأن الرسولَ يُنْذِرُكَ وَيَعِظُكَ، والعمرُ مهلةٌ تَقْدِرُ فيها أن تتداركَ ما فَاتَ وَتُصْلِحَ الخللَ، وتنيبَ إلى اللَّهِ، وترجعَ مِنْ ما يُسْخِطُهُ إلى ما يرضيه، فهذه الآيةُ العظيمةُ من عظامِ مواعظِ القرآنِ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ احتجَّ به على أهلِ النارِ الذين لم يُحَرِّكُوا أعمارَهم في خَيْرٍ، ولم يَعْتَبِرُوا بها؛ ولذا قال: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: آية ٣٧] والعياذُ بالله جل وعلا. هذا أَحَدُ الْمَثَلَيْنِ الْمَضْرُوبَيْنِ، الذين جَعَلَهُمَا العلماءُ لهذا الخسرانِ.
[ ٣ / ٦١٨ ]
الْمَثَلُ الثاني: ما ذَكَرَهُ بعضُ العلماءِ من أن الله (جل وعلا) خلقَ لكلِّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان - جَعَلَ له - مَنْزِلًا في الجنةِ ومنزلًا في النارِ، فكلُّ إنسانٍ له منزلٌ في الجنةِ وله منزلٌ في النارِ، فإذا أَدْخَلَ اللَّهُ أهلَ الجنةِ الجنةَ أَطْلَعَهُمْ على مساكنِهم في النارِ - لو أنهم كَفَرُوا وَعَصَوْا - لِتَزْدَادَ غبطتُهم وسرورُهم وفرحُهم بما هم فيه، فيقولُ الواحدُ منهم عند ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] أي: إنه (جل وعلا) يُطْلِعُ أهلَ النارِ على منازلِهم في الجنةِ لو أنهم آمَنُوا وأطاعُوا لتزدادَ ندامتُهم وحسرتُهم - والعياذُ بالله - وعندَ ذلك يقولُ الواحدُ منهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: آية ٥٧] ثم إن الله (جل وعلا) يجعلُ منازلَ أهلِ الجنةِ في النارِ لأهلِ النارِ، ومنازلَ أهلِ النارِ في الجنةِ لأهلِ الجنةِ، وَمَنْ كانت معاملتُه أن استبدلَ منزلَ غيرِه في النارِ بمنزلتِه في الجنةِ فمعلومٌ أن صفقتَه صفقةٌ خاسرةٌ كما لا يَخْفَى، ومضمونُ هذا جاءَ في حديثٍ عن النبيِّ ﷺ، والظاهرُ أن سندَه لا بأسَ به، واللَّهُ تعالى أعلمُ (^١).
هذانِ المثلانِ اللذانِ ضَرَبَهُمَا العلماءُ في الخسرانِ الذي أَقْسَمَ اللَّهُ أنه لا يَنْجُو منه أحدٌ إلا مَنِ اسْتَثْنَى في قولِه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات ١ - ٣] وبهذا تعرفونَ أن هذه السورةَ العظيمةَ؛ سورةَ العصرِ التي قال الإمامُ الشافعيُّ: «إنها لو لم يَنْزِلْ من القرآنِ إلا هي لَكَفَتْ» (^٢)؛ لاشتمالِها على جميعِ تشاريعِ الإسلامِ، بَيَّنَ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩) من هذه السورة.
(٢) أورده ابن كثير في التفسير (٤/ ٥٤٧).
[ ٣ / ٦١٩ ]
اللَّهُ فيها الأسسَ الكبارَ، والأصولَ العظامَ من وجهِ التجارةِ بالعمرِ مع خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي يحصلُ منه الربحُ الأبديُّ الذي لا ينتهي، وأنه تحريكُ العمرِ والتجارةِ فيه معَ اللَّهِ، بقولِه: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: آية ٣] فإن الآيةَ شَمِلَتْ إيمانَ القلوبِ وأعمالَ الجوارحِ، وَدَعَتْ إلى النفعِ إلى الغيرِ بالتواصِي بالحقِّ والتواصِي بالصبرِ، فجاء بها كُلُّ شيءٍ، فسبحانَ العليمِ الكريمِ ما أَعْلَمَهُ وما أَعْظَمَ تعليمَه وأوضحَه، وهذا معنَى قولِه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ٩٢].
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ [الأعراف: آية ٩٣].
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ ضميرُ الفاعلِ المستتر في قولِه: ﴿فَتَوَلَّى﴾ راجعٌ إلى شعيبٍ، ﴿فَتَوَلَّى﴾ هو أي: نَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ رَجَع مُوَلِّيًا عنهم ﴿وَقَالَ يَا قَوْمِ﴾ خَاطَبَهُمْ وقد أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وهذا الخطابُ بعضُ العلماءِ يقولُ (^١): قاله لهم في آخِرِ حياتِهم لَمَّا أرادَ أن يخرجَ عنهم كما في قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا﴾ [هود: آية ٩٤] وقد أَمَرَهُ اللَّهُ بالخروجِ عندما قَرُبَ نزولُ العذابِ فيهم. وبعضُ العلماءِ يقولُ: قال لهم هذا بعدَ أن هَلَكُوا وَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ رَجَعَ وقالَه لهم. ولا مانعَ من هذا، وقد وَقَعَ مِثْلُهُ؛ لأنه ثَبَتَ في الصحيحين أن النبيَّ ﷺ جَمَعَ صناديدَ قريشٍ يومَ بدرٍ - أصحابَ القليبِ - وَوَبَّخَهُمْ وقال لهم: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٧٩) من سورة الأعراف.
[ ٣ / ٦٢٠ ]
رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: آية ٤٤] فَوَبَّخَهُمْ (^١)، وَبَيَّنَّا أنهم يسمعونَ كلامَه، وأنهم الآنَ يعرفونَ الحقيقةَ كما هو مَعْرُوفٌ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ﴾ قد تَكَلَّمْنَا عن القومِ فيما سَبَقَ قريبًا (^٢).
﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: آية ٩٣] اللامُ موطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ (وَاللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالاتِ رَبِّي) وهذا النبيُّ الكريمُ أَقْسَمَ في هذه الآيةِ الكريمةِ على أنه أبلغَ رسالةَ رَبِّهِ؛ لأن الأنبياءَ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) يجبُ عليهم الإبلاغُ على أكملِ الوجوهِ وَأَتَمِّهَا. فَكُلُّ مُشرِّعٍ يأتِي بتشريعٍ ودينٍ لم يأتِ به نبيُّنا ﷺ فكأنه يَدَّعِي عليه أنه لم يُبَلِّغْ. وهو (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) بَلَّغَ كُلَّ شيءٍ أُمِرَ بتبليغِه، كما أَقْسَمَ شعيبٌ على أنه بَلَّغَ رسالةَ رَبِّهِ، فَثَبَتَ عن عائشةَ (﵂) أنها قالت: مَنْ زَعَمَ أن مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ حَرْفًا مما أُنْزِلَ عليه فقد افْتَرَى على اللَّهِ الكذبَ، واللَّهِ لو كان كَاتِمًا شيئًا لَكَتَمَ قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (^٣) [الأحزاب: آية ٣٧].
وقد شَهِدَ اللَّهُ لنبينا ﷺ آياتٍ عديدةً أنه بَلَّغَ، كما شهد شعيبٌ لنفسه هنا بقولِه: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ فَمِنَ الآياتِ التي شَهِدَ اللَّهُ فيها لنبيِّنا بالإبلاغِ قولُه: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: آية ٣] فلو كان لم يُبَلِّغْ جميعَه على ما ينبغي لَمَا قال:
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله ﷿: (ولقد رآه نزلة أُخرى، وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء؟) حديث رقم (١٧٧)، (١/ ١٦٠).
[ ٣ / ٦٢١ ]
﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ للنقصِ في الذي لم يُبلغ، وقال له: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ [الذاريات: آية ٥٤] ولو كَتَمَ شيئًا لكان مَلُومًا. وقال: ﴿فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: آية ٥٤] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ، فهو (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) لنا بمنزلةِ الوالدِ الشفيقِ يُعَلِّمُنَا، حتى إنه من شدةِ رَأْفَتِهِ ورحمتِه بنا وحرصِه على هُدَانَا يُعَلِّمُنَا، كُلَّ شيءٍ، حتى إنه يُعَلِّمُ الرجلَ إذا رَاحَ إلى بيتِ الماءِ ليقضيَ حاجتَه - أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ - كيفَ يفعلُ؟ وبماذا يستجمرُ؟ وما لا يفعلُ مع القِبْلَةِ، وفي أَيِّ اليدين يستجمرُ، وماذا يتقِي عندَ الاستجمارِ كما هو معروفٌ في محلِّه.
وهذه الآياتُ تَدُلُّ على أن أنبياءَ اللَّهِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) نَصَحُوا لأُمَمِهِمْ وَبَلَّغُوا أَكْمَلَ البلاغِ وَأَتَمَّهُ، وَصَبَرُوا على الأَذَى، وعلى أتباعِهم من الْمُنْتَسِبِينَ للعلمِ أن يبلغوا العلمَ على الوجهِ الأكملِ، وأن يصبروا على أَذَى الناسِ؛ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يأمرُ بخيرٍ وَيَنْهَى عن منكرٍ لا بُدَّ أن يلحقَه الأَذَى من الناسِ، وهذا أمرٌ معروفٌ؛ لأن كُلَّ مَنْ يتعرضُ للناسِ في مهوياتِهم وينهاهم عَمَّا يَهْوَوْنَ، ويأمروهم بما لا يهوون يكونونَ أعداءً له؛ ولذا كان لقمانُ الحكيمُ لَمَّا أوصاه ولدُه وقال له: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان: آية ١٧] أَتْبَعَ ذلك بقولِه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ لأنه يعلمُ أن الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ يستلزمُ اتباعَ إصابةِ الأَذَى من الناسِ كما لا يَخْفَى، فعلى طلبةِ العلمِ أن يعتبروا بأمثالِ هذه الآياتِ، وينصحوا لأمةِ محمدٍ ﷺ، ولا يكتموا العلمَ عند الحاجةِ إليه، وَيُبَلِّغُوهُ على الوجهِ الأكملِ بالإيضاحِ والحكمةِ والصبرِ على الأَذَى.
[ ٣ / ٦٢٢ ]
ونحن معاشرَ هذه الأمةِ سَيَثْبُتُ بقولِنا وشهادتِنا على الأممِ فصلُ القضاءِ يومَ القيامةِ (^١)، يومَ يجمعُ اللَّهُ الأولينَ والآخِرِينَ في صعيدٍ واحدٍ، ينفذُهم البصرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، كما جاء في القرآنِ العظيمِ، وذلك أنه إذا اجْتَمَعَتِ الخلائقُ سأل اللَّهُ الرسلَ والمرسلَ إليهم كما [مَضَى] (^٢) في قولِه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ فالكفارُ الذين كَفَرُوا من الأممِ يقولونَ: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: آية ١٩] فالرسلُ الذي أُرْسِلَتْ إلينا هم الذين خَانُونَا وَكَتَمُوا عنا رسائلَ رَبِّنَا، ولو جَاءَتْنَا رسالةُ رَبِّنَا لَكُنَّا أطوعَ الناسِ لها وأتبعَها لها!! فيقولُ اللَّهُ - وهو أعلمُ - للرسلِ: هَلْ عِنْدَكُمْ بَيِّنَةٌ على التبليغِ؟ فيقولونَ: نَعَمْ، أمةُ محمدٍ ﷺ تشهدُ لنا. فَتُدْعَى هذه الأمةُ الكرامُ الذين قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: آية ١١٠] فيقال لهم: أَتَشْهَدُونَ أن هؤلاء الرسلَ الكرامَ بَلَّغُوا هؤلاءِ الكفرةَ؟ فنقولُ على رؤوسِ الأشهادِ في ذلك اليومِ العظيمِ: نَعَمْ، نحنُ نشهدُ أنهم بَلَّغُوهُمْ أكملَ البلاغِ وأتمه، وأن هؤلاء الكفرةَ آذَوْهُمْ وَتَعَرَّضُوا لهم بكلِّ سوءٍ، وَلَجُّوا في الكفرِ بعدَ أن بَيَّنُوا لهم كُلَّ شيءٍ، وَتَحَمَّلُوا منهم كُلَّ الأَذَى. فيحتجُّ علينا الأممُ فيقولونَ: كيفَ تشهدونَ علينا وأنتم في وقتِ إرسالِ الرسلِ إلينا في ظلماتِ العدمِ لم تُوجَدُوا إِذْ ذَاكَ، كيف تشهدونَ على شيءٍ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقُوا؟
فنقولُ: نَعَمْ إننا نضعُ أداءَ الشهادةِ على حصولِ العلمِ اليقينِ، وقد حَصَلَ لنا العلمُ اليقينُ بما شَهِدْنَا، فما شَهِدْنَا إلا بما عَلِمْنَا؛ لأن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٦) من سورة الأعراف.
(٢) في الأصل: «يأتي». وهو سبق لسان.
[ ٣ / ٦٢٣ ]
اللَّهَ أَرْسَلَ إلينا نَبِيًّا كَرِيمًا، وأنزلَ إليه أعظمَ الكتبِ، وهو أصدقُ كلامٍ، وَكُلُّ ما في كتابِ اللَّهِ فنحنُ نقطعُ به ونجزمُ به - لأنه كلامُ خَالِقِنَا - أشدَّ مِنْ جَزْمِنَا بما رَأَتْهُ أعينُنا وَسَمِعَتْهُ آذانُنا، فقد قَصَّ اللَّهُ علينا قصصَكم مُفَصَّلَةً ومجملةً، فأنتم يا قومَ نوحٍ قَصَّ اللَّهُ علينا في كتابِه ما جرى منكم معه في دارِ الدنيا وأنه قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ إلى آخِرِ الآياتِ. [نوح: الآيات ٧ - ٩]. وأنتم يا قومَ هودٍ قَصَّ اللَّهُ علينا من خَبَرِكُمْ كذا وكذا وكذا، وقولكم له: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾ [هود: آية ٥٤] وما صَبَرَ على أذاكم وما جاءكم به من الإنذارِ العظيمِ. وكذلك قومُ صالحٍ، فنفصَّل ما فُصِّلَ، وَنُجْمِلُ ما أُجْمِلَ، فيثبت الحكمُ عليهم بشهادتِنا كما [مضى] (^١) في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارًا عُدُولًا ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: آية ١٤٣] فهذه الآيةُ وأمثالُها كقولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: آية ١١٠] فيها الدلالةُ القرآنيةُ الواضحةُ على أن هذه الأمةَ هي خيرُ الأممِ وأفضلُها، ويؤيدُ ذلك ويوضحُه ما جاء في السننِ من حديثِ معاويةَ بنِ حيدةَ القشيريِّ (﵁) أن النبيَّ ﷺ قال في هذه الأمةِ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» (^٢).
أما قولُه في بني إسرائيلَ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: آية ٤٧] فلا يتناولُ هذه الأمةَ؛ لأنها في ذلك الوقتِ لم تُوجَدْ، والمعدومُ ليس بشيءٍ حتى يُفضَّل عليه غيرِه؛ فبعدَ أن وُجِدَتْ واستقرَّ كيانُها صَحَّ تفضيلُها على جميعِ الأممِ، واستقراءُ القرآنِ قد دَلَّ
_________________
(١) في الأصل: «سيأتي»، وهو سبق لسان.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
[ ٣ / ٦٢٤ ]
على ذلك دلالةً واضحةً، وإيضاحُ ذلك (^١): أن الفضلَ العظيمَ إنما يُعْرَفُ بالاختبارِ، فعندَ الامتحانِ (). (^٢)
[١٤/ ب] / ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ٩٣] لَمَّا عَلِمَ نبيُّ اللَّهِ شعيبٌ أن اللَّهَ مُهْلِكٌ قومَه تَوَلَّى رَاجِعًا عنهم، وقال مُخَاطبًا لهم: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ واللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالاتِ رَبِّي التي لو اتَّبَعْتُمُوهَا لَمَا وقعتُم فيما وقعتُم فيه ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بَذَلْتُ لكم غايةَ النصحِ، وبينتُ لكم، وأمرتُكم بما فيه لكم الخيرُ، ونهيتُكم عما فيه لكم الشرُّ، ولكن تَمَرَّدْتُمْ حتى أَهْلَكَكُمُ اللَّهُ ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ آسَى: معناها أَحْزَنُ، فالعربُ تقولُ: أَسِيَ الرجلُ يَأْسَى بمعنَى: حَزِنَ يحزنُ، و(آسى) فعلٌ مضارعٌ، والهمزةُ الأُولَى همزةُ المتكلمِ، والألفُ مبدلةٌ من فاءِ الفعلِ، والمعنَى: فكيف أَحْزَنُ أنا. ﴿آسَى﴾ أي: أحزنُ ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ مُتَمَرِّدِينَ على اللَّهِ؛ أعداءِ للهِ ورسلِه، فهؤلاء لا يُحْزَنُ عليهم، كما قال اللَّهُ لِنَبِيِّنَا: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: آية ١٢٧] ونحو ذلك من الآياتِ (^٣). وهذه الآيةُ تَدُلُّ أن قومَ الرجلِ إذا كانوا أعداءً لله فأهلكهم اللَّهُ بذنوبِهم لا ينبغِي له أن يحزنَ عليهم؛ لأنهم ليسوا أَهْلًا للحزنِ عليهم لعداوتِهم لِلَّهِ وَرُسُلِهِ.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا
_________________
(١) السابق.
(٢) في هذا الموضوع انقطع التسجيل، ويمكن استدراك النقص بمراجعة كلام الشيخ ﵀ في هذه القضية فيما مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٣) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
[ ٣ / ٦٢٥ ]
الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ٩٤، ٩٥].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾ [الأعراف: آية ٩٤] بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه الآيةِ الكريمةِ أنه لم يُرْسِلْ نَبِيًّا قَطُّ من الأنبياءِ إلى أمةٍ إلا كَذَّبَتْ تلك الأمةُ، وبعد تكذيبِها ابْتَلَاهَا اللَّهُ أنواعَ الابتلاءِ، ثم بَيَّنَ مصيرَها النهائيَّ. وهذا العمومُ في (ما) عامٌّ لم يَخْرُجْ منه شيءٌ إلا قوم يونسَ فإن اللَّهَ أَخْرَجَهُمْ من هذا العمومِ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: آية ٩٨] لم يَخْرُجْ من هذا العمومِ إلا قومُ يونسَ فقط كما دَلَّتْ عليه آيةُ يونسَ هذه.
ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ﴾ المدينةُ تُسَمَّى (قريةً) (^١) لأن الناسَ يجتمعونَ فيها، من قولِهم: قَرَيْتُ الماءَ. إذا جَمَعْتَهُ في الحوضِ. والأصلُ: ما أَرْسَلْنَا نَبِيًّا. فالمفعولُ نكرةٌ زِيدَتْ قَبْلَهَا لفظةُ (من) لتأكيدِ العمومِ، وَقَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدَا نافعًا ﴿مِّن نَّبِيٍّ﴾ بالتشديدِ، وقرأه نافعٌ وحدَه: ﴿من نبيء﴾ بالهمزةِ (^٢). أما على قراءةِ نافعٍ فالنبيءُ مُشتقٌّ من النبأِ، والنبأُ: الخبرُ الذي له شأنٌ. فَكُلُّ نبأٍ خبرٌ، وليس كُلُّ خبرٍ نبأً؛ لأَنَّ النبأَ اسمٌ للخبرِ الذي له شَأْنٌ، تقولُ: جَاءَنَا نبأُ الجيوشِ، وجاءنا نبأُ الأميرِ. ولا تقولُ: جاءنا نبأُ حمارِ الحجامِ؛ لأنه لا خَطْبَ له. أما على قراءةِ الجمهورِ فقال بعضُ العلماءِ: (النبي) أيضًا من (النبيءِ) أُبْدِلَتِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤) من سورة الأعراف.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٦٢٦ ]
الهمزةُ ياءً. وقال بعضُهم: هو مِنَ (النَّبْوَةِ) بمعنَى الارتفاعِ، وهذا معروفٌ ﴿إِلَاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ كُلَّمَا أرسلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلى قومٍ كَذَّبُوهُ وَنَاصَبُوهُ العداءَ ثم أَخَذَهُمُ اللَّهُ أولًا ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأعراف: آية ٩٤] البأساءُ: الفقرُ والجوعُ. الضراءُ: الأمراضُ. يَبْتَلِيهِمْ أولًا بالفقرِ والجوعِ والجدبِ، ثم يبتليهم بالأمراضِ ونحوِها، وإذا لم يَنْفَعْهُمْ هذا الابتلاءُ بالشرِّ ابتلاهم بالخيرِ؛ لأن الابتلاءَ تارةً بالشرِّ وتارةً بالخيرِ فَبَيَّنَ ابتلاءَه لهم بالخيرِ بعدَ ابتلائِه لهم بالشرِّ في قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: آية ٩٥] بَدَّلْنَا مكانَ السيئةِ الحسنةَ، (الحسنة) و(مكان) هما مَفْعُولَا (بَدَّلْنَا) على التحقيقِ؛ خِلَافًا لِمَنْ زعموا أن (مكان) ظرفٌ، فهما مفعولانِ لِبَدَّلْنَا.
ومعنَى: ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: بَدَّلْنَا لهم الخصبَ مكانَ الجدبِ، والصحةَ والعافيةَ مكانَ الأمراضِ، فَجَعَلْنَا لهم الشيءَ الحسنَ بدلًا من الشيءِ السيئِ؛ لِنَبْتَلِيَهُمْ أخيرًا بالحسنِ بعدَ أن ابْتَلَيْنَاهُمْ أَوَّلًا بالسيئِ.
وأصلُ (السيئةِ) أصلُها: (سَيْوِئَة) حروفُها الأصليةُ هي: السينُ وهو فاؤُها، والواوُ وهو عينُها، والهمزةُ وهي لامُها، وياءُ (فَيْعِلَة) زائدةٌ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ الزائدةُ بالواوِ التي هي عَيْنُ الكلمةِ بعدَ إبدالِها ياءً على القاعدةِ التصريفيةِ المشهورةِ المعروفةِ (^١).
و(الحسنةُ) صفةٌ مشبهةٌ من: حَسُنَ الشيءُ فهو حَسَنٌ، وكذلك (السيئةُ) صفةٌ مشبهةٌ من: سَاءَ يَسُوءُ فهو سَيِّءٌ؛ لأن السيئةَ تسوءُ صاحبَها يومَ القيامةِ إذا رَآهَا فِي صَحِيفَتِهِ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٦٠) من سورة الأنعام.
[ ٣ / ٦٢٧ ]
والحسنةُ: أصلُها صفةٌ مشبهةٌ تأنيثُ الحسنِ إلا أنها اشْتُهِرَ استعمالُها حتى اسْتُعْمِلَتْ استعمالَ الأسماءِ الجامدةِ كالصالحةِ والحسنةِ والخصالِ الطيبةِ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ.
ومعنَى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: آية ٩٥] بَدَّلْنَا لهم مكانَ الجدبِ خصبًا ورزقًا، ومكانَ الأمراضِ عافيةً وصحةً؛ لِنَبْتَلِيَهُمْ بذلك أيضًا.
وقولُه: ﴿حَتَّى عَفَوا﴾ يعنِي: كَثُرُوا. العربُ تقولُ: «عَفَا الشيءُ» بمعنَى: كَثُرَ، فـ (عفوا) معناه: كَثُرُوا. كَثُرَتْ أنفسُهم - بالعافيةِ والصحةِ - وأموالُهم، حتى نَمَوْا وَنَمَتْ أموالُهم، وَكُلُّ شيءٍ كَثُرَ تقولُ فيه العربُ: (عفا) ومنه: إعفاءُ اللحيةِ، وهو تكثيرُ شَعْرِهَا وتوفيرُه لا حلقه وَقَصّه.
فمعنَى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ حتى كَثُرُوا، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):
وَلَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
فَهُوَ معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ. حتى عَفَوْا وكثروا وزالَ عنهم الجوعُ والقحطُ وخصبوا وأنعموا؛ لَمَّا زَالَ عنهم هذا كُلُّهُ ابتليناهم بالحسناتِ، ولم ينفع فيهم الابتلاءُ بالحسناتِ أيضًا، وقالوا: ﴿قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ معناه عندَهم: أن هذه حياةُ الدهرِ، تارةً يجيءُ بخيرٍ، وتارةً يجيءُ بشرٍّ، وهو أمرٌ طبيعيٌّ ليس من الابتلاءِ ولا الفتنةِ على الذنوبِ ثم إن اللَّهَ قال إنه بعدَ أن لم يَنْفَعِ ابتلاؤُنا
_________________
(١) البيت للبيد بن ربيعة، وهو في الدر المصون (٥/ ٣٨٩).
[ ٣ / ٦٢٨ ]
دَمَّرَهُمْ؛ ولذا قال: ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ أَخَذْنَاهُمْ بالعذابِ والهلاكِ بغتةً.
أَيْ: في حالِ كَوْنِنَا مباغتين لهم. أي: أخذهم فجأةً. وَالْمُبَاغَتَةُ أشدُّ وأعظمُ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لَا يعلمونَ بذلك فأهلكهم اللَّهُ بغتةً (والعياذُ بالله) وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: آية ٩٦].
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا﴾ (لو): حَرْفُ الشَّرْطِ لَا تَلِي إلا الْجُمَلَ الفعليةَ و(أنَّ) هنا حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، ليست جملةً فِعْلِيَّةً، إلا أن الفعلَ محذوفٌ، ولو وَقَعَ ﴿أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا﴾ لو كان أهلُ القرى الذين دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهلكهم اللَّهُ آمنوا بِاللَّهِ وأطاعوا رُسُلَهُ: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ غيرَ ابنِ عامرٍ: ﴿لَفَتَحْنَا﴾ بالتخفيفِ، وقرأه ابنُ عامرٍ: ﴿لَفَتَّحنَا عليهم﴾ بالتشديدِ (^١).
﴿بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ البركاتُ: الخيراتُ، وبركاتُ السماءِ: ما يَنْزِلُ منها من الأمطارِ، وبركاتُ الأرضِ: ما يَخْرُجُ منها من النباتاتِ والزروعِ والحبوبِ ونحوِ ذلك.
وهذه الآياتُ تدلُّ على أن الناسَ إِنْ أَطَاعُوا اللَّهَ أَغْدَقَ اللَّهُ عليهم رِزْقَهُ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
_________________
(١) انظر: السبعة ص٢٨٦.
[ ٣ / ٦٢٩ ]
يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: الآيتان ٢، ٣] وقال نوحٌ لقومِه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: الآيات ١٠ - ١٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: آية ٦٦] في آياتٍ كثيرةٍ.
﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف: آية ٩٦] ولكنهم لم يُطِيعُوا اللَّهَ فَكَذَّبُوا ﴿فَأَخَذْنَاهُم﴾ أَهْلَكْنَاهُمْ بسببِ ما كانوا يَكْسِبُونَ من الذنوبِ والكفرِ والمعاصِي.
وقد نقتصرُ الآنَ على هذه الكلماتِ القليلةِ؛ لأَنَّ البارحةَ أَخَذْنَا دواءً أَثَّرَ عَلَيْنَا، فَمَعِيَ الآنَ بَعْضُ الأَثَرِ.
[ ٣ / ٦٣٠ ]
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ (٩٧) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾ [الأعراف: الآيات ٩٧ - ١٠١].
يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ (٩٧) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾.
بيّن الله (جل وعلا) هنا إنكاره على أهل القرى الذين كفروا به وكذبوا رسله وعارضوا [شرعه] (^١) وأمنوا مكره، وبيّن (جل وعلا) تفاهة عقولهم وعدم علمهم، وأنكر عليهم بأداة همزة الإنكار ليفتحوا آذانهم ويخافوا عقاب الله ولا يأمنوا مكره.
ولذا قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: آية ٩٧] قدمنا مرارًا كثيرة (^٢) كلام العلماء على همزة الاستفهام التي بعدها أداة
_________________
(١) في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وما بين المعقوفين [. . .] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٥ ]
عطف كالفاء والواو وثم. والهمزة هنا للإنكار، ومعنى إنكاره على أهل القرى جمعهم بين الكفر به، وتكذيب رسله، وعدم خوفهم من بطشه ونكاله، فهذا يدل على غاية الجهل بالله؛ ولذا قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ جمع قرية على غير قياس ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ أي: يأتيهم عذابنا ونكالنا وإهلاكنا المستأصل، والبأس: العذاب والنكال من الله (جل وعلا) بسبب كفرهم بنا وتكذيبهم لرسلنا.
﴿أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف: آية ٩٧] قوله: ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا، والحال: ﴿وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ [أي: في غفلة] (^١) فيأتيهم في تلك الغفلة ﴿بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا فنهلكهم. وهذا معنى قوله: ﴿بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ أي: ليلًا في حال كونهم نائمين. والليل معروف، وهو الذي تشاهدونه من ظلام.
﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: آية ٩٨] في هذا الحرف قراءتان سبعيتان: قرأه جماهير القراء غير الحرمِيَّيْنِ والشامي: ﴿أَوَ أمن أهل القرى﴾ بفتح الواو، كأنه تكرير للجملة بما يماثلها. وقرأه الحرميان -أعني: نافعًا وابن كثير- والشامي-أعني ابن عامر-: ﴿أَوْ أمن أهل القرى﴾ بـ (أو) العاطفة، وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان (^٢).
﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ الضحى: هو وقت ارتفاع النهار.
_________________
(١) في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [. . .] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص ٢١٠ - ٢١١.
[ ٤ / ٦ ]
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ لاهون يشتغلون بما لا يجديهم شيئًا، وكل مشتغل بما لا ينفعه يُسمى لاعبًا كما هو معروف. والمعنى: أن الله (جل وعلا) قادر على إهلاكهم في الليل في حالة نومهم، وإهلاكهم في أول النهار في حالة لهوهم ولعبهم، كيف يأمنون مكره مع الكفر به وتكذيب رسله وقدرته على إهلاكهم؟ وهذا معنى قوله: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾.
ثم كرر الإنكار عليهم فقال: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٩٩] كان بعض العلماء يقول: إن المكر من الصفات التي لا تطلق إلا على سبيل المشاكلة. وهذه الآية من سورة الأعراف بيّنت أن المكر يُطلق في غير المشاكلة.
والمشاكلة: هذا اللفظ من اصطلاحات علوم البلاغيين (^١)، يذكره علماء البلاغة في (البديع المعنوي) يقولون: منه قسم يُسمى (المشاكلة) وبعضهم يقول: إن ما يُسمى (المشاكلة) هو مما يسمونه: بعض علاقات المجاز المرسل.
وهذا الذي يقولون له (المشاكلة) هو: أن يأتي لفظ موضوع في معنى غير معناه، بل موضوع في معنى أجنبي من معناه الأصلي، إلا أنه وُضع فيه لأجل المشاكلة والمقارنة بينه وبين لفظ آخر مذكور معه، ومن أمثلته عندهم قول الشاعر (^٢):
قالوا اقترح شيئًا نُجِد لك طبخَه قلتُ اطبخوا لي جُبَّةً وقميصَا
_________________
(١) انظر: التلخيص للقزويني ص ٣٥٦، جواهر البلاغة ص ٢٩٩.
(٢) البيت في المصدرين السابقين.
[ ٤ / ٧ ]
فقوله: «اطبخوا لي جبة» يعني: خيطوا لي جبة، فأطلق الطبخ وأراد الخياطة - والطبخ أجنبي من الخياطة - للمشاكلة بينهما. والتحقيق أنه هنا لا مشاكلة، وأن الله ذكر مكره وحده ولم يذكر مكر عبده كما قال هناك: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: آية ٣٠] ذكر مكرهم ومكره، وهنا ذكر مكره وحده. ولذا قال: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: آية ٩٩].
والتحقيق أن المكر صفة أطلقها الله على نفسه، ولا يجوز إطلاقها على الله إلا في الموضع الذي يُطلقها هو على نفسه أو رسوله ﷺ، وقد أجمع جميع العلماء أنه لا يجوز أن يُشتق له منها اسم، فلا تقل: من أسمائه الماكر؛ لأن ذلك لا يجوز إجماعًا.
ومعنى (مكر الله) أنه (جل وعلا) يستدرجهم ويغدق عليهم النعم والصحة والعافية حتى يكونوا أغفل ما كانوا، ثم يأخذهم بغتة ويهلكهم في غاية الغفلة، وهذا فعل أحسن ما يكون وأبلغ ما يُتصور، وقد ضربوا مثلًا -ولله المثل الأعلى- قالوا: لو فرضنا أن هنالك رجلًا شديد البلية على الناس، يقتل هذا، ويظلم هذا، وجميع الناس في غاية التأذِّي منه، ثم إن رجلًا صالحًا كريمًا طيبًا احتال عليه بحيلة شريفة، حتى قتله وأراح الناس منه، فكلهم يقول: جزاك الله خيرًا، والله إن قَتْلَك له في صورة خفاءٍ إنه أحسن ما يكون.
وعلى كل حال فالله لا يصف نفسه إلا بما هو في غاية الحسن والجمال واللياقة، فوصف نفسه هنا بأنه يهلك الكافرين بمكره، وأن كيده متين كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: آية ١٨٣] ونحن قد قدمنا لكم في هذه الدروس مرارًا - وكررناه
[ ٤ / ٨ ]
مرارًا (^١) لشدة الحاجة إليه-: أن المذهب المُنجي في صفات الله ﵎ التي ازدحمت فيها عقول العقلاء، وضلّ آلاف الناس من جهة التعطيل، وضلّ آلاف الناس من جهة التشبيه، والتمثيل، أن المذهب المنجي عند الله -الذي لا شك فيه، وأنه الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام وسلف هذه الأمة-: وهو ما يقال له: «مذهب السلف» في اصطلاح الناس، أن انتهاجه هو الصواب، وهو المنجي عند الله، وهو العمل بنور القرآن الذي لا شك فيه، فقد أوضحناه لكم مرارًا سنين متعددة، ولا نزال نوضحه ونكرره لشدة الحاجة إليه، وكثرة من غلط فيه من فحول النظار.
اعلموا أيها الإخوان - وفقنا الله وإياكم لما يرضيه - أن العمل بضوء هذا المحكم المنزل الذي لا شك أنه على قدم الصواب أن تُجرى آيات الصفات على ثلاثة أصول، إن لقيتم الله وأنتم على هذه الأصول الثلاثة -لم تُخلّوا بواحد منها- فلا شك أنكم تلقون ربكم وأنتم على عقيدة صحيحة، وصلة بالله متينة، ومذهب حق. وإن أخللتم بشيء منها أدخلتم أنفسكم في بلية. واحذروا من قال وقيل، وعلم الكلام، وغير ذلك.
وهذه الأصول الثلاثة:
الأول منها: - أيها الإخوان - هو أساس التوحيد الأكبر، وهو الحجر الأساسي للصلة بالله صلة صحيحة. هذا الأساس الأعظم هو تنزيه خالق السماوات والأرض (جل وعلا) عن أن يشبه شيئًا من خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم، وكيف يشبهونه؟!
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٢) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٩ ]
أليسوا صنعة من صنائعه؟ بلى هم صنعة من صنائعه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: آية ٨٨]، ومعلوم أن الصنعة لا تشبه صانعها بحال، هذا أصل التوحيد الأعظم في آيات الصفات، وأساسها الأكبر، وهو تنزيه رب العالمين تنزيهًا كاملًا تامًّا لائقًا بكماله وجلاله عن مشابهته لشيء من صفات خلقه أو ذواتهم أو أفعالهم، وهذا الأصل الأعظم نصَّ الله عليه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: آية ٤] ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ لله الأَمْثَالَ﴾ [النمل: آية ٧٤] ونحو ذلك من الآيات.
الأساس الثاني: هو -أيها الإخوان- إذا حققتم هذا الأصل الأعظم الذي هو التنْزيه، فالأصل الثاني: هو الإيمان بما جاء عن الله في كتابه المنزل، والإيمان بما جاء عن رسول الله ﷺ في سنته الصحيحة إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه؛ لأنه لا يصف الله أعلم باللهِ مِنَ اللهِ ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية ١٤٠] ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي قال فيه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: الآيتان ٣، ٤].
هذان الأساسان العظيمان اللذان هما: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه.
والثاني: تصديق الله والإيمان بما مدح به نفسه إيمانًا مبنيًّا على أساس التنزيه.
وهذان الأصلان العظيمان أيها الإخوان لم أقلهما لكم من تلقاء نفسي لا، لا، وكلا، وإنما بينتهما لكم على ضوء هذا الوحي
[ ٤ / ١٠ ]
المحكم المنزل الذي هو نور الله وهُدَاه. وإيضاح ذلك: أن الله أوضح هذين الأساسين وارتباط أحدهما بالآخر في غاية الإيضاح في أوْجَزِ عبارة وأتمها وكملها، وذلك بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] فنؤمل -أيها الإخوان- أن تتأملوا في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وتربطوا أول الآية بآخرها، وآخرها بأولها لتهتدوا كما ينبغي، وإيضاح ذلك: أن السمع والبصر -ولله المثل الأعلى- هما صفتان يتصف بهما -من حيث هما سمع وبصر- سائر الحيوانات، فجميع الحيوانات تسمع وتبصر، والله (جل وعلا) يسمع ويبصر -سبحانه وله المثل الأعلى- ولكن لما أراد أن يبين لنا أنه يسمع ويبصر وضع الأساس الأعظم أولًا فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] لأن الأساس لإثبات الصفات هو التنزيه عن المماثلة وعن التشبيه، فوضع التنزيه هو الأساس الأول فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ثم قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ مبنيًّا على أساس: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: سمعًا وبصرًا لا يماثلهما سمع مخلوق ولا بصره أبدًا ألبتة في حال من الأحوال. فكان أول هذه الآية الكريمة يدل على التنزيه التام من غير تعطيل، وآخرها يدل على الإيمان بالصفات إيمانًا حقيقيًّا من غير تشبيه ولا تمثيل. فعلينا أن نعتقد أولها: وهو التنزيه.
ونعتقد آخرها: وهو إثبات الصفات إثباتًا حقيقيًّا على أساس ذلك التنزيه، فكأن الله يقول لك: يا عبدي، يا عبدي تفهَّم وكن عاقلًا، ولا تذهب بسمعي وبصري إلى سمع المخلوقين وأبصارهم حتى تقول: هذه الصفة تُوهِمُ غَيْرَ اللائِقِ فيجب
[ ٤ / ١١ ]
تأويلها والإتيان بغيرها!! لا، لا، لا يا عبدي، بل لاحظ أولًا أن صفتي في غاية الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة صفات المخلوقين ليمكنك على ذلك الأساس أن تؤمن بها إيمانًا مبنيًّا على أساس التنزيه، كما بينت لك في قولي: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد قولي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] هذا أيها الإخوان بيان واضح لا لبس فيه.
الأساس الثالث: هو أن تعلموا -أيها الإخوان- أن العقول البشرية مخلوقة، وأنها واقفة عند حدها، وأنها متقاصرة عن إدراك الإحاطات والكيفيات بصفاته (جل وعلا)، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: آية ١١٠] فنفى إحاطة العلم البشري نفيًا باتًّا عنه (جل وعلا) لأن الخلق مخلوق، والخالق (جل وعلا) أعظم شأنًا من أن يحيط به خلقه.
هذه الأسس الثلاثة -أيها الإخوان- من لقي منكم الله وهو عليها لقيه على هدى ونور من ربه، وعلى عمل بالقرآن. ومن حاد عنها تخَبَّطَ في ظلام لا يدري في أي وقت يخرج منه. وأنا أقول لكم: إن هذه اللحظات من الأيام والليالي سائرة بنا إلى المحشر سيرًا حثيثًا، كصاحب السفينة يكون نائمًا في مُتكئه في البحر يظن أن السفينة واقفة وهي تقطع فيه المسافات العظيمة في الدقائق والثواني!! فنحن تسير بنا الأيام والليالي إلى ربنا (جل وعلا)، وعن قريب سينكشف لكم الغيب، ونكون جميعًا في صعيد واحد أمام رب العالمين (جل وعلا) والله قد يسألكم عن كل شيء كما قال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: آية ٦] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر:
[ ٤ / ١٢ ]
الآيتان ٩٢، ٩٣] ويوشك أن يسألكم الله عن ماذا كنتم تقولون فيما مدح به نفسه من صفات الكمال، كاستوائه على عرشه، وكصفة اليد والأصابع، وغير ذلك من الصفات التي أثنى الله بها على نفسه، وكالتي في قوله هنا: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: آية ٩٩] فإذا قال لكم رب العالمين: ماذا كان موقفكم في دار الدنيا من صفاتي التي مدحت بها نفسي، وأثْنَى عَلَيَّ بِهَا رَسُولي ﷺ، وبلَّغكم إياها عَنِّي في كتابي وسنة رسولي، هل كنتم تصدقونني، وتؤمنون بي، أو كنتم تنفون صفاتي وتكذبونني وتكذّبون رسولي؟! فلا يخفى على أحد منكم -على طريق الإنصاف- أنه إن كان جوابه لربه في هذا التعليم الذي علمناكم في نور القرآن أنه تعليمٌ صاحبهُ ناج من هذه المشكلات، ولا تأتيه بليّة، بل إنك إن قلت لله: أما أنا فكنت في دار الدنيا أُنَزِّهُ صِفَاتك عن صفات المخلوقين، وأعْتَقِدُ اعْتِقَادًا جازمًا أنَّكَ لا يُمَاثِلُك ولا يشابهك شيء من خلقك، لا في ذاتك، ولا في صفاتك، ولا في أفعالك.
فهذا الجواب لا شك أنه لا يُسَبِّبُ لك بَلِيَّة، ولا مشكلة من الله ولا لومًا، ولا تقريعًا، ووالله لا يقول لك الله موبخًا: لم كنت تُنَزِّهني عن مشابهة صفات خلقي؟ لا، لا والله.
ثم إنك إذا قلت: أنا كنت أؤمن بصفاتك، وأصدقك بما تمدح به نفسك، وأُصدق رسولك، ولا أكذبك فيما كان يثني به عليك من الصفات، ولكن ذلك الإيمان والتصديق مبني على أساس تنزيهك وتعظيمك وإجلالك عن مشابهة صفات الخلق. والله لا يقول لك الله: لم كنت تصدقني في دار الدنيا، وتصدق رسلي، ولم لا تكذبني وتنفي صفاتي؟ لا، لا. هذا طريق سلامة محقق لا شك فيه.
[ ٤ / ١٣ ]
ولا يقول لك الله في الثالث: لم كنت (^١) تدعي أن عقلك لا يحيط بصفاتي، ولا بكنهها؟ فهذه طرق حق واضحة، وعمل بنور القرآن، معلوم أنها ليس وراءها تبعة ولا بلايا ولا مشكلة؛ لأنها خروج من مأزق عظيم في ضوء نور كتاب الله (جل وعلا)، وهو المخرج من كل بلية، والمنقذ من جميع أنواع الضلال. واعلموا -أيها الإخوان- أن كثيرًا من أجِلاء المتعلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من النظار -بعد أن نشأ علم الكلام- غلطوا غلطًا شديدًا في هذه المسألة على كثرتهم وقوة علمهم وفهمهم، وهم -كما قال الإمام الشافعي (﵀) - قَصْدُهُمْ حَسَنٌ، ولا يريدون سُوءًا ولا يريدون إلا تعظيم الله وتَنْزِيهَهُ، ولكنهم غلطوا في طريق ذلك، وأخذوا غير الطريق الصواب فغلطوا، فهم كما قال الإمام الشافعي ﵀ (^٢):
رَامَ نَفْعًا فَضَرّ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ وَمِنَ البِرِّ مَا يكُونُ عُقُوقَا
وسنضرب لكم مثلًا في صفة من الصفات كصفة الاستواء مثلًا، هذه من الصفات التي اشتهر غلط كثير من الطوائف فيها من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من أنواع الطوائف. فمعلوم أن الاستواء هو صفة من صفات الله التي أثنى الله بها على نفسه في سبع آيات من كتابه، وما ذكرها مادحًا بها نفسه إلا مقرونة بأنواع من صفات الكمال والجلال تُبْهِرُ العُقُولَ بعِظَمِهَا، فالسَّلَفِيُّ إذا سَمِعَ اللهَ يَمْدَحُ نَفْسَهُ بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: آية ٢] امتلأ قلبه من الإجلال والتعظيم والإكبار لصفة الاستواء، واعتقد اعتقادًا جازمًا أنها
_________________
(١) في الأصل: «كنت لا تدعي».
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٤ ]
منزهة كل التَّنْزِيه، مُقَدَّسة كل التقديس عن مشابهة استواء المخلوقين بجميع أنواعه، فكانت أرض قلبه طيبة طاهرة، وعلى أساس هذا التنزيه العظيم وتنزيل صفات الله بما يليق بالله سهُل عليه أن يؤمن بها إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه على غِرار: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] لأن الاستواء ليس أوغل في صفات المخلوقين من السمع والبصر، فيكون هذا السلفي أولًا: مُنَزِّهًا صفة الله عن مشابهة صفات المخلوقين. وثانيًا: مؤمنًا بها على أساس ذلك التنزيه في ضوء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ عالمًا بأنه عاجز عن إدراك الكيفية والإحاطة بالكلّ، فهو مُنَزِّهٌ أولًا، مؤمِنٌ مُصَدِّقٌ ثَانِيًا على أساس التَّنْزِيهِ، واقف عند حَدِّهِ وعِلْمِهِ، فلا يأتيه خطر، ولا يحول حوله غلط.
أما من غلط من النُظَّار -مثلًا- فإن بَلِيَّةَ الغَلَطِ جَاءَتْهُ أولًا من تفسير صفات الله بما لا يليق بالله، فصار مبتدئًا بنوع من التشبيه، فجاءته القلاقل والبلابل من التشبيه؛ لأن أقذر قذر عرفه الإنسان: هو تشبيه خالق السماوات والأرض بخلقه -﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا- فيقول مثلًا: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: آية ٥] الاستواء: معناه الانتصاب المعروف كانتصاب المخلوقين، وهذا مستحيل في حق الله! فجاءته البلية من أنه حمل استواء الله على مشابهة استواء الخلق، وهذا رأس الغلط ومَنْشَأُ البَلِيَّةِ، وليس له فيه حق، كان حقه أن ينزه استواء الله، ويعلم أنه صفة الخالِق، والخَلْق صَنْعَة، فصفة الصانع لا تشبه صفة صنعته، وأنها صفة كمال وجلال منزهة عن جميع أنواع التشبيه. فلما حصل في ذهنه التشبيه أولًا وقع في بلايا لا يقصدها، وشر عظيم لا يريد الوقوع فيه، كما قلنا:
[ ٤ / ١٥ ]
رَامَ نَفْعًا فَضَرّ من غير قَصْدِ ومن البرِ ما يكونُ عُقُوقَا (^١)
فيقول أولًا: الاستواء معناه: انتصاب المخلوق هذا الانتصاب المعروف، وهذا لا يليق بالله. فكان مبتدأ قضيته بتشبيه صفة الله التي مَدَحَ بها نفسه بصفة الخلق، وهذا منشأ الغلط وسبب البلية، فلما وقع في ذهنه شيء من أنجاس التشبيه، وأقذار تشبيه الخالق بخلقه سبَّب له بليّة عظمى، ومشكلة كبرى، قال: إذًا لما كان الاستواء غير لائق بالله لا بد أن ننفيه ونؤوله بغيره من صفة لائقة، فقال: إذًا معنى الاستواء: الاستيلاء. والعرب تطلق (استوى) -كما يزعم- وتريد (استولى) ويستدل ببيت الرجز المشهور (^٢):
قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مهْراقِ
يقول: «قد استوى بشر» معناه: قد استولى، وإذًا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: آية ٢] ثم استولى على العرش. وهذا - أيها الإخوان - غَلَطٌ فاحِشٌ، وإن قال به من قال به، واعتقده من اعتَقَدَهُ، إلا أن المُسْلِمَ يجب عليه الإنصاف والنظر في آيات الله، ولا سيما في صفات خالق السماوات والأرض، فلْيَحْذَرْ مِنَ التعصب. وأنا أوَضِّحُ لكم هذا غاية الإيضاح: فنحن مثلًا لو قلنا لمن قال: استوى معناه: استولى. و«قد استوى بشر على العراق». قلنا له: أيها الإنسان أما تخاف الله؟! أما تستحيي من الله؟ في أي مسوِّغ من كتاب أو سنة، أو أي نقل أو عقل سوَّغت لنفسك أن تُشَبِّه استيلاء الله على عرشه -الذي زعمت- باستيلاء بشر بن مروان على العراق؟! هل يُعْقَل في
_________________
(١) مضى قريبًا.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٦ ]
الدنيا تشبيه أخس وأنتن وأوضع من تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق؟! هذا أخسّ تشبيه عرفه التاريخ وأدناه [١٥/أ] / وأسفهه وأسحقه، فمن أين سوَّغت لنفسك تشبيه العرش بالعراق، وتشبيه الله ببشر بن مروان؟! ومَنْ بشر بن مروان حتى تشبِّه استيلاء الله باستيلائه على العراق؟! وما هو العراق حتى تشبهه بالعَرْش؟! فأنت أعظم المشبهين نصيبًا في التشبيه، وأكثرهم تشبيهًا، وهذا الباب الذي فتحت، فتحت فيه عن بحور من أنواع التشبيه لا سواحل لها؛ لأنك كنت مشبهًا استيلاء الله على عرشه -الذي زعمت- بكل مخلوق قهر مخلوقًا فغلبه فاستولى عليه، صرت تشبه استيلاء الله باستيلاء كل مخلوق قهر مخلوقًا فغلبه فاستولى عليه!! وهذا تحته من بحور التشبيه بحور لا سواحل لها، وهذا لا ينبغي أيها الإخوان. ولا شك أن هذا الذي حمل الاستواء على مَحْمَلٍ غير لائق، ثم اضطره ذلك إلى أن نَفَى الاستواء، وجاء بدله بالاستيلاء، هو مضطر أن يُنَزِّهَ أحد اثنين: إما أن ينزه الاستواء الذي نَصَّ اللهُ عَلَيْهِ أوَّلًا، أو ينزه الاستيلاء الذي فَسَّرَهُ به.
فنقول: الاستيلاء الذي ذكرت استيلاء منزه عن استيلاء المخلوقين، وكيف ينزه عن استيلاء المخلوقين وأنت تسميه استيلاء بشر بن مروان على العراق؟ أليس بشر بن مروان من المخلوقين؟ واستيلاؤه من استيلاء المخلوقين؟ ولكن نحن نقول: هب أنك تقول: إنك لا بد أن تنزه أحدهما فهو الاستواء الذي نص الله عليه في كتابه، أو الاستيلاء الذي جئت به من قِبَل نفسك؟ ونحن نقول: أيهما أحق بالتنزيه؟ الاستواء الذي نص الله عليه في كتابه، وأنزل به ملكًا من فوق سبع سماوات قرآنًا يُتلى بكل حرف منه عشر حسنات، وهو قرآن يتلى، أهذا أحق بأن ينزه أم
[ ٤ / ١٧ ]
الاستيلاء الذي جاء به قوم غير مستند لآية من كتاب الله، ولا حديث من سنة رسول الله، ولا لغة صحيحة معروفة من لغة العرب؟! الجواب: الاستواء أحق بالتنزيه؛ لأنه كلام رب العالمين، وصفات رب العالمين أحق بالتنزيه كما بيناه في الأساس الأول في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] فعلينا -أيها الإخوان- أن لا نمشي مع مَنْ تَكَلَّمَ فِي آيَاتِ الصفات بما لا يليق بالله، وحَمَلَها على محامل غير طيبة وغير لائقة ثم نفاها على ذلك الأساس، كل هذا لا ينبغي لنا، والذي ينبغي لنا أن نجزم ونعتقد أن الوصف الذي مَدَحَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ أنه بالغ من غايات الكَمَال والجلال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فهو في غاية التنزيه وغاية القداسة والكمال والجلال والتباعد عن شبه صفات الخلق، وعلى هذا الأساس الكريم نؤمن بتلك الصفة على أساس قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ هذا هو الذي ينبغي لنا، ومَنْ مَاتَ مِنَّا عَلَيْهِ مات على طريق واضحة لا لبس فيها ولا إشكال. مات غير مشبِّه ربه بأحد، ولا بقلبه قذر من أنجاس التشبيه، ولا في قلبه تعطيل، ولا جحود بشيء من الصفات، ولا بليّة من البلايا.
فنحن في هذه السور الماضية في تفسير آي هذا القرآن -المرة الأولى والثانية التي نحن فيها- بالغنا في بيان هذا جدًّا، ومرارًا نذكر مذاهب المتكلمين في الصفات، وما يسمون به كل صفة منها، وتقاسيمهم لها، ونبين أنها جميعها جاءت في كتاب الله موصوفًا بها الخلق من جهة، وموصوفًا بها الخالق من جهة، وأن صفة الخالق حق، وهي لائقة بالخالق، وصفة المخلوق حق، وهي لائقة
[ ٤ / ١٨ ]
بالمخلوق، وبين صفة الخالق والمخلوق من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، كررنا هذا مرارًا (^١).
وسأضرب لكم منه بعض الأمثال الآن للتذكار والفائدة: لا يخفى عليكم أَنَّ مِنْ تَقَاسِيمِ المتكلمين للصفات -في العلم المعروف بِعِلْمِ الكلام - أنهم يقسمون الصفات إلى صفة معنى، وما يسمونه: صفة معنوية، وما يسمونه: صفة سلب، وما يسمونه: صفة جامعة، وما يسمونه: صفة فعل، كما هو معروف عندهم.
فمن صفات المعاني عندهم، وهي الصفات في اصطلاحهم الدالة على معانٍ وجودِيَّة قائمة بالذات زائدة على الذات، وهؤلاء الذين يؤولون الصفات ينكرون جميع المعاني الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله إلا سبعًا منها، وهي: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وينفون غيرها من المعاني الثابتة. وهذا غلط لا شك فيه؛ لأن جميع الصفات من باب واحد، فنحن أولًا نقول في صفات المعاني: إن الله وصف نفسه بالقدرة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: آية ١٤٨]، ووصف بعض خلقه بالقدرة فقال: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: آية ٣٤] ونحن نعلم أن الله في كتابه صادق في وصف نفسه بالقدرة، وصادق في وصف بعض خلقه بالقدرة، وأن لله قدرة حقيقيَّةً لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضًا قدرة مناسبة لحالِهِ وعَجْزِهِ وافْتِقَارِهِ والفناء، وبين القدرة والقدرة من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات، فنثبت قدرة الخالق لائقة بالخالق، منزهة عن مشابهة قدرة المخلوق، ونثبت قدرة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٧) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٩ ]
المخلوق منحطّة لائقة بالمخلوق، منحطّة عن مشابهة قدرة الخالق.
ووصف (جل وعلا) نفسه بالسمع والبصر فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: آية ١] ووصف بعض خلقه بذلك فقال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: آية ٢٨] ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: آية ٢] ونحن -أيها الإخوان- لا نشك في أن الله صادق في كتابه أن الله سميع بصير، وأن بعض خلقه سميع بصير، إلا أنا نعلم أن سمع الله وبصره لائقان بكماله وجلاله، منزهان عن مشابهة سمع المخلوق وبصره، وأن سمع المخلوق وبصره ثابتان له حقًّا ثبوتًا لائقًا به، متقهقرًا منحطًّا عن مشابهة صفة الخالق جل وعلا.
وقد وصف الله نفسه بالحياة فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: آية ٢٥٥] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: آية ٥٨] ووصف بعض خلقه بالحياة فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: آية ٣٠] ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: آية ١٩] ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: آية ١٥] ونحن لا نشك أن الله صادق في وصفه نفسه بالحياة، وصادق في وصفه خلقه بكتابه بالحياة، ونعتقد أن لله حياة حقيقيَّة لائقة بكماله وجلاله، منزهة عن مشابهة صفات المخلوقين، كما أن للمخلوقين حياة حقيقية لائقة بحالهم، متقهقرة منحطّة عن مشابهة صفة خالق السماوات والأرض (جل وعلا) كانحطاط ذواتهم عن ذاته (جل وعلا).
وقد وصف (جل وعلا) نفسه بالعلم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
[ ٤ / ٢٠ ]
عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: آية ٧٥] ووصف بعض خلقه بالعلم فقال: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: آية ٥٣] ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: آية ٦٨] فنحن لا نشك أن الله صادق في وصفه -في كتابه- نفسه بالعلم، وصادق في وصفه بعض خلقه بالعلم، إلا أن صفة الله لائقة بالله، وصفة المخلوق مناسبة للمخلوق، وبينهما من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق كما لا يخفى.
وقد وصف (جل وعلا) نفسه بالكلام قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: آية ١٦٤] ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: آية ١٤٤] ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٦] ووصف بعض خلقه بالكلام فقال: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: آية ٥٤] ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: آية ٦٥] إلى غير ذلك، ونحن نجزم بأن لله كلامًا حقًّا لائقًا بكماله وجلاله، وللمخلوق كلام أيضًا مناسب لحاله، وبين هذا وهذا كما بين ذات الخالق وذات المخلوق كما لا يخفى. إلى غير هذا من صفات المعاني.
وكذلك ما يسمونه: (صفات السلوب) والسلبية عندهم هي ما يسمونه: القِدم، والبقاء، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق الذي يعبرون عنه بالقيام بالنفس، والوحدانية. هذه هي صفات السلوب المعروفة عندهم. وقد جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها على نحو ما ذكرنا، فما يسمونه: القِدم والبقاء ويزعمون أن الله وصف بهما نفسه في قوله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: آية ٣] قد جاء وصف الله نفسه بهما، وهو أعني الأولية والآخرية حيث قال: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ووصف المخلوقين بالأولية
[ ٤ / ٢١ ]
والآخرية قال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ (١٧)﴾ [المرسلات: الآيتان ١٦، ١٧] ووصف الخلائق بالبقاء فقال: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: آية ٩٦] فوصف ما عند الله من بعض مخلوقاته بأنه باق وقال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: آية ٧٧] ووصف بعض المخلوقين بالقِدَم في قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: آية ٩٥] ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: آية ٣٩].
واعلموا أن جماعة من السلف أنكروا وصف الله بالقِدَم وقالوا: إنه من مبتدعات المتكلمين، ولا يجوز وصف الله بالقِدَم؛ لأن القِدَم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو تقادم زمن الشيء قديمًا مع كونه مسبوقًا بعدم. وبعض العلماء خالف في هذا وقال: عُرف في الشرع إطلاق القِدم على ما يُطْلِقُهُ عليه المتكلمون؛ لأن القِدَم في اصطلاح المتكلمين هو عبارة عن كل ما لا أَوَّلَ له بشرط أن يكون وجوديًّا، فالقِدَم عند المتكلمين أخَفُّ ممَّا يسمونه (الأزل)؛ لأن الأزل في اصطلاحهم هو كل شيء لا أَوَّلَ له، سواء كان وجوديًّا كذات الله -جل وعلا- متصفة بصفات الكمال والجلال؛ لأن وجود ذاته الكريمة متصفة بصفاتها الكريمة لا أول له، فهي عندهم يُقال له: (أَزَلِيٌّ) ويُقال له: (قديم) في اصطلاحهم، أما المعدوم فلا يُقَالُ له قَدِيمٌ عِنْدَهُم، وإنما يُقال له: أَزَلِيٌّ، فَكُلُّ مَا لَا أَوَّلَ لَهُ من الأعدام فهو أَزَلِيٌّ عندهم، ولا يُسمى قديمًا كأعدام ما سوى الله، فنحن هؤلاء الموجودون هنا قبل أن نولد كنا معدومين، وَعَدَمُنَا السَّابِقُ لا أوَّلَ لَهُ، فأعدامنا أزَلِيَّةٌ؛ لأنها لا أول لها، ولا نقول: إنها قديمة.
[ ٤ / ٢٢ ]
والأظهر أنه جاء ببعض الأحاديث عن النبي ﷺ ما يدل على أن إطلاق المتكلمين للقِدَم على ما لا أول له من الموجود أن له أصلًا، وأنه لا ينبغي أن يُنكر، وقد جاء في سنن أبي داود في دخول المسجد: «أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (^١)
فأطلق اسم القِدَم على سلطان الله، ومعلوم أنه لا يريد بقِدم سلطان الله شيئًا سبقه عدم، فَقَدْ أَخْرَجَ الحاكم في المستدرك في بعض الطرق التي يزعم أنها صحيحة أن القديم من أسمائه (جل وعلا) (^٢) والله (جل وعلا) أعلم (^٣).
والحاصل أن جميع أنواع أقسام الصفات التي يذكرها
_________________
(١) أبو داود في الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد، حديث رقم (٤٦٢)، (٢/ ١٣٢)، والبيهقي في الدعوات الكبير، حديث رقم (٦٨). قال الحافظ في نتائج الأفكار (١/ ٢٨١): «حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم رجال الصحيح إلا إسماعيل وعقبة» اهـ. وقال النووي في الأذكار ص٤٦: «حديث حسن، رواه أبو دواد بإسناد جيد» اهـ. وانظر: صحيح أبي داود ص٤٤١، صحيح الجامع (٤٥٩١).
(٢) وذلك في الزيادة على حديث الصحيحين: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا» وهي الزيادة المعروفة التي فيها ذكر الأسماء، وهي زيادة لا تصح، وقد أخرجها الحاكم من طريقين، وجاء اسم (القديم) في إحدى روايتي الحديث عنده. وعقَّب هذه الرواية بقوله: «وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه، وإنما جعلته شاهدًا للحديث الأول» اهـ. (المستدرك ١/ ١٧). وسيأتي تخريجه عند نفسير الآية (١٨٠) من سورة الأعراف.
(٣) انظر: الفتاوى (١/ ٢٤٥)، لوامع الأنوار (١/ ٣٨)، (تعليق البابطين ﵀)، شرح الطحاوية ص٥٧ - ٥٨، كتاب مناهل العرفان دراسة وتقويم ص٢١٢، ٧٢٥.
[ ٤ / ٢٣ ]
المتكلمون جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وكل منهما حق، وهذا لائق بموصوفه، وهذا لائق بموصوفه، وبينهما من الفرق كما بينّا.
ومن أكبر ذلك: الصفات التي يسمونها: (الصفات الجامعة) التي تدل على العظمة واستلزامها لجميع الصفات، كالكِبَر، والعِظَم، والعلو، والملك، وما جرى مجرى ذلك، فقد وصف (جل وعلا) نفسه بأنه عَلِيٌّ عظيم قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: آية ٢٥٥] ووصف بعض خلقه بالعلو فقال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: آية ٥٧] ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: آية ٥٥] ووصف بعض خلقه بالعِظَم فقال: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: آية ٦٣] ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: آية ٤٠].
وصف نفسه بالمُلك فقال: ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ [الجمعة: آية ١] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: آية ٢٣] وقد وصف [بعض خلقه] (^١) بالملك ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: آية ٥٤] ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾ [آل عمران: آية ٢٦] إلى غير ذلك من الآيات.
ووصف (جل وعلا) نفسه بالكِبَر فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: آية ٣٤] ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: آية ١٠] ووصف بعض خلقه بالكِبَر فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: آية ٧] ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٣١] ونحو ذلك من الآيات.
_________________
(١) في الأصل: «نفسه». وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٢٤ ]
وكذلك الصفات التي هي من صفات المعاني على التحقيق، والمؤولون من الكلاميين يزعمون أنها من صفات الأفعال، وهي صفات معنى لا شك فيها، كالرأفة، والرحمة، وما جرى مجرى ذلك. فإن الله وصف بها نفسه قال: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: آية ٤٧] ووصف بها بعض خلقه فقال في صفة نبينا (صلوات الله وسلامه عليه): ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: آية ١٢٨].
وصف نفسه بالحلم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: آية ٥٩] ووصف بعض خلقه بالحلم ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: آية ١٠١] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: آية ١١٤] ونحو ذلك من الآيات.
وكذلك صفات الأفعال وصف نفسه بها ووصف خلقه بها، وصف نفسه بأنه المعلّم قال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن: الآيتان ١، ٢] ووصف مخلوقه بأنه يعلّم، وجمع الوصفين في قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: آية ٤].
ووصف نفسه بأنه المُنبئ قال: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: آية ٣].
ولو تَتَبَّعْنَا هَذَا لأَطَلْنَا فيه الكلام، فحَاصِل هذا أن جميع الصفات التي يذكرها علم الكلام جاء بالقرآن العظيم وصف الخالق بها ووصف المخلوق، فيجب علينا أن نتمشى مع القرآن، ونسلك طريق الحق الواضح الذي لا تبعة فيه، ولا غرر فيه، ولا سخط من
[ ٤ / ٢٥ ]
رب السماوات والأرض يستوجبه، فنضع كل شيء في موضعه، فنثبت للخالق صفته على وجه الكمال والجلال وغاية التنزيه عن مشابهة الخلق، ونثبت للمخلوق صفته على الوجه الملائم للمخلوق، المناسب للمخلوق، المتواضع المنحط المتسافل عن صفة الخالق (جل وعلا)، ونعلم أن كلًا حقٌّ في موضعه، وأنه لا مناسبة بين صفة الخالق والمخلوق حتى نشبهها بها، أما الذهاب بصفة الخالق إلى صفة المخلوق فهذا غلط لم يقله أحد من السلف الصالح، وهو غلط حدث من مقالات الكلام؛ لأنه لما دخل علم الكلام وصارت الناس تُحكم العقول، ولو كان كذا لكان كذا، وتُجري العقائد على الأقيسة المنطقية جاءت البلايا؛ لأن كلًا يظن صحة الربط بين هذا اللازم والملزوم فينتج منهما قضية، ويكون الربط بينهما منفكًّا فيأتي الآخر ويبين انفكاك الربط بينهما، وصارت مقالات وطوائف كل منهما تكذّب الأخرى، وتُقيم الدليل والبرهان العقلي في زعمها على أن الحق معها والغلط مع غيرها.
ونحن نقول: إن الفصل في كل شيء هو هذا المحكم المنزل، والنور الذي أنزله رب العالمين على لسان سيد الخلق ﷺ، فهو الذي يوضح الحقائق، ويكشف ظلمات الجهل، ويبين الحقيقة ناصعة واضحة على وجهها الأكمل، وقد بين لنا الطريق المثلى، والمعتقد الصَّواب الذي لا شك فيه، وهو أنّا نُنَزِّه ربنا عن مشابهة صفات الخلق، ونؤمن بما وصف به نفسه، ونُصَدِّقه على أساس ذلك التَّنْزِيهِ، ونَقِف عند حَدِّنا، ونعرف قَدْرَنَا وقَدْرَ عقولنا ولا نَتَجَاوز حَدَّنَا. هذه طريق القرآن، وهي طريق مأمونة لا غائلة وراءها ولا عاقبة سيئة، وعلى هذا فقوله جل وعلا: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ
[ ٤ / ٢٦ ]
إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: آية ٩٩] نقول: هذه صفة مَدَحَ اللهُ بها نَفْسَهُ، وهذا الذي أثْنَى بِهِ على نفسه فهو لا شك أنه في غاية اللياقة والكَمَالِ والجَلالِ، والسلامة من النقص والمباعدة عن مشابهة مكر المخلوقين وصفاتهم، فنثبته ونصدق الله بما وصف به نفسه منزهين ربنا غاية التنزيه، معترفين بالقصور والوقوف عند حدنا كما بين في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: آية ١١٠] وقد بينا أن بعض مكر المخلوقين -ولله المثل الأعلى- قد يكون في غاية الاستحسان عند الناس، كما بَيَّنَّا أنه لو كان الرجل في غاية الشر وعِظَم الأذِيَّة على العامة، يقتلُ هذا، ويسبي هذا، ويأخذ مال هذا، ويظلم هذا، والناس عاجزون عنه، حتى جاءه رجل عظيم معروف بالفضل والمروءة والخير واحتال عليه بطرق خفية حتى قدر على قتله وأراح المسلمين منه، فكل الناس يقولون: إن كيدك هذا لفي غاية الكمال، وفي غاية الحسن، وفي غاية اللياقة والقبول عند عقول المخلوقين. هذا في كيد مخلوق، فما ظنك -ولله المثل الأعلى- بخالق السماوات والأرض جل وعلا.
يقول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأعراف: آية ١٠٠].
قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ﴾ قال جمهور علماء التفسير: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ﴾ معناه: أولم يُبيِّن للذين؟ فـ (هدى) تستعمل في معنى (بيّن) ومنها هذه كما رُوي عن غير واحد
[ ٤ / ٢٧ ]
من علماء التفسير من الصحابة فَمَنْ بَعْدَهُمْ، فمن إطلاق (هَدَى) بمعنى (بيّن): قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: آية ١٧] أي: بيّنا لهم على لسان نبينا صالح، فهو هداية بيان لا هداية توفيق، بدليل قوله بعده: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ الآية. ومن إطلاق (هدى) بمعنى البيان والإرشاد: قوله تعالى في الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: آية ٣] أي: بينّا له السبيل، وليست هداية توفيق، بدليل قوله بعده: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٠] أَوَ لَم يُبَيِّن للذين ﴿يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ اعلموا أولًا أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي تشكل على كثير من المنتسبين للعلم، ويتبيَّن معناها ببيان إعرابها وإيضاح موضع الفاعل والمفعول منها، وفي ذلك ثلاثة أوجه معروفة لا يُكذب بعضها بعضًا (^١):
الأول: أن الفاعل لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ﴾ ضمير عائد إلى الله ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ هو؛ أي: الله؛ أي: يبين هو، أي: الله ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ وعلى هذا فالمفعول في محل المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في قوله: ﴿أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ والمعنى: ألم يبين لهم الله أنه لو شاء إِصَابَتَهُم بذنوبهم لأصابهم بها، وكون الفاعل هنا ضميرًا يعود إلى الله تدل عليه قراءة بعض السلف: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ﴾ بالنون (^٢)، فهي وإن كانت غير سبعية إلا أنها قرأ بها بعض السلف، وهي تفيد في التفسير. وعلى هذا المعنى أن الله بين لهؤلاء الأمم الذين أوْرَثَهُمُ الله في الأرض
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٩٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٤٩، ٣٥٠)، الدر المصون (٥/ ٣٩٣).
[ ٤ / ٢٨ ]
بعد أن أهلك أهلها، بيّن لهم بإهلاك الظالمين المكذبين للرسل واستخلافهم بعدهم، بيّن لهم بهذا إصابته لهم بذنوبهم لو شاء أن يصيبهم بها كما أصاب مَنْ قَبْلَهم، وهذا وجه لا إشكال فيه.
الوجه الثاني: أن الفاعل في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ﴾ ضمير عائد على ما كان يُذكر من قصص الأمم الماضية، والمعنى: ألم يبين قصص الأمم الماضية من إهلاك الله لها لما كذبت رسلها ألم يبين ذلك للذين يرثون الأرض أن الله قادر على إهلاكهم بذنوبهم كما أهلك من كان قبلهم لما كفروا وكذبوا رسله؟ وعلى هذين الوجهين فالمصدر المنسبك من (أن) المخففة من الثقيلة وصلتها في محل نصب على المفعول به.
الوجه الثالث: أن مفعول (يهد) محذوف، وفاعلها هو المصدر المنسبك من (أن) وصلتها، والمعنى: أولم يبين للذين يرثون الأرض إصابتُنا الأمم الماضية وإهلاكنا إياهم ألم يبين لهم ذلك أنَّا لو شئنا لأهلكناهم؟ أولم يبين لهم ذلك وخامة عاقبة أمر من عصى الله؟
وهذا هو حاصل معنى كلام العلماء في هذه الآية، يدور على أن الله (جل وعلا) أهلك الأمم الماضية التي كذبت الرسل كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وبيّن أن ذلك يدل على أن من أهلكهم بذنوبهم لو شاء لأهلك من جاء بعدهم بذنوبهم كما أهلك الأولين، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)﴾ [المرسلات: الآيات ١٦ - ١٨] وهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ [الأعراف:
[ ٤ / ٢٩ ]
آية ١٠٠] معنى: ﴿يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ يخلفون أهلها الذين هلكوا ويسكنون أرضهم بعدهم؛ لأن هؤلاء الجيل يبيدهم الله فيموتوا فيسكن مواطنهم قوم آخرون، فذلك معنى إيراثهم الأرض بعدهم. فالإرث هنا معناه: انتقال شيء كان عند أحد إلى أحد آخر، ولو لم يكن على سبيل الإرث المعروف؛ لأن العرب تطلق في لغتها الإرث على مجرد الانتقال من ميت إلى حي كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٠٠] أي: الذين كانوا يسكنونها ودمرهم الله.
﴿أَن لَّوْ نَشَاء﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن كما هو معروف في محله، وخبرها جملة: ﴿أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أنه أي: الأمر والشأن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم.
اعلموا أن المقرر في علوم العربية أن فعل المشيئة إن اقترن بأداة الشرط فإن مفعوله يُحذف لدلالة جزاء الشرط عليه، وتقدير المفعول المحذوف هنا: أن لو نشاء إصابتهم بذنوبهم أصبناهم بذنوبهم. فحذف المفعول لدلالة جزاء الشرط عليه، وربما أُظهر نادرًا كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ﴾ [الأنبياء: آية ١٧] الأغلب أن يُقال: لو أردنا لاتخذنا لهوًا، ولكنه هنا ذكر مفعول الإرادة مع جزاء الشرط، وذلك يوجد في كلام العرب في بعض الحِكم، ومنه قول الشاعر (^١):
_________________
(١) البيت لأبي يعقوب الخزيمي، مضى عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٠ ]
وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ عَلَيْكَ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ
هذا معنى قوله: ﴿أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: آية ١٠٠].
قرأ هذا الحرف جماهير القراء غير نافع، وابن كثير، وأبي عمرو: ﴿أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ بتحقيق الهمزتين. وقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: ﴿أن لو نشاءُ وَصَبْنَاهُم﴾ بإبدال الهمزة الثانية واوًا (^١)، وهما قراءتان سَبْعِيَّتَانِ صَحِيحَتَانِ ولُغَتَانِ معْرُوفَتَانِ فصيحتان. وصيغة الجمع في قوله: ﴿نَشَاء﴾ وفي قوله: ﴿أَصَبْنَاهُم﴾ كِلتاهما للتعظيم. وقوله: ﴿أَصَبْنَاهُم﴾ أي: بالعذاب، أصبناهم بالعذاب والإهلاك بسبب ذنوبهم، والذنوب: جمع ذنب، والذنب معروف. أهلكناهم بسبب ذنوبهم ككفرهم ومعاصيهم، وهذا معنى قوله: ﴿أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾.
وأقرب الأقوال وأصحها في قوله: ﴿وَنَطْبَعُ﴾ أنها جملة مستأنفة على التحقيق، أي: ونحن نطبع على قلوبهم، والطبع هنا على القلب معناه الختم عليه والاستيثاق منه حتى لا يصل إليه خير ولا يخرج منه شر، فمعنى (طَبْعُ الله على القلوب) أنه -والعياذ بالله- يختم على قلب المجرم ويطبع عليه بحيث لا يخرج منه شر ولا يدخل إليه خير، كالقارورة إذا ختمتها وطبعت عليها لا يخرج شيء مما فيها، ولا يصل إليها شيء آخر.
وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تُصَحِّحُ عَقِيدَةً مِنْ عَقَائِدِ السَّلَفِ المشهورة التي وقع فيها القيل والقال والخلط الكثير، وذلك
_________________
(١) انظر: إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٥٥).
[ ٤ / ٣١ ]
لا يخفاكم -أيها الإخوان- أن هذه المسألة التي هي مسألة (الجبر والاختيار والكسب) أنها هي أصعب مسألة في دين الإسلام، وأعقد تخلصًا على العوام؛ لأن الناس انقسمت فيها إلى ثلاث طوائف: طائفة ضلّت في الإفراط، وطائفة ضلت في التفريط، وطائفة خرج من هضمها حقًّا صافيًا كاللبن يخرج من بين فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهو أفعال العبد؛ لأن أفعال العبد، وقدرة العبد، وإرادته، هي أصعب شبهة وقعت في دين الإسلام وأعسرها تخلصًا، ونحن في بعض المرات نهاب أن نثيرها لئلا يقع منها شيء في قلوب بعض الناس الذين لا يعرفون، فيعسر عليهم التخلص منه، وتارة نستعين بالله ونذكرها ونبينها ليرزق الله الهدى في ذلك وتستنير قلوب من وفقه الله.
اعلموا أولًا أن من يَتَسَمَّون باسم المسلمين، مِنْ طَوَائِفِهِم التي هي على الحَقِّ والبَاطِلِ انقسمت في كسب العبد إلى ثلاثة أقسام: فطائفة قالت: إن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها -والعياذ بالله- كالمعتزلة. وهذا المذهب ينصره محمود الزمخشري في تفسيره دائمًا، يزعم أن الله لا يريد الشر ولا يخلق الشر، وأن الله أنْزَه مِنْ أَنْ يُرِيد الشر، وأن الشر بمشيئة العبد وإرادته وقدرته من غير تأثير لقدرة الله فيه. وهذا -والعياذ بالله- مذهب باطل باطل، صاحبه يريد أن يسلب الله قدرته -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا- وهذه الطائفة ضلت في التفريط؛ لأنهم فرطوا في قدرة الله حتى زعموا أنه تقع في ملكه أفعال العبيد من غير قدرته ولا مشيئته!! وهذا تفريط في صفات الخالق (جل وعلا)، فإنه (جل وعلا) لا يمكن أن يقع في خلقه تحريكة ولا تسكينة ولا طرفة عين
[ ٤ / ٣٢ ]
إلا بمشيئته وإرادته (جل وعلا) وله الحكمة البالغة في كل ما يشاء. وهذا المذهب الذي يقول: إن العبد يخلُق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها هو الذي ردّت عليه هذه الآية الكريمة الرد الواضح كما ترون؛ لأن الله إذا بيّن أنه هو الذي طبع على قلبه فمنعه من سماع الحق لحكمة كيف يقول الإنسان إن ذلك الشر لم يقع بمشيئته (جل وعلا) فهذه الآية وأمثالها تردّ ردًّا صريحًا على مذهب المعتزلة أقوى رد وأعظمه، فهم ينتحلون شُبهًا وتأويلات كل عاقل يعرف أنها باطلة.
المذهب الثاني: هو مذهب الجبرية، وهؤلاء ضلّوا بالإفراط حيث زعموا أن العبد لا تأثير له ولا فعل له، وأن هذا كله فعل الله، وأن الله لا يعذب العبد بذنب؛ لأن الله هو الذي شاءه وقدّره عليه، وهذا من أخطر الباطل كما ترون.
المذهب الثالث الذي هو الحق: مذهب المسلمين وسلف هذه الأمة وجماعتها: أن العبد خَلَقَ الله له قدرة وإرادة، وله مشيئة وفعل يختار ويفعل ويقدر، إلا أن قدرة الله وإرادته تصرفان قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به العلم الأزلي فيأتيه طائعًا مختارًا.
وهنا سنّة سنتكلم عليها لعل الله ينفع بها، فلنضرب مثلًا: مناظرة للجبريّ ومناظرة للقدري:
أما مناظرة الجبري فانقطاعه فيها قريب، وهي واضحة؛ لأن الجبري لو قال: أنا لا فعل لي، وهذا فعل الله، وأنا لا أوخذ بشيء من ذلك؛ لأن الله فعل هذا ولا ذنب لي. فإنك لو فقأت عينه، أو ضربته ضربًا مؤلمًا، أو قتلت ولده لا يجعل لك القدر حجة،
[ ٤ / ٣٣ ]
ولا يقول: هذا فعل الله وأنت بريء، لا وكلا، بل يسارع كل المسارعة في ضربك وقذفك والانتقام منك مصرحًا بأن هذا فعلك!! وانقطاعه قريب.
وأما المشكلة القوية فهي مشكلة المعتزلة الذين يزعمون أن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها. وسنبين لكم إن شاء الله الجواب عنها موضحًا من كتاب الله:
اعلموا أولًا أنّا لو فرضنا رجلًا يعتنق هذا المذهب ورجلًا من أهل السنة يتناظران، فقال معتنق هذا المذهب: إن كانت ذنوبي التي أؤاخذ عليها بمشيئة الله، ولست مستقلًا بمشيئتي، فمن أي وجه هو يشاء الذنب فيعذبني أنا عليه؟ وأنا غير مستقل المشيئة، إذ لو كنت مستقل المشيئة لما فعلت إلا ما يرضيه، وقد كتب على البعيد قبل وجوده أنه يرتكب هذا الكفر وهذا الذنب، ولا بد أن يرتكبه؛ لأن علم الله لا يتغير، وما سبق في علمه الأزلي لا بد أن يقع؛ لأن علمه لا يستحيل جهلًا. فيقول: إذا كان الله قدّر عليه - عياذًا بالله - أنه يكفره ويعصيه، ولا قدرة له على التخلص من قدر الله، فبأي ذنب يُؤخذ؟ وأي استقلال له في فعله حتى يؤخذ عليه؟! هذه حجته وأقصى شبهته.
فيقول له السُّنّي: جميع الأسباب التي أعطى الله للمهتدين الذين اهتدوا بسببها أعطاكها جميعها، إلا شيئًا واحدًا هو الذي حصل به الفرق، لا حجة لك فيه ألبتة على ربك، فإن هؤلاء الذين اهتدوا، وأطاعوا الله، ودخلوا الجنة، جميع أسباب الهدى التي اهتدوا بها كما أعطاهم الله أعطاك، فالعيون التي أصابوا بها آيات الله، واستدلوا بها على قدرته وعظمته، وأنه الرب المعبود وحده أعطاك عينين مثلها،
[ ٤ / ٣٤ ]
وكذلك القلوب التي عقلت عن الله، وأدركت وحي الله، وصارت سببًا للإيمان أعطاك مثلها، فجميع أنواع الأسباب التي أعطاها الله للمهتدين أعطاك مثلها. بقي هنالك شيء واحد هو الذي حصل به التفاوت لم يعطكه وهو تفضله بالتوفيق، فقد تفضّل على هؤلاء بالتوفيق، ولم يتفضل عليك بالتوفيق، فمن هنا حيث إنه تفضّل على هؤلاء ولم يتفضل عليك من هنا حصل الفرق بينكما، وتفضله ليس واجبًا لك عليه حتى تحتج به عليه. ويوضحه بعض المناظرات، فإن المناظرة المشهورة التي دارت بين أبي إسحاق الإسفراييني وعبد الجبار من كبار المعتزلة توضح هذا المعنى، وقد بينّاها في هذه الدروس مرارًا (^١)، وذلك أن المعتزلي الكبير المشهور عبد الجبار جاء يتقرب بهذا المذهب الباطل، وناظره أبو إسحاق الإسفراييي وقطعه في جمع بهذه الحجة التي أصلها القرآن كما سنبينه، فجاء عبد الجبار وقال: سبحان من تنزّه عن الفحشاء! يعني أنه تَنَزَّهَ عن أن تكون السرقة والزنا بمشيئته، فيزعم أن الله أنْزَهُ وأجَلّ وأعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُون السرقة والزنا والضلالة بمشيئته؟ وقال في هذا: سبحان من تنزّه عن الفحشاء.
[١٥/ب] فقال أبو إسحاق: كلمة حق أُريد بها باطل، ثم قال:/ سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟
فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٥ ]
فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى عليَّ بالردى، دعاني وسدّ الباب دوني، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟!
فقال أبو إسحاق: أرى أن هذا الذي منعك إن كان حقًّا واجبًا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبُهت عبد الجبار!! وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب (^١).
وهذا الجواب الذي أجاب به أبو إسحاق هو مضمون قوله: ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: آية ١٤٩] حجته البالغة على خلقه هي تفضله بالهدى، فمن شاء أن يتفضل عليه بالهدى فهو فضل منه، ومن لم يتفضل عليه فما ظلمه، وقد أنصفه من جميع النواحي، ومن أعطي فضله ففضل، ومن مُنِعَهُ فعدل كما ذكرنا.
ومما يوضح هذا ما يذكرون عن عمرو بن عبيد (^٢) - وهو من كبار المعتزلة المشهورين المعروفين بالعبادة والنسك - أنه جاءه بدوي وقال له: يا شيخ ادعُ الله أن يردَّ عليّ دابتي، سرقوها. فقام عمرو بن عبيد يتقرب بهذا المذهب الباطل، وقال: اللهم إنها سُرقت ولم تُرد سرقتها؛ لأنك أكرم وأنزه وأجلّ من أن تريد هذه القذرة القبيحة. فالبدوي أعرابي جاهل، قال له: ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دُعائك الخبيث، إن كانت سُرقت ولم يُرد سرقتها، فقد يُريد ردّها ولا تُرد، فربٌّ يقع في ملكه ما لا يشاء لا ثقة لي به. فألقمه حجرًا!!
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٣٦ ]
والتحقيق في هذا المعنى أن الله خلق للعباد قُدرًا وإرادات يقدرون بها ويريدون، والله (جل وعلا) أقام عليهم الحجة من جميع الوجوه، فتفضّل على بعضهم بالتوفيق، ولم يتفضّل على بعضهم، وتفضُّله فضل منه، وعدم تفضّله بملكه المحض عدل منه، فهو (جل وعلا) يصدُر منه إما فضل وإما عدل، وليس هنالك ظلم لأحد. أما المخلوقون فلا شك أن لهم قُدرًا وإرادات، وعامَّة العقلاء يطبقون على أن هنالك فرقًا بين حركة اليد الاختيارية والحركة الارتعاشية كحركة [المحموم] (^١) كما لا يخفى على أحد، وأن الله خلق للعبد قدرة وإرادة، وأقدره بتلك القدرة والإرادة على فعل ما يشاء مما هو في مقدوره، إلا أن قدرة الله وإرادته تصرف قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به العلم الأزلي، فيأتيه العبد طائعًا في غاية الطوع، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: آية ٣٠] فصرح بأن للمخلوقين مشيئة، وأنهم لا يشاءون إلا ما شاءه الله، والله (جل وعلا) قد عَلِمَ في أزَلِهِ ما تَسْتَحِقّه عبيده، فمنهم من هو أهْلٌ لِلْخَيْرِ وفَّقَهُ للخير، ومنهم من هو أهل للشر وفّقه للشر، كما قال ﷺ لما سأله أصحابه عن هذه الشبهة، قال: «كل ميسر لما خُلق له» (^٢). والمعنى: أن الله خلقهم وأمرهم وسيوفق كُلًا منهم إلى ما سبق له به العلم الأزلي في الكتاب.
وهذا كلام موجز عن قضية الكسب، فعلينا أن نَعْلَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ لنا قُدرًا وإرادات نؤاخذ بها، وأنّا نأتي الأفعال طائعين، ولنا قدرة
_________________
(١) في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٧ ]
مخلوقة وإرادة مخلوقة كلتاهما خلقها الله بقدرته وإرادته، فربنا يصرف إراداتنا ومشيئاتنا وقُدرنا إلى ما سبق به علمه الأزلي فنأتيه طائعين. نرجو الله (جل وعلا) أن يوفقنا إلى ما يرضيه منّا، ولا يصرف قلوبنا إلا لما يرضيه. وهذا معنى قوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٠].
اعلموا أن السمع في القرآن وفي اللغة يُطلق إطلاقين: يُطلق السمع على ما سمعه الإنسان وسَمِعَتْهُ أُذُنُه فوَعَاهُ قَلْبُهُ. ويُطلق السمع على القبول والاستجابة، ومن إطلاق السمع على القبول والاستجابة: قوله في الصلاة: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أي: لمن أطاعه فاستجاب له. فالعرب تقول: سمعًا وطاعة. أي: إجابة وقبولًا، ومنه هذه الآية. فقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ السمع المنفي هنا هو سمع الطاعة والقبول. أي: إن الله إذا طبع على القلوب فالأسماع تسمع ولكن ذلك السمع لا ينشأ منه طاعة ولا قبول، والله (جل وعلا) بين أنه إذا وقع على القلوب مثل هذا الطبع وما جرى مجراه أنهم لا يستطيعون أن يسمعُوا. ونفي الاستطاعة ذكره في آيات كقوله: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [هود: آية ٢٠] فنفى عنهم استطاعة السمع.
وكقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: آية ١٠١] وقال (جل وعلا) في الفرقان: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: آية ٩] وهذه الاستطاعة نفيها إنما هو بحسب مشيئة الله من معاقبة الإنسان على ذنب، لأن هذه الآيات فيها سؤال معروف مشهور لطالب العلم أن يسأل عنه ويُجاب عنه، وهو أن يقول طالب العلم: إن الله في غاية الإنصاف والعدالة، فهو (جل وعلا) منصف عدل في
[ ٤ / ٣٨ ]
غاية الإنصاف والعدالة؛ وفي هذه الآيات بيَّن أنه طبع على قلب هذا الإنسان، قال في بعض الآيات: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ [البقرة: آية ٧] ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: آية ١٠٠] ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف: آية ٥٧] ومن جُعل على قلبه الطبع والختم، وجُعل في عينه الغشاوة، وفي أذنه الوقر، فهذا في حكم العاجز، فعلى هذا يكون في هذه الآيات شبهة للجبرية، فنحن نقول: إن القرآن العظيم بيّن أن هذا الطبع وهذا الختم والإزاغة النهائية عن الحق لا يأتي الإنسان إلا بسبب ذنب من ذنوبه، فهو جزاء وفاق على بعض الذنوب، وذلك ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ كثيرة أن الله (جل وعلا) يُسَبِّبُ للإنسان الضَّلالة بِسَبَبِ ارتكاب الذنوب كما يسبب له الهدى بسبب الطاعات، فالعبد إذا سارع إلى الكفر، وتكذيب الرسل، وإلى ما يُسخط الله عاقبه الله بأن زاده ضلالًا فوق ضلاله، وظلامًا على ظلامه، وجاءه هذا الطبع بسبب كفره وبغيه وتمرده على الله.
وقد بيّن (جل وعلا) هذا في آيات كثيرة كقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: آية ١٥٥] (الباء) في قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ سببية، فبيّن أن هذا الطبع بسبب كفرهم الذي سارعوا إليه، وكقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: آية ٣] وكقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: آية ٥] ما أزاغها بالطبع والختم حتى بادروا إلى الذنوب والكفر فعاقبهم الله وجزاهم جزاء وفاقًا، وكقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: آية ١٠] وكقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾
[ ٤ / ٣٩ ]
[التوبة: الآيتان ١٢٤، ١٢٥] والآيات القرآنية كثيرة في هذا، ومن هنالك يُعلم أن الحسنات وطاعة الله أن الله يجعل ذلك سببًا لهدى عبده، كما أن السيئات والمبادرة إلى ما لا يرضيه تكون سببًا للرّين على القلوب والطبع عليها كما قال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: آية ١٤] وقال في الهدى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: آية ١٧] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: آية ٦٩] وأمثال ذلك من الآيات.
قوله جل وعلا: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٠] قوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ هنا أن موضع هذا الطبع القلوب، والقلوب: جمع القلب، وهو عضو من الإنسان معروف على هيئة شكل حب الصنوبر وهو معروف، وكون الطبع محله على القلوب يبين أن مركز العقل هو القلب كما أشرنا له مرارًا (^١)، وإنما بينّا هذا مرارًا لئلا تبقى الناس مصدّقة للكفرة الملاحدة الإفرنج، مكذّبة لله ولرسوله، فالقرآن العظيم في عشرات الآيات، والسنة النبوية في أحاديث صحيحة كلها مطبقة على أن مركز العقل هو قلب الإنسان لا دماغه؛ لأن الله يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: آية ٤٦] فصرح بأن العقل والإدراك بالقلوب لا بالأدمغة، ثم قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦] ولو كان الإدراك ليس في القلب الذي في الصدر لما كان له عمى ولا إبصار، ولم يقل الله يومًا ما: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس، لم يقل هذا أبدًا، وإنما قال: ﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٤٠ ]
الصُّدُورِ﴾ وقال جل وعلا: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ فبين أن الفِقه منفي عن محله الذي يفقه به وهو القلب، والآيات على هذا لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم، أن العقل الذي به الإدراك محلّه في القلب، والآيات الدالة على هذا كثيرة، والأحاديث لا تكاد تحصيها، والنبي ﷺ قد قال: «إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ» ثم فسرها صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (^١). ولم يقل: «ألا وهي الدِّمَاغ».
هذا أمر معروف، ومعروف أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية طافحة بهذا، والغريب أنك ترى عامّة من ينسبون للإسلام يضربون بهذه النصوص الحائط ويزعمون كلهم بأن مركز العقل الدماغ!! ونحن نعلم أن الله هو الذي خلق العقل، وهو الذي وضعه في محله، ولا شك أن من خلقه وأبرزه من العدم إلى الوجود، ووضعه في محله أنه أعلم بمحله من الملاحدة الذين يبرهنون على ما يزعمون بفلسفات قد لا تكون مَبْنِيَّة على مقدمات يقينية، ولا ينبغي للمسلم أن يضرب بالقرآن عرض الحائط. فالآيات القرآنية لا تكاد في المصحف تحصيها دالة على أن العقل في القلب؛ لأنه دائمًا يذكر القلوب ويجعل الإثم مكانه القلب، والتقوى مكانه القلب فالله، يقول: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: آية ٢٨٣] [ولم يقل:] (^٢) «إنه آثم دماغه» يومًا ما!! وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: آية ٣٢] ولم يقل: «من
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة تم بها المعنى.
[ ٤ / ٤١ ]
تقوى الأدمغة» يومًا ما. فالقرآن طافح بهذا بكثرة، والسنة النبوية طافحة بهذا بكثرة.
أما الذين يقلدون ملاحدة الإفرنج فهم على نوعين: من جاء منهم بطريق لا تُكذب القرآن فما علينا منه، ومقالته لا نتعرض لها؛ لأن كل ما يصعب علينا هو ما يعارض نصوص السماء التي أنزلها خالق السماوات والأرض، فإذا جاء بما يخالفه مخالفة قطعيّة وجب علينا أن نرد عليه ونكذبه، وإن كان لم يكن هناك مخالفة فمَنْ عنده دليل خاص فليُبْرِزه، ومن ليس عنده فليسكت.
وهنا تجب مسألة: يجب على المسلمين أن يتحفظوا كل التحفظ من أن يُحَمّلُوا القرآن ما لا يحتمله، فعلينا أن لا نقول: إن الله قال في كتابه هذا إلا بعد اليقين الجازم والتحري العظيم، خوفًا أن يكون ذلك الظاهر الذي نفهمه غير المراد فنقول على الله بغير حق، ويكون الحق عند غيرنا. هذا أمر يجب أن يُتحفظ منه. ولكن الآيات القرآنية الدالة على أن العقل في القلب لا تكاد تحصيها، وهو أمر قطعي لا نزاع فيه.
أما الذين قالوا من فلاسفة الملاحدة: إن مركز العقل مثلًا: القلب، ولكن نوره روحاني يمتد نوره فيتصل شعاعه بالدماغ؛ ولذا من قال: إنه في الدماغ لم يكذب لاتصال أحد طرفيه به، من قال هذا وجاء بهذا فما علينا منه، وقد يمكن أن يكون صادقًا، ولم يأتِ بما يخالف نصوص ربنا، فلو قال هذا فهو أهون. أما الذي يقطع علاقة العقل بتاتًا بالقلب، ويقول: كله في الدماغ. فهذا الذي نقول له: كذاب، كذاب، كذاب؛ لأن الله يقول: إنه في القلب.
[ ٤ / ٤٢ ]
وهذه الفكرة أن شعاعه يتصل بالدماغ، وأنه بين هذا وهذا، فمن قال في القلب فقد صدق، كما جاء به الوحي، ومن قال في الدماغ بهذا الاعتبار فقد صدق لاتصال نوره به. من قال هذا فقوله أهون، والمسألة على قوله أسهل؛ لأنها لا تستلزم تكذيب الله.
ومعلوم أن البحث في العقل بحث فلسفي معروف، وأن الفلاسفة بحثوا في العقول أكثر من مائة نوع من البحوث مختلفة، ومنها بحثهم في محل مركزه، وقدماء الفلاسفة كانوا يستدلون على أن مركز العقل الدماغ، ويستدلون بما إذا نُظر في الاصطلاح إذا هو شرطيّ مركب من شرطية متصلة لزومية، يظنون أنها لزوميّة وهي اتفاقية!! وإيضاح ذلك: أنهم بحسب
الاستقراء والتتبع وجدوا كل ما يؤثر على الدماغ من جميع المؤثرات يضر بالعقل، وهذا أمر مُشاهد لا نزاع فيه؛ لأن كل ما يضرّ بالدماغ يؤثر على العقل، فَزَعَمُوا مِنْ هُنَا أنَّ مَرْكَزَهُ الدماغ لتأثره بما يؤثر عليه، فقالوا: في الشرطية المتصلة المذكورة: لو لم يكن محله الدماغ لما تأثر بجميع المؤثرات على الدماغ، لكنه تأثر بها، ينتج: محله في الدماغ.
ومتأخروهم يزعمون أن عندهم آلات رصدوه بها حتى رأوا حركة الفكر أنها في الدماغ.
وعلى كل حال فهذه النظرات الفلسفية إنما يُنظر فيها إذا لم تخالف نصوص كتاب الله، ومقصودنا أن ننبهكم على أن لا تنجرفوا مع أقوال الكفرة، ضاربين بقول خالق السماوات والأرض الحائط، وأن لا تقبلوا إلا شيئًا يمكن ألا يكون مخالفًا لكتاب الله كما أشرنا إليه، وهذا معنى قوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٠].
[ ٤ / ٤٣ ]
ثم إن الله قال: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٠١] الإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ﴾ إشارة للقرى، ومعلوم أن (القرى) وما جرى مجراها أنه يعامل معاملة المؤنثة المجازية التأنيث. والقرى: جمع قرية على غير مثال، والقرى المشار إليها هي ما تقدم ذكرها في آيات سورة الأعراف الماضية؛ كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب كما تقدم قصصهم مفصلًا (^١).
﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ بعضهم يقول: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، و﴿الْقُرَى﴾ خبره، و﴿نَقُصُّ﴾ جملة حالية، كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شيخًا﴾ [هود: آية ٧٢] على أن (هذا) مبتدأ، و(بعلي) خبره، و(شيخا) حال، ولهم فيه غير ذلك (^٢). وبعضهم يقول: إن (تلك) مبتدأ و(القرى) نعته. وهذا مبنيٌ على ما يقوله جماعة من النحويين أن أسماء الأجناس الجامدة أنها ربما نُعِت بها ووُصِفَ بها، وبه قال جماعة من علماء النحو كما هو معروف في محله.
وقوله: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٠١] صيغة الجمع للتعظيم، ومعنى: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ نتلوا عليك أخبارها في هذا الكتاب العظيم. والأنباء: جمع النبأ وهو الخبر، وقد قَدَّمْنَا مرارًا (^٣) أن النبأ أخص من الخبر، فكل نبأ خبر وليس كل خبر نبأ؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على الخبر الخاص، وهو الخبر الذي له خطب وشأن، كما قلنا: إنك لا تقول: جاءني اليوم نبأ عن حمار
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٨).
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٩٧).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٤ ]
الحجام؛ لأن حمار الحجام لا خطب له ولا شأن، فلا يطلق فيه النبأ، وإنما يطلق فيه الخبر. وإنما كانت هذه الأنباء عن هذه القرى أخبار لها خطب وشأن؛ لأنها دَلَّتْ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ الله، وعلى صبر أنبيائه، وعلى شدة بطشه وعدالته وإنصافه، وإهلاكه للظالمين، وأن فيها من التخويف للموجودين من عذاب الله وسخطه ما ينهاهم أن يقع منهم مثل ما وقع من الأوَّلِين، ولذا كان لها شأن وخطب؛ ولذا قال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٠١].
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ اللام مُوطئة لقسم محذوف، وقوله: ﴿جَاءتْهُمْ﴾ ضمير جماعة الذكور راجع إلى سكان القرى المعبّر عنهم بقوله: ﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ فأنث في قوله: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ نظرًا إلى لفظ القرى، وذكَّر في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ﴾ نظرًا إلى سكانها.
وبعض العلماء يقول: القرى تطلق إطلاقين: تطلق على الأبنية، كما تطلق على السكان. وعلى هذا فلا إشكال.
﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قد قدمنا فيما مضى (^١) أن البينات جمع بينة، وأن البينة هي الحجة القاطعة التي لا تترك في الحق لبسًا، ومنه (البينات في الشهادات)؛ لأنها شهادات قوم عدول لا تترك في الحق لبسًا، فالبينات: الحجج الواضحة البينة التي لا تترك في الحق لبسًا. ومعنى (البينات) هنا على التحقيق: المعجزات؛ لأن الله ما أرسل نبيًّا قط إلا ومعه معجزة تُقارب التحدِّي، يعجز عنها الخلق، فتثبت بها نبوته؛ لأن إثبات الله للمعجزات للرسل هي بمثابة قوله
_________________
(١) مضى عند نفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٤٥ ]
لهم: أنتم صادقون في خبركم عني. فهي تصديق من الله لهم؛ لأنه ما خرق لهم العادة وقت التحدي وجاء بهذا العلم الخارق الذي لا يقدر عليه غيره إلا ومعناه عنده: أنت صادق يا عبدي فيما تنقل عَنّي. فهو تصديق من الله، ولذا سُمِّيَ مُعْجِزَة؛ لأن المعجزة فعل خارق يحصل عند التحدي لا يقدر عليه البشر (^١).
وقد ذكرنا فيما مضى في الكلام على قوله: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ﴾ [الأعراف: آية ٧٣] تصريف هذه الكلمة، وما جاء من أمثلتها في القرآن ببعض أمثلتها (^٢)، وكان ذلك الذي ذكرنا هنالك سقط منه قسم نسيانًا، وكنا نتحرى إن جاءت لها مناسبة أخرى أن نبيّن القسم الذي سقط من كلامنا سهوًا لئلا يضيع على بعض طلبة العلم الذين يسمعون هذه الدروس. ذكرنا فيما مضى أن (البينة) أنها صفة مشبهة من (بان يبين) فهو (بيّن) والأنثى (بينة) بمعنى: وضح. وأنها المعجزة الواضحة، وأن النبي ﷺ صرح في الحديث الصحيح أن الله ما أرسل رسولًا إلا أتاه بمعجزة كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إِلا أُوتِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٣). هذا حديث صحيح صرح فيه النبي ﷺ أن الله ما بعث نبيًّا قَطُّ إلا أعْطَاه ما آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، أي: معجزة تفحم الناس وتلزمهم الحق كما هو واضح.
_________________
(١) في هذا الموضوع راجع: كتاب مناهل العرفان للزرقاني، دراسة وتقويم (١/ ٢٩٢ - ٣١٠).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٦ ]
وقد ذكرنا فيما مضى (^١) أن البينة جاء من تصاريفها في القرآن ولغة العرب أربعة تصاريف، واحد منها مجرد وثلاثة مزيدة -وهذا محل النسيان- لأنها جاءت على خمسة أنواع، أربعة منها مزيدة وواحد مجرد، ومن هنا وقع الغلط، وكنا نريد إذا جئنا بمناسبة كهذه أن نتدارك النسيان السابق لنبين القسم الذي سقط. اعلموا أولًا: أن هذه المادة أعنى مادة (الباء والياء والنون) (ب، ي، ن) جاء منها لفظ (بان) ثلاثيًّا مجردًا، ومنه هذه؛ لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الأعراف: آية ١٠١]، البينات: وزنه (فيعلات) وهو من (بان) الثلاثية بلا نزاع عند من يعرف فن الصرف معرفة معروفة، فـ (بان) الثلاثي المجرد دل عليه قوله: ﴿فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ﴾ ﴿جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الأنعام: آية ١٥٧] لأنها (فَيْعِلَة) وهي من (بان) الثلاثية المجردة بلا نزاع عند مَنْ له إلمام بموازين الصرف وأصوله. هذا الوجه المجرد، وهذا لازم في القرآن، وفي اللغة العربية، ولم يُسمع متعديًا بقية الأوزان الأربعة المزيدة التي تُستعمل لازمة ومتعدية. ذكرنا فيما مضى منها ثلاثة، وهي: (أبان) بزيادة الهمزة على وزن (أفعل) ومن هذه المادة قوله في جميع القرآن: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الدخان: آية ٢] ﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: آية ١] لأن المبين هو الوصف من (أبان) الرباعية بالهمزة بلا نزاع عند من له إلمام بالفن.
[وقد قدمنا الكلام على هذه المسألة] (^٢)
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٢) في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٤ / ٤٧ ]
فقد بينَّا (^١) أن (أبان) بالهمزة تكون متعدية وتكون لازمة، وذكرنا شواهد ذلك، وقلنا: إن من إتيانها متعدية: أبان حجته، وأبان للناس ما كان يخفى عنهم، وأنها تأتي لازمة، ومنه: ﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي: البين الواضح، ومنه لازمًا قول كعب بن زهير (^٢):
قَنْواء في حُرتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا عِتْقٌ مبينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
وقد بينا هذا فيما مضى.
الثاني من الأوزان المزيدة: (بيَّن) بالتشديد على وزن (فعَّل) بتضعيف العين، وهذه في القرآن كثيرة كما قال: ﴿نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ [المائدة: آية ٧٥] وهي كثيرة في القرآن العظيم، وهي تأتي في كلام العرب أيضًا متعدية ولازمة، وذكرنا شواهدها لازمة كما في مثل: (قد بيَّنَ الصبحُ لذي عينين) (^٣) إلى آخر ما ذكرنا من شواهدها.
الثالث: (استبان) على وزن (استفعل) وقد ذكرنا أنها تأتي متعدية أيضًا ولازمة، وأن تعديها ولزومها جاء مثالهما في القراءتين في قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: آية ٥٥] لأنه فيه قراءتان سبعيتان (^٤) ﴿ولتستبين سبيلَ المجرمين﴾ ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فعلى قراءة: ﴿سَبِيلُ﴾ بالرفع، فـ (تستبين) لازمة معناه: تظهر وتتضح، وعلى قراءة: ﴿سبيلَ المجرمين﴾ فـ (تستبين) متعدية للمفعول، تستبين أنت يا نبي الله ﴿سبيلَ المجرمين﴾ أي:
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٨ ]
تعلمها وتعرفها حتى تتضح لك، هذه الأوزان التي ذكرنا، والذي نسيناه في ذلك، وهو سبب الرجوع لهذا الكلام:
الوزن الرابع من المزيد وهو قوله: (تبيَّن) على وزن (تَفَعَّلَ) بزيادة التضعيف والتاء، وهذا موجود في القرآن بكثرة، وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: آية ١١٤] ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: آية ٤٥].
(وتبين) أيضًا بزيادة التاء مع التضعيف تأتي في لغة العرب لازمة ومتعدية، مثال إتيانها لازمة: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: آية ٤٥] ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله﴾ وقد سُمعت في كلام العرب متعدية، ومن سماعها متعدية قول الشاعر (^١):
وَلَمَّا تَزَايَلْنا من الجزعِ وانْتَأَى مُشَرِّقُ رَكْبٍ مُصْعِدًا عَنْ مُغَرِّبِ
تَبَيَّنْتُ أَلَاّ دَارَ مِنْ بَعْدِ عَالجٍ تَسُرُّ وَأَلَاّ خُلَّة بَعْدَ زَيْنَبِ
فالمصدر المنسبك في قوله: «أن لا دار» في محل المفعول لـ (تبين).
فنحن نذكر هذه المناسبات؛ لأننا نعلم أن القرآن العظيم هو مصدر العلوم، وله في كل علم بيان، فنتطرق الآية من وجوهها، وقصدنا انتفاع طلبة العلم؛ لأن القرآن أصل عظيم تُعرف به أصول التصريف والنحو وأصول الفقه والتاريخ والأحكام إلى غير
_________________
(١) البيتان للبحتري، وهما في ديوانه ص (١/ ٨٨) وقد ذكر الشيخ (﵀) البيت الأول بلفظ مغاير، لكن لما كانت بعض الكلمات غير واضحة بسبب ضعف التسجيل أثبته كما في الديوان.
[ ٤ / ٤٩ ]
ذلك من جميع النواحي، فنحن جرت عادتنا بأن نتطرق الآية من جميع نواحيها بحسب الطاقة لينتفع كل بحسبه.
[١٦/أ] /يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَاّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾ [الأعراف: الآيات ١٠١ - ١٠٥] اللام موطئة لقسم محذوف، والله لقد جاءتهم. والضمير في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ﴾ عائد إلى الأمم المذكورة في قوله: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا﴾ والله لقد جاءت تلك القرى التي قصصنا عليك من أنبائها رسلهم بالبينات، فجاء نوح قوم نوح، وهود عادًا، وصالح ثمود، وقوم لوط لوط، وقوم شعيب شعيب. هذه الرسل جاءت هذه الأمم. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ والله ﴿لَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٠١] من عندنا، أي: من عند خالقهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالأدلة الواضحة، وهي المعجزات؛ لأن الله ما أرسل نبيًّا قط إلا ومعه معجزة تثبت قوله وتقوم بها الحجة على من أُرسل إليهم.
وقوله: ﴿رُسُلُهُم﴾ الرسل (^١) جمع رسول، والرسول هو من أُرسل بشيء إلى غيره، وأصل الرسول مصدر، وإتيان المصادر على
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥٠ ]
(الفَعُول) قليل، كالقبول والولوع والرسول، وإنما قلنا: إن أصل الرسول مصدر لأن ذلك يزول به بعض الإشكالات في القرآن؛ لأن الرسول أصله مصدر بمعنى الرسالة، ومنه قول الشاعر (^١):
لقد كذبَ الواشُونَ ما فُهتُ عندهم بقولٍ ولا أَرْسَلتُهم برسولِ
أي: ما أرسلتهم برسالة، وإنما قلنا: إنه مصدر لأن كونه مصدرًا يزيل بعض الإشكالات؛ لأن المصادر إذا وُصف بها ونُعت بها جاز إفرادها وتذكيرها من غير جمع؛ ولذلك جاز إفراد الرسول في حالة التثنية والجمع نظرًا إلى أن أصله مصدر، ومن إفراده في التثنية: قوله تعالى في الشعراء: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٦] وقد ثنَّاه في طه في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: آية ٤٧] فإفراده وهو تثنية نظرًا إلى أن أصله مصدر، وتثنيته اعتبارًا بوصفيَّتِهِ الطَّارِئَة وقطعًا للنظر عن مصدريته الأصلية، وسُمع في كلام العرب إطلاق الرسول على الجمع بلفظ المفرد، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي (^٢):
أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَواحِي الخَبَرْ
إذا علمت أن أصل الرسول مصدر، وأنه وُصف به، فإذا جُمع كقوله: ﴿جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم﴾ أو ثُنِّي كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: آية ٤٧] فذلك للاعتداد بالوصفية العارضة، وإذا أُفرد كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٦] فذلك نظرًا إلى المصدرية الأصلية كما لا يخفى.
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٥١ ]
قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: المعجزات.
وقوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: آية ١٠١] هذه الآية الكريمة فيها أوجه عديدة من التفسير، معروفة عند علماء التفسير (^١)، لا يرجحون منها شيئًا، وأظهرها عندي واحد لدلالة القرينة القرآنية هنا عليه، وكثرة ما يدل عليه في القرآن، فمن هذه الأوجه المذكورة في تفسير هذه الآية: أن المعنى: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ بعد الموت إذا بُعثوا وردوا ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ في دار الدنيا التي هي وقت الإيمان، وهذا الوجه قال به جماعة من العلماء، واستدلوا له بمطابقته لقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٨] ومن أوجه التفسير في هذه الآية: ما قاله بعض أهلِ العلم: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ بعد مجيء الرسل بالمعجزات ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ قبل مجيء الرسل بالمعجزات، واستأنس أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: آية ٦].
وقال بعض العلماء: هي لقوم لم يؤمنوا طوعًا ليلة أخذ الميثاق التي سيأتي الكلام موضحًا عليها -إن شاء الله- في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: آية ١٧٢] على أحد الوجهين: أن الله أخرجهم من أصلاب آبائهم في صفة الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وأن بعضهم شهد كرهًا لا طوعًا، وهو بطوعه ليس بمؤمن، قالوا: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٠١] بعد
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٧)، القرطبي (٧/ ٢٥٥)، الأضواء (٢/ ٣٢٨).
[ ٤ / ٥٢ ]
مجيء الرسل بما كذبت أرواحهم ليلة طلب الإيمان منهم كالذر، وهذا قال به جماعة من أهل العلم، ولا يخلو من بُعد، إلى غير ذلك من أوجه التفسير في الآية. والذي يظهر لنا صوابه لدلالة القرينة هنا عليه، والآيات القرآنية عليه: هو أن معنى هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف هو الذي قدمناه موضحًا في سورة الأنعام، وإيضاح ذلك: أن الله إذا أرسل الرسل إلى خلقه قام المُتَنَطِّعون الكفرة فبادروا إلى الكفر وتكذيب الرسل، والمبادرة إلى ذلك التكذيب يكون ذنبًا عظيمًا يمنعهم الله بسببه أن يؤمنوا بعد ذلك، فيزيغ قلوبهم ويطبع عليها ويختم، ويبعدهم عن الخير نتيجة لمسارعتهم إلى ذلك الشر.
وإنما قلنا: إن هذا الوجه هو أظهر الأوجه لدلالة القرآن عليه لأمرين:
أحدهما: القرينة المقترنة به هنا، وهو أنه قال: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي: لأن الله طبع على قلوبهم بسبب تكذيبهم السابق؛ ولذا قال بعده مقترنًا به: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٠١] كذلك الطبع الذي منعهم من أن يؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك الطبع يطبع الله على قلوب الكافرين، وقد صرح (جل وعلا) في آيات من كتابه أن هذا الطبع يقع بسبب كفر سابق كما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: آية ٣] فبين أن الطبع بسبب كفر سبقه. وكذلك قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: آية ١٥٥] ومن أوضح ما يوضح هذا المعنى آية الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام:
[ ٤ / ٥٣ ]
آية ١١٠] على أظهر التفسيرات، أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالطبع والختم والغشاوة عليها وإزاغتها عن الحق ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما أنهم سارعوا إلى الكفر أول مرة عاقبناهم بعدم الهدى -والعياذ بالله - كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: آية ٥]، ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: آية ١٠] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: آية ١٢٥] ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: آية ٨٢] ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: آية ٦٤] وهذا معنى قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ﴾ [الأعراف: آية ١٠١] أي: كذلك الطبع الذي طبع الله على قلوب هؤلاء الأمم الذين كذبوا رسلهم يطبع الله على قلوب الكافرين طبعًا مانعًا لهم من الإيمان لتكذيبهم السابق ومبادرتهم إلى الكفر والعياذ بالله.
﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: آية ١٠٢].
(ما): نافية. وصيغة الجمع في (وجدنا) للتعظيم، و(وجد) هنا علمية. والمعنى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا﴾ ما علمنا. ومعلوم أن (وجد) في اللغة من أخوات (عَلِمَ) وهذا أظهر الأقول فيها هنا (^١). ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم﴾ أي: لأكثر الأمم السابقة. وقال بعض العلماء: لأكثر الخلق ما وجدنا لهم ﴿مِّنْ عَهْدٍ﴾ (مِنْ) دخلت على المفعول به، فالأصل: ما وجدنا لهم عهدًا. ولكن (من) إذا دخلت على النكرة في
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٠٠).
[ ٤ / ٥٤ ]
سياق النفي نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم (^١).
والعهد: هو ما تجب المحافظة عليه والوفاء به. والأصل: ما وجدنا لأكثرهم عهدًا.
ويُفهم من قوله: ﴿لأَكْثَرِهِم﴾ أن هنالك عددًا قليلًا لهم عهد. وهذا هو ظاهر الآية؛ لأن الذين هم الأكثر لا عهد لهم.
ثم قال: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (إن) هذه وهذه (اللام) فيها خلاف معروف بين البصريين والكوفيين، المذهب المشهور عند علماء العربية وهو مذهب البصريين أن (إن) مخففة من الثقيلة، وأنها مهملة، وأن (اللام) فارقة بين (إن) المخففة من الثقيلة، وبين (إن) النافية، ولا يكاد هذا يوجد إلا مع الفعل الناسخ كما هنا؛ لأن (وجد) كـ (علم) وغيرها من أفعال القلوب.
ومذهب الكوفيين يقولون: إن (إن) نافية، و(اللام) بمعنى (إلا). وهو غريب. والمعنى عندهم: وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين.
والناس على ارتضاء مذهب البصريين دون مذهب الكوفيين في هذه (^٢).
وقوله: ﴿مَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢] بيّن الله في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا عهد لهم - والعياذ بالله - لأن من لا عهد له لا خير فيه؛ لأن كل التكاليف عهود. ومن لا يفي بعهد لا يطيع الله في شيء، وقد جاءت آيات قرآنية كثيرة تبين
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ٤ / ٥٥ ]
أن أكثر الخلق لا خير فيهم كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: آية ٥٩] ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: آية ١٠٠] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: آية ١٠٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: آية ٨] ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ [الصافات: آية ٧١] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن نصيب الجنة مِنَ الألْفِ وَاحِد، وأن نصيب النار من الألف تسع وتسعون وتسعمائة. ولما شق ذلك على أصحابه ﷺ أخبرهم بكثرة الكفار، وأنه يمكن أن يكون من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهذا يدل على أن أكثر الخلق ضُلال (^١) ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: آية ١١٦] وأهل الهدى قلة، وهذا قضاء الله وقدره في الجميع. وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [لأعراف: آية ١٠٢].
هذه الآية فيها سؤال معروف: وهو أن يقال: إن أكثر الكفار لهم عهد، ولكن لا يوفون بهذا العهد، والعهد على قسمين: عهد مُوفى به، وعهد يُنقض، والمذموم هو العهد الذي يُنقض به، والممدوح هو الذي يُوفى به، فبعض العلماء يقول (^٢): إن معنى ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ أن الذي ينقض العهد تقول العرب: لا عهد له. فالذي لا وفاء له كأنه لا عهد له؛ ولذا قال:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٦) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٥).
[ ٤ / ٥٦ ]
﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ وهذا لا يتعين، وقد يظهر للناظر في الآية أن فيها حذف الصفة، وهو في نظري أقرب مما يذكرون، أن فيها حذف الصفة؛ لأن حذف الصفة إذا دل المقام عليها أسلوب معروف واضح في القرآن العظيم وفي غيره لا لبس فيه. وعلى هذا فالمعنى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢]. أي: ما وجدنا لهم من عهد مُوفى به. أي: ما وجدنا لهم من عهد يحصل فيه الوفاء خاصة، أما العهد المنقوض فقد يُوجد لكل من الفجرة. وهذا الوجه ظاهر لا خفاء به، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: آية ٧٩] والمعنى: يأخذ كل سفينة صحيحة صالحة؛ لأنه لو كان يأخذ السفينة التي خُرقت لما كان خرق الخضر لتلك السفينة فيه فائدة؛ لأن الخضر صرح بأنه خرقها لِتَتَعَيَّب بذلك الخرق، ويكون ذلك سببًا لسلامتها من غصب ذلك الملك لها؛ ولذا قال: ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ وظاهره يعم المخروقة وغيرها، فالصفة محذوفة دلّ المقام عليها.
ونظيره قوله: ﴿وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلَاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ [الإسراء: آية ٥٨] يعني: من قرية ظالمة، بدليل قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: آية ٥٩] وحذف النعت موجود في كلام العرب بكثرة، وإن قال ابن مالك في خلاصته: إنه يقل (^١). فهو كثير في كلام العرب. ومن أمثلته في كلامهم: قول المرقَّش الأكبر (^٢):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧١) من سورة البقرة وهو قوله: وما من المنعوت والنعت عُقل يجوز حذفه وفي النعت يقل
(٢) السابق.
[ ٤ / ٥٧ ]
ورُبَّ أسيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَة لها فَرْعٌ وَجِيدُ
فقول المرقش الأكبر: (لها فرع وجيد) يعني: لها فرع فاحم وجيد طويل. فحذف الصفة لدلالة المقام عليها. ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي (^١):
مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ، وَمْنْ فِعْلُهُ فِعْلٌ، وَمَنْ نائِلُهُ نَائِلُ
يعني: من قوله قول فصل، ومن فعله فعل جميل، ومن نائله نائل جزل. فحذف النعوت لدلالة المقام عليها، ومن هذا القبيل قول الآخر (^٢):
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً وَنَارٍ توقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارًا
يعني: كل امرىءٍ تحسبينه امرأً طَيِّبًا له شأن، وكل نار تحسبينها نارًا. يعني: نارًا موقدةً للقِرى. فحذف الأوصاف لدلالة المقام عليها كما هو معلوم في محله.
قوله: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢] (إن) مخففة من الثقيلة، والتقدير: وإنه، أي: الأمر والشأن وَجَدْنَا أكْثَرَ النَّاسِ لفاسقين. (اللام) هي الفارقة على التحقيق بين المخَفَّفَة من الثقيلة والنافية، كما هو معروف في محله.
والفاسقون: جمع تصحيح للفاسق، والفسق في لغة العرب: الخروج، فكل من خرج عن الطريق فقد فسق، ومنه قول الراجز (^٣):
_________________
(١) السابق.
(٢) البيت لأبي دؤاد الإيادي. وهو في الكتاب (١/ ٦٦)، شواهد الكشاف ص٤٧، الدر المصون (٥/ ٦٣٤).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٥٨ ]
يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غَائِرا فَوَاسِقًا عن قَصْدِهَا جَوَائِرا
أي: خوارج عن قصدها الذي تَمْشِي عَلَيْهِ. هذا أصل الفسق في لغة العرب (^١)، ومنه قولهم: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ؛ أيْ: خرجت. وهو في اصطلاحِ الشرع: الخروج عن طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ٥٠] أي: خرج عن طاعة ربه والخروج عن طاعة الله قد يكون أعظم أنواع الخروج وهو الكفر، وقد يكون خروجًا دون خروج وهو المعاصي، ومن هنا أُطلق في القرآن الفسق على الكفر والمعاصي، فمن إطلاقه على الكفر قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٦] ومن إطلاقه على المعاصي دون الكفر: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: آية ٦] وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٢].
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾ [الأعراف: آية ١٠٣].
معلوم أن (ثم) حرف عطف مع الترتيب والانفصال، و﴿بَعَثْنَا﴾ معناه: أرسلنا. وصيغة الجمع للتعظيم ﴿مِن بَعْدِهِم مُّوسَى﴾ من بعدهم أي: من بعد الرسل المذكورين في هذه السورة، وهم: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، ﴿بَعَثْنَا﴾ من بعد هؤلاء نبينا موسى، بعثناه ﴿بِآيَاتِنَا﴾ وهي الآيات التسع والمعجزات التي جاء بها فرعونَ، كاليد البيضاء، والعصا الآتية في هذه السورة، وبعض الآيات المذكورة في سورة الأعراف كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٥٩ ]
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: آية ١٠٣] الملأ (^١): أشراف الجماعة من الذكور. و(فرعون) هو ملك مصر. يقولون: إن كل من ملَكَ مصر يُسمى (فرعون) كما هو معروف من تسمية (كسرى) و(قيصر) لكل من مَلَك ذلك المحل المعروف، وبعض العلماء يقول: (فرعون) لفظ عربي من تَفْرَعَن الرجل إذا كان ذا مكر ودهاء، وعلى تقدير أن (فرعون) لفظ عربي فوزنه: (فِعْلَول) باللام لا (فِعْلَون) بالنون. وبعضهم يقول: هو اسم أعجمي، وهو الأظهر؛ لأنه لو كان عربيًّا لما مُنع من الصرف؛ لأن هذا الوزن إذا كان عربيًّا قد لا يُمنع من الصرف (^٢). وفرعون المذكور هنا هو ملك مصر الذي جاءه موسى وأُرسل إليه، وقصَّ الله من خبره ما قص، والمؤرخون والمفسرون بعضهم يقول: اسمه: (طالوس)، وبعضهم يقول اسمه: الوليد بن مصعب بن الريان كما هو معروف في تاريخه.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: أشراف جماعته ﴿بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ١٠٣] أي: بمعجزاتنا التي جاء بها موسى.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^٣) أن المحققين من علماء العربية يقولون: إن أصل الآية (أَيَيَة) فوزنها (فَعَلَة) وفاؤها همزة، وعينها ولامها كلاهما ياء (أَيَيَة) وقد اجتمع فيها موجبا إعلال؛ لأن العين واللام كلتاهما ياء مفتوحة قبلها فتحة أصلية. فالإعلال تكرر
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٦٠) من هذه السورة
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٦٠ ]
مُوجبه هنا، وقد عُرف في فن الصرف أن الإعلال إذا تَكَرَّرَ موجبه يكون الإعلال غالبًا في الأخير. وهنا خولف الأغلب، وصار الإعلال في الأول، فأُبدلت الياء الأولى ألفًا، وصُححت الياء الثانية، وفيه أقوال غير هذا ولكن هذا أشهرها عندهم.
والآية في لغة العرب: تطلق إطلاقين:
أحدهما: تطلق الآية ويراد بها العلامة. وهذا إطلاقها المشهور. تقول: آية كذا. أي: علامة كذا. وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو عربيّ جاهليّ- تفسير الآية بالعَلَامَة، وذلك في قوله (^١):
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها لِسِتَّةِ أعوامٍ وذا العام سابعُ
ثم فسر الآية بأنه يريد بها علامات الدار، وما تشخص من آثارها بقوله:
رماد ككُحْلِ العينِ لأْيًا أُبينه ونُؤيٌ كجِذْمِ الحوضِ أثلَمُ خاشِعُ
الإطلاق الثاني: هو إطلاق الآية على الجماعة؛ لأن العرب تقول: جاء القوم بآيتهم. أي: بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر الطائي أو غيره (^٢):
خَرَجْنَا مِنَ النقْبَيْن لا حَيَّ مِثْلِنَا بآيتِنَا نُزْجِي اللّقَاحَ المَطَافِلَا
أي: بجماعتنا.
والآية هنا بمعنى العلامة؛ لأن المعجزات أفعال خارقة للعادة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٦١ ]
هي علامات واضحة قاطعة على أن الله مصدق لمن أعطاه إياها مقارنة للتحدي كما هو معروف (^١).
وقوله: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ الباء في قوله: (بها) عدَّى به. و(ظلموا) فيه وجهان معروفان لعلماء التفسير (^٢):
أحدهما: أن (ظلموا) معناه: كفروا. أي: فكفروا بها، وإذا كان (ظلموا) بمعنى: كفروا فلا إشكال في الباء، والظلم كثيرًا ما يُطلق بمعنى الكفر كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] وعلى هذا فالظلم بمعنى الكفر، وتعديته بالباء واضحة، وبعض العلماء يقول: فظلموا بسببها، حصل منهم الظلم الكبير بسببها حيث كذبوا بها ولم تدلهم على الحق وعاندوا. وذلك الظلم قد بين (جل وعلا) أنهم أيقنوا أن الآيات حق، وأنهم ظلموا عدوانًا منهم، كما قال في قوم فرعون لما علموا الحق من آيات موسى في أول سورة النمل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: آية ١٤] فقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ في النمل يوضح قوله: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: بسببها، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ [الإسراء: آية ١٠٢] أي: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعون ﴿مَا أَنزَلَ هَؤُلاء﴾ الآيات ﴿إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ أي: دلالات قاطعة لا تترك في الحق لبسًا، وهذا معنى: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠١) من سورة الأعراف.
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٦)، الدر المصون (٥/ ٤٠٠).
[ ٤ / ٦٢ ]
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^١): أن الظلم في لغة العرب هو: وضع الشيء في غير موضعه فكل من وضع شيئًا في غير موضعه فقد ظلم، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير من خلق، ثم يليه: وضع الطاعة في الشيطان دون الله (جل وعلا)، والعرب كلُّ من وضع شيئًا في غير موضعه تقول له: ظَلَم. ومن هذا المعنى قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب: إنه ظالم؛ لأن الضرب وقع في غير موضعه؛ لأنه يُضيع زُبده؛ ولذا كانوا يُسمّون الذي يضرب [لبنه] (^٢) قبل أن يروب: ظالمًا، ففي لُغَز الحريري يقول: «هل يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا» (^٣). فقوله: «ظالمًا» يعني: يضرب لبنه قبل أن يروب، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٤):
وقائلةٍ ظلمتُ لكم سِقَائي وهل يخفى على العَكدِ الظَّلِيمُ
وقول الآخر (^٥):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شَكَاتُه ظلمتُ وفي ظَلْمي له عامِدًا أَجْرُ
فهذا معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قيل لمن وضع شيئًا في غير موضعه: (ظالم)؛ ولذا سَمّوا الحُفَرَ في الأرض التي ليست محلًا للحفر والماء: (مظلومة)، ومنه قول نابغة ذبيان (^٦):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة ..
(٢) في الأصل: (زبده) وهو سبق لسان.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٢٩) من سورة الأنعام.
(٤) السابق.
(٥) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٦) السابق.
[ ٤ / ٦٣ ]
إلا الأوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها والنُّؤيُ كالحوضِ بالمظْلُومةِ الجَلَدِ
وسمُّوا تراب القبر: (ظليمًا)؛ لأنه يُحفر وهو ليس محلًا للحفر أصلًا، ومنه قول الشاعر (^١):
فأَصْبَحَ في غَبْراءَ بعد إِشَاحةٍ من العيش مردودٍ عليها ظَلِيمُها
هذا معروف في كلام العرب، ولم يأت الظلم في القرآن إلاّ بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف: الظلم منه بمعنى النقص، وهو قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ [الكهف: آية ٣٣] يعني: ولم تنقص ﴿مِنْهُ شيئًا﴾.
إذا عرفتم هذا فَكُلّ مَنْ كَفَرَ بالله فقد وَضَعَ العِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعَها، ومن عصى ربه وأطاع الشيطان فقد وضع الطاعة في غير موضعها، ووضع المعصية في غير موضعها، ومن هنا كان الظلم يُطلق على الكفر وعلى المعاصي، قد قدمنا إطلاق الظلم على الكفر آنفًا في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: آية ١٠٦] وقد يطلق الظلم على معصية الله ولو لم تكن كفرًا كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: آية ٣٢] ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: آية ٣٦] لا تعصوا الله فيهن، هذا معنى قوله: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: بسببها.
﴿فَانظُرْ﴾ يا نبي الله ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٦٤ ]
[الأعراف: آية ١٠٣] ماذا يؤول إليه أمر المفسدين من الوبال والدمار والخسار فإن جميع الأمم الماضية كانت عاقبة إفسادها عاقبة وخيمة جدًّا، فأهلك الله قوم نوح بالطوفان، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بالصيحة والرجفة والظّلة، وأهلك قوم موسى -فرعون وقومه- بالغرق كما سيأتي إيضاحه، وهذا معنى قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أهل الإفساد، وقد قدمنا أنهم الذين يحاولون أن يعملوا في الأرض بغير ما أنزل الله (جل وعلا) على رسله.
يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٠٤، ١٠٥] قرأ هذا الحرف جماهير القراء، منهم السبعة كلهم غير نافع: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ حقيق عَلَيَّ أنْ لا أقول على الله إلا الحق﴾ (^١)، وقراءة الجمهور فيها إشكال معروف سنُلم به الآن إن شاء الله (^٢).
معنى الآية: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ نبي الله موسى يعلم أن فرعون ينكر رسالته كما بيَّنه تعالى في الشعراء بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [الشعراء: الآيتان ١٨، ١٩] من يقول فرعون عنه
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١١.
(٢) في توجيه هذه القراءات انظر: حجة القراءات ص٢٨٩، ابن جرير (١٣/ ١٣)، القرطبي (٧/ ٢٥٦)، البحر المحيط (٤/ ٣٥٥)، الدر المصون (٥/ ٤٠١).
[ ٤ / ٦٥ ]
هذه الأوصاف لا يصدقه، وموسى يعلم ذلك. فأكد له في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف أنه رسول حقيق الرسالة، ليست رسالته بكذب ولا بزعم باطل، أنها رسالة صحيحة حق لا شك فيها، وأنها كائنة من رب العالمين، وهذا معنى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ﴾ ناداه باسمه ﴿إِنِّي رَسُولٌ﴾ رسالته مبدؤها ﴿مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (العالَمين) تشمل من في السماوات والأرض وما بينهما كما يأتي في الشعراء في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤] ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (من) لابتداء الغاية.
﴿حَقِيقٌ﴾ أصل مادة (الحاء والقاف والقاف) في لغة العرب تدل على الثبوت وعدم الاضمحلال. معناه: إني رسول حقيق. أي: رسالتي لا شك فيها، وأني رسول ثابت في ديوان المرسلين، رسالتي حق لا شك فيها، وأني رسول مبدأ رسالته من رب العالمين.
أما على قراءة نافع فمعنى الآية واضح، ومعناه: ﴿عَلَيَّ أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ﴾ يلزمني ويجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق، فما أخبرتك يا فرعون إلا بالحق، وأني رسول من رب العالمين، ولو ربيتني وقتلتُ القبطي قتلة متقدمة، كل ذلك لا ينافي أني رسول، وأني صادق في مقالتي، فما قلت على الله إنه أرسلني إليك إلا وأنا قائل عليه بالحق لا كاذب عليه ولا متخرص.
[ ٤ / ٦٦ ]
أما على قراءة الجمهور فمعنى الآية الكريمة مشكل؛ لأن معنى ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ فهذا معناه لم يتبادر إلى الذهن. وللعلماء في تفسير هذه الآية أجوبة معروفة عن هذا الإشكال، أقربها عندي واحد دلت عليه القرينة القرآنية، ولا ينبغي العدول عنه ومع أنه أصوب الأقوال فيما يظهر يَقِل مَنْ يَتَطَرّقه مِنَ العلماء، فأكثر أقوال المفسرين لا يذكرونه فيها، والظاهر أنه الصواب وإن قلَّ من يذكره منهم، وسنذكر الآن أقوال أهل العلم في الآية -على قراءة الجمهور- الكريمة: أن (على) بمعنى (الباء)، وقالوا: إن حروف الجر يخلف بعضها بعضًا، قالوا: و(الباء) تأتي بمعنى (على)، و(على) تأتي بمعنى (الباء). قالوا فمن إتيان الباء بمعنى (على): ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ [الاعراف: الآيه ٨٦] أي: على كل صراط، كما زعموا. ومن إتيان (على) بمعنى (الباء) قالوا: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ﴾ أي: حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي: حقيق أي: جدير وخليق بأن لا أقول على الله إلا الحق. وهذا التفسير تشهد له قراءة أُبيّ بن كعب ﵁ ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقُ بأَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ (^١) قرأها أُبيّ هكذا، وهي وإن كانت قراءة شاذة فإنها تفيد بالنسبة إلى التفسير. ومما لا ينافي هذا قراءة بعض الصحابة غير أُبي: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ أَنْ لَا أقُولَ علَى اللهِ إِلَاّ الحَقَّ﴾؛ لأن هذه تحتمل تقدير الباء أيضًا، فهذا قول.
القول الثاني: هو ما زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ من أن قوله: ﴿حَقِيقٌ﴾
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٦)، البحر المحيط (٤/ ٣٥٦)، الدر المصون (٥/ ٤٠٥).
[ ٤ / ٦٧ ]
مُضمّن معنى (حريص) على قراءة الجمهور، قالوا: ﴿حقيق على أن لا أقول﴾ [الأعراف: آية ١٠٥] أي: حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، واستشهد لهذا التضمين صاحب الكشاف في كشافه (^١) بالبيت الذي أَنْشَدَهُ سيبويه في الكتاب (^٢)، قال: ومثله تضمين بيت الكتاب (هيجني) بمعنى: ذكَّرني. والبيت الذي يعني هو البيت المشهور في كتاب سيبويه وهو قول الشاعر (^٣):
إِذا تَغَنَّى الحمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ولو تَسَلَّيْتُ عنها أُمَّ عَمَّارِ
قالوا: (هَيَّجَنِي) معناه: فَكَّرَنِي أمَّ عَمَّار ولو تسلت عنها، وهذا القول من الأقوال التي لا تظهر، فلا يخلو عندي من بعُد، والله أعلم.
وقال بعض العلماء (^٤): في الآية الكريمة قلب. وهذا القلب الذي يعنون هنا هو المعروف بالقلب العربي الذي فيه النزاع بين البلاغيين والنحويين كما هو معروف في محله، وهذا القلب أنكره جماعة من العلماء، وقال به جماعة. والحق أن هذا القلب العربي وإن أنكره البلاغيون وقالوا لا يجوز في العربية إلا إذا تضمن اعتبارًا لطيفًا، وسرًّا من أسرار اللغة العربية، وبغير ذلك لا يجوز. والنحويون يجيزه أكثرهم أنه أسلوب عربي إذا دل المقام عليه، وهو موجود في القرآن، وكثير في كلام العرب كما سنُلم به الآن إن شاء الله.
_________________
(١) الكشاف (٢/ ٨٠).
(٢) الكتاب (١/ ٢٨٦)
(٣) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ص٢١.
(٤) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٠١ - ٤٠٢).
[ ٤ / ٦٨ ]
واعلموا أن القلب يُطلق إطلاقين: يطلق في البديع، وهذا ليس من غرضنا؛ لأنه في فن البديع يسمى نوع منه القلب، وهو أن يكون الكلام إذا جئته من آخره قرأته كما جئته من أوله، فيكون الكلام يُقرأ معكوسًا كما يُقرأ مرتبًا (^١)، كقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: آية ٣] وقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: آية ٣٣] وقول الشاعر (^٢):
مَوَدَّتهُ تدُومُ لكلِّ هولٍ وَهَل كُلّ مودتُه تدومُ
فالآيتان والبيت تقرؤهما بالانعكاس كما تقرؤهما بالاطراد، وهذا ليس من غرضنا.
النوع الثاني: القلب الذي يُذكر في المعاني، وهو القلب الذي يكون فيه قلب الفاعل مفعولًا مثلًا، وهذا أسلوب عربي معروف إذا دل المقام عليه، وهو موجود في كلام العرب وفي القرآن العظيم، ومن أمثلته في القرآن العظيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: آية ٧٦] فالآية تقول: إن المفاتح تنوء بالعصبة، والمقصود القلب العربي؛ لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتح، أي: تنهض بها بمشقة وجهد كما هو واضح، قال بعضهم: ومنه في القرآن: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء﴾ [القصص: آية ٦٦] قالوا: يعني: فعموا عن الأنباء؛ لأن الإنسان هو الذي يعمى والأنباء لا تعمى، في أمثلة قرآنية. وهذا المعنى [١٦/ب] /إن دلت عليه القرائن، كثير في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير (^٣):
_________________
(١) انظر: التلخيص للقزويني ص٤٠٤.
(٢) البيت في المصدر السابق ص٤٠٤.
(٣) هذا هو الشطر الثاني من البيت، وشطره الأول هو قوله: كأن أوب ذراعيها إذا عرقت شرح قصيدة بانت سعاد للتبريزي ص٢٧.
[ ٤ / ٦٩ ]
وقد تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيل
لأن الكلام مقلوب؛ لأن (القُور) وهي الحجارة هي التي تتلفع. أي: تلتحف بالعساقيل، وهو السراب، فهو قال: إن السراب يلتحف بالعساقيل. والكلام مقلوب؛ لأن الحجارة هي التي تتلفع بالسراب، وهذا معنى قوله:
وقد تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيل
ومنه قول الآخر (^١):
كما طَيَّنتَ بالفِدَنِ السَّيَاعَا
يعني: كما طينت الفدن بالسياع. أي: طينت القصر بالطين. وهو معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قول الشاعر (^٢):
نزلت بخَيلٍ لا هوادةَ بينها وتشقى الرماحُ بالضَّيَاطِرةِ الحُمر
يعني: وتشقى الضياطرة بالرماح. وهذا النوع من القلب أنكره علماء البلاغة وقالوا: لا يجوز إلا بما تضمن اعتبارًا وسرًّا لطيفًا كقلب التشبيه. فالتشبيه المقلوب يُقلب فيه المشبه مشبهًا به، والمشبه به مشبهًا. قالوا: إنما جاز هذا لنكتة، وهي إيهام أن الفرع أقوى في وجه الشبه من الأصل كقوله (^٣):
_________________
(١) البيت للقطامي، وهو في اللسان (مادة: سيع) (٢/ ٢٥٣)، الأمالي (٢/ ٢١١)، مغني اللبيب (٢/ ٢٠٠)، وصدره: «فلما أن جرى سِمَنٌ عليها».
(٢) البيت لخداش بن زهير، وهو في الدر المصون (٥/ ٤٠١)، شواهد الكشاف ص٤٦، والضياطرة: جمع ضيطار، وهو الضخم.
(٣) البيت لرؤبة، وهو في شذور الذهب ص٣٢٠، مغني اللبيب (٢/ ٢٠٠).
[ ٤ / ٧٠ ]
وبَلَدٍ مُغبرةٍ أرجاؤهُ كأَنَّ لونَ أرضِهِ سَمَاؤُه
والذين قالوا: في الآية قلب قالوا: المعنى: حقيق على أن لا أقول على الله، كأنه جعل نفسه حقيق على أن لا يقول على الله إلا الحق. والمراد: قلب الكلام. أي: يجب عليه، حقيق عليه هو ﴿أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ فكأنه جعله هو الحقيق على القول. والمقصود: أن القول هو الحقيق عليه أن لا يقوله إلا بالحق، وفي الكلام قلب كما ترى، وهذا لا يلزم، وأنكره كثير من علماء العربية.
والوجه الذي يظهر أنه أصوب الأوجه ولا ينبغي العدول عنه وإن قلّ من تنبه إليه من علماء التفسير: هو إن معنى الآية الكريمة: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: الآيتان ١٠٤، ١٠٥] وأما قوله: ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ﴾ تتعلق بمعنى الرسالة المشار إليها في الرسول، أي: أُرسلت مشترطًا علي، أُرسلت ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ أي: أرسلني ربي على شرط ووتيرة معينة، وهي أن لا أقول عليه إلا الحق.
وقال بعض العلماء: ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ﴾ تتعلق بقوله: ﴿رَسُولٌ﴾ ﴿إِنِّي رَسُولٌ﴾ أي: رسول ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾.
وبعضهم يقول: هذا لا يجوز. والنحويون من البصريين يقولون: إن العامل إذا أخذ نعته -نُعت ووُصف- لا يعمل بعد ذلك. وعلى هذا لا يجوز إعمال (رسول) في قوله: ﴿عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ﴾ لأنه نُعت بقوله: ﴿حَقِيقٌ﴾ ولكن الأصوب في هذا أن يُقدّر عامل من جنس الرسول، فيكون المعنى: إني رسول حقيق من رب العالمين
[ ٤ / ٧١ ]
أُرسلت. أي: أرسلني رب العالمين، أرسلني على أن لا أقول عليه كذبًا، ولا أقول على الله إلا الحق، وهذا الوجه واضح لا إشكال فيه، ليس فيه تعسف ولا تكلف، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره وإن قل من انتبه إليه من علماء التفسير. وهذا معنى قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لَاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾ [الأعراف: آية ١٠٥].
الحق في لغة العرب: الثابت الذي ليس بزائل ولا بمضمحل، وعكسه الباطل. والمراد بالحق هنا: هو الشيء المطابق للحقيقة والصواب والواقع في نفس الأمر.
﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قد قدمنا أن البينة (^١) هي الدليل الواضح الذي لا يترك بالحق لبسًا.
﴿بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (من) لابتداء الغاية، والرب هو السيد الخالق المدبر الذي يدبر أمور الناس، وهو مُشْتَرك بين عشرة معان كما قدمنا (^٢).
﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (إسرائيل) هو نبي الله يعقوب (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)، ومعنى: (إسرائيل): عبد الله، و(إسرائيل): هو يعقوب، و(بني إسرائيل): أولاد يعقوب؛ لأنكم عرفتم في القرآن في قصة يوسف أنه لما أرسل إليهم وجاءوه في آخر حياة يعقوب، واجتمعوا به في مصر، سكنوا بعد ذلك في مصر وتناسلوا، وحتى سلط الله عليهم فرعون وأهانهم الإهانة المشهورة المعروفة بالقرآن، وسيأتي بيانها في هذه السورة الكريمة - سورة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٧٢ ]
الأعراف - وكان الله (جل وعلا) سلط فرعون مصر على الإسرائيليين فكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستعمل الموجودين منهم بالخدمة الشاقة، وأنقذهم الله منه على يد موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام). يزعم بعض المفسرين والمؤرخين أن بين مجيء يعقوب وأولاده ليوسف في مصر وبين مجيء موسى من مدين - لينقذهم من فرعون - يزعمون أن بينهما أربعمائة سنة والله أعلم. ويزعمون أيضًا أن مجيء يعقوب وأولاده أنهم كانوا حول الثمانين، وأن خروج الإسرائيليين الآتي ذكره من مصر عند فلق البحر لهم وإغراق فرعون وقومه أنهم كانوا يزيدون على ستمائة ألف والله تعالى أعلم.
وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى (أرسل معي بني إسرائيل) ارفع يدك عنهم، ولا تعذبهم، ولا تتعرض لهم بسوء، وخلّهم يذهبون معي إلى حيث يشاءون، هذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٥].
﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ [الأعراف: آية ١٠٦] في هذه السورة الكريمة لم يذكر عن فرعون أنه تعرض لموسى بكلام وإنما أجابه على طبق السؤال؛ لأن موسى قال: ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ورتب عليه بالفاء ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: آية ١٠٥] قال فرعون مجاوبًا على طبق السؤال: ﴿إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ يعني إن كنت صادقًا في قولك: ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فالبينة (^١): الدليل الذي لا يترك في الحق لبسًا. والآية: العلامة على الصدق،
_________________
(١) مضى قريبًا.
[ ٤ / ٧٣ ]
وهي المعجزة كما ترى هنا. ﴿فَأْتِ بِهَا﴾ يعني: ائتنا بها وبَيِّن لنا إن كنت من الصادقين ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ جزاء الشرط فيه محذوف دل عليه ما قبله، أي: ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فأت بها. عند البصريين، ولا مانع عند الكوفيين من تقدم جزاء الشرط عليه فيكون قوله: ﴿فَأْتِ بِهَا﴾ جواب شرط ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وهذا عند الكوفيين لا مانع منه.
() (^١) تجيب بها إلا كلامًا لا نفي فيه، لا تكاد تجد (نعم) في كلام العرب إلا جوابًا لكلام إثبات لا نفي فيه؛ لأن الكلام إذا كان فيه نفي كان جوابه بـ (بلى) لا بـ (نعم). فلو قلت لك: هل جاء زيد؟ أعندك ذا؟ تقول: نعم. ولو قلت لك: ألم يأت كذا؟ تقول لي: بلى ولا تقول: نعم. وإذا سُمع عن العرب إتيان (نعم) في كلام فيه نفي فإنه يُحفظ ولا يُقاس عليه؛ لأنه لا ينقاس، ولكنه سماع يُحفظ ولا يقاس عليه، وقد سُمع عن العرب إتيان (نعم) جوابًا لسؤال مقترن بنفي. فالمحل إذْ ذاك بـ (بلى) لا بـ (نعم)، إلا أنهم جاءوا بـ (نعم) سماعًا، ومنه قول الشاعر (^٢):
أَلَيْسَ الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ وإيَّانَا فذاك بنا تَداني
نَعَم وتَرى الهِلالَ كما أراهُ ويعلُوها النهارُ كما عَلاني
فالمحل هنا لـ (بلى) لا لـ (نعم)، ولكنه جاء بـ (نعم) هنا، وقد نص علماء العربية أنها لو سمعت عن العرب في مثل هذا حُفظ
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، والكلام الآتي متعلق بالآية رقم (١١٤)، وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) ﴾.
(٢) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٧٤ ]
ولا ينقاس عليه (^١).
قوله: ﴿وَإنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: ولكم عندي زيادة على الجُعل الذي تطلبون وهو كونكم من المقربين، أي: من أهل المكانة والوجاهة والجاه العظيم عندي، ذلك زيادة لكم على ما سألتم من الجعل. هذا معنى قوله: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ [الأعراف: آية ١١٤].
﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ [الأعراف: الآيات ١١٥ - ١٢٤].
يقول الله جل وعلا: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: الآيتان ١١٥، ١١٦].
بين (جل وعلا) في سورة طه أنه عند هذه المناظرة والمغالبة نصح [موسى] (^٢) السحرة وقال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
_________________
(١) في الكلام على هذه المسألة راجع ما مضى عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأعراف.
(٢) في الأصل: (فرعون) وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٧٥ ]
فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ وفي القراءة الأخرى (^١): ﴿فَيَسْحَتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَن افْتَرَى﴾ [طه: آية ٦١] ثم ذكر عن السحرة ما ذكر في قولة: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾ [طه: الآيات ٦٢ - ٦٤]. لما أجمعوا كيدهم وجاءوا صفًّا قالوا لموسى: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١١٥] (إما) هذه أداة تقسيم معروفة، والمصدر المنسبك من (أن) وصلتها في إعرابه للعلماء وجهان:
أحدهما: أنه في محل نصب بمفعول محذوف. والمعنى: إما أن تختار أن تلقي أولًا، أي: تختار إلقاءك قبلنا، وإما أن تختار كوننا من الملقين؟ ومفعول الإلقاء لم يذكر هنا إلا أنه ذكر قي آيات أُخر، فإلقاء موسى مفعوله العصا، والمعنى: إما أن تلقي عصاك وإما أن نكون نحن الملقين حبالنا وعصينا؛ لأن الذي يلقيه هو: هو عصاه، والذي يلقونه: هو حبالهم وعصيهم كما قال هنا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: آية ١١٧] فبين أن الذي يلقي هو عصاه، وذكره في طه والشعراء، وبين في سورة الشعراء أن الذي يُلقيه السحرة هو حبالهم وعصيهم كما قال: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ [الشعراء: آية ٤٤] هذا معنى قوله: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
الوجه الثاني: أن المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٩٥.
[ ٤ / ٧٦ ]
رفع مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: إما إلقاؤك أولَ، وإما كوننا نلقي أولَ.
وقال بعض العلماء: هو خبر مبتدأ محذوف: إما الأمر إلقاؤنا، وإما الأمر إلقاؤك. والكل متقارب، وهذا معنى قوله: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
يقول جماعة من علماء التفسير هنا: إن هذا حُسن أدب من السحرة، تأدبوا مع موسى هل يحب أن يكون هو أول من يلقي، أو يلقي هو الآخر. وحتى قال بعضهم (^١): لما تأدبوا مع نبي الله كان من حكمة الله أن تفضّل عليهم بالهدى والإيمان. والتحقيق الذي يظهر: أن السحرة في ذلك الوقت كفرة فجرة قبل أن يهديهم الله، وأن هذا كأنه إظهار ثقتهم بأنفسهم وسحرهم واعتقادهم أنهم غالبون، يعنون: إن ألقيت قبلنا غلبناك، وإن ألقينا قبلك غلبناك، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر!! هذا هو الأظهر، وهذا معنى قوله: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١١٥] قال لهم نبي الله موسى: تقدموا أنتم أولًا وألقوا قبلي. ومفعول (ألقوا) محذوف، ألقوا ما أنتم ملقون.
﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ [الشعراء: آية ٤٤] فلما قال لهم نبي الله موسى: «ألقوا» يعني: ألقوا ما أنتم ملقون. يزعم بعض المفسرين أنهم نحو من [] (^٢) عند كل واحد منهم عصا ضخمة، وحبل ضخم، وأن كل واحد منهم جعل السحر في عصاه وحبله، حتى كانت الدنيا كأنها حيات كالجبال
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٩).
(٢) لم تتضح الرقم المذكور لضعف التسجيل الصوتي، وكأنه قال: «سبعمائة ألف». وللوقوف على الأقوال في عددهم انظر زاد المسير (٣/ ٢٤٠ - ٢٤١) حيث ذكر (١٣) قولًا.
[ ٤ / ٧٧ ]
يركب بعضها بعضًا، وخاف الخلق جميعًا خوفًا عظيمًا. وذكر الله في سورة طه أن موسى داخله بعض الخوف كما يأتي في قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧)﴾ [طه: آية ٦٧] حيث قال: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧)﴾ [طه: الآيات ٦٥ - ٦٧] وهذا الترتيب بالفاء لأن نبي الله موسى أوجس في نفسه الخيفة من عِظَم سحرهم كما قال هنا: ﴿وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ١١٦].
وبعض المفسرين يقولون: لم يخف نبي الله من سحرهم، وإنما خاف أن يتفارق الناس ويهربوا قبل أن يُقيم حجته أمامهم. هكذا قاله بعضهم والله أعلم، هذا معنى قوله: ﴿قَالَ أَلْقُوْاْ﴾.
وهذه الآية فيها سؤال معروف، وهو أن يُقال: إن نبي الله موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) رسول كريم، والرسول لا يأمر بمنكر، وقوله لهؤلاء السحرة: ﴿أَلْقُوْا﴾ أمر بمنكر؛ لأنه أمرهم بأشد المنكر، وهو الإتيان بالأسحار تُعارض بها معجزات الله التي أيَّد بها رسله؟
والجواب عن هذا معروف (^١): وهو أن نبي الله موسى (صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم) لا يريد أمرهم بإلقاء الحبال والعصي سحرًا خبيثًا تُعارض به آيات الله، وإنما مراده إبطاله؛ لأنه في ذلك الوقت لا طريق إلى إبطاله إلا هذا، وهي أن يبرزوه ثم تأتي آية الله ومعجزة الله التي هي هذه العصا فتبتلع جميع ذلك وتترك
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٩).
[ ٤ / ٧٨ ]
الميدان خواء ليس فيه شيء، ولما كان هذا هو الطريق الوحيد للحق اضطُر إليه (صلوات الله وسلامه عليه)، وهذا معنى قوله: ﴿قَالَ أَلْقُوْا﴾.
وفي الكلام حذف دل المقام عليه، أي: ألقُوا حبالكم وعصيكم فألقَوا، فلما ألقَوا حبالهم وعصيهم ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ دل قوله: ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ على أن سحرهم من جنس الشعبذات؛ لأنهم جاءوا بسحر أخذ بعيون الناس حتى صارت ترى تخييلات ليست بحقيقية، وترى العصي والحبال تظنها حيات - ثعابين - من أضخم الحيات، بالمئات والآلاف مكدّسة كالجبال، يركب بعضها بعضًا، حتى خاف الخلق منها خوفًا شديدًا، فقوله هنا: ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ يدل على أنه تخييل بالنسبة للعين لا حقيقة. وقد صرح بذلك في طه بقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: آية ٦٦] وزعم بعض المفسرين أن الزئبق كان متوفرًا عندهم، وأنهم ملؤوا داخل العصي والحبال من الزئبق وطرحوها حتى تأثر الزئبق بحرّ الشمس فلما تأثر الزئبق تحركت العُصي والحبال صار بعضها يلتوي على بعض ويركب بعضها بعضًا!! هكذا يقول بعضهم (^١). ويظهر أنه سحر أخذوا به عيون الناس حتى صار يَتَراءى لهم هذا من الحيات العظام الكبار الضخام يركب بعضها بعضًا. وهذا معنى قوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ قد تقرر في فن العربية أن تأتي (اسْتَفْعَل) مزيدة بهمزة الوصل والسين والتاء بمعنى (أفْعَل) وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٧/ ٢٥٩).
[ ٤ / ٧٩ ]
رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: آية ١٩٥] يعني: أجاب، ومما يدل عليه من كلام العرب قول سعد بن كعب الغنوي (^١):
وداعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى الندى فلَم يَسْتجبه عند ذَاكَ مُجيبُ
فإنه جاء بـ (مجيب) التي هي اسم فاعل (أجاب) جاء بها فاعلًا لـ (استجاب)، فدل على أنه أطلق (استجاب) وأراد (أجاب) كما هو واضح.
معنى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرهبوهم. والرهب: الخوف. يعني: خوفوا الناس خوفًا شديدًا. قال بعض العلماء: استرهبوهم: استدعوا رهبتهم وخوفهم بهذا السحر العظيم.
وفي هذه الآية من سورة الأعراف سؤال معروف: وهو أن يُقال: دلت آية الأعراف هذه على أن سحر سحرة فرعون من نوع الشعبذات والأخذ بالعيون حتى يتراءى للإنسان غير الواقع في الحقيقة؛ لأنه قال: ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ وصرح بما يدل على ذلك في قوله في طه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: آية ٦٦] وهاتان الآيتان - آية طه وآية الأعراف - كلتاهما تدل على أن سحر سحرة فرعون من نوع الخيالات والشعبذات، ومع هذا وصفه الله بالعِظَم في قوله: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيم﴾ هذا هو وجه السؤال؟
وللعلماء عنه جواب (^٢): وهو أنه في الحقيقة تخييل وأخذ بالعيون حتى صار يَتَراءَى لها غير الواقع، وإنما وصفه بالعِظَم قالوا: لكثرة العصي والحبال وضخامتها. فهذا التخييل وإن كان تخييلًا خيل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٩).
[ ٤ / ٨٠ ]
للناس هذا العدد الضخم الكبير من هذه الحيات العظام الكبار كأنها جبال يركب بعضها بعضًا، فصار بهذا المنظر الهائل مع التخييل وكثرته كأنه عظيم، وصار في نفس الأمر أخذًا بالعيون وتخييلًا، وفي هذا يزول الإشكال بين الآيات، وهذا معنى قوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: أخافوهم. والرهب: الخوف. أرهبه: أخافه. والإرهاب: التخويف ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرهبوهم، أي: أخافوهم. فجاءوا بسحر عظيم؛ لكثرة تلك الحبال والعصي وضخامتها وكبرها، وكون بعضها يركب بعضًا حتى امتلأ الوادي بالحيات العظام والأفاعي، حتى خاف جميع الناس، وهذا معنى قوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: آية ١١٦].
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف: الآيات ١١٧ - ١١٩].
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾.
في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات (^١): قرأه جمهور القراء غير حفص عن عاصم والبزي عن ابن كثير: ﴿فإذا هي تَلَقَّفُ ما يأفكون﴾ وقرأه البزي وحده عن ابن كثير: ﴿فإذا هي تَّلَقَّفُ ما يأفكون﴾ بتشديد التاء بإدغام إحدى التاءين في الأخرى؛ لأن أصله: (تتلقف) وقرأه حفص عن عاصم: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ مضارع لقِفه بكسر القاف يلقَفه بفتحها. فَتَحَصَّل أن قراءة الجمهور:
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٣، حجة القراءات ص٢٩٢.
[ ٤ / ٨١ ]
﴿تَلَقَّف ما يأفكون﴾ [الاعراف: آيه ١١٧] وهو مضارع (تَلَقَّفَه يَتَلَقَّفه) إذا ابتلعه بسرعة هائلة. والمعنى: كل من التقم شيئًا بسرعة تقول العرب: «تَلَقَّفَه ولَقِفَه». فقراءة الجمهور حُذف فيها إحدى التاءين، أصلها: فإذا هي تتلقف ما يأفكون، أي: تبتلعه وتلتقمه بسرعة، وعلى قراءة البزي فأصله: فإذا هي تَّلَقَّف ما يأفكون. في الصلة خاصة، فهي واضحة؛ لأن (تفعّل) و(تفاعل) يجوز فيها الإدغام. واستجلاب همزة الوصل، وهو كثير، كاطّيرنا بمعنى: تطير، وازيّنت بمعنى: تزين، وادّارك بمعنى: تدارك، وهو كثير، ومن أمثلته في الماضي في كلام العرب قول الشاعر (^١):
تُولي الضجيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرًا عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ
يعني: تتابع القُبل. وهذا لا إشكال فيه.
أما على قراءة حفص عن عاصم: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ فهو مضارع لقفه يلقفه إذا ابتلعه بسرعة. فمعنى القراءتين واحد.
ومعنى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: آية ١١٧] يأفكون: مضارع أفكه يأفكه بالكسر، وأصل المادة الهمز والفاء والكاف (أَفَكَ) معناه: قَلْبُ الشيء وصرفه، فالأَفْك قلب الشيء وصرفه؛ ولذا سُمي الكذب إفكًا لأنه قلب للكلام وصرف له عن حقيقته الواقعة إلى الكذب والباطل، ومن أجل هذا سُميت قرى قوم لوط: (المؤتفكات)، سمَّاها الله: (المؤتفكات) وسماها: (المؤتفكة) في قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ [النجم: آية ٥٣] وإنما سماها: (مؤتفكة) لأن جبريل ﵇ أَفَكَها بإذن الله. أي: قلبها، ومعنى
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٨٢ ]
أَفْكِهِ لها هو قلبها وجعل عاليها سافلها كما صرح الله به في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: آية ٧٤] وما جُعل عاليه سافله فقد أُفك، أي: قُلب حتى صار أعلاه أسفله. هذا أصل الإفك (^١). ومعنى: (يأفكون) يختلقون ويكذبون ويفترون من أن هذه العصي والحبال أنها حيات حقيقية مثل العصا التي عند موسى. سماه إفكًا لأنه قلب [لحقيقة الأمر] (^٢) وصرف له عن حقيقته الصحيحة إلى الكذب والافتراء.
ومعنى الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما جاءوا بذلك السحر العظيم أوحى الله إلى نبيّه موسى أن يلقي عصاه؛ ولذا قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ وصيغة الجمع للتعظيم؛ يعني: فألقى عصاه بأمر من الله ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ فاجأ ذلك من العصا، إذا هي ﴿تَلْقَفُ﴾ أي: تبتلع جميع ما يأفكون. فلما ألقاها موسى من يده، وانقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت بسرعة وقوة هائلة وعناد هائل، قال ابن زيد: كانت مناظرة موسى وسحرة فرعون في الإسكندرية من مصر، وكان ذَنَبُ العصا لما انقلبت حية وراء البحر كما يزعمون، والله أعلم.
وعلى كل حال فقد صرّح الله بأنها ابتلعت جميع ما في الميدان من الحبال والعصي. يقولون: انقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت تبتلع ذلك الموجود حبلًا حبلًا، عصًا عصًا، تلتقم ذلك وتبتلعه ولا يظهر في ضخم جثتها ولا يزيد فيها حتى تركت الميدان
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأعراف.
(٢) في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٤ / ٨٣ ]
ليس فيه حبل وليس فيه عصا!! ويقول المؤرخون والمفسرون (^١): إن الخلق خافوا خوفًا شديدًا، وأنه مات منهم عدد من الآلاف كثير من شدة الزحام هربًا من خلقها!! ويزعمون أن فرعون كان في مجلس له هو وقومه ينظر، وأنه داخله خوف شديد حتى قال بعضهم: إِنَّهُ سَلَحَ ثلاثمائة سلحة (^٢)!!
وقال بعضهم: كان لا يأتي الغائط في أربعين يومًا إلا مرة واحدة وفي ذلك اليوم وقع منه ذلك أربعون مرة كما يقولون!! والله أعلم.
وعلى كل حال لما ألقى موسى العصا واستحالت إلى هذا الثعبان العظيم والتقمت جميع ما كانوا يكدّسونه من الحبال والعصي ولم يبق فيهم شيء، وجاء موسى وأخذها بيده فإذا هي عصاه، ولم يوجد أثر ولا عين لتلك الحبال والعصي، عرف السحرة أن هذا أمر من خالق السماوات والأرض فخرّوا ساجدين لله بإيمان صحيح، وإخلاص عظيم رغم فرعون، وقالوا: آمنا بالله رب العالمين، رب موسى وهارون، وداخلتهم بشاشة الإيمان مداخلة هائلة عظيمة، فعبّر الله عن شدة عظم البرهان بقوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: آية ١٢٠] عبر بقوله: ﴿وَأُلْقِيَ﴾ كأن إنسانًا أمسكهم وألقاهم ساجدين بالقوة لقوة البرهان الذي رأوا به الحق،
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٢) قال في المصباح المنير: «سلح الطائر من باب (نفع) وهو منه كالتغوط من الإنسان» اهـ (مادة: سلح) ص١٠٨.
[ ٤ / ٨٤ ]
ومن هنا تعلم أنه قد يكون الشيء الخسيس الحقير وفيه بعض النفع كما قالوا:
() (^١) لأن علم السحر -قبَّحه الله- من أخسّ العلوم وأقبحها، وقد صرح الله (جل وعلا) في المحكم المنزل في سورة البقرة أن تعلمه يضر ولا ينفع، فهو ضرر محض لا نفع فيه كما قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ ولكن الله قد نفع هؤلاء القوم بهذا العلم الخسيس الخبيث، فتبين أن قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: آية ١٠٢] من جميع الحيثيات غير هذه الحيثية وهو انتفاعهم به أنهم كانوا عالمين بالسحر عارفين بحدوده التي ينتهي إليها، فلما جاءت العصا والتقمت جميع الحبال والعصي ولم يجدوا حبلًا ولا عصا عرفوا أن هذا من الله؛ لأنهم يعرفون السحر ويعرفون مدى تأثيره، فمعرفتهم بالسحر كانت نفعًا لهم بأن عرفوا أن العصا ليست من جنس السحر، فلو كانوا جاهلين بالسحر لظنوا أن عصا موسى من جنس السحر والشعوذة، وهم لما عرفوا السحر تمامًا عرفوا أن البرهان خارج عن طور السحر، وأنه لا يدخل فيه، وأنه أمر إلهي؛ ولذا ذُكر عنهم أنهم قالوا: لو كانت العصا من جنس السحر لوجدنا حبالنا وعصينا، فما انعدمت حبالنا وعصينا من أصلها إلا ببرهان من السماء. قيل: وقد قالوا لفرعون: إن كان هذا من سحر أهل الأرض فثق بأنا نغلبه، والذي لا طاقة لنا به هو شيء يأتي من السماء، فإن كان عنده شيء يأتي من السماء فلا طاقة لنا به، فلما كان من أمر العصا ما كان علموا أنه من السماء وأنه مِنْ أَمْرِ اللهِ فآمنوا هذا الإيمان العظيم؛ ولذا قال الله عنهم:
_________________
(١) في هذا الموضع كلام غير واضح.
[ ٤ / ٨٥ ]
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: آية ١٢٠].
ومعنى قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ لما ابتلَعَتِ العصا كل ما في الميدان مما أفكوه واختلقوه من الحبال والعصِي لما ابتلعت العصا ذلك كله قال تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ رتب على ذلك وقوع الحق بالفاء، قال بعض العلماء: (وقع الحق) معناه: حصل وانثبت. وجماهير المفسرين يقولون: (وقع الحق) هنا معناه: ظهر واستبان واتَّضَحَ، حيث ظهر الحق واستبان واتضح، وبطل الباطل واضْمَحَلَّ، وعُرفت الحقيقة على بابها. والعرب يطلقون الوقوع على الظهور، قال بعضهم: الوقوع في لغة العرب: ظهور الشيء بوروده منحدرًا إلى مستَقَرِّهِ. وعلى كل حال فأكثر العلماء منهم ابن عباس وغيره يقولون: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: ظَهَرَ واسْتَبَان واتَّضَحَ الحق أنه مع نبي الله موسى، وبطل ما كان يعمله السحرة من المخطط في الحبال والعصي.
وهذا معنى قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ [الأعراف: آية ١١٨].
وكان نبي الله موسى قبل أن يلقي عصاه عالمًا أن سحرهم باطل، وأنه سيُبْطِلُهُ ويَضْمَحِلّ كما جاء عنه في سورة يونس: ﴿فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ [يونس: الآيتان ٨١، ٨٢].
﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف: آية ١١٩] معروف أن (هنالك) إشارة لمكان بعيد، والواو في قوله: ﴿فَغُلِبُواْ﴾ راجع
[ ٤ / ٨٦ ]
إلى السحرة، (غُلبوا هنالك) غلبهم موسى ببرهان العصا لما ابتلعت جميع ما عندهم من الحبال والعصي ﴿وَانقَلَبُواْ﴾ أي: السحرة وكل مَنْ كَانَ مَعهم كفرعون وحزبه ﴿وَانقَلَبُواْ﴾ رجعوا صاغرين؛ أي: أذلاء حقيرين داخرين، وهذا معنى قوله: ﴿وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ﴾ الصاغر: هو وصف من الصَّغَار، والصَّغَار: الهوان والدخور والذلة كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩)﴾.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١١٩، ١٢٠] بعد أن غُلبوا عرفوا بُرْهَانَ اللهِ وآمَنُوا بالله إيمانًا صحيحًا. وهو أمر في الحقيقة فيه عجب؛ لأنهم أول النهار كانوا يجادلون بالباطل ويعارضون آيات الله بالسِّحْرِ، وفي آخر النهار صاروا من أولياء الله، وصار تعذيب الدنيا وما فيها كله ليس عندهم بشيء لقوة الإيمان الداخل في قلوبهم؛ ولذا هدّدهم فرعون بأعظم تهديد وهو أن يقطع يد الواحد اليمنى ورجله اليسرى ويصلبه على جذع النخلة، وجذع النخلة هو أخشن جذع خلقه الله في الأشجار، وهذا عذاب شديد، ومع هذا احتقروا عذابه ولم يكن عندهم بشيء، كما قال الله عنهم: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: الآيتان ٤٩، ٥٠] أي: لا ضرر علينا في ذلك. حتى قالوا له في سورة طه: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: آية ٧٢] أي: وليس فيها شيء يهم؛ [لسرعة زوالها] (^١) وانقضائها، نحن نرغب فيما عند الله، ولا نبالي بما في الدنيا، كما يأتي في قوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] ونحو ذلك.
_________________
(١) في الأصل: لزوال سرعتها. وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٨٧ ]
فالإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب هان على صاحبه كل شيء، وصغرت في عينه الأذيّات والتعذيب، ورجا ما عند الله كهؤلاء السحرة.
وقوله هنا: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: آية ١٢٠] هم وقت إلقائهم ساجدين ليسوا بسحرة، بل إنما هم من عباد الله المكرمين المؤمنين الأفاضل، ولكنه سماهم سحرة نظرًا لحالهم الماضية كما سمى البالغين (يتامى) نظرًا لهم في حالهم الماضية في قوله: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: آية ٢] كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ أي: لله إيمانًا بالله.
﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ [الأعراف: آية ١٢١] أي: خالق السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن (العالمين) تشمل السماوات والأرض وما بينهما، كما قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الشعراء: الآيتان ٢٣، ٢٤].
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: آية ١٢٢] الذي أنزل عليهما هذه المعجزة العظيمة الدالة على صدقهما وعلى ربوبيته وحده جل وعلا.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ قرأ هذا الحرف حفص عن عاصم وحده من السبعة قال: ﴿ءامَنتُم﴾ بلا همزة استفهام على الخبر، وقرأه الجمهور: ﴿ءآمَنتُم به﴾ (^١) وهم على أصولهم في تسهيل الهمزتين، من يسهل الثانية ويأتي بألف الإدخال، ومن
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٣.
[ ٤ / ٨٨ ]
يحققهما كما هو معروف في محله: ﴿ءَامَنتُم بِهِ﴾ أي: أآمنتم به أيها السحرة؟ آمنتم بموسى قبل أن آذن لكم في ذلك؟ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي تواطأتم أنتم وهو عليه ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأعراف: آية ١٢٣] لحيلة احتلتموها وتوافقتم عليها وتواطأتم عليها لتخرجوا أهل البلد من بلادهم -وهم القبط- وتُسكنوا في أرضهم بني إسرائيل، وتتفقوا معهم على ذلك!! وهذا فعله فرعون مكرًا منه وخداعًا، وخوفًا منه أن تتبع الناس السحرة فيؤمنوا بموسى!! [فادعى] (^١) أن موسى والسحرة تواطئوا على مكر خبيث يريدون ظلم أهل البلد وإخراجهم من بلدهم وإسكان غيرهم فيه -قبّحه الله- وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ﴾ يعني: إيمانكم أنتم بموسى وسجودكم لربه وموافقتكم له ﴿مَكْرَ﴾ أي: حيلة احتلتم أنتم وإياه بها، احتلتم بها على أهل البلد لتخرجوهم من بلادهم، وهذا معنى قوله: ﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ بعضهم يقول: المدينة التي وقع فيها: الإسكندرية. والله تعالى أعلم.
﴿لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ لأجل أن تخرجوا منها أهلها باتفاقكم عليهم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف تعلمون ما أُنكلكم به من التعذيب على مكركم وموافقتكم مع موسى [١٧/أ] على المكر، وإخراج أهل الأرض منها. ثم بين ما يعدهم به/ فقال: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] الأيدي: جمع يد، ووزنه (أَفْعُل) والأرجل كذلك وزنه (أَفْعُل) ومعلوم أن (أَفْعُل) من جموع القلة، إلا أن المقرر في الأصول وفي علوم العربية: أن جموع القلة لا تكون جموع قلة إلا إذا كانت مُنكَّرة خاصة، أما إذا أُضيفت إلى معارف فهي صيغ عموم، وهي إذًا من جموع الكثرة.
_________________
(١) في الأصل: فجعل.
[ ٤ / ٨٩ ]
ومعنى قوله: ﴿مِّنْ خِلَافٍ﴾ أي: من جهتين مختلفتين بأن يقطع اليد اليمنى من شِق فيضعف ذلك الشِّق باليد [ويقطع] (^١) الرجل اليسرى من الشق الآخر فيكون كل من الشّقين قد ضعف.
﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لم يبيّن هنا في الأعراف ولا في الشعراء ماذا الذي يصلبهم عليه، وقد بيّن في سورة طه أنه يصلبهم في جذوع النخل (^٢) كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: آية ٧] وجذع النخل هو أخشن جذع من جذوع الشجر خلقه الله -جل وعلا- وأصعب على المصلوب الصلب عليه. وعلماء البلاغة يقولون: إن قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: آية ٧١] فيه ما يسمونه (استعارة تبعية) في معنى مُتَعَلَّق الحرف (^٣). والأظهر أنه أسلوب عربي معروف، فالعرب تقول: صلبه على الجذع، وصلبه فيه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومن قولهم: «صلبه في الجذع» قول الشاعر (^٤):
همو صلبوا العَبْديَّ في جِذْعِ نخْلةٍ فلا عطستْ شيبانُ إلا بأَجْدَعَا
وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] لأصلبنكم في جذوع النخل أجمعين.
وهذا يدل على أن أولياء الله يُمتحنون دائمًا في الله، فخير ما تكون به المحنة: المحنة في الله، فعلى المسلم إذا بُلي في دينه
_________________
(١) في الأصل: «ويضعف». وهو سبق لسان.
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٣٠).
(٣) انظر: جواهر البلاغة ص٢٤٨.
(٤) البيت في اللسان (مادة: فيا) (٢/ ١١٥٨).
[ ٤ / ٩٠ ]
وامتُحِنَ في اللهِ أنْ يَصْبِرَ ويصمد، ويعرف أن هؤلاء السحرة وُعِدُوا بِقَطْعِ أيديهم وأرجلهم، والصلب على جذوع النخل، ومع هذا همْ صَامِدُون صابرون لا يلتفتون إلى فرعون، بل يقولون له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: آية ٧٢] فالله قصّ علينا خبر هؤلاء لنعتبر بهم كما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: آية ١١١] فإذا جاءتنا أذيّة وبلايا في ديننا فعلينا أن نصبر على المحن بالغة ما بلغت، ولا نتلاشى ولا نضعف، ولا نضيع ديننا؛ لأن خير ما يُبلى الإنسان فيه ويصمد ويصبر هو دينه.
﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: الآيات ١٢٥ - ١٢٩].
﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ هذا جواب السحرة لفرعون لما آمنوا بالله إيمانًا عظيمًا، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وقال لهم فرعون إنهم هم وموسى تواطئوا واتفقوا على إخراج أهل قريتهم من مدينتهم مكرًا منهم، وتواطئوا على الظلم، ووعدهم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم في جذوع النخل، لمّا توعدهم فرعون هذا الوعيد الشديد، وعابهم هذا العيب المختلق أجابوه هذا الجواب
[ ٤ / ٩١ ]
الإيماني العظيم، وقالوا له كأنهم يقولون له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: آية ٧٢] وأوعد من العذاب ما أنت واعد فنحن لا نبالي بك ولا نرائي بك ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] راجعون إلى رب رحيم كريم عظيم الجزاء سنجد عنده من النعيم ما يُنسينا جميع مضار الدنيا وما فيها من البؤس، كأنهم برغبتهم فيما عند الله وعلمهم بما يجازيهم به الله من النعيم سقط من أعينهم عذاب الدنيا، وصاروا يعتقدونه كَلَا شيء، وهذا هو الصحيح بالآية، وقد بيّنه الله في سورة الشعراء، وبيّنه بإيضاح: أنه لما ذكر في سورة الشعراء أن فرعون توعدهم هذا التوعد بالعذاب في قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ [الأعراف: آية ١٢٤] أجابوه قائلين كما قصّ الله عنهم في سورة الشعراء: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: آية ٥٠] (لا ضير) الضير معناه: الضرر. قالوا: ضَارَّه يضيره ضيرًا، وضره يضره ضرًّا بمعنى واحد، كما قدمنا إيضاحه بشواهده في قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئًا﴾ على قراءة: ﴿لا يَضِرْكُم كيدهم شيئًا﴾ [آل عمران: آية ١٢٠] (^١).
وقوله: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ بناه مع (لا)، والنكرة المبنية مع (لا) تدل على أن (لا) هي التي لنفي الجنس، فكأنهم نفوا جنس الضرر في عذاب الدنيا واحتقروه وهان في أعينهم ورأوه لا شيء بالنظر إلى ما عند الله. ثم بينوا علّة انتفاء ذلك الضرر في أعينهم فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥] كما يوضح آية الأعراف هذه.
ثم قالوا موضحين: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٦٨.
[ ٤ / ٩٢ ]
الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ [الشعراء: آية ٥١] فالمؤمن الحق إذا علم ما عند الله من النعيم والثواب هان وصغر في عينه كل عذاب وبلاء في الدنيا، كما قالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: آية ٧٢] أي: وليس فيها شيء يهم [لسرعة زوالها] (^١) وانقضائها. فهذا معنى قوله: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٥].
هذا الانقلاب ينقلب به كل أحد كائنًا ما كان، فينبغي لكل إنسان أن يُحسِّن منقلبه إلى الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: آية ٢٢٧] فمعنى: ﴿مُنقَلِبُونَ﴾ أنهم يموتون فيبعثون فيُقلبون إلى الله، يرجعون إليه فيجازيهم، هذا معنى قوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ [الأعراف: آية ١٢٥].
ثم بيّنوا لفرعون أنه ظالم لهم وليس لهم ذنب يعيبهم به ولا يعذبهم لأجله، وقالوا: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا﴾ العرب تقول: (ما تنقم مني)؟ معناه: ما تعيب مني وما تَنْتَقِدُ مِنيِّ؟ وأقوال علماء التفسير متقاربة (^٢)، كلها راجعة إلى شيء واحد، فبعضهم يقول: ﴿وَمَا تَنقِمُ﴾ ما تعيب منا؟ ما تُنكر منا؟ ما تكره منا؟ ونحو ذلك، فهي أقوال معروفة، والعرب تقول: نقم عليّ فلان كذا ونَقِمَهُ. أي: انتقده وأنكره عليَّ وكرهه مني. فكأنهم يقولون لفرعون: ما تعيب وتكرهه منا وتنكره حتى تجعله سببًا لتعذيبنا إلا أعظم الأشياء وأحسنها وأشدها استجلابًا للمودة والمحبة، فهو الإيمان بالله أي: ﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ يعني: ما تعيب علينا شيئًا ولا تكره منّا شيئًا فعلناه
_________________
(١) في الأصل: «لزوال سرعتها». وهو سبق لسان.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٥)، القرطبي (٧/ ٢٦١).
[ ٤ / ٩٣ ]
﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] واضحة لا لبس فيها. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا﴾.
ولما بينوا لفرعون أنهم ما فعلوا شيئًا يستوجبون عليه تعذيبًا سألوا الله أن يرزقهم الصبر على العذاب الدنيوي، وأن يميتهم وهم على إسلامهم، سألوه سؤالين عظيمين:
أحدهما: أن يعطيهم الصبر ويعينهم عليه.
والثاني: أنه يثبتهم على إيمانهم وإسلامهم حتى يموتوا ويلقوه مسلمين؛ ولذا قال الله عنهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإفراغ في لغة العرب التي نزل بها القرآن: الصبُّ الشديد الذي يترك الإناء فارغًا لا شيء فيه ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ معناه: اصبب علينا صبرًا من عندك. ونكَّر الصبر هنا للإشعار بالتعظيم؛ أي: صبرًا عظيمًا جميلًا، عظيمًا نواجه به تعذيب هذا الجبار ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ أمِتْنا، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ أي: ونحن على إسلامنا لا تزغ قلوبنا ولا تُشقنا ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
وهذه الآية الكريمة نظائرها كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، وأسلوبها الذي جاء بها هو الذي يقول له البلاغيون: (تأكيد المدح بما يشبه الذم) (^١) ونظيرها في القرآن قوله: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: آية ٧٤] ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَاّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: آية ٨] وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
_________________
(١) انظر: الملخص للقزويني ص٣٨٢.
(٢) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات. وهو في اللسان (مادة: نقم) (٣/ ٧١٠)، البحر المحيط (٥/ ٧٣)، الدر المصون (٦/ ٨٧).
[ ٤ / ٩٤ ]
ما نقِموا من بني أُمَيَّةَ إلا أنهم يَضرِبُون فَيَغْلِبُون
وهو كثير في كلام العرب، كقوله: ﴿أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: آية ٤٠] ومنه قول نابغة ذبيان (^١):
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائبِ
وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [الأعراف: آية ١٢٦] اصبب علينا صبرًا عظيمًا نواجه به نكال هذا الجبار.
والصبر في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو حبس النفس عن المكروه، تقول: صبرت نفسي. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ومادته تتعدى وتلزم، ومن تعديها قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: آية ٢٨] وقول عنترة العبسي (^٢):
فَصَبَرْتِ عَارِفَةً بِذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
كما هو معروف.
والصبر في اصطلاح الشرع (^٣) خصلة عظيمة يندرج فيها جميع خصال الإسلام؛ ولذا قال الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: آية ١٠] ومن سادات الصابرين: الصائمون؛ لأنهم صبروا لله عن شهوات بطونهم وفروجهم طاعة لربهم.
والصبر في اصطلاح الشرع يستلزم الصبر عن جميع المعاصي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
(٣) السابق.
[ ٤ / ٩٥ ]
ولو اشتعلت نار الشهوات، والصبر على الطاعات وإن كان كالقابض على الجمر، والصبر على البلايا عند الصدمة الأولى كما طلبه هؤلاء؛ لأنهم في بلية ومحنة كبرى يطلبون الصبر عليها، ويدخل فيه الصبر على الموت تحت ظلال السيوف عند التقاء الصفين (^١).
وقوله: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٦] قدمنا مرارًا معنى الإسلام والإيمان، وأن الإسلام في لغة العرب معناه: الإذعان والانقياد، فكل مذعن منقاد فهو مسلم. وأسلم له إذا أذعن وانقاد (^٢)، وهو معروف في كلامهم، ومنه قول زيد بن نفيل مؤمن الجاهلية (^٣):
وَأَسْلَمتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالا
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوْتْ شَدَّها جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الجِبَالا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي ِلمنْ أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالا
إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سجَالا
فقوله: أسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له الأرض، وأسلمتْ له الصخر.
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حَالًا فَحَالا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
(٢) انظر: المقاييس في اللغة. كتاب السين، باب السين واللام وما يثلثهما ص٤٨٧.
(٣) مضت هذه الأبيات عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأعراف. ولفظ البيت الثاني في السيرة لابن هشام (١/ ٢٤٧): دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا
[ ٤ / ٩٦ ]
معناه: أذعنتُ وانقدتُ لمن أذعن له الريح والمزن والحجارة. هذا أصل معنى الإسلام في لغة العرب.
وهو في اصطلاح الشرع (^١): الإذعان والانقياد التام من جهاته الثلاث، أعني: انقياد القلب بالاعتقاد والنيات، وإذعان اللسان بالإقرار، وإذعان الجوارح بالعمل. أي: توفَّنا منقادين لك ولطاعتك بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا حتى نلقاك وأنت راض عنا. وهذا معنى قوله: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٦].
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾ [الأعراف: آية ١٢٧].
لما وقع ما وقع وآمن السحرة لله حرّض أشرافُ جماعة فرعون حرضوا فرعون على موسى وقومه يريدون أن يقتلهم أو يُنكل بهم؛ ولذا قال الله عنهم: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ﴾ أي: أشراف جماعة فرعون قالوا لفرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ (أتذر موسى) معناه: أتترك موسى وقومه الذين هم معه مؤمنون به وهم بنو إسرائيل، أتذرهم؛ أي: تتركهم لأجل أن يفسدوا في الأرض؟
وهذا الفعل الذي هو (تذر) لم يُسمع منه إلا مضارعه وأمره، تقول العرب: (ذر) بمعنى اترك. و(تذر) بمعنى: تترك. ولم يُسمع منه غير هذا (^٢). فلم يأت من كلامهم فعل ماض، ولا مصدر، ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، فاسم فاعله: تارك. واسم مفعوله:
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية ص٤٨٨.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة المائدة.
[ ٤ / ٩٧ ]
متروك. وهكذا نطقت به العرب أمرًا ومضارعًا فقط. أي: أتترك موسى وقومه؟
واللام في قوله: ﴿لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ هذه لام التعليل المعروفة بلام كي، وأصلها تُشكل على طلبة العلم: كيف جاءت هذه اللام المُعَلِّلة بهذا الوضع؟ والجواب عن ذلك: أن الملأ من قوم فرعون زعموا أن مجرد تركه لهم هو علة لإفسادهم في الأرض؛ فجعلوا مجرد ترك فرعون لموسى وقومه، وعدم قتلهم أو التنكيل بهم جعلوه هو نفس علَّة الإفساد في الأرض، ولذا جاءوا بعد قولهم: ﴿أَتَذَرُ﴾ باللام في قوله: ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٢٧] كما يزعمون: (إن السَّفيه إذا لم يُنه مأمور) (^١)؛ لأنك إن لم تنههم فتضرب على أيديهم فكأنك قد أمرتهم بالإفساد في الأرض!!
وقد قدمنا مرارًا أن الكفرة الفجرة يزعمون العمل بكتب الله واتباع رسله إفسادًا في الأرض. وقد أوضحنا ذلك فيما مضى. فمعنى إفسادهم في الأرض: أنهم يزعمون أنهم يؤمنون بموسى، ويكونون معه، ويكونون حربًا على القبط فيخرجوهم من بلاد مصر، هذا معنى إفسادهم في الأرض المزعوم.
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ نصب ﴿وَيَذَرَكَ﴾ عطفًا على ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾ وقيل: إنه منصوب بـ (أن) بعد الواو؛ لأن الواو هي أخت الفاء، فبعد الاستفهام يُنصب بعدها المضارع بـ (أن) مضمرة، كما هو معروف، كقول الحطيئة (^٢):
_________________
(١) انظر: جمهرة الأمثال للعسكري ص٥١٢، معجم الأمثال العربية (٢/ ٣٦٦).
(٢) البيت في ديوانه ص ٥٤، والقرطبي (١/ ٢٧٥).
[ ٤ / ٩٨ ]
ألَمْ أكُ جَاركُمْ وَيَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإِخَاءُ
كما هو معروف في محلّه، وأظهر القولين: أنها عطف على الفعل المنصوب في ﴿لِيُفْسِدُواْ﴾.
﴿وَيَذَرَكَ﴾ يعني: يتركك وآلهتك، لا يعبدك ولا يعبد آلهتك. يزعم المؤرخون أن لفرعون آلهة يأمر قومه بعبادتها، وهم يتقربون إليه هو بعبادتها، وهو كأنه هو الإله الكبير، كما يأتي في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: آية ٢٤] عليه لعائن الله، وقراءة الجمهور ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ ويذرك فلا يعبدك ويذر آلهتك فلا يعبدها، وقراءة ابن عباس: ﴿ويذرك وإِلاهَتكَ﴾ (^١) أي: وعبادتك. وهي قراءة شاذة، فـ (الإلاهة): العبادة. قال فرعون لهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ﴾، سنُنكل بهم ولا نمهلهم، ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ﴾، كل مَنْ يولَدُ لهم قَتَلْنَاهُ ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ﴾ نترك بناتهم ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ () (^٢) يعني: فوقيّة مكانة ومنزلة، قاهرون لهم، مذللون لهم تحت سلطاننا.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن فرعون ذبح أولاد بني إسرائيل تذبيحتين:
التذبيحة الأولى التي كانت سببًا لجعل أم موسى موسى في التابوت، كما سيأتي خبرها مفصَّلًا في سور من كتاب الله، حيث قال لها: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: آية ٧] وخوفها عليه أي من قتل فرعون للأولاد حذرًا من ذلك الغلام الذي سيزول ملكه عليه.
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (٥٩) من هذه السورة.
(٢) في هذا الموضع وقع مسح يسير في التسجيل، وهو لا يؤثر؛ لأن المعنى مستقيم بصورته الحالية.
[ ٤ / ٩٩ ]
وتذبيح الأولاد الثاني: هو بعد أن جاءهم موسى نبيًّا من الله، كما صَرَّحَ الله به هنا، وأوضحه في سورة المؤمن في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥)﴾ [غافر: آية ٢٥] وهذا معنى قوله: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ﴾ وقرأ بعضهم: ﴿سَنَقْتُلُ أبناءهم﴾ (^١).
﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٧] لما هددهم فرعون هذا التهديد بقتل الأبناء جزع الإسرائيليون، جزعوا جزعًا شديدًا من ذلك، وخافوا منه خوفًا شديدًا، فصار نبي الله موسى يهدئهم، ويشير لهم إلى الوعد الذي عنده من الله، ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: آية ١٢٨] استعينوا: معناه اطلبوا العون من الله، والياء في (استعينوا) مُبدلة من واو؛ لأن المادة واوية العين، ووزن (استعينوا): (اسْتَفْعِلُوا) (^٢) والسين والتاء للطلب؛ أي: اطلبوا العَوْن من الله على هذا الطاغية العظيم، وهذا الجبار الكافر، وتَرَقَّبُوا ما عند الله مِنَ الفَرَجِ، ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ احبسوا نفوسكم على المكروه حتى يخلصكم الله بفضله: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لله﴾ الأرض بجميعها ويدخل فيها أرض مصر ﴿يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: يجعلها في آخر الأمرين لمن يشاء أن يجعلها له من عباده ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ (^٣): الحال الحسنة التي تكون في آخر الأمرين، وما يؤول إليه الحال ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٣.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٤) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ١٠٠ ]
نواهيه. وقد قدمنا مرارًا في هذه الدروس (^١) أن المتقي اسم فاعل الاتقاء، وأن (الاتقاء) في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: اتخاذ الوقاية. تقول مثلًا: اتقيت الرمضاء بنعلي، والسيوف بمِجَنِّي. وكل شيء جعلت بينه وبينك وقاية فقد اتقيته، ومنه قول نابغة ذبيان (^٢):
سَقَطَ النَّصِيْفُ ولم تُرِدْ إسْقَاطَهُ فَتَنَاوَلَتْهُ واتْقَتْنَا بِالْيَدِ
أي: جعلت يدها وقاية بيننا وبين وجهها لئلا نراه.
وأصل مادة التقوى من (وقي) ففاؤها واو، وعينها قاف، ولامها ياء (^٣). فهي مما يسميه الصرفيون: لفيفًا مفروقًا (^٤)، هذا أصلها.
والاتقاء: اتخاذ الوقاية، والاتقاء في الشرع: هو اتخاذ الوقاية التي تقي سخط الله وعذابه، وهذه الوقاية التي تقي الإنسان سخط ربه وعذابه هي امتثال أمره واجتناب نهيه (جل وعلا). فالاتقاء: امتثال الأمر واجتناب النهي، وهو اتخاذ الوقاية التي تقي سخط الله وعذابه، وهذا معنى قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٨].
لما هدَّأ موسى قومه، وأمرهم بالصبر، وأشار لهم إلى وعد الله، وأن العاقبة لمن اتقى الله وهم المؤمنون لا الكافرون قال له قومه: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: آية ١٢٩] حُذف الفاعل هنا وهو معروف، أي: آذانا فرعون وقومه من قبل أن تأتينا من مدين
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة.
(٢) مضى عد تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة.
(٣) السابق.
(٤) لأن حروف العلة غير متوالية فيه، بخلاف اللفيف المقرون.
[ ٤ / ١٠١ ]
بعد أن صرت نبيًّا، وذلك الإيذاء هو ذبح أولادنا، واستحياء نسائنا، وإهانتنا بالأعمال الشاقة. وقعت لنا منه هذه الإهانات وأنت هنالك في مدين قبل أن تأتينا ووقع لنا ذلك بعد ما جئتنا، فتراه الآن يقول: إنه يذبح أبناءنا!! فقد حصل لنا الأذى في كل الأوقات قبل مجيئك وبعده. وهذا معنى قولهم: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ فَهَدَّأَهم نبي الله موسى، وأشار لهم إشارة أكبر من الأول إلى الوعد بنصر الله لعباده المؤمنين، وإهلاك الكفرة الظالمين، قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ (عسى) فعل تَرَجٍّ يدل على رجاء اتصاف المبتدأ بالخبر، وخبره غالبًا إنما يكون فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ (أن) وربما جُرِّد من (أن) كما هو معروف في محله. أي: فأرجو لكم رجاء قويًّا من عند خالقكم (جل وعلا)، أي: من خالقكم ومدبر شؤونكم عسى أن يهلك عدوكم فرعون وقومه بأمر من عنده ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي: يجعلكم خلفاء في الأرض من بعدهم ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فذلك يدل على أن المستخلفين في الأرض لم يُستخلفوا فيها لأجل الإنعام بها عليهم، بل كل ذلك للابتلاء والامتحان، فيطيعون الله فيما استخلفهم فيه أو يعصونه.
وهذه الآية الكريمة فيها وعيد شديد، وتخويف عظيم، لمن استخلفه الله في الأرض بعد عدوِّه الذي كان يقاومه وبسط يده بالأرض، فإذا كان عنده عقل فإنه يخاف من نظر الله إليه كيف يفعل، فيطيع الله في كل ما يفعل كما لا يخفى. فهذه من أعظم المواعظ وأكبرها التي يعظ الله بها الذين يُستخلفون في الأرض بعد الذي كانوا فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ
[ ٤ / ١٠٢ ]
تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٢٩].
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيات ١٣٠ - ١٣٥].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٠، ١٣١].
اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا﴾ موطئة للقسم، وصيغة الجمع للتعظيم، والمراد بـ (آل فرعون): فرعون وقومه (^١)، والمعنى: أن السحرة لما غُلبوا، وأظهر الله معجزة نبيه، وعرف فرعون وقومه أنه الحق، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: آية ١٤] امتحنهم الله بآيات فيها بعض العذاب، أخذهم أولًا بالسنين ونقص من الثمرات، كما قال هنا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا﴾ والله لقد أخذنا ﴿آلَ فِرْعَونَ﴾ أي: فرعون وقومه.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٠٣ ]
﴿بِالسِّنِينَ﴾ والمراد بالسنين: الجدب والقحط حتى تقل بسببه الأرزاق، يعني: هذا البلاء بالسنين، العرب تقول: هذه سنة، وهذه سنون -يعنون أنها عام أو أعوام- جُدب، يقلّ فيها المطر، ويكثر فيها الجدب، ويقل فيها الأرزاق. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قوله ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» (^١) حتى إن العرب ليقولون: أسنت القوم. أي: أصابتهم السنة الشهباء المجحفة، التي فيها جدب وعدم المطر. ومنه قول ابن الزبعرى السهمي (^٢):
عَمْرُو العُلا هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَرَجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ
(مسنتون): أصابتهم السنة بالقحط وعدم المطر حتى جاعوا، وهذا معنى قوله: ﴿بِالسِّنِينَ﴾.
﴿وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ﴾ أي: وأخذناهم بنقص من الثمرات بحيث لا تثمر أشجارهم. قال بعضهم: كانت النخلة قد تكون فيها تمرة واحدة. قال بعض العلماء: السنين: هي الجدب بباديتهم، ونقص الثمرات: قلة الزروع والثمرات لأمصارهم (^٣).
وعلى كل حال فالمراد أن الله يُقل عليهم المطر حتى تقل أرزاقهمِ من زروع وثمار وغيرها، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: آية ١٣٠] أي: يتعظون.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام.
(٢) البيت في القرطبي (٧/ ٢٦٤)، الدر المصون (٥/ ٤٢٧).
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٤٦).
[ ٤ / ١٠٤ ]
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^١) أن أشهر معاني (لعل) معنيان:
أحدهما: أنها حرف ترجٍّ كما هو معروف، إلا أن الترجّي فيها بالنسبة إلى خصوص علم المخلوقين؛ لأن الله (جل علا) عالم بما كان وما سيكون وما تؤول إليه عواقب الأمور. وعلى هذا فمعنى قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: آية ٤٤] أي: على رجائكما أنتما أنه يتذكر، أما الله فهو عالم أنه لا يتذكر ولا يخشى.
المعنى الثاني: هو ما ذكره بعض العلماء من أن كل (لعل) في القرآن هي بمعنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: آية ١٢٩] قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون. هكذا ذكر بعضهم، ومن المعلوم أن (لعل) تأتي في القرآن مُرادًا بها التعليل، منه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: آية ٧٨] أنعم عليكم بهذه النعم لأجل أن تشكروا. ومن شواهد إتيان (لعل) مرادًا بها التعليل قول الشاعر (^٢):
وقُلتُم لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا نَكُفُّ ووثَّقْتُم لنا كُلَّ مَوْثِقِ
يعني: كفوا الحروب لأجل أن نكف عنكم. وهذا معنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون بما سلط الله عليهم من السنين ونقص الثمرات، وهذا معنى قوله: ﴿وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٠].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٤ / ١٠٥ ]
﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ المراد بالحسنة هنا بإجماع المفسرين: هو ذاك الخصب، وكثرة المطر، وكثرة الأرزاق والعافية؛ أي: فإذا جاءهم الله بالحسنة فأَدَرّ عليهم السماء، وأنبت لهم الزروع والثمار، وأكثر غلات مواشيهم مِنْ ألْبَانٍ، وأسْمَان، وأزْبَاد، ولحوم، وشُعُور، وأوْبَارٍ، وأصْوَافٍ، إلى غير ذلك مما ينتفعون به مِنْ مَتَاعِ الدنيا، إذا جاءتهم هذه الحسنة ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ المعنى: هذه لنا ونحن نستحقها، وما أُعطيت لنا إلا أننا قوم عظام يستحقون هذه الكرامة، فهذا مما نستحقه؛ افتراء وكذبًا على الله.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الأعراف: آية ١٣١] المراد بالسيئة هنا في أقوال المفسرين: هو ضد الحسنة، والمراد: إذا جاءهم قحط، وكان في الأرض جدب، وقلَّت أرزاقهم، وجاءتهم الأمراض. والمعنى: أن الله إذا قلَّل عليهم الأرزاق، وأمسك عنهم المطر، وجاءتهم الأمراض، إن جاءتهم هذه البلايا ﴿يَطَّيَّرُواْ﴾ أصله: يتطيروا ﴿بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: آية ١٣١] والتطير في لغة العرب: التَّشَاؤُمُ؛ أي: يَتَشَاءموا بموسى ومن معه، ويقولون: هذا الجدب، وهذه قلة الأرزاق، وهذه الأمراض ما جاءنا إلا بسبب شؤمكم، وسبب ما جئتم به من دين موسى، كل هذه البلايا بسبب شؤمكم. وهذه عادة الكفار إذا تَمَرَّدوا على الله، وعصوا الله، وكذبوا رسله، وعذبهم الله على ذلك، زعموا أن ذلك جاءهم من قِبَلِ الأنْبِيَاء (^١). ونظائره في القرآن كثيرة، كما قال الكفار لنبيِّنَا ﷺ مثل ذلك لما ذكره الله عنهم في سورة النساء في قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء:
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٤ / ١٠٦ ]
آية ٧٨] وكما قال عن الرسل المذكورين في يس إن قومهم قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: الآيتان ١٨، ١٩] وكما ذكر عن قوم صالح أنهم قالوا له: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ [النمل: آية ٤٧] والتطير معناه: التشاؤم، والتشاؤم هو أن يقول: جاءني هذا بِشُؤْمِكَ. وأصل [١٧/ب] التطير (^١) مشتق من الطير،/ لأن عادة العرب أن أكثر ما كانوا يتشاءمون به الطير، وهو الطيرة المعروفة، كانوا يأتون الطَّير ويطيرونها مِنْ مَوَاقِعِهَا، فإذا طارت على اليمين قالوا: هذا سانح.
وتَيَمَّنُوا به، وإذا طارت إلى الشمال قالوا: هذا بَارِح، وتشاءموا له، كما قال علقمة بن عبدة التميمي (^٢):
وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلأَطْيَارِ يَزْجُرُهَا عَلَى سَلَامَتِهِ لَا بُدَّ مَشْؤُومُ
وكانوا يدّعون أنهم يعرفون أمور الغيب من طيران الطيور، وجِهَات طيرانها، وأصواتها، والأشجار التي تنزل عليها، وكان من المشتهرين بذلك بنو لِهْب من قبائل العرب، وفيهم قال الشاعر (^٣):
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلا تَكُ مُلْغِيًا مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذا الطَّيرُ مَرَّتِ
وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ تنهى عن الطيرة وتحذِّر المسلمين، منها: حديث ابن مسعود في سنن أبي داود وغيره أنه ﷺ
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٦٤).
(٢) البيت في ديوانه ص٥٦، وشطره الأول في الديوان هكذا: وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلْغِرْبَانِ
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٠٧ ]
قال: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» (^١) وفيه أحاديث كثيرة معروفة تنهى عن ذلك، وجاء ببعض الأحاديث أن الإنسان إذا وجد شيئًا منها يقول: «اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَاّ خَيْرُكَ، وَلَا ضَرَرَ إِلَاّ ضَرك» (^٢) الحديث المشهور.
وعلى كل حال فالتطير والتشاؤم من صفات الكفار، وعلى المسلمين اجتنابه، وأن يتوكلوا على الله، ولا ينبغي لهم أن يمنعهم التطير من سفر، ولا أن يجزعوا من التطير. واعلموا أن الأمور بيد الله، وأن الشؤم الحقيقي الذي يستجلب كل الضرر هو مخالفة رب العالمين (جل وعلا)، أما كل فعل لم يخالف به الله فهذا لا ضرر فيه ولا طيرة؛ لأن الله ما أباحه إلا لأنه لا ضرر فيه. وعلى المسلم أن يتحرز من هذا كله، ولا يتشاءم بشيء، وأن يبني الأمور على التوكل
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٩، ٤٣٨، ٤٤٠)، والبخاري في الأدب المفرد حديث رقم (٩١٢)، وأبو داود في الكهانة والتطير، باب: في الطيرة. حديث رقم (٣٨٩٢)، (١٠/ ٤٠٥)، والترمذي في السير، باب ما جاء في الطيرة. حديث رقم (١٦١٤)، (٤/ ١٦٠)، وقال: «حسن صحيح» اهـ. وابن ماجه في الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة. حديث رقم (٣٥٣٨)، (٢/ ١١٧٠)، والحاكم (١/ ١٧ - ١٨)، والطيالسي في المسند ص٤٧، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٥٨)، وشرح المعاني (٤/ ٣١٢)، وابن حبان، الإحسان (٧/ ٦٤٢)، والبيهقي (٨/ ١٣٩)، والبغوي في شرح السنة (١٢/ ١٧٧ - ١٧٨)، من حديث ابن مسعود (﵁). وهو في صحيح الأدب المفرد برقم (٦٩٨)، السلسلة الصحيحة برقم (٤٢٩)، صحيح أبي داود (٣٣٠٩)، صحيح ابن ماجه (٢٨٥٠)، غاية المرام (٣٠٣)، صحيح الترمذي (١٣١٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص١١٧، ولفظه: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».
[ ٤ / ١٠٨ ]
على الله، ومراعاة أوامره ونواهيه، كما هو معلوم لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾.
﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة: أن الله لمّا ذكر أنهم يكفرون به، ويتمردون ويعارضون رسله، وأنهم مع ذلك يزعمون أن الذي يصيبهم [إنما هو بسبب شؤم نبيهم موسى ﵇ ومن معه من المؤمنين، فأكذبهم] (^١) الله ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: الطائر المشؤوم التي جاءتهم البلايا منه عند ربهم وذلك إنما جاءهم بسبب كفرهم بالله ومعصيتهم لله؛ لأن الكفر بالله ومعصية الله هو الطائر المشؤوم الذي يأتي صاحبه بسببه كل سوء ومكروه في الدنيا والآخرة. وقال بعض العلماء: طائرهم وحظهم عند الله هو الذي يأتيهم بالخير ويأتيهم بالشر، وليس ما جاءهم من قِبلنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون أن ذلك هو الحق فيكذبون على الله ويَتَقَوَّلُونَ عَلَى موسى ومَنْ مَعَهُ أن ما أصابهم بسبب شؤمهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣١].
﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٢، ١٣٣].
﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ [الأعراف: آية ١٣٢].
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٤ / ١٠٩ ]
() (^١) و(ما) الثانية مؤكدة لها تأكيدًا لها؛ لأن تكريرها يفيدها تأكيدًا، وأصلها: ما ما بتكرير لفظة (ما) وأنهم استثقلوا توالي حرفين متجانسين فأبدلوا ألف (ما) الأولى هاء، وقالوا: (مهما) هذا قول الخليل واختيار جلّ البصريين.
وقال جماعة آخرون: إن (مهما) أصلها: (مه) التي هي اسم فعل بمعنى: اكفف، وأن (ما) الأخرى هي (ما) التي تُعلِّق الشرط بالجزاء، والمعنى: اكفف. اكفف يا موسى ما تأتينا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين؛ أي: كف عنا مجيئك بالآيات، ما تأتينا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
وعلى هذين القولين فأصل (ما) مركبة لا بسيطة.
وقال جمهور علماء العربية: إن (مهما) أصلها حرف بسيط وَضَعَتْهُ العَرَبُ هذا الوضع تُعلِّق به الجزاء على الشَّرْطِ، وهو عند الأصُوليِّينَ من صِيَغِ العُمُومِ، وعمومها من جهة الأحوال والأوضاع. والمعنى: أي شيء تأتينا به كائنًا ما كان من آية. الضمير في قوله: (به) راجع إلى (مهما) وكذلك الضمير المؤنث في قوله: (بها) راجع إلى الآية التي هي مبنية لـ (مهما)، فكلا الضميرين راجع في الحقيقة
_________________
(١) في هذا الموضع ذهب بعض التسجيل كما ترى، ويمكن أن يُستدرك بعضه مما ورد في الدر المصون (٥/ ٤٣١)، وهو قوله: «واختلف النحويون في (مهما) هل هي بسيطة أم مركبة؟ والقائلون بتركيبها اختلفوا: فمنهم من قال: هي مركبة من ما ما، كُررت (ما) الشرطية توكيدًا فاستثُقل توالي لَفْظَيْنِ فأُبدلت ألف (ما) الأولى هاء. وقيل: زيدت (ما) على (ما) الشرطية كما تُزاد على (إنْ) في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ فعُمل العمل المذكور للثقل الحاصل. وهذا قول الخليل ».
[ ٤ / ١١٠ ]
إلى (مهما) إلا أن الضمير المذكر رُوعي به لفظ (مهما) والضمير المؤنث روعي به معنى الآية المبينة لـ (مهما). ومن علامات الاسم عند علماء العربية: رجوع الضمير، فمن علامات أن (مهما) اسم: رجوع الضمير إليها، وقد رجع إليها ضمير مذكر باعتبار اللفظ، وضمير مؤنث باعتبار المعنى، كما جاء ذلك فيها في قول زهير (^١):
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَلَوْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
﴿تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾ (من) بيانية. والآية بيان لـ (مهما). أي: من شيء تأتينا به مبنيًا كونه آية.
وفي الآية سؤال: كيف أقروا بأنه آية، وزعموا أنه جاء بها ليسحرهم؟
وأُجيب عن هذا: بأن قولهم: ﴿مِن آيَةٍ﴾ أي: بزعمك ودعواك، لا أنهم يُقرون بذلك.
﴿لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ لتصرفنا بها عن ديننا وتخدعنا عما نحن فيه.
﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بوجه من الوجوه، ولا بحال من الأحوال، ولو أتيت بما أتيت به من الآيات؛ لأن (مهما) عموم شامل يدل على أنه لو جاء بجميع الآيات لكانوا كما قالوا، فلما تمردوا هذا التمرد العظيم، وعاندوا هذا العناد الكبير، ولجوا هذا اللجاج الشديد، عَاقَبَهُم اللهُ مُعَاقَبَات دنيوية بعضها يتبع بعضًا، قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] قد تقرر في فن الأصول
_________________
(١) البيت في معلقته (شرح القصائد المشهورات ١/ ١٢٥)، البحر المحيط (٤/ ٣٧١)، الدر المصون (٥/ ٤٣٢).
[ ٤ / ١١١ ]
في الكلام على مسلك الإيماء والتنبيه: أن (الفاء) من حروف التعليل (^١)، يقولون: سها فسجد. أي: لِعِلَّة سهوه. سرق فقُطعت يده. أي: لِعِلَّة سرقته، قالوا: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: لِعِلَّة عنادهم وضلالهم وكفرهم وعدم إيمانهم بآيات الله. وصيغة الجمع في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ للتعظيم.
﴿عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ قال بعض العلماء: أصل الطوفان مصدر من: طاف يطوف، كالرجحان، والكفران، والغفران، نُعت به وللعلماء في الطوفان المذكور هنا أقوال متقاربة (^٢):
أشهرها وعليه الجمهور أن المراد بالطوفان: الماء الكثير كما صَرَّحَ اللهُ بِذَلِكَ؛ لأنه أهلك قوم نوح بالطوفان، وأن الله أولًا عذبهم بالماء الكثير، فأرسل عليهم مطرًا كثيرًا حتى دخل الماء بيوتهم، وصار الواحد منهم في بيته والماء إلى ترقوتِهِ، وإذا جَلَس غرق في الماء، ومنعهم الماء حراثتهم أن يحرثوا أو يزرعوا أو يعملوا شيئًا، صار يكاد يهلكهم، هذا هو الأظهر في الآية، أن المراد بالطوفان: الماء الكثير بأن أرسل الله عليهم الأمطار الغزيرة حتى فاض الماء على وجه الأرض ودخل بيوتهم. يقول المفسرون والمؤرخون (^٣): حتى إن الماء ليبلغ تراقيهم، ومن جلس منهم غرق في الماء، فمنعهم النوم وحالة المعائش والعمل في أرضهم، وكاد يقضي عليهم، وهذا هو القول المشهور الذي عليه أكثر العلماء.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٤٩)، القرطبي (٧/ ٢٦٧).
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٦٥).
[ ٤ / ١١٢ ]
وقال جماعة من علماء التفسير: الطوفان: الجدري. وهو قول غريب، وإن ذكره غير واحد.
وقال بعض العلماء: الطوفان: المُوتان. والمُوتان بضم الميم: موتٌ كثيرٌ يأتي الحيوانات فيقع فيها موت كثير، وربما أُطْلِقَ على الطَّاعون؛ لأنه يموت به موت كثير. وكان بعض علماء السلف يقول: الطوفان: هو كل ما طاف بك لِيُهْلِكَكَ ولا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ (^١)، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ [القلم: آية ١٩].
فالحاصل أن أشهر أقوال علماء التفسير: أن المراد بالطوفان هنا: الماء الكثير. وقيل: إنه الجدري. وقيل: المُوتان، وهو موت الحيوانات الكثير، أي: الطاعون. والأظهر هو القول الأول: أنه الماء الكثير الذي دخل بيوتهم ومنعهم من أن يعملوا شيئًا. وبعض علماء التفسير يقولون: مكث عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت. ومنهم من يقول: أربعون يومًا، ومنهم من يقول غير ذلك (^٢). فلما شق عليهم وأجهدهم شكوا إلى فرعون، فجاء فرعون إلى موسى وقال له: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ أي: هذا العذاب والله ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥] فكشفه الله عنهم. قال المفسرون: وأنبتت أرضهم من ذلك الماء أكثر ما كانت تنبته، وجاءهم نعيم، فرجعوا إلى كفرهم، وقالوا: والله إنه لساحر.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٢)، القرطبي (٧/ ٢٦٨).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٦٥، ٦٩)، القرطبي (٧/ ٢٦٨).
[ ٤ / ١١٣ ]
ثم إن الله بعد الطوفان ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ﴾ سلط الله عليهم الجراد. والتحقيق أن الجراد هو هذا الجراد المعروف الذي يطير الذي تعرفونه. وبعض العلماء يقولون: إن أصله نثرات الحوت. وقد جاء ذلك في حديث عند ابن ماجه من حديث أنس وجابر (﵄) (^١). وتسليط الجراد عليهم: أكثر الله عليهم الجراد، قال بعض العلماء: حتى كانوا لا يرون شعاع الشمس من كثرة الجراد، وأنه [كثر عليهم] (^٢) وملأ بيوتهم، وأكل أبوابهم ومساميرها، وسقوف البيوت، حتى تساقطت البيوت، وأكل جميع ما عندهم من غلات وثمار وزروع، وكاد يهلكهم.
والجراد هو الحيوان المعروف، وهو يؤكل، يجوز أكله على
_________________
(١) وهما في الترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في الدعاء على الجراد، حديث رقم (١٨٢٣)، (٤/ ٢٦٩)، وقال: «حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه» اهـ. وابن ماجه في الصيد، باب صيد الحيتان والجراد، حديث رقم (٣٢٢١)، (٢/ ١٠٧٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٤٧٨، ٤٧٩)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤)، وعقبه بقوله: «هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ» اهـ. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: (٣/ ٦٤ - ٦٥): «هذا إسناد ضعيف» اهـ. وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣): «أخرجه ابن ماجه عن هارون به وأسقط والد زياد، والله أعلم» اهـ. كما ذكره الكناني في تنزيه الشريعة (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، وعزاه للخطيب ثم قال: «وأخرج الحاكم في تاريخ نيسابور والطبراني عن ابن عمر أن جرادة » وذكر نحوه. كما ذكره الفتني في تذكرة الموضوعات ص١٥٤، ١٥٥، وضعفه الحافظ في الفتح (٩/ ٦٢١).
(٢) في هذا الموضع كلام غير مفهوم، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
[ ٤ / ١١٤ ]
التحقيق (^١)، كما ثبت في الصحيح عن ابن أبي أوفى قال: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الجَرَادَ» (^٢) وفي ابن ماجه: «كانَ أزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَهَادَيْنَ الجَرَادَ عَلَى الأَطْبَاقِ» (^٣).
وعامة العلماء على أن الجراد كالسمك، ميتته حلال، ولم نعلم مخالفًا في هذا إلا مالك بن أنس (﵀) وأصحابه يقول: لا يؤكل الجراد إلا إذا ذُكّي بما يموت به. أي: ولو مات حَتْفَ أنْفِهِ فَهُوَ ميتة لا يؤكل (^٤).
واحتج جمهور العلماء بحديث ابن عمر المشهور: «أُحِلَّ لَنَا ميتتانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الميتتانِ: فالسَّمَكُ وَالجَرَادُ، والدَّمَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (^٥).
ومالك يقول -وهو صادق-: إن هذا الحديث لم يأتِ من
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٦٨).
(٢) البخاري في الذبائح والصيد، باب أكل الجراد. حديث رقم (٥٤٩٥)، (٩/ ٦٢٠)، ومسلم في الصيد والذبائح، باب إباحة الجراد. حديث رقم (١٩٥٢)، (٣/ ١٥٤٦)، من حديث ابن أبي أوفى ﵁.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٥٣٣)، وابن أبي شيبة (٨//١٣٨)، وابن ماجه في الصيد، باب صيد الحيتان والجراد. حديث رقم: (٣٢٢٠) (٢/ ١٠٧٣)، والبيهقي (٩/ ٢٥٨) وانظر: ضعيف ابن ماجه (٦٩١).
(٤) انظر: القرطبي (٧/ ٢٦٩).
(٥) أحمد (٢/ ٩٧)، وابن ماجه في الصيد، باب صيد الحيتان والجراد. حديث رقم (٣٢١٨)، (٢/ ١٠٧٣)، وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم (٣٣١٤)، والدارقطني (٤/ ٢٧٢)، وعبد بن حميد (المنتخب) (٨١٨)، والبيهقي (١/ ٢٥٤)، والعقيلي (٢/ ٣٣١)، وابن عدي (١/ ٣٥، ٣٨٨). وانظر السلسلة الصحيحة (١١١٨)، صحيح ابن ماجه (٢٦٠٧).
[ ٤ / ١١٥ ]
طريق صحيحة مرفوعة، فجميع طرقه المرفوعة ضعيفة لا تقوم الحجة بشيء منها.
واحتج على المالكية مَنْ خَالَفَهُمْ بأنه جاء من رواية موقوفة على ابن عمر من طريق سليمان بن بلال، وهي طريق صحيحة، وهي موقوفة على ابن عمر، إلا أن لها حكم الرفع؛ لأن طريق سليمان بن بلال صحيحة، وكونها موقوفة على ابن عمر لا يضر؛ لأن لها حكم الرفع، وكل ما هكذا له حكم الرفع؛ لأن من المعلوم أنه لا يُحله إلا هو ﷺ.
أما المالكية فقالوا: نعم، نحن نعلم طريق سليمان بن بلال هذه، ونعلم أن هذا له حكم الرفع، ولكن كونه له حكم الرفع هذا من صناعة الحديث التي اتفق أهل الحديث عليها، لا من قول الله، ولا من قول رسوله، ونحن يجب علينا أن نتمسك بعموم كلام الله وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: آية ٣] وميتة الجراد داخلة في عموم الميتة، فلا ننصرف عن تحريم الله للميتة إلا بدليل جازم يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ.
هذا كلام العلماء فيه، ووجه اختلاف وجهات نظرهم في ذلك، وهو معروف. وجاء في سنن ابن ماجه من حديث أنس وجابر أن النبي ﷺ دعا على الجراد وقال: «اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ، وَأَفْسِدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ، وَخُذْ بَأَسْرَابِهِ عَنْ مَعَائِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ». وأن جابرًا لما سمعه يدعو عليه قال له: كيف تدعو على جند من جند الله؟ وأنه قال له: «هو نثرة حوت» (^١).
_________________
(١) مضى قريبًا في تفسير هذه الآية.
[ ٤ / ١١٦ ]
هكذا ذكروا في سنن ابن ماجه (﵀) عن هذين الصحابيين. وذكر القرطبي في تفسير هذه الآيات (^١) أن الجراد إن هجم على زروع الناس اختلف العلماء: هل تجوز مقاتلته ومكافحته؟ وأن أظهر القولين أنه تجوز مكافحته وقتله لِكَفِّ أذَاهُ عَنِ النَّاسِ، وهذا القول هو الذي لا ينبغي العدول عنه لجريه على ظاهر النصوص؛ لأن المسلم إذا تَعَدَّى على أموال الناس لَزِمَ دَفْعُهُ عَنْهَا ولو أدَّى إِلى القِتَال، فكيف بالجراد؟! وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
لما أنهكهم الجراد وكاد يهلكهم جاءوا إلى فرعون وشكوا إليه، فذهب فرعون إلى موسى وقال له: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ يعني الجراد ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] إلى آخر القصة.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: آية ١٣٥] يقول بعض المفسرين: فمكثوا شهرًا في عافية (^٢). وبعضهم يقول: سنة. فأرسل الله عليهم القُمَّل، هذا القُمَّل الذي أرسل الله عليهم فيه للعلماء أقوال متقاربة (^٣):
كان ابن عباس (﵀) يقول: هو سوس الحنطة. أرسل الله عليهم سوس الحنطة -على قول ابن عباس- فتكدس عليهم، وملأ عليهم بيوتهم وآنيتهم وأطعمتهم، وكان يدخل بين الواحد وبين ثيابه، فبلغوا منه أذى شديدًا.
_________________
(١) القرطبي (٧/ ٢٦٨).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٦٦).
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٤)، القرطبي (٧/ ٢٦٩).
[ ٤ / ١١٧ ]
وقال بعض العلماء: القُمَّل: صغار الدَّبَى، والدَّبَى: صغار الجراد قبل أن تنبت له أجنحة.
وكان أبو عبيدة في طائفة من علماء التفسير يقول: القُمَّل هو المعروف بالحمن (^١)، ويقال له: الحمنان، وهو نوع من القراد صغير، وأن الله ملأ عليهم الأرض منه. وذكر بعضهم: أن موسى جاء لكثيب أعفر (^٢) وضَرَبَهُ بعصاه، فجعله الله قُمَّلًا (^٣). وأنه تكدس عليهم فملأ بيوتهم وآنيتهم وأطعمتهم، وامتص دماءهم تحت ثيابهم حتى بلغوا منه غاية الجهد.
والحاصل أن القُمَّل هنا فيه أقوال متقاربة، بعضهم يقول: هو الحمنان المعروف بالحمن، وهو نوع من القردان صغير، وبعضهم يقول: هو صِغار الدَّبى، والدَّبى: الجراد الصغار قبل أن تنبت له أجنحة، وبعضهم يقول: هو البراغيث (^٤). هذه أقوال فيه لا يُكذب بعضها بعضًا، وعلى كل حال فهو شيء من خلق الله سلَّطه الله عليهم فعذبهم به، وآذاهم إيذاءً كثيرًا، حتى ضجوا وزعموا أنهم يتوبون، فهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] لما عذبهم الْقُمَّل -سواء قُلنا: إنه البراغيث، أو قُلنا: إنه الدَّبى، أو قلنا: إنه سوس الحنطة، أو قلنا: إنه الحمن والحمنان، وقال بعضهم: هو حيوانات تُشبه القُراد الكبير لها ريح
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٦)، القرطبي (٧/ ٢٦٩).
(٢) في ابن جرير (١٣/ ٦٤): «فمضى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه » اهـ.
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٦٤ - ٦٦).
(٤) انظر: هذه الأقوال في المصدر السابق (١٣/ ٥٤ - ٥٧).
[ ٤ / ١١٨ ]
منتنة سلطها الله عليهم- قال بعض المفسرين (^١): مكث عليهم أيضًا سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فشكوا إلى فرعون، فجاء فرعون موسى فقال: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥] والقمل هذا كان يأتي بعض الناس فيتأذى به كما هو معروف، قال بعضهم: ومنه قول الأعشى (^٢):
قَوْمًا يُعالجُ قُمَّلًا أَبْنَاؤُهُمْ وَسَلَاسِلًا أُجُدًا وَبَابًا مُؤْصَدًا
أن هذا القمل يؤذيهم، وقد عرفنا أقوال العلماء في تفسيره، وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
لما رفع الله عنهم القُمَّل وأزاله ولم يبق له أثر مكثوا شهرًا في عافية، كما قال بعضهم، وقال بعضهم غير ذلك (^٣)، فأرسل الله عليهم الضفادع، والضفادع جمع ضفدع، وهو الحيوان المعروف، وكان بعضهم (^٤) يزعم أن الضفادع كانت بريّة، وأنها لم تكن من حيوانات البحر كما زعموا، فلما عذّب الله بها قوم فرعون صارت تقتحم في قدورهم وهي تفور، وتقتحم في تنانيرهم في شدة حرها، ومنعتهم الطعام، كان الرجل يجلس في الضفادع إلى عنقه، وإذا أراد أن يتكلم بادرته الضفدع فجاءت في فِيه، ولقوا منها العذاب الشديد
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٦٧).
(٢) ديوان الأعشى ص ٥٤. والأُجد: مُحكمة الربط.
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٦٧).
(٤) انظر: السابق (١٣/ ٦٣).
[ ٤ / ١١٩ ]
-والعياذ بالله- فلما لقوا منها ذلك كانوا ليس عندهم شيء إلا به الضفادع، لا يرفعون ثوبًا ولا إناء إلا وبه الضفادع، وبيوتهم ملأى منها، والواحد جالس في الضفادع إلى عنقه، تتساقط لهم في قدورهم وأطعمتهم وثنانيرهم، وكادت تهلكهم، فمكثت عليهم -يقولون- سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فشكوا ذلك إلى فرعون، فجاء فرعون موسى فقال: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] إلى آخر ما ذكرنا (^١).
والضفادع حيوانات تكون برية وتكون بحرية، والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أنها لا يجوز أكلها ولا قتلها، وقد ثَبتَ في السنن من حديث صحيح أن النبي ﷺ سأله طبيب في ضفدع يجعلها في دواء، فنهى ﷺ عن قتلها (^٢) هذا جاء في السنن في حديث صحيح عن النبي، وما نهى النبي ﷺ عن قتله لا يجوز أكله؛ لأنه لا يوصل إلى أكله إلا بقتله بالذبح، هذا هو التحقيق. فالذين يأكلون الضفادع يرتكبون الحرام الذي لا شك فيه، وظاهر هذا الحديث سواء كانت بريّة أو بحرية، وهو الأظهر، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١٣/ ٥٨ - ٦٩).
(٢) أبو داود في الطب، باب في الأدوية المكروهة، حديث رقم (٣٨٥٣)، (١٠/ ٣٥٢)، وأخرجه في موضع آخر. انظر: حديث رقم (٥٢٤٧)، والنسائي في الصغرى، كتاب الصيد والذبائح، باب الضفدع، حديث رقم (٤٣٥٥)، (٧/ ٢١٠)، وفي الكبرى، كتاب ما قذفه البحر، باب الضفدع، حديث رقم (٤٨٦٧)، (٣/ ١٦٦)، والبيهقي في الصغرى، كتاب الصيد والذبائح، باب ما يحرم من جهة ما لا تأكله العرب، حديث رقم (٤٢٣٢)، (٢/ ٤١١)، والطيالسي في المسند ص١٦٣، والطحاوي في المشكل (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).
[ ٤ / ١٢٠ ]
ولمّا رفع الله عنهم الضفادع، وبقوا في عافية شهرًا أو غير ذلك، وهم راجعون لأشد ما هم فيه من العذاب، وقالوا: تبيّن لنا أن هذا الرجل هو رئيس السحرة وكبيرهم، كما قص الله عنهم في قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: آية ٧١] عندما آمن السحرة لرب موسى وهارون، فلما رجعوا إلى كفرهم بعد ذلك أرسل الله عليهم الدم، والدم: هو الدم هذا المعروف الذي تعرفونه، وأصل الدم (دَمَيٌ) بالياء، فهو من الأسماء الثلاثية التي حذفت العرب لامها وعاضتها على العين، والتحقيق أن لامه المحذوفة ياء، خلافًا لمن زعم أنها واو، فهو (دمي) على وزن (فَعَل) (^١) وربما ظهرت ياؤه المحذوفة عند التثنية وغيرها، ومن ظهورها عند التثنية قول سحيم بن وثيل الرياحي (^٢):
فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ
وهذه الياء المحذوفة من الدم تظهر في كثير من التصاريف، تظهر في الفعل الماضي، وتظهر في المضارع، ومن ظهورها في الفعل الماضي المشتق من الدم قول الراجز (^٣):
هَلْ أَنْتِ إِلَاّ أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
لأن الياء من (دَمِيَ) (فَعِلَ). و(دمي) معناها: جاء منها الدم.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٥) من سورة الأنعام.
(٢) البيت للمثقب العبدي، وهو في ديوانه ص٩٩، رصف المباني ص٢٤٢، اللسان (مادة: أخا) ص٣٢، (مادة: دمي) ص١٠١٧، ونسبه بعضهم لعلي بن بدال.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١٤٥) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٢١ ]
وكذلك تظهر في المضارع، ومنه قوله (^١):
وَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدَّمَا
ومعنى: (تَدْمَى) أصله: (تَدْمَيُ) (تَفْعَلُ) أُبدلت الياء ألفًا لسبق الفتحة قبلها كما هو معروف، هذا أصل الدم.
ومعنى تعذيبهم بالدم (^٢): أنهم كانوا كلما أخذوا الماء ليشربوا فإذا ذلك الماء دمٌ أحمر قانٍ عبيط، ليس لهم ماء، فإذا صبوا من أوعيتهم ماء فإذا ذلك الماء دم، وإذا استقوا من الأنهار فإذا الماء الذي استقوا منها دم، وإذا استقوا من الآبار فإذا هو دم.
يذكرون أن فرعون كان يجمع القبطي والإسرائيلي، والإسرائيلي يشرب الماء من إناء واحد فما أخذ منه الإسرائيلي فهو ماء، وما أخذه القبطي يكون دمًا، حتى إنهم زعموا أن القبط لما أضرّ بهم العطش؛ لأن جميع مياههم صارت دمًا، وصار كل ماء استقوه دمًا عبيطًا، أن القبطية كانت تقول لجارتها الإسرائيلية: اجعلي الماء في فيك ومُجيه في فيّ لأتبرد به، فإذا مَجَّتْه في فيْها نزل من فم الإسرائيلية ماء، فإذا وصل فم القبطية إذا هو دم عبيط!! هكذا يقولون (^٣).
والمفسرون يقولون: إن هذا الذي وقع كله للقبطيين لم يقع منه شيء للإسرائيليين، فلم يدخل الماء بيوتهم، ولم يأتهم القمل، ولم تأتهم الضفادع، ولم يأتهم الدم كما يقولون. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) السابق.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٥٨ - ٦٨).
(٣) انظر المصدر السابق (١٣/ ٦٤).
[ ٤ / ١٢٢ ]
قالوا: زعموا أن فرعون -قبّحه الله- أضرّ به العطش، وعطش عطشًا شديدًا؛ لأنه صار كلما استقى ماء فإذا هو دم عبيط، وأنه اضطر إلى مَصِّ مِيَاهِ الشَّجَرِ التي تكون في الشجر، قالوا: فإذا مصّ ماء الشجرة فوصل فاه فإذا هو دم - والعياذ بالله تعالى - قالوا: مكث عليهم الدم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فلما تأذوا به كثيرًا شكوا إلى فرعون، وجاء فرعون موسى وقال: الآن حُق لنا أن نتوب التوبة النصوح فـ ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] فلما كشفه عنهم رجعوا إلى أخبث كفرهم وأشده، وهذا من اللجاج؛ ولأجل هذا - اللجاج والكفر وإخلاف الوعد - غضب موسى عليهم غضبًا شديدًا، ودعا رَبَّهُ ذلك الدعاء الحاد العظيم حيث ذكره الله في سورة يونس في قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: آية ٨٨] وفي قراءة أخرى (^١): ﴿لِيَضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: الآيتان ٨٨، ٨٩]؛ لأن [هارون] (^٢) قال: آمين. والمُؤَمِّن أحد الداعيين. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] (آيات) حال. أرسلنا عليهم هذه الأشياء في حال كونها آيات. أي: علامات ودلالات واضحات لا شك في الحق معها.
وقوله: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ قال بعض العلماء: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ أي: بينات
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (٥٥) من هذه السورة.
(٢) في الأصل: «موسى». وهو سبق لسان.
[ ٤ / ١٢٣ ]
واضحات لا لبس فيها أنها من الله، وأنها حق، وأن هؤلاء الكفرة عاندوا الحق الواضح.
وقال بعض العلماء: مفصلات: بينها فصل؛ لأنه كلما جاءتهم آية وعَذَّبَهُم الله بها وضَجُّوا إلى فرعون، وضَجَّ فرعون إلى موسى، وقال: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] فكشف عنهم الرجز ومكثوا زمنًا في عافية فصار بين الآيات فصل من العافية بين هذه وهذه، وأن ذلك هو معنى قوله: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ أي: متتابعات بين كل اثنتين منها فصل، هكذا قاله بعضهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾.
﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ أي: تَكَبَّرُوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مَعَ مشاهدة هذا عندما ينزل بهم العذاب يستكينون ويخضعون قهرًا لا رغبة في الخير، فإذا رُفع عنهم أعرضوا إلى ما كانوا عليه، هذا معنى: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾.
﴿وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] قدمنا مرارًا (^١) أن القوم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: اسم جمع لا واحد له من لفظه، يختص في الوضع في الذكور دون الإناث، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع، والدليل على اختصاصه بالذكور في الوضع قوله تعالى في الحجرات: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاءٍ﴾ فلو دخل النساء في اسم القوم وضعًا لما قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاءٍ﴾ [الحجرات: آية ١١] ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى (^٢):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٢٤ ]
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أدرِيْ أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
ومن الدليل على أن النساء ربما دَخَلْنَ في القوم بحكم التبع: قوله تعالى في بلقيس: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣] وهذا معنى قوله: ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
المجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام، والمجرم هو مرتكب الجريمة، والجريمة: الذنب الذي يستحق صاحبه التنكيل والعذاب، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣].
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥].
هذه الآية كأنها تُقرأ عند كل واحدة من الآيات السابقة ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: آية ١٣٠] قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] أي: ولما عُذبوا بالطوفان ووقع عليهم رجز الطوفان ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فلما رفعه عنهم ووقع عليهم رجز الجراد ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤].
[وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾]
[ ٤ / ١٢٥ ]
(^١) هم بنو إسرائيل بإجماع العلماء (^٢)، وكونهم ﴿كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] كان فرعون يستضعفهم ويأخذهم أخذ الضعيف الذي لا حيلة له فيقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويستخدمهم في الأعمال الشاقة، إلى غير ذلك من الإهانات، كما يأتي في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: آية ١٤١].
فقوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] جماهير العلماء على أن مشارق الأرض هو المفعول الثاني لـ (أورثنا) (^٣)، أورثنا المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها. أي: جعلناها آيلة إليهم بعد أن أهلكنا الكفار الذين كانوا فيها، وهذا هو التحقيق خلافًا لما نُقل عن الكسائي والفراء (^٤) مِنْ أنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الخَافِضِ، وأن المعنى: وأوْرَثْنَا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وعلى هذا القول فمفعول الإيراث محذوف. ولا يخفى أن هذا القول غير صواب، وإن نقل عن الكسائي والفراء وغيرهم، وأن التحقيق أن الإيراث واقع على بني إسرائيل، وأن قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾ أن (أورثنا) تطلب مفعولين، المفعول الأول: هو قوله ﴿الَّذِينَ﴾ والمفعول الثاني: هو قوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾ أي: أورثناهم مشارق الأرض كما جاء موضحًا في آيات أُخر، كقوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: آية ٢٨] ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] ونحو ذلك من الآيات.
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٣١).
(٣) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٣٨).
(٤) انظر: القرطبي (٧/ ٢٧٢).
[ ٤ / ١٢٦ ]
ومعنى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ قال أكثر المفسرين (^١): ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾: الشام، ومغاربها: مصر. وأن الله أهلك فرعون وقومه وأورث بني إسرائيل أرضهم كما صرح بذلك في قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: آية ٢٨] وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] وهي ما تركوا من جنات وعيون، وزروع، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وأن مشارق الأرض: هي الشام، أورثهم الله إياها بعد أن أهلك الجبارين الكنعانيين وأبادهم. هذا يقوله أكثر العلماء، ويزعمون أن في التوراة: أن هذه المشارق والمغارب من الفرات، وأنها من الفرات إلى المحل الذي خرجوا من البحر منه [وطلبهم] (^٢) منه فرعون!!
وبعض العلماء يقول (^٣): مشارق الأرض ومغاربها: الشام فقط؛ لأنه أورثهم أرضه من مشرقها ومغربها، أي: ما يلي المشرق منها وما يلي المغرب.
واعلموا أن الآيات القرآنية دلت دلالة واضحة على أن الله أورث بني إسرائيل ما كان عند فرعون وقومه من الجنات والعيون، والزروع والكنوز، والمقام الكريم، هذا جاء في آيات متعددة، جاء موضحًا في سورة الشعراء، وفي سورة الدخان، وأُشير له هنا في الأعراف.
_________________
(١) أكثر السلف على القول الثاني. راجع: ابن جرير (١٣/ ٧٦)، الدر المنثور (٣/ ١١١ - ١١٣).
(٢) في هذا الموضع كلمة غير واضحة وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٧٦)، القرطبي (٧/ ٢٧٢).
[ ٤ / ١٢٧ ]
وبعض العلماء يقول: في إيراثهم ديار مصر وأمواله، وديار قومه وأموالهم، فيه إشكال؛ لأنه لم يُعلم في التاريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد أن أنجاهم الله من عذاب فرعون وفلق لهم البحر -والله تعالى أعلم- ولأجل ذلك قال بعض العلماء: أراضي الشام ومشارقها: ما يلي جهة المشرق من أرض الشام من أطرافها، وما يلي جهة المغرب. هذا أقوال العلماء في الآية.
وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: أكْثَرْنَا فيها البَرَكَات من كثرة المياه والزروع والثمار ونحو ذلك من بركات الأرض وخيراتها. وهذا معنى قوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] جماهير العلماء (^١) على أن المراد بهذه الكلمة التي صرح الله بأنها تمت على الإسرائيليين أنها هي قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: الآيتان ٥، ٦] ومعنى تمام الكلمة: أنها أولًا كانت وعدًا، فلما أُنجز هذا الوعد فقد تم ذلك بإنجازه كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ الحسنى: تأنيث الأحسن، والأحسن: الذي يفوق غيره في الحسن ويفضُله.
وقوله: ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تمت عليهم؛ أي: مضت عليهم وكملت عليهم بإنجازها لما كانت وعدًا.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٧٧)، القرطبي (٧/ ٢٧٢)، الأضواء (٢/ ٣٣١).
[ ٤ / ١٢٨ ]
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ الباء سبَبِيَّة، و(ما) مصدرية، أي: بسبب صبرهم. وذلك يدل على أن الصَّبْرَ سَبَبٌ لِلْفَرَجِ كما هو معروف، وكما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: آية ٤٥] وهذا معنى قوله: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾.
وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ التدمير: الإهلاك التام. والمعنى: دمرنا وأهلكنا ما كان يصنعه فرعون وقومه من القصور التي كان يبنيها، والبنايات التي كان يضعها في الأرض دَمَّرَهَا الله وهَدَمَها وأهلكها.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء غير ابن عامر وشعبة عن عاصم: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ بكسر الراء مضارع عَرَشَه يعرشه. وقرأ من السبعة: ابن عامر وشعبة عن عاصم: ﴿وما كانوا يَعْرُشُون﴾ (^١) وهما لغتان وقراءتان صحيحتان، (يعرُشون) بضم الراء لغة بني تميم.
ومعنى: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ فيه وجهان للعلماء (^٢): قال بعض العلماء: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ أي: لجنات الكرم، وهو العنب يجعلون لها العريش لتمتد عليه، كما تقدم في قوله: ﴿جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: آية ١٤١].
وقال بعضهم: عَرَشَه: إذا رفع بناءه، والعرش أصله السقف، وعروش الأبنية: سقوفها. يعني: ودمرنا ما كانوا يرفعونه من البناء كصرح هامان المشهور، ونحو ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٤.
(٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ١٥٦)، (١٣/ ٧٨)، القرطبي (٧/ ٢٧٢).
[ ٤ / ١٢٩ ]
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٧].
[١٨/أ] / ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٨، ١٣٩].
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ العرب تقول: جاوز الشيء وجاوز به غيره إذا جازه وتعدّاه، و(فَاعَلَ) هنا بمعنى المجرد بمعنى: جاز. أي: إذا تخطاه وتعداه، وذلك أن الله (جل وعلا) لما أمر نبيه موسى أن يُسري ببني إسرائيل ويرفع عنهم يد قهر فرعون، وأسرى بهم ليلًا ذاهبين إلى جهة البحر الأحمر، وأن فرعون استيقظ من الصباح فلم يجد من الإسرائيليين أحدًا، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، وزعم أن الإسرائيليين قليل ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ [الشعراء: الآيتان ٥٤، ٥٥] وأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، فلما ارتفع النهار تراءا الجمعان: بنو إسرائيل على شاطىء البحر، وفرعون يتبعهم من ورائهم، فخاف الإسرائيليون خوفًا شديدًا كما أوضحناه سابقًا في سورة البقرة، فقالوا: إن تقدمنا فالبحر أمامنا، وإن تأخرنا ففرعون وجنوده من ورائنا. فقال الله لهم ما قال في سورة طه: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ وفي قراءة أخرى: ﴿لا تَخَفْ دركًا ولا تخشى﴾ (^١) [طه: آية ٧٧] دركًا مما وراءك من فرعون وجنوده، ولا تخشى من البحر أمامك، سيجعل الله لكم مخرجًا.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٩٦.
[ ٤ / ١٣٠ ]
وعند ذلك أوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر فضرب البحر بعصاه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. يعني صار البحر كأنه جبال عظام بينها طرق، وأرسل الله عليها الريح -كما يقول المفسرون- فيبست كما أشار له تعالى بقوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: آية ٧٧] يزعم المفسرون أنه كانت في البحر اثنتى عشرة طريقًا، وأن الأمواج ممسكة بين الطرق بقدرة الله وإرادته كأنها الجبال الشامخة، كما قال تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: آية ٦٣] أي: كالجبل الشامخ المنيف، ويزعم المفسرون أن الله جعل بينها فُرجًا كالكّوة التي تكون في البيوت حتى صار ينظر بعضهم إلى بعض (^١)، وأنهم سلكوا في تلك الطرق قاطعين للبحر، وأن فرعون لما وجدهم دخلوا البحر يزعمون أنه كان على جواد ذكر من الخيل، وأن جبريل جاء أمامه على فرس وديق -وهي التي تحب الفحل، وإذا كانت تحب الفحل كان يُشم فيها ريح ذلك- وأن الجواد شم فيها ريح ذلك واقتحم، فاقتحموا في البحر مع تلك الطرق (^٢)، ولما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل أراد أن يضرب البحر بعصاه ليلتئم، فقيل له: ﴿وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: آية ٢٤] أي: خَلِّه ساكنًا منفلقًا. ليدخل فرعون وقومه فيغرقوا؛ لأنه لو التطم لرجع إلى حالته ولرجعوا، فلما تكامل خروج بني إسرائيل ومجاوزتهم البحر، وتكامل دخول القبط -فرعون وقومه- أطبق الله عليهم البحر، وتلاطمت أمواجه، فلم يبق منهم داع ولا مجيب، كما أوضحناه سابقًا في
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١/ ٢٧١).
(٢) انظر: ابن جرير (١٥/ ١٩٥).
[ ٤ / ١٣١ ]
البقرة (^١)، وذلك معنى قوله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف: آية ١٣٦].
لما ماتوا كلهم وأنجى الله بني إسرائيل، ووقع الغرق بالقبط وهم ينظرون، كما تقدم في قوله: ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: آية ٥٠] لما وقع هذا وجاوزوا البحر كانوا في الحقيقة قومًا غير طيبين؛ لأنهم لما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعبدون الأصنام، أتوا على قوم يعكفون وراء البحر لما جازوه، وهؤلاء القوم يقول بعض المؤرخين: إنهم من لخم قبيلة العرب المشهورة. وبعضهم يقول: من لخم وجذام. وبعضهم يقول: هم من الكنعانيين الذين أُمروا بقتالهم في البلاد المقدسة (^٢). وكان ابن جريج يقول: أصنامهم أمثلة البقر، فلما رأوا أمثلة البقرة كأنهم من ذلك الوقت أحبوا عبادة البقر (^٣)؛ ولذلك أخرج لهم السامري العجل كما هو معروف، وكان بعض المؤرخين يقول: هم قوم كانوا نازلين بالرّقة من مصر. ويقولون: إنها من الريف، قريب من الساحل، يُوصَل منها إلى الفيوم. هكذا يقولون. والله تعالى أعلم.
وعلى كل حال فلما جاوز الله بهم البحر بعد هذه الآيات والعبر وهذه النعم العظيمة طلبوا من نبيهم عبادة الأوثان -والعياذ بالله- وهذا يدل على عدم الطيب؛ ولذا قال: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ﴾ ﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ﴾ معناه: مروا على قوم.
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٠) من سورة البقرة.
(٢) هذه الأقوال ذكرها ابن جرير في التفسير (١٣/ ٨١).
(٣) انظر المصدر السابق (١٣/ ٨٠).
[ ٤ / ١٣٢ ]
﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف جمهور القراء منهم السبعة غير حمزة والكسائي: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ بضم الكاف. وقرأه من السبعة حمزة والكسائي: ﴿يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لهُمْ﴾ بكسر الكاف (^١). وهما قراءتان سبعيتان صحيحتان، ولغتان عربيتان فصيحتان.
والعكوف: معناه الإقامة، أي: يقيمون ملازمين عبادة الأصنام.
﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ يعكفون مقيمين عليها دائمًا يعبدونها، يُقال: إنها تماثيل بقر كما قاله ابن جريج.
﴿قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا﴾ صنمًا مثل أصنام هؤلاء نعبده ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (ما) بقوله: ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قيل: هي كافة للكاف؛ ولذا جاءت بعدها جملة. وبعضهم يقول: هي مصدرية. وبعضهم يقول: موصولة. والخطب في ذلك سهل (^٢). والمعنى: كما أن هؤلاء لهم آلهة فاجعل لنا إلهًا كآلهتهم نعبده -والعياذ بالله- وبعض العلماء يقول: هم كفروا بهذا القول؛ لأن من طلب عبادة غير الله فقد كفر. وقال بعض العلماء: كانوا قومًا يتمكن منهم الجهل، يظنون أَنَّ مَنْ تَقَرَّبَ إلى الله بعبادة غيره أن ذلك يُقَرِّبُهُ إلى الله!! ويعتقدون أن ذلك يصح! وهذا غاية الجهل، كما قال لهم نبي الله موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصفهم بالجهل المطلق، وجاء بصيغة المضارع يشير إلى أن الجهل كأنه معهم في الحال والمستقبل لا يفارقهم،
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٤.
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٤٢).
[ ٤ / ١٣٣ ]
ثم أجابهم هنا قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاء﴾ الذين يعبدون هذه الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: آية ١٣٩] المُتَبَّر: اسم مفعول (تبَّره) والعرب تقول: تبّره يُتَبِّره تتبيرًا: إذا كسّره ودمره، والإناء المُتَبَّر: معناه المكسر. والذهب المُتبَّر: المكسر. والتِّبر: قطعة من الذهب إذا تُبِّر، أي: إذا كُسِّر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٧] هذا الذي فيه هؤلاء من عبادة الأوثان مُدَمَّر، مُحْرقٌ، مُكسر لا خير فيه؛ لأنه كله باطل، ولا ينبغي لأحد أن يفعله (^١) ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وأظهر أوجه الإعراب في هذا (^٢): أن قوله: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ هو خبر (إن) وأن قوله: ﴿مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ نائب فاعل (مُتَبَّر) وكذلك ﴿مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فاعل به لقوله: ﴿وَبَاطِلٌ﴾. هذا أجود الأعاريب في الآية.
وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ الباطل: هو الزائل المضمحل الذي لا بقاء له؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: آية ٢٣] فهذا معنى قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ [الأعراف: آية ١٤٠] بهمزة استفهام الإنكار، ينكر عليهم إنكارًا شديدًا، والعرب تقول: أبغيك وأبغي لك. معناه: أطلب لك. أفغير الله أطلب لكم إلهًا؟ ﴿إِلَهًا﴾ غير الله، والهمزة للإنكار، أَنْكَرَ عليْهِمْ هذا الطلب إنكارًا شديدًا؛ أوَّلًا وَصَفَهُمْ بالجَهْلِ، وبيَّن لهم بطلان عبادة الأصنام، ثم أنْكَر عليهم طلبهم إلهًا غير الله؛ ولذا قال: ﴿أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أبغي لكم
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٧٣).
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٤٤).
[ ٤ / ١٣٤ ]
وأطلب لكم معبودًا غير الله سبحانه عن ذلك وتعالى علوًّا كبيرًا ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ والحال: هو فضلكم على العالمين. ومن تفضيله لكم: أن أهلك عدوكم وأنجاكم وأنقذكم من هذا الطاغية العظيم، وهم في ذلك الوقت -جميع الناس كفرة- وهم عندهم إيمان، فهم أحسن الموجودين على ما كان منهم مما لا ينبغي، وهذا معنى قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقد بينّا مرارًا النصوص الصحيحة الدالة على أن هذه الأمة الكريمة أفضل منهم مرارًا (^١)، وهذا معنى قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٤٠].
﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ [الأعراف: آية ١٤١].
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر: ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ وقرأه ابن عامر وحده من السبعة: ﴿وَإِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من غير ياء ولا نون (^٢). فعلى قراءة ابن عامر: اذكروا إذ أنجاكم الله. أنجاكم هو، أي: الله. وعلى قراءة الجمهور: ﴿أَنجَيْنَاكُم﴾ فالنون للتعظيم، والله هو المتكلم بذلك معظمًا لنفسه، وقوله: واذكروا ﴿إِذْ أَنجَيْنَاكُم﴾ حين أنجيناكم ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ أي: من فرعون وقومه.
﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ قال بعض العلماء: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٤.
[ ٤ / ١٣٥ ]
يبغونكم سوء العذاب، كما تقول لمن طلب السلعة: سامها. والعلماء يقولون: سامه كذا: إذا أذاقه إِيَّاهُ، ومنه: سَامَهُ العَذَاب: إذا أذاقه العذاب وكلَّفَهُ إيَّاهُ. وهو مَعْنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته (^١):
إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ الناسَ خَسْفًا أَبَيْنَا أنْ نُقِرَّ الذُلَّ فِينَا
ومعنى ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: يذيقونكم ويكلفونكم سوء العذاب، والإضافة في قوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ من إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: يذيقونكم العذاب الموصوف بسوء من يقع عليه؛ أي: العذاب السيئ الشديد.
﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ وقرأه نافع وحده: ﴿يَقْتُلون أبناءكم﴾ بسكون القاف وضم التاء (^٢). وقرأ مع نافع ابن كثير: ﴿سَنَقْتُلُ أبناءهم﴾ (^٣) [الأعراف: آية ١٢٧] والجمهور يقرءون: ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ و﴿يُقَتِّلُونَ﴾ بصيغة التضعيف؛ لأن التضعيف يدل على التكثير، يقتل أولادهم كثيرًا. وهذا معنى قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ أي: إناثكم يتركوهن حيات.
وفي هذه الآية الكريمة ونظائرها في القرآن سؤال معروف، وهو أن التحقيق في قوله: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ كأنه بدل من قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: آية ١٤١]
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٤.
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٣.
[ ٤ / ١٣٦ ]
فتقتيل الأبناء واستحياء النساء هو من نفس سوء العذاب الذي كان يسومهم. ووجه السؤال هو أن يُقال: أما تقتيل الأبناء فكونه من العذاب الذي يسومهم به [فظاهر] (^١)، وأما استحياء النساء فمن أين كان يُعد من جملة العذاب الذي يسومهم؛ لأن استحياءها قد يسبق إلى الذهن إنه خير من موتها، وأن بقاء أحد الولدين خير من موتهما جميعًا، والإناث هبة من الله أيضًا، كما قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: آية ٤٩] فوجه السؤال: كيف عدّ استحياء النساء من جملة العذاب الذي يسومهم، مع أن ترك قتلهم أهون، كما قال (^٢):
حَمِدْتُ إِلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا خِرَاشٌ وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
فما وجه جعل استحياء النساء من جملة العذاب الذي يسومهم؟ هذا وجه السؤال.
وأجاب بعض العلماء عن هذا السؤال: بأن استحياء الأُنثى قد يكون خيرًا (^٣) [من تذبيح الكل، كما قال الهذلي:
حَمِدْتُ إِلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا خِرَاشٌ وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
لكن استحياءهم للنساء ها هو من جملة العذاب؛ لأنهم يفعلون ذلك لإعمالهن في الأعمال الشاقة، وليفعلوا بهن ما لا يليق من العار والشنار، ولا شك أن بقاء البنت - وهي عورة - تحت يد
_________________
(١) ما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
(٣) في هذا الموضع ذهب بعض التسجيل، وتجد جواب هذا السؤال فيما مضى عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة وما بين المعقوفين نقلته منه (بتصرف).
[ ٤ / ١٣٧ ]
عدو لا يشفق عليها، ويفعل بها ما لا يليق، ويكلّفها ما لا تطيق أن هذا من سوء العذاب، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية [النساء: الآية ٩] (^١) وهذا معروف، وقد كان العرب إنما وأدوا بناتهم وفعلوا ذلك الفعل القبيح يخافون أن تبقى بعدهم فيهينها الناس، أو يتزوجها غير الأكفاء، فإهانة البنت وفضيحتها عَذَاب عَلَى وَلِيِّهَا؛ ولذا كان العرب يَتَمَنَّوْنَ الموت لبناتهم خوفًا مِنَ العَار، وخوفًا من الأذيّة والفضيحة والاضطرار لتزويج غير الأكفاء. وهذا كثير معروف في كلامهم، وكان شيخ كبير له بنت تُسمى (مودّة) كان يقول فيها (^٢):
مَوَدَّةُ تَهْوَى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ لها المَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أَنَّهَا تَدْرِي
يَخَافُ عَلَيْهَا جَفْوةَ النَّاسِ بَعْدَهُ وَلَا خَتَنًا يُرْجَى أَوَدُّ مِنَ الْقَبْرِ
ولما خُطِبَتْ عند عقيل بن عُلَّثَة المري ابنته الجرباء قال (^٣):
إِنِّي وَإِنْ سِيقَ إِلَيَّ المَهْرُ أَلْفٌ وَعُبدَانٌ وذَوْدٌ عَشْرُ
أَحَبُّ أَصْهَارِي إِلَيَّ الْقَبْرُ
وفي شعر الحماسة (^٤):
تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَها شَفَقًا وَالمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الحُرَمِ
والله يقول في كتابه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: آية ٩] قال بعض العلماء: هذا وجه كون استحياء النساء من جنس
_________________
(١) نهاية الانقطاع.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٤ / ١٣٨ ]
العذاب (^١)، ولا شك أن الرجل المسلم إذا خُيّر بين أن يقبض الله ابنته إليه ويسترها برحمته وعفوه، وبين أن تبقى تحت يد الكفرة الفجرة يفعلون بها ما يشاءون من الفواحش والعار والعيب والشنار، ويُعملونها بالأعمال الشاقة والخدمة العظيمة والإهانة، أنه يختار لها ما عند الله، أنها تصير إلى الله، وأن بقاءها بعده فيه تعذيب لقلبه، حتى إن الإنسان إذا كانت بناته بعده تجوع أو تعرى يألم من ذلك ويحزن كما قال الحماسي (^٢):
لقد زَادَ الحياةَ إلي حُبًّا بناتي، أنهن من الضِّعَافِ
فأكره أن يَرَيْنَ البُؤسَ بعدي وأنْ يشربن كدرًا بعد صافي
ولا سيما التعذيب والفواحش ونحو ذلك والعياذ بالله، وهذا معنى قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُم﴾ مرجعها فيه وجهان معروفان (^٣):
أحدهما: أنها راجعة إلى الإنجاء: أنجيناكم وفي ذلك الإنجاء بلاء، أي: بلاء بالنعمة من الله عظيم عليكم.
القول الثاني: أن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُم﴾ راجعة إلى ما يسومهم من سوء العذاب من تقتيل الأبناء، وعليه فقوله: ﴿بَلَاءٌ﴾
_________________
(١) السابق.
(٢) البيتان لعمران بن حطان، وقيل لعيسى بن فاتك، أو محمد بن عبد الله الأزدي، أو لأبي خالد القناني. وهما في تاريخ دمشق (٤٣/ ٥٠٠)، عيون الأخبار (٣/ ٩٧)، الكامل ص١٠٨٢، وطرف البيت الثاني: «مخافة »، وشطره الثاني: «وأن يشربن رَنْقًا ».
(٣) انظر: القرطبي (١/ ٣٨٧)، الدر المصون (١/ ٣٤٨).
[ ٤ / ١٣٩ ]
[الأعراف: آية ١٤١] أي: بلاء بالشر -والعياذ بالله- عظيم من ربكم.
والبلاء يكون بالخير ويكون بالشر كما هو معروف (^١)، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٨].
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: آية ١٤٢].
قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير أبي عمرو ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ بألف بين الواو والعين من المواعدة. وقرأه أبو عَمْرٍو وحْدَهُ: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ من غير ألف بين الواو والعين (^٢). ومعنى القراءتين واحد.
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ صيغة الجمع في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا﴾ للتعظيم، كان الله وعد نبيه موسى أنه إن أهلك عدوه وأراح قومه من تعذيب فرعون وإهانته لهم أن الله يُنزل عليه كتابًا فيه شَرْعٌ تَامٌّ، وأوامِرُ ونواهٍ، وشريعة كاملة؛ وذلك الكتاب الموعود به هو التوراة، فلما جاوزوا البَحْرَ جَاءَ وقت الميقات فذهب موسى إلى الميقات، وكان أولًا ثلاثين، وقال لبني إسرائيل: إن الميقات ثلاثون فقط؛ لأنه ما كان يدري عن العشرة التي صار بها أربعين. والمفسرون يقولون: إن سبب العشرة: أن الله وعد موسى ثلاثين ليلة -يقول جماهير من أهل
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٢٩.
[ ٤ / ١٤٠ ]
التفسير: إنها هي شهر ذي القعدة، أولها من ذي القعدة، وأن العشر الذي تمم بها أربعون: عشر ذي الحجة (^١)، وأن إعطاء التوراة كان يوم النحر في اليوم العاشر، انتهاء العشر. يقولون: إن الله لما أراد الميعاد مع موسى واعده ثلاثين ليلة - ليصوم فيها وينقطع للعبادة لمناجاة الله، فلما صام الثلاثين يقول المفسرون (^٢): إنه لما صام ثلاثين يومًا أحس بخلوف فمه -خلوف فم الصائم- فاستاك فَغَيَّرَ السواك ريح خلوف الفم، وأن الملائكة قالوا: كنا نشم من فِيك ريح المسك فأفسدته بالسواك، وأنه لما استاك بعد الثلاثين أمَرَهُ الله أن يصوم عشرة أيام أُخَر لأجل أن يرجع له خلوف الفم، ويكون وقت المناجاة عند انتهاء الميقات وفمه فيه خلوف الصائم، وخلوف فم الصائم معروف، وفي الحديث عنه ﷺ: «لخلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (^٣). وهذا معنى قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ يصوم أيامها ويَتَعَبَّد هذه المدة قبل المناجاة، وذلك يدل أنه ينبغي العبادات والانقطاع إلى الله قبل مناجاته.
﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ ما ذكرنا.
﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] بالعشر التي زِيدَتْ على الثلاثين، ومعلوم أن العشر إن زيدت على الثلاثين صارت أربعين كما قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٨٦)، ابن كثير (٢/ ٢٤٣)، القرطبي (٧/ ٢٧٤).
(٢) انظر: ابن كثير (٢/ ٢٤٣)، القرطبي (٧/ ٢٧٤).
(٣) أخرجه البخاري في الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم: (١٨٩٤)، (٤/ ١٠٣). وأطرافه في: (١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨). ومسلم في الصوم، باب: فضل الصيام حديث رقم: (١٦١ - ١٦٥)، (٢/ ٨٠٦).
[ ٤ / ١٤١ ]
كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: آية ١٩٦] وبعضهم يقول (^١): نصّ على الأربعين لئلا يتوهم مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الثلاثين تُمِّمَتْ بِعَشْرٍ من الثلاثين، بل بين أنها تُممت بشيء زائد على الثلاثين، وهذا معنى قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ليصومها ويتعبد فيها فيناجيه الله وينزل عليه الكتاب المعروف التوراة ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ للسبب الذي ذكرنا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] يقولون: إن انتهاءها عاشر ذي الحجة، وأن الله أنزل عليه التوراة في عشر ذي الحجة.
قال بعض العلماء (^٢): هذه الآية الكريمة يؤخذ منها بعض الأحكام: وهي أن ضرب التأجيل وتحديد المُدة للميعاد ونحوه أنه أمر معروف قديم، فيدل على ضرب الأجل، والتحديد بثلاثين أو أربعين لموعد ونحو ذلك كدين أو غيره مما يحتاج إلى الآجال.
وقال جماعة من العلماء (^٣): هذه الآية من سورة الأعراف دَلَّت على أن التاريخ بالليالي لا بالأيام، وذلك هو المقرر في فَنِّ العربية كما دلت عليه هذه الآية أن التاريخ بالليالي لا بالأيام، فتقول: وقع هذا لكذا وكذا ليلة. ولا تقول: لكذا يومًا. فالتاريخ بالليالي؛ لأن الليالي أوائل الشهور وهي سابقة للأيام، فالتاريخ بها لا بالأيام، وهذه الآية نص صريح في ذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ولم يقل: ثلاثين يومًا. وقال: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ حذف منها التاء ولم يقل: «بعشرة»؛ لأن الليالي مؤنَّثَة، ولو أراد الأيام لقال: «بعشرة». بالتاء كما هو معروف في محله، وهذا معنى
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٧٥).
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/ ٢٧٥).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٤٢ ]
قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ الميقات: (مِفْعَال) من الوقت، أي: الزمان المؤقت لهذه المناجاة وإعطاء هذا الكتاب العظيم الذي هو التوراة ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] أي: ولمّا تم ذلك الميقات ناجاه الله وكلمه الله. وسيأتي تكليمه له قريبًا في الآيات الآتية، وأعطاه التوراة كما سيأتي موضحًا في هذه السورة الكريمة، ولما أراد موسى أن يغيب عن قومه وكّل أخاه هارون على قومه؛ لأن موسى هو الذي نُبئ وأُرسل أولًا، وهو الذي شفع لأخيه في الرِّسَالة فكأنه هو الأصل في هذا كله، وهارون إنما نَبَّأَهُ اللهُ لمّا سَأَلَهُ موسى ذلك كما في قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦)﴾ [طه: آية ٣٦] لما أراد السفر إلى الميقات للمناجاة قال: يا هارون ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ معنى ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] يعني: أصلح كل ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرهم، وإذا رأيت من يريد الفساد كمن يريد عبادة العجل لا تتبع سبيله، بل كن على الإصلاح دائمًا، كن خليفتي فيهم وافعل فيهم ما كنت أفعل، وكن مصلحًا كل ما يحتاج إلى الإصلاح، ولا تتبع سبيل من أراد الفساد.
هذه وصية موسى لأخيه هارون لما أراد السفر، ولما عجل عن قومه، وجاء ربه للميقات، وسأله ربه عن سبب عجلته عنهم ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه: الآيتان ٨٣، ٨٤].
﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي
[ ٤ / ١٤٣ ]
فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٤٣، ١٤٤].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: آية ١٤٣].
(لما) هذه هي التي تربط شرطًا بجزاء، وقد قدمنا أن علماء العربية اختلفوا فيها: هل هي حرف أو اسم؟ (^١).
﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى﴾ نبي الله موسى بن عمران ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ أي: جاء للوقت الذي حددناه له للميعاد للمناجاة وإعطاء التوراة بعد انتهاء الأربعين يومًا كما تقدم إيضاحه، كما تقول: جاءني فلان لستة خلون من شهر كذا، لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه وسمع كلام الله (جل وعلا) اشتاق موسى إلى رؤية الله لما كلَّمه الله، قال موسى لربه: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ (رب) أصله: يا ربي، حُذفت أداة النداء، وحُذفت ياء المتكلم اكتفاء عنها بالكسرة. وحَذْفُ ياء المتكلم إحدى اللغات الخمس المشهورة في المنادى إن كان صحيح الآخر، مضافًا إلى ياء المتكلم كما هو معروف في محله (^٢).
وقوله: ﴿أَرِنِي﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء منهم السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو ﴿أَرِنِي﴾ بكسر الراء كسرة تامة. وقرأ هذا
_________________
(١) انظر: الحروف العاملة في القرآن الكريم ص٥٩٦.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٤٤ ]
الحرف ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو: ﴿أرْني أنظر إليك﴾ بسكون الراء. وقرأه الدوري عن أبي عمرو بكسرة مُختلسة. فتحصَّل أن جميع القراء غير ابن كثير، وأبي عمرو قرءوا: ﴿أَرِنِي﴾ بكسرة تامة، وأن ابن كثير قرأ بسكون الراء، وكذلك قرأه السوسي عن أبي عمرو، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بكسرة مُختلسة (^١) -وقد قدمنا- بأن هذه القراءات في: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ هي بعينها في قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: آية ١٢٨].
وفي إسكان الراء في القراءة السبعية إشكال، فلطالب العلم أن يقول: ما وجه إسكان الراء ﴿أرْني أنظر إليك﴾ في قراءة ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو؟
والجواب عن هذا السؤال: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أنها ربما اعتبرت العين كأنها لام، وكانت العين وراءها حرف لين محذوف لأمر أو لجزم - مثلًا - فتتخيل العرب العين كأنها اللام وتُنزّلها منزلة الحرف الأخير فتسكنها، ونظير هذا في القراءات: قراءة حفص في سورة النور (^٢): قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: آية ٥٢] بسكون القاف، قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ كقوله هنا: ﴿أرْني﴾ في قراءة ابن كثير والسوسي، وهذا معروف في كلام العرب، ومن أساليب اللغة أن العين المتحركة إذا كانت بعدها لام محذوفةٌ حرف علّة أنهم ربما اعتدوا بالعين فتخيلوا أنها اللام فسكنوها للأمر، وعليه قراءة: ﴿ويخش الله ويتقْه﴾ وقوله:
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٣٦.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٤٥ ]
﴿أرْنا مناسكنا﴾ [البقرة: آية ١٢٨] ﴿أرْني أنظر إليك﴾ ونظيره من كلام العرب قول الشاعر (^١):
أَرْنَا إِداوَةَ عبد الله نَمْلَؤُهَا من ماءِ زَمْزَمَ إن القومَ قد ظَمِئُوا
وقول الآخر (^٢):
وَمَنْ يَتَّقْ فَإِنَّ اللهَ مَعْهُ فَرِزْقُ اللهِ مُؤْتَابٌ وغَادِ
ومن شواهده المشهورة قول الراجز (^٣):
قَالتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقا وهَاتِ خُبزَ البُّرِّ أَوْ دَقِيقَا
لَوْ كُنْتُ يَا سَلْمَى لِذَا مُطِيقا مَا كَانَ عَيْشِي عِنْدَكُمْ طَمِيقَا
فقوله: «اشتر» أصله: (اشتري) وهو كقوله: ﴿أَرِنَا﴾ في القراءة المذكورة، وهذا معنى قوله: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾.
قال بعض العلماء: مفعول (أرني) الثاني محذوف (^٤). أي: أرني نفسك أنظر إليك، والفعل المضارع مجزوم بجواب الطلب، فقد قدمنا أن علماء العربية (^٥) يقول جماعة منهم: إن المضارع المجزوم في جواب الطلب مجزوم بشرط محذوف؛ أي: إن تُرني أنظر إليك.
ولما قال موسى هذا وسأل ربه أن يُريه ينظر إليه، طلب الله النظرَ إليه (جل وعلا)، قال الله مجيبًا لموسى: ﴿لَن
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٤٩).
(٥) مضى عند تفسير الآية (٦٩) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٤٦ ]
تَرَانِي﴾ [الأعراف: آية ١٤٣] (لن) هنا حرف نفي ﴿لَن تَرَانِي﴾ يعني: لن تراني في هذه الدار الدنيا كما سنوضحه قريبًا إن شاء الله، والمعنى: أنت أضعف يا موسى من أن تقدر على رؤية خالق السماوات والأرض؛ لأن شأنه أعظم وأمره أكبر وأجلّ من أن يقدر على رؤيته أحد في الدنيا؛ لأن الناس في الدنيا مركّبون تركيبًا لا يبلغ غاية القوة، معرضون للموت والهلاك، فأنت بهذه الدار لا تقدر أن ترى رب السماوات والأرض، وهذا هو التحقيق في الآية كما سنوضحه إن شاء الله. ثم إن الله كأنه يقول له: هذا الجبل لا شك أنه أقوى منك وأصلب، فهو إذن سأتجلى له، فإنْ تحمّل الجبل رؤيتي وتجلِّيّ له فأنت يمكن أن تقدر وَسَتَرانِي، وإن عجز الجبل عن ذلك -صار دكًّا وصار فتاتًا ترابًا- علمتَ أن الشيء الذي يدك الجبال لا يقدر عليه الدم واللحم منك يا موسى، وهذا معنى قوله: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ مع قوته وصلابته ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ وتحمّل تجلّيّ له فيمكن أن تراني، وإن صار الجبل فتاتًا فالذي يدك الجبال لا تقدر عليه أنت يا موسى، فأنت أضعف من أن تتحمل ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ جاء في حديث عند الحاكم (^١)
أن الله كشف من نوره شيئًا قليلًا بقدر بعض
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٥، ٢٠٩)، والترمذي في التفسير، (ومن سورة الأعراف) حديث رقم (٣٠٧٤)، (٥/ ٢٦٥)، وقال: «حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة» اهـ. والحاكم (٢/ ٣٢٠)، وقال: «صحيح على شرط مسلم» اهـ ووافقه الذهبي. وابن جرير (١٣/ ٩٨)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٥٥٩)، (١٥٦٠)، وابن أبي عدي في الكامل (٢/ ٦٧٧)، وأورده البغوي في التفسير (٢/ ١٩٧)، وابن كثير (٢/ ٢٤٤)، والسيوطي في الدر (٣/ ١١٩)، وعزاه لأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وأبي الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الرؤية .. وقد صحح سند الحديث ابن كثير في التفسير (٢/ ٢٤٤)، ومحمود شاكر في التعليق على ابن جرير (١٣/ ٩٨). وقد أخرج ابن جرير (﵀) نحوه موقوفًا على ابن عباس (﵄) (١٣/ ٩٧).
[ ٤ / ١٤٧ ]
الخنصر، فلما كَشَفَهُ وظهر للجبل صار الجبل دكًّا، اندك الجبل حَتَّى استوى بالتراب، وصار ترابًا.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ الصحيح أن معنى قوله: ﴿صَعِقًا﴾: مغشيًّا عليه، خلافًا لقتادة القائل: (خَرَّ صعقًا) أي: ميتًا (^١). وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن معنى (صعقًا): مغشيًا عليه، وهي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ لأن الإفاقة من الغشية والموت يقال: بعثه بعد الموت. لا أفاق بعد غشيته منها. وهذا معنى قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾.
قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير حمزة والكسائي ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، وقرأه حمزة والكسائي: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكَّاءَ وخر موسى صعقًا﴾ (^٢).
أما على قراءة الجمهور: صار الجبل دكًّا، أي: مدكوكًا (^٣)، والدكّ: أصله طحن الجبال، فطحنه الله. قال بعضهم: حتى استوى
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ١٥٦١)، وأورده ابن كثير (٢/ ٢٤٤)، والسيوطي في الدر (٣/ ١٢٠)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٤.
(٣) انظر: حجة القراءات ص٢٩٥.
[ ٤ / ١٤٨ ]
بالتراب وصار فتاتًا ترابًا لعظمة رب العالمين (جل وعلا). فتبين لموسى أن الله لو تجلى له -يعني- لما أطاق ذلك؛ ولأن ما فتت الجبال لا يقدر على حمله موسى، هذا معنى الآية.
ومَعْلُوم أنَّ المُعْتَزِلة والخوارج وبعض الضُلَاّل يستدلون بهذه الآية من سورة الأعراف على أن رؤية الله مستحيلة بتاتًا في الدنيا والآخرة، ويزعمون أن (لن) في قوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [١٨/ب] أنها للنفي المؤبد في المستقبل/ وأنها تنفي الرؤية مستقبلًا بتاتًا في الدنيا والآخرة، وأن موسى تاب إلى الله من هذا الطلب، حيث قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (^١).
والتحقيق الذي لا شك فيه الذي يجب على كل مسلم اعتقاده في شأن رؤية الله (جل وعلا) أنها بدار الدنيا جائزة عقلًا غير واقعة شرعًا، أما جوازها عقلًا فمن أعظم الأدلة عليه: أن نبي الله موسى طلبها من ربه، ولا يخفى على موسى الجائز عقلًا من المستحيل عقلًا، فمن المحال الباطل أن يكون نبي الله موسى يجهل المستحيل بحق الله ويعلمه أشياخ القدرية الجهلة الضُّلال!! أشياخ المعتزلة الجهلة الضُّلاّل!! هذا مما لا يكون ولا يقع!! فقول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ يدل على أن رؤية الله في دار الدنيا جائزة عقلًا، والذي منع منها عجز الآدميين عن تحمُّلها؛ لأن الله لما تجلى للجبل انْدَكَّ الجبل، فما بالك باللحم والدم؟! فهي في دار الدنيا جائزة عقلًا، وأما في الآخرة فلا شك أنها واقعة، ومن أنكرها فهو
_________________
(١) انظر: شبهتهم هذه والجواب عنها في شرح الطحاوية ص٢١٢، الأضواء (٢/ ٣٣٢)، دفع إيهام الاضطراب ص١٢٠ - ١٢٢ وراجع ما سبق عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٤٩ ]
ملحد في دين الله، ضال مُضل منابذ للسنة المتواترة والقرآن العظيم. فلا شك أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، وقد جاءت آيات تدل على ذلك كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣] وقوله: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: آية ١٥] يفهم من دليل خطابه -أعني مفهوم مخالفته- أن المؤمنين ليسوا يومئذ محجوبون عند ربهم، وقد استحسن العلماء استدلال الإمام الشافعي (﵀) بهذه الآية على رؤية الله يوم القيامة (^١)، أما الأحاديث فَحَدِّثْ ولا حَرَج، فقد تواترت الأحاديث الصحاح في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد والأجزاء عن نحو من عشرين صحابيًّا كرامًا فضلاء عن النبي ﷺ أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، ولا يكاد ينازع من له إنصاف، في تواتر أحاديث رؤية الله يوم القيامة (^٢).
وجاء في الصحيحين وغيرهما [أحاديث كثيرة تدل على ذلك، وقد] (^٣) روى رؤية الله يوم القيامة عن النبي ﷺ نحوٌ مِنْ عِشْرِين صحابيًّا، والأحاديث في ذلك متواترة مشهورة منها: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيانًا» «هَلْ تُضارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ؟ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَذَلِكَ» (^٤) «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ اللهَ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» وأحاديث الرؤية صحيحة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة الأنعام.
(٣) في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٤) جاء ذلك من حديث أبي هريرة (﵁) عند البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) ﴾ حديث رقم: (٧٤٣٧)، (١٣/ ٤١٩). ومسلم في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، حديث رقم: (١٨٢)، (١/ ١٦٣)، ومن حديث أبي سعيد الخدري (﵁) عند البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) ﴾ حديث رقم: (٧٤٣٩)، (١٣/ ٤٢٠) ومسلم في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية. حديث رقم: (١٨٣)، (١/ ١٦٧). ومن حديثهما كما في البخاري (الكتاب والباب السابقان)، حديث رقم: (٧٤٣٨)، (١٣/ ٤٢٠)، ومسلم (الكتاب والباب السابقان). حديث رقم: (١٨٢)، (١/ ١٦٣). ومن حديث جرير البجلي (﵁) عند البخاري في مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر. حديث رقم: (٥٥٤)، (٢/ ٣٣)، وأطرافه: (٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦). ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر، حديث رقم: (٦٣٣)، (١/ ٤٣٩).
[ ٤ / ١٥٠ ]
متواترة لا يطعن فيها إلا ملحد، والمعتزلة يحاولون دفعها، وهي لا تُدفع بالتأويلات الباطلة، والكلام الذي لا طائل تحته، فتحصّل أن التحقيق أن رؤية المؤمنين لربهم أنها في دار الدنيا جائزة عقلًا، وأنها في الآخرة واقعة شرعًا، فهي في دار الدنيا جائزة عقلًا غير واقعة شرعًا، وفي الآخرة واقعة شرعًا بلا نزاع ممن يُعتد به لتصريح النبي ﷺ بذلك في الأحاديث المتواترة.
وما استدل به المعتزلة على استحالة رؤية الله: أما الأدلة العقلية التي يزعمون فكلها فلسفات باطلة لا طائل تحتها، كزعمهم أن رؤية الله تستلزم الجهة، وأن ذلك محال، وتستلزم أنواعًا من المقابلات، وأن كل ذلك محال، وأنهم يقولون: لو خيلنا أن بين العبد وربه حين
[ ٤ / ١٥١ ]
يراه شكلًا مثلثًا، فشعاع العين الذي يمشي مع المستقيم يسبق إليه (جل وعلا) قبل الذي يمشي مع الزاوية المنفرجة فيسبق هذا هذا، وهذا محال. وهو كلام كله باطل وضلال لا طائل تحته!!
وما استدلوا به من قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فقد أجاب العلماء عنه بأن المنفي بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: آية ١٠٣] الإدراك المشعر بالإحاطة، أما مطلق الرؤية فليس هو المنفي في ذلك، بدليل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣] فما يدّعونه من الاستحالات العقلية لا طائل تحته.
وما تمسكوا به مِنَ النَّقْلِ لا حُجَّةَ لهم فيه، والتحقيق الذي لا شك فيه أنَّ المؤْمِنين يرون ربهم يوم القيامة لا يضارون في ذلك، كما صرّح به الصادق المصدوق، ورواه عنه نحو عشرين صحابيًّا من أصحابه (﵃). هذا هو التحقيق في هذا المقام.
وقول المعتزلة: «إن (لن) حرف نفي يدل على نفي الشيء للمستقبل نفيًا باتًّا» هو كذب أيضًا، وتَقَوَّلٌ على اللغة العربية بما ليس منها!! والذي دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّة العَرَبِيَّةِ الواردة في القرآن الذي هو في الطرف الأعلى من الفصاحة والإعجازات على أن قول المعتزلة هذا بأن (لن) إنها للنفي في المستقبل نفيًا أبديًّا باتًّا هذا باطل كذب.
وقد دلت ثلاث آيات من كتاب الله على كذب هذا القول، وأنه ليس بصحيح:
إحداها: أن (لن) لو كانت نصًّا صريحًا في النفي المستقبل الباتّ الأبدي لما جاز تقييد نفيها في يوم ولا ظرف معين، وقد جاء
[ ٤ / ١٥٢ ]
بالقرآن تقييد نفيها بيوم معين، في قوله: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: آية ٢٦] لو كان نفي (لن) للكلام نفيًا مؤبدًا إلى يوم القيامة لكان قول مريم مناقضًا لذلك التأبيد كما ترى.
الموضع الثاني: أن (لن) لو كانت تقتضي التأبيد الأبدي لما كان الله يقول بعد نفيها (أبدًا)، لأن لفظة (أبدًا) تكون تكرارًا مع التأبيد الذي دلت عليه (لن) كقوله: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: آية ٩٥] لأن قوله: ﴿أَبَدًا﴾ على زعم المعتزلة يكون تكرارًا مع النفي الأبدي الذي زعموا أنه تدل عليه (لن) فلما قال الله بعد نفيها: ﴿أَبَدًا﴾ عرفنا أنهم كاذبون في ذلك.
الموضع الثالث: أن (لن) لو كانت تدل على النفي المؤَبَّد البات إلى الأبَدِ لما جاز أن يوقّت نفيها بغاية معينة، وقد جاء في القرآن أن الله غيَّا نفيها بغاية معينة، وكونه غيّاه بغايَة معينة يناقض أنه إلى الأبد، كما في قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ قوله: ﴿حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: آية ٨٠] قَصْرُ هذا النفي على وقت الإذن ينافي كون (لن) هي نصّ في النفي البات كما ترى، فتبين من هذا أن قول المعتزلة: إن (لن) للنفي المستقبل البات الأبدي ولو فرضنا أن العربية تساعدهم على ما يقولون - فرض جدل - لما كان لهم في ذلك حجة؛ لأن النبي ﷺ - وهو الصادق المصدوق - بيّن في الأحاديث الصحيحة المتواترة أن نفي ﴿لَن تَرَانِي﴾ منقطع يوم القيامة، فصرح بأنهم يرونه يوم القيامة كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
قرأ هذا الحرف من السبعة: عاصم وأبو عمرو وحمزة:
[ ٤ / ١٥٣ ]
﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ بكسر نون (لكن) على قاعدة التخلّص من التقاء الساكنين.
وقرأه باقي السبعة: ﴿ولكنُ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ﴾ بضم النون إتْباعًا لضمة الراء كما هو معروف (^١).
﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾ الجبل ﴿مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي: ظهر (جل وعلا) وكشف نوره للجبل انهد الجبل، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا، قال بعض العلماء: رفاتًا ترابًا مختلطًا بالأرض. وعلى قراءة حمزة والكسائي: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ (^٢) [الأعراف: آية ١٤٣] كأنه شبهه بالناقة الدكَّاء، والعرب تقول: ناقة دكَّاء، وجبل أَدَكّ. فالناقة الدكَّاء هي التي لا سنامَ لها؛ أي: لا ارتفاع في ظهرها، فظهرها كله مستو غير مرتفع، فكانت أرض الجبل كأنها لا ارتفاع فيها، وأنها دكّاء مستوية بالأرض، خلافًا لبعضهم القائل: إن دكَّاء مرادها: المرتفعة عن الأرض قليلًا كالدكة، وعلى كل حال فالله (جل وعلا) لما تجلَّى للجبل دك الجبل وأزاله وكسَّره، وصار رُفاتًا لعظمة خالق السماوات والأرض على القراءتين: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ ﴿جعله دكَّاء﴾.
﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ خرّ نبي الله موسى من شدة الخطب الذي دك الجبل، خرّ في حال كونه صعقًا، أي: مغشيًّا عليه، خلافًا لقتادة القائل: ميتًا، وأن الله أحياه.
_________________
(١) انظر: الإتحاف (٢/ ٦١).
(٢) مضى قريبًا.
[ ٤ / ١٥٤ ]
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ أي: نبي الله موسى أفاق من غشيته قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ (سبحان) كلمة تدل على التنزيه. معناه: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك (^١)، وهذه الكلمة أعربها الشيخ سيبويه بأنها مصدر منصوب بفعل يُحذف دائمًا (^٢)، أي: أُسبحك سبحانك. أي: تسبيحًا أنزهك عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك. ولفظة (سبحان) ملازمة للإضافة إلى المفرد، وسُمع نادرًا إتيانها غير مضافة، ومنه قول الأعشى: في شعره بالمنافرة بين علقمة بن عُلاثة وعامر بن الطفيل المشهورة (^٣):
فَقُلْتُ لمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ
وهذا معنى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك عما لا يليق بكمالك وجلالك، ومن ذلك أن يَتَحَمَّلَ أحد رؤيتك في دار الدنيا، فإن عَظَمَتَكَ تدكّ الجبال.
وقال بعضهم: قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ لأن موسى تجرّأ على سؤال الرؤية من غير إذن (^٤)، وقد كان يظن أن قدرته تتحملها، فالذي جهله موسى هو مدى قدرة نفسه، أما ما يجوز في الله وما يستحيل فلا يجهله نبي الله موسى كما هو معروف.
﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير نافع: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٦٥).
(٢) الكتاب (١/ ٣٢٢ - ٣٢٧).
(٣) ديوان الأعشى ص٩٣، وأوله: «أقول ».
(٤) انظر: القرطبي (٧/ ٢٧٩).
[ ٤ / ١٥٥ ]
غير مدّ النون. وقرأه نافع وحده: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنآ أَوَّلُ المؤْمِنِينَ﴾ (^١).
قال بعض العلماء (^٢): أول المؤمنين من بني إسرائيل. وقال بعضهم: أول المؤمنين بأن البشر لا يقدرون على رؤيتك في دار الدنيا. هكذا قاله بعضهم (^٣)، والله أعلم. هذا معنى قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال الله ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ قرأه بعض السبعة: ﴿إنّيَّ اصْطَفَيْتُكَ﴾ (^٤) اصطفيتك: معناه: اخترتك. والطاء مبدلة من تاء الافتعال؛ لأن المقرر في فن الصرف: أن تاء الافتعال إذا جاءت بعد حرف من حروف الإطباق أُبدلت طاءً كما هو معروف في محله (^٥).
والاصطفاء معناه: الاختيار. أي: اخترتك على الناس ﴿بِرِسَالَاتِي﴾.
قرأ هذا الحرف جمهور القراء غير نافع وابن كثير: ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ بصيغة الجمع المؤنث السالم، وقرأه من السبعة نافع وابن كثير: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِي﴾ بالإفراد (^٦)،
_________________
(١) انظر: الإتحاف (٢/ ٦٢).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٠٤).
(٣) المصدر السابق (١٣/ ١٠٢ - ١٠٣).
(٤) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٩.
(٥) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ٤١٨ - ٤١٩. وراجع ما سبق عند تفسير الآية (١١٩) من سورة الأنعام.
(٦) انظر: السبعة ص٢٩٣.
[ ٤ / ١٥٦ ]
ومعنى القراءتين واحد؛ لأن الرسالة أُضيفت إلى معرفة فهي تعم، وتكون بمعنى الجمع كما هو معروف.
﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الذي كلمتك به ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. ﴿مَا آتَيْتُكَ﴾ وهو التوراة. يعني: خذها كما يأتي: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٤٥].
﴿وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٤٤] لله على هذه النعم العظام حيث كلمك، وأهلك عدوك، وكتب لك هذا الكتاب العظيم الذي هو التَّوْرَاة.
وقوله: ﴿مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ الشاكرون جمع الشاكر، وهو اسم فاعل الشكر، وقَدْ قَدَّمْنَا مرارًا (^١) أن الشكر في لغة العرب: الظهور، ومنه: (ناقة شكور) يظهر عليها السِّمَن، و(الشكير): الغصن الذي يظهر في الجذع الذي كان مقطوعًا، كما هو معروف.
والشكر في القرآن يطلق من الرب لعبده، ومن العبد لربه، كما قال في شكر الرب لعبده: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: آية ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: آية ٣٤] ومعنى شكر الرب لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل. ويُطْلِق الشكر من العبد لربه كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: آية ١٣] ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] وضابط شكر العبد لربه: هو أن يصرف نعمته بما يرضيه.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٥٧ ]
اعلموا -أيها الإخوان- أن شكر خالقنا واجب علينا (^١)، فهذه العيون التي فتح الله في أوجهكم من أعظم نعمه عليكم، فمِن شُكْرِها: أن لا تنظروا بهذه العيون إلا ما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وتَفَضَّلَ عَلَيْكم بها، أما النَّظَرُ في المحرَّمَات فلا ينبغي للعبد أن يَسْتَعْمِلَ نِعْمَةَ اللهِ فيما يغضب الله ويسخطه، فهذا أمر فظيع شنيع!! منّ الله عليكم بهذه الأيدي، وفرّق أصابعها، وأبعد إبهامها من الأصابع ليمكنكم العقد والحل، وشد رؤوسها لكم بالأظفار، فَشُكْر هذه الأيدي: ألا تبطشوا بها، ولا تتناولوا بها إلا ما يرضي مَنْ خَلَقَهَا وامْتَنَّ عليكم بها، وهكذا في سائر الأعضاء والجوارح، والجاه والمال، وغير ذلك، فلا تستعينوا على سخط الله بنعم الله، بل اشكروا لله نعمه، واصرفوا نعمه فيما يُرْضِيهِ، واعلموا أنَّ مِنْ أَقْبَحِ القبائح وأرْذَلِ الرذائل أن يكون العبد الضعيف الحقير يمُنّ عليه خالق السماوات والأرض (جل وعلا) مع عظمته وجلاله بنعمه ثم إنه يصرف نعمه فِيمَا يغضبه ويسخطه!! هذا مِنْ أقْبَحِ الأفْعَالِ وأخَسِّهَا، ومَنْ لَهُ عَقْلٌ يستحيي مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلكَ.
واعلموا أن مادة (الشكر) تتعدى إلى النعمة بنفسها بالإجماع، كقوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: آية ١٩] أما تعدي مادة (الشكر) إلى المنعم فاللغة الفصحى أنها تتعدى باللام، وبالغ قوم من علماء العربية فقالوا: لا يجوز تعديها بنفسها (^٢)، وهذا إفراط شديد!! فمثلًا لو قلت: نحمد الله ونشكره. هذا لا ينبغي أن يُقال!! وليس هو الأولى. وزعم بعضهم أنه لا يجوز. فيقول: نحمد
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٥٨ ]
الله ونشكر له. ولا يقول: ونشكره. ومن ادعى أن: (ونشكره) وأن تعدي مادة الشكر إلى المفعول الذي هو المنعم بنفسها لا يجوز؛ خلاف التحقيق.
والحق الفصل الذي لا شك فيه في هذا المقام: أن اللغة الفصحى أن تتعدى إليه باللام لا بنفسها، وأن تقول: نحمد الله ونشكر له. هذه اللغة الفصحى بلا نزاع. وهي لغة القرآن، يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] ولم يقل: أن اشكرني. ويقول: ﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: آية ١٥٢] ولم يقل: واشكروني. أما قولهم: إن مثل قوله: (أحمده وأشكره) أنه لحن لا يجوز. فليس بصواب، بل (أشكره) لغة مفضولة، و(أشكر له) هي اللغة الفصحى، وقد جاء عن العرب أنهم يُعَدُّونَ -مثلًا- الشكر إلى المنعم بلا واسطة الحرف، وهو متبوع في كلامهم، ومن أمثلته في كلامهم قول أبي نخيلة (^١):
شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى وَمَا كُلُّ من أَوْلَيْتَهُ نعمةً يَقْضِي
ولم يقل: شكرت لك. وإنما قال: شكرتك. ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر (^٢):
خَلِيْلَيَّ عُوجَا اليومَ حتى تُسَلِّمَا على عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
فإنكُما إنْ عُجْتُمَا ليَ ساعةً شكرتُكُمَا حتى أُغَيَّبَ في قبري
فإنه عربي قح، وقد قال: شكرتكما. ولم يقل: شكرت لكما.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٤ / ١٥٩ ]
وقول الله في هذه الآية: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: آية ١٤٤] صفة الكلام هي التي جاء بها الذين يبحثون عن الكلام (^١)، وجاءوا ببلايا، وجاءوا بعلم الكلام، وغيّروا عقائد الناس، وجاءت البلايا من ذلك الوقت لما دخل علم الكلام في المسلمين، وصاروا يحكِّمون العقل في صفات الله تعالى، وينفون الصفات بالتأويلات، بزعمهم أن العقل يمنعها، جاء من ذلك شر كبير، ومصدر هذا الشر الكبير، عسى الله أن يعفو عن المأمون فيه؛ لأنه هو أول من ترجم الكتب اليونانية، وكان منها هذه المقاييس المنطقية، وقد قدمنا لكم مرارًا (^٢) أن الطريق الأحوط الذي يُنجي المسلم ويخلصه من القيل والقال والبلايا كلها حتى يلقى الله سالمًا على أساس صحيح في نور القرآن العظيم هو أن يلتزم الأسس الثلاثة التي أكثرنا من تكرارها في هذه الدروس، ونحن كررناها قصدًا لشدة الحاجة إليها، وكثرة من غفل عنها من المتعلِّمين، وقد بيّنا لكم مرارًا أَنَّ مَنْ أرَادَ مِنْكُمْ أن يلقى الله سالمًا ويتخلص من هذا المأزق في آيات الصفات؛ كصفة الكلام، وصفه اليد، والاستواء وجميع الصفات أن يبنيه على ثلاثة أُسس:
أولها: وهو أساس العقيدة الصحيحة: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم. والخلق صنعة، وهو (جل وعلا) صانعها، والصنعة لا تشبه صانعها لا في ذاته، ولا في فعله، ولا في صفته. فإذا
_________________
(١) يريد أنهم جاءوا فيها بالخوض في الباطل، وإلا فمن المعلوم أن صفة الكلام ثابتة في الكتاب والسنة.
(٢) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٢) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٦٠ ]
استقر هذا الأساس الأعظم في القلوب وطهرت من أقذار التشبيه، وغلب عليها تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه سهل عليها.
الأساس الثاني: وهو أن تؤمن بصفات الله الثابتة في كتابه وسنة رسوله الصحيحة ﷺ إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه. ونحن نكرر لكم مرارًا أن هذا التعليم ما قلناه من تلقاء أنفسنا، لا والله وكلا، ولكنا نقوله في ضوء المحكم المُنَزَّل، كلام رب العالمين؛ لأنه أوضح هذا إيضاحًا شافيًا لا يترك في الحق لبسًا، وذلك أنه لما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أتبعه بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فجميع الحيوانات تبصر -ولله المثل الأعلى- فكأن الله يقول لك في هذه الآية: يا عبدي لا تتنطع وكن عاقلًا، ولا تذهب بصفتي إلى صفة خلقي فتكون مشبهًا، وتضطر إلى التأويلات والبلايا، بل لاحظ في إثبات الصفات أني لا مثيل لي ولا نظير، وأَثْبِتْ لِي صِفَاتِي عَلَى ذلك الشَّرْط المُعَيَّن؛ ولذا جاء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] أي: أثبت لي سمعي وبصري، ولا تذهب بهما إلى مشابهة أسماع الخلق وأبصارهم، بل أثبتهما على أساس ما ذكرتُ قبلهما، وهو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فتثبت له سمعه وبصره على أساس التنزيه والتقديس والتكريم عن مشابهة صفات المخلوقين، فتكون أولًا مُنزّهًا، وثانيًا مُثْبِتًا على أساس التنزيه، وإن جئت يوم القيامة لا يأتيك لوم ولا توبيخ من أنك نزهت الله، والله لا يقول لك الله: لِمَ كنت تنزهني في دار الدنيا عن مشابهة خلقي؟ لا، أبدًا. هذا طريق سلامة محقق. ولا يقول لك: لِمَ كنت تصدقني في صفاتي التي مدحت بها نفسي وأثنى عليَّ بها
[ ٤ / ١٦١ ]
رسولي ﷺ وعليك أن تقف عند حدّك (^١).
هذا ذكرناه مرارًا مطولًا ومختصرًا، فعلينا أن ننزّه خالقنا عملًا بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء﴾ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: آية ٤] ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: آية ٧٤] وعلينا أن نُصَدِّقَهُ بما وصف به نفسه، ولا نقول: هذا نص يوهم غير اللائق!! فنثبت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ على أساس: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء﴾ [الشورى: آية ١١] ولا نقول: هذا نص يوهم غير اللائق؛ لأن الحيوانات تسمع وتبصر فنؤوّله!! لا نفعل ذلك، ونقف عند حدّنا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاُ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: آية ١١٠] ونعلم أن الله وصف نفسه بأنه كلم موسى، وأكد ذلك التكليم في سورة النساء بالمصدر في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: آية ١٦٤] يجب علينا أن نعلم أن الكلام صفة الله الأزلية، وأنه لم يَتَجَرَّدْ يومًا ما عن أنه متكلِّم، وأنه في كل يوم يتكلم بما شاء، كيف شاء، على الوجه اللائق بكلامه وجلاله المنزّه عن مشابهة كلام المخلوقين من جميع الجهات، ونُمِرُّه كما جاء مع تنزيه الله وتعظيمه، ولا نأتي بشيء من المحالات والبلايا.
وهنا للمتكلمين ضلالات طويلة، وكلام باطل طويل في الكلام لا يسعه هذا المقام.
[١٩/أ] / ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا
_________________
(١) لم يذكر الأساس الثالث وقد ذكره في الموضع السابق عند الكلام على هذا الموضوع، وهو قطع الطمع عن إدراك كيفيات الصفات.
[ ٤ / ١٦٢ ]
أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: الآيات ١٤٨ - ١٥٠].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾.
﴿قَوْمُ مُوسَى﴾ هم بنو إسرائيل، أي: واتخذ بنو إسرائيل ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ أصل هذا الحلي للقبط استعاره منهم الإسرائيليون لعُرس أو ليوم زينة عندهم كانوا يَتَزَيَّنُون فيه، وأُمر موسى أن يسري ببني إسرائيل قبل أن يردوا الحلي للقبط، فسافروا به، وأهلك الله فرعون وقومه، وبقي ذلك الحلي المستعار منهم عند الإسرائيليين، فاتخذ السامري العجل من ذلك الحلي. وهنا قال: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ قال بعض العلماء: لأن الله أَوْرَثَهُمْ أموالهم بعدهم كما في قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] ولذا أضافه إليهم بعد هلاك فرعون وقومه. وقال بعض العلماء: الإضافة تقع بأدنى ملابسة، فلما كان تحت أيديهم عاريةً عندهم أضافه إليهم بهذه الملابسة، وقد بيَّن في «طه» أنه من زينة قوم آخرين كما ذكر عن الإسرائيليين أنهم قالوا: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: آية ٨٧] وهي حلي القبط. هذا وضابط ذلك أن السامري -قبّحه الله- موسى بن ظفر رأى جبريل لما جاء على فرس
[ ٤ / ١٦٣ ]
ليأخذ موسى إلى الميعاد، أو ليمشي أمام فرعون وقومه، والأكثرون يقولون: إن موسى لما أراد الله إتيانه للميعاد أرسل إليه جبريل. قالوا: وكان جبريل راكبًا على فرس فلاحظها السامري، كل شيء مسه حافر تلك الفرس ينبت فيه النبات، فَعَرَفَ السَّامِرِيُّ أن الله (جل وعلا) جعل في أثر تلك الفرس خاصة الحياة، فجاء وقبض قبضة من التراب الذي مسه حافر ذلك الفرس ثم أمسك ذلك التراب عنده، وكان السامري -قبحه الله- صائغًا فصاغ ذلك العجل. يقول بعض المؤرخين: إنه بعد غيبة موسى قال لهارون: هذا الحلي صار غنيمة، والغنائم لا تحل لكم فاجعلوه في النار ليكون قطعة واحدة ليكون ذلك أيسر لأمره حتى يأتي نبي الله موسى فَيَرَى رَأْيَهُ فيه، وإنهم لما جعلوه في النار صاغه السامري على صورة عجل، ولما صاغ ذلك الحلي على صورة عجل جعل فيه ذلك التراب الذي كان مُدَّخرًا له -الذي مسه حافر فرس جبريل وجعل الله فيه خاصة الحياة- فصار ذلك العجل جسدًا له خوار.
وقد أشار الله إلى هذا في سورة (طه) في قوله عن موسى والسامري: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ يعني من أثر حافر فرس الرسول، يعني جبريل ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: الآيتان ٩٥، ٩٦] أي: على العِجْل. فجعله الله جسدًا له خوار، فلما ألقى السامري ذلك التراب على العِجْل وصار ذلك العِجْل المصوغ من الحلي جسدًا له خوار. الخوار في لغة العرب: هو أصوات البقر خاصة، تقول العرب: خارت البقر تخور وتخاورت البقر؛ أي: صَوَّت بعضها إلى بعض، وهذا معروف في كلامهم، ومنه قول العباس بن مرداس السُّلَمِي في غزوة حنين في
[ ٤ / ١٦٤ ]
معرض مدحه لسليم (^١):
لا يغرسونَ فَسِيْلَ النخلِ حولهم ولا تَخَاوَرُ في مَشْتَاهُم البقرُ
فالخوار: صوت البقر.
وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ بضم الحاء وتشديد الياء (^٢). والحُلي أصله: (حُلُوْي) جمع حَلْي (فَعل) مجموع على (فُعُولَ) وجمعه (حُلُوْي) كفَلْس وفُلُوس، وظَهْر وظُهُور، وحَلي وحُلُوْي، اجتمعت فيه الواو والياء، أولاهما ساكنة غير عارضة ولا عارضة السكون، فوجب إبدال الواو ياءً، وقُلبت ضمة اللام كسرة لمجانسة الياء فقيل: من حُليِّهم (^٣).
وقرأه حمزة والكسائي: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حِلِيِّهِمْ﴾ بكسر الحاء إتباعًا للَاّم، وأصل الحاء مضمومة (^٤).
وقوله: ﴿عِجْلًا﴾ العِجْلُ وَلَدُ البَقَرَةِ، ويجمع على عجاجل على غير قياس (^٥).
وقوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: آية ١٤٨] قال بعض العلماء: الجسد هو البدن الذي فيه اللحم والدم، ويدل لهذا قوله:
_________________
(١) البيت في السيرة لابن هشام (٤/ ١٣١٧)، وسيأتي في سياق أبيات القصيدة عند تفسير الآية (٢٥) من سورة التوبة. وشطره الأول: لا يغرسون فسيل النخل وسطهم
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٤.
(٣) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٨٦.
(٤) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٤.
(٥) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٦٥ ]
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَاّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ [الأنبياء: آية ٨] واختلف العلماء في هذا العِجْلِ هل جعل الله فيه لحْمًا ودَمًا وجعله حيًّا، أو هو عجل باقٍ في صورة الذهب والفضة إلا أن الرياح إذا دخلت في منافذه كان يُسمع في داخله صوت يشبه أصوات البقر؟ قال بكلٍّ منهما بعض العلماء (^١).
وظاهر قوله: ﴿جَسَدًا﴾ أن الله جعله عجلًا، والله (جل وعلا) قادرٌ على كل شيء لا يتعاصى على قدرته شيء. وقوله الآتي: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ [طه: آية ٥٧] على أن التحريق معناه التحريق بالنار كما قاله جماعة من العلماء، فيظهر أن العجل صار جسدًا لحمًا ودمًا؛ لأن اللحم والدم إذا أُحرق بالنار يبس وأمكن دقه ونسفه في البحر؛ لأن الذهب والفضة لا يمكن دقهما ونسفهما في البحر، وأما على أن المعنى لنحرّقنّه: نبردنّه بالمبارد كما تشهد له القراءة الأخرى: ﴿لَنَحْرُقَنَّهُ﴾ (^٢) [طه: آية ٩٧] فعلى هذا المعنى فالأليق أن يكون بقي ذهبًا وفضة إلا أنه يصوّت صَوْتَ البَقَر إذا دخلت الريح في داخله.
وقوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ مفعول (اتخذ) الثاني محذوف لدلالة المقام عليه، أي: اتخذوا عجلًا جسدًا إلهًا معبودًا من دون الله. فحذف المفعول الثاني لدلالة المقام عليه، وهذا هو التحقيق، والنكتة في حذفه: أنه لا ينبغي أن يُتَلَفَّظَ بأن عجلًا مصطنعًا إلهًا (^٣) فحذف لهذه النكتة كما قاله بعضهم.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (٢/ ٦٣)، فما بعدها.
(٢) انظر: إتحاف فضلاء البشر (٢/ ٢٥٦)، وانظر: القرطبي (١١/ ٢٤٢).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة. وانظر: الأضواء (٢/ ٣٣٣).
[ ٤ / ١٦٦ ]
﴿عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ قال في سورة طه: إنَّ السامري لمّا اصطنعه لهم قال لهم: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: آية ٨٨] فنسي موسى أن هذا إلهه، وذهب يطلبه في موضع آخر. وقال هنا: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ قرر علماء التفسير أن كل فعل مضارع مجزوم بـ (لم) إذا جاءت همزة الاستفهام قبل لم ففيه في جميع القرآن وجهان معروفان لعلماء التفسير (^١):
أحدهما: أن المضارع تنقلبُ مُضَارَعَتُه مَاضَويَّة، وينقلب نفيه إثباتًا، فيصير قوله هنا: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ينقلب المضارع ماضيًا، والنفي إثباتًا، فيصير المعنى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ﴾ أي: رأوا أنه لا يكلمهم، أي: علموا بذلك، وعليه فيكون معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: آية ١] شرحنا لك. ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ [الكهف: آية ٧٥] قلت لك، ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ [البلد: آية ٨] جعلت له عينين، وهكذا.
أما انقلاب المُضَارَعَة مَاضَوِيَّة فلا إشكال فيه؛ لأن (لم) حرف قلب، تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، كما هو معروف لا إشكال فيه.
أما وجه قلب النفي إثباتًا: فالهمزة الداخلة على (لم) مضمنة معنى الإنكار، ففيها معنى النفي، فيتَسَلَّطُ النفي الكامن فيها على النفي الصريح في (لم) فينفيه، ونفيُ النفي إثبات.
الوجه الثاني: أن الاستفهام في (ألم) في جميع القرآن هو استفهام تقرير (^٢)، والمقرر في فن المعاني أن المراد باستفهام
_________________
(١) انظر: الحروف العاملة في القرآن الكريم ص٦٣٣.
(٢) انظر: الإتقان (٣/ ٢٣٥)، الحروف العاملة في القرآن الكريم ص٦٣٤.
[ ٤ / ١٦٧ ]
التقرير: هو حمل المخاطب على أن يقر ويقول: بلى (^١)، وعلى هذا فالمراد بالاستفهام: حمل المخاطبين على أن يقروا ويقولوا: بلى هو لا يكلم ولا يهدي سبيلًا، وليس بشيء يستحقُّ أن يُعبد. وهذا معنى قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ ألم يروا أن هذا المعبود الذي افتروه واختلقوه لا يكلمهم؟ والمعبود الحق لا بد أن يكون يُكلم، ومعبود أهل السماوات والأرض بالحق يقول عن كلام نفسه: ﴿لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: آية ١٠٩]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: آية ٢٧] هذه صفة المعبود حقًّا، أمّا الذي لا يقدر على أن يتكلم كلمة واحدة فهذا ليس بمعبود.
وقوله: ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ المعبود هو الذي يهدي، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يَهِدِّيَ﴾ [يونس: آية ٣٥] أما الذي لا يهدي سبيلًا أي: طريقًا كائنًا ما كان فلا يمكن أن يكون برب ولا بمعبود، فلما قرر (جل وعلا) أن هذا العجل الذي اتخذوه إلهًا تنتفي عنه الصفات التِي يجب أن تكون للإله صرح بأنهم عبدوه وهم ظالمون في ذلك فقال: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ اتخذوه إلهًا ﴿وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ظالمين في ذلك.
وقد فسرنا الظلم مرارًا (^٢)، وبيّنَّا أن أصله في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه:
_________________
(١) انظر: البرهان للزركشي (٢/ ٣٣٣)، (٤/ ٢٣٥)، جواهر البلاغة ص٧٨.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
[ ٤ / ١٦٨ ]
وضع العبادة في عجلٍ مصطنع جماد!! من عبد هذا وأعطاه حق الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وأكبر أنواع الظلم: وضع العبادة في غير موضعها كظلم هؤلاء بعبادة هذا العجل؛ ولأجل ذلك كثر في القرآن إطلاق الظلم على الشرك بالله كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] أي: من يعبد عجلًا مصطنعًا فهو من الظالمين الواضعين العبادة في غير موضعها كما هو ظاهر.
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [الأعراف: آية ١٤٩].
قوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ﴾ كناية عَنْ شِدَّةِ النَّدَمِ، فكُلّ مَنْ أصَابَهُ نَدَمٌ شَدِيدٌ حتى بقي حائرًا من شِدَّةِ نَدَمِهِ تقول العرب: سُقِطَ فِي يَدِهِ (^١). فمعنى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ﴾ لما ندموا غاية الندم وبقوا مُتَحَيِّرينَ على كُفْرِهِمْ بالله وعبادتهم لعجل مصطنع ﴿وَرَأَوْاْ﴾ رأى هنا بمعنى علم (^٢). أي: وعلموا علمًا يقينًا ﴿أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ﴾ ضلوا عن طريق الصواب والرشد، وقد بيّنا في هذه الدروس مرارًا (^٣) أن الضلال جاء في القرآن إطلاقه على ثلاثة معان، وهي إطلاقات معروفة مشهورة في كلام العرب مستفيضة فيه، فمن إطلاقات الضلال: إطلاقه على الذهاب عن الإيمان إلى الكفر، وعن طريق
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٨٥)، الدر المصون (٥/ ٤٦٢).
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٦٤).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٦٩ ]
الجنة إلى طريق النار، وهذا أكثر إطلاقاته. ومنه بهذا المعنى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: آية ٧] وإطلاق الضلال مرادًا به الذهاب عن علم شيء، فليس من الضلال في الدين، فكل من ذهب عن علم شيء تقول العرب: ضل عنه. ومنه بهذا المعنى قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: آية ٩٥]، أي: ذهابك عن معرفة حقيقة يوسف، هو قد مات من زمان وأنت كل يوم تسأل عنه.
وكقولهم فيه: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: آية ٨] لا يعنون الضلال في الدين، وإنما يعنون الذهاب عن حقيقة الأمر حيث زعموا أنه فَضَّل يوسف وأخيه عليهم، وأنهم أكثر نفعًا على أبيهم من يوسف وأخيه، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي: تذهب عن علم معرفة المشهود به ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: آية ٢٨٢]، ومنه بهذا المعنى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَاّ يَضِلُّ رَبِّي﴾ [طه: آية ٥٢] أي: لا يذهب عنه علم شيء ﷾ عن ذلك، ومنه بهذا المعنى قول الشاعر (^١):
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا بَدَلًا أرَاهَا في الضَّلالِ تَهِيمُ
أي: في عدم معرفة الحقيقة حيث ظنت أني أبغي بها بدلًا، والأمر على خلاف ذلك.
الاستعمال الثالث: هو استعمال العرب الضلال في الغيبة والاضمحلال، يقولون لكل شيء غاب واضمحل يقولون فيه: ضَلَّ، كقولهم: ضل السمن في الطعام. إذا غاب واضمحل فيه، ومنه بهذا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٧٠ ]
المعنى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٤] وقوله: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ [السجدة: آية ١٠] يعنون: إذا ضلت عظامهم في الأرض؛ أي: أكلها التراب واختلطت به وغابت واضمحلت فيه. ومن أجل هذا كانت العَرَبُ تسمِّي الدَّفْنَ (إضْلالًا) لأنَّ مَنْ دُفِنَ يَضِلّ في التّراب، وتأكل الأرض عِظَامَهُ ويختلط بها؛ ولذا كانوا يسمون الدفن إضلالًا، ومنه قول نابغة ذبيان (^١):
فَجَاءَ مُضلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بالجولانِ حزمٌ ونَائِلُ
مضلوه: يعني دافنيه. وقول المخبَّل السَّعْدِي يرثي قيس بن عاصم المنقري التميمي (^٢):
أَضَلَّتْ بَنُو قَيْسِ بْن سَعْدٍ عَمِيدهَا وفَارِسَهَا في الدَّهْرِ قيسَ بْنَ عَاصِمِ
ومن إطلاق العرب الضلال على الغيبة والاضمحلال قول النَّصْرَانيّ الشَّاعر الأخطل (^٣):
كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبدِ قَذَفَ الأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالًا
أي: إذا غاب غيبوبة واضْمَحَلّ اضْمِحْلالًا، ومنه بهذا المعْنَى قول الآخر (^٤):
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيَارُ عَنِ الحَيِّ المُضَلّلِ أَيْنَ سَارُوا
أي: المغيب.
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام، وصدر بيت النابغة كما في الديوان: «فآب ».
(٢) مضت عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام، وصدر بيت النابغة كما في الديوان: «فآب ».
(٣) مضت عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام، وصدر بيت النابغة كما في الديوان: «فآب ».
(٤) مضت عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام، وصدر بيت النابغة كما في الديوان: «فآب ».
[ ٤ / ١٧١ ]
زاد بعض العلماء: أن العَرَبَ تطلق الضلال على الحبّ، وهذا إطلاق غير مشهور معروف كهذه الإطلاقات الثلاثة التي ذكرنا.
﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ﴾ أي: علموا أنهم قد ضلوا عن طريق الإيمان إلى طريق الكفر، أنابوا إلى الله وتابوا ملتجئين إلى الله.
﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ [الأعراف: آية ١٤٩] قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بـ (ياء الغيبة) و﴿رَبُّنَا﴾ مرفوعٌ فاعل: ﴿يَرْحَمْنَا﴾.
وقرأه حمزة والكسائي من السبعة: ﴿قَالُوا لَئِن لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا وَتَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (^١).
فمعنى قراءة حمزة والكسائي (^٢): لئن لم ترحمنا يا رَبَّنَا، وتغفر لنا يا ربنا لنكونن من الخاسرين.
أمّا على قراءة الجمهور: فالمعنى: ﴿لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ أي: يتداركنا برحمته ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ الغفران: هو محو الذنوب حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها بعد ذلك.
﴿وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ والله لنكونن من الخاسرين. وأصل الخسران: نقصان مال التاجر مِنْ رِبْحٍ أوْ رَأْسِ مَالٍ، وهو قد يُطلق في الشَّرْعِ وفي القرآن على غَبْنِ الإنسان في حظوظه مِنْ رَبِّهِ، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالقه جل وعلا.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٥.
(٢) انظر: حجة القراءات ص٢٩٦، القرطبي (٧/ ٢٨٦)، الدر المصون (٥/ ٤٦٥).
[ ٤ / ١٧٢ ]
وقد بيّنا في هذه الدروس مرارًا وكررنا (^١) أن هذا الخسران أقسم الله في سورة عظيمة من كتابه أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينةٍ منصوصة في كتاب الله، كما أوضح الله ذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ الألف واللام للاستغراق، فهو بمعنى: أن كل إنسان كائنًا من كان ﴿لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات ١ - ٣].
وقد كررنا في هذه السور الماضية مرارًا (^٢) أن العلماء ضربوا لهذا الخسران مثلين، في كل منهما موعظة يتعظ بها المؤمن في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، كررناها مرارًا، ولا نزال نكررهما لعل الله أن يرسل موعظة لقلوب إخواننا تهديهم إلى ما يرضي الله، وتنهاهم عما يكرهه خالقهم، فمن ذلك:
أن العلماء قال بعضهم: إن الله (جل وعلا) أعطى كل إنسان رأس مال، وأمره بالتجارة فيه مع خالقه، ورأس هذا المال المعطى لكل إنسان هو الجواهر النفيسة، والأعلاق العظيمة التي لا مثيل لها في الدنيا، ألا وهي: ساعات العمر ودقائقه وثوانيه. فليعلم كلٌّ منا أن رأس ماله الذي أعطاه خالقه جواهر لا مثيل لها في الدنيا، ولا نظير لها، ولا يوجد شيء أكبر منها فائدة إذا أُعملت على الوجه الأتم، ألا وهي: ساعات عمره ودقائق حياته وثوانيها.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩) من سورة الأعراف.
(٢) السابق.
[ ٤ / ١٧٣ ]
هذا رأس مالك أيها الإنسان، وأنت مأمور بتحريكه والتجارة فيه مع خالق السَّمَاوات والأرض، فإن كنت رجلًا عاقلًا يُقَدِّرُ الأمُورَ ويَخَافُ العَوَاقِبَ
[ ٤ / ١٧٤ ]
السَّيِّئَةَ حركت عمرك وتاجرت فيه مع خالق السماوات والأرض تجارة، وذلك أن تصرف ساعات العمر وأوقاته ودقائقه وثوانيه فيما يُرْضِي رَبَّكَ، وتحذر أن تصرف شيئًا منه فيما يسخط خالقك (جل وعلا) فتنظر في أوقات عمرك الوقت الذي يتوجَّهُ إليك فيه أمرٌ من السماء -كأوقات الصلوات وأوقات الصوم وأوقات الحج وما جرى مجرى ذلك- فتبادر إلى امتثال أمْرك بنفس طيِّبَة مُسارعة راغبة فيما عند الله، والأوقات الذي لم يتوجه عليك طلب مخصوص تستزيد من الخير بالنصوص العامة التي تحثك على طلب الخير ومرضاة مَنْ خَلَقَكَ (جل وعلا) وتَحْذَر كُلَّ الحَذَرِ من أن ترتكب شيئًا يغضب خالقك ويسخطه، فإذا اتجرت مع الله هذه التجارة في رأس هذا المال فحركته فيما يرضيه ربحت أيها الأخ ربحًا عظيمًا، ربحت الحور العين والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، وسكنى الجنة ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: آية ١٧] وقد سمى الله هذه المعاملة معه من عبده سماها: (تجارة) وسماها: (بيعًا) وسماها: (شراءً) وسماها: (قرضًا) قال تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: آية ٢٤٥] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ وقال: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: آية ١١١] وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [الصف: الآيتان ١٠، ١١].
أما إذا كان الإنسان المسكين أحمق أهوج لا يبالي بالعواقب السيئة، ولا يعرف حقيقة الأمر فإنه يَزْدَرِي الجواهر التي أعطاه الله وهي أيام عمره، كصاحب المزبلة تكون عنده اليواقيت وهو يظنها حجارة عادية لا يعرف قيمتها، فيُضَيِّعُ رأس ماله وأيام عمره في قال وقيل، وفيما لا يجدي، حتى تضيع، وربما أعملها فيما لا يرضي خالقه (جل وعلا) حتى ينتهي العمرُ المحددُ له، وينفد رأس ماله، فيُذهب به إلى القبر وهو مفلس لا رأس مالٍ عنده، فإذا عدم رأس المال فالرِّبْحُ مَعْدُومٌ!! والآخرة -أيها الإخوان- دارٌ لا تصلح للمفاليس؛ لأنها ليس فيها إرفاق وليس فيها بيعٌ ولا شراء ولا هبة، ليس فيها للإنسان إلا ما قَدَّمَ أَيَّامَ حَيَاتِهِ.
لَا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوْتِ يَسْكُنُهَا إِلَاّ الَّتِي كَانَ قَبْلَ المَوْتِ يبنِيْهَا
فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا (^١)
فعلى العاقل أن يَتَّجِرَ مَع الله، ولا يضيِّع رَأْسَ مَالِهِ، والعمر كما جعله الله رَأْسَ مَالٍ فمَنْ ضَيَّعَهُ فَقَدْ خَسِرَ الخُسْرَانَ الأَعْظَم، كذلك جعله حجة على العبد؛ ولذا عَدَّهُ مَعَ النذير في قوله في سورة فاطر: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٧] فجعل تعمير الإنسان عمرًا يتذَكَّر فيه ويُنِيبُ إلى رَبِّهِ حُجَّةً عليه كالرسول، فعلينا جميعًا ألا نضيع أعمارنا، ونعرف قدر قيمتها، ونُعْمِلُهَا فيمَا نَتَمَتَّعُ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ مِمَّا يُرْضِي خالقنا؛ لأن رأس المال إِنْ ضَاع خَسِرَ الإنسان كل شيء وَنَدِمَ حيث لا ينفع النَّدم.
المثل الثاني الذي ضَرَبَهُ العُلَمَاء لهذا الخسران: هو حديث جاء
_________________
(١) هذان البيتان تقدم ذكرهما عند تفسير الآية (٩) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ١٧٥ ]
عن النبي ﷺ (^١) أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار لو أنَّهم كفروا وعصوا؛ لتزداد غبطتهم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] ثُمَّ يُطْلِع أهْلَ النار على مَنَازِلِهِمْ في الجَنَّة لو أنهم آمنوا وأطاعوا؛ لتزداد ندامتهم وحسرتهم وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: آية ٥٧] ثم إن الله يجعل منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، ومن عُوِّض منزل غيره في النار بمنزله في الجنة فصفقته صَفْقَة خَاسِرَة، وهو مِنَ الخَاسِرِين كما لا يَخْفَى.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ١٧٦ ]
وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: الآيات ١٥٠ - ١٥٥].
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: آية ١٥٠].
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ لما رجع موسى إلى قومه من الميقات، عندما انتهى الميقات، وكلّم ربه وناجاه، وكتب له التوراة في الألواح، ورجع إلى قومه ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾ رجع في حال كونه ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (غضبان) حال من فاعل (رجع) رجع في حال كونه غضبان. وقوله: ﴿أَسِفًا﴾ حال أخرى. والأسف: شدّةُ الغضب، فمعنى: ﴿غَضْبَانَ﴾ شديد الغضب. والتحقيق: أن ﴿أَسِفًا﴾ هنا معناه: شديد الغضب، فهو كالتوكيد لغضبان. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: فلما أغضبونا انتقمنا منهم وأغرقناهم.
قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ هذان حالان من قوله: ﴿رَجَعَ مُوسَى﴾ أي: في حال كونه غضبان أسِفًا (^١). وجمهور علماء العربية: أن الحال تتعدد وعاملها واحد وصاحبها واحد (^٢)، خلافًا لجماعة من علماء العربية منهم أبو الحسن ابن عصفور ومن وافقه قالوا: لا يجوز تعدد
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٦٥).
(٢) انظر: شرح الكفاية (٢/ ٧٥٤)، التوضيح والتكميل (١/ ٤٨٤)، ضياء السالك (٢/ ٩٦).
[ ٤ / ١٧٧ ]
الحال، وإنما تتداخل، فزعموا أن ﴿أَسِفًا﴾ حال من الضمير المستكن في ﴿غَضْبَانَ﴾ وأن العامل فيها هو ﴿غَضْبَانَ﴾ فقالوا: الأحوال متداخلة، والجمهور يقولون: إنها متعددة لا متداخلة، وأن الحال تتعدد من غير تداخل مع العطف وبدون العطف. ومن أمثلتها بدون العطف قوله هنا: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ وقول الشاعر (^١):
عَلَيَّ إِذا مَا زُرْتُ لَيْلَى بخُفْيَةٍ زِيَارَةُ بَيْتِ اللهِ رَجْلَانَ حَافِيا
أي: في حال كوني ماشيًا على رجلي غير منتعل. وتأتي أيضًا مع العطف كقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: آية ٣٩] فهي أحوال متعددة متعاطفة.
والأَسِفُ: شديد الغضب، وشذ بعض العلماء هنا فقال: الأسِفُ: الحزين، أي: غضبان حزينًا. والأول هو الأظهر (^٢)، وغضبه وشدة أسفه مما فعله قومه من عبادة العجل.
﴿غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ﴾ قرأ هذا الحرف جمهور القراء: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ بتحقيق الهمزة، وقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو: ﴿بِيسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ بإبدال الهمزة ياءً.
ومعروف أن (بئس) في العربية فعل جامد لإنشاء الذم، وإذا جاءت بعدها (ما) فالخلاف فيها مشهور: هل فاعل (بئس) ضمير محذوف و«ما» نكرةٌ مميزةٌ لذلك الضمير؟ أو (ما) هو الفاعل؟ خلافٌ معروفٌ (^٣)، وأقوال لأهل العلم فيها، أظهرها: أن الفاعل
_________________
(١) البيت في ضياء السالك (٢/ ٩٦)، الدر المصون (٢/ ٥٠٠).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٢٠).
(٣) انظر: الدر المصون (١/ ٥٠٧ - ٥٠٩).
[ ٤ / ١٧٨ ]
ضمير محذوف، وأن «ما» نكرة ميزت ذلك الفاعل المحذوف، بئس هو ما. أي: شيئًا خلفتموني به.
ومعنى ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ قمتم مقامي في غيبتي فيه، وكنتم خليفتي فيه، وهو عبادة العجل، على أن هذا راجعٌ للسامري ومن عبد معه العِجْل، وعلى أنه راجع للوجهَاء مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ -هارون ومن معه- فتكون خلافتهم التي ذَمَّهَا: أنهم لم يمنعوا مَنْ عَبَدَ العجل عَنْ عِبَادَةِ العجل، يعني: لم تخلفني يا هارون في قومي خلافةً حسنة حيث لم تكفف هؤلاء عن عبادة العجل. وهذا أظهر؛ لأنه قال لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] ولم يقل للسامري وعَبَدةِ العجل إنهم يخلفونه في قومه، وهذا معنى قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ﴾.
﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ تدل على أنه غير موجود، فهي قد تغني عن قوله: ﴿مِن بَعْدِيَ﴾ قال بعض العلماء: وإنما زاد من بعدي مع أن ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ تدل عليها ليشير إلى أنه ما دام موجودًا كان معروفًا بالتوحيد، والقمع عن الشرك، والحمل على ما يُرْضِي اللهَ جَلَّ وَعَلا.
ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ للعلماء في هذه الآية أقوالٌ متقاربة (^١)، وخير ما يفسر به القرآن: القرآن؛ لأن آية طه كالتفسير لآية الأعراف هذه، وعلى ذلك فالمعنى: أن الله أمركم بأمر، ووعدكم وعدًا، وقال لكم على لسان نبيه: إن موسى يذهب إلى الموعد، وأن الله يناجيه وينزل عليه كتابًا وفيه كل خير، وكل هدى ونور، يصلح الله لكم به دنياكم ودينكم وآخرتكم، وهذا وعدٌ
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٨٨).
[ ٤ / ١٧٩ ]
عظيمٌ من الله، كما أشار له في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [طه: آية ٨٠] على أحد التفسيرين. فلما وعدكم الله هذا الوعد العظيم الذي فيه كل هذا من الخير عَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُم بِذَلِكَ الوعد، أي: عجلتم عنه، وسبقتموه، وعبدتم العجل، ولم تنتظروا الخير الذي وعدكم الله به، وجئتم قبله بكل شر وسوء وخبث. والدليل على أنّ هذا هو تفسير الآية الصحيح: أنّ الله قال في سورة طه: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي﴾ [طه: آية ٨٦] هذا هو الأظهر في معنى الآية الكريمة: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أعجلتم عن أمر ربكم بانتظار موسى، وانتهاء الوعد، وإتيانكم بكل خير تصلح به دنياكم وآخرتكم، عجلتم عن هذا كله، وعبدتم العجل، وكفرتم بالله والعياذ بالله.
﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ جاء في حديث رواه ابن أبي حاتم وغيره أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعَايَنَةِ» (^١)
واستدل لهذا بأن موسى
_________________
(١) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة منهم:
(٢) ابن عباس عند أحمد (١/ ٢٧١)، والحاكم (٢/ ٣٢١، ٣٨٠)، وابن حبان (الإحسان ٨/ ٣٢)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٢)، (٧/ ١٠٤)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٥٧٠)، والخطيب في تاريخه (٦/ ٥٦)، (٨/ ١٢)، وابن عديّ (٤/ ١٥٨٠)، (٧/ ٢٥٩٦)، وذكره السيوطي في الدر (٢/ ١٢٧)، وعزاه لعبد بن حميد وأحمد البزار وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه. وهو في المشكاة (٥٧٣٨)، وصححه الألباني، وهو في الكنز (٤٤١١١)، (٤٤١٢٦).
(٣) أنس عند الطبراني في الأوسط (٧/ ٩٠) والخطيب في تاريخه (٣/ ٣٦٠)، وابن عدي (١/ ٢٠٣)، وقال: «هذا حديث باطل بهذا الإسناد» اهـ. وفي (٤/ ١٥٨٠)، وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٥٣)، وقال: «رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات» اهـ. وهو في الكنز (٤٤١١٠)، (٤٤١٢٦).
(٤) ابن عمر عند ابن عدي (٧/ ٢٤٩٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٥٣)، وقال: «رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وصَحَّحَهُ ابن حبان» اهـ.
(٥) أبو هريرة عند الخطيب في تاريخه (٨/ ٢٨)، هو في الكنز (٤٤١١٠)، (٤٤١٢٦)، وانظر في الكلام على هذا الحديث: كشف الخفاء (٢/ ٢١٨)، تذكرة الموضوعات (٢٠٤)، إتحاف السادة المتقين (٦/ ٣٦٣).
[ ٤ / ١٨٠ ]
لما قال له ربه: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ هذا خبرٌ يقينٌ من الله، لم ينفعل موسى، ولم يلق الألواح، فلما جاء حاملًا ألواح التوراة، ونظر إليهم يعبدون العجل، ويعكفون حوله، لم يتمالك حتى ألقى الألواح، وانفعل عند المعاينة انفعالًا لم ينفعله عند الخبر اليقين، ومن هنا عُرِفَ أن الخبر ليس كالمعاينة. وهذا معنى قوله: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ يعني: طرح ألواح التوراة التي هي مكتوبة فيها من شدةِ غضبه لانتهاك حرمة الله، وعبادة العجل معه. وكثيرٌ من المفسرين يقولون: إنه ألقاها إلقاءً قويًّا حتى تكسرت، وأنه رُفع شيء منها مع المكسر منها. وكل هذا لا دليل عليه، ولم يقم عليه دليل صحيح لا في كتاب ولا من سنة (^١)، وظاهر القرآن أنها لم تتكسر، ولم يَضِع منها شيء؛
_________________
(١) بل ثبت في بعض الروايات ما يدل على ذلك، وللوقوف على هذه الروايات انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٥٦٣)، الإتقان للسيوطي (١/ ١٢٣)، التفسير الصحيح (٢/ ٣٥٠)، جامع التفسير من كتب الأحاديث (٢/ ٧٤٦، ١٠٩١). وفي الحديث المُتقدم «ليس الخبر كالمُعاينة» تصريح بتَكَسُّرِها.
[ ٤ / ١٨١ ]
لأنه قال: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٤] و(أل) هنا عهدية، وهي الألواح المعهودة التي ألقاها.
/ [١٩/ب] يقول الله جل وعلا: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٠] لما غضب موسى، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، استعطفه أخوه وقال له: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ معناه: يا ابن أمي ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ يعني: أن القوم الذين عبدوا العجل لما نهاهم كما شهد الله له بذلك في سورة طه في قوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: الآيتان ٩٠، ٩١] فلما ناصبوه وقالوا له علنًا: «لن نبرح عاكفين على عبادة هذا العجل حتى يرجع موسى». دل ذلك على أنهم استضعفوه، أي: تقوّوا عليه واستذلوه، ورأوه ضعيفًا عاجزًا عن مقاومتهم.
﴿وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي﴾ قاربوا قتلي وما قصَّرت، ثم إنه بيّن عذره في طه؛ لأن موسى قال له: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ استعطفه واعتذر له أيضًا وقال: ﴿إِنِّي خَشيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: الآيتان ٩٣، ٩٤] وقال له هنا: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء﴾ يعني: لا تفعل بي فعلًا سيئًا يفرح به أعدائي، فالشماتة هي سرور العدو بما ينال عدوه الآخر من مكروه أو سوء. فإذا أتى الله إنسانًا بمكروه أو سوء ومصائب نزلت به وفرح عدوه بما أصابه فذلك الفرح يُسمى: الشماتة، والذي تسبب فيه يقال: أشمته به يُشمته، ونفس العدو: شامت؛ أي: فَرِحٌ مَسْرُور بما يصيب عَدُوَّهُ مِنَ الأذَى. وهو
[ ٤ / ١٨٢ ]
معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى أو غيره (^١):
كَمْ شَامِتٍ بِي إِنْ هَلَكْـ ـتُ وَقَائِل للهِ درُّه
وفي شعر الحماسة (^٢):
إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُناسٍ كَلاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا
فقُلْ للشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا سَيَلْقَى الشَّامِتُون كَمَا لَقِينَا
يعني: لا تشمت بي الأعداء، لا تفعل لي فعلًا سيئًا يفرح به أعدائي، لا تفعل لي ذلك: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تجعلني مع عَبَدَة العجل كأني ممالئ لهم وموافقهم على ذلك، فأنا بريء من ذلك، وقد نصحتهم غاية طاقتي وجهدي. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
فلما قال هارون هذا لموسى رجع موسى ودعا لنفسه ولأخيه، قال موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ واغفر ﴿وَلأَخِي﴾ هارون ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ اجعلنا ممن شملته رحمتك الواسعة ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٥١] لأن الله (جل وعلا) أرحم الراحمين، أرحم بعباده من الأم بولدها كما هو معروف.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٥٢، ١٥٣].
_________________
(١) البيت نُسب للبيد، وهو ملحق في ديوانه ص٢٣٥، ونسبه بعضهم للنابغة الذبياني، وهو ملحق في ديوانه ص١٢٢، ونسبه بعضهم للنابغة الجعدي.
(٢) البيتان في القرطبي (٧/ ٢٩١).
[ ٤ / ١٨٣ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ إلهًا فعبدوه من دون الله ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتُهكت حرماته، فنحن نصفه بها كما وصف بها نفسه، وننزه خالقنا أتمَّ التنزيه وأكمله عن مشابهة صفات المخلوقين؛ لأن جميع الصفات من بابِ واحد، فكما أنه (جل وعلا) ذات لا تشبهها شيء من الذوات فكذلك لها صفات لا يشبهها شيء من صفات خلقه، أي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ إلهًا فعبدوه من دون الله ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ هذا الغضب كائنٌ ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ معناه: يغضب الله عليهم، ومن غَضِبَ الله عليه فقد هلك.
﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ الذلة: الصغار والهوان.
قال جماعة من العلماء (^١): هذه الآية من سورة الأعراف في طائفة من بني إسرائيل أُشربت قلوبهم حُبّ العجل، ولم يتوبوا فيمن تاب، بل بقوا غير تائبين، وعدهم الله هذا الوعيد، وهددهم هذا التهديد، وهذا هو الأظهر؛ لأن المعروف أن أكثر الإسرائيليين تاب من عبادة العجل تلك التوبة العظيمة التي بيّناها مفصَّلة في سورة البقرة؛ حيث قدموا أنفسهم للقتل تائبين إلى الله، الواحد منهم يجود بنفسه فيُقتل مرضاة لله وإنابةً إليه، كما تقدم إيضاحه في قوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: آية ٥٤] فمن تاب هذه التوبة النصوح
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٩٢)، ولابن جرير (﵀) تحقيق جيد في معنى الآية فراجعه في تفسيره (١٣/ ١٣٤).
[ ٤ / ١٨٤ ]
العظيمة لا يُعقل أن الله يهدده هذا التهديد، ويتوعده هذا الوعيد؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيظهر هنا ما ذكره جماعة أنها في طائفة أُشربت قلوبهم حب العجل ولم يتوبوا -والعياذ بالله- ووعدهم الله هذا الوعيد: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ﴾ الجزاء الذي جزينا به هؤلاء الذين عبدوا العجل: ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ كان العلماء يقولون: كل من افترى في الدين وابتدع في الدين سلط الله عليه الذلة، وكان الحسن يقول في المبتدعين المفترين في دين الله: والله إن الذلة على أكتافهم ولو هملجت بهم البَغْلَاتُ، وطقطقت بهم البراذين (^١). وقال هذا غير واحدٍ من العلماء، أن كل مبتدع في الدين مفتر فيه آتٍ بِنِحْلَة ليست بحق لا بد أن يسلط الله عليه الذلة ولو بلغ ما بلغ، كما صرح بذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فعلى المسلم أن يخاف من الذلة والغضب، ولا يفتري في دين الله، ولا ينتحل ولا يبتدع، بل يبقى على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وهذا معنى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ كالذين عبدوا العجل، ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك السيئات، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ﴾ يعني من بعد ذلك الذي ارتكبوه من السيئات ﴿وَآمَنُواْ﴾ داموا على إيمانهم، أو أخلصوا في إيمانهم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: تلك السيئات والفعلات، وقال بعضهم: ﴿مِن بَعْدِهَا﴾ أي: التوبة المفهومة من قوله: ﴿تَابُواْ﴾ ﴿لَغَفُورٌ﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده.
_________________
(١) أورده ابن كثير في التفسير (٢/ ٢٤٨).
[ ٤ / ١٨٥ ]
وهذه الآية الكريمة تدل على أنَّ مَنِ ارْتَكَبَ السيئات العظام ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، والله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: آية ٨٢] ويقول للذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة -يستعطفهم ليتوب عليهم مع شناعة كفرهم حيث يقول لهم -: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: آية ٧٤] والتوبة واجبة على كل مسلم ومسلمة من كل ذنب كائنًا ما كان (^١)، ولا يجوز تأخيرها، فإذا اقترف ذنبًا وأَخَّر التوبة منه كان تأخير التوبة ذنبًا يستوجب توبة أخرى.
وقد أجمع العلماء على أن التوبة تتركب من ثلاثة أركان (^٢):
أحدها: الإقلاع عن الذنب إن كان متلبسًا به.
والثاني: الندم على ما صدر منه من الذنب (الندم الشديد).
والثالث: النية ألا يعود إلى الذنب أبدًا.
هذه أركان التوبة التي أجمع عليها العلماء. وفي اثنين من أركانها في كلِّ واحد منهما إشكالٌ معروف (^٣):
أحدهما: الندم، فالندم أجمع العلماء على أنه ركن التوبة، والتوبة واجبة بالإجماع، كما أوجبها الله بقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: آية ٣١] وركن الواجب واجب إجماعًا، فلا خلاف بين العلماء أن الندم ركنٌ من أركان التوبة واجب. وفي هذا إشكالٌ معروف شديد، وهو أن الندم من
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٨٦ ]
الانفعالات والتأثرات النفسية لا من الأفعال الاختيارية كما هو معروف، فترى البائع المغبون يندم وهو يحاول أن يطرد عنه الندم فلا يستطيع؛ لأن الندم انفعال وتوتر نفساني لا فعل اختياري، ومعروف أن الانفعالات والتأثرات النفسانية ليست تحت قدرة العبد، وقد أجمع العلماء أن الله لا يكلف عبده إلا بفعل اختياري هو في طاقة العبد، ولذلك كان في التكليف بالندم هنا الإشكال المعروف. هذا السؤال الأول في الندم، وأجاب بعض العلماء عن هذا، قالوا: نعم إن الندم انفعال وتأثر نفساني ليس تحت طاقة العبد؛ لأنَّا نرى الإنسان يحاول أن يندم فلا يندم، ويحاول أن يطرد الندم فلا يطرده، يُشاهَد البائع المغبون يحاول أن يطرد الندم عن نفسه، والندم يضعه على الأرض من شدته، وهو لا يقدر أن يدفعه عن نفسه، وكذلك بعض عوام المسلمين قد ينال الواحد منهم قُبْلةً -مثلًا- من امرأةٍ بارعةٍ في الجمال يعشقها غاية العشق، فإذا أراد أن يندم على ذلك دعاه خيال ذلك الجمال ولذة ذلك الشيء القبيح فلا يستطيع أن يندم كما هو مشاهد، وإذا كان انفعالًا لا قدرة للعبد عليه فما وجه التكليف به؟!
أجيب عن هذا: بأن المراد بالتكليف بالندم: التكليف بأسبابه الموصلة إليه، ومَنْ تَعَاطَى أسْبَابَهُ الموصّلة إليه تعاطيًا حقًّا لم يُحابِ فيه نفسه لا بد أن يَنْدَمَ، وَضَرَبَ العلماء لذلك مثلًا، قالوا: كل العقلاء إذا قَدَّمت إلى واحدٍ منهم شرابًا لذيذًا ولكنه فيه السم القَاتل الفتَّاك، فجميع العقلاء لا يستلذُّون ذلك الشراب ولا يعدّون لذته لذة؛ لأن السم القاتل الذي هو فيه يبطل لذته وينفِّر منها، ولا شك أن حلاوات المعاصي -قبّحها الله- ولذاتها تتضمن سمًّا قاتلًا فتَّاكًا
[ ٤ / ١٨٧ ]
هو سخط رب العالمين، وغضبه والخوف من عقابه العاجل والآجل، فإذا أخذ الإنسان نفسه أخذًا حقًّا، وعَرَفَ أنَّ حَلاوَةَ المعاصي يضاف فيها السم القاتل الفتَّاك من سخط رب العالمين فلا بد أن يَنْدَمَ، والذي لا يندم إنما جاءه ذلك من أنه يحابي نفسه، وينجرف معها بالمعاصي، فلا يأخذها بالأسباب أخْذًا حقًّا، ولمَّا كان الندم أسبابه مُتَيَسَّرة ومن تعاطاها حقًّا حصل عليه، صار كأنه فعلٌ في طاقة المخلوق فكُلّف به.
وأما الإشكال الثاني: فهو في الإقلاع؛ لأن بعض الناس قد يتوب ويندم ولا يقدر على إكمال الإقلاع، كالذي بث بدعةً وعمل بها الناس في مشارق الأرض ومغاربها، والنبي يقول: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» (^١) إذا تاب هذا الإنسان وبدعته متمادية يُعمل بها في مشارق الأرض ومغاربها، هل نقول: هو مقلع؛ لأنه فعل طاقته وما يقدر عليه؟ أو نقول: ركن التوبة هنا معدوم؛ لأن الإقلاع معدوم؛ لأن ذنبه متمادٍ جار في أقطار الدنيا؟! وكذلك الإنسان إذا رمى إنسانًا من بعيد بسهم أو رصاصة ثم بعد أن زايل السهم تاب ذلك الإنسان قبل أن يصل السهم إلى المرمى، هل نقول: هو تائب؛ لأنه فعل قدر طاقته؟ أو نقول: لا تقبل توبته؛ لأن الإقلاع ركن في التوبة، ولم يتحصَّل؛ لأن فساده متمادي، وسهمه رائحٌ إلى المسلم ليقتله؟ وكذلك من غصب - مثلًا - أرضًا عشرين كيلًا، ثم إنه ندم وخرج منها، هل هو في أثناء الخروج قبل أن ينفصل عن الأرض لو أدركه الموت نقول: أدركه الموت تائبًا؛ لأنه فعل قدر طاقته؟
_________________
(١) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ١٨٨ ]
أو نقول: لم تحصل توبته؛ لأن الإقلاع لم يكن؛ لأنه ما زال يشغل فراغًا مغصوبًا بجسمه استولى عليه بغير حقا شرعي؟.
والصحيح عن الأصوليين أن هذا الأخير تقبل توبته وإن كان الإقلاع لم يصح منه؛ لأنه عاجزٌ عنه، وقد جاء في توبته بما يستطيع، والله لا يكلف إلا بما يستطيعه عبده ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: آية ٢٨٦] وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» الحديث (^١). وهذان السؤالان في التوبة. وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ﴾.
﴿مِن بَعْدِهَا﴾ أي: السيئات، ﴿وَآمَنُواْ﴾ داموا على إيمانهم؛ أي: أخلصوا في إيمانهم وتوبتهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أو ﴿مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد السيئات التي تاب العبد منها ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كثير الغفران والرحمة لعباده.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٤] سكت عن موسى الغضب معناه: سكن غضبه وطفئ. لما طفئ غضبه وسكن، وفي بعض القراءات الشاذة: ﴿وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (^٢) يعني: لما سكن غضبه وَطُفِئَ، وذلك باعتذار أخيه حتى عرف صدق عذره، وبتوبة الذين عبدوا العجل حتى قدموا أنفسهم للموت طائعين مَرْضَاةً لربهم.
﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ طرح الألواح مِنْ أَجْلِ الغَضَبِ، ولما سكن الغضب أخذها. و(أل) في الألواح عهدية، وظاهر هذه الآية أن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٩٨)، الدر المصون (٥/ ٤٧١).
[ ٤ / ١٨٩ ]
الألواح لم تَتَكَسَّر، وأن التوراة لم يُرفع منها شيء، ومعلوم كثرة أقوال المفسرين أنها تكسَّرت، وأنّ رضاضها لم يزل عند الملوك الإسرائيليين، وأنها رُفع منها كل التفاصيل، وبقي منها الهدى والرحمة. ولكن هذا لم يقم عليه دليل يجب الرجوع إليه، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ أي: أخذها ليعمل بما فيها؛ لأن ربه قال له: خذها بقوة.
﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ النسخة هنا (فُعْلَة) بمعنى (مفعول)، أي: المنسوخ فيها، أي: المكتوب فيها من التوراة من كلام رب العالمين، وفيه ﴿هُدًى﴾ أي: دلالة وإرشاد إلى الخير، ورحمة تقي عذاب الله وسخطه لمن عمل به.
﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ الذين هم يخافون الله، وخصَّهم لأنهم هم المنتفعون به، وجرت العادة في القرآن أن الله يخص المنتفعين (^١)، كما قال: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: آية ١١] وهو منذر للأسود والأحمر، ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: آية ٤٥] وهو منذر للجميع، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] وهو مذكر لمن يخاف ومن لا يخاف كما هو معلوم.
واللام في قوله: ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ففيها أوجه (^٢)، وأظهرها أن المعمول إذا قُدِّم على عامله ضعفت تعديته إليه، فإذا جيء باللام تقوَّتِ التَّعْدِيَةُ، ونظيره قوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٧٢).
[ ٤ / ١٩٠ ]
تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: آية ٤٣]. وقال بعض العلماء: هي اللام الأجَلِيَّةُ التَّعْلِيليَّةُ، ﴿يَرْهَبُونَ﴾ يخافون لأجل ربهم، لا للسّمْعَة ولا الرياء، كما قاله بعضهم. ومعنى: ﴿يَرْهَبُونَ﴾: يخافون، والرَّهَب: الخوف، والمعنى: أن في المنسوخ المكتوب في تلك الألواح هدىً ورحمة لمن يخاف الله؛ لأنه هو الذي يعمل به وينتفع به، وهذا معنى قوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يرهبون ربهم، أي: يخافونه، ولما قُدِّمَ المعْمُول ضعف تعدي الفعل إليه فأُكِّد باللام كقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ١٥٥] جمهور العلماء على أن ﴿قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض؛ لأن أصل الفعل يتعدى إليه بـ (من) فحذفت (مِن) فتعدى الفعل إليه بنفسه فنُصب، والأصل: واختار موسى من قومه سبعين رجلًا، فحُذفت (مِن) ونُصب ﴿قَوْمَهُ﴾، وهذا الأسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الفرزدق (^١):
مِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَال سَمَاحةً وَجُودًا إذا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ
معناه: (اختير الرجال) أي: اختير من الرجال؛ لأجل سماحته وجوده. ومنه قول الراعي يمدح رجلًا (^٢):
اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إذا رثّتْ خلائِقُهُم واختَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عنْدَهُ السُّولُ
يعني: اخترتك من الناس، هذا أسلوب معروف لا إشكال فيه.
_________________
(١) البيت في نقد الشعر لقدامة بن جعفر ص٩، ديوان المعاني للعسكري (١/ ٨٧)، القرطبي (٧/ ٢٩٤)، الدر المصون (٥/ ٤٧٤).
(٢) البيت في غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ١٥٦)، القرطبي (٧/ ٢٩٤)، البحر المحيط (٤/ ٣٩٨)، الدر المصون (٥/ ٤٧٣).
[ ٤ / ١٩١ ]
وزعم الأخفش الصغير -سليمان بن علي- أن النصب بنزع الخافض مطَّرِدٌ قِيَاسِيٌّ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، وجماهير علماء العربية يقولون إنه سَمَاعِي يُحْفظُ ما سُمع منه ولا يُقاس عليه، كما هو معلوم في محلّه (^١).
واختار موسى من قومه سبعين رجلًا. اعلم أن هذه السبعين لا شك أن الله أمر موسى أن يختارها، ووقَّت لها وقتًا معينًا يأتيه بها في محل معين، إلا أنه مُخْتَلَف في ميقات هذه السبعين ما هو؟ وما سببه؟ اختلف العلماء في ذلك (^٢)، فذهب بعض العلماء إلى أن ميقات السبعين هذه المذكور هنا في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا﴾ زعم بعضهم أنه الميقات الأول الذي قال فيه: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ١٤٣] وأن الله لما أمر موسى بذلك الميقات أمره أن يأتيه في سبعين رجلًا من قومه يختارها، وتكون من خيارهم، وأنه جاءه بسبعين منهم، وسأل الله أن يُسمعهم كلام الله، فسمعوا كلام الله يكلم موسى، يأمره ويَنْهَاه، افْعل ولا تفعل، وأنه لما انْقَضَتِ المُنَاجَاةُ، وارْتَفَعَ عَمُود الغمام الذي كانوا فيه قالوا له: يا موسى ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: آية ٥٥] وأنهم أخذتهم الصاعقة، كما سيأتي تفصيله، وعلى هذا القول فالميقات ميقات السبعين هو ميقات موسى للمناجاة وإنزال التوراة. وهذا القول ليس بظاهر؛ لأن ما وقع في الميقاتين والقِصَّتَيْن كله مختلف، فيظهر أنه ميقات آخر وقصة أخرى، وللعلماء فيه أقوال:
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٩٨)، الدر المصون (٥/ ٤٧٤).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٤٠)، ابن كثير (٢/ ٢٤٩).
[ ٤ / ١٩٢ ]
قال بعض العلماء: لما عَبَدُوا العِجْلَ أمَرَهُ الله أن يأتي إلى الطور بسبعين يختارها من خيارهم ليعتذروا إلى ربهم من عبادة قومهم للعجل حتى يتوب عليهم، وأن هذا هو ميقات السبعين التي اختيرت من أجله.
وقال بعض العلماء: ذهب موسى وهارون ومع هارون ابنه شبر وابنه شبير، جاءوا إلى جبل فوجدوا عند ذلك الجبل كرسيًّا فاضطجع عليه هارون وقَبَضَ الله رُوحَهُ، فلما رجع موسى لبني إسرائيل قالوا: أين هارون؟ قال: مات. قالوا: بل قتلته وحسدتنا على لين خلقه، أنت الذي قتلته!! وأنه قال: كيف أقتله ومعي ابناه؟ وأن الله أعطاه وعدًا يختار منهم سبعين حتى يُحيي لهم هارون ويسألوه، وأن السبعين ذهبت حتى جاء هارونَ وقال: مَنْ قَتَلَكَ؟ قال: ما قتلني أحد ولكن الله توفاني. إلى أقوالٍ كثيرةٍ من هذا النمط لا دليل عليها.
هذه هي الأقوال في الميقات، وعلى كل حال فَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ الإِسْرَائِيليين اختارها موسى لميقاتٍ وقَّتَه الله له، ولما جاءوا ذلك الميقات أخذتهم بالرجفة، والرجفة: الزلزلة الشديدة، والهزَّة العظيمة.
واختلف العلماء في سبب هذه الرجفة وهذه الهزة اختلافًا مبنيًّا على الميقات الذي كنا نقول (^١)، فقال بعضهم: إنه ذهب بهم ليعتذروا من عبادة العجل، وأن الله أسمعهم كلامه لنبيه، وأنهم قالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فامتنعوا من الإيمان والتصديق
_________________
(١) انظر: المصدرين السابقين.
[ ٤ / ١٩٣ ]
حتى يروا الله، فأخذتهم الصاعقة، وتلك الصاعقة هي التي أرجفتهم، وقال هنا: ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٥].
وقال بعض العلماء: هؤلاء الطائفة لم يفعلوا ذنبًا لكنهم لما ذهبوا مع موسى وسمعوا كلام الله داخلتهم هيبة شديدة وخوف عظيم حتى كادت مفاصلهم يبين بعضها من بعض. وهذا القول لا يتجه؛ لأنه يقول: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾ وهذا يدل على أن هنالك بعض الشيء.
وقال بعض العلماء: إن الله لما أمر موسى أن يأتي الميقات بسبعين، اختار السبعين وهم في نظره أفضل بني إسرائيل، وما كان يظن أنهم قد عبدوا العجل مع من عبده، وهم قد عبدوه، وموسى لا يدري عن ذلك، فلما جاءوا الميقات جاءتهم الرجفة والهزة العنيفة بسبب عبادة العجل.
وقال بعض العلماء: لم يعبدوا العجل ولكنهم داهنوا من عبَدَه فلم يزجروه زجرًا قويًّا، فجاءتهم الرجفة لعدم زَجْرِهِمْ كَمَا يَنْبَغِي.
هذه أقوال المفسرين، وفيها غير هذا، ولا شيء يقوم عليه الدليل القاطع منها، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الهزة الشديدة، سواء قلنا إنها بسبب قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] أو بسبب أنهم عبدوا العجل، أو أنهم لم ينهوا مَنْ عَبَدَ العِجْلَ، أو غير ذلك من الأسباب، ضاق الأمر بموسى، وعلم أنهم إن ماتوا وقعت بنو إسرائيل في بليةٍ لا مخرج منها؛ لأنه لو ماتت تلك
[ ٤ / ١٩٤ ]
السبعون من خيارهم وجاءهم فقالوا: أين السبعون؟ فقال: ماتوا. يقولون: أنت الذي قتلتهم!! ويقع فيهم الخلاف والشقاق والفساد الذي لا حد له، ومن هنا كان نبي الله موسى حريصًا جدًّا على أن الله يحييهم -على القول بأنهم ماتوا- أو يرفع عنهم الرجفة -على القول بأنهم سقطوا مغشيًا عليهم غير ميتين- كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال موسى متضرِّعًا لِرَبِّهِ ألاّ يقتلهم في ذلك الوقت الحَرِج، وذلك الظرف العصيب الذي له عواقب سيئة في قومه: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ﴾ يا رب لو شئت إهلاكهم أهلكتهم من قبل هذا الوقت؛ لأنه مَرَّتْ أوْقَات لو هلكوا فيها ما كان في إهلاكهم عاقبة سيئة، فلو قتلتهم بمحضر قَوْمِهِمْ وهم ينظرون لما كانوا يَتَّهِمُونِي ولا نشأ عن ذلك فساد ولا بلايا ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ أي: وأهْلَكْتَنِي مَعَهُمْ في غير هذا الظرف كان ذلك أهون عليَّ وأقل أذيةً لي.
ثم إنه قال مُنَاجِيًا رَبَّهُ، وهذا الاستفهام -على التحقيق- استفهام استعلام مع تذللٍ واستعطاف ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ تهلكني أنا وإياهم. وقال بعض العلماء: تهلك جميع بني إسرائيل؛ لأنهم إن ماتوا في ذلك اتهموا نبيَّهُمْ ووقع فيهم الخلاف والقيل والقال الذي لا يرتفع.
﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾ السفهاء: جمع سَفِيهٍ. والمراد بهم هنا: الذين فعلوا الموجب الذي أخذتهم الرجفة بسببه سواء قلنا: إنه قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: آية ٥٥] ولا سفه أكبر من ذلك، أو عبادتهم العجل، أو عدم نهيهم من عَبَدَ العجل، إلى غير ذلك.
[ ٤ / ١٩٥ ]
والسفهاء: جمع سفيه، والسفه في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: الخِفَّة والطيش (^١)، تقول العرب: «تَسَفَّهَت الريحُ الريشةَ» إذا استخَفَّتْهَا فطارَتْ بِهَا كُل مَطَارٍ.
وهو في الاصطلاح: خِفَّةُ العَقْلِ وعَدَمُ رَجَاحَةِ الحلم، حتى يفعل الأشياء التي تضره وهو لا يدري أنها تضره (^٢).
والسفه في اصطلاح الفقهاء الذي يحجر به على المال (^٣) اختلف علماء الفقه في تحقيق مناطه (^٤)، فَذَهَبَ مالك بن أنس ومَنْ وَافقَهُ من العلماء أن مناطه على حفظ المال وحسن النظر فيه، فلو كان الإنسان يحفظ ماله ويحسن النظر فيه لم يكن سفيهًا عند مالك، وأُعطي له ماله ولو كان فاسقًا شِرِّيبًا سكِّيرًا عاصيًا لله.
وذهب الشافعي في طائفةٍ من العلماء إلى أنه إن كان يعصي الله فهو أسْفَهِ السفهاء، وأنه لا يستحق ماله إلا وهو مطيع لله؛ لأن من عصى الله سفيه خفيف العقل طائشه لا يعلم مصلحته.
وَشَارِبُ الخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَّرا لما يَلِي مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحْجَرَا (^٥)
أي: عند مالك، خلافًا للشافعي ومن وَافقه -رحم الله الجميع- وهذا معنى ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٦٦) من سورة الأعراف.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
(٥) مضى عند تفسير الآية (٦٦) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ١٩٦ ]
ثم قال موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ﴾ الذي جرأ موسى على أن يضيف الفتنة إلى الله هو أن الله قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ [طه: آية ٨٥] فأسند الله هذه الفتنة لنفسه بقوله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ فجرأ ذلك موسى على أن يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ﴾ سواء قلنا: إنَّ الرجفة أخذتهم بسبب قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فهذا امتحان وابتلاء من الله، أو بسبب أنهم عبدوا العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله، أو بسبب أنهم لم ينهوا من عَبَدَ العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله. وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الفتنة التي فتنوا بها، ما هي إِلَاّ ﴿فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا أن (الفتنة) أُطلقت في القرآن إطلاقاتٍ معروفة مشهورة (^١)، فمن أشهر إطلاقاتها: الاختبار والامتحان، ومنه قوله: ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: الآيتان ١٦ - ١٧] ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: آية ٣٥] فأشهر إطلاقاتها: الامتحان والابتلاء.
ومن إطلاقات الفتنة هو: الإحراق بالنار كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [النازعات: آية ١٣] أي: يحرقون، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: آية ١٠] أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك.
ومن إطلاقات الفتنة: نتيجة الاختبار إن كانت سَيِّئَةً خاصةً، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يبقى شرك على وجه الأرض، بدليل قوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٩٧ ]
لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ» (^١) وتدل على ذلك الآيتان في سورة البقرة وسورة الأنفال؛ لأن الله قال في البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله﴾ [البقرة: آية ١٩٣] فقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لله﴾ معناه: أنه لا يبقى شرك في الأرض؛ لأن الشرك ما دام في الأرض فالدين بعضه للشركاء، وآية الأنفال قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: آية ٣٩] كما هو ظاهر.
وأطلقت الفتنة في سورة الأنعام على الحُجة في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ﴾ وفي القراءة الأخرى: ﴿فتنتَهم﴾ (^٢) أي: حجتهم ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٣].
﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾ كما أضللت الذين عبدوا العجل والذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: آية ٥٥] ﴿وَتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشَاء﴾ فلا تفتنه.
﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ الولي في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَكَ وبينه سبب يجعلك تواليه ويواليك (^٣)، والله ولي المؤمنين ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: آية ٥٥] والمؤمنون أولياء الله ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: الآيتان ٦٢، ٦٣] فهم يوالونه بالطاعة وهو يواليهم بالثواب الجزيل والرحمة والغفران. وهذا معنى قوله: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٩٢.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ١٩٨ ]
﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الغفر في لغة العرب: معناه الستر، ومنه سُمِّي المغفر مغفرًا؛ لأنه يستر الرأس، والمراد به سَتْر الذنوب ومحْوها حتى لا يَظْهَرَ لها أثر يَتَضَرَّر به صاحبها (^١).
﴿وَارْحَمْنَا﴾ الرحمة: صِفَة معروفة من صفات الله تظهر آثارها في خَلْقِهِ، وهي على التحقيق صفة معنى قائمة بالذات، غلط كثيرٌ من المتكلمين زعم أنها من صفات الأفعال، كما هو معلوم في محله.
﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ الذين يغفرون الذنوب؛ لأن مَنْ غَفَرَ في الدنيا قد يغفر لتحسن سمعته () (^٢).
[٢٠/أ] / ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الاعراف: آيات ١٥٦ - ١٥٩].
_________________
(١) انظر: المقاييس في اللغة، كتاب الغين، باب الغين والفاء وما يثلثهما، (مادة: غفر) ص٨١١، المفردات (مادة: غفر) ص٦٠٩.
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل.
[ ٤ / ١٩٩ ]
يقول الله ﷿: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ هذا من بقية دعاء موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)، قال: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾ معناه قدر لنا واقض لنا، أي: اجعل ذلك قدرًا مقدورًا وقضاءً مقضيًّا لنا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ في هذه الحياة (الدنيا) تأنيث الأدنى لدنوِّها أو لدناءتها بالنسبة إلى الآخرة. ﴿حَسَنَةً﴾ قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: آية ٢٠١] أن أظهر الأقوال أنّ الحسنة المطلوبة في الدنيا شاملة، فهي شاملة للتوفيق، والحياة الطيبة، والرزق الحسن، والعافية، وأن حسنة الآخرة المسئولة هي الجنة ونعيمها والنظر إلى وجه الله الكريم، فطلب موسى حسنة الدنيا الشاملة لعافيتها وتوفيقها ورزقها، وحسنة الآخرة التي هي التَّنَعُّمُ في الجَنَّةِ، والنَّظَر إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، هذا معنى قوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ﴾ أي: وفي الآخرة حسنة. فحُذفت لدلالة ما قبلها عليها.
وقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ العرب تقول: هاد يهود: إذا تَابَ
[ ٤ / ٢٠٠ ]
ورَجَعَ، وهذا هو المعنى المشهور الصحيح في هذه الآية ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبْنَا ورَجَعْنَا إليك. وهذا كالتعليل لما قبله؛ لأن التوبة والإنابة والرجوع إليه من الأسباب التي يكتب الله بها حسنة الدنيا وحسنة الآخرة العرب تقول: هد أيها الرجل. تُبْ إلى الله من ذنوبك وارجع، وهاد: أي: تاب. والهُود: جمع هائد وهو التائب. وقد قال بعضهم (^١):
يَا رَاكِبَ الذَّنْبِ هُدْ هُدْ واسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُد
معنى: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا ورجعنا منيبين إليك.
قال الله جل وعلا: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ بإسكان ياء المتكلم. وقرأه نافع: ﴿عَذَابيَ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ وهما لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان (^٢).
﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ﴾ أعذب به وأهين به ﴿مَنْ أَشَاء﴾ أي: من أشاء إهانته به. والقراءة الصحيحة التي قرأ بها الجمهور: ﴿مَنْ أَشَاء﴾ بالشين المعجمة المثلثة وضم الهمزة.
أما القراءة التي تُذكر عن الحسن وغيره أنه قرأ: «قال عذابي أصيب به من أساء ورحمتي وسعت كل شيء» (^٣) فهي قراءة شاذة لا تجوز القراءة بها. ومعلوم أن أهل الأهواء والبدع من قدرية وغيرهم يستدلون بتلك القراءة: «أصيب به من أساء» يستدلون بها
_________________
(١) تقدم عند تفسير الآية (١٤٦) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٩.
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٠٢)، الدر المصون (٥/ ٤٧٧).
[ ٤ / ٢٠١ ]
لشيء من مذاهبهم، ولما كانت قراءةً شاذةً لا تجوز القراءة بها فلا معول عليها ولا طائل لما أخذوه منها واستدلوا به لمذاهبهم الباطلة.
وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الرحمة صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الله اشْتَقَّ مِنْهَا لِنَفْسِه اسمه (الرحمن) واسمه (الرحيم)، وهي على التحقيق من صفات المعاني القَائِمَة بذاته (جل وعلا)، وكثيرٌ من المتكلمين الذين يُؤَوِّلون صفات الله ويحملونها أولًا على محامل غير طيبة ثم يُلْجِئُهم ذلك إلى تأويلها يزعمون أنها صفة فعل. وذلك ليس بحق، والحق أنها صفة ذات من صفات المعاني القائمة بذات الله، ولا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ المخْلُوقِين، ليس فيها رقة مخلوقية، ولا انعطاف مخلوقي، لا وكلاّ، بل هي صفة كمال وجلال لائقة برب العالمين، منزهةٌ كل التنزيه، مقدسةٌ كل التقدير، لم تشبه شيئًا من صفات الخلق.
وقوله: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شيء﴾ رحمة الله واسعةٌ لا تضيق عن شيء، فهي تسع كل شيء كائنًا ما كان. و(الشيء) عند أهل السنة والجماعة يُطلق على الموجود، ولا يُطلق على المعدوم (^١)، فكل موجود يُطلق عليه اسم (الشيء) عند أهل السنة والجماعة، ولا يُطلق (الشيء) على [المعدوم] (^٢). وجاز إطلاقه على الله كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: آية ٨٨] وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: آية ١٩]، ولا يطلق على المعدوم بدليل أنّ الله صرح بأن المعدوم ليس بشيء كقوله:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٢) في الأصل: «الموجود» وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شيئًا﴾ [مريم: آية ٩] فصرح بأن المعدوم ليس بشيء.
والمعتزلة يقولون: إنّ المعدوم يصدق عليه اسم (الشيء) ويتعسفون الاستدلال لذلك من آية من كتاب الله، قالوا: إن الله قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشيء إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ فسماه (شيئًا) قبل أن يريده، وقبل أن يقول له: «كن» وهو في ذلك الحين معدوم. وهذا لا دليل فيه؛ لأنه لما تعلقت إرادة الله به صار كأنه موجود بالفعل؛ لأن المتوقع وجوده كالموجود بالفعل. هذا معنى قوله: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شيء﴾.
يقول بعض المفسرين: إنه لما عمم سعة رحمته لكل شيء أن إبليس طمع ومد عنقه، وأنه لما قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أنه يئس ورجع. هكذا يقولون، والله أعلم بصحته (^١). ويزعمون أن أهل الكتابين قالوا: نحن ممَّنْ يَتَّقِي. فلمّا جاء بعض الصفات علموا أنها لا تنطبقُ كل الانطباق إلا على هذه الأمة الكريمة المرحومة (^٢)؛ ولذا قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أجعلها مكتوبة مُقَدَّرَةً مقضيةً لهم، والعرب كل شيء لازم محتوم تسميه مكتوبًا، وهو معروف في لغتهم، ومنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: آية ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: آية ١٧٨] لأن (كَتْب الشيء) معناه: جعله لازمًا، وهذا معروفٌ في لغة العرب، ومنه قول الشاعر (^٣):
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٥٧).
(٢) المصدر السابق (١٣/ ١٦٣).
(٣) البيت في ابن جرير (٣/ ٣٦٥)، المقاييس في اللغة (٥/ ١٥٩).
[ ٤ / ٢٠٣ ]
يَا بِنْتَ عَمِّي كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي عَنْكُمْ فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلَا
قوله (كتاب الله) أي: ما كتبه وقَضَاهُ وحَكمه. ومنه بهذا المعنى قول ابن أبي ربيعة (^١):
كُتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيولِ
وهذا معنى قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يجعلون بينهم وبين غضب خالقهم وعقابه وقاية تقيهم سخط ربهم وعذابه. وتلك الوقاية هي امتثال أَمْرِهِ واجتناب نهيه (جل وعلا) كما بيّناه مرارًا (^٢). أي: يتقون الشرك والمعاصي، ويمتثلون أوامِرَ الله، هذا معنى قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.
أكثر العلماء على أن معنى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يُعطون الحقوق الواجبة في المال المقررة المفصلة في السنة في المواشي والزروع والثمار والمعادن والذهب والفضة والتجارة وما جرى مجرى ذلك مما تجب فيه الزكاة، وأن هذا هو المراد بالزكاة الحقوق الواجبة في المال.
وقال بعض العلماء: هي زكاة الأبدان وتطهيرها من أدران الذنوب والمعاصي والشرك بطاعة الله (جل وعلا)؛ لأن من أطاع الله زكى، أي: طهر من أدناس الذنوب وأرجاسها كما قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ [النور: آية ٢١] هذا معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ
_________________
(١) البيت في البيان والتبيين (٢/ ٢٣٦)، عيون الأخبار (٢/ ٤٩)، جمهرة خطب العرب (٣/ ٣٥٧)، الأغاني (٩/ ٢٦٤).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
بِآيَاتِنَا﴾ الشرعية التي أنزلنا على رسلنا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون الرسل فيها، ويشمل ذلك عند بعضهم: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: الكونية القدرية، كما نصبنا من العلامات على قدرتنا، وأني أنا المستحق العبادة وحده، يؤمنون بذلك فيعلمون أنها دالة على ربوبية من نصبها، واستحقاقه للعبادة وحده.
ويفهم من هذه الآية من مفهوم مخالفتها: أن الذين لا يتقون الشرك ولا المعاصي، ولا يؤتون الزكاة لا تكتب لهم هذه الرحمة، وقد بيّن تعالى ذلك في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الآية [فصلت: الآيتان ٦، ٧] وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٦].
ثم ذكر من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] للعلماء كلامٌ كثير في الفرق بين الرسول والنبي، وأشهر الفوارق المعروفة عندهم: أن الرسول من أُرسل إليه وحي وأُمر بتبليغه، وأن النبي من أُوحي إليه سواء أُمر بتبليغه أو لم يؤمر (^١). وهذا الفرق مشهورٌ على ألسنة العلماء، تأباه آية من سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [الحج: آية ٥٢] فإنه صرح فيها بأن هناك نبيًا مرسلًا ورسولًا مرسلًا، ومع أنهما مرسلان فهما متغايران كما دل عليه العطف؛ ومن أجل هذه الآية قال بعض العلماء: الرسول: من أُنزل إليه كتاب مستقل كمحمد ﷺ وموسى، والنبي: من أُمر بأن يتعبد بكتاب منزل على غيره كأنبياء بني إسرائيل الذين يؤمرون بالتعبد
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص١٥٥، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩).
[ ٤ / ٢٠٥ ]
بما في التوراة، كما بينا ذلك سابقًا في المائدة في الكلام على قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: آية ٤٤] أي: يحكمون بها بأمرٍ من الله أنهم يحكمون بما فيها، إلى غير ذلك من الفوراق (^١). وفي حديث البراء الثابت في الصحيح أنّ البراء لما قال: «آمنت برسولك الذي أرسلت» قال له النبي ﷺ: «بِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ» (^٢). وذلك يدل على أنه لو قال: «رسولك الذي أرسلت» يكون الكلام تكرارًا محضًا، فلما قال: «وَنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ» صار الكلام ليس تكرارًا محضًا. هذا معنى قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧].
الأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكان نبينا ﷺ لا يعرف الكتابة ولا يعرف قراءة الكتب. وقد عرفتم في السيرة والتاريخ في صلح الحديبية أنه لما كتب عليٌّ (﵁) وثيقة الصلح التي وقعت بين النبي ﷺ في صلح الحديبية مع سهيل بن عمرو العامري قال: هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله ﷺ مع قريش. قال له: امحُ عنّا هذا، لو كنا نقرّ بأنك رسول الله لما صددناك عن البيت الحرام وأنت محرم. فقال لعلي: امْحُها. فامتنع علي أن يمحوها، فطلب منهم أن يروه محلها -لا يعرفها- حتى محاها (^٣). هذا يُذكر في
_________________
(١) من المفيد في هذا الموضوع مراجعة كتاب النبوات لشيخ الإسلام ص٥٥، وانظر: الرسل والرسالات للأشقر ص١٤، ١٥.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي، باب عمرة القضاء، حديث رقم (٤٢٥١)، (٧/ ٤٩٩).
[ ٤ / ٢٠٦ ]
الأخبار والسيرة، ولكن الله نص على ما يدل على هذا في سورة العنكبوت حيث قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: آية ٤٨] وهذا معنى (الأمي): الذي لا يقرأ ولا يكتب.
واختلف العلماء في منشأ النسبة إلى الأمي هذه (^١)، فقال بعض العلماء: منسوب إلى أمة العرب؛ لأنهم أمةٌ أميون لا يكتبون ولا يحسبون؛ ولذا كانوا يعدون بالحصى؛ لأنهم لا يكتبون ولا يحسبون. (الأمي) أي: من أمة -منسوب إلى أمة- لا تحسب ولا تكتب ولا تقرأ.
قال بعض العلماء: منسوبٌ إلى أم القرى وهي مكة المكرمة حرَسَها الله.
وجماعةٌ من العلماء يقولون: الأمّيّ: الذي لا يقرأ ولا يكتب، منسوب إلى أمِّه؛ لأنه كأنه على الحالة التي ولدته بها أمُّه لم يتعلم بعدها كتابة ولا قراءة. هكذا زعمه بعضهم والله تعالى أعلم.
﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧].
قوله: ﴿يَجِدُونَهُ﴾ معناه يجدون صفته الكاشفة ونعوته الواضحة مكتوبةً عندهم في التوراة والإنجيل؛ لأن الله بَيَّن صفات هذا النبي الكريم ونعوته الكاشفة التي لا تترك في النبي لبسًا، بَيَّنها في التوراة، وهو الكتاب الذي أنزل على موسى، وبَيَّنها في الإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزل على عيسى (عليهم وعلى نبينا صلاة الله وسلامه)، فصفاته موجودةٌ عندهم، حتى إن الله قال عنهم:
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٩٨)، الدر المصون (٥/ ٤٧٨).
[ ٤ / ٢٠٧ ]
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: آية ١٤٦] لشدةِ إيضاحه بالصفات الكاشفة التي لا لبس فيها بُينت لهم صفاته موضحة، وأُخذت عليهم المواثيق إن بعثه الله ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذ الله ذلك الوعد على جميع الرسل، وعلى جميع أمم الرسل على ألسنة الرسل، كما أوضحه الله (تعالى) في سورة (آل عمران) وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتيناكم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ وفي القراءة الأخرى: ﴿لماءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ (^١) هو محمد ﷺ على أصح التفسيرين، وهو الحق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- وجزم به غير واحد ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران: الآيتان ٨١، ٨٢] أخذ عليهم هذه العهود المؤكدة العظيمة بالإيمان به ﷺ وبيّن لهم صفاته الكاشفة ونعوته الواضحة، كما قال هنا: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أي: صفته ونعته الذي يوضحه ولا يترك فيه لبسًا.
﴿مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ وروي عن الدوري أنه اختلس الضمة، وقرأه أبو عمرو: ﴿يَأْمُرْهُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بسكون الراء (^٢). وجزْم الفعل المضارع بلا جازم للتخفيف لغةٌ موجودةٌ في كلام العرب، جاءت بها
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٦٧.
(٢) للوقوف على القراءات في الراء من (يأمرهم) انظر: السبعة (١٥٦)، النشر (٢/ ٢١٢)، الإتحاف (٢/ ٦٥).
[ ٤ / ٢٠٨ ]
قراءات صحيحة في كتاب الله لا إشكال فيها (^١)، وأنشد بعض علماء العربية لجزم المضارع من غير جازم تخفيفًا قول امرئ القيس (^٢):
الْيَوْمَ أشْرَب غَيْر مُسْتَحْقب إِثْمًا مِنَ الله ولا وَاغِلِ
ومعروف أن بعضهم كَوَرْش يُبدل الهمزة ألفًا، تقول: ﴿يامُرُهُم بالمعروف﴾ ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿يأمُرْهم بالمعروف﴾ (^٣).
(المعروف): هو كل ما عرفه الشرع وكان منه، كعبادة الله وحده، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، وغير ذلك مما جاء به ﷺ.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ المنكر: اسم مفعول (أنكره) وهو ما أنكره الشرع ولم يكن منه، ولم يأمر به، كعبادة الأوثان، وادعاء الأولاد لله، وكالخصال السيئة، وارتكاب المعاصي.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ اختلف العلماء في معنى الطِّيْب والخُبث في هذه الآية الكريمة ونحوها من الآيات في كتاب الله (^٤)، واختلافهم هذا من الاختلاف الذي ينبني عليه بعض الأحكام الشرعية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن الطيبات هنا طِيبُها على نوعين: طِيب شرعي، وهو أن يكون الله أباحها وجعلها حِلًا لخلقه، فالله لا يُحِلُّ إلا الطيب، ولا يبيح إلا الطيب. ومعنى هذا -أنها طيبات- أن الله أباحها لخلقه واستطابها لهم، أي: يحل لهم الأشياء التي لا تحريم فيها.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) للوقوف على القراءات في الهمزة وإبدالها ألفًا من (يأمرهم) انظر: النشر (١/ ٢٧٦، ٢٧٧، ٣٩٠ - ٣٩١)، الإتحاف (١/ ١٩٩ - ٢٠٠).
(٤) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٦٥)، القرطبي (٧/ ٣٠٠)، ابن كثير (٢/ ٢٥٤).
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وقال بعض العلماء: الطيبات؛ لأنها مستلذَّة يستطيبها من يستعملها.
وكذلك يُحرِّم عليهم الخبائث، قال بعض العلماء: هي التي دَلَّ الشرع على خبثها بنهيه عنها، كالميتة والدم ولحم الخنزير وما جرى مجرى ذلك.
وقال بعض العلماء: كل ما استخبثه الطبع العربي الذي صاحبه ليس ببالغ من الجوع غايةً تجعله يستطيب غير الطيب أنه يحرِّم ذلك.
فالذين قالوا: إن المراد بالطيبات هو الطيب الشرعي، وأن الله أباحها لخلقه مما يستلذه خلقه، وأنّ الخبائث هي ما خبث شرعًا مما منعه الله (جل وعلا) على خلقه كمالك بن أنس - وهو ممن قال هذا القول- فإنه لا يجعل استخباث الطبع العربي علة للتحريم؛ ولذا جاز عند مالك أكل المستخبثات التي يستخبثها الطبع العربي السليم، فإنه يجيز أكل الحيات إذا أُمن سمها، والعقارب والحشرات، وما جرى مجرى ذلك. ولا شك أن هذه الأشياء مما يستخبثه الطبع العربي السليم. وكانت جماعة من العلماء منهم الإمام الشافعي (﵀) يقول: دلَّ قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ أن كل ما استخبثه الطبع العربي السليم الذي لم يتضرر بالجوع- لأن مَنْ آذاه الجوع جِدًّا قد يستطيب الخبيث لشدة جوعه كما قال بعض شعراء العرب (^١):
_________________
(١) البيت في اللسان (مادة: ربا) (١/ ١١١٧)، وفي القرطبي (٧/ ١٢٠)، وشطره الثاني في اللسان هكذا: «غريبًا بأرض يأكل الحشرات». وفي القرطبي: «غريبًا لديكم ».
[ ٤ / ٢١٠ ]
أَكَلْنَا الرُّبى يَا أُمَّ عمروٍ وَمَنْ يَكُنْ لَدَيْكُمْ غَريبًا يأكُلُ الحَشَرَاتِ
أي: لشدة جوعه. وسُئل أعرابي عن جماعته من البدو: ما تأكلون؟ قال: نأكل كل ما دب ودرج إلا أم حُبين. فقال: لِتَهْنِ أم حُبين العافية. وأم حبين دويبة معروفة، يفر الإنسان ويستقذرها إذا رآها. فعلى هذا القول فالاستخباث الطَّبعي من العرب الذين لم تلجئهم ضرورة الجوع قد يكون عنوانًا للتحريم عند بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي (رحمه [٢٠/ب] الله) ومن وافقه، قال:/ دلت هذه الآية وأمثالها في القرآن على أن كل ما يستخبثه الطبع العربيُّ السليم الذي لم يَشْتَد جوعه أنه لا يجوز؛ لأنه يصدق عليه اسم الخبيث في لغة العرب التي نزل بها القرآن. والخبائث حَرَّمَهَا اللهُ في كتابه على لسان رسوله، وتحريم هذا النبي الكريم للخبائث من أعلام نبوته (صلوات الله وسلامه عليه)؛ لأنه مكتوبٌ في الكتب السابقة أنه إذا بُعث: من صفاته أنه يحرم الخبائث، فإذا جاء محرمًا لها كان ذلك من معجزاته ومصداقًا لنبوته ﷺ.
والحاصل أن الذي يستخبثه الطبع السليم العربي كأشياء كثيرة كالخنفساء والحشرات، وما جرى مجرى ذلك، والعقارب والحيات: بعض العلماء يقول: هو حرام لهذه الآية الكريمة، كالشافعي، وأن الذين أجازوا ذلك كمالكٍ وأصحابه قالوا: ليس المراد بالخبث استخباث الطبع، وإنما المراد به ما دَلَّ الشرع على خبْثِهِ كما هو مُقَرَّرٌ في مذاهب الأئمة، وهذا معنى قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ بكسر الهمزة وإسكان الصاد، وقرأه ابن عامر وحده: ﴿ويضع عنهم آصَارهم والأغلال التي كانت
[ ٤ / ٢١١ ]
عليهم﴾ (^١) فالآصار جمع إصر (فِعْل) مجموع على (أَفْعَال) والإصر في اللغة العربية التي نزل بها القرآن: الثقل الذي كان من التكليف على من قبلهم؛ لأنَّ مَنْ قَبْلَنَا كانت عليهم من التكليف آصارٌ وأغلال. الآصار: الأثقال التي تثقل صاحبها (^٢)، منها ما قدمنا أن توبة الذين عبدوا العجل لم يقبلها الله إلا بتقديمهم أنفسهم للموت، فهذا ثقلٌ عظيم؛ لأنه لا حادث في الدنيا أعظم من الموت.
والمَوتُ أعظَمُ حادثٍ فيما يمرُّ على الجِبِلَّهْ (^٣)
فرفع هذا الثقل عن هذه الأمة صلى الله على نبيّها، فصار مَنِ ارْتَكَبَ أعظم كفر وأشنع ذنب يكفيه أن يتوب إلى الله، وأن يُقلع عن الذنب، ويندم على ارتكابه، وينوي ألا يعود، فيتوب عليه ربه بذلك، فهذا من رفع الآصار. والإصر: هو الثقل المعروف، ومنه قول الشاعر (^٤):
وحَامِل الإِصْرِ عَنْهُمْ بَعْدَمَا غَرِقُوا
وقوله: ﴿وَالأَغْلَالَ﴾ الأغلال جمع غُل، والغُلّ هو القيد المعروف؛ لأن التكاليف القوية الشديدة كأنها أغلال يُغَلُّون بها، مثل
_________________
(١) انظر المبسوط لابن مهران ص٢١٥.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٦٦)، القرطبي (٧/ ٣٠٠)، المفردات (مادة: أصر) ص ٧٨.
(٣) البيت في المحرر الوجيز (١٢/ ٧٨)، القرطبي (١٣/ ١٣٦)، البحر المحيط (٧/ ٣٠)، الدر المصون (٨/ ٥٥٠).
(٤) هذا هو الشطر الثاني من بيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ١٦٢، وشطره الأول: يَا مَانِعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتَهُمُ
[ ٤ / ٢١٢ ]
أن الواحد منهم كان لا يصلي إلا بالماء، ولا يصلي إلا في الكنيسة، وإذا مست النجاسة شيئًا من ثوبه لزم أن يقرضه بمقراض، إلى غير ذلك من التشديدات (^١)؛ بخلاف هذه الأمة فقد رُفع عنها ذلك، فجُعلت لها الأرض كلها مسجدًا وطهورًا، وأُجيز لها إزالة النجاسة بالماء، وسهل لها كل شيء كان مُصَعَّبًا على من قبلها، وهذا معنى قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.
وهنا عَبَّر عن التكاليف الشاقة بالأغلال؛ لأن الأغلال كأنها تُقَيِّدُ صاحبها وتمنعه، وكذلك التكاليف الشاقة والأغلال التي كانت عليهم جاء النبي بوضعها كلها، وجاء بحنيفيةٍ سمحة، فالأرض فيها طهور، والأرض كلها مسجد، والماء يطهر كل شيء، وكل من استعصى عليه شيء وشق عليه رخص له فيه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: آية ٧٨] أي: من ضيق ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: آية ١٨٥]، والآيات في مثل ذلك كثيرة، وهذا معنى قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أثقال التكاليف التي كانت عليهم جاء ﷺ بإزالتها ووضعها؛ لأنه (صلوات الله وسلامه عليه) جاء بالحنيفية السمحة التي لا حرج فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ﴾ أي: صدقوا به ﷺ وبما جاء به: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ قرأ الجمهور: ﴿عَزَّرُوه﴾ وفي بعض القراءات -غير السبعة-: بتخفيف الزاي (^٢).
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٣٠٠).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٠٤)، الدر المصون (٥/ ٤٨١).
[ ٤ / ٢١٣ ]
قال بعض العلماء: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: مدحوه وأثنوا عليه ثناءً عظيمًا.
قال بعض العلماء: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: منعوه من أن يناله أحدٌ بسوء، حتى لا يقوى أحدٌ على أن يصل إليه، ولا يؤذيه بأذيَّةٍ ما. والمعاني في التعزير تدور حول هذا؛ لأن أصله يُشعر بالتعظيم، وهذا معنى قوله: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾.
﴿وَنَصَرُوهُ﴾ النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم، أي: أعانوه على أعدائه الذين ظلموه وكذبوه، وكل من كذبه فهو ظالمٌ له، وهذا معنى قوله: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾.
﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ النور الذي أُنزل معه ﷺ هو هذا القرآن العظيم؛ لأنه النور الذي أنزله الله من السماء يبصر الناس ببصائرهم في ضوئه الحق حقًّا، والباطل باطلًا، والحسن حسنًا، والقبيح قبيحًا، فهو أعظم نور يُكشفُ به ظلمات الباطل ويُرى في ضوئه الحق واقعًا كما ينبغي. وقد سماه اللهُ نورًا في آياتٍ كثيرة كقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: آية ٨] وقوله: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ﴾ [الشورى: آية ٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: آية ١٧٤] فهذا النور العظيم لمّا صرح الله في آياتٍ كثيرةٍ من كتابه أنه نوره الذي أنزله مع سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) ليكشف به ظلمات الجهل والباطل كان على المؤمن ألا يطلب الضوء إلا في نوره، ولا يطلب الهدى إلا منه، فالذين يتركون هذا النور ويطلبون الهدى في الظلام الذي جاءت به الكفرة الفجرة دليل على أنهم خفافيش
[ ٤ / ٢١٤ ]
البصائر يعميهم النور، والله قد صرح في سورة الرعد أن من لم يعلم أحقية هذا القرآن وأنه الحق الذي لا شك فيه أن ذلك إنما جاءه من قِبل عماه؛ لأن الأعمى إذا كان يعجز عن رؤية الشمس لا يؤثر ذلك في ظهور الشمس شيئًا!! فنحن نقول: لا شك في وضوح الشمس وإن كان الأعمى لا يراها!! كذلك القرآن معجزته ونوره أوضح وأعظم من نور الشمس، ولا ينافي ذلك أن هنالك عميانًا لا يرون الشمس في رابعة النهار!!
إِذَا لمْ يكنْ للمرءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فلا غَرْوَ أنْ يَرْتَابَ والصُّبْحُ مُسْفِرُ (^١)
والله صرح بهذا في سورة الرعد في قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: آية ١٩] فصرح أن الذي منعه من أن يعلم أنه الحق إنما هو عماه.
وَلَا تَرَى الشَّمْسَ عَيْنٌ تَشْتَكِي العَوَرَا
كما هو معروف. فهؤلاء -والعياذ بالله- الذين يعدلون عن هذا النور الذي هو أعظم من نور الشمس في رابعة النهار، وأوضح وأشد كشفًا وإيضاحًا لحقائق الأشياء وإيضاح الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والنافع من الضار، هم خفافيش البصائر قطعًا والخفاش إذا ارتفع شعاع الشمس، وانتشر ضوؤها على الدنيا، وصار جميع الناس يمشون في ذلك الضوء، يقضون جميع حوائجهم، أعمى ذلك الضوء الخفافيش، فإذا جاء الظلام وزال النور قام الخفاش يفرح ويمرح، وذلك الظلام عنده كأنه ضوء.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢١٥ ]
خَفَافِيشُ أَعمَاهَا النهارُ بِضَوئِهِ فَوَافَقَها قِطْعٌ من الليلِ مُظْلِمُ (^١)
فإذا رأيت من لا يقبل كتاب الله ولا يطلب الهدى فيه، ويذهب ويزعم أن الهدى في زبالات أذهان الكفرة الفجرة الخنازير الحمير فاعلم أنه خفاش البصيرة يقينًا لا شك في ذلك، وأنه إنما عمي عن نور القرآن الذي هو أعظم من نور الشمس كما أعمى نور الشمس الخفاش، كما هو مشاهد:
مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى نُورًا ويُعْمِي أَعْيُنَ الخُفَّاشِ (^٢)
كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] المفلحون: جمع المفلح، وهو اسم فاعل (أفْلَحَ) والعَرَب تقول: (أفلح) إذا نال الفلاح، والفلاح يُطلق في اللغة العربية إطلاقين معروفين صحيحين (^٣):
أحدهما: تُطلق العرب الفلاح على الفوز بالمطلوب الأكبر، فَمَنْ فَازَ في مطلوبه الأكبر تقول العرب: «أفلح»، ومنه قول لبيد بن ربيعة (^٤):
فَاعْقِلي إِنْ كُنْتِ لمَّا تَعْقِلي ولَقْد أَفْلَح مَنْ كَانَ عقَلْ
يعني: فاز بأكبر المطلوب من كان عنده العَقْل؛ لأنه رأس الخيرات.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٢١٦ ]
وتُطلق العرب الفلاح على البقاء والدَّوَامِ في النَّعِيمِ، وكل مَنْ بَقِيَ بقاءً سرمديًّا في النعيم تقول له العرب: (أفلح) وتقول لذلك البقاء: (فلاح) ومنه بهذا المعنى قول الأضبط بن قُريع. وقيل: كعب بن زهير (^١):
لكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ والمُسْيُ والصُبْحُ لا فَلَاحَ مَعَهْ
يعني: أن تَعَاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لا بقاء للحَيِّ مَعه، ومنه بهذا المعنى قول لبيد بن ربيعة أيضًا (^٢):
لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكَ الْفَلَاحِ لَنَالَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ
يعني: لو أن حيًّا ينال البقاء ولا يموت لناله ملاعب الرماح.
وفي هذين المعنيين بكل منهما فُسِّر حديث الأذان والإقامة في قوله: «حي على الفلاح» فقال بعضهم: (حي على الفلاح) أي: الفوز بالمطلوب الأكبر وهو الجنة. وقال بعضهم: (حي على الفلاح) هَلُمَّ إلَى البَقَاءِ السَّرْمَدِيّ في النعيم الذي لا ينقطع في الجنة؛ لأنكم تنالون ذلك بالمواظبة على الصَّلَوات. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ كان بعض أفاضل العلماء يقول: هذه الأخيرة وهي قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ هي التي جاءت منها البليَّةُ إلى عَمِّهِ ﷺ أعني أبا طالب؛ لأن أبا طالب من الذين آمنوا برسول الله، فهو مؤمن برسول الله يقينًا (^٣)، ولا يشك في نبوّته ورسالته، وقد صرح بذلك كثيرًا في شعره كقوله في شعره (^٤):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١١) من سورة الأنعام.
(٣) والمقصود يهذا الإيمان: التصديق لكن من غير انقياد وإذعان، وهذا لا يكفي في تحقيق الإيمان.
(٤) هذا أحد أبيات قصيدته المشهورة التي يذب فيها عن رسول الله ﷺ. وقد ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٥٣ - ٥٧).
[ ٤ / ٢١٧ ]
لَقَدْ عَلِموا أَنَّ ابْنَنَا لا مُكذَّبٌ لَدَيْنَا ولا يُعْنَى بقولِ الأَبَاطِلِ
وقوله في شعره الآخر (^١):
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
فهو يعتقد أنه رسول الله حَقًّا ولا يشك في ذلك، فهو ممن آمن به قلبه وآمن به لسانه () (^٢).
[٢١/أ] / ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: آية ١٥٨].
معنى قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قل يا نبي الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (أيُّ) هنا نُودي ليُتوصل به إلى نداء الاسم المقترن بـ (أل)؛ لأن ياء النداء لا تجتمع مع (أل)، فجعلت (أي) متصلة بالياء مناداة ليكون ذلك اتصالًا إلى نداء ما فيه الألف واللام؛ لأن (يا) النداء والألف واللام لا يجتمعان. و(الهاء) هاء تنبيه.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: مرسلٌ من الله ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ولم يرسل قبله نبي لعامة الخلق، إنما كان يرسل النبي لقومه ونحو ذلك، وهو ﷺ أُرسل للأسود والأحمر، وهذه من الأشياء التي فضله الله بها على جميع الرسل. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ مرسل من الله إليكم أُبيّن لكم ما يأمركم به ربكم من عقائد وحلالٍ وحرام وغير ذلك.
_________________
(١) البيت في الإصابة (٤/ ١١٦).
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل.
[ ٤ / ٢١٨ ]
وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ يُعرب حالًا، ويُفسر بأنه توكيد، أي: إني رسول الله إليكم في حال كونكم جميعًا مجتمعين لم يتخلف منكم أحد ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قال بعض العلماء: هو في محل خَفْضٍ نعتٌ لله، إني رسول الله الذي. وهذا على هذا القول لم يمنع من تبعيته له الفصل بينهما بقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
وقال بعض العلماء: الفصل بينهما بقوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ يمنع من الإتباع و﴿الَّذِي﴾ في محل نصب منصوبًا على المدح، أو محل رفع خبر مبتدأ محذوف، كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هذا الذي جئتكم مرسلًا منه ينبغي أن يُهاب، وأن يُخاف منه، وأن تُحترم رسله، وتُطاع أوامره، وتجتنب نواهيه لشدةِ عظمته، وشدة الخوف من بأسه، وشدة الرغبة فيما عنده، فلا ينبغي أن يُعصى، فهذا الذي أرسلني؛ لأن هذه صفاته ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هو ملك السماوات والأرض وهو المعبود وحده.
﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ أي: لا معبود يُعبدُ بحق لا في السماء ولا في الأرض ولا في غيرهما إلا هو وحده جل وعلا.
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ هو الذي يحييكم ويميتكم. والكفار كانوا يقرون بإماتتين وإحياءة وينكرون إحياءة، ويوم القيامة أقروا بالإحياءتين والإماتتين فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: آية ١١] فالإماتتان: الأولى منهما: هي أطوارك أيها
[ ٤ / ٢١٩ ]
الإنسان قبل أن تحيا، فالذي تمكثه وأنت نطفة كأنك ميت، والذي تمكثه في بطن أمك وأنت علقة كأنك ميت، والذي تمكثه وأنت مضغة كذلك، فإذا نفخ الله فيك الروح فقد أحياك الإحياءة الأولى بعد الإماتة الأولى. ثم إذا أمَاتك المرة الثانية وصرت إلى القبر فقد مِتَّ الموتة الثانية، ثم يحييك حياة البعث، وهي الإحياءة الثانية التي كانوا ينكرون؛ ولذا قالوا لما أحياهم الإحياءة الثانية وعاينوها وبُعثوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: آية ١١] وقد أوضح الله هاتين الإحياءتين والإماتتين في سورة البقرة في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآية [البقرة: آية ٢٨] هذا معنى قوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ومن كان يحيي ويميت فهو الذي يُخاف منه غاية الخوف؛ لأنه لا يقع على الإنسان في هذه الدار الدنيا حادث أعظم من الموت الذي يقطعه عن كل شيء.
والمَوْتُ أَعْظَمُ حَادِثٍ فيمَا يَمُرُّ عَلَى الجِبِلَّهْ (^١)
ولا شيء أعظم -من التصرفات- من إحياء الإنسان بعد موته والإتيان به حيًّا بعد أن صار عظامًا رميمًا -سبحان ربنا وخالقنا ما أعْظَمَهُ! وما أعظم قدرته (جل وعلا)! وما أظهر براهين توحيده! - وهذا معنى قوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ﴾ أي: صَدِّقُوا بِهِ وَبِكُلِّ مَا يجب له، وآمنوا برسوله محمد ﷺ.
﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] قرأ نافع هنا في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٧) من هذه السورة.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
الموضعين وفي جميع القرآن (النبيء) بالهمزة إلا في موضعين من سورة الأحزاب قرأ في رواية قالون بالإدغام موافقة للجمهور (^١).
وعلى قراءة نافع فالنبيء من (النبأ)، والنبأ (^٢): هو الخبر الذي له الشأن، فكل نبأ خبر، وليس كل خبر نبأ.
وعلى قراءة الجمهور: فقيل هي كقراءة نافع، أصلها من (النبأ) إلا أنّ الهمزة أُبدلت ياءً، وأُدغمت فيها الياء التي بعد الباء. وقال بعض العلماء: (النبي) في قراءة الجمهور من النَّبْوَة وهي الارتفاع؛ لارتفاع شأن الأنبياء ومكانتهم بالوحي الذي فضلهم الله به. وهذا معنى قوله: ﴿وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ويؤمن بكلمات الله، ومن كلمات الله: كتبه المنزلة؛ لأن النبي ﷺ يؤمن بكتب الله كما شهد الله له بذلك في قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٨٥] وقراءة الجمهور: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ وفي بعض القراءات الشاذة: ﴿يؤمن بالله وكلمته﴾ (^٣)، قال بعض العلماء: كلمته هي عيسى؛ لأن الله قال لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ [آل عمران: آية ٤٥] كما قال عن زكريا: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: آية ٣٩] هذا معنى قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الأنعام.
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٠٦)، الدر المصون (٥/ ٤٨٣).
[ ٤ / ٢٢١ ]
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] أمر الله هذه الأمة أن تتبع سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) ومعنى اتباعه: هو الاقتداء به فيما جاء به من عقائد وأفعالٍ وأقوال، هذا هو معنى الاتباع. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: لأجل أن تهتدوا، أو على رجائكم الهداية باتباعه ﷺ، وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] بيّن الله أن قوم موسى -وهم بنو إسرائيل- منهم قوم ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ وهو كتاب الله الذي أنزله على نبيه، يهدون بما فيه من الحق، يأمرون الناس فيه بالخير الذي يرضي الله جل وعلا ﴿وَبِهِ﴾ أي: بذلك الحق الذي هو ضد الباطل ﴿يَعْدِلُونَ﴾ من العدل الذي هو ضد الجور. جرت عادة المفسرين بعضهم يذكر عند هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف قصةً غريبةً معروفة عن بعض بني إسرائيل الله أعلم بها (^١)، يزعمون أن طائفة من بني إسرائيل آمنوا وثبتوا وأطاعوا الله تمامًا، ولم ينجرفوا مع الذين غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وكفروا وعصوا، وسألوا الله أن يثبتهم على ما هم فيه، وأن الله شق لهم نفقًا من الأرض، وأنهم مشوا في ذلك النفق أكثر من سنة، وأنهم خرجوا من وراء بلاد الصين، وأنهم كانوا هناك في بلاد شاسعة وراء بلاد الصين، وأنهم على إيمانهم، يزعمون كثيرًا هذا، ويذكره جماعة منهم عند هذه الآية من سورة الأعراف، والله أعلم بذلك.
وظاهر القرآن: أن الله أثْنَى على قوم موسى أن منهم أمة يأمرون
_________________
(١) وهي في ابن جرير (١٣/ ١٧٣).
[ ٤ / ٢٢٢ ]
الناس بالحق الذي علموه من كتاب الله، وأنهم يعدلون به العدل الذي هو ضد الجور، هذا هو الظاهر (^١).
يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: آية ١٥٨].
أمر الله (جل وعلا) نبينا ﷺ في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف أن يقول لجميع الناس أسودهم وأحمرهم: إنه رسولٌ إليهم من رب السماوات والأرض، وهذه من المسائل التي فضله الله بها (صلوات الله وسلامه عليه) على جميع الرسل؛ لأنه فُضل بخصال لم يُعْطَها أحد قبله من الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم)، كما جاء مبيّنًا في الأحاديث عنه ﷺ، فقد أُحلت له الغنائم ولم تُحل لأحد قبله، كانوا يحرقونها بالنار، وقد جُعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وقد نصره الله بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأرسله إلى كافة الناس (صلوات
_________________
(١) تنبيه: هذا الموضع هو آخر درس للشيخ (﵀) في رمضان سنة (١٣٩٠ هـ) كما هو مُثبت على إحدى النسخ. وقد قال (﵀) في خاتمة هذا المجلس: «ونستودعكم الله -أيها الإخوان- ونرجو أن تكون مجالسنا هذه من مجالس الخير، وأن نكون من الذين يتعاونون على البر والتقوى؛ لأنَّا نريد العمرة إلى مكة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» اهـ ولعل هذا الدرس كان في (٢٤/ ٩/١٣٩٠هـ) لأن الدرس الذي قبله كان في (٢٣/ ٩/١٣٩٠). ثم لما بدأ (﵀) في دروس التفسير في اليوم الأول من رمضان المبارك عام (١٣٩١هـ) [كما هو مثبت على إحدى النسخ] أعاد تفسير الآيتين (١٥٨، ١٥٩). وهذا سبب التكرار الذي قد يتساءل عنه القارئ الكريم.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
الله وسلامه عليه) فهو (صلوات الله وسلامه عليه) أفضل الرسل، وخير العالمين ﷺ، ومنْذُ بَعَثَهُ الله لم تبلغ دعوته أحدًا من الخلق ولم يؤمن به إلا دخل النار، فالذين يقولون: إن محمدًا ﷺ أُرسل إلى العرب ولم يُرسل إلى غَيْرِهم كفرة ملاحدة، كفرة بالله، مكذبون كتاب الله، مخالفون الضروري من دين الإسلام، فهو ﷺ مرسل إلى جميع الخلائق كما صرحت به هذه الآية الكريمة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وجاء في آيات أُخر من كتاب الله وأحاديث صحيحة معروفة، فمن الآيات الدالة على ذلك (^١): قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: آية ١] فصرح بأنه نذير للعالمين، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: آية ١٩] فكُلّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا القرآن فهو مُنْذَرٌ بِرِسَالَةِ محمَّدٍ ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: آية ٢٨] أي: إلا للناس كافة على التحقيق، خلافًا لمَنْ زَعَمَ من علماء العربية أن صاحب الحال إذا كان مجرورًا باللام أنه لا تتقدم عليه الحال (^٢).
والمتأخرون من علماء العربية قالوا: إن ذلك جائز وتدل عليه الآية التي ذكرنا، وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: آية ٢٨]. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: آية ١٧] وكلّ مَنْ سَمِعَ بِرِسَالَةِ محَمَّدٍ ﷺ وبلغته ولم يؤمن به دَخَلَ النَّارَ؛ لأنه رسول الله إلى الأسود والأحمر، وليس الخلق كافة (صلوات الله وسلامه عليه)، مرسل إلى الجن والإنس، عام الرسالة،
_________________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٣٤).
(٢) انظر: الدر المصون (٩/ ١٨٦).
[ ٤ / ٢٢٤ ]
باقيها إلى يوم القيامة؛ لأن الله لما أرسله رسالة عامة وجعلها باقية على مر العصور جعل معجزتها -وهي هذا القرآن العظيم- قائمة باقية تَتَرَدَّد في آذان الخلق إلى يوم القيامة، محفوظة من رب العالمين، لو أراد إنسان أن يزيد حرفًا أو ينقصه، أو نقطًا أو ينقصه لرد عليه الآلاف من صبيان المسلمين في أقطار الدنيا؛ لأن الله تولى حفظ هذا القرآن المحكم الذي هو أساس هذه الرسالة العامة الخالدة (صلوات الله وسلامه على من جاء بها). وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
الرسول هنا (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) إني مرسل من الله إليكم جميعًا.
وقد قدمنا مرارًا (^١) أن علماء العَرَبِيَّة يقولون: إن أصل الرسول أصلُه مصدر وُصف به فجيء به بمعنى اسم المفعول، وإتيان المصادر على وزن (فَعُول) مسموع في أوزان قليلة كالقبول والولوع والرسول، في أوزان قليلة. وفائدة ذكرنا أن أصل الرسول مصدر وُصف به وجيء به بمعنى اسم المفعول؛ لنُزِيل بذلك إشكالًا في كتاب الله، وإيضاح ذلك: أن المعروف عند عُلَمَاءِ العَرَبِيَّة أن المصادر إذا نُعِت بها -أعني أُجريت مجاري الأوصاف- أنها تُلْزَمُ الإفراد والتذكير باللغة الفصحى (^٢)، فتقول: هذا رجل عدل، وهذه نساءٌ عدل، وهذه امرأة عدل، وهؤلاء رجال عدل. هذا في اللغة الفصحى، وربما تُنُوسي أصل المصدر وعُومل معاملة الأوصاف نظرًا إلى وصفيته
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
الطارئة، فالرسول على هذا تارة في القرآن يلاحظ فيه أصله الذي هو المصدر، وتارة يُلاحظ فيه الوصفية العارضة التي جُعل بمعناها. وإيضاح هذا: أن الرسول على أن أصله مصدر يُفرد عند حالة التثنية والجمع، تقول: هذان رسول، وهؤلاء رسول. وربما جُمع الرسول نظرًا إلى الوصفية وتناسيًا لأصل المصدرية، فَمِن جَمْع الرسول اعتبارًا بالوصفية: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: آية ٢٥٣] ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ﴾ [النساء: آية ١٦٥] ومن تثنيته: قوله في سورة طه: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: آية ٤٧] فقد ثَنَّى الرسول اعتبارًا بوصفيته، وفي سورة الشعراء أفرد الرسول مع أن المراد به اثنان؛ نظرًا إلى أصله الذي هو المصدر، وذلك في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٦] ولم يقل: إنا رسولا، فنطقت العرب بلفظ الرسول مفردًا مرادًا به الجمع، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي (^١):
أَلِكْنِي إِلَيْها وَخَيْرُ الرَّسُول أَعْلَمُهُم بِنَواحي الخَبَر
فجمع الضمير في قوله: «أعلمهم» وهو عائد إلى الرسول المفرد نظرًا إلى أصل مصدريته. والرسول مسموع في كلام العرب بمعنى المصدر، ومنه قول الشاعر (^٢):
لَقَد كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهُمْ بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي: برسالة. وقول الآخر (^٣):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٧٨) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولًا بِأَنِّي عَنْ فُتاحَتِكُم غَنِيٌّ
أي: رسالة. وهذا معنى قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: مرسل من الله إليكم أيها الناس جميعًا. فقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ يُعْرَبُ حَالًا ويُفسَّر توكيدًا. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ في حال كونكم مجتمعين لم يشذ أحد منكم، بل رسالتي عامة لجميعكم في حال كونها شاملة لكم مجتمعين فيها. هذا معنى قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
ولما بيّن أنه مرسل من الله ذكر الله (جل وعلا) من صفات هذا الرب المُرسِل ما يدعو خلقه إلى القبول والامتثال، فبين أن هذه الرسالة جاءتكم من عند عظيم العظمة الكاملة، فهو جدير بأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وألَاّ تكذَّب رسله ولا يُعصى؛ ولذا قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
اختلف علماء العربية والتفسير في موضع قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ من الإعراب (^١): فقال قوم: إنه في محل خفض نعتٌ للجلالة في قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ إني رسول الله الذي له ملك السماوات والأرض. قالوا: ولا يضر الفصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لأنه معمول المضاف الذي هو ﴿رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ قالوا: وربما حيل بين النعت والمنعوت حتى ولو بأجنبي، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة: آية ٧٦].
وقال قوم: هذه الحيلولة بين الصفة والموصوف لا تُغتفر،
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٨٢).
[ ٤ / ٢٢٧ ]
وأعربوا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ بأنه في محل نصب ﴿رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أعني ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وهذا القطع هو الذي يسميه علماء العربية: النصب على المدح ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الله (جل وعلا) الذي يرسل الرسل ويشرع الأحكام هو الذي له ملك السماوات والأرض.
وهذه الآية الكريمة دالة على أنه لا يشرع للخلق ويأمرهم وينهاهم ويحرم عليهم إلا الملك الذي هو نافذ التصرف نفوذًا مطلقًا، وله الكلمة العليا، وهو فوق كل شيء. هذه الآية تدل على هذا، وبذلك يُعلم أن الضعيف المسكين العاجز لا تشريع له، ولا يصح منه أن يحلل ولا أَنْ يُحَرِّمَ، فالَّذِي يُحَلِّلُ ويُحرِّم ويُشرع هو خالق هذا الكون (جل وعلا)؛ لأنه لا يشرع إلا الملك الأعظم الكبير الأكبر، كما قال هنا فيمن يرسل ويشرع على ألسنة الرسل: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] فالذي يشرع قانونًا وضعيًّا إن كان له ملك السماوات والأرض، وهو الذي يحيي ويميت، وهو المعبود وحده فليتقدم وليشرع، وإن كان عاجزًا مسكينًا مربوبًا فليعلم قدره، وليقف عند حده، وليعلم أن من يحلل ويحرم هو الكبير الأكبر، والملك العظيم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لله الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: آية ١٢] فالعلي الكبير الذي هو أعلى وأكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وهو الملك الأعظم، هذا هو الذي له حق التشريع، والتحليل والتحريم. وبهذا تعلمون أن الأمر ما أمر الله به، والنهي ما نهى الله عنه، والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله،
[ ٤ / ٢٢٨ ]
وأن القوانين الوضعية خزي ووبال وكفر على أصحابها، يعطون مُسْتَحَق خالق السماوات والأرض لأجهل خلق الله، وأخسهم وأكفرهم سبحانه (جل وعلا) أن يكون له في حكمه شريك، كما تقدس (تعالى) أن يكون له في عبادته شريك، فحكم الله (جل وعلا) كعبادته، فَكَمَا أنَّ مَنْ أشْرَك به في عبادته كافر به فكذلك مَنْ أشْرَكَ به في حكمه فهو كافر به.
والقرآن بين استوائهما، قال في الإشراك في العبادة: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠] وقال في حكمه: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: آية ٢٧] ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ٢٦] وقرأه ابن عامر من السبعة: ﴿ولا تُشْرِك في حكمه [٢١/ب] أحدًا﴾ (^١) / فالحكم لخالق السماوات والأرض، لا تشريع لغيره، لا تحليل إلا لله، ولا تحريم إلا لله، ولا تشريع إلا لخالق السماوات والأرض ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: آية ٥٩] فما جعل (جل وعلا) بين إذنه والافتراء عليه واسطة.
وقد ذكرنا مرارًا (^٢) أن هذه الآيات القرآنية تدل على أن الذين يتحاكمون إلى نظم وضعية وقوانين لم يشرعها خالق السماوات والأرض زاعمين أنها هي الكفيلة بتنظيم الحياة، ومسايرة ركب الحضارة، والكفالة للناس بحقوقهم، زاعمين -لطمس بصائرهم وقلة عقولهم- أن نور السَّمَاءِ الذي أنزله خالق السماوات والأرض
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
على سيد الخلق من تشريع رب العالمين لا يمكن أن يكون كفيلًا بذلك!! فهؤلاء كفرهم لا يخفى، ولا يشك في كفرهم وبعدهم من الإيمان إلا مَنْ طَمَسَ اللهُ بَصِيرَتَهُ. وهذا كثير في القرآن لا تكاد تحصيه في المصحف الكريم.
وقد بيّنا لكم مرارًا في هذه الدروس والمناسبات (^١) أن ذلك الأمر وقعت فيه مناظرة بين حزب الشيطان وحزب الرحمن، وكل يتمسك بمستنده، فحزب الشيطان يتمسك بوحي الشيطان وفلسفة إبليس، وحزْب الرَّحْمَن يَتَمَسَّكُ بهذا الوحي المُنَزَّل الذي لا يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ولما تناظرت الفئتان تَوَلَّى الحكم بينهما خالق السَّمَاوَاتِ والأرض بفتوى سماوية تُتْلَى في كتاب الله على آذان الخلق. وهذا أوضحناه في هذه الدروس مرارًا، وأكثرنا مِنْ ذِكْرِه في المناسبات لشدة الحاجة إليه، ذلك أن إبليس أوحى من وحيه الشيطاني إلى إخوانه مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: أن سلوا محمدًا ﷺ عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابهم: «بأن الله قتلها» فاستدلوا على إباحة الميتة بفلسفة إبليس ووحي الشيطان فقالوا: ما ذبحتموه بأيديكم -يعنون المُذَكَّى- تقولون: هو حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة -يعنون الميتة- تقولون: حرام. فأنتم إذًا أحسن من الله؟! فهذه طائفة تتمسك بوحي إبليس، وفلسفة الشيطان، وتقول: إنه أحسن، وأن ذبيحة الله أحل من ذبيحة الناس!! وهذه طائفة أُخرى تتمسك بهذا المحكم المنَزّل في تحريم الميتة ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة: آية ١٧٣] هؤلاء يستدلون بالقرآن وهؤلاء بوحي الشيطان، فتناظرا هذه المناظرة،
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
فتولى الله الفتيا فيها قُرآنًا يُتلى في سورة الأنعام، فأنزل في هذا: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يعني: الميتة.
أي: وإن زعموا أنها ذبيحة الله، ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: خروج عن طاعة الله، ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشياطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ يعني وحي الشيطان وفلسفة إبليس ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بوحي الشيطان: ما ذبحتموه حلال، وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذن أحسن من الله!! ثم أفتى بين الفريقين، وحكم بين الخصمين قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] فحكم على هؤلاء المسلمين أنهم إن أطاعوا حزب الشيطان واتبعوا نظام إبليس وتشريعه وقانونه بالفلسفة الإبليسية أن ما ذبح الله أحل مما ذبح الناس أنهم مشركون.
وهذه الآية الكريمة من سورة الأنعام هي عند علماء العربية مثال لحذف اللام الموطئة للقسم (^١). قالوا: هنا قسم، واللام الموطئة محذوفة، والأصل: ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون. قالوا: والقرينة الدالة على لام القسم الموطئة المحذوفة: أنه لو لم يكن هناك قسم وكانت (إن) الشرطية في قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ خالية من قسم لوجب اقتران الجملة بالفاء في قوله: فإنكم لمشركون. فلما عريت من الفاء دل خلوها من الفاء على حذف القسم. وهذا وجيه. فما زعمه قَوْمٌ مِنْ أَنَّ الفَاءَ في جملة الجزاء التي لا تصلح أن تكون فعلًا للشرط أنه يجوز سقوط [الفاء] (^٢) منها اختيارًا، فهو غير صحيح، والتحقيق في لغة العرب: أنها لا بد من اقترانها بالفاء، وأن سقوط الفاء من آية الأنعام هذه نظرًا للقسم
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
(٢) في الأصل: «الجزاء».
[ ٤ / ٢٣١ ]
المحذوف، وما احتجوا به من قراءة نافع وابن عامر (^١) في سورة الشورى في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: آية ٣٠] قالوا: لم تكن في قراءة نافع وابن عامر الفاء، بل قرآ: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم﴾ وكذلك هو في مصحف عثمان بن عفان الذي بقي عنده بالمدينة ليس فيه فاء ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ وكذلك في المصاحف التي أُرسلت إلى الشام. والتحقيق أن قراءة نافع وابن عامر هذه من السبعة: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ لا تدل على خلو جملة الجزاء من الفاء إن كانت لا تصلح أن تكون فعلًا للشرط، بل (ما) من قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ على قراءة نافع وابن عامر موصولة لا شرطية. والمعنى: والذي أصابكم من المصائب كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم. أما على قراءة بقية السبعة: فـ (ما) شرطية؛ ولذلك اقترنت الجملة بالفاء في قراءتهم وفي المصاحف التي أُرسلت إلى أقطارهم.
وهذا الشرك في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] أجمع العلماء على أنه شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام؛ لأن من حكَّم تشريع غير الله فقد كفر بالله. وهذا الشرك هو الذي وبخ الله صاحبه ويوبخه على رؤوس الأشهاد في سورة (يس) ويبين مصيره وقراره النهائي -والعياذ بالله- وذلك في قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ معنى عبادتهم الشيطان: هي اتباع نظامه وتشريعه وقانونه فيما أحل لهم من الكفر والمعاصي لله،
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف. وانظر: الأضواء (٧/ ١٧٠).
[ ٤ / ٢٣٢ ]
المخالفة لما جاء به الرسل: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا﴾ [يس: الآيات ٦٠ - ٦٢] أضل الشيطان منكم خلائق كثيرة لا تحصى، ويدخل فيها الدخول الأوَّلِي: الذين اتبعوا نظامه وقانونه وتشريعه، وفضلوه على نور السماء الذي أنزله خالق الخلق على خيرته مِنْ خَلْقِهِ وهُمْ الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم). ثم قال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: آية ٦٢] لم تكن هنالك عقول ترشدكم إلى أن الذي يتبع تشريعه ويطاع في تحليله وتحريمه هو خالق هذا الكون الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت، وأن ذلك ليس للشيطان ولا لاتباع الشيطان. ثم بيّن المصير والقرار النهائي لمن كان يتبع تشاريع إبليس ونظمه وقوانينه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: الآيات ٦٣ - ٦٥].
وهنالك قوم قد أرادوا التَّحَاكُم لغير ما أنزل الله، وزعموا أنهم مؤمنون، فعجَّب الله نبيه من دعواهم الكاذبة الخائنة الفاجرة؛ لأنها حقيقة بأن يُعْجَبَ منها، وما ذلك إلا لشدة كذبها وبعدها عن الحق، وذلك بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: آية ٦٠] فالله قال مستبعدًا لحجة هؤلاء مستبعدًا لصدقها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ﴾ إرادتهم للتحاكم للطاغوت أبعدت دعواهم عن أن يُقبل منهم أنهم يؤمنون. والآيات
[ ٤ / ٢٣٣ ]
القرآنية الدالة على هذا كثيرة؛ ولذا ثبت أن عدي بن حاتم (﵁) سأل النبي ﷺ عن قوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله﴾ [التوبة: آية ٣١] كيف اتخذوهم أربابًا من دون الله؟ قال: «ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرموا عليهم ما أحل الله؟» قال: بلى. قال: «بذلك اتخذوهم أربابًا» (^١) والعياذ بالله. ولذلك بين هنا صفات من يُتبع تشريعه ويُعمل به ليبين للخلق أن التشريع لا يُقبل ولا يُتبع إلا ممن هو أهل لأن يشرع؛ ولذا لما ذكر أنه أرسل هذا النبي الكريم لجميع الناس كافة بيَّن أن الذي أرسله بهذا التشريع وهذه الأوامر والنواهي والحلال والحرام أنه الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو يحيي ويميت. هذه صفات المشرع الذي يُحَلِّلُ ويُحَرِّمُ، وأما غير مَنْ هذه صفاته فليس له حق في ذلك، فاتباع تشريعه كفر برب العالمين كما أوضحناه مرارًا. وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لأنه (جل وعلا) هو ملك السماوات والأرض النافذ تصرفه فيها، لا يُسأل فيها عما يفعل، لا معقب لحكمه؛ ولذا كان أمره ونهيه هو اللازم أن يُتبع.
وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ قال بعض العلماء: هو في معنى البدل والبيان من: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لأن المعبود الذي يستحق أن يُفرد بالعبادة وحده هو الذي له ملك السماوات والأرض، الذي يحيي ويميت؛ ولذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ أي: لا معبود يُعْبَدُ بالحق إلا هو وحده (جل وعلا) وقد ذكرنا مرارًا أن الإله في (^٢)
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة المائدة.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
لغة العرب: بمعنى المعبود، والإلهة: العبادة. وتألّهَ: إذا تَعَبَّدَ، فالإله (فِعَال) بمعنى: (مَفْعُول) بمعنى: مألوه؛ أي: معبود على سبيل المحبَّة والخوف والتعظيم. وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفعول) مسموع في أوزان من لغة العرب، وليس قياسيًّا فيها، فمنه: الكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى الملبوس، والإله بمعنى المألوه. أي: المعبود. والإمام بمعنى المُؤتم به، في أوزان قليلة. والعرب تُسمِّي التألُّه تعبدًا، والإلاهة عبادة. وفي قراءة ابن عباس (^١) -وإن كانت شاذة-: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾ وفي رجز رُؤْبَة (^٢):
للهِ دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي
أي: لا معبود يُعبد بالحق إلا ملك السماوات والأرض (جل وعلا)، الذي يحيي ويميت، الذي أرسلني إليكم فأنا مرسل ممن هو جدير بأن يُطاع ولا يُسْتَهْزَأ بأوامره ونَواهِيهِ. وهذا معنى قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يحيي من شاء أن يحييه، ويميت من شاء أن يميته، فحذف المفعول للتَّعْمِيم.
وهذا الإحياء والإماتة تدخل فيه الإماتتان والإحياءتان دخولًا أوليًّا المذكورتان في سورة المؤمن -سورة غافر- في قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: آية ١١] وهاتان الإماتتان والإحياءتان اختلف فيهما العلماء (^٣)، والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الإماتة الأولى هو كونهم في بطون
_________________
(١) مضت عند تفسير الآية (٥٩) من هذه السورة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٥) من هذه السورة.
(٣) انظر: القرطبي (١٥/ ٢٩٧)، ابن كثير (٤/ ٧٣).
[ ٤ / ٢٣٥ ]
أمهاتهم علقًا ومُضَغًا لا حياة فيهم قبل أن يُنفخ فيهم الروح، وأن الإحياءة الأولى هي إحياءتهم في بطون أمهاتهم التي خرجوا بها إلى الدنيا. والإماتة الثانية: الإماتة إلى القبور، بالإحياءة الثانية: الإِحْيَاءَة من القبور بالبعث إلى الحساب والجزاء. وهذا المعنى أوضح الله أنه المراد في سورة البقرة في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ الآية [البقرة: آية ٢٨] والله (جل وعلا) قد يحيي غير هذا الإحياء ويميت غير هذه الإماتة، فهو يميت الأرض ويحييها كما قال جل وعلا: ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: آية ٥٠] وكذلك يحيي الإنسان لسؤال الملكين في قبره كما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، ولذا قال: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ﴾ الفاء سببية، وهذه الرسالة لما أُرسل بها هذا الأمين الكريم من قِبَل هذا الملك العظيم الأعظم ملك السماوات والأرض، المعبود وحده، الذي بيده الحياة والموت، هذا يتسب للإيمان بها، وعدم الكفر بها؛ ولذا جاء بالفاء المؤذنة بالسبب في قوله: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ﴾.
قال بعض علماء العربية: العرب تطلق الإيمان لغة على التصديق، وهذا موجود في لغتها وإن أنكره بعض أهل العلم، كقوله: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: آية ١٧] أي: بمصدقنا في أن يوسف أكله الذئب ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: آية ١٧].
والإيمان في الشرع: هو التصديق الكامل من جهاته الثلاث، أعني: تصديق القلب بالاعتقاد والنية الصالحة، وتصديق اللسان
[ ٤ / ٢٣٦ ]
بالإقرار، وتصديق الجوارح بالعمل (^١).
﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ. قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ بالإدغام. وقرأه نافع وحده: ﴿ورسوله النبيء الأمي﴾ ونافع في جميع القرآن قرأ (النبيء) و(النبيئين) و(الأنبئاء) بالهمزة المحققة إلا حرفين في سورة الأحزاب وافق الجمهور فيهما بالتشديد في رواية قالون عنه خاصة دون ورش، كما هو معروف في قراءته (^٢).
أما على قراءة نافع: ﴿ورسوله النبيء الأمي﴾ فالنبيء: فاعل من النبأ، والنبأ في لغة العرب: هو الخبر الذي له خطب وشأن، فالنبأ أخص من مطلق الخبر، فكل خبر نبأ وليس كل نبأ خبرًا؛ لأن العرب لا تكاد تُطلق النبأ إلا على خبر له شأن وخطب (^٣)؛ فلو قال قائل: «جاءنا اليوم نبأ عن حمار الحجام» لما كان هذا من كلام العرب؛ لأن خبر حمار الحجام لا أهمية له ولا خطب له، فلا يُسمى نبأ وإنما يقول له: خبر. هكذا حققه بعض علماء العربية.
أما على قراءة الجمهور: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ ففيه وجهان:
أحدهما: أن معناه كمعنى قراءة نافع، وأن الهمزة أُبْدلت ياء، وأُدغمت الياء في الياء، كقراءة ورش عن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٢) تقدمت هذا القراءات وتوجيهها عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
نافع (^١): ﴿إنما النَّسِيُّ زيادة في الكفر﴾ [التوبة: آية ٣٧] بإدغام الياء في الياء، والأصل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ كقراءة الجمهور. وعلى هذا فمعنى القراءتين واحد.
وقال قوم: النبي على قراءة الجمهور مشتق من النَّبْوَة وهي الارتفاع، والعرب تسمي المرتفع من الأرض نبيًا، ومنه قوله (^٢):
لأَصبَحَ رتْمًا دُقاقُ الحَصَى مَكَانَ النَّبِيِّ مِنَ الْكَاثِبِ
النبي: يعني به رملًا مرتفعًا. هكذا قاله العلماء (^٣). وهذا معنى قوله: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه صفاته ﷺ. وقد أجرى الله العادة أنه يصف المرسلين والملائكة بما يصف به مطلق عوام المؤمنين؛ لأن قوله: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كل عامي من المسلمين يؤمن بالله، وقد وصف نبيه ﷺ بصفة يتصف بها جميع المسلمين، وذلك للإيذان بشرف الإيمان بالله وكلماته وعِظَمِه كما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وصفهم بالإيمان ووصف المسلمين بالإيمان ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: آية ٧] وبين أن ذلك الإيمان الذي اتصف به حملة العرش وأهل الأرض من بني آدم صار الرابطة العظمى بينهم التي عطفت قلوبهم عليهم من فوق سبع
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٢) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص١٠ - ١١، اللسان (مادة: كثب) (٣/ ٢٢٣)، الدر المصون (١/ ٤٠٢).
(٣) قال في اللسان (مادة: كثب ٣/ ٢٢٣)، معقبًا على هذا البيت: «يريد بالنبي: ما نبا من الحصى إذا دُق فندر. والكاثب: الجامع لما ندر منه. ويقال: هما موضعان» اهـ.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
سماوات فدعوا لهم ذلك الدعاء القرآني العظيم المذكور في قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شيء رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم﴾ إلى آخر دعائهم الكريم [غافر: الآيتان ٧، ٨]. وهذا معنى قوله: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾.
الأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ لأن نبينا ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: آية ٤٨] وكونه لا يقرأ ولا يكتب مع هذه العلوم التي لا يُطَّلع عليها إلا بالوحي يدل على أن هذا إنما عَلِمَه بوحي من الله (جل وعلا).
وقوله: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ قال بعض العلماء: معنى كلماته: كتبه التي أنزلها على خلقه (^١)، كما قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٨٥] والتحقيق: أن كلمات الله أعم من كتبه (^٢)، وأنها لا يحصيها إلا هو (جل وعلا) كما نوَّه عنها في أُخريات الكهف وأُخريات لقمان في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: آية ١٠٩] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: آية ٢٧] وكلمات الله لا يعلمها إلا الله (جل وعلا)، ولو كانت البحور مدادًا لكلماته لنفدت البحور وتلاشت قبل أن
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٣٠٢).
(٢) انظر ابن جرير (١٣/ ١٧١)، الأضواء (٢/ ٣٣٤).
[ ٤ / ٢٣٩ ]
تنفذ كلماته (جل وعلا). والكلام صفته الأزلية التي لم يتجرد عنها يومًا ما، فهو (جل وعلا) متصف بكلامه الأزلي الذي لم يتجرد عنه يومًا ما، وفي كل يوم يتكلم بما شاء كيف شاء على الوجه اللائق بكماله وجلاله سبحانه (جل وعلا) ما أعظم شأنه.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ لهذا النبي الأمي (صلوات الله وسلامه عليه) أمر الله باتباعه؛ لأن اتباعه هو عين طاعة الله جل وعلا ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: آية ٨٠] ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: آية ٣١].
وقوله: ﴿لعلكم تهتدون﴾ أشهر معاني (لعل) في القرآن عند المفسرين معنيان (^١):
أحدهما: أنها لمعنى التعليل، وهو الأنسب هنا. قال بعض علماء العربية: كل (لعل) في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: آية ١٢٩] قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون. وإتيان (لعل) بمعنى التعليل صحيح معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
فقلتُم لنا كُفُّوا الحُروبَ لعلَّنَا نكُفُّ ووثَّقْتُم لنا كُل موثقِ
«كفوا الحروب لعلنا نكف» أي: كفوا لأجل أن نكف.
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
وقال بعض العلماء (^١): (لعل) هي للرجاء، يعني: على رجائكم أيها الخلق الذين لا تعلمون العواقب وما تؤول إليه الأمور، أما الله (جل وعلا) فهو عالم بما تؤول إليه الأمور فلا تجري له (لعل)؛ ولذا قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ﴾ يعني فرعون ﴿قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: آية ٤٤] على رجائكما أن يتذكر أو يخشى ومبلغ علمكما، أما الله فهو عالم بأنه لا يتذكر ولا يخشى، ولا يجري عليه (لعل). هذان الوجهان معروفان، والتعليل هنا أنسب.
وقوله: ﴿تَهْتَدُونَ﴾ تكونون على طريق الهدى التي هي موصلة إلى القصد والصواب من رضا الله (جل وعلا) ونيل ما عنده من الخلود في الجنة. (^٢) [٢٢/أ] / ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٥٩، ١٦٠].
يقول الله (جل وعلا): ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] موسى هو نبي الله موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام). وقومه: هم بنو إسرائيل.
وأصل (القوم) في لغة العرب: اسم جمع لا واحد له من
_________________
(١) السابق.
(٢) جاء في أول الشريط المسجل لهذا الدرس (كما في إحدى النسخ) ما نصه: «اليوم: يوم الخميس، الموافق ٢/ رمضان المبارك سنة (١٣٩١هـ) » اهـ، وهو التاريخ المثبت كتابيًّا على إحدى النسخ.
[ ٤ / ٢٤١ ]
لفظه، وُضع للذكور دون الإناث، وربما دخلت الإناث فيه بحكم التَّبَع (^١)، والدليل على أنَّ لَفْظَ القوم يختص بالوضع بالذكور دون الإناث قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ فلو دخل النساء في اسم القوم لما كان لقوله: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء﴾ [الحجرات: آية ١١] فائدة، وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى (^٢):
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْري أَقَوْمٌ آلُ حِصْنِ أَمْ نِسَاءُ
فدل على أن العَرَبَ تخص به الذكور، والدليل من القرآن على أن النَّسَاء رُبَّمَا دَخَلْنَ في اسم القوم بحكم التبع: قوله تعالى في ملكة اليمن: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣].
وقوله: ﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ سوَّغ الابتداء به وهو نكرة اعتماده على المجرور قبله. والأمة: الطائفة الكثيرة المتفقة في دين ونحوه، وقد جاء في القرآن العظيم إطلاق الأمة على أربعة معان كلها صحيح موجود في كتاب الله (^٣)، ومنه إطلاق الأمة على الطائفة المتفقة في دين ونحوه، وهذا أكثر إطلاقات الأمة، كقوله هنا: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: آية ٢١٣] ونحو ذلك من الآيات.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
الإطلاق الثاني: إطلاق الأمة على الرجل المقتدى به، كقوله في إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: آية ١٢٠].
الإطلاق الثالث: إطلاق الأمة على القطعة والبرهة من الزمان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: آية ٤٥] أي: تذكر بعد برهة من الزمان وقطعة من الدهر. وهو بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ﴾ [هود: آية ٨] أي: إلى مدة معينة في علمنا.
الإطلاق الرابع: إطلاق الأمة على الشريعة والدين، وهذا الإطلاق مشهور في القرآن، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: آية ٢٣] أي: على شريعة وملة ودين، ومنه بهذا المعنى قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: آية ٩٢] أي: دينكم وشريعتكم شريعة واحدة. وهذا الإطلاق معروف مشهور في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان (^١):
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُك لِنَفْسِكَ رِيبَةً وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ
يعني: أن من كان صاحب دين وشريعة لا يرتكب الإثم قاصدًا أبدًا، وهذا يقوله جاهلي، فكيف بالمسلم، فما ينبغي له أن يقول؟! وهذا معنى قوله: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي: يهدون الناس بالحق، والمراد بالحق الذي يهدون به الناس: هو شرع الله ودينه الذي أنزله على رسله. ﴿وَبِهِ﴾ أي: بالحق المذكور ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يصيبون العدالة
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
المتجافية عن طرفي الإفراط والتفريط. فالعدالة: المشي على الصواب وطريق القصد المتجافي عن طرف الإفراط والتفريط.
وهذه الآية الكريمة دلت على أنَّ مِنْ قَوْمِ مُوسَى أمة طيبة، على الحق، وهذا المعنى جاء مُصرَّحًا بِهِ في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: الآيتان ١١٣، ١١٤] وكقوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لله لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: آية ١٩٩] وكقوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا ﴾ الآية [الإسراء: الآيتان ١٠٧، ١٠٨] وكقوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: آية ٣٦] في أهل الكتاب الذين يفرحون بما أنزل إليه ﷺ، وقد بيّن القرآن أن هذه الطائفة من أهل الكتاب -التي كانت متمسكة بشريعة موسى وبما في التوراة إذا كانت على ذلك حتى آمنت بنبينا محمد ﷺ- أنها تُؤتى أجرها مرتين، أجر إيمانها الأول بموسى وكتابه، وإيمانها بمحمد وكتابه، نص الله على هذا في سورة القصص في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية [القصص: الآيات ٥١ - ٥٤].
وهذا معنى قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ
[ ٤ / ٢٤٤ ]
بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩].
وقد قدمنا في سورة المائدة أن ظاهر القرآن أن هذه الأمة هي الأمة المقتصدة المذكورة في قوله: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: آية ٦٦] وهذه الأمة غاية ما نوَّه الله به عنها أنها مقتصدة، وهذه الأمة الكريمة التي هي أمة محمد ﷺ لمَّا نوَّه عنها وعن كتابها جعل فيها مرتبة أعظم من المقتصدة، وذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: آية ٣٢] فجعل فيهم سابقًا بالخيرات فوق المقتصد، ووعد الجميع ممن أورثوا هذا الكتاب بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ الآية [فاطر: آية ٣٣] فآية فاطر هذه تدل دلالة عظيمة واضحة على عظيم هذه الأمة المحمدية، وعلى عظيم نعمة هذا الكتاب والرحمة والنور الذي أنزل الله إليها من السماء على لسان سيد الخلق ﷺ؛ لأن الله لما قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ بيّن أن إيراث هذا الكتاب علامة الاصطفاء -وهو الاختيار من الله- ثم قسم هذه الأمة التي اصطفاها الله بإيراث هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام (^١): قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ثم نوّه عن أن إيراث هذا الكتاب فضلٌ عظيم من الله قال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إيراثه إياكم ذلك الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ من الله عليكم.
ثم وعد الجمِيع والأول منهم الظالم لنفسه بوعده الصادق إن الله لا يخلف الميعاد ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٦) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: الآيات ٣٣ - ٣٥] ولم يبق عن الطوائف الثلاثة الموعودة بالجنة -ممن لا يخلف الميعاد- إلا الكفار؛ لأن الله ذكر في مقابلتهم الكفار في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: آية ٣٦].
وكان بعض العلماء يقول (^١): «حُق لهذه الواو - في سورة فاطر - أن تُكتب بماء العينين» يعني واو ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ لأنها واو شاملة بالوعد الصادق من الله بجنات عدن لجميع هذه الأمة التي أورثت هذا الكتاب، وعلى رأسهم الظالم لنفسه.
وأصح التفسيرات في (الظالم، والمقتصد، والسابق بالخيرات) في آية فاطر هذه: أن الظالم: هو الذي يطيع الله تارة ويعصيه أُخرى، وهو من الذين قال الله فيهم: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: آية ١٠٢] والمقتصد: هو الذي ينتهي عن المحرمات، ويأتي بالواجبات، ولا يتقرب بالنوافل التي هي غير ترك الحرام أو أداء الواجب. والسابق بالخيرات: هو الذي يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويتقرب إلى الله بالنوافل (^٢).
وقد ذكرنا مرارًا أن العلماء اختلفوا في السبب الذي قُدم من أجله الظالم لنفسه في هذا الوعد العظيم من
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٠٦) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
الله (^١) - الذي لا يخلف الميعاد - بجنات عدن وما فيها من النعيم، فمن أين للظالم لنفسه أن يُقَدَّم على السابق بالخيرات والمقتصد؟
فقال بعض العلماء: هذه الآية من سورة فاطر مقام إظهار كرم رب العالمين، وشدة رحمته ولطفه بعباده، فقدم الظالم لئلا يقنط، وأَخَّر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط.
وقال بعض العلماء: قدم الظالم لنفسه لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ لأن السابقين قليل، والمقتصدون أقل من الظالمين، وهذا معنى قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] وسيأتي حديث عند قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: آية ١٨١] فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ مِثْلَهَا» (^٢) يعني قوم موسى في قوله هنا: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ولكن آية فاطر هذه التي ذكرناها زادت بالسابق بالخيرات، وبالوعد بالجنات للجميع، ففيها من إظهار فضل هذه الأمة ما لم تتناوله إحدى الآيتين هنا في سورة الأعراف.
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٨٦) عن قتادة مرسلًا. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٤٩) كذلك عن قتادة، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير. وعزاه الزيلعي للثعلبي كما في تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٤٧٤).
[ ٤ / ٢٤٧ ]
كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ [الأعراف: آية ١٦٠].
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾، الضمير في ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ عائد إلى قوم موسى، فقوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ فيه وجهان معروفان من التفسير، وبحسبهما يكون القولان في إعراب قوله: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ (^١) قال بعض العلماء: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ أي: صَيَّرْنَاهم قطعًا. وعلى هذا فقطعنا تطلب مفعولين لتضمينها معنى (صيرنا)، ومفعولها الأول: هو الضمير ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾، ومفعولها الثاني: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ أي: صيرناهم اثنتي عشرة فرقة.
وقال بعض العلماء: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ معناه: فرقناهم وميزنا بعضهم عن بعض؛ لأنهم أبناء اثني عشر رجلًا، وكل رجل صار من نسله قبيلة، والسبط في أولاد إسحاق بمعنى القبائل في أولاد إسماعيل، ويعقوب (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) كان له اثنا عشر ابنًا كل ابن منهم وُلد له نسل، فصار كل ابن منهم قبيلة، والقبائل عندهم تسمى (أسباطًا) (^٢). والمفسرون يذكرون أسماء هؤلاء الأسباط الذين تَفَرَّعَتْ منهم القبائل (^٣)، وذِكْرُها إنما هو عن طريق الإسرائيليات؛ ولذا اختلفوا فيها، فمنهم من يقول: هم روبيل، وشمعون، ويهوذا، وربالون، ويشجر، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ويوسف، وشقيقه بنيامين. ومنهم من يذكر غير
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٨٤).
(٢) انظر: القرطبي (٢/ ١٤١).
(٣) انظر: ابن جرير (٢/ ١٢١).
[ ٤ / ٢٤٨ ]
ذلك (^١)، ولا طريق صحيحة تثبت ذلك، إلا أن الأظهر أن هؤلاء الاثنتي عشرة أن كل واحدة منهم من سبط من أولاد يعقوب كما تقدم في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: آية ١٢] لأن كل سبط من هذه الأسباط بعث الله موسى فيه نقيبًا سيدًا يتفقد شؤونه وأحواله؛ لتكون تلك الرجال الاثني عشر يُطلعون موسى على سرائر قومهم فيهون عليه الإصلاح من شؤونهم؛ ولذا قال هنا: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] فعلى أن (قطعنا) بمعنى (صيرنا) فـ (اثنتى عشرة) هو المفعول الثاني، وعلى أن (قطعنا) بمعنى (ميزنا) بعضهم عن بعض، وفرقنا بعضهم عن بعض؛ لنجعل على كل فرقة منهم نقيبًا، فقوله هنا: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هي حال جامدة مؤولة، أي: ميزناهم وفرقناهم في حال كونهم بالغين هذا العدد الذي هو اثنتي عشرة، واختلف العلماء في مميز ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ (^٢)
وظاهر القرآن أن مميزه ﴿أَسْبَاطًا﴾ ولكن المعروف في لغة العرب أن العدد كله من الثلاثة إلى العشرة يميز بالجمع مضافًا إليه العدد، أما غيره من الأعداد فإنه يميز بالمفرد التمييز المطابق للعربية المعروفة لو قيل: قطعناهم اثنتي عشرة سبطًا. وذهب بعض العلماء في الجواب عن هذا إلى أن الأسباط هنا جمع سبط مضمَّن معنى القبيلة، وأن الأسباط: القبيلة تكون فيها أسباط كثيرة، وعليه فالمعنى: قطعناهم اثنتي عشرة قبيلة. فالأسباط بمعنى القبيلة. وهذا مردود لما ذكرنا من أن الأسباط
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري (١/ ١٦٣)، التفسير له (٣/ ١١١ - ١١٣)، القرطبي (٩/ ١٣٠)، البداية والنهاية (١/ ١٩٥). والذين ذكرهم الشيخ (﵀) أحد عشر. والثاني عشر هو: (لاوي) على اختلاف في ضبط أسمائهم.
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٤٨٤) ..
[ ٤ / ٢٤٩ ]
في ذرية إسحاق بمعنى القبائل في ذرية إسماعيل. والذي اختاره غير واحد من المحققين: أن المُمَيَّز محذوف دل المقام عليه: وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرة فِرْقَةً. وقوله: ﴿أَسْبَاطًا﴾ بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ و﴿أُمَمًا﴾ بدل بعد بدل على الصواب، ولا مانع من إتيان البدل بعد البدل كما هو معروف في علم العربية، فقد وُجد في كلام العرب. وهذا معنى قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ كل سبط منهم أمة، أي: خلق وقبيلة كثيرة كثيفة العدد.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ ذكر (جل وعلا) هنا بعض ما أنعم الله به على الإسرائيليين في التيه يُذكِّر الموجودين منهم زمن نبينا نعمه عليهم، وُيذكِّرهم أيضًا كثرة ما هم فيه من الخلاف وعدم طاعة الله ورسله؛ لأن سبب هذا التيه: أن الله لما أنجا موسى وقومه من فرعون، وفلق لهم البحر، وأمرهم بقتال الجبارين، أصابهم الجبن الذي قدمنا شرحه في سورة المائدة، وقالوا لنبيهم موسى: ﴿لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فأصابهم الجبن والخوف، فقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ فضرب الله علبهم التيه أربعين سنة ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: الآيات ٢٤ - ٢٦] يصبحون حيث أمسوا، فإذا مشوا النهار كله أصبحوا من حيث كانوا أمس!! الله ضرب عليهم هذا التيه. وأصحاب الأخبار والتاريخ يطبقون على أن موسى وهارون (عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام) توفيا في التيه (^١)، ثم صار الخليفة بعد موسى يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف (عليهم
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري (١/ ٢٢٣)، البداية والنهاية (١/ ٣١٦).
[ ٤ / ٢٥٠ ]
السلام) وهو الذي فتح الله على يديه كما سيأتي هنا وتقدم في سورة البقرة. ولما كان بنو إسرائيل في التيه هذه الأربعين سنة أصابهم العَطَشُ وشَكَوْا إلى موسى فأوْحَى الله إليه أن اضرب بعصاك الحجر، فضَرَبَهُ فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا. وشكوا له مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فظلل الله عليهم الغمام يقيهم حر الشمس، وشكوا له من الجوع فأنزل الله عليهم المن والسلوى كما تقدم في سورة البقرة (^١) وكما هو مذكور هنا في سورة الأعراف.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] أوحى الله إلى نبيه موسى حين استسقاه قومه. الإيحاء في لغة العرب: هو كل إلقاء بشيء في سرعة وخفاء فهو إيحاء. فهذا معناه اللغوي، والوحي له معنى لغوي ومعنى شرعي كغيره من المعاني (^٢). فالوحي الشرعي معروف، وهو: ما يوحي الله لنبيه بواسطة الملك مثلًا، وربما أوحى إلى النبي بغير واسطة كما أعطى نبينا ﷺ ليلة الإسراء الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، فظاهر حديث ابن مسعود عند مسلم أنه من غير واسطة الملك (^٣). وقد يكون الوحي بواسطة الملك وهو على أنحاء كثيرة معروفة. وأصل الإيحاء في لغة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٣) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى. حديث رقم: (١٧٣)، (١/ ١٥٧). ولفظه: «لما أُسري برسول الله ﷺ انتُهي به إلى سدرة المنتهى -إلى قوله- قال: فأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المُقْحِمَات».
[ ٤ / ٢٥١ ]
العرب: هو كل إلقاء جامع بين الخفاء والسرعة تسمية العرب (وحيًا)، فكل من ألقى شيئًا بخفاء وسرعة فهو وحي في كلام العرب؛ ولأجل ذلك كانت العرب تطلق اسم الوحي على الكتابة، وعلى الإشارة، وعلى الإلهام؛ لأن كلًا من هذه إلقاء في سرعة وخفاء. ويطلقون الوحي على الإلهام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ [النحل: آية ٦٨] أي: ألهمها. ويطلق الوحي على الإشارة، وهو أصح القولين في قوله عن زكريا: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشيًا﴾ [مريم: آية ١١] أي: أشار إليهم.
وتطلق العرب الوحي على الكتابة؛ لأنها معان تُلْقَى بِأَفْعَالٍ سَرِيعَةٍ خُفْيَةً، وإطلاق الوحي على الكتابة إطلاق كثير مشهور في كلام العرب، وكان بعض المفسرين يقول: منه قوله في زكريا: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: كتب لهم، والأظهر: الإشارة، كما يدل عليه قوله: ﴿إِلَاّ رَمْزًا * وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: آية ٤١] وإطلاق العرب الوحي على الكتابة مشهور جدًّا في كلامها، كثير جدًّا في أشعارها، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته (^١):
فَمَدافِعُ الرَّيَانِ عُرِّيَ رَسمُها خَلَقًا كما ضَمِنَ الوُحيَّ سِلَامُها
الوُحيُّ: جمع وحي، وهو الكتابة، وهو (فَعْلٌ) مجموع على (فُعُول)، كَفَلْس وفلوس، ومنه قول عنترة (^٢):
كوحي الصَّحائفِ منْ عهدِ كسرى فأهْدَاهَا لأعْجَمَ طِمْطِمي
_________________
(١) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٣٠)، والمدافع هنا: الأودية التي يتصل بعضها ببعض، كأن بعضها يدفع السيل إلى بعض. و«الريان» واد. و«عُري»: خلا. و«الرسم»: الأثر. و«خلَقًا»: متجردًا بعد جدته.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
وقول نابغة ذبيان (^١):
دارٌ لأَسْمَاءَ بالغَمْرينِ ماثلةٌ كالوَحْيِ ليسَ بها مِن أَهْلِهَا أَرِمُ
وقول نابغة ذبيان أيضًا (^٢):
لِمَنِ الدِّيَارُ غَشيتُها بالفَدْفَدِ كالوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
ومنه قول ذي الرمة (^٣):
سِوَى الأَرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّوَاتِي كَأَنَّهَا بَقِيَّةُ وَحْيٍ فِي بُطُونِ الصَّحَائِفِ
وقول جرير (^٤):
كأنَّ أَخَا الكتابِ يَخُطُّ وحْيًا بِكَافٍ في مَنَازِلِهَا وَلَامُ
وهو كثير مشهور، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ نبي الله موسى بن عمران ﴿إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ حين استسقاه قومه. والمقرر في فن التصريف أن (استفعل) من أبنية الطلب؛ لأن السين والتاء تدلان على الطلب، فاستسقى معناه طلب السقيا، واستطعم طلب الطعام، واستنزل طلب النزول، إلى غير ذلك.
﴿إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ طلبوا منه السقيا، أن يسأل الله لهم فيسقيهم.
وقوله: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ (أن) هذه هي التي يسميها
_________________
(١) البيت في اللسان (مادة: أرم) (٣/ ٨٩٣)، ونسبه لزهير. وليس في ديوان النابغة.
(٢) البيت في ابن جرير (١٣/ ٢٧٠)، القرطبي (٧/ ٣٢٢).
(٣) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٤) السابق.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
علماء العربية: (أن المُفسِّرة) وضابطها: أن يتقدمها معنى القول ولا يكون فيه حروف القول (^١)؛ لأن ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ يتضمن معنى (قلنا لموسى) وليس فيه [حروف] (^٢) القول، ومعنى كونها تفسيرية: أن ذلك الذي أُوحي إلى موسى يفسره ما بعد (أن) وهو الأمر بضرب الحجر لتنبجس منه اثنتا عشرة عينًا. وبعض علماء العربية يقولون: لا مانع من دخول أن المصدرية على الأفعال الطلبية، وعليه فتكون مصدرية على هذا القول.
قوله: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] العصا معروفة، يعرفها كل أحد، وألفها مبدلة من واو، فلو ثنيت لقيل فيها: (عَصَوَان) ومنه قول ذي الرمة -غيلان بن عقبة (^٣) -:
فجاءَتْ بنَسْجِ العنكَبُوتِ كأنَّهُ على عَصَوَيْهَا سابِريٌّ مُشَبْرَقُ
وقوله: ﴿الْحَجَرَ﴾ قال بعض العلماء: هذه الألف واللام تدل على عهد، وأنه حجر كان معهودًا عند موسى. وبعض العلماء يقول: هي لمطلق الجنس. وفيه هنا مقالات إسرائيلية لا يثبت شيء منها (^٤). قوم زعموا أنه حجر مربع كان يحمله في التيه معه في مخلاته ويضربه [بالعصا] (^٥) فكل جهة من جهاته الأربع تنفجر فيها ثلاث عيون، ويكون المجموع اثنتا عشرة عينًا. وقال بعض العلماء: هو كلما نزل في محل أخذ حجرًا منه وضربه فانفجرت منه تلك العيون. وقال
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٢) في الأصل: «معنى» وهو سبق لسان.
(٣) البيت في اللسان (مادة: عصا) (٢/ ٨٠٢).
(٤) انظر: ابن جرير (٢/ ١٢٠).
(٥) في الأصل: «بالحجر» وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
بعض العلماء: هو الحجر الذي هرب بثوبه وقصته مشهورة، وسيأتي الكلام عليها في تفسير سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: آية ٦٩] لأن نبي الله موسى كان بنو إسرائيل في زمنه يذهبون إلى البحر فيغتسلون بعضهم ينظر إلى بعض وهم عراة، وكان نبي الله موسى لا يغتسل حيث يراه أحد، بل يبعد ويغتسل من حيث لا يراه أحد، وكانوا يقولون: ما منعه أن يغتسل بمرأى منا إلا أنه آدر، والآدر: المصاب بالأُدرة، والأُدرة انتفاخ إحدى الخصيتين حتى تعظم وتكبر من مرض. فيومًا وضع ثوبه على حجر فأجرى الله الحجر بالثوب إلى جماعة بني إسرائيل، فاشتد موسى يعدو في أثر الحجر يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى رآه بنو إسرائيل كأحسن ما يكون من الرجال، سالمًا من الأُدرة كل السلامة، فقالوا: والله ما بموسى من بأس (^١). ويذكر بعضهم أنه قيل له: احتفظ بهذا الحجر فإن له لشأنًا، وأنه هو الذي كان يضربه بعصاه. وكل هذه مقالات إسرائيلية لا ثبوت لشيء منها، هذا معنى قوله: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾.
قال في سورة البقرة: ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: آية٦٠] وقال في سورة الأعراف هنا: ﴿فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ وأكثر علماء العربية على أن معنى (الانبجاس)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الغسل، باب من اغتسل عريانًا وحده، حديث رقم: (٢٧٨)، (٢/ ٣٨٥) وأطرافه: في (٣٤٠٤، ٤٧٩٩). ومسلم في الفضائل، باب من فضائل موسى، حديث رقم: (٣٣٩)، (٤/ ١٨٤١) وفي الحيض، باب جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، حديث ر قم: (٣٣٩) (١/ ٢٦٧).
[ ٤ / ٢٥٥ ]
و(الانفجار) أن معناهما واحد واللفظ مختلف، فكل من الانبجاس والانفجار انشقاق واسع ينحدر منه الماء بقوة (^١). وزعم قوم أن الانبجاس أنه يكون أولًا قليلًا ثم لم يزل يكثر حتى يكون انفجارًا. وعلى هذا فقد ذكر في سورة الأعراف بدء انفجار الماء، وفي سورة البقرة منتهاه، والأظهر أنهما سواء، وهو معروف في كلام العرب، وقد قال العجاج (^٢):
وانحَلَبتْ عيناهُ من فَرْطِ الأَسَى وَكِيْفَ غَرْبَيْ دالجٍ تبجَّسا
يعني بقوله: «تَبَجَّسَا» أي: أفرغ ماء كثيرًا في الحوض، وهذا معروف في كلام العرب.
وقوله: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ العين معروفة، وهو كل ماء كثير تسميه العرب عينًا.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ (الأناس) اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمعنى: أن كل أمة من أمم بني إسرائيل علموا مشربهم، أي: عينهم التي يشربون منها؛ لأنهم اثنتا عشرة أسباطًا أُممًا، والحجر فيه اثنتا عشرة عينًا، وكل أمة لها عين، وكل أمة عرفت عينها تشرب منها؛ وهذا معنى قوله: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾.
_________________
(١) انظر: القرطبي (١/ ٤١٩)، الدر المصون (١/ ٣٨٥)، (٥/ ٤٨٧).
(٢) البيت في شواهد الكشاف ص٦٣، وشطره الثاني في اللسان (مادة بجس)، (١/ ١٦١)، والوكيف: مصدر؛ أي: وكفت. والغرب: الدلو العظيم. والدالج: من يأخذ الدلو من البئر فيفرغه في الحوض. والمعنى: انصبت دموع عينيه من شدة الحزن كانصباب دَلْوَي رجل مفرغ لهما في الحوض.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ الغمام: هو السحاب، وهو وعاء الماء. قالوا: وهو سحاب أبيض رقيق يُظَلِّلُهُمُ اللهُ به ويَقِيهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ.
﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ أكثر المفسرين على أن (المن) هو الترنجبين، والترنجبين شيء يشبه العسل الأبيض ينزل كنزول الندى والثلج ثم يجتمع كثيرًا، لونه أبيض، وطعمه طعم العسل، فهو عسل أبيض، أو شيء يشبه العسل الأبيض، بالغ في الحلاوة واللذاذة.
وقال بعض العلماء: المن أعم من هذا، واستدلوا بحديث الصحيحين الثابت عن النبي ﷺ من حديث سعيد بن زيد (﵁) أن النبي ﷺ قال: «الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (^١) وفي بعض رواياته: «مِنَ المَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» جاءت في بعض روايات الحديث. فبعض العلماء يقول: الظاهر أن المَنَّ كان أعم من الترنجبين. وأكثر علماء التفسير يقولون: هو الترنجبين، والحديث على نوع التشبيه. وظاهر حديث النبي ﷺ أن الكمأة من ذلك المن الذي أُنزل إليهم (^٢).
وقوله: ﴿وَالسَّلْوَى﴾ التحقيق أن المراد بالسلوى طائر، وعليه جماعة المفسرين (^٣)، قال بعض العلماء: هو طائر يشبه السُّمَانَى، وقال بعض العلماء: هو السُّمَانَى بعينه، وهو طائر. فالترنجبين شبه الشراب والفاكهة، والسُّمَانَى لحم طير لذيذ. فهو أكل وغذاء عظيم لذيذ.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٧) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
أما تفسير السلوى بالعسل فقوم زعموا أن العرب لا تطلق السلوى على العسل. والتحقيق خلاف هذا، وأن إطلاق السلوى على العسل إطلاق صحيح معروف في كلام العرب، إلا أنه صحيح في العربية وليس صحيحًا في التفسير؛ لأن المراد بالسلوى في الآية ليس العسل، وإن كانت السلوى تطلق على العسل إطلاقًا صحيحًا معروفًا. ومنه قول الهُذلي (^١):
فَقَاسَمْتُهَا بِاللهِ جَهْدًا لأنَتْمُ أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نشورُهَا
السلوى: العسل. ونشورها: نستخرجها. والشَّوْر: استخراج العسل خاصة. هذا معنى قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.
﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: وقلنا لهم. و﴿كُلُواْ﴾ هذا أمر إباحة.
فيه ثلاثة أفعال في اللغة العربية مبدوءة بالهمزة يجوز حذف همزتها في الأمر، ولا نظير لها، وهي: أخذ، وأمر، وأكل (^٢). تقول: في الأمر منها: (خُذ، مُرْ، كُلْ) بقياس مُطَّرد، إلا أن (أَمَرَ) إذا كان قبل الهمزة واو أو فاء كان إثبات الهمزة في الأمر أفصح. ومنه قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: آية ١٣٢] فإن لم يكن قبلها واو ولا فاء فإسقاط الهمزة في الأمر أفصح، كقوله ﷺ: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» (^٣) «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» (^٤) ونحو ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿كُلُواْ مِن
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ كهذا الطائر اللذيذ الذي هو السُّمانَى وهذه الفاكهة العظيمة التي هي المن، أو غير ذلك على أنه أعم من الترنجبين. والطِّيب هنا شامل طِيبَ الإباحة وطِيبَ اللذاذة؛ لأن الطِّيبَ يطلق إطلاقين: يطلق طَيِّبًا من جهة الإباحة وعدم الشُّبْهة، ويُطلق طَيِّبًا من جهة اللذاذة وحسن المأكل، وهو جامع لهما هنا في قوله: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] فهؤلاء اليهود لمَّا أنْعَمَ الله عليهم هذه النعم وخالفوا ادَّخَرُوا من المن والسلوى وهم منهيون عن الادِّخَار، وسيأتي ما بدلوا من القول والفعل ما سلط الله عليهم بسببه من العذاب، قال الله: إن مخالفاتهم عند الإنعام عليهم، ومقابلاتهم إنعام الله بمعاصيه أنهم ما ظلموا الله في ذلك، وما ظلموا إلا أنفسهم، أي: وما ظلمونا بمقابلتهم إنعامنا بالمعاصي ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ هو نص صريح على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه؛ لأن الله نفى ظلمهم له، ونفيه (جل وعلا) ظلمهم له لا يدل على إمكان ذلك سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا (^١).
﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ قدَّم المفْعُول لأجْلِ الاختصاص؛ أي: لا يظلمون بذلك إلا أنفسهم.
[٢٢/ب] / يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ [الأعراف: آية ١٦١].
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
واذكر يا نبي الله خسائس هؤلاء اليهود العريقة في أسلافهم؛ ليُعلم بذلك أن تكذيبهم لك وإنكارهم لما عندهم من صفاتك أنه أمر أصله فيهم وفي أسلافهم. واذكر ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ حين قال لهم الله على ألسنة أنبيائه ﴿اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ قوله: ﴿اسْكُنُواْ﴾ أمر من السكنى لا من السكون الذي هو ضد الحركة؛ لأن الأمر بالسكون الذي هو ضد الحركة سجن وحبس، فهو أمر بالسُكنى، وأن يتخذ ذلك البلد مسكنًا، وكون البلد مسكنًا له لا ينافي أن يتجول في أنحائه ويتنعم فيها، كما قال هنا بعد الأمر بقوله: ﴿اسْكُنُواْ﴾ ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ هذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾.
وأكثر المفسرين على أن هذه القرية هي بيت المقدس. وبعض المفسرين يقول: هي أريحا. وبعضهم يقول غير ذلك، فهي قرية في فلسطين من قرى الشام (^١)؛ لأن الشام كان يطلق أولًا على ما يضم دمشق وفلسطين والأردن وغير ذلك من نواحيه، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية: هي المحل الذي يجتمع فيه السكان، من: قريتَ الماء في الحوض: إذا جمعته.
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي: كلوا من ثمارها وحبوبها وزروعها حيث شئتم؛ لأنهم كانوا في التِّيهِ يَتَمَنَّوْن الأكْلَ من ذلك كما قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ وقد قال لهم: ﴿اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
آية ٦١] ولما أُمروا بدخول هذه القرية وبسُكْنَاها أُمروا بالأكل من ذلك أمر إباحة وتكريم ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها وحبوبها وزروعها وغير ذلك.
وقوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أصل (حيث) في لغة العرب كلمة تدل على المكان كما تدل (حين) على الزمان، وربما ضُمِّنت معنى الشرط، ويجوز في العربية لا في القراءة تثليث فائها وإبدال يائها واوًا كما هو معروف في علم العربية (^١).
قوله: ﴿شِئْتُمْ﴾ أي: مِنْ أَيّ مكان من هذه القرية أرَدْتُمْ أن تأكلوا مِنْ ثِمَارِهَا وحبوبها، وهذا معنى قوله: ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وهذا الأكل رَغدًا بدليل ما تقدم في سورة البقرة: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة آية ٥٨].
وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ لما كان في التيه مات نبي الله هارون أولًا، ثم مات موسى في التيه كما أطبق عليه المؤرخون (^٢). ثم إن خليفة موسى كان يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف، وهو الذي فتح الله عليه هذه القرية قرية الجبارين بيت المقدس أو أريحا، وقيل غير ذلك. لما فتح الله عليهم أَمَرَهم أن يشكروا لله نعمته التي أنعمها عليهم فأمرهم بقول، وأمرهم بفعل، أما الفعل: فقد أمرهم بأن يدخلوا الباب سُجَّدًا، أي: يدخلوا من باب القرية التي فتحها الله لهم سُجَّدًا. قال بعض العلماء: المُراد بالسجود هنا: الركوع تواضعًا وانحناءً وتعظيمًا لله، وشكرًا له على نعمة الفتح. وقال بعض
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٢٦١ ]
العلماء: هو السجود على الجَبْهَة، يسجدون (^١). ثم إنهم أُمروا أيضًا بقول، وهو أن يدخلوا الباب وهم يقولون: (حطة) وأكثر المفسرين -وهو ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة- أنهم تُعبدوا بهذه اللفظة (حطة). وقراءة الجمهور التي لا يجوز العدول عنها: ﴿حِطَّةٌ﴾ بالرفع، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، والحطة فِعْلة من الحط الذي هو الوضع. والمعنى: مسألتنا لربنا هي حِطَّةٌ لذنوبنا وأوزارنا. معناه: مسألتنا لك أن تحط عنا ذنوبنا وأوزارنا، فهي كلمة استغفار تُؤْذِنُ بِحَطِّ الذنوب ووضع الأوزار، وهي خَبَر مبتدأ محذوف، (فِعْلَة) من الحط، بمعنى الوضع، هذا معناه. وقال بعض العلماء: الحطة: الكلمة التي تحط الذنوب، وهي لا إله إلا الله، والقول الأول أظهر.
وقد ثبت في صحيح البخاري وغيرِه من حديث أبي هريرة (﵁) أنهم أُمروا بقول وأمروا بفعل، وأَمْرهم بالقول والفعل كلاهما مذكور في القرآن؛ لأن الله أمرهم بأن يدخلوا الباب سجدًا، وهو الفعل الذي أُمروا به، وأمرهم أن يقولوا: حطة، وهو القول الذي أُمروا به، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره أنهم بدلوا القول الذي قيل لهم بقول غيره، وبدلوا الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] قال بعض العلماء: في الكلام حذفان، أي: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، وبالفعل الذي قيل لهم فعلًا غير الذي قيل لهم، فالفعل الذي قيل لهم -وهو دخولهم الباب سجدًا- بدلوه فدخلوا يزحفون على أستاههم، كما ثبت
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
في حديث البخاري المذكور (^١)، وبدلوا القول الذي قيل لهم فقالوا مكان حطة: حبة في شعرة. وفي بعض روايات الحديث في غير البخاري: حنطة في شعرة. فبدلوا القول وبَدَّلُوا الفِعْلَ، وقابلوا نعم الله بالكفران والمعصية في الأقوال والأفعال -عياذًا بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٦١].
في هاتين الكلمتين بضميمة إحداهما إلى الأخرى أرْبَعُ قِراءَات سَبْعِيَّات كلها صحيحة متواترة عن النبي ﷺ (^٢)، فقرأه نافع وحده من السبعة ﴿وادْخُلُوا الباب سُجَّدًا تُغْفَرْ لكُمْ خَطِيئاتُكُمْ﴾ بضم تاء (تُغفَر) وفتح الفاء مبنيًّا للمفعول. و(خطيئاتُكم) هو جمع مؤنث سالم، هو نائب فاعل (تُغْفَر) فهذه قراءة نافع وحده.
وقرأه الشامي -أعني ابن عامر- وحده من السبعة: ﴿وقُولُوا حِطَّة وادْخُلوا البَابَ سُجَّدًا تُغْفَرْ لَكُمْ خَطِيئَتُكُمْ﴾ فقراءة ابن عامر كقراءة نافع إلا أن نافعًا قال: ﴿خَطِيئَاتُكُمْ﴾ بالجمع، وابن عامر قرأ ﴿خَطِيئتُكُمْ﴾ بالإفراد، واكتسبت العموم من إضافتها إلى الضمير.
وقرأ أبو عمرو وحده: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِر لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بـ (نغفر) بنون العظمة، و(خطاياكم) جمع تكسير.
وقرأ الباقون من السَّبْعَةِ وهم: ابن كثير، وعاصِم، وحمزة، والكِسَائي: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة.
(٢) انظر المبسوط لابن مهران ص٢١٥، وراجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
خَطِيئَاتِكُمْ﴾ بكسر التاء جمعًا مؤنثًا سالمًا، والكسرة علامة النصب. هذه القراءة -في الآية- الصحيحة، ومعناها شيء واحد كما ترون.
الغفران في لغة العرب: هو الستر والتغطية.
والخطايا والخطيئات: جمع خطيئة وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال يُقال لها: (خَطِيئَة) و(خِطْء) ومنه قوله: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٣١] ويقال لمرتكبها عمدًا: (خاطِئ) ومنه قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: آية ١٦] وقوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَاّ الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: الآيتان ٣٦، ٣٧] فالخاطئ بصورة الفاعل إنما هو على مرتكب الخطيئة عمدًا، أما مرتكب الذنب غير عامد فهو المُسمَّى بالمخطئ، فلا يقال له: خاطئ كما هو معلوم.
وعلى قراءة (نغفر) فصيغة الجمع للتَّعْظِيمِ، عظم الله (جل وعلا) نفسه، هذا معنى قوله: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾.
﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٦١] هذا استئناف، فكأن قائلًا قال: وماذا بعد غفران الخطايا؟ قال: سنزيد المحسنين. السين للتنفيس، وهو وعد صادق من الله.
واختلفت عبارات المفسرين في المراد بالمحسنين، ولا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لأن خير ما يُفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة نبينا محمد ﷺ، وقد فسر المحسنين تفسيرًا ثابتًا في الصحيح فلا ينبغي العدول عنه لغيره وذلك ما هو مشهور في حديث جبريل لما جاء في صورة الأعرابي وقال للنبي ﷺ: «يا محمد أخبرني عن الإحسان».
[ ٤ / ٢٦٤ ]
فقال ﷺ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١). وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^٢) أن سؤال جبريل هذا ليُعَلِّم أصحاب النبي ﷺ معنى الإحسان أنه سؤال عظيم مُحتاج إليه غاية الحاجة، وذلك أن الله (جل وعلا) بيّن في آيات من كتابه أن الحكمة التي خلق مِنْ أجْلِهَا خَلْقَهُ وسَمَاوَاتِه وأرضه هي أن يبتلي الخلق، أي: يختبرهم في شيء واحد هو إحسانهم العمل ليظهر مَنْ يُحْسِن منهم عمله ومن لا يُحْسِنُهُ، كما قال تعالى في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بَيَّن الحِكْمَة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: آية ٧] ولم يقل: أيكم أكثر عملًا. وقال في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بيَّن الحكمة بقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: آية ٧] وقال في أول سورة الملك ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بيّن الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: آية ٢] فاتضح في هذه الآيات أن الإحسان (^٣)
هو الذي خُلقتم من أجل الابتلاء فيه -ولا ينافي هذا قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: آية ٥٦] أي: إلا لآمرهم بالعبادة على ألسنةَ رُسُلِي فأبْتَلِي مُحْسِنَهُمْ من غير محسنهم، كما لا يخفى- صار الإحسان محتاجًا إلى معرفته؛ ولذا سأل جبريل عنه وأجابه النبي ﷺ بأنه: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». والإحسان مصدر أحْسَن العَمَلَ يُحْسِنُهُ إِحْسَانًا: إذا جاء به حَسَنًا مُتْقَنًا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
(٣) السابق ..
[ ٤ / ٢٦٥ ]
لا نَقْصَ فِيهِ ولا وصم. وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون (جل وعلا).
وقد قَدَّمْنَا فِي هَذِهِ الدروس مرارًا (^١) أن العلماء أجمعوا على أنه لم ينزل الله واعظًا من السماء إلى الأرض ولا زاجرًا أكْبَر مِنْ وَاعِظِ المُرَاقَبَة المُعَبَّر عنه هنا بالإحسان، وقد ضرب العلماء لهذا مثلًا قالوا: لو فرضنا أن في هذا البراح من الأرض ملكًا عظيم البطش، شديد النكال، وسيَّافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط، والسيف يقطر منه الدم -ولله المثل الأعلى- وهذا الملك الذي هذا بطشه وشدته ينظر، أترى أن أحدًا من الحاضرين يهتم بريبة مع بناته أو زوجاته أو نسائه؟! لا، كلهم خاشع الطرف، ساكن الجوارح، أمنيته السلامة -ولله المثل الأعلى- فرب العالمين أعظم اطلاعًا وأشد بطشًا، وحِمَاه في أرضه محارمه، فمن لاحظ أن رب السماوات والأرض مطلع عليه، وأنه يرى كل ما يفعل إن كان عاقلًا لا بد أن يُحاسِب.
ولو علم أهل بلد أن أمير ذلك البلد بات مطلعًا على كل ما يفعلون من القبائح والخسائس لكفوا عن كل ما لا ينبغي، ولم يرتكبوا إلا ما يجمل -ولله المثل الأعلى- فكيف بخالق السماوات والأرض الذي يعلم خطرات القلوب، وكيف يجهل خطرات القلوب خالق خطرات القلوب؟ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: آية ١٤] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: آية ١٦] معناه: أن المحسنين الذين يراقبون
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
الله ويعبدونه كأنهم يرونه أن الله يزيدهم على هذه المراقبة وهذه النية وهذا الإحسان لِلْعَمَلِ يزيدهم أجرًا على أجرهم، وقد جاءت آية في سورة يونس تدل على أن إحسان العمل يزيد الله صاحبه النظر إلى وجهه الكريم كما يأتي في تفسير قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: آية ٢٦] فقد جاء في الصحيح أن المراد بالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم (^١). وبذلك فسر بعض العلماء قوله تعالى في (ق): ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: آية ٣٥] ومعنى الآية: أن المحسنين الذين يراقبون الله عند الأعمال ويعبدونه كأنهم يرونه يزيدهم أجرًا، ولا مانع من أن يكون مما يزيدهم: النظر إلى وَجْهِهِ الكريم كما فُسِّرَتْ بِهِ آية يونس المذكورة آنفًا. وهذا معنى قوله: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٦١].
وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] لم يقل: فبدلوا. وعدل عن الضمير إلى الظاهر ليسجل عليهم ظلمهم وينيط ما نزل عليهم باسم الظلم الذي ارتكبوا. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^٢) أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم هو وضع الشيء في غير محله، فكُلّ مَنْ وضَعَ شَيْئًا في غير موضعه فقد ظلم في لغة العرب، وهذا معروف في كلامهم، ومنه قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب قالوا: هو ظالم؛ لأنه وضع ضرب اللبن في غير موضعه؛ لأن ضَرْبَه قبل أن يروب يفسد زبده فهو ظلم؛ لأنه وضع للضرب في غير موضعه، وفي لُغَز الحريري في مقاماته: «هل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا» (^١) يجوز أن الحاكم إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من توليته إذا كان من أهل العلم. وهذا معنى مطروق في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^٢):
وقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُم سِقَائِي وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكدِ الظَّلِيمِ
(ظلمت لكم سقائي) أي: ضَرَبْتُهُ لكم قبل أن يروب. والعَكَد: عصب اللسان، لا يخفى عليه اللبن المضروب قبل أن يروب من غيره. ونظيره قول الآخر (^٣):
وصَاحبِ صِدْقٍ لم تردني شَكَاتُه ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي له عامدًا أجْرُ
يعني سقاءه ضربه قبل أن يروب. ومن هذا المعنى قيل للأرض التي حُفر فيها وليست محلًا للحَفْرِ مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان (^٤):
إلا الأَوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها والنُؤيُ كالحَوْضِ في المظْلُومَةِ الجَلَدِ
وقالوا لتراب القبر: ظليم. فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مظلوم؛ لأن القبر يُحْفَرُ غَالِبًا في محل ليس محتاجًا للحفر سابقًا، ومنه قول الشاعر يصف رجلًا مقبورًا (^٥):
فأَصْبَحَ في غَبْراءَ بعد إِشَاحَةٍ من العَيشِ مردودٍ عليها ظَلِيْمُها
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
(٥) السابق.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
هذا معروف في كلام العرب، وإذا عرفتم أن الظلم في لغة العرب معناه: وضع الشيء في غير موضعه فاعلموا أن أعظم أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير من خلق، فمَنْ أكَلَ رِزْقَ اللهِ الذي خلقَهُ ورزقه وعبد غيره فقد وَضَعَ العبادة في غير موضعها فهو ظالم، ولذا كثر في القرآن إطلاق الظلم على الشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: آية ٨٢] قال: بشرك. ثم تلا قوله تعالى عن لقمان الحكيم: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^١) [لقمان: آية ١٣] فوضع العبادة في غير مَنْ خَلَقَ هو أكبر أنواع الظلم. وكذلك وضع الطاعة في غير موضعها، كالذين يعصون الله ويطيعون الشيطان وذُرِّيَّتَهُ فقد وضعوا الطاعة في غير موضعها حيث أطاعوا عدوهم إبليس ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: آية٥٠]. وقد عصوا الله فوضعوا المعصية في غير موضعها، والطاعة في غير موضعها. ومن هنا كان الظلم ظلمان: ظلم بالكفر المخرج عن الإسلام، وظلم دون ظلم، وهو ظلم النفس بارتكاب المعاصي؛ لأن كلًا منهما وضع الشيء في غير موضعه، وقد جاء في موضع واحد من القرآن في سورة الكهف وضع الظلم بمعنى النقصان، وهو قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
شيئًا﴾ [الكهف: آية ٣٣] يعني: ولم تنقص منه شيئًا كما سيأتي. وهذا معنى قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] يعني وضعوا الأمر في غير موضعه حيث قابلوا نعم الله بالعصيان، وعصوا الله، وأطاعوا إبليس.
بدَّل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم وهو (حطة) بدلوه قولًا غير الذي قيل لهم فقالوا: حبة في شعرة، أو حنطة في شعيرة، أو غير ذلك من الألفاظ. وقد قدمنا أن كون الذي قالوه (حبة في شعرة) ثابت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة (^١).
وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ هو معنى: ﴿فَأَنزَلْنَا﴾ [البقرة: آية ٥٩] عليهم في سورة البقرة.
﴿رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الرجز بكسر الراء: العذاب. قال المفسرون: هو طاعون أنزله الله بهم فأهلك منهم سبعين ألفًا في مدة قليلة.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] الباء سببية و(ما) مصدرية. أي: بسبب كونهم ظالمين واضعين الأمر في غير موضعه حيث يعصون الله ويطيعون الشيطان، ويقابلون النعم بالمعاصي. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢].
﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: آية ١٦٣].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
قصة هذه القرية كان يخفيها اليهود لأنها سُبة عليهم، وإخبار النبي ﷺ لهم بها وسؤالهم عنها مع أنه نبي أمي من معجزاته وأدلة نبوته؛ لأنه ما علمها إلا عن طريق الوحي.
وسنذكرها ملخصة موجزة ثم نذكرها مفصلة في الآيات التي شَرَحَتْها. وقد ألممنا بهذه القصة في هذه الدروس في سورة البقرة (^١) في الكلام على قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: آية ٦٥] فآيات سورة الأعراف هنا بسط وشرح لقوله في البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾.
هذه القرية يزعم المفسرون -أغلبهم وأكثرهم- أنها قرية تسمى (أيلة) قريب من العقبة، على ذلك الشاطئ، بين الطور ومدين، وأنها في زمن داود (﵇) كان محرم عليهم الاصطياد في السبت كما تقدم في قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: آية ٧٨] وكان يشتد قرمهم إلى لحم السمك -والقَرَمُ بفتحتين: شهوة اللحم- وكان الله افتتنهم فتنة، كان إذا كان يوم السبت جاءهم السمك على وجه البحر أفواجًا أفواجًا كالكباش البيض حتى يتمكن كل إنسان من أخذ ما شاء منه في أحسن حال وأسمنها، فإذا غربت شمس يوم السبت تمنَّع في البحر فلا يقدرون على شيء منه!! وهذا ابتلاء وامتحان لهم، فمكثوا من الزمن بهذا ما شاء الله، ثم بعد ذلك اشتدت شهوتهم إلى اللحم فصاروا يحتالون على السمك يوم الجمعة -مثلًا- فيحفرون فَيُجْرُون
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٧١ ]
في الماء أخاديد يسيل فيها الماء، فإذا انتهت حفروا حُفرًا عميقة، فإذا جاء الحوت مع تلك الأخاديد المائية نزل في الحفر فلا يَقْدِر على الرجوع فأخذوه يوم [الأحد]!! (^١) وكان بعضهم -فيما يقولون- يجعل في ذنب الحوت خيطًا ويدُقّ وتدًا على الشَّاطِئِ، ويمسك رأس الخيط فيه، فيبقى الحوت في الماء ممسكًا بالخيط، فإذا غَرَبَتِ شَمْسُ يَوْمِ السبت جاء وأخذه، فلمَّا فعلوا هذه الحيل ولم يعاجلهم العذاب كأنهم تجرءوا وتشجعوا وقالوا: لعل حرمة صيد السمك رفعها الله؛ لأنه لم يفعل بنا بأسًا، فلم يزالوا يتدرجون في الحيل حتى صار بعضهم يصطاده علنًا ويملحونه ويبيعونه في الأسواق، وكانوا ثلاث طوائف:
طائفة باشرت العدوان يوم السبت واصطياد السمك، وطائفة نهتهم عنه وقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٤] وطائفة قالوا للذين نهتهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، والله بيّن أن الذين اعتدوا في السبت عَذَّبَهُمْ عَذَابًا بئيسًا وهو مسخهم قِرَدَة، وقيل: بعضهم خنازير، كما يأتي تفصيله، كما ذكره في قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: آية ١٦٦] وفي قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥].
والطائفة الذين نهت أنجاهم الله كما ذكره بقوله: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥] وبقيت الطائفة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ فبعض العلماء يقول: هم مع الهالكين،
_________________
(١) في الأصل: «السبت» وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
والمحققون يقولون: هم ناجون؛ لأنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا لقومهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٤] وذكروا عن عكرمة أنه كان يقول: إن ابن عباس ما كان يدري هل نجوا أو هلكوا حتى أقنعه عكرمة بأنهم نجوا فكساه حُلَّة (^١). ومن أظهر الأدلة في أنهم نجوا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [البقرة: آية ٦٥] فرتب بالفاء قوله: ﴿قِرَدَةً﴾ لخصوص الذين اعتدوا، وهؤلاء لم يعتدوا بل إنما لم يُذكر عنهم أنهم نهوا. ولما كانوا يفعلون هذا، وصاروا يصطادون السمك علنًا، ونهاهم قومهم قال لهم قومهم: والله لا نساكنكم؛ لأنا نخاف أن ينالنا العذاب الذي سينزل عليكم. فيذكر المفسرون في قصتهم أنهم قسموا القرية، ويزعمون أن الذين اصطادوا قُربًا من سبعين ألفًا، وأن الذين نهوا قُربًا من اثني عشر ألفًا، والله أعلم. فهي إسرائيليات لم يثبت فيها شيء. قالوا: فجعلوا بينهم حائطًا، وقسموا القرية بينهم نصفين، لكل منهم مدخل ومخرج غير مدخل الثاني ومخرجه، فمكثوا على ذلك ما شاء الله، ثم لما كان ذات يوم فإذا قرية المعتدين لم يفتح بابها، ولم يخرج منها أحد، فتسوروا عليهم الحائط فوجدوهم -والعياذ بالله- مُسخوا قردة.
يذكر المفسرون أن الواحد من القردة يعرف نسيبه من
_________________
(١) أخرحه ابن جرير (١٣/ ١٨٧، ١٨٨، ١٩٣)، وأورده السيوطي في الدر (٣/ ١٣٨) وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. وقد جاء في هذا المعنى رواية أخرى أخرجها عبد الرزاق (١٢/ ٢٤٢)، وابن جرير (١٣/ ١٨٩ - ١٩٠)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ١٣٧) وعزاها لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
الآدميين الذين لم يُمسخوا فيجيئه ويتمسح به ويبكي، وأن الآدميين يقولون: ألم ننهكم عن انتهاك حرمات الله؟ وأنهم يشيرون برؤوسهم أن نعم -هكذا- وسيأتي هذا مفصلًا بحسب الآيات التي ذكره الله فيها من سورة الأعراف هذه. وهذا معنى قوله: ﴿واسْأَلْهُمْ﴾ يا نبي الله.
قرأه أكثر السبعة: ﴿واسْأَلْهُمْ﴾ وخفف بعضهم بنقل الحركة (^١) ﴿وسَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾.
﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ معناها: مَبْنِيَّةً على شاطئه بحضرته قريبًا منه، وهو على ما يقوله أكثر المفسرين قرية تسمى (أيلة) خلافًا لمن زعم أنها (مدين)، ومن زعم أنها (طبرية)، ومن زعم أنها تُسمى مَعَنَّى (^٢)، ومن زعم أنها تُسمى (مقنات) فكل هذا إسرائيليات، ولكن أكثر الأخبار والروايات أنها (أيلة) كما ذكرنا (^٣). وهذا معنى قوله: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٣] اسألهم عنهم حين ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾.
_________________
(١) انظر: الإتحاف (٢/ ٦٦).
(٢) جاء في تفسير مبهمات القرآن (١/ ٤٩٥) ما نصه: « وقيل: (مقْنَا) بالقاف ساكنة، ويقال: (مقْنات)، و(معَنَّى) بالعين المفتوحة ونون مشددة، وهي ساحل مدين» اهـ. وقد أفاد محقق الكتاب أن (مغَنَّى) كُتبت في جميع نُسخ الكتاب بالعين المهملة المفتوحة، وقد اعتمد في كتابتها بالغين على المحرر الوجيز لابن عطية؛ لأن المؤلف صرح بنقلها عنه. والمقصود أن (معَنَّى) سواء كانت بالغين أم بالعين هي و(مقْنات) مكان واحد.
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٨٠ - ١٨٢)، القرطبي (٧/ ٣٠٤)، الدر المنثور (٣/ ١٣٦)، تفسير مبهمات القرآن للبلنسي (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥).
[ ٤ / ٢٧٤ ]
﴿يَعْدُونَ﴾ معناه: يجاوزون حدود الله، وينتهكون أوامره باصْطِيَادِ السَّمَكِ يَوْمَ السبت ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾ حين تأتيهم ﴿حِيتَانُهُمْ﴾ الحيتان: جمع حوت، وياؤه مبدلة من واو؛ لأن أصل الحوت ثلاثي واوي العين، زيدت في جمعه الألف والنون وأُبدلت الواو ياء لسكونها بعد كسرة، كما في (الميزان) من الوزن، و(الميعاد) من الوعد، و(الميقات) من الوقت، و(الحيتان) ياؤه مبدلة من واو جمع حوت (^١).
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ السبت مصدر سَبَتَ اليهود سَبتًا إذا عظموا يوم السبت بالانقطاع للعبادة فيه وترك صيد السمك. وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٣] ﴿شُرَّعًا﴾ جمع شارع. قال بعض العلماء: تأتيهم مقبلة، تأتيهم الحيتان مقبلة ظاهرة على وجه الماء كأنها صفوف كثيرة حتى تستر وجه الماء من كثرتها، فالشُرَّع على هذا بمعنى الظاهرة المقبلة على وجه الماء، والعرب تقول: شرعت على فلان فوجدته يفعل كذا. معناه: أقبلت عليه حتى قربت منه فوجدته يفعل كذا.
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ أي يوم لا يعظمون السبت؛ لأنه يوم آخر من أيام الأسبوع ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ فتنة لهم وامتحانًا ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ البلاء العظيم ﴿نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿نَبْلُوهُم﴾ معناه: نختبرهم بسبب كونهم فاسقين، فقد ابتُلوا بالطمع ولم ينجحوا، وقد ابتُلوا بالخوف ولم ينجحوا؛ لأن الابتلاء الذي يميِّز
_________________
(١) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٨٧.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
ذهب الرجال من زائفهم هو الطمع والخوف، فإن المحن التي يظهر بها ذهب الرجال وإِبْرِيزهم إنما هي محن الخوف والطمع، وقد ابتلى الله أمة موسى بالخوف والطمع، وابتلى أمة محمد بالخوف والطمع، فنجحت أمة محمد ولم تنجح أمة موسى؛ لأن الطمع الذي ابتلى الله به بني إسرائيل هو هذه القرية التي ذكرنا، وسيأتي أنهم اصطادوا السمك في السبت فمُسخوا قردة كما يأتي في قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [الأعراف: آية ١٦٦] والعياذ بالله؛ لأنهم لم يصمدوا أمام الطمع، ولم تَقْوَ شكائمهم أمام الطمع، بل ذابوا وانْمَاعُوا أمام طمع شهوة اللحم. وكذلك لما ابتلاهم بالخوف في جهاد الجبارين وقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: آية ٢١] فجبنوا ولم يشجعوا.
وقال تعالى عنهم إنهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ [المائدة آية ٢٢] وقد قالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: آية ٢٤] فلم يثبتوا أمام عواصف الطمع، ولم يثبتوا أمام عواصف الخوف، بخلاف هذه الأمة الكريمة أمة محمد ﷺ، فقد ابتلاهم بالطمع بنفس الصيد، وذلك في غزوة الحديبية في ذي القعدة من عام ست، ابتلاهم الله وهم في سفر وشدة قَرَم -أعني شدة شهوة إلى اللحم- ابتلاهم بأن يسر لهم جميع أنواع الصيد وهم محرمون، كبير الصيد وصغيره من أنواع الوحوش والطير وغير ذلك فلم يمد رجل منهم يده إلى شيء من ذلك، فنجحوا ولم تُزعزعهم عواصف الطمع، بل ثبتوا أمامه ثبوت الرجال، وهذا قد تقدم (^١)
في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة ..
[ ٤ / ٢٧٦ ]
لَيَبْلوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشيء مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: آية ٩٤] فثبتوا ولم تزعزعهم عواصف الطمع، وكذلك ابتلاهم بالخوف لما سافر النبي ﷺ سفره في غزوة بدر الكبرى كما سيأتي تفاصيله في سورة الأنفال -إن شاء الله تعالى- وقد خرج لأجل عير في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر رجلًا يريدون عيرًا ليأخذوها، فجاءهم جيش عرمرم، نفير مسلح، فلما علم النبي ﷺ بالجيش وذكر أمرهم لقومه -وهو أمر مخيف؛ لأنه جيش عظيم في عَدَدِه وعُدَدِه وهم قليلون كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: آية ١٢٣] هم قليل عَددهم وعُددهم بالنسبة إلى عدوهم فلما عرض ذلك عليهم- قال له المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود من بني بهراء من قبائل اليمن، حليف قريش، قال له: والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا من دُونَهُ معك، ولو خضت بنا البحر لخضناه، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى فلما أعاد الكلام قال له سعد بن معاذ (﵁ وأرضاه): كأنك تعنينا معشر الأنصار؟ قال: نعم. لأن الأنصار اشترطوا عليه ليلة العقبة أنهم يحمونه مما يحمون منه أبناءهم ونساءهم في نفس المدينة، ولم يشترطوا له الخارج عن بلادهم، فكان ﷺ يتخوف ألا يكونوا معه في الخارج عن ديارهم، فلما قال له سعد بن معاذ (﵁): كأنك تعنينا معشر الأنصار؟ قال له: نعم. قال كلامه المعروف المشهور في المغازي والتاريخ -العظيم الدال على عظيم الثبات- الذي يقول فيه: والله إنا لقوم صُبُرٌ في الحرب، صُدَّقٌ عند اللقاء، ووالله ما نكره أن تلقى بنا عدوك حتى ترى منا ما يقر عينك، والله لقد تخلف عنك
[ ٤ / ٢٧٧ ]
بالمدينة أقوام لو علموا أنك تلقى كيدًا ما تخلف عنك منهم أحد (^١).
ونحو هذا من الكلام؛ فثبتوا وصمدوا عند هذا الخوف العظيم، وثبتوا أمام هذا الطمع العظيم، بخلاف الاسرائيليين -كما بيّنا وكما جاء هنا في الأعراف- من سقوطهم أمام الطمع، وكما قدمنا في سورة المائدة من سقوطهم أمام الخوف، وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٣] البلاء معناه الاختبار، وهو يقع بالخَيْرِ والشَّرِّ، كما قال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]، ولم ينجحوا في هذا البلاء إلا الذين عَصَمَهُم الله جل وعلا.
[٢٣/أ] / ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَاّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: الآيات ١٦٤ - ١٧٠].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ [الأعراف: آية ١٦٤].
قرأ هذا الحرف عامة القراء منهم السبعة غير عاصم في رواية حفص خاصة: ﴿معذرةٌ إلى ربكم﴾ بضم التاء، وقرأهُ عاصمٌ وحده في رواية حفص: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ بنصب التاء (^١).
أما على قراءة الجمهور فـ ﴿مَعْذِرَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: موعظتنا لهؤلاء معذرة عند الله. أو هذه الموعظة معذرة.
أما على رواية حفص عن عاصم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ففي إعرابه وجهان:
أحدهما (^٢): أنه مفعول من أجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة. أي: لنقيم عذرنا عند الله.
الثاني: أنه مفعول مطلق، أي: نعتذر بذلك معذرة عند الله جل وعلا (^٣).
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾ واذكر يا نبي الله ﴿وَإِذَ قَالَتْ﴾ حين قالت أمة منهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦.
(٣) انظر: حجة القراءات ص٣٠٠، القرطبي (٧/ ٣٠٧)، الدر المصون (٥/ ٤٩٥).
[ ٤ / ٢٧٩ ]
مُهْلِكُهُمْ﴾ الميم في قوله: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ هي ما الاستفهامية. والمقرر في علم العربية أنّ ما الاستفهامية إذا جُرَّت حُذف ألفها كما هو معروف، والمعنى: لأي موجب تعظون؟ (تعظون) مصدر وعظه يعظه إذا كلّمه كلامًا يلين له قلبه لينتهي عما لا يرضي الله. ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأي موجب وأي حكمة تعظون قومًا متمرِّدين مُتَمَادِين على العصيان وعدم الانكفاف ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ إهلاك استئصال ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ لجراءتهم عليه وانتهاكهم حرماته.
وهذه الطائفة قال بعض العلماء: هي أشد الذين نَهوا، وإنما قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأنها جرّبت وعظهم وعلمت أنهم لا فائدة فيهم ولا ينزعون ولا يُقْلعون. وقال بعض العلماء: هذه الطائفة الثالثة التي لم تباشر الاعتداء في السبت ولم تنهَ الذين اعتدوا في السبت. وقد ذكرنا أنّ العلماء اختفلوا فيها، وأنّ أظهر القولين: أنها نجت كما أقنع به عكرمة ابن عباس (﵁)، وكما يدل عليه ترتيبه بالفاء في قوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [البقرة آية ٦٥] في سورة البقرة على خصوص الاعتداء في السبت خاصة في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ فرتب قوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾ على خصوص الاعتداء في السبت. وهذا معنى قوله: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ إهلاكًا مستئصلًا ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ نعتذر بموعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. أو وَعظناهم لأجل المعذرة عند ربكم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ولرجائنا أيضًا أن تؤثر فيهم الموعظة فيتقوا الله ويكفوا عن ما هم مصرون عليه من ارتكاب هذا الذنب العظيم الذي هو صيد السمك يوم السبت.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
وهذه الآية الكريمة جاء فيها بيان حكمتين من حِكَم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن استقراء القرآن دل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له حِكَمٌ ثلاث تضمنت هذه الآية من سورة الأعراف من تلك الحكم الثلاث اثنتين، أمّا الحِكَم الثلاث (^١):
فالأُولى منها: أن يقيم الإنسان عذره أمام ربه، ويخرج بذلك الأمر من عهدة التقصير في الأمر بالمعروف؛ لئلا يدخل في قوله: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: آية ٧٩] وهذه الحكمة أشاروا لها بقوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
الحكمة الثانية: هي رجاء انتفاع المذكر، كما قال هنا عنهم: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وذكر الله هذه الحكمة في قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: آية ٥٥].
الحكمة الثالثة من حِكَم الأمر بالمعروف التي لم تذكر في هذه الآية الكريمة: هي إقامة الحجة لله على خَلْقِهِ في أرْضِهِ نيابةً عن رسله؛ لأن الله يقول: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: آية ١٦٥] فأهل العلم يقيمون حجة الله على خلقه بإقامة الحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابةً عن الرسل في ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٤].
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥] يعني فترك المأمورون الموعوظون تركوا أمر الله ولم يلتفتوا إلى ذلك التذكير؛
_________________
(١) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله، وضوابطه، وآدابه) ص٦٨، ٣٤٨.
[ ٤ / ٢٨١ ]
ولذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ﴾ اعلموا أن النسيان يطلق في القرآن العظيم إطلاقين (^١):
أحدهما: نسيان الشيء بأن ينساهُ الناسي ويزول علمه منه فيكون ناسيًا له غير ذاكر.
والثاني: يطلق النسيان على ترك العمل عمدًا وهو المقصود هنا، منه قوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٦٧] أي: تركوه فتركهم؛ لأن الله لا ينسى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: آية ٦٤] ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَاّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (٥٢)﴾ [طه: آية ٥٢] فالنسيان هنا معناه الترك عمدًا، وهو أسلوبٌ عربي معروف، تقول العرب: نسي الأمر وتناساه: إذا صَدَّ عنه وأَعْرَضَ وتَرَكَهُ عَمْدًا. ومنه على أصح التفسيرين قوله عن آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: آية ١١٥] أي: ترك ذلك الأمر لما قاسمه الشيطان، كما تقدّم إيضاحه، وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ المراد بالسوء هنا هو معصية الله (جل وعلا) وانتهاك حرمته باصطياد السمك في السبت، وكل معصية من معاصي الله فهي من السوء؛ لأنها تسوء صاحبها إذا نظرها في صحيفته يوم القيامة.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ارتكبوا الجريمة وعصوا الله واصطادوا السمك في السبت.
﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ في هذا الحرف أربع قراءات سَبْعِيَّات (^٢): قرأ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤١) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦، حجة القراءات ص٣٠٠، الدر المصون (٥/ ٤٩٦).
[ ٤ / ٢٨٢ ]
هذا الحرف ابن كثير والكوفيون -أعني عاصمًا وحمزة والكسائي-: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ على وزن (فعِيل). والعذاب البئيس: هو العذاب الشديد العظيم الذي وقْعُه شديد على صاحبه.
وقرأه نافع في روايتي ورش وقالون: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بباء مكسورة بعدها ياء ولا همزة فيه. وأصل هذه القراءة كما قاله بعض العلماء: (بَئِس) على وزن (فَعِل) فخففت، كما تقول في (كَبِدٍ): (كِبْدٍ) فقيل: (بِئْس) وخففت الهمزة أيضًا فقيل: (بِيس) ومعناه عائد إلى الأَوَّل.
وقرأه ابن عامر: ﴿بِعَذَابٍ بئْسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كقراءة نافع إلا أن ابن عامر همز الياء فقال: ﴿بعذابِ بِئْسٍ بما كانوا يفسقون﴾.
أما أبو بكر -أعني شعبة عن عاصم - فله روايتان: أحدهما توافق قراءة الجمهور، وهي قوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وروى أبو بكر شعبةُ روايةً أخرى عن عاصم: ﴿بعذاب بَيْئَس بما كانوا يفسقون﴾ (بيْئس) على وزن (ضَيْغَم) والعذاب البيئَس: هو الشديد أيضًا، ورجل بَيْئَس: شديد البأس، ومنه قول امرئ القيس بن عابس الكندي (^١):
كِلاهُمَا كَانَ رَئِيسًا بَيْئَسًا يَضْرِبُ فِي يَوْمِ الهيَاجِ القَوْنَسَا
وهذا معنى قوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥] الباء سببية، و﴿مَا﴾ مصدرية. والفسق في لغة
_________________
(١) البيت في ابن جرير (١٣/ ٢٠٠)، البحر المحيط (٤/ ٤١٣)، الدر المصون (٥/ ٤٩٦).
[ ٤ / ٢٨٣ ]
العرب معناه: الخروج عن طاعة الله. كل من خرج عن شيء فقد فسق (^١). والعرب تقول: «فسقت هذه الرواحل عن قصدها»؛ أي: جارت عن طريقها، ومنه قول رُؤْبَة بن العَجَّاجِ (^٢):
يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غَائِرًا فَوَاسِقًا عن قَصْدِهَا جَوَائِرا
والفسق في الشرع: الخروج عن طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ٥٠] أي: خرج عن طاعة ربه. هذا هو معنى الفسق. والخروج عن طاعة الله قد يكون خروجًا أعظم وهو الخروج المخرج عن دين الإسلام، وقد يكون خروجًا دون خروجٍ وهو الفسق بارتكاب كبيرة. ولأجل هذا المعنى كان الفسق يطلق في القرآن على الخروج عن طاعة الله بمعناه الأعظم وهو الكفر بالله كقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٦] وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: آية ٢٠] وقد يطلق الفسق على خروج دون خروج بارتكاب بعض الكبائر كقوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: آية ٤] وقوله: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: آية ٦] وهذا معنى قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: آية ١٦٦] (لمّا) هذه هي التي تربط جملة بجملة رَبْط الشرط بالجزاء. و(لما) تأتي في اللغة العربية على ثلاثة
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
أنواع (^١): فتأتي نافية نحو ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: آية ٢١٤] وتأتي مُثْبِتَة على لغة هذيل بن مدركة كقوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: آية ٤] أي: ما كل نفسٍ إلا عليها حافظ. وهاتان حرفان بلا خلاف بين علماء العربية. الثالثة: (لمَّا) هذه -التي تربط جملةً بأخرى ربط الشرط بالجزاء- يختلف فيها علماء العربية، فبعضهم يقول: هي حرف؛ لأنها لم يعد إليها عائد ولم يرجع إليها ضمير فهي حرف. وبعض علماء العربية يقول: هي اسم، وهي ظرفٌ مُضَمَّنٌ معنى الشرط، واختار هذا غير واحد. وما زعمه بعضهم مستدِلًاّ بآية من كتاب الله: أنّ (لمّا) أنها حرف لا يستقيم كل الاستقامة.
والحاصل أن فيها خلافًا معروفًا بين علماء العربية: هل هي حرفٌ أو ظرف؟ وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ والعرب تقول: «عتا يعتو» إذا تمرَّدَ وتَكَبَّرَ؛ أي: فلما تمرَّدُوا وتَكَبَّرُوا.
وقوله: ﴿عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ في الكلام حذفُ مضافٍ دل المقام عليه، وحذف المضاف إذا دل المقام عليه وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ مشهورٌ، وتقدير المضاف المذكور: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ أي: فلما تمردوا وتكبروا عن ترك ما نُهوا عنه وهو صيد السمك يوم السبت ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ صيغة الجمع للتعظيم، والقائل هو الله (جل وعلا). وصيغة الأمر في قوله: ﴿كُونُواْ﴾ هي المعروفة بأنها للتكوين.
_________________
(١) انظر: الدر المصون (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، الحروف العاملة في القرآن الكريم ص٥٩٦، ٦٣٨، ٧٠٣.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
والقردة: جمع قرد، والقرد هو الحيوان المعروف الذي يعرفه كل الناس.
وقوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾ جمع تصحيح للخاسئ، والخاسئ في لغة العرب معناه: الحقير الذَّليل الخسيس؛ ولذا كانت (اخْسَأ) خطابًا للكلاب، كما قال تعالى لأهل النار مخاطبًا لهم بالخطاب الذي يؤذن بالخِسَّة والصغار: ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: آية ١٠٨].
ومعلوم أن الله إذا قال لهم: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾ لا بد أن يكونوا قردة؛ لأنه يقول: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشيء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: آية ٤٠] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: آية ٨٢] يذكرون في قصتهم (^١) أنّ المعتدين في السبت لمّا تمادوا في عتوهم وظلمهم ولم يسمعوا نصيحة قومهم خاف قومهم من البلاء والهلاك الذي سينزل بهم فقسموا القرية بينهم، وجعلوا بينهم حائطًا، وصار لهؤلاء باب ولهؤلاء باب، فبينما هم ذات يوم إذ أصبحوا والمعتدون لم يخرج منهم أحد، وبابهم مقفول، فتسوروا الحائط عليهم فوجدوهم -والعياذ بالله- قردة، فلما فتحوا الباب ودخلوا عليهم يذكرون في القصة أن القردة تعرف أنسابها من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسابهم من القردة، وأن القردة تأتي إلى أنسابها فتشمها وتبكي، وأنهم يقولون لهم: ألم ننهكم عن انتهاك حرمات الله؟ فيشيرون برؤوسهم أن نعم، والعياذ بالله تعالى.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٨٨ - ١٩٨)، ابن كثير (١/ ١٠٦)، (٢/ ٢٥٨).
[ ٤ / ٢٨٦ ]
واعلموا أنّ العلماء اختلفوا في الممسوخين هل يمكن أن يكون لهم نسل وعقب (^١)؟ اختلف العلماء في هذا، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا مانع من أن يكون الممسوخون لهم نسلٌ وأعقاب، وأن يكون بعض الحيوانات من نسلهم. وممّن انتصر لهذا القول: ابن العربي المالكي.
واستدل أهل هذا القول ببعض الأحاديث الثابتة في الصحيح، منها حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (رحمهما الله) أن النبي ﷺ قال: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ». وفي رواية: «ولَا أُرَى إِلَاّ أنَّهَا الفَأْرُ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهَا إِذَا وُضِعَتْ لهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَتْ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ» (^٢) هذا حديث متفق عليه من حديث أبي هريرة (﵁) ذكر فيه النبي ﷺ أن أمة من بني إسرائيل فُقدت، وأنه يظن أنَّهَا الفأر. والفأر هو الحيوان المعروف. واستدل على ذلك بأن أصل الإسرائيليين لا يشربون ألبان الإبل، ولا يأكلون لحومها، كما قدّمنا إيضاحه في سورة آل عمران في تفسير قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: آية ٩٣] فقد ذكرنا سابقًا في تفسير هذه الآية أن المفسرين يقولون: إن نبي الله يعقوب -وهو إسرائيل- أصابه
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٤٤٠ - ٤٤٣).
(٢) البخاري في بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، حديث رقم (٣٣٠٥)، (٦/ ٣٥٠)، ومسلم في الزهد، باب: في الفأر وأنه مسخ، حديث رقم (٢٩٩٧)، (٤/ ٢٢٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
مرض عرق النَّسَا فنذر لله إن شفاه الله ليتركن لله أحب الطعام والشراب إليه، فكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فحرمهما على نفسه. ويقولون: إن هذا النوع من النذر كان جائزًا في شرعه، وأن اليهود صارت لا تشرب ألبان الإبل ولا تأكل لحومها. وأن الفأر لا يشرب لبن الإبل ولكنه يشرب لبن الشاء، أي: الغنم!! فكان النبي ﷺ ظن أنه مُسخ. وعلى أن الفأر مَسْخٌ فالفأر يتناسل.
ومما استدل به أهل هذا القول: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر (﵁) أن النبي ﷺ أُتي بِضَب فأبَى أنْ يَأْكُلَهُ وقال: «لَعَلَّهُ مِنَ القُرُونِ الأولَى الَّتِي مُسِخَتْ» (^١) وهذا الحديث الذي رواه مسلم عن جابر روى مسلم أيضًا نحوه عن أبي سعيد الخدري (﵃) (^٢). فهذا الحديث المتفق عليه، وحديث مسلم هذا كان النبي ﷺ جوّز فيه أن يتناسل الممسوخ.
وذهب آخرون من العلماء إلى أن الممسوخ لا يعيش فوق ثلاثة أيام، ولا يشرب ولا يأكل، ولا يكون له نسل ولا عقب. واستدل أهل هذا القول بما أخرجه مسلم في صحيحه من رواية عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا» (^٣) هذا لفظ النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث
_________________
(١) مسلم في الصيد والذبائح، باب إباحة الضب، حديث رقم (١٩٤٩)، (٣/ ١٥٤٥)، من حديث جابر (﵁).
(٢) مسلم في الصيد والذبائح، باب إباحة الضب، حديث رقم (١٩٥١)، (٣/ ١٥٤٦)، من حديث أبي سعيد (﵁).
(٣) مسلم في القدر، باب: بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر، حديث رقم (٢٦٦٣)، (٤/ ٢٠٥٠).
[ ٤ / ٢٨٨ ]
ابن مسعود، نفى عنه النسل والعقب، وكان أبو عبد الله القرطبي (﵀) في تفسير سورة البقرة (^١) في الكلام على قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: آية ٦٥] يقول: إن الصحيح أن التحقيق أن الممسوخ لا يولد له، ولا يكون له نسل ولا عقب، ولا يعيش، وأن هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، الذي أخرجه مسلم في كتاب القدر يدل على أنّ النبي ﷺ كان في أول الأمر يظن بعض الشيء، وأن الله علّمه فجزم بأنه لا يكون له نسل ولا عقب. وهذا أظهر وأقرب، وقد بيّن النبي ﷺ في حديث مسلم هذا الأخير المذكور من حديث ابن مسعود أن القِرَدَة والخنازير كانوا موجودين قبل مَسْخِ بَنِي إِسْرَائِيل، وهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: آية ١٦٦].
القردة: جمع القرد، وهو الحيوان المعروف، وهو مِنْ أَخَسّ الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصَغَارَهم، وهذا معروف أن القرد من أخس الحيوانات. وقد قال الشاعر (^٢):
قَدْ يُكْرَمُ القِرْدُ إِعْجَابًا بِخَسَّتِهِ وَقَدْ يُهانُ لِفَرطِ النخوةِ الأَسَدُ
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٧)﴾ [الأعراف: آية ١٦٧].
_________________
(١) القرطبي (١/ ٤٤١ - ٤٤٢).
(٢) البيت لأبي الفضل الغسَّاني الجلياني، وهو في تُحفة القادم لابن الأَبَّار ص ١٢٩، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أُصَيْبِعة ص ٦٣٤، ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار للعدوي (٩/ ٥٠٤). وفي جميع المصادر: (السَّبُع) في موضع (الأسد) هنا.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
(تأذن) تفعَّل من الأذان، والأذان في لغة العرب: الإعلام، ومنه أذان الصلاة؛ لأنه الإعلام بدخول وقتها مع الدعاء لها، وقد قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: آية ٣] والعرب تقول: آذنني: أعلمني. ومنه قول الحارث بن حِلِّزَة اليشكري (^١):
آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ربَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثواءُ
فتأذن معناه تَفَعَّل من الأذان بمعنى الإعلام، أي: أعلم الله الخلق. وقال بعض العلماء (^٢): (تأذن) بناء هذا الفعل على (تفعّل) يجعله كأفعال القسم. ولذا جاء اللام في قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ معناه أعلم الله جل وعلا. وهذا الإعلام في معنى القسم، أو كأنه مؤكد بالقسم بدليل اللام في قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾.
﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ليسلطن عليهم، أي: اليهود ﴿مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ يسومهم معناه: يُذيقهم سوء العذاب. العرب تقول: سامه العذاب: إذا أذاقَهُ إِيَّاهُ وعَذَّبَهُ به، وهو معنىً معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلَّقَتِه (^٣):
إذا مَا المَلْكُ سَامَ الناسَ خَسْفًا أبيْنا أن نُقِرَّ الذُّلَّ فينَا
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يوم القيامة إنما سُمي يوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه لخالق السماوات والأرض، كما قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: آية ٦] وقيل له (القيامة) كما قيل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٠٠ - ٥٠١).
(٣) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
الحِيَازَة والصِيَانَة وغير ذلك من الحَوز والصَّون، وهذا معنى قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٧].
وهذه الآية الكريمة من سورة الأعراف فيها التنصيص الصريح مِنْ رَبِّ العالمين أنه يُسلّط على اليهود في دار الدنيا حتى تقوم الساعة من يذيقهم سوء العذاب، ويعذبهم أشد التعذيب وأتمّه، وهذا قد بيّنا بعضه مرارًا؛ لأن الله سلّط عليهم سابقًا بختنصر وأهانهم تلك الإهانة الشديدة، وملك الرومان، وسلّط عليهم نبيه محمدًا ﷺ بعد ذلك لما كفروا وتمردوا، فأجلى بني النضير وبني قينقاع، وذبح مقاتلة بني قريظة، وأجلى خيبر، وربنا يقول: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: آية ٨] وقد بيّنا في سورة بني إسرائيل (^١) طرفًا من هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: الآيتان ٤، ٥] يعني: أنهم يجوسون -يمشون- في الأزقة خلال ديارهم محتليها يهينونهم ويعذبونهم، ثم قال في الثانية: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٧] المفسرون والمؤرخون يقولون (^٢): إن إحدى المرتين تسليط بختنصر عليهم، والثانية: تسليط ملك الرومان، وأن كلًاّ منهما قتلهم
_________________
(١) ولا يرد عليه أن سورة بني إسرائيل تأتي بعد سورة الأعراف وبينهما سور متعددة؛ لأن الشيخ (﵀) فسر القرآن كاملًا في المسجد النبوي قبل ذلك. وهذه الدروس التي وقفنا عليها هي من تفسيره في المرة الثانية.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥)، البداية والنهاية (٢/ ٣٤).
[ ٤ / ٢٩١ ]
وسبى نساءهم وذراريهم.
والله بعد ذلك قال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: آية ٨] فعادوا لأكبر الفساد والمنكر زمان النبي ﷺ فعاد الله لقهرهم وإذلالهم بأن سلّط عليهم رسوله ومَنَعَ إقامتهم في جزيرة العرب، فكان عمر بن الخطاب (﵁) إذا جاء منهم تاجر أجَّل له ثلاثة أيام يبيع ويشتري ثم يخرج، ولا يرضى بجلوسهم في جزيرة العرب.
وفي هذه الآية من سورة الأعراف تأذن الله وأعلم أنه سلّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، إلا أنهم يَرُدّ اللهُ لهُمُ الكَرَّةَ حتى يجتمعوا ويكونوا أمَّة؛ لأنهم لو بقوا مقطعين في الأرض لن تقوم لهم قائمة -كما قال: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]- ولم يكن العذاب والهلاك، ولم يجد موقعًا يقع عليه، فصار من عادة الله أن يَردّ لهم الكَرَّةَ ويجعلهم أمة حتى يكونوا أمة فيسلّط عليهم من يعذبهم ليكون العذاب واقعًا موقعه، والله (جلّ وعلا) أصدق من يقول، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ السرعة ضد البطء؛ لأنه سريع العقاب؛ لأنه يقول للشيء: (كن) فيكون، وما أمره إلا واحدة كلمح بالبصر. والعقاب: هو التنكيل بسبب الذنب؛ لأنه يأتي عقب الذنب، والعرب تقول: «عَاقَبَه معاقبة وعقابًا» إذا نكَّلَه بسبب ذنب ارتكبه، وهو معنىً مشهور في كلامهم، ومنه قول نابغة ذبيان (^١):
وَمَنْ عصاكَ فَعَاقبهُ مُعَاقَبَةً تَنهى الظَّلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلَى ضَمَدِ
_________________
(١) ديوان النابغة ص١٣.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
﴿وَإِنَّهُ﴾ جل وعلا ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: كثير المغفرة لعباده المؤمنين التائبين؛ الرحيم بهم.
وقد جرت العادة في القرآن أن الله (تعالى) يجمع فيه بين الوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين: هما جلب المصلحة، ودفع المضرة، والله (جل وعلا) يأتي بالوعد والوعيد ليستحث الناس بذلك إلى طاعته كما قال هنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن أطاعه. فهذا الوعد يطمعنا فيما عنده، وهذا الوعيد يخوّفنا مما عنده، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: الآيتان ٤٩، ٥٠] وكما قال تعالى: ﴿حم (١) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: الآيات ١ - ٣] والآيات في مثل هذا كثيرة، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: آية ١٦٧].
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ [الأعراف: آية ١٦٨].
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ معناه: جعلناهم قطعًا متفرقين في أرض الله لا تكاد تجد أرضًا إلا وفيها شِرذِمَةٌ منهم. أجرى الله العادة بتفريقه اليهود في أقطار الدنيا لحكمة يعلمها هو (جلّ وعلا)؛ ولذا قال: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ أي: طوائف متفرقة في أنحاء الدنيا. ثم قال: ﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ منهم قوم صالحون مطيعون لله، وهم الذين كانوا على شرع موسى بن عمران، لم يغيروا ولم يُبَدِّلُوا حتى ماتوا على ذلك، أو أدركوا محمدًا ﷺ فآمنوا به، كعبد الله بن سلام.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
وبعض العلماء يقول: من هؤلاء الأمم الصالحين: السبط الذين خرجوا من بين أظْهُرِ بَنِي إِسْرَائِيل. وجَرَتْ عَادَةُ المُفَسِّرِينَ أَنْ يذكروا قصة غريبة عنهم في آية ذكرناها قبل هذا من سورة الأعراف (^١) وهي قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] لأن هذه الآية من سورة الأعراف يذكر المفسرون عندها قصة غريبة: يزعمون أن واحدًا من أسباط بني إسرائيل لما عصى الإسرائيليون، وقتلوا الأنبياء، وارتكبوا المناكر تبرؤوا منهم، وطلبوا من الله أن يُفَرِّق بينهم وبينهم، ويزعمون أن الله فتح لهم نفقًا في الأرض فدخلوا فيه وساروا فيه سنة ونصف السنة، حتى خرجوا من وراء الصين، وأنهم كانوا وراء الصين على دينٍ صحيح يعبدون الله. هكذا يقولون. وتكثر هذه القصة -يكثر ذكرها- في كلام المفسرين عند هذه الآية الكريمة، وقد ألممنا بالآية ولم نذكرها؛ لأنها لم يثبت عندنا فيها شيء. وبعضهم يقول: من هؤلاء الأمم الصالحة ذلك السبط الذين ساروا في النفق في الأرض سنة ونصف السنة حتى خرجوا من وراء الصين. وعلى كل حال فقد كان في اليهود قوم هم على دين موسى حتى ماتوا على ذلك، وقوم كانوا على دين موسى وآمنوا بمحمد ﷺ.
وهؤلاء الذين كانوا على دين موسى وأدركوا محمدًا ﷺ فآمنوا به هم الذين ذكر الله في سورة القصص أنّ لهم أجرهم مرتين: أجر إيمانهم الأول، وأجر إيمانهم الثاني، كما نص الله على ذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٩) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: الآيات ٥١ - ٥٤]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ومنهم أمة وناسٌ آخرون دون ذلك الصلاح؛ أي: منحطون عن مرتبة الصلاح، قاصرون عنها؛ لارتطامهم في المعاصي أو الكفر بالله جلّ وعلا.
وهذا الحرف قرأه عامة القراء: ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ بفتح النون ظرفًا غير متصرف، ولم يقرأه أحدٌ اسمًا. وكونه اسمًا يجوز لغة لا قراءة؛ لأن العرب تطلق (دون) إطلاقين (^١): تطلقها ظرفًا جامدًا غير متصرف، وتطلقها اسمًا بمعنى الشيء الردي، ومن إطلاقها اسمًا: قول الشاعر (^٢):
إِذَا مَا عَلَا المَرْءُ رامَ العَلَاء ويقْنَعُ بالدونِ من كان دُونَا
فالرواية في قوله: «من كان دونا» أصله: «من كان دونًا» بالتنوين، أي: حقيرًا. وهذه الآية لم يُقْرأ فيها بجعله اسمًا متصرفًا. هذا معنى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ومنهم أمة، كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: آية ١٦٤] أي: وما منا أحد إلا له مقام معلوم؛ أي: ومنهم طائفة ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: منحطون عن رتبة الصلاح لكفرهم أو معاصيهم.
وقوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ البلاء: الاختبار. والحسنات جمع الحسنة، والحسنة المراد بها هنا الخصلة الطيبة كالخصب والعافية؛ لأن الله يبتلي بالطيبات ويبتلي بالبلايا. يبتلي الناس بأن يُغدق عليهم نعمه ويرزقهم العافية والأموال والأمطار ليبتليهم أيشكروا نعمة الله؟ وكذلك يبتلي بالسيئات كالجدب والمرض وغير ذلك من البلايا هل
_________________
(١) انظر: اللسان (مادة: دون) (١/ ١٠٣٨).
(٢) البيت في اللسان (مادة: دون) (١/ ١٠٣٨)، فتح القدير (١/ ٥٢).
[ ٤ / ٢٩٥ ]
ينيبوا إلى الله؟ فالله (جل وعلا) ذكر هنا أنه ابتلى اليهود بالحسنات كسعة الرزق والخصب والصحة والعافية، والسيئات؛ كالأمراض والجدب والزلازل والبلايا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لأجل أن يرجعوا فينيبوا عند [٢٣/ب] أحد الابتلاءين. ودلت الآية على أنّ منهم طائفة كانوا صالحين كما بيّناه مرارًا./ كقوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: آية ١١٣] وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران: آية ١٩٩]. وهذا معنى قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
السيئات: جمع سيئة، وعلماء العربية يقولون: إن أصل السيئة: (سَيْوِئَة)، فهي على وزن: (فَيْعِلَة)، ووزنها بالميزان الصرفي: (فَيْعِلَة)، والزائد فيها: ياء (الفَيْعِلَة)، وحروفها الأصلية هي: السين في مكان الفاء، والواو في مكان العين، والهمزة في مكان اللام. أصل حروفها الصحيحة: (سَوَء) بسين، وواو، وهمزة. وياء (الفَيْعِلَة) زائدة، أصلها: (سَيْوِئَة) فاجتمعت الياء والواو، وسكنت أولاهما غير عارضة ولا عارضة السكون، فوجب قلب الواو ياء، وإدغام الياء في الياء، على القاعدة التصريفية المشهورة (^١). فقوله: (السيئة) هذه الياء المشددة فيها حرفان: أولاهما: ياء (الفَيْعِلَة) الزائدة، والثانية: الواو الواقعة عين الكلمة المبدلة ياء. وإنما سُميت السيئة (سيئة) لأنها تسوء صاحبها يوم القيامة إذا نظر إليها في صحيفته. وهذا معنى قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٦٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]، أي: يرجعون إلى ما يرضي ربهم من طاعته جلّ وعلا.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٩] كان بعض العلماء يقول (^١): (الخَلَف) بفتح اللام هم من يخلفون من قبلهم خلافة حسنة. و(الخَلْف) بسكون اللام هم الذين يخلفون من كان قبلهم بسوء. وهذا اصطلاح أغلبي؛ لأن (الخَلَف) ربما أُطلق في خَلَف سيئ. و(الخَلْف) بالسكون ربما أُطلق في خَلَفٍ صالحٍ، ومنه قول حسّان (^٢):
لنَا القَدَمُ الأولَى إِلَيْكَ وَخَلْفُنَا لأَوَّلِنَا في طاعَةِ اللهِ تَابِعُ
وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هؤلاء الذين قطّعناهم وجعلنا منهم الصالحين خلف ﴿مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ من ذرياتهم من اليهود ﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ معنى وراثتهم للكتاب: أن التوراة بقيت عندهم ورثوها عن أسلافهم فصارت التوراة لديهم، وصاروا عياذًا بالله يغيرون أحكامها. ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ يعني: خلف من بعد أولئك خلف من ذرياتهم من اليهود ورثوا الكتاب، معناها: بقي كتاب الله التوراة في أيديهم وراثة عن أسلافهم. وكان هذا الخَلْف خلفًا خبيثًا يأكلون الرُّشَا ويبيعون حكم الله بأعراض الدنيا -والعياذ بالله- فعابهم الله هنا بذلك؛ ولذا قال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ معنى ﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ ورثوا التوراة عن أسلافهم فبقي عندهم، وهو كتاب الله الذي كتب فيه العقائد والحلال والحرام وتفصيل كل شيء يُحتاجُ إليه.
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٠٩)، القرطبي (٧/ ٣١٠)، الدر المصون (٥/ ٥٠٢).
(٢) ديوان حسان ص١٥٥.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ والعياذ بالله إذا عرض لهم عرض من حطام الدنيا. العَرَض: المراد به الشيء الزائل؛ لأنه عارض زائل مُضْمَحِل.
وقوله: ﴿هَذَا الأدْنَى﴾ إشارة إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل القليل الذي لا جدوى فيه ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ يستعيضونه عما في كتاب الله؛ لأنهم يأكلون الرُّشَا ويغيرون الأحكام.
وبعض العلماء يقول: الخَلْف المذكورون هم اليهود الذين كانوا موجودين في زمن مبعث النبي ﷺ، عندهم التوراة فيها صفات رسول الله ﷺ، وأخذ العهود والمواثيق عليهم باتباعه فكتموه وغيّروا صفاته وبدّلوها، حتى إنهم يجدون في التوراة عندهم أنه (رَبْعَة) يعني: متوسط القامة، فيكتبون: طويلًا مُشذّبًا. وكل وصف يحرّفونه ويغيرونه، يأخذون قراطيس يكتبونها عندهم محرفة كما تقدّم في الأنعام في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: آية ٩١] يقولون: إنهم كان إذا تخاصم إليهم اثنان وأعطاهم صاحب الحق رشوة حكموا له بكتاب الله التوارة، فإذا أعطاهم المُبْطِل الرشوة تركوا التوراة وجاءوا بالكتب التي كتبوها بأيديهم، التي قال الله عنها: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: آية ٧٩] يأتون بالكتاب الذي كتبوه ويحكمون له به بدل الرشوة. ومما ذكر العلماء أنهم كتموا صفة النبي ﷺ لعرض زائل مِنْ أعْرَاضِ الدّنْيَا؛ لأنهم كانوا يأكلون بالرئاسة الدينية، فلما بُعث محمد ﷺ لو أخبروا بأنه نبي الله لزالت عنهم الرئاسة الدينية فضاع المأكل الذي كانوا
[ ٤ / ٢٩٨ ]
يأكلون بها، فكتموا وغيّروا صفاته حرصًا على ما كانوا يتعاطونه برئاستهم الدينية -قبّحهم الله- هذا معنى قوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾.
العرض: حطام الدنيا الزائل، سُمِّي عرضًا؛ لأنه شيء عارض لا بقاء له. والإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل. و﴿الأدْنَى﴾ لدنوه أو لدناءته ورذالته وعدم أهميته. يعني: يأخذون هذا العرض مُعْتَاضين منه العمل بكتاب الله وتحقيق ما أنزل الله، فهم يأكلون الرُّشَا ليُغَيِّرُوا أحْكَامَ الله ولا يقيموا حُكْمَه في كتابه والعياذ بالله.
وهذه الآية وإن كانت في اليهود فكُلّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ فهو أخوهم يناله من وعيدها وعذابها ما نالهم. فيجب على المسلم إذا كان في منصب يوصل فيه الحق لصاحبه بإنابة من بسط الله يده ألاّ يغير أحكام الله ويأخذ الرُّشَا بدلًا منها (^١)، فإنه إن أخذ الرشوة وغيّر وبدّل فهو أخو اليهود، وهو من هذا الخلْف السيئ القبيح. وأقبح شيء يأكله الإنسان هو الرُّشَا وما جرى مجراها من أنواع السحت؛ لأن السارق خيرٌ من المرتشي، لا شك أن السارق أخف شرًّا من المرتشي؛ لأن السارق يأخذ مال الناس بغير حق مع أنه عالم أنّ فعله خسيس وأنّه خبيث، ولا يدعي أبدًا أنّ فعله طيّب، بخلاف المرتشي -قبّحه الله- فإنه يأكل مال الناس بالباطل وهو يزعم أنّ هذا دين الله وشرعه الذي أنزل به رسله -والعياذ بالله- فمن أقبح المآكل وأخسها الرُّشَا.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وأعظم أنواع الرُّشَا خطرًا ارتشاء القاضي الذي هو منصوبٌ ليحكم بين الناس بما أنزل الله، فإذا ترك ما أنزل الله وتعوّض عنه عرض هذا الأدنى -والعياذ بالله- فهو أخس خلق الله، والسارق قد يكون أخف شرًّا منه؛ لأن السارق هو سارق، ولا يدعي سرقته، ولا يجعلها على الله، ولا على رسوله، ولا يقول: الله أمرني أن أسرق. بخلاف القاضي المرتشي فإنه يزعم أن الله أمره بهذا القضاء، وأن هذا حكم الله، وهو سارق شر سرقة.
وكذلك كل من كان في مصلحة -ولو غير قضاء- جعله فيها ولي أمر المسلمين، وأعطاه ماهية شهرية يتقاضاها، فإنه لا يجوز له أن يعطل حقوق الناس ويقول لهم: بُكْرة، وبعد بُكْرة، إلى ألف بُكْرة!! ليرتشي منهم، فإن هذا أمر خسيس قبيح، وفاعله أخو اليهود، لا خير فيه ألبتة، فلا دين له ولا مروءة.
فيجب على المسلمين أن يُنَزِّهُوا ضَمَائِرَهم، وأن يكونوا أمة -ناسًا- كالرجال، ولا ينحطوا أمام هذه المطامع الخسيسة المدنَّسة المُخْزِيَة، لأنه رُبَّ أكلة قبيحة أعقبت صاحبها شرًّا عظيمًا، ألا ترون إلى هؤلاء القوم من اليهود أكلوا سَمَكًا فانظروا ما أعقبتهم هذه الأكلة من الوبال، صاروا قِرَدَةً -والعياذ بالله- فهذه الآية وإن كانت في اليهود فكل من أخذ بشيء منها فهو أخو اليهود بقدر ما أخذ منها، وسيناله من الوعيد بقدر ما أخذ منه. وهذا معنى قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ أي: هذا المتاع والحطام الزائل الأدنى القريب العاجل. أو (الأدنى) لدناءته ورذالته، ومع هذا هم يأكلون الرُّشَا ويُغَيِّرُونَ أحْكَامَ اللهِ، ويدَّعون على الله أنه يغفر لهم هذه الذنوب!! فهذا من الجراءة والجَهْلِ وطَمْسِ البَصَائِرِ لا يعلمه إلا الله.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ سيغفر الله لنا أكلنا لهذه الرُّشَا وتبديلنا لهذه الأحكام. وهذا هو الذي جاء فيه: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَع نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ» (^١) أتبع نفسه هواها فأكل الرُّشَا، وتمنّى على الله أن يغفر له، والله لا يغفر للمُصِرِّين؛ ولهذا بيّن تعالى أنه يدعي أن الله يغفر له وهو مُصِرّ على أكله الرُّشَا وتَعَوُّضِه حُطَام هذه الدنيا وعَرَضها الزائل من أحكام الله؛ ولذا قال: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: آية ١٦٩] وإن أصابوا عرضًا آخر زائلًا من الدنيا أخَذُوهُ وأكَلُوه، ومع هذا يَزْعُمون أن الله يغفر لهم!! فهم مُصِرُّون على أكل الحرام وتغيير أحكام الله بالرُّشَا، ومع هذا هم جازمون بأن الله يغفر لهم!! وهذا هو الغرور، فإذا رأيت المسلم أو مَنْ يَدَّعِي أنَّهُ مسلم يَنْتَهِكُ حرمات الله ويصر ويثق بالمغفرة فاعلم أنه مغرور، وأنه أخو اليهود، ولا يغفر الله له (^٢). هذا معنى قوله: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ الميثاق (^٣): معناه العهد المؤكد، فكل ميثاق عهد، وليس كل عهد ميثاقًا؛ لأن العهد لا يُسمى ميثاقًا إلا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤)، والترمذي في صفة القيامة، حديث رقم (٢٤٥٩)، (٤/ ٢٣٨)، وقال: «هذا حديث حسن» اهـ. وابن ماجه في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له. حديث رقم (٤٢٦٠)، (٢/ ١٤٢٣)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، (٢/ ٣٥٤)، وفي الصغير (الروض الداني) (٢/ ١٠٧)، وابن عدي (٢/ ٣٩)، والحاكم (١/ ٥٧)، (٤/ ٢٥١)، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٨)، وهو في ضعيف ابن ماجه حديث رقم (٩٣٠)، المشكاة حديث رقم: (٥٢٨٩).
(٢) لو قال: «وقد لا يغفر الله له» لكان هو اللائق.
(٣) انظر: المفردات (مادة: وثق) ص٨٥٣.
[ ٤ / ٣٠١ ]
إذا كان مؤكدًا خاصة. وقد قدّمنا في هذه الدروس مرارًا (^١) أنّ كل فعل مضارع مجزوم بـ (لم) إذا تَقَدَّمَتْه همزة الاستفهام قبلها (لم) كقوله هنا: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أنّ فيه وجهين معروفين من التفسير في جميع القرآن:
أحدهما: أنه تنقلب مُضَارَعَتُه مَاضَوِيَّة، وينقلب نَفْيُهُ إِثْبَاتًا، فيكون معنى هذا المضارع المنفي بـ (لم) ماضيًا مثبتًا، فيكون معنى ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾: أخذ عليهم ميثاق الكتاب. ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ [البلد: آية ٨]: جعلنا له عينين ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: آية ١]: شرحنا لك صدرك. وهكذا. ووجه هذا:
أما وجه قلب مُضَارَعَته مَاضَوِيَّة فلا إشكال فيه؛ لأن (لم) حرف قلب يقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، وهذا لا إشكال فيه.
أما قلب نفيه إثباتًا فهو الذي يحتاج إلى نظر. وقال بعض العلماء: وجه صيرورة نفيه إثباتًا: أنّ (لم) حرف نفي صريح، وأن الهمزة التي قبلها همزة استفهام إنكار، والإنكار مُضَمَّنٌ معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن في الهمزة على النفي الصريح في (لم) فينفيه، ونفي النفي إثبات، فيؤول إلى معنى الإثبات. هذا وجه في التفسير في جميع القرآن في كلّ ما جاء فيه «ألم».
الوجه الثاني: أن الاستفهام لا يُراد به أصل الاستفهام وإنّما يُراد به حمل المخاطب على أن يقر فيقول: بَلَى. وهو المعروف في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٤٨) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
فنّ المعاني باسْتِفْهَام التقرير (^١). والمعنى: أن المراد ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أن يقولوا: بلى أُخذ علينا ميثاق الكتاب.
وقوله: ﴿أَن لَاّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ أُخذ عليهم العهد المؤكد أن لا يقولوا على الله شيئًا إلا الشيء الحق، فلا يقولوا: إن الحكم هكذا. وهو باطل ليتَعَوَّضُوا الرُّشَا ويأخذوا عرض هذا الأدنى.
﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ أي: في الكتاب الذي هو التوراة، درسوه: معناه تعلّموه وفهموا معانيه وعلموا أنه لا يجوز تغيير أحكام الله واستعاضة الرُّشَا منها.
ثم قال تعالى: ﴿وَالدَّارُ الآخِرَةُ﴾ هي دار القيامة خير من حطام الدنيا وعرض هذا الأدنى الذي أخذوه ﴿خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ يتقون الله جلّ وعلا: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وقُرئ ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٩] (^٢).
ثم قال جلّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ ولا يأكلون الرُّشَا ولا يَتَعَوَّضُون منه عرض هذا الأدنى ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ﴾ هي داخلة في التمسك بالكتاب إلا أنه خصّها، لِعِظَم شأنها؛ ولأنها أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٠] الأصل: إنا لا نضيع أجرهم [وقرأ العامّة: ﴿يُمسِّكُونَ﴾ بالتشديد مِنْ مَسَّك بمعنى تمسَّك، حكاه أهلُ التصريف، أي: إنَّ (فَعَّل) بمعنى (تَفَعَّل)، وعلى هذا فالباء للآلة كهي في: تمسَّكْتُ بالحبل. وقرأ أبو بكر عن عاصم -ورُوِيت عن
_________________
(١) السابق.
(٢) انظر: الإتحاف (٢/ ٦٨).
[ ٤ / ٣٠٣ ]
أبي عمرو وأبي العالية: ﴿يُمْسِكُونَ﴾ بسكون الميم وتخفيف السين مِنْ أَمسَك، وهما لغتان، يقال: مَسَكْت وأمْسكت، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله:] (^١).
وَمَا تَمَسَّك بالعَهْدِ الذي زَعَمت إلَاّ كَمَا يُمْسِكُ المَاءَ الغَرَابيلُ (^٢)
وفي رواية شعبة عن عاصم (^٣): ﴿وَالَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: آية ١٧٠] أظهر في محل الإضمار، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: آية ٣٠] والمصلحون: هم الذين يصلحون أعمالهم بامتثال أمر الله واجتناب نواهيه.
﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ [الأعراف: الآيات ١٧١ - ١٧٤].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف: آية ١٧١].
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة نقلتها بحروفها من الدر المصون (٥/ ٥٠٨) وبها يتم الكلام.
(٢) شرح قصيدة كعب بن زهير لابن هشام ص١٣٨.
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
الظرف في قوله: ﴿وَإِذ﴾ يقول المفسرون: هو منصوب بـ (اذكر) مقدرًا (^١). والدليل على أن العامل في هذا الظرف المحذوف هو (اذكر) كثرة ورود لفظة (اذكر) عاملة في (إذ) في القرآن، نحو قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ﴾ [الأحقاف: آية ٢١] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: آية ٢٦] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: آية ٨٦] ونحو ذلك من الآيات. واذكر يا نبي الله عناد اليهود ولجاجهم القديم في أسلافهم، ومن جملة ذلك العناد واللجاج والكذب العريق في أسلافهم تكذيبهم برسالتك وإنكارهم لصفاتك الموجودة في كتبهم عندهم.
وقوله: ﴿نَتَقْنَا﴾ العرب تقول: نَتَقَ الشَّيْءَ: إذَا رَفَعَهُ. وبعض العلماء يقول: النتق أخص من مطلق الرَّفْع؛ لأن النتق رفع مع حركة قوية؛ تقول العرب: نَتَقْتُ السِّقاء: إذا رَفَعْتَهُ وَهَزَزْتَهُ هزًّا قويًّا ليخرج زُبْده (^٢).
والجبل هنا هو الطور. وقد ذَكَرْنَا رَفْع الطور عليهم في سورة البقرة وفي سورة النساء. وبعض العلماء يقول (^٣): كل جبلٍ طور. وبعض العلماء يقول: الطور أخص من مطلق الجبل، فالطور هو خصوص الجبل الذي تحفّ به أشْجَار مُثْمِرة. وعلى هذا القول فكل طور جبل، وليس كل جبل طورًا.
والنتق في هذه الآية من سورة الأعراف هو الرفع المصرّح به في البقرة والنساء.
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢١٧، ٢١٩)، الدر المصون (٥/ ٥٠٩).
(٣) انظر: المفردات (مادة: طور) ص٥٢٨، القرطبي (١/ ٤٣٦).
[ ٤ / ٣٠٥ ]
والجبل المذكور في الأعراف هو الطور المصرّح به في سورة البقرة وفي سورة النساء؛ لأن الله ذكر رفع هذا الجبل عليهم في سورة البقرة فقال جلّ وعَلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة آية ٦٣] وقال في سورة النساء: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾ الآية [النساء: آية ١٥٤]. ورفع الطور عليهم لأن نبي الله موسى (عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام) لما كتب الله له كتابه التوراة بَيّنَ فيه الحلال والحرام والعَقَائِدَ وتفصيل كل شيء يُحْتَاج إليه من أمور الدنيا والآخرة، كانت فيه أوامر ونواهٍ زَعَمَ اليهود أنها شَاقَّةٌ عليهم فامتنعوا من قبولها، فلما عرض عليهم نبي الله موسى التوراة قالوا: لا نقبل هذا الكتاب، ولا نَتَحَمَّلُ هَذِهِ الأوَامِر والنواهي التي هي فيه؛ لأن فيها مشقة علينا. فأمر الله المَلَك فهزَّ الطور فاقتلعه ورفعه فوقهم قدر معسكرهم. والمؤرخون يقولون: هم قدر فرسخ في فرسخ، فصار الجبل فوقهم بقدرة الله كأنه ظُلّة، كأنه غمامة تظلهم فوق رؤوسهم، وقيل لهم: إنما هي واحدة من اثنتين: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: آية ٦٣] التزموا ما في التوراة من الأحكام بقوة، أي: بجدٍّ واجتهادٍ بالعمل بما فيه والمحافظة عليه، وإلاّ سقط عليكم هذا الجبل. فلما نظروا الجبل فوقهم كأنه ظلّة خروا ساجدين، كل واحدٍ منهم خَرَّ ساجدًا على شِقِّ جبهته الأيسر، فسجود الواحد منهم بحاجبه الأيسر وعينه اليمنى ناظرة إلى الجبل خوفًا من سقوطه إليه، والتزموا العمل بما في التوراة، فرفع الله عنهم الجبل. وكان سجود اليهود على شِقِّ الجبهة الأيسر يقولون: هذا السجود هو الذي رفع الله عنا بسببه العقوبة، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾؛ أي: رَفَعْنَا فوقهم الطور
[ ٤ / ٣٠٦ ]
لما امتنعوا أن يقبلوا ما في التوراة ﴿كَأَنَّهُ﴾ أي: الجبل الذي هو الطور ﴿ظُلَّةٌ﴾ كأنه غمامة أو مُزنة تظلهم من فوق رؤوسهم، فخافوا أن يسقط عليهم فالتزموا ما في التوراة.
وقوله: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ مَحْكِيُّ قَوْلٍ محذوف، والمقرر في علم العربية: أن حذف القول وبقاء مقوله قياسي مُطَّرد معروف لا تكاد تحصيه في لغة العرب وفي القرآن العظيم، أمّا عكسه -وهو ثبوت القول وحذف المقول- فهو نادر يُحْفَظ ولا يُقَاس عليه. قال بعض علماء العربية: ومنه قول الشاعر (^١):
لَنَحْنُ الأُلى قُلْتْمْ فَأَنَّى مُلِئْتُمْ بِرُؤْيَتِنَا قَبْلَ اهْتِمَامٍ بِكُمْ رُعْبَا
قال: (قلتم) هنا حذف مقوله، أي: قلتم: نقاتلهم فأنى ملئتم رعبًا منا قبل أن نقاتلكم. وهذا معنى قوله: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم﴾.
﴿مَا آتَيْنَاكُم﴾ معناه: أعطيناكم في هذا الكتاب المشتمل على خير الدنيا والآخرة، وصيغة الجمع في قوله: ﴿آتَيْنَاكُم﴾ للتعظيم ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم وجدٍّ واجتهادٍ.
ويُفْهَم من هذه الآية أنَّه يجب على من خوطب بأوامر الله في كتبه المنزلة أن يلتزمها بقوةٍ ونشاطٍ واجتهادٍ، فلا يضعف فيها، ولا يُفَرط فيها؛ لأنها لا تُمْتَثَل على الوجه الأكمل إلا بالقوة والجد والاجتهاد -أعاننا الله على امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والقيام بما في كتابه- وهذا معنى قوله: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ وهو هذا الذي آتيناكم؛ يعني: التوراة اذكروا ما فيه من العقائد والأوامر والنواهي، اذكروه ذِكْرَ مدارسة وعمل، فتعلموا ما فيه،
_________________
(١) البيت في البحر المحيط (٥/ ١٨١)، الدر المصون (٦/ ٢٤٧).
[ ٤ / ٣٠٧ ]
واعملوا بما فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن تتقوا بذلك سخط الله وعذابه؛ لأن ما يُتقى به سخط الله وعذابه هو معرفة أوامره ونواهيه، واجتناب النواهي وامتثال الأوامر كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿وَاذكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٧٢، ١٧٣].
واذكر يا نَبِيَّ اللهِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾ حِينَ أَخَذ ﴿رَبُّكَ﴾ جلّ وعلا ﴿رَبُّكَ﴾ معناه: خالقك وسيدك ومدبر شؤونك؛ والرب يطلق في لغة العرب على عشرة معانٍ، منها (^١): السيد الذي يدبّر الشؤون ويسوس الأمور، تقول العرب: فلان رب هذه البلد؛ أي: سيدها الذي يدبر شؤونها ويسوس أمورها، ومنه قول علقمة بن عَبَدة التميمي (^٢):
وَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رَبَابَتي وقَبْلَكَ رَبَّتْني فَضِعْتُ ربُوبُ
أي: سادتني سادة وساسوني.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ من أولاد أبينا آدم. وقوله: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾ بدل بعضٍ من كل.
وقوله: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف ابن كثير والكوفيون -أعني عاصمًا، وحمزة، والكسائي-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بصيغة الإفراد، والذرية بالإفراد تعم، وقرأه نافع،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم﴾ بجمع السلامة. وكلتاهما قراءة صحيحة متواترة ومعناها صحيح (^١).
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ اختلف العلماء في معنى هذا الأخذ -أخذ الذرية- من ظهور بني آدم على قولين (^٢): فذهبت جماعة من المفسِّرِين إلى أنّ مَعْنَى أخْذِهِم من ظهور بني آدم هو وجودهم قَرْنًا بعد قَرْنٍ، وجيلًا بعد جِيل، على طريق التناسل، والمعنى: أنّ اللهَ خلق بني آدم وخلق من هؤلاء ذرية، فينقضي هذا القرن ويخلق من هذا القرن ذرية كما قال: ﴿كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: آية ١٣٣] وعلى هذا القول فالأخذ من ظهورهم: هو استخراج النُّطَف من أصلابهم على طريق التناسل قرنًا بعد قرن. وعلى هذا القول فقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الذين قالوا هذا القول قالوا: أشهدهم على أنفسهم بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الله نصب لهم من الأدلة الواضحة الظاهرة على كمال قدرته وأنه المعبود وحْدَه ما لا يُحْتَاج معه إلى شيء ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ يعني: أَثْبَتَ لهم ربوبيته واستحقاقه للعبادة بما ركز فيهم من الفِطْرَة والعقول، وما نصب لهم من الأدِلَّة، وعلى هذا القول فقوله: ﴿قَالُواْ بَلَى﴾ قالوا ذلك أيضًا بلسان حالهم، والعرب قد تطلق المقال على مقال لسان الحال، قال بعض العلماء: منه قوله تعالى:
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٢٢)، ابن كثير (٢/ ٢٦١ - ٢٦٤)، القرطبي (٧/ ٣١٤)، أحكام أهل الذمة (٢/ ٥٢٣)، فما بعدها، شرح الطحاوية (٣٠٢ - ٣١٦)، الروح لابن القيم (٢٤٤ - ٢٦٥)، الأضواء (٢/ ٣٣٥).
[ ٤ / ٣٠٩ ]
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: آية ١٧] أي: بلسان حالهم -على القول بذلك- ومنه قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: آية ٧] أي: بلسان حاله عند من يقول ذلك.
والذين قالوا هذا القول -واختاره غير واحد من المحققين المتأخرين- قالوا: الدليل على أنّ هذا هو المراد أن الله لم يخلق أحدًا من بني آدم ذاكرًا الميثاق ليلة الميثاق وهم كالذر، وما لا يذكره الإنسان لا يكون حجة عليه، وهذا كأنه جعل حجة مستقلة عليه، كما يدل عليه قوله: ﴿شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: الآيتان ١٧٢، ١٧٣] فعلى هذا القول فأخذ الذُّرِّيَّات من ظهور بني آدم هو إيجادهم منهم قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل عن طريق التناسل المعروف. وعلى هذا القول فالإشهاد عليهم بلسان الحال بما نصب لهم من الأدلة، وما ركز فيهم من الفطرة. واختار هذا ابن كثير (^١)، والزَّمَخْشَرِي (^٢)، وغير واحدٍ من المتأخرين.
القول الثاني: وعليه أكثر المتقدمين من السلف، وهو الذي يدل له بعض الأحاديث الصحيحة، والقرآن قد يُرْشِدُ إليه: أنه هو الأخذ يوم الميثاق المعروف، أن الله ﵎ أخذ من ظهر آدم ومن ظهور ذرياته كل نسمةٍ سبق في عِلْمِهِ أنها مخلوقة إلى يوم القيامة فأخذهم بيده (جلّ وعلا) بعضهم للجَنَّة وبعضهم للنار، وجعل فيهم إدراكًا وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فقالوا: بلى. إلاّ أن هذا العهد لا يولد أحد إلا وهو ناسٍ له، والله (جلّ وعلا) أرسل
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٦٤).
(٢) الكاشف (٢/ ١٠٣).
[ ٤ / ٣١٠ ]
الرسل يُذَكرون بهذا العهد، وما ثبت عن الرسل هو وما حضره الإنسان في التحقيق واحد؛ لأن ما قاله رسول الله ﷺ نحن نجزم بوقوعه أشد مما نجزم بما شاهدناه ولاحظناه وتذكرناه.
وهذا القول قال به كثير من السلف، ودلت عليه أحاديث كثيرة من أصحها وأدلها عليه ما ثبت في الصحيحين -صحيح البخاري وصحيح مسلم- من حديث أنس بن مالك (﵁) أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللهُ لأَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عِنْدَكَ كُلُّ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ اللهُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَلَاّ تُشْرِكَ بِي فَأَبَيْتَ إِلَاّ أَنْ تُشْرِكَ بِي» (^١) فهذا الحديث ثابتٌ في الصحيحين من حديث أنس، وقد ذكر فيه النبي ﷺ أن عدم الإشراك أُخِذ عليهم وهم في ظهر آدم، فدل ذلك على أن قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أنه استخراج الله لهم، وإشهاده عليهم، ثم ردهم في ظهر أبيهم آدم. ومما يدل على هذا: أن الذين قالوا: إن معنى أخذهم من ظهورهم: هو تناسلهم قرنًا بعد قرنٍ، وجيلًا بعد جيلٍ، أنهم جعلوا ما ركب فيهم من الفطرة السليمة والعقول، وما نصب لهم من الأدلة القطعية كافيًا في قيام الحجة عليهم. والقرآن يدل على عدم صحة هذا القول؛ لأن القرآن العظيم - وهو كلام ربّ العالمين - دل على
_________________
(١) البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، حديث رقم (٣٣٣٤)، وأخرجه في مواضع أُخرى، انظر الأحاديث رقم: (٦٥٣٨)، (٦٥٥٧). ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب في الكفار، حديث رقم (٢٨٠٥)، (٤/ ٢١٦٠).
[ ٤ / ٣١١ ]
أنه لا يُقطع عذر أحد بنصب الأدلة، وتركيز الفطرة، وخلق العقول؛ بل لا ينقطع عذر بني آدم إلا بإرسال الرسل في دار الدنيا، إنذارهم مؤيَّدين بالمعجزات؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: آية ١٥] ولم يقل: حتى نخلق عقولًا ونركز أدلة وننصب فطرة. لم يقل شيئًا من هذا، وقال جل وعلا: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: آية ١٦٥] فبيّن أن حجة الناس لا يقطعها إلا إعذار الرسل وإنذارهم له.
وهذه الحجة التي بَيَّن في سورة النساء أنه أرسل الرسل لقطعها بقوله: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أوضحها في أُخريات سورة طه وأشار لها في القصص، قال في سورة طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه: آية ١٣٤] ولم يقل: لولا خلقت لنا عقولًا، ونَصَبْتَ لنا أدِلَّة، ورَكَّبْتَ فِينا فطرًا، لم يقل شيئًا من هذا. وأشار لها في القصص بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص: آية ٤٧]؛ لأنه قال: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ ولم يقل: لولا خلقت لنا عقولًا، وركزت فينا فطرة، ورتبت لنا أدلة. لم يقل شيئًا من هذا. وقد صرَّح (جلّ وعلا) بأن جميع أفواج النّار الذين يدخلونها يوم القيامة أنهم جميعهم أنْذَرَتْهُمُ الرُّسُل في دار الدنيا، وقطعت أعذارهم قبل الموت، وذلك في قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شيء إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك: الآيتان ٨ - ٩]،
[ ٤ / ٣١٢ ]
فقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ يدل على أن جميع الأفواج التي دخلت النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا.
وقد صرّح الله بذلك في سورة الزمر - التي ذكر فيها القيامة كأنك تنظر إليها- قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر: آية ٧١] وكذلك لما قسم الله (جل وعلا) الخلائق قسمين في سورة فاطر جعل المسلمين ثلاث طوائف في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: آية ٣٢] ثم ذكر الكفار فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: الآيتان ٣٦، ٣٧] فقوله: ﴿وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ هو محل الشاهد و﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام لما تَقَرَّر في الأصول أنّ صيغ الموصولات أنها من صيغ العموم؛ لأن الموصول من المعلوم أنه يعم كل ما تشمله صلته كما هو معروف في محله (^١).
وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ على القول الأول: بلسان [الحال] (^٢)، وعلى
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣١) من سورة الأنعام.
(٢) وقع للشيخ (﵀) في هذا الموضع سبق لسان، فالعبارة في الأصل: «على القول الأول: بلسان المقال، خلق فيهم عقولًا أدركوا بها ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ بلسان المقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أنت ربنا» وقد جرى تصويبه بين المعقوفين [].
[ ٤ / ٣١٣ ]
الثاني: بلسان [المقال] (^١) ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أنت ربنا.
واعلموا أن لفظة (بلى) تأتي في القرآن وفي اللغة العربية لِمَعْنَيَيْنِ لا ثالث لهما (^٢): أحد معنيي (بلى) المشهورين في كلام العرب وفي القرآن العظيم: أنّ (بلى) يُجاءُ بها لنفي نفي قبلها، فهي نقيضة (لا)؛ لأن (لا) لنفي الإثبات، و(بلى) لنفي النفي، فَيتقدم قبلها نفي فَيُؤْتَى بـ (بلى) لتنفي ذلك النفي فيصير ما بعدها إثباتًا؛ لأنّ نفي النفي إثبات، وهذا الوجه كثيرٌ في القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ: آية ٣] نفوا إتيان الساعة فنفى الله نفيهم إياها وأثبته، قال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: آية ٣] ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: آية ٧] وهذا الوجه كثير في القرآن ﴿فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: آية ٢٨].
الوجه الثاني: أن يُؤْتَى بلفظة (بلى) جوابًا لاستفهام مُقْتَرِنٍ بالنَّفْيِ خاصَّةً، ولا يُجاب بـ (بلى) استفهامٌ إلا الاستفهام المقترن بالنفي خاصة، وإذا جاءت (بلى) أحالت ذلك الاستفهام المقترن بالنَّفْيِ إِلَى طريق الإثبات أيضًا، كقوله هنا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: آية ١٧٢] وإذا أجَابَتِ الْعَرَبُ اسْتِفْهَامًا مقترنًا بالنفي بغير (بلى) فإنه ليس على القواعد العربية، فهو يُحفظ ولا يُقاس عليه. قال بعض علماء العربية: ربما أجابت العرب بـ (نعم) سؤالًا مقترنًا بنفي، وهو شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. قالوا: ومنه قول الشاعر (^٣):
_________________
(١) وقع للشيخ (﵀) في هذا الموضع سبق لسان، فالعبارة في الأصل: «على القول الأول: بلسان المقال، خلق فيهم عقولًا أدركوا بها ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ بلسان المقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أنت ربنا» وقد جرى تصويبه بين بين المعقوفين [].
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأعراف.
(٣) السابق.
[ ٤ / ٣١٤ ]
أَلَيْسَ الليلُ يَجْمَعُ أم عَمْرو وإيانَا فذاكَ لنا تَدَاني
نَعَمْ، وَتَرَى الهِلالَ كَمَا أَرَاهُ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلانِي
فالقياس أن يقول هذا الشاعر: «بلى» ولا يقول: «نعم» ولما قال: «نعم» صار يُحفظ ولا يُقاس عليه. وربما أجابت العرب استفهامًا غير مقترنٍ بالنفي بـ (بلى) إذا كان ذلك الاستفهام يُقْصَدُ به الاستبعاد والنفي، وهذا معروف في كلامهم، ولذا لما قال الأخطل يُعَيّر الجَحَّاف (^١):
أَلَا فاسأل الجَحَّافَ هل أنت ثائرٌ بقَتْلَى أُصيبَتْ من نُمير بن عامرِ
قال: «هل أنت ثائرٌ» ولكن هذا الاستفهام بـ (هل) يُضَمِّنه معنى: أنه لا يثأر بهم، ولا يقتل قَتَلَتَهم، ففهم ذلك وأجاب بـ (بلى) لأن الأخطل لما قال:
أَلَا فاسأل الجَحَّافَ هل أنت ثائرٌ بقَتْلَى أُصيبَتْ من نُمير بن عامرِ
أجابه الجَحَّاف بـ (بلى) لينفي النفي الذي ضَمَّنَه في (هل) بقوله (^٢):
بلى سَوفَ نبكيهم بكل مُهَنَّدٍ ونبكي نُميرًا بالرماحِ الخَوَاطِرِ
وهذا معنى قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾.
وقوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ اختلف العلماء هو مِنْ كلام مَنْ (^٣)؟!
فقال بعض العلماء: هو مِنْ كَلام الملائِكَة.
_________________
(١) ديوان الأخطل ص١٣٠.
(٢) البيت في الكامل للمبرد ص٦٢٤.
(٣) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٥٠)، القرطبي (٧/ ٣١٨)، شرح الطحاوية ص٣٠٨.
[ ٤ / ٣١٥ ]
وقال بعض العلماء: من كلام الله والملائكة. وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله: ﴿بَلى﴾ لما استخرجهم في صورة الذَّرِّ لَيْلَة الميثاق، وأخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أنت ربنا، قال الله والملائكة: ﴿شَهِدْنَا﴾ عليكم بهذا الإيمان وهذا الميثاق الذي التزمتم.
﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ وقرأ هذا الحرف عامة القُراء غير أبي عمرو: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ وقرأه أبو عمرو وحده من السبعة: ﴿أن يَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: الآيتان ١٧٢، ١٧٣] بالياء التحتية الدالة على الغيبة (^١).
والمعنى: أن الله شهد عليهم والملائكة لئلا يقولوا بعد هذا: كنا غافلين عن هذا، أو آباؤنا هم الذين سَنّوا الكفر وجعلوه طريقةً لنا.
فإن قيل: هذا لا يُولد أحدٌ إلا وهو ناسٍ له. قلنا: بأن الرسل تُذكرهم به، وتذكير الرسل إياهم به يجعله قطعيًّا كأنهم متذكرون سماعه من الله كما ذَكَرْنَا.
وقال بعض العلماء: يشهدُ بعضهم على بعض فيقول هؤلاء: شهدنا عليكم أيها القوم لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. ويقول البعض الآخر لمن شَهدَ عليهم من الآدميين: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦.
[ ٤ / ٣١٦ ]
وعلى هذا القول فالشهادة من شهادة بني آدم لما استخرجوا من ظهور آبائهم ليلة الميثاق في صورة الذر يشهد بعضهم على بعض، وهذا معنى قوله: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم نعلم.
﴿أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾ أولادًا سرنا على ما كان عليه آباؤنا، ولم نخترع الكفر، ولم نتخذه طريقًا ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٣] قد قدّمنا مرارًا (^١) أنه إذا جاءت همزة استفهام بعدها أداة عطف كالفاء، والواو، وثم أنها فيها وجهان من التفسير للعلماء:
أحدهما: أن همزة الاستفهام تتعلق بمحذوف، والفاء عاطفة عليه. وهذا الذي مال إليه ابن مالك في الخلاصة حيث قال (^٢):
وَحَذْفَ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ
وعلى هذا القول: أتعاملنا بغير ما فعلنا فتهلكنا بما فعل المبطلون؟
وقال بعض العلماء: همزة الاستفهام أصْلُهَا بعد الفاء، إلا أن للاستفهام صدر الكلام، فتَزَحْلَقَتِ الهمزة قبل الفاء، والفاء قبل الهمزة في الرُّتْبَة، فتكون الفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، والأول أظهر. وهذا معنى قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٣١٧ ]
المبطلون: هم الذين يأتون بالباطل وهو ضِدّ الحق، الذين عبدوا غير الله (جلّ وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٣].
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ وكذلك التفصيل الواضح. الكاف في محل وصفٍ لمصدر، أي: نُفَصِّل الآيات تفصيلًا كذلك التفصيل الواضح، كما بَيَّنَّا أخبار هذه الأمم، وما جَرَى عليها، وسبب إهلاك مَنْ هَلَكَ منها، ونجاة مَنْ نَجا منها. والتفصيل ضِدّ الإجْمَالِ ﴿نُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ ونُوَضِّحُهَا كذلك التفصيل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ولأجل أن يرجعوا إلى طريق الهدى فَصَّلنَاهَا ذلك التفصيل. فالظاهر أنّ متعلق الجملة محذوف، أي: ولأجل أن يرجعوا فَصَّلْنَاها ذلك التفصيل ليعتبروا به ويهتدوا به فينيبوا. وهذا معنى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ [الأعراف: آية ١٧٤].
[٢٤/أ] / قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ [الأعراف: الآيات ١٧٥ - ١٧٧].
﴿اتل﴾ معناه: اقرأ عليهم يا نَبِيَّ الله. نبأ: أي خَبَرَ هَذَا الذي آتيناه آيَاتِنَا فانْسَلَخَ منها. وهذا الذي آتاه الله آياته أكثر المفسرين يقولون (^١): إنه رَجُل مِنْ بَنِي إسرائيل. وبعض العلماء يقول: هو
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٥٢)، القرطبي (٧/ ٣١٩)، ابن كثير (٢/ ٢٦٤).
[ ٤ / ٣١٨ ]
رجل من الكنْعَانيِّين الجبارين الذين أُمر الإسرائيليون بقتالهم.
واعلموا أن قول من قال من العلماء إن معنى: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾: آتيناه النبوة. أنه قول باطل لا يُشك في بطلانه، كما أوْضَحه الماوردي وغيره (^١)؛ لأن الأنبياء لا يفعلون هذه الأفعال ولا يَنْسَلِخُون من آيات الله؛ لأن الله لم يجعل نبوّته إلا في مَنْ يَعْلَم أنَّه أهل لها، كما قدمنا إيضاحه في الأنْعَام في الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاته﴾ [الأنعام: آية ١٢٤] على إحدى القراءتين (^٢)، وهي أخبار إسرائيلية لم يدل شيء على صحة تعيين هذا ﴿الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ وأكثر المفسرين والمؤرخين يقولون: إنّه رجل من بني إسرائيل يُقال له: بلعام بن باعوراء. وبعضهم يقول: بلعم بن باعر، وفيه غير ذلك.
ومعنى ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ لا يقتضي النبوة، فكل من أُعطي شيئًا مِنْ كِتَابِ الله بواسطة نبي من الأنبياء فقد أُوتي الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: آية ٤] وهم ليسوا أنبياء، وقال في هذه الأمّة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: آية ٣٢] ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: آية ٦٣] فإنّ إيتاء الآيات قد يكون بالأخذ عن الرسل. والمفسرون يقولون: إن هذا الرجل الذي هو بلعام بن باعوراء -قبّحه الله- ويقال: بلعم بن باعوراء، أو ابن باعر، أو غير ذلك أنه أعطاه الله الاسم الأعظم، وبعضهم يقول: علمه الله شيئًا من كتبه المنزّلة، فكان يعلم
_________________
(١) النكت والعيون (٢/ ٢٧٩).
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص١٨٦، الكشف عن وجوه القراءات السبع (١/ ٤٤٩) وراجع منه ص٤١٥.
[ ٤ / ٣١٩ ]
بعض كتب الله التي أنزلها. وهذا معنى ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ سواء قلنا: إن الله علّمه بعض الكتب المنزلة، أو أنه علّمه الاسم الأعظم.
﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ -والعياذ بالله- انسلخ منها: خرج منها -والعياذ بالله- ولم يعلق به شيء منها.
والمفسرون يقولون: إنه بلعام بن باعوراء، وأنه أغراه الكنعانيون الجبارون بالمال فقالوا له: ادع على نبيّ الله موسى وقومه -مع أنّ نبيّ الله موسى الذي يذكر المفسرون أنه مات في التيه، وأنّ الذي دَخَلَ القرية وفتح الله على يَدَيْهِ يوشع بن نون وهم يزعمون في قصته أنهم أمروه أنْ يدعو على موسى- فقال: كيف أدعو على مَنْ مَعَهُ الملائكة؟ ولم يزالوا به يغرونه بالمال حتى دعا على موسى.
وبعض العلماء يقول: إنه دعا على موسى كان ذلك سبب التيه، وهذا بعيد جدًّا.
فعلى كل حال يقولون: إنه دعا على نبيّ الله موسى، فلما أراد أنْ يدعو عليه حوّل الله دُعَاءَهُ على القوم الذين يريدونه أنْ يدعو على موسى، فقالوا: دَعَوْتَ عَلَيْنَا. فقال: ما أقدر على غير هذا.
وقال بعض العلماء: إنه كان له ثلاث دعوات مُجَابَة أعطاه الله إياها، وأنه كان يعلم الاسم الأعظم فأعطاه الله ثلاث دعوات -وكل هذه إسرائيليات- يزعمون أن هذه الدعوات الثلاث المجابة أنه ضيّعها في امرأته كانت من أقبح نساء بني إسرائيل فلم تزل به حتى دعا الله أنْ يجعلها أجمل امرأة، فدعا الله فصارت أجمل امرأة، فلما بلغت هذا الجمال تكبَّرَتْ عنه وطلبت غيره، فدعا الله عليها فصارت كلبة نبّاحة، فآذى ذلك أولادها، ولم يزالوا به حتى دعا الله عليها أنْ
[ ٤ / ٣٢٠ ]
يرجعها إلى حالتها الأولى، فذهبت الدعوات كلها. وهذه إسرائيليات لا معوَّل عليها، يذكرها المفسرون.
وقال بعض العلماء: أغروا امرأته بالمال فلم تزل به حتى دعا على نبيّ الله موسى، وأنه لما دعا عليه اندلع لسانه فصار على صدره، وصار يلهث كما يلهث الكلب، وأنه قال لهم: إنه - والعياذ بالله خسر الدنيا والآخرة قال لهم-: لم يبق إلا المكر والحيلة؛ إن الله يبغض الزنا، فأرسلوا النساء متزينات إلى بني إسرائيل فإنْ زنوا أهلكهم الله. فأرسلوا لهم النساء فيما يزعمون فوقع منهم الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون. وغير هذا من روايات كثيرة إسرائيلية يحكيها المفسرون في تفسير هذه الآية من سورة الأعراف لا طائل تحتها ولا دليل على شيء منها (^١).
وكان بعض العلماء يقول (^٢): هذه الآية الكريمة تدل على أنّه لا ينبغي للإنسان أن يقلّد غير معصوم ويثق به كل الثقة؛ لأن هذا الإنسان ذكر الله أنه آتاه آياته وبعد ذلك صار مآله إلى أخس مآل وأقبحه -والعياذ بالله- حيث قال: ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾.
وقال بعض العلماء: هذه الآية نزلت في أميّة بن أبي الصلت الثَّقَفِي، وكان يقرأ الكتاب الأوّل، ويتعلم من الكتب الأولى، وكان يعلم عن الله بعض كتبه، وكان يعلم بأن جزيرة العرب سيُبعث فيها نبيّ، وكان يرجو أن يكون هو ذلك النبي، فلما بَعَثَ اللهُ نَبِيَّنَا ﷺ حسده وكفر. وقصة استنشاد النبيّ أخته الفارعة لشعره مشهورة في
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٩) من سورة الأعراف.
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٣٢٣).
[ ٤ / ٣٢١ ]
التاريخ معروفة، ويذكر المؤرخون أنّ النبيّ لما حَكَت عليه شِعْرَهُ قال: آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ (^١).
والله تعالى أعلم.
وبعض العلماء يقول: نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب ابن صيفيّ (قبّحَهُ اللهُ). وأبو عامر هذا رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ هو: والد حَنْظَلَةَ الغِسِّيل (﵁ وأرْضَاه)، الذي يذكر الإخباريّون وأصحاب المغازي أنّ الملائكة غَسَّلَتْهُ يَوْمَ أُحُدٍ؛ لأنه كان قَرِيب عرس بتزوج جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وأنّه كان يغتسل فاستخفّه القتال فلم يكمل غسله، فمات شهيدًا يوم أُحد، وأن الملائكة غسلته (^٢). هكذا يقول أصحاب المغازي والأخباريون.
_________________
(١) الرواية التي فيها استنشاد النبي ﷺ شعره، وأنه قال فيه: «فلقد كاد يُسلم في شعره» أخرجها مسلم في الشعر، حديث رقم (٢٢٥٥)، (٤/ ١٧٦٧)، من حديث الشريد ﵁. وأما رواية: «آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ» فقد أخرجها ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٢٧٢)، عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: أرأيت ما جاء عن النبي ﷺ في أمية بن أبي الصلت: «آمن شعره وكفر قلبه؟. . .» إلخ. وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١٩٧٣)، (٣/ ١٦٨) من وجه آخر من طريق هشام بن الكلبي عن أبيه. وقال الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٧٦): «وأخرج القصة - قصة قدوم أخته الفارعة على النبي ﷺ - الفاكهي في كتاب مكة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مطولة. وقد نقلها الثعلبي في تفسيره، وفيها أنها أنشدت النبي ﷺ عدة قصائد من شعره. . . فقال لها النبي ﷺ: «آمن شعره وكفر قلبه» ا. هـ. وانظر تفسير الثعلبي (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧). قلت: لم أقف في أخبار مكة في الرواية عن ابن عباس ﵄ ما يتعلق بقدومها على النبي ﷺ، ولا ما يتعلق بقوله ﷺ: «آمن شعره وكفر قلبه». وإنما روى واقعة أٌخرى، انظر: أخبار مكة (١٩٧٠، ١٩٧١)، (٣/ ١٦٦). والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير (فيض القدير) (١/ ٥٧)، وعزاه لأبي بكر الأنباري في المصاحف، والخطيب وابن عساكر ورمز له بالضعف. وقال المناوي في الفيض (١/ ٥٩): «ورواه عنه أيضًا الفاكهي وابن منده» اهـ. وقال في أسنى المطالب ص ٣١: «رواه الخطيب وهو ضعيف» اهـ. وأما خَبَر قُدوم أُخته الفَارِعة على النبي ﷺ فقد ساقه الخطابي بإسناده في كتابه غريب الحديث (١/ ٤٤٤) عن ابن عباس ﵄. ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٣٨٨) من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن شهاب، عن سعيد بن المسيب (مرسلًا). قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦): «وأخرج القصة أبو نُعيم من طريق ثعلب، عن ابن الأعربي، قال: قال ابن إسحاق بهذا السند نحوه. وأخرجها ابن أبي عاصم، وابن مَنْدَه، من طريق إبراهيم بن محمد بن يحيى السِّجْزِي، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس. . . قال الحافظ: وفي السند إلى ابن إسحاق ضعف. . .» ا. هـ.
(٢) أخرجه الإمام قوام السنة الأصبهاني في دلائل النبوة (١/ ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٥٧)، من حديث محمود بن لبيد ﵁. كما أخرجه البيهقي (٤/ ١٥)، والحاكم (٣/ ٢٠٤)، وقال: «صحيح على شرط مسلم» اهـ. وأخرجه ابن حبان (الإحسان) (٩/ ٨٤)، من حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده. وأخرجه البيهقي (٤/ ١٥)، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعامر الشعبي مرسلًا.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
فوالده هو أبو عامر هذا الخبيث الذي يُقال له: أبو عامر الراهب، وهو الذي حفر الحفر في الميدان يوم أُحد التي جاء النبي في واحدة منها وانتشله منها عَلِيّ بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله، كما هو مذكور في المغازي في غزوة أحد (^١). كان هذا الخبيث أبو عامر يقول للنبي ﷺ: إنّه على دين إبراهيم. فبيّن له النبي -فيما يذكرون- أنّه على الحنيفية بعد التغيير. وأنّه قال للنبي ﷺ: أمات الكاذب منا وحيدًا طريدًا (^٢). وسافر إلى الشام، وراح إلى بعض الملوك يريد جيشًا يُخرج به النبي ﷺ من المدينة، وهو الذي أوعز للمنافقين أنْ يبنوا له مسجد الضرار بقباء ليدبروا الشؤون فيه. وهو المذكور في قوله: ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: آية ١٠٧] هو أبو عامر هذا (^٣).
وقول من قال: إنّ آية الأعراف هذه في أمية بن أبي الصلت أو أبي عامر الراهب كله لا دليل عليه، وأكثر المفسرين يقولون: إنها في رجل علَّمه الله علم الكتاب من بني إسرائيل. وشذ قوم فقالوا: من الكنعانيين. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾.
_________________
(١) المغازي (١/ ٢٤٤)، ابن هشام ص٦٢٠ - ٦٢١.
(٢) ذكره ابن هشام في السيرة ص٦٢٠ - ٦٢١، وأبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ٩٣ - ٩٤).
(٣) أخرجه ابن جرير (١٤/ ٤٧٠)، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
﴿آيَاتِنَا﴾ هنا: آيات كتابه الشرعية.
﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾: خرج منها والعياذ بالله كما تنسلخ الحيّة من ثَوْبِهَا، ولم يعلق به منها شيء.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ العرب تقول: «أَتْبعه وتبعه واتَّبعه» بمعنى واحد ومعنى: (أتبعه الشيطان): اتّبعه الشيطان حتى لحق به وأدركه وجعله قرينًا له يذهب معه حيث يذهب. هذا معنى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾.
والشيطان في لغة العرب (^١): هو كل عات متمرِّد، فكل من كان عاتيًا متمردًا فهو شيطان في لسان العرب، سواء كان من الجن أو من الإنس، أو من غيرهما. وجاء في القرآن العظيم: إطلاق الشياطين على العتاة المتمردين من الإنس والجنّ، كما قال جل وعلا: ﴿شياطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: آية ١١٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شياطِينِهِمْ﴾ [البقرة: آية ١٤] أي: رؤسائهم وعتاتهم المتمردين، وفي الحديث: «الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» (^٢) وقد قال جرير وهو عربي قحّ (^٣):
أَيَّامَ يَدعُونني الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ وَكُنَّ يَهْوَيْنَني إِذْ كُنْتُ شَيْطَانًا
يعني: عاتيًا مُتَمَرِّدًا. واختلف العلماء في وزن الشَّيْطَان بالميزان الصرفي على قولين (^٤) أشار إلى كل واحد منهما سيبويه في كتابه، فقال المحققون: وزن الشيطان: (فَيْعَال) بالميزان الصرفي،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٣) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٣) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
فالزائد فيه: الياء والألف. وحروفه الصحيحة: الشين في مكان الفاء، والطاء في مكان العين، والنون في مكان اللام (شَطَن) وأنّ هذا أصله، وأن اشتقاق المادة من البُعد؛ لأنّه بعيد من رحمة الله تعالى غاية البُعد، والعرب تقول: نوىً شطون. أي: بعيد، وبئر شطون: بعيدة القعر، ومن هذا المعنى قول الشاعر (^١):
نَأتْ بِسُعَادَ عنكَ نَوىً شَطُون فبانتْ والفؤادُ بها حَزِينِ
ويؤيد هذا القول - أن وزن الشيطان بالميزان الصرفي (فَيعَال) وأنه من (شَطَنَ) - قول أمية بن أبي الصلت، وهو عربي قح فصيح (^٢):
أيُّما شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ ثم يُلقَى في السِّجْنِ والأَكْبالِ
فصرح عن الشيطان بالشاطن، وهو اسم فاعل (شطَن) من غير نزاع.
وقال قوم آخرون -وأشار له الشيخ عمرو أعني سيبويه في موضع من كتابه (^٣) - بأن وزن الشيطان (فَعْلَان) وأن الألف والنون زائدتان، وعلى هذا فأصله من (شَاطَ) فعلى هذا القول ففاء المادة شين، وعينها ياء، ولامها طاء. من (شاط) وأصله: (شيط) والعرب تقول: «شاط يشيط». إذا هلك؛ لأن الشيطان هالك لبعده عن رحمة الله. ومِن شاط بمعنى هلك قول الأعشى في شعره (^٤):
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٣) من سورة الأنعام.
(٤) السابق.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
قَدْ نُخْضِبُ العِيرَ من مَكنُونِ فَائِلِهِ وقد يَشِيطُ على أَرْمَاحِنَا البَطَلُ
أي: يهلك. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٥].
الظاهر أن (كان) هنا بمعنى (صار) وقد تَقَرَّرَ في علم العربية: أن (كان) تطلق ويراد بها صار. ومعنى قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ صار من الكافرين. وإطلاق (كان) بمعنى (صار) إطلاق معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (^١):
بتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمُطي كأنَّها قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِرَاخًا بُيوضُهَا
يعني: قد صارت فراخًا بيوضها. و﴿الْغَاوِينَ﴾ جمع الغاوي، والغاوي: صاحب الغي، والغي: الضلال (والعياذ بالله) فكان من الضالين أشد الضلال.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٧٦] القاعدة المقررة في علم العربية: أن فعل المشيئة إذا قُرن بالشرط حذف مفعوله؛ لأن جزاء الشرط يغني عن المفعول، فالمفعول محذوف، والأصل: ولو شئنا رفعه بها لرفعناه بها. ولا تكاد العرب تنطق بالمفعول -مفعول فعل الإرادة مع ربطه بالجزاء- وقد يذكر نادرًا، وجاء ذكر المفعول في مواضع من القرآن مع أنه مصدر منسبك من (أن) وصلتها في آيات غير كثيرة، كقوله جل وعلا: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى﴾ [الزمر: آية ٤] فجملة ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في محل مفعول (أراد) ولم يَكْتَف هنا بجزاء الشرط، ونحو ذلك من الآيات.
_________________
(١) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي. وهو في المقتصد في شرح الإيضاح (١/ ٤٠٢)، اللسان (مادة: عرض) (٢/ ٧٤٥).
[ ٤ / ٣٢٦ ]
وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ رفعه بها ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ لو شئنا رفع هذا الذي آتيناه آياتنا بتلك الآيات لوفقناه للعمل بها فعمل بها حتى مات عليها فكان مرفوع الدرجة رفيع الذكر في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ معناه: ركن ومال إلى لَذَّاتِ الدّنْيَا وحطامها وشهواتها فآثَرَها على آيات الله فسَلَخَهُ الله من آياته (والعياذ بالله). والعرب تقول: أخلد إلى الشيء: إذا رَكَنَ ومَالَ إلَيْهِ، وأصل الإخلاد: هو ملازمة الشيء والدوام فيه. فالعرب تقول: أخلد بهذا المكان: إذا لازَمَهُ ودَامَ فِيه، وهو معنى معروف في كلامها (^١)، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى (^٢):
لِمَنِ الدِّيَارُ غَشَيْتُهَا بِالْفَدْفَدِ كَالْوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
أي: اللازم محله. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الهوى بفتحتين: مَيلُ النفس، ولا يكاد يطلق إلا على ميلها لما لا ينبغي، وقد يُطلق في غير ذلك (^٣). واتباع الهوى (والعياذ بالله) هو أعظم الآفات.
ثم إن الله ضربه مثلًا قال: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: فصفته (والعياذ بالله) في خساسته وقبحه وملازمته الخساسة في جميع الأحوال ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ وهو الحيوان المعروف. وجملة: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ جملة شرطية، وهي في محل نصب في موضع الحال على ما حَقَّقَهُ بَعْض علماء العربية مِنْ أَنَّهُ لا مَانِعَ مِنْ
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٧٠).
(٢) مضى عند تفسير الآية (١٦٠) من سورة الأعراف.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
أَنْ تَأْتِيَ الجُمَل الشَّرْطِية أحوالًا (^١). المعنى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ في حال كون الكلب مُتَّصِفًا بأخس حالاته وهو مُدَاوَمَتُهُ اللَّهْث في جميع حالاته.
﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ معنى ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن تشد عليه وتطرده وتُجْهِده يلهث وإن ﴿تَتْرُكْهُ﴾ في رخاء ودَعة ﴿يَلْهَثْ﴾ والعرب تقول: لَهَثَ الكلب -بفتح الهاء- يَلْهَث -بفتحها؛ لأنه حَلْقِي العين- لَهْثًا ولُهاثًا: إذا فتح فاه ومَدَّ لسانه وصار يلهث، يطلع النَّفَسَ ويردها بقوة كفعل الذي أصابه إعياء وتَعَبٌ شَدِيد. وجميع الحيوانات لا يلهث شيء منها إلا إذا أصابه إِعْيَاء شديد، أو تعب شديد، أو عطش شديد، إلا الكلب وحده فإنه يلهث دائمًا، في حالة الرِّيّ يَلْهَث، وفي حالة العطش يلهث، وفي حالة الشد عليه والطرد والتعب يلهث، وفي حالة الرَّخَاءِ يَلْهَث، فهو يلازم اللهْث في جميع حالاته (^٢). واللهث مِنْ أخَسّ حالاته؛ لأنه فاتِحٌ فاه، مادٌّ لِسَانَهُ، يُطْلعِ النَّفَس وينزلها بقوة، وهذه مِنْ أخسّ الحالات وأقبحها، فضربه الله مثلًا لهذا الكافر، إن وَعَظْتَهُ وذَكَّرْتَهُ بآيات الله فهو كافر لا محالَةَ، لا يسمع ولا يتَّعِظ، كلهث ذلك الكلب في حالة الرخاء وعدم العطش. ﴿تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ إن وعظته لم يَتَّعِظْ، وإن تَرَكْتَهُ لم يَتَّعِظْ، فهو ملازم -والعياذ بالله- كفرانه وعصيانه على جميع الحالات. وهو في أخس تلك الحالات كالْكَلْبِ الذي يلازم لهثَهُ في جميع الأحوال، وهي حالة من أخس حالاته والعرب تُسَمِّي الذي أصابه شيء حتى بَهَظَه تقول: هذا لاهث، وتقول: فلان ملجأ
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٥١٦).
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٣٢٢)، الدر المصون (٥/ ٥١٧).
[ ٤ / ٣٢٨ ]
للاهث. معناه: ملجأ للمحزوب المحْزُون الذي فَدَحَه الأمر، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الشاعر وهو بعض الأزْدِيّين (^١):
فنِعْمَ فتى الجُلَّى ومُسْتَنْبَط النَّدى ومَلْجَأ محْزُوبٍ ومَفْزَع لاهِثِ.
عِيَاذُ بْنُ عَمْرِو بن الحُلَيْس بن جَابِر ابْن زَيْدِ بْنِ مَنْظُور بن زيد بنِ وَارِثِ
وهذا من تتابع الأعلام، ويسميه البلاغيون في البديع: اطرادًا. وشاهده المشهور عندهم قول الشاعر (^٢):
إنْ يقتلوكَ فقد ثَلَلْتُ عروشَهُم بعتيبةَ بن الحارثِ بن شهابِ
والمعنى: أن هذا الخبيث الكافر ضُرب له المثل بالكلب في أخس حالاته، فكما أن الكلب لا يفارق هذه الحالة الخسيسة مِنْ فَتْحِ فِيهِ وَمَدّ لِسَانِهِ وإِخْرَاج النفس بقوة فكذلك هذا الكافر لا يفارق هذه الحالة الخسيسة من الكفر وعدم الاتعاظ في جميع أحواله، إن وَعَظْتَه لا يَتَّعِظُ، وإِنْ تَرَكْتَهُ فكذلك، كما أن الكَلْبَ إذا شددت عليه وطردته وأتعبته -وهو معنى: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ - لهث، وإن تركته في رخاء ودعة لهث، فهو مُتَّصِفٌ بهذه الحالة القبيحة على كل حال. وكذلك هذا الخبيث متصف بتلك الحال القبيحة على كل حال. هذا معنى قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾.
وأما قول من قال: إن بلعام بن باعوراء لما دعا على نبي الله
_________________
(١) البيتان لابن دريد، وهما في ديوانه ص١٠٤.
(٢) البيت في البحر المحيط (٢/ ٢٨٥)، الدر المصون (٢/ ٥٦٠)، فتح القدير (٢/ ٢١١).
[ ٤ / ٣٢٩ ]
موسى اندلع لسانه فصار على صدره، فصار لسانه متدليًا - كلسان الكلب - يلهث كلهاث الكلب، وأن هذا معنى قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ الآية. هذا التفسير غير صحيح، بل الصحيح أنه مثل مضروب كما بيّنَّا، ويدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ وصفتهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ في ملازمتهم حالة الكفر والتكذيب القبيحة كمثل هذا الكلب في ملازمته حالة اللهث القبيحة في جميع أحواله.
﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ ﴿فَاقْصُصِ﴾ معناه: اقصص عليهم يا نبي الله ﴿الْقَصَصَ﴾ أي: هذا الخبر كخبر بلعام بن باعوراء وغيره ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لأجل أن يتفكروا ويُعملوا أفكارهم فيتعظوا بمثلات الله وما أوقعه بالذين عصوه في الزمن الماضي لينزجروا وينكفوا. وهذا معنى قوله: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٦].
وقوله: ﴿سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ (ساء) بمعنى: بئس. و(مثلًا) مُمَيِّز. و(القوم) فاعل بئس (^١) ﴿مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ساء مثلهم والعياذ بالله؛ لأنه مثل السوء ﴿سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ (^٢) كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٧].
يقول الله (جل وعلا): ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ
_________________
(١) هذا الإعراب لا يخلو من إشكال، وللوقوف على كلام المعربين انظر: القرطبي (٧/ ٣٢٤)، البحر المحيط (٤/ ٤٢٥)، الدر المصون (٥/ ٥١٨).
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وبقية الآية معروفة.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلله الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: الآيات ١٧٨ - ١٨٦].
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: آية ١٧٨] لما ذكر (جل وعلا) قصة الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها -والعياذ بالله- وبيّن أنه لو شاء رفعه بتلك الآيات وهداه إلى العمل بها في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ صرَّح بأن المهتدي هو من هداه الله، والضال هو مَنْ أضَلَّه الله ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ الأصل: من يهده الله. فحذف المفعول لدلالة المقام عليه.
﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ والمهتدي هو السالك طريق الهدى التي تستلزم رضا الله ونيل ما عنده من الرضوان والجنات.
﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ حذف المفعول أيضًا و«مَن» شرطية في الموضعين، أي: ومن يضلله الله. مضارع أَضَلَّه يَضِلُّه إضلالًا. ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن بكثرة حجة على القدرية الزاعمين أن الله لا يضل أحدًا، فقد تكلمنا في هذه الدروس مرارًا على مسألة القدر (^١)، وأن التحقيق أنه لا تقع في الكون تسكينة
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٣١ ]
ولا تحريكة إلا بمشيئة خالق السماوات والأرض -جل وعلا- والعباد لا يخلقون أعمالهم بل ما يشاءون إلا أن يشاء الله، كما صرح الله به، والقدرية على كثرتهم وكثرة حججهم وجدالهم يأتون بشبه فلسفية يزعمون أنهم ينزهون الله بها، وهم يقعون في أعظم مما فروا منه بأضعاف، يقولون: إن الله أعظم وأنزه وأَجَلّ وأكرم من أن يريد الإضلال والقبائح والمعاصي. قالوا: فهو أَجَلُّ وأعظم وأكرم وأنْزَهُ من أن يكون الزنا بمشيئته، وأن تكون السرقة بمشيئته ونحو ذلك. فأرادوا أن ينزهوه عن أن يشاء السرقة والزنا والإضلال والقبائح، ووقعوا في الداهية الكبرى والطامة العظمى، هو أنهم جعلوا بعض خلق الله إلى غيره من خلقه، وجعلوا أن المكلف يخلق أعمال نفسه، فصارت عندهم أعمال المكلفين ليست بمشيئة الله، فسلبوه ملكه وقَدَره ومشيئته وكل شيء، قبحهم الله!
والتحقيق في هذه المسألة: أن الله (جل وعلا) سبق في علمه وسابق أزله أن بعض من يخلقهم مجبولون على الخبث، وأنه سيشاء منهم أن يشاءوا أعمال أهل النار حتى يدخلوها، وأن قومًا آخرين قوم طيبون، وأنه يشاء منهم أن يعملوا أعمال أهل الجنة فيدخلوها، ثم إن الله (جل وعلا) يصرف بقدرته ومشيئته مشيئة العبد وقدرته حتى يأتي العبد ما سبق له في كتابه من شقاوة أو سعادة يأتيه طائعًا مختارًا ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: آية ٣٠] فلو فرضنا أن قدريًّا قال لسنّي: هذه الأعمال كتبها الله في سابق الأزل وجفت الأقلام وطُويت الصحف، أو هو شيء مُستأنف؟ فمذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- هو إثبات القدر، وأن كل شيء قضاه الله وقدَّره، وأن الكائنات صائرة إلى ما شاءه الله وقدَّرَه (جل وعلا)، وأنه خلق خلقًا
[ ٤ / ٣٣٢ ]
وقال: هؤلاء للنار ولا أُبالي، وخلق للجنة خلقًا، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (^١)
والله يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: آية ٤٧] مثلًا لو قال القدري: هذه المعاصي والذنوب التي كانت سبب كونه في النار، قال البعيد: قدرها الله عليه، وسبق في علمه أنه مرتكبها، وأنه هو لو شاء لقلب العِلْم الأوَّل السابق في ذلك جهلًا لا يمكنه ذلك فما شاءه الله وعلمه وقدره في الأزل واقع لا محالة. فيقول البعيد: هو إذن مجبور. فإن السني يقول له: جميع الأسباب التي أعطاها الله للمهتدين أعطاك مثلها، فالعيون التي أبصروا بها آياته حتى آمنوا أعطاك عينين مثلها، والقلوب التي فهموا بها عن الله آياته حتى اهتدوا أعطاك مثلها، والآذان التي سمعوا بها آيات الله واتعظوا بها حتى اهتدوا أعطاك مثلها، ولكن وقع التفاوت في شيء واحد: وهو أن الله (جل وعلا) وفق هؤلاء لما يرضيه، وصرف قدرتهم ومشيئتهم بقدرته وإرادته إلى عمل أهل الجنة، وأنت لم يوفقك لما يرضيه، وهذا التوفيق ليس واجبًا لك عليه حتى تدعي عليه أنه ظلمك!! وقد ذكرنا مرارًا (^٢) أن هذا
_________________
(١) أخرجه مسلم في القدر، باب حجاج آدم وموسى (﵉) حديث رقم: (٢٦٥٣)، (٤/ ٢٠٤٤). ولفظه عند مسلم: «كتب الله مقادير الخلائق ». وفي لفظ عند البيهقي في الأسماء والصفات: «قدر الله المقادير » وفي لفظ: «فرغ الله (﷿) من المقادير وأمور الدنيا ».
(٢) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
أَوْضَحَتْهُ مناظرة أبي إسحاق الإسفراييني مع عبد الجبار - من كبار المعتزلة القدريين القائلين بهذا المذهب - وأن عبد الجبار جاء يتقرب بهذا المذهب فقال عند أبي إسحاق: سبحان من تَنَزَّه عن الفحشاء! يعني أنه تَنَزَّهَ عن أن تكون السرقة والزنا ونحوها بمشيئته.
فقال أبو إسحاق: كلمة حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطل. ثم قال أبو إسحاق: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء!
فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟
فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني لِلْهُدَى وقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى، دَعَاني وَسَدَّ الباب دوني أتراه أحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أسَاءَ؟
قال أبو إسحاق: أرى هذا الذي منعكه إن كان حقًّا واجبًا لك عليه فقد ظَلَمَك وقد أساء، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل. فبُهِتَ عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب!! ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: آية ١٤٩] مَنُّهُ بالتوفيق على قوم وعدم مَنِّهِ بالتوفيق على آخرين حجته البالغة.
وذكروا أن عَمْرَو بن عبيد -كبير المعتزلة، المشهور بالعبادة والنسك، وهو من كبار أهل هذا المذهب الخبيث- جاءه بدوي أعْرَابي يقول له: إنَّ دَابَّتَهُ سُرِقَتْ. يريد أن يدعو الله ليردها عليه، فأراد عمرو بن عبيد التقرب بهذا المذهب الخبيث فقال: اللهُمَّ إِنَّهَا سُرِقَتْ وَلَمْ ترد سرقتها فارْدُدْهَا عليه. فقال له الأعرابي البَدَوِيّ
[ ٤ / ٣٣٤ ]
الجاهل: ناشدتك اللهَ يَا هَذا إلا ما كففت عني من دُعَائِكَ الخبيث، إن كانت قد سُرقت ولم يُرد سرقتها فقد يريد ردها ولا تُرد (^١)، فالذي يُفعل الشيء دونه ولا بمشيئته فأنا لست على ثقة منه أن بيده شيئًا.
فالحاصل أنهم وقعوا في شَرٍّ مما فَرّوا منه. والدليل القاطع الذي لا يترك لهم شبهة هو دليل العلم، وإيضاح ذلك أنك تقول للمعْتَزلي القدري إذا ناظرته: هل أنت مقر بأن الله (جل وعلا) يعلم ما يكون قبل أن يكون؟ فلا بد أن يقول: نعم؛ لأن كل من يقر بالإسلام يقر بهذا. فتقول له: إذن هذا العمل الذي زعمت أن العبد يخلقه بقدرته وإرادته من غير مشيئة لله آلله عالم أنه يقع من هذا العبد؟ فيقول: نعم. فقل له: لو شاء العبد أن يعمل ذلك العمل ويستقل به مخالفًا لما سبق به علم الله الأزلي [فهل يمكنه ذلك؟] (^٢) فقولك إنه مستقل به يقتضي أنه يمكنه أن يعمل عملًا مستقلًا غير ما سبق به العلم، فينقلب علم الله جهلًا -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون الفجرة علوًّا كبيرًا- فإذن لا بُدَّ أن يكون العمل مطابقًا لما سبق به علم خالق السماوات والأرض في أزَلِهِ.
فالحاصل أن الله (﵎) خلق للنار خلقًا علم أنهم من أهل النار وأنها أولى بهم، وخلق للجنة خلقًا علم في أزَلِهِ بأنَّهُمْ أهْل لها، ثم إن الله (﵎) يُيَسِّر كُلًا من الفريقين لما خلقه له، فيعمل هؤلاء بعمل أهل الجنة حتى يدخلوها، وهؤلاء بعمل أهل النار حتى يدخلوها، وقد جاءت أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ
_________________
(١) السابق.
(٢) ما بين المعقوين [] زيادة يقتضيها السياق.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
بمثل هذا، منها حديث عمران بن حصين المتفق عليه المشهور أنهم لما سألوا النبي ﷺ وأخبرهم أن الأمر قُضي وفُرغ منه قالوا له: ففيم العمل؟ أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال لهم ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (^١) فالله (جل وعلا) لا يقع في ملكه شيء إلا بمشيئته، يَصْرف قُدر قَوْمٍ وإراداتهم إلى ما هو أليق بهم، ويَصْرف قُدر قوم وإراداتهم إلى ما هو أليق بهم فيعمل هؤلاء بعمل أهل الجنة، وهؤلاء بعمل أهل النار، وإنما كان ذلك من حكمته (جل وعلا) لتظهر بذلك أسرار أسمائه وصفاته في خلقه؛ لأنه لو لم يصرف قدرة قوم ومشيئتهم إلى ما لا يرضيه حتى يعذبهم لم يظهر بطشه وقوته وشدة نكاله التي تستوجب الخوف منه، فخلق قومًا فَصَرَفَ قُدرهم وإراداتهم لما يستوجبون به النار ليظهر بذلك سر أسمائه وصفاته، من جبروته وقوَّتِهِ وبطشه وشدة عذابه ليخافه خلقه، وصَرَفَ قُدَرَ قوم وإراداتهم إلى ما يستوجبون به جنته ليظهر بذلك أسرار بعض أسمائه وصفاته من رحمته ولطفه وعدله (جل وعلا) وغير ذلك؛ ولذا قال: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: آية ١٧٨] من أضله الله فقد ضل (والعياذ بالله)، وكل الناس ضال إلا مَنْ هَدَاهُ الله، ولا مهتد إلا مَنْ هَدَاه الله.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^٢) أن لفظ الضلال يطلق في القرآن العظيم وفي اللغة العربية إطلاقات مشهورة معروفة، من أشهرها ثلاثة إطلاقات معروفة في القرآن وفي كلام العرب:
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
منها: إطلاق الضلال على الضلال عن طريق الهدى إلى طريق الزيغ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار، كما في هذه الآية ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: آية ٧] وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: آية ٧٧] وهذا أغلب استعمال الضلال والعياذ بالله.
الاستعمال الثاني: هو إطلاق الضلال على الغَيْبَةِ والاضمحلال، تقول العرب: «ضل هذا الشيء». إذا غاب واضْمَحَلَّ ولم يبق له وجود. تقول العرب: «ضَلَّ السمن في الطَّعَام» إذا غاب فيه واضْمَحل ولم يبق له أثر. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأخطل (^١):
كُنْتَ القَذَى في مَوْجٍ أَكْدَرَ مُزْبِد قَذفَ الأَتِيُّ به فَضَلَّ ضَلَالًا
أي: غاب غيبوبة واضمحل اضمحلالًا. ومنه بهذا المعنى قول الآخر (^٢):
أَلَمْ تسألْ فتخبركَ الديارُ عن الحي المُضَلَّلِ أينَ سَارُوا
ومعنى (المُضَلَّل): الذي ذهب على مرِّ العصور ولم يبق لهم أثر. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: آية ٣٠] أي: غاب واضمحل ولم يبق له أثر. ولأجل إطلاق العرب اسم الضلال على الغيبة والاضمحلال أطلقوه على الدفع في القبر، تقول العرب: أضلوا الميت في قبره. إذا دفنوه فيه؛ لأنه إذا
_________________
(١) السابق.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
دُفن فيه يؤول إلى أن تختلط أجزاؤه وعظامه في الأرض فيغيب فيها ويضمحل كما يغيب السمن في الطعام، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: آية ١٠] يعنون بقولهم: ﴿ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ أنه اضمحلت عظامهم ولحومهم وجلودهم فيها فأكلتها واختلطت بها. وإطلاق العرب الإضلال على الدفن مشهور في كلامهم وأشعارهم، ومنه قول المُخَبَّل السعدي يرثي قيس بن عاصم التميمي المنقري المشهور (^١):
أَضَلَّت بنُو قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَمِيْدَهَا وفَارِسَهَا في الدهْرِ قيسَ بن عَاصِمِ
وقوله: «أضلت» يعني: دفنته في قبره. ومنه بهذا المعنى قول نابغة ذبيان يرثي بعض ملوك الغسانيين الذين كانوا بالشام، وقد مات ودُفن بالجولان، وسمع أولًا أنه مات، وجاء تكذيب موته، حتى جاء الذين دفنوه وأخبروه بموته وقال شعره المشهور فيه، الذي منه (^٢):
فإنْ تَحْيا لا أملكْ حياتي وإنْ تَمُتْ فما في حياتي بعدَ موتِكَ طائِلُ
فآبَ مُضِلُّوهُ بعينٍ جَلِيَّة وغُودِرَ بالجَولانِ حَزمٌ ونَائِلُ
[٢٤/ب] / فقوله: «مضلوه» يعني دافنيه. وقوله: «بعين جلية» أي: بخبر يقين أنه مات حقًّا؛ لأنهم هم الذين أضلوه ودفنوه في قبره. وهذا معنى معروف في كلام العرب، يكثر في كلامها.
وأما الإطلاق الثالث من إطلاقات الضلال: فإنه جاء في القرآن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٦) من سورة الأنعام.
(٢) هذان البيتان مضى ذكرهما مضى عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
وفي لغة العرب إطلاق الضلال على الذهاب عن علم الشيء، فكل ما لم يهتدِ إلى علم شيء تقول العرب: ضل. أي: لم يهتد إلى علم هذا الشيء بعينه. وهو بهذا المعنى يكثر في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قول أولاد يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: آية ٨] أي: ذهاب عن علم الحقيقة حيث يُفَضِّل يوسف على هذا (^١) من الرجال. وقوله: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ [يوسف: آية ٩٥] أي: ذهابك عن حقيقة العلم بالشيء؛ لأنك تظن يوسف حيًّا، ولا يريدون الضلال في الدين؛ لأنهم لو أرادوا الضلال في الدين لكانوا كفرة لتضليلهم نبيًّا من الأنبياء. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: آية ٥٢] أي: لا يذهب عنه علم شيء ولا ينسى شيئًا. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: آية ٢٨٢] ﴿أَن تَضِلَّ﴾ يعني: تذهب عن علم حقيقة المشهود به فتذكرها الأخرى. قال بعض العلماء: وأنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: آية ٧] على القول بذلك، ووجهه أن المعنى: ووجدك يا نبي الله ضالًا؛ أي: ذاهبًا عن هذه العلوم التي لا تُعلم إلا بالوحي فهداك إليها وعلمك إياها بالوحي كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: آية ٣] فالغافلون ضالون ذاهبون عن علم حقيقة هذه العلوم، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء﴾ الآية
_________________
(١) أي: الجمع.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
[الشورى: آية ٥٢]. ومن إطلاق الضلال على الذهاب عن حقيقة علم الشيء قول الشاعر (^١):
وتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِيْ أَبْغِيْ بِهَا بَدَلًا أُرَاها في الضَّلَالِ تَهِيمُ
معناه: أراها في عدم معرفة حقيقة الشيء وهذه المعاني للضلال، وبعضهم يذكر أنه يُطلق على (الحُب) وليس إطلاقًا معروفًا مشهورًا كمعرفة هذه الإطلاقات، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
والخاسرون جمع الخاسر. وبعض العلماء يقول: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: الهالكون. وأصل الخسران (^٢): هو ذهاب مال التاجر، سواءً كان ربحًا أو رأس مال، وكل من خسر شيئًا من ماله فقد خسر. وخسران الناس: المراد به غبنهم حظوظهم من ربهم (جل وعلا) (^٣)، وقد أقسم الله (جلّ وعلا) على أن هذا الخسران لا ينجو منه أحد إلاّ بتلك الصفات المقررة المعروفة في تلك السورة الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ الألف واللام للاستغراق، فهو بمعنى: إن كل إنسان كائنًا من كان لفي خسر، أي: في غبن من حظوظ ربه (جل وعلا) ونقص ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات ١ - ٣].
وخسران الناس: أي: غبنهم في حظوظهم من ربهم (جل وعلا).
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٩) من سورة الأعراف.
(٣) السابق.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
ذكرنا في هذه الدروس مرارًا أنه جرت عادة بعض العلماء في أن يضربوا له مثلين يبين بهما حقيقته (^١):
المثل الأول: قالوا: إن كل إنسان معمر أعطاه الله (جل وعلا) رأس مال، ورأس هذا المال هو الجواهر التي لا يزنها في الدنيا شيء، ولا يقوم مقامها شيء، وهي رأس مال كل إنسان. ونعني بهذه الجواهر: ساعات العمر وأيَّامه؛ لأن رأس مال الإنسان هو ساعات عمره وأيامه، وهذا هو أنفس شيء وأعظم شيء يُعطى للإنسان، وهو رأس ماله، وكما أن الله لما جَعَلَهُ رأس ماله جعله أخا الرسول أيضًا في إقامة الحجة عليه به حيث قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٧] فإذا كان الإنسان المُعمر -سواء عُمِّر تعميرًا طويلًا أو غيره كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَاّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: آية ١١] فإن كان هذا المُعمر- حاذقًا لبقًا يعرف كيف يحرك رؤوس الأموال، وكيف يستفيد منها، حرك رأس هذا المال -أعني ساعات عمره وأيامه حركها- فيما يرضي الله، فراقب اللحظات والأيام والليالي والدقائق والثواني لئلا يضيع شيء منها في غير طاعة الله، فنظر الأوقات التي تتوجه فيها أوامر من ربه -كأوقات الصلاة، وأوقات الحج، وغير ذلك من المطلوبات التي لها أوقات تتوجه عند وجودها- فقام لله بذلك أحسن قيام، ثم إنه في الأوقات التي لا تتوجه بها وظائف من رب العالمين، وأوامر معينة يكفُّ شرَّه ويخاف الله (جل وعلا) ويستكثر من الخير ما استطاع، فإذا حرك هذا رأس هذا المال هذا التحريك العظيم وتَجِر مع رب العالمين هذه التجارة الرابحة ربح منها
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٣٤١ ]
مُلكًا لا ينفذ، ربح منها الحور العين والجنات والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم. وقد سمى الله تحريك رأس هذا المال معه (جل وعلا) على الوجه الذي ذكرنا سمّاه (بيعًا) وسَمَّاهُ (شِرَاءً)، وسَمَّاهُ (تجارة)، وسماه (قَرْضًا)؛ لأنّ صاحبه حرّك رأس ماله -وهو أيام عمره - تحريكًا حسنًا لائقًا؛ ولذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [الصف: الآيتان ١٠، ١١].
فصرح بأن ذلك تجارة مع الله، وقال جل وعلا: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: آية ٢٩] وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: آية ١١١].
وقال جل وعلا: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: آية ٢٤٥] فإذا كان صاحب رأس هذا المال المسكين رجلًا أحمق لا يعرف حقائق الأشياء، ولمْ يَتَنَوَّر باطنه بنور الوحي، لمْ يعرف قيمة رأس هذا المال، ولا قَدْرَ هَذِهِ الجواهر التي أعطاه الله فضيعها في قال وقيل، ولم يكتسب منها شيئًا حتى ينتهي الأجل المحدد له فيُجر إلى القبر وهو صفر الكفين، والآخرة أيها الإخوان دار لا تصلح للمفاليس، لا تصلح للفقراء؛ لأن ليس فيها إرفاق، ولا عارية، ولا صدقة، ولا خلة، ليس فيها للإنسان إلا ما قَدَّمَهُ مِنْ عَمَلِهِ، فَلا يَنْبَغِي للإنسان أن يقدم عليها مُفْلِسًا، فيجب على المسلمين كلًاّ أن يحترموا رأس هذا المال (^١).
إذا كان رأسُ المالِ عمركَ فاحتَرِزْ عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ في غَيْرِ وَاجِبِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩) من هذه السورة.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
فلا ينبغي للمسلم أن يضيع أوقات عمره في لعب الأوراق، وفي قيل وقال، فإن هذا فعل السفهاء، ولا يدري في أيِّ وقت يموت. وأنا أؤكد لكم كل التوكيد أنه إن مات ندم غاية الندم بعد فوات الفرصة على ضياع هذه الأعلاق النفيسة، والجواهر الثمينة -التي هي أيام عمره- في قال وقيل، ولعب أوراق، وربما كان ضيعه في أشياء لا ترضي من خلقه (جل وعلا)، فهذا لا ينبغي، فعلينا معاشر المؤمنين أن نَعْرِفَ قَدْرَ رَأْسِ مَالِنَا، وأن نُقدِّر أعمارنا، ونعرف قصرها، ولا ندري في أيِّ وقت تَنْخَرِمُ كما سيأتي قوله في هذه [السورة] (^١): ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] فلا نضيعه فيما لا يعني كألعاب الأوراق، والمجون والعبث، وغير ذلك مما لا يفيد، فهذا فعل السفهاء، وسيعلم صاحبه إذا انتهى إلى ربه أنه فعل السفهاء الذي لا يُجدي، فعليه أن يكفَّ عنه، ويكون رجلًا جديًّا، ويصدق المعاملة فيما بينه وبين ربه (جل وعلا)، ولا يترك أوقاته تضيع هدرًا؛ لأن هذا تضييع لجواهر عظيمة، وأعلاق نفيسة، لا يعرف قدرها إلاّ من علمه الله ذلك.
المثل الثاني المضروب لهذا: هو ما ذكره بعض العلماء وقد جاء به حديث عن النبي ﷺ، والظاهر أن سنده لا يقل عن درجة القبول (^٢) أن الله (جل وعلا) جعل لكل إنسان مسكنًا في الجنة ومسكنًا في النار، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار لو أنهم كفروا بالله وعَصَوْهُ لِتَزْدَاد غبطَتُهُم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ
_________________
(١) في الأصل: (الآية) وهو سبق لسان.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٩) من هذه السورة.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] ثم إنَّه يُري أهل النار منازلهم في الجنة لو أنهم آمنوا بالله وأطاعوه لتزداد ندامتهم وحسرتهم والعياذ بالله. وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: آية ٥٧] ثم إن الله يجعل مساكن أهل النار في الجنة لأهل الجنة، ومساكن أهل الجنة في النار لأهل النار، ومن استبدل مسكنه في الجنة بمسكن غيره في النار فصفقته خاسرة، فهو خاسر لا محالة، وذلك طرف من هذا الخسران الذي دلت عليه آيات القرآن العظيم؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٨].
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩] اللام موطئة لقسم محذوف، و(قد) حرف تحقيق تضمنت معنى التوكيد.
و﴿ذَرَأْنَا﴾ معناه: خلقنا. العرب تقول: ذرأ الله الخلق؛ أي: خلقه. فصيغة الجمع في قوله: ﴿ذَرَأْنَا﴾ صيغة تعظيم؛ لأن الله خلق خلقًا للنار فقال: هؤلاء في النار ولا أُبالي.
وقوله: ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ بعض العلماء يقول: هي طبقة من طبقات جهنم، ولكنها تطلق على جميع طبقات النار، كما قال تعالى في جهنم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: آية ٤٤] فجهنم تطلق على جميع طبقات النار، وإن كان بعض العلماء يزعم أنها طبقة من طبقاتها السبع.
واختلف العلماء في لفظة (جهنم) هل أصلها عربية أو مُعَرَّبة (^١)؟ بناء على قول من يقول: إنَّ فِي القرآن كلمات
_________________
(١) انظر: اللسان (مادة: جهنم) (١/ ٥٢٥)، الدر المصون (٢/ ٣٥٥).
[ ٤ / ٣٤٤ ]
مُعَرَّبة (^١). والتحقيق الذي هو الأشبة أن القرآن كله عربي إلا الأعلام. وما دمنا نقول: أخذ العرب هذه الكلمة من الجيل العجمي الفلاني فلِمَ لا نقول: إن ذلك الجيل الأعجمي أخذها عن العرب؟ الكل محتمل ولا دليل على أنه أخذها خصوص هؤلاء عن هؤلاء، فعلينا أن نتمسك بالعموم في قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: آية ١٩٥] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: آية ٢] ولا خلاف في الأعلام أن فيه أعلامًا عجمية. هذا لا نزاع فيه؛ لأن العَلَم يُحكى بلفظه في أي لغة كان كما هو معروف.
وقال بعض العلماء الذين يقولون إن في القرآن مُعَرَّبًا: إن (جهنم) أصلها فارسية. والذين قالوا هذا القول يزعمون أن في الفارسية القديمة إطلاقًا (كَهَنَّام) على النار، وأنها عَرَّبتها العرب وأبدلت الكاف جيمًا، والله أعلم بصحة هذا.
وقال جماعة من علماء العربية (^٢): أصل الكلمة عربية، ووزنها بالميزان الصرفي (فَعَنَّل) فالنون المشددة زائدة، وأصل الحروف الأصلية: الجيم في مكان الفاء، والهاء في مكان العين، والميم في مكان اللام، من: جَهَمَه يَجْهَمُه وتَجَهَّمَهُ إذا عبس في وجهه وقَطَّبَ وجهه وعقده فيه. قالوا: سُميت (جهنم) لأنها تلقى من يدخلها بوجه عابس مقطب متجهم، وأنهم تعبس وجوههم، وتَجَهَّم فيها من شدة ما يلاقون من عذابها والعياذ بالله. وهذا المعنى معروف في كلام
_________________
(١) في هذه المسألة انظر: الرسالة (٤١ - ٥٣)، ابن جرير (١/ ١٣)، ابن عطية (١/ ٣٦)، القرطبي (١/ ٦٨)، ابن كثير (١/ ٨) البحر المحيط للزركشي (١/ ٤٤٩)، (٢/ ١٧٠) شرح الكوكب (١/ ١٩٢).
(٢) انظر: الدر المصون (٢/ ٣٥٥).
[ ٤ / ٣٤٥ ]
العرب، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني (^١):
لَا تَجْهَمينَا أُمَّ عَمْرٍو فَإِنَّمَا بِنَا دَاءُ ظَبْيٍ لمْ تخُنْهُ عوامِلُه
ومن هذا المعنى قول مسلم بن الوليد الأنصاري، وإن كان شعره يصلح مثالًا لا شاهدًا لتأخر وقته (^٢):
شَكَوْتُ إِلَيْهَا حُبَّهَا فَتَبَسَّمَتْ ولَمْ أَرَ شَمْسًا قَبلَهَا تَتَبَسَّمُ
فَقُلْتُ لهَا جُودِي فأَبْدتْ تَجَهُّمًا لِتَقْتُلَنِي يَا حُسْنها إذ تَجَهَّمُ
وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي: خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أي: لصيرورتهم إلى النار يوم القيامة ﴿كَثِيرًا﴾ خلقًا كثيرًا ﴿مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ لأن الجن يدخلون النار بلا خلاف إذا عصوا الله كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: آية ٣١] ولا خلاف بين العلماء أن النبي ﷺ مرسل للإنس والجن، وأن كفار الجن يدخلون النَّار، وإنما اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو لا يدخلونها (^٣)؟ فشَذَّ قوم وقالوا: إن المؤمنين من الجِنِّ لا يدخلون الجنة وإنما جزاؤهم الإجارة من النار، واستدلوا لهذا بدليل لا ينهض، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قالوا: دلت الآية على أن إجابتهم داعي الله والإيمان به إنما ينالون منها غفران الذنوب والإجارة من العذاب دون دخول الجنة. والظاهر أن المؤمنين من
_________________
(١) البيت في اللسان (مادة: جهم) (١/ ٥٢٤)، الأضواء (٢/ ٤٧٣).
(٢) البيتان في ديوانه ص١٤٣، وهما في الأضواء (٢/ ٤٧٣).
(٣) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
الجن يدخلون الجنَّة كالمؤمنين من الإنس، وقد دلت على هذا آيات من كتاب الله قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: آية ٥٦] فَفُهم منه أن في الجنة جانًّا يطمثون النساء. ومن أصرح الأدلة -أن الجن يدخلون الجَنَّة- قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: آية ٤٦] فهذا شامل للإنس والجن يقينًا بدليل قوله بعده مخاطبًا للجن والإنس: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: آية ١٣] وهذا نصٌّ قرآني لم يقم ما يعارضه فلا ينبغي العدول عنه. وهذا معنى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩].
ثم إنه تعالى ذكر صفات الكفار الأشقياء الذين سبق في علم الله أنه خلقهم للنّار، وأنهم يعملون بعمل أهل النار، ذكر صفاتهم الكاشفة قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ بين أنه خلق لهم قلوبًا، وخلق لهم أعينًا، وخلق لهم آذانًا، إلا أنهم لا يفقهون بقلوبهم الحق، ولا يبصرون بأعينهم الحق، ولا يسمعون بآذانهم الحق والعياذ بالله كما قال تعالى عنهم: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية [الأحقاف: آية ٢٦] ولذا قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٧٩] القلوب: جمع قلب، وهو عضو من الإنسان معروف يزعمون أنه على هيئة حَبّ الصنوبر.
وقوله: ﴿لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ الفقه في لغة العرب معناه: الفهم والإدراك، أي: لا يفهمون بهذه القلوب عن الله؛ لأن الله لمْ ينفعهم بها (والعياذ بالله)، كما قال: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: آية ٢٦] ونفيه الفقه عن
[ ٤ / ٣٤٧ ]
القلوب يدل كما ذكرنا مرارًا (^١) على أن مركز العقل هو القلب لا الدماغ كما يقوله الإفرنج، ومما يؤسفنا أن عامة المسلمين لا يكاد في الوقت الحاضر- لجهلهم - لا يكاد يختلف من عامتهم اثنان في أن العقل في الدماغ. ويقولون: هذا ليس له مخ. يعنون: ليس له دماغ، قاطعين بأن العقل في الدماغ، والله يصرح بأن العقل في القلب. ولا شك أن الذي خلق نور العقل وجعله في العبد ونوَّره به هو أعلم بالموضع الذي وضعه فيه مِنْ كَفَرَةِ الإفْرِنْج -قبَّحهم الله- ومن فلسفتهم الكاذبة. فالذي يقول: ليس الفقه في القلوب كالذي يقول: ليس الإبصار بالعيون، وليس السماع بالآذان؛ لأن الله قال: ﴿قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ﴿أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ﴿آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ فدل على أن الإبصار بالعين، والسماع بالأذن، والفقه بالقلب.
وهذا أمر معروف لا تكاد تحصي الآيات الدالة عليه في القرآن؛ ولذا قال تعالى: ﴿قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الله (جل وعلا) نفى عنهم الفقه بتاتًا. أي: الفهم، ونفى عنهم الإبصار، ونفى عنهم السماع، والمراد بهذا كما دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله: أن الفقه المنفي هو الفقه عن الله النافع الذي يوصل لطاعة الله والإيمان به، والإبصار المنفي: هو إبصار الآيات النافع الذي يرشد صاحبه إلى الإيمان، والسماع المنفي: هو السماع النافع الذي يسمع صاحبه به ما ينفعه. وهذا أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لأن القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية: أنهم يطلقون الصمم على السماع الذي لا جدوى فيه،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
فإذا كان الإنسان لا ينتفع بسمعه انتفاعًا صحيحًا يقولون: «هذا أصم» وهو يسمع. وهذا أسلوب معروف في كلامهم، ومنه قول قَعنب بن أم صاحب (^١):
صُمٌّ إذا سَمعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ به وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عنْدهُم أذِنوا
فقال: «صُمٌّ إذا سمعوا» فصرح بأنهمْ صمٌ، وأنهمْ يسمعون؛ لأنَّ ذلك السماع الذي لمْ تترتب عليه فائدة حكمه حكم الصمم، ومنه قول الآخر (^٢):
أَصَمُّ عنِ الأَمْرِ الذي لا أُرِيدُهُ وأسْمَعُ خَلقِ اللهِ حينَ أُريدُ
وقول الآخر (^٣):
قُلْ ما بَدى لك من زورٍ ومن كَذِب حِلْمِيْ أَصَمّ وأُذني غير صَمَّاء
وقول الآخر (^٤):
فأَصْمَمْتُ عَمْرًا وأَعْمَيْتُهُ عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يومَ الفَخَارِ
وهذا أسلوب معروف مطروق في كلام العرب، نزل به القرآن؛ لأنه بلسان عربي مبين. وهذا معنى قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الآذان: جمع أُذن. والأعين: جمع عين، وجمعهما على (أَفْعُلٌ) و(أفعال) ليس للقلة.
_________________
(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
(٢) البيت في شواهد الكشاف ص٢٦، وأوله: «أصم عن الشيء ».
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
(٤) البيت في الخصائص (٣/ ٢٥٤)، شواهد الكشاف ص٤٠. وشطره الثاني هكذا: «عن الفخر والجود ».
[ ٤ / ٣٤٩ ]
والمقرر (^١) في علم العربية: أن جموع القلة لا تكون إلا في النكرات؛ لأنها بالمعرفات تكتسي العموم من أداة التعريف فتكون جمع تكثير. وهنا هي مُنَكَّرات وهي جموع قلة، إلا أن محل كونها جموع قلّة ما لم يقم دليل على أنها تُراد بها الكثرة كما هنا، وكما هو معروف في محله.
وقوله: ﴿آذَانٌ﴾ أصله (أَأْذَان) جمع (أُذن) مجموعة على (أَفْعال) أُبدلت الهمزة الثانية مدًّا للأُولى على القاعدة التصريفية المجمع عليها (^٢). وهذا معنى قوله: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ المذكورون الذين ذرأهم الله للنار، ولم ينفعهم بقلوبهم، ولا بأسماعهم، ولا بأعينهم ﴿كَالأَنْعَامِ﴾ الأنعام: تقدم في سورة الأنعام أنها أصناف الإبل والبقر والغنم؛ لأن الأنعام إذا صاح بها راعيها تسمع ما يقول ولكنها لا تنتفع به؛ فلو صاح بإبله أو غنمه وقال: اذهبي إلى عُدْوَةِ الوادي الفلانية فإن فيها خصبًا، واحذري من عُدْوَتِه الفلانية فإن فيها جدبًا وسباعًا. فإنها تسمع صوته ولكن لا تفهم هذا ولا تنتفع به، كما تقدم إيضاحه في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَاء وَنِدَاء﴾ [البقرة: آية ١٧١] ولذا قال هنا: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ﴾ تسمع الأصوات ولا تفهم ما فيها فهمًا ينفع، كما أن هؤلاء يسمعون الأصوات ولا يفهمون عن الله فهمًا يجرهم إلى الإيمان. ثم أضرب، قال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ من الأنعام؛ لأن الأنعام ربما تَهْتَدِي لبعض مصالحها، تذهب إلى المحل الذي فيه المَرْعَى
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٢٠.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
فتَرْعَى فيه، وتَرُوحُ عَنْ محلّ الجَدْب، وإذا رَأَتْ صَاحِبَهَا الذي يسقيها ويطعمها فرحت به وتبعته، وهؤلاء يعادون ربهم ولا يفعلون شيئًا ينفعهم -والعياذ بالله- فهم أضل من الأنعام.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الذين اسْتَوْلَتْ عَلَى قلوبهم الغَفْلَة لا يفهمون عن الله شيئًا -والعياذ بالله-. وهذا معنى قوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩].
﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: آية ١٨٠] لله (جل وعلا) الأسماء الحسنى، والحسنى: تأنيث الأحسن، وهو صيغة تفضيل الأحسن الذي هو أحْسَن مِنْ غَيْرِهِ، والحسنى التي هي أحْسَن مِنْ غَيْرِهَا، وأفْرد نعت الأسماء في قوله: ﴿الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ لما تقرر في علم العربية من أن ثلاثة من الجُمُوعِ -أعْنِي جمع المكسر بنوعيه، وجمع التأنيث- كل منها يجري مجرى الواحدة المؤنثة المجازية التأنيث (^١)، ومثله كثير، كقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: آية ١٨] ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [الأنعام: آية ١٩].
قال بعض العلماء: سبب نزول هذه الآية: أن رجلًا من المسلمين قال: يا الله، يا رحمن. فقال واحد من كفار مكة: كيف يقول محمد: إن الإله واحد، ثم إنه يدعو إلهين: أحدهما: الله، والثاني: الرحمن؟! فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وأنزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: آية ١١٠] (^٢).
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٤) من سورة الأنعام.
(٢) الأثر بهذا السباق -من دون الآية الثانية - أورده القرطبي عن مقاتل من غير ذكر من خرّجه. وقد وردت بعض الآثار في سبب نزول الآية الثانية ذكرها السيوطي في الدر (٤/ ٢٠٦)، وكلها مرفوعة إلى النبي ﷺ وليس هذا الأثر منها.
[ ٤ / ٣٥١ ]
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ أسماء الله حسنى، أي: هي أحسن شيء؛ لأن الحسنى صيغة تفضيل، هي أفضل من كل شيء في الحُسْنِ والجمال لما تدل عليه من صِفَاتِ الكمال والجلال الموصوف بها خالقنا (جل وعلا) تَقَدَّسَ وتَعَاظَمَ وتَنَزَّهَ؛ لأن أسماءه تدل على صفات كماله وجلاله جل وعلا.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فادعوه بتلك الأسماء كأن تقول: يا رحمن ارحمنا، يا رحيم ارحمني. قال بعض العلماء: تقول: يا رحيم ارحمني، يا رازق ارزقني، يا حكيم احكم لي. ولا تقول: يا حكيم اغفر لي، أو: يا رزاق ارحمني. والتحقيق أن هذا كله جائز؛ لأن أسماء الله متلازمة، كل صفة في واحد منها تستلزم جميع الصفات الأخرى لعظمة صفاته (جل وعلا)، واستلزام كل واحدة منها غاية الكمال والجلال، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَاّ واحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (^١) هذا حديث صحيح معروف، وقد جاء عَدُّ أسمائه عن بعض الناس، ذكره الترمذي، وذكر غيره روايات فيها بعض الأسماء،
_________________
(١) البخاري في الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس. حديث رقم (٢٧٣٦)، (٥/ ٣٥٤)، وأخرجه في مواضع أخرى كما في الأحاديث (٦٤١٠)، (٧٣٩٢)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها. حديث رقم (٢٦٧٧)، (٤/ ٢٠٦٢)، من حديث أبي هريرة (﵁) دون سرد الأسماء.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
والرواية التي ذكرها الترمذي تقريبًا مائة وواحد تزيد باثنين (^١)، وهي معروفة (^٢)،
وجاءت روايات في السنن وأخرج الحاكم بعضها وصححه تذكر بعض أسماء الله جل وعلا.
والمحققون من العلماء يقولون: إن أسماء الله لا تُحصر في ذلك، كما دل عليه الحديث المشهور حديث ابن مسعود الذي بيّن فيه النبي ﷺ أن كل من أصابه حزن -مثلًا- أو غم إذا دعا به أَذْهَبَ اللهُ حُزْنَهُ وأبْدَلَهُ له سرورًا، وهو حديث معروف مشهور: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِي حُكْمُكَ،
_________________
(١) أي: على التسعة والتسعين.
(٢) أخرجه الترمذي في الدعوات، حديث رقم (٣٥٠٧)، (٥/ ٥٣٠)، وعقبه بقوله: «هذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ولا نعلم في كَثيرِ شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح» اهـ. (٥/ ٥٣١، ٥٣٢)، وأخرجه ابن ماجه في الدعاء، باب أسماء الله ﷿ .. حديث رقم (٣٨٦١)، (٢/ ١٢٦٩ - ١٢٧٠)، والحاكم (١/ ١٦، ١٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص١٥، وفي الاعتقاد ص١٣، وفي شعب الإيمان (١/ ٢٧٧)، وفي سننه (١٠/ ٢٧ - ١٨)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٣٢)، كلهم من حديث أبي هريرة (﵁). وهذه الرواية لا تصح والله أعلم. وقد أطال الحافظ (﵀) في الكلام على هدا الحديث سندًا ومتنًا. انظر: الفتح (١١/ ٢١٤ - ٢١٩). وانظر: الفتاوى (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٢)، (٢٢/ ٤٨١ - ٤٨٦)، درء التعارض (٣/ ٣٣٢)، وقد صرح جمع من أهل العلم بأن سرد الأسماء في الرواية أنه مدرج. انظر: سبل السلام (٤/ ٢٤)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٠٤٠).
[ ٤ / ٣٥٣ ]
عَدْلٌ فِي قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وِشَفَاءَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي» (^١). ومحل الشاهد منه: قوله ﷺ فيه: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» فدل أن له أسماء اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَهُ. وهذا هو الأصح؛ لأن صفاته (جل وعلا) الحسنى لا تحصى، وأسماءَهُ لا يُحْصِيهَا غَيْرُهُ (جل وعلا). وقد جاء في رواية الترمذي (^٢)
أنه لما ذكر الحديث الذي أصله في الصحيحين: «إِنَّ لله تسعة وتسْعِين اسْمًا، مائة إلا واحِدًا، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو جلَّ وعلا وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ - أنه سردها كما يلي - هو الله الذي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَن، الرَّحِيم، الملك، القُدُّوس، السَّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المُصَوِّر، الغفار (^٣)، الوَهَّابُ، الرزَّاقُ، الفتَّاحُ، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِل، السميع، البصير، الحَكَم، العدل، اللطيف، الخبير،
_________________
(١) أحمد (١/ ٣٩١، ٤٥٢)، والحاكم (١/ ٥٠٩ - ٥١٠)، وقال: «صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه؛ فإنه مختلف في سماعه من أبيه» اهـ. والبيهقي في الأسماء والصفات ص١٨، وابن حبان (الإحسان) (٢/ ١٦٠)، وأبو يعلى (٩/ ١٩٨ - ١٩٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص١٣٣، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ٢٦٦): «إسناده صحيح» اهـ. ويشهد له أيضًا حديث أبي موسى (﵁) عند الطبراني وابن السني.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا ..
(٣) يأتي بعده في رواية الترمذي. (القهار) وقد سقط هنا.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحَفِيظ، المُقِيت، الحَسِيب، الجليل، الكريم، الرَّقيب، المُجيب، الواسِعُ، الحكيم، الودود، المجيد، الباعِث، الشَّهِيد، الحق، الوكيل، القَوِيُّ، المتين، الوَلِيُّ، الحميد، المُحْصِي، المُبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحَيّ، القيوم، الواجد، الماجِد، الواحِد، الأحَد (^١)،
الفرد (^٢)، الصَّمد، القادر، المقْتَدِرُ، المُقَدِّم، المُؤَخِّرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظاهِرُ، الباطن، الوالي، المتعالي، البَرُّ، التَّوَّابُ، المنْتَقِمُ، العَفُوُّ، الرَّؤُوفُ، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المُقسِط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضَّار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور». هكذا ذكره،
_________________
(١) هذان الاسمان غير موجودين في رواية الترمذي التي أشار لها الشيخ ﵀. و(الأحد) ضمن الأسماء المذكورة في أحد روايتي الحاكم (١/ ١٧)، وهو عند ابن ماجه في السنن، كتاب الدعاء، باب أسماء الله ﷿. حديث رقم: (٣٨٦١)، (٢/ ١٢٧٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص١٩، وعقبه بقوله: «تفرد بهذه الرواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان وهو ضعيف الحديث عند أهل النقل، ضعفه يحيى بن معين ومحمد بن إسماعيل البخاري» اهـ. وأخرجه أيضًا في كتاب الاعتقاد ص١٤. وأبو نعيم في جزئه في الأسماء الحسنى ص٢٠ (١٨)، وابن خزيمة في صحيحه كما في الفتح (١١/ ٢١٦). وأما الفرد فقد ساق فيه البيهقي حديثين في كتابه الأسماء والصفات ص١٧، الأول منهما: عن جابر بن عبد الله (﵄) مرفوعًا. والثاني: عن محمد بن طلحة عن رجل مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وعقبهما بقوله: «ليس هذا بالقوي وكذلك ما قبله» اهـ. كما ورد هذا الاسم من طريق الوليد بن مسلم عند أبي نعيم في تعداد الأسماء في جزئه في الأسماء الحسنى، وانظر الفتح (١١/ ٢١٦).
(٢) نفس تخريج المرجع (١).
[ ٤ / ٣٥٥ ]
وذكر بعضهم في السنن وغيره زيادات على هذا ونقصًا (^١). وبعض المحققين يقولون: إن هدا مدرج في الحديث الصحيح جمعه العلماء من القرآن (^٢). وكان ابن العربي يقول: إنه جمع حوالي ألف اسم من القرآن العظيم والأحاديث الصحيحة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٠] (ذرواْ) معناه اتركوا: وصيغة الأمر هنا للتهديد على التحقيق، وقد تقرر في فن الأصول في مباحث الأمر، وفي فن المعاني: أنَّ من الصيغ التي تأتي لها (افْعَل) أنها تأتي للتهديد (^٤). والتحقيق أن الصورة هنا للتهديد، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ بدليل قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) تقدم ضمن تخريج الحديث المتقدم قريبًا.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، فتح الباري (١١/ ٢١٤ - ٢١٩).
(٣) قال في أحكام القرآن (٢/ ٨٠٨). «وعددناها على ما ورد في الكتاب والسنة وذكره الأئمة فانتهت إلى ستة وأربعين ومائة» اهـ. ثم سردها وعقب ذلك بقوله ص٨١٥: «هذا منتهى ما حضر من ذكر الأسماء للتضرع والابتهال، وقد بقي نحوٌ من ثلاثين اسمًا ضمنّاها كتاب الأمد، هذه أصولها» اهـ. قال الحافظ في الفتح (١١/ ٢٢٠): «وحكى القاضي أبو بكر بن العربي عن بعضهم أن لله ألف اسم. قال ابن العربي: وهذا قليل فيها» اهـ ونقله أيضًا الأبي في شرحه لمسلم (٧/ ١١٦). وقال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٨٨): «وأما إن جُعل له - أي: النبى ﷺ - من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه المائتين وفي هذا قال من قال من الناس: إن لله ألف اسم وللنبي ﷺ ألف اسم. قاله أبو الخطاب بن دحية، ومقصوده الأوصاف» اهـ.
(٤) مضى عد تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٥) انظر: الأضواء (٢/ ٣٣٩).
[ ٤ / ٣٥٦ ]
والعرب تقول: أَلْحَد يُلحِدُ، ولَحَدَ يَلْحَدُ. إذا مال عن الحق، أصل (اللَّحد) في لغة العرب والإلحاد: الميل عن القصد والجور عنه، ومنه اللحد في القبر؛ لأنه حفر أُميل به عن وضعه الأول إلى جهة القبلة ولم يكن على سمت الحفر الأول.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ وقرأه حمزة من السبعة: ﴿وذروا الذين يَلْحَدُون في أسمائه﴾ بفتح الياء والحاء. وهما قراءتان صحيحتان (^١)، ولغتان عربيتان فصيحتان.
ومعنى إلحادهم بالأسماء (^٢): قال بعض العلماء: يلحدون فيها: يميلون فيها عن الحق، كاشتقاقهم اللات من اسم الله، واشتقاقهم العُزى من اسم العزيز، واشتقاقهم مناة من اسم المنان. وقال بعض العلماء: إلحادهم في أسماء الله: إنكارها، ومن أمثلة ذلك أن الله يقول: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ [الصافات: آية ٤] وهم يلحدون في اسمه الواحد، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: آية ٥] وهذا من أعظم الإلحاد وأكبره.
وقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ سيجزيهم الله يوم القيامة جزاء ما كانوا يعملونه في الدنيا، ويدخل في ذلك دخولًا أوليًّا إلحادهم في أسمائه (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦.
(٢) في هذه المسألة انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٦١ - ١٧٠)، القواعد المثلى ص١٦، المنهاج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٥٥)، النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٣٦).
[ ٤ / ٣٥٧ ]
جاء في بعض الآثار عن النبي ﷺ أنه قرأها وقال: «هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أُوتِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيدِيكُمْ مِثْلَهَا» (^١) يعني قوم موسى. ثم قال: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] وهذه الأمة لا شك أنها أمَّة ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾، وأنها تهدي بالحق وبه تعدل، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلهُمْ أَوْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللهِ» (^٢)
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥٩) من هذه السورة.
(٢) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة (﵃)، منهم:
(٣) المغيرة بن شعبة عند البخاري في المناقب، باب سؤال المشركين أن يُرِيَهُم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر، حديث رقم (٣٦٤٠)، (٦/ ٦٣٢)، وأطرافه في: (٧٣١١، ٧٤٥٩)، ومسلم في الإمارة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، حديث رقم (١٩٢١)، (٣/ ١٥٢٣).
(٤) معاوية بن أبي سفيان عند البخاري في المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. حديث رقم (٣٦٤١)، (٦/ ٦٣٢)، وأخرجه في موضع آخر برقم (٧٤٦٠)، ومسلم في الإمارة، باب قوله ﷺ: «لا تزال طائفة » إلخ. حديث رقم (١٠٣٧)، (٣/ ١٥٢٤).
(٥) ثوبان عند مسلم في الإمارة، باب قوله ﷺ: «ولا تزالُ طَائِفَة » إلخ. حديث رقم (١٩٢٠)، (٣/ ١٥٢٣).
(٦) جابر بن عبد الله. عند مسلم في الإمارة، باب قوله ﷺ: «ولا تزال طائفة » إلخ. حديث رقم (١٩٢٣)، (٣/ ١٥٢٤).
(٧) عقبة بن عامر. عند مسلم في الأمارة باب قوله ﷺ: «لا تزال طائفة » إلخ. حديث رقم (١٩٢٤)، (٣/ ١٥٢٤ - ١٥٢٥).
(٨) معاوية بن قرة عن أبيه. عند أحمد (٣/ ٤٣٦)، (٥/ ٣٤)، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في الشام، حديث رقم: (٢١٩٢)، (٤/ ٤٨٥). وقال الترمذي: «وفي الباب عن عبد الله بن حوالة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو. وهذا حديث حسن صحيح» اهـ. وأخرجه ابن ماجه في المقدمة. باب اتباع سنة رسول الله ﷺ. حديث رقم (٦)، (١/ ٤ - ٥)، والروياني (٢/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٩) عمر بن الخطاب عند الدارمي (٢/ ١٣٣)، والطيالسي ص٩، والحاكم (٤/ ٤٤٩).
(١٠) أبو هريرة عند ابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة رسول ﷺ. حديث رقم: (٧)، (١/ ٥)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٤٥). وانظر في تخريجه: السلسلة الصحيحة (٢٧٠).
[ ٤ / ٣٥٨ ]
أو كما قال ﷺ، وهذا معنى قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾.
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ لا معناها: يهدون الناس بالحق، وهو اتباعه ﷺ والعمل بهذا القرآن ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون هم في أنفسهم؛ لأن من عمل به عدل وأصاب العدالة وتنحى عن طرف الإفراط والتفريط؛ لأن العدالة هي التوسط بين الأمرين، والتجافي عن طرف الإفراط وطرف التفريط. وهذا معنى قوله: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
[٢٥/أ] / ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ
[ ٤ / ٣٥٩ ]
إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: الآيات ١٨٢ - ١٨٧].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٨٢، ١٨٣].
بيّن الله (جل وعلا) في هذه الآية أنّه يستدرج الكافرين فيغدق عليهم نعمه وهم يصرون على الكفر به، حتى تبطرهم النعم وتتزايد غفلتهم، فيستمروا على ذلك حتى تنتهي آجالهم فيأخذهم الله (جل وعلا) في غفلتهم بعذابه وإهلاكه ثم يصيرون إلى النار.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾: في محل مبتدأ والخبر جملة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والتكذيب: الجحود والإنكار.
والآيات: جمع آية وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^١): أن للآية في لغة العرب إطلاقين عربيّين مشهورين، وأنّ لها في القرآن إطلاقين أيضًا.
قال علماء التصريف (^٢): التحقيق في الآية أن أصلها: (أَيَيَة)، ووزنها: (فَعَلَة) فهمزها: فاء، وعينها: ياء، ولامها: ياء، والياءان المفتوحتان بعد الهمزة قد اجتمع فيهما موجبا إعلالٍ، والمقرر في فنِّ التصريف: أنّه إنْ اجتمع موجبا إعلال كان الإعلال في الأخير، إلا أنّه ربما وقع الإعلال في الأول كما هنا، فأعلوا الياء الأولى وأبدلوها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ ولو جرى على الأغلب في اللغة،
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
لكان الإعلال في الياء الأخيرة وقيل فيها: (أَيَاه)، وهنا أُعلّت الياء الأولى فأبدلت ألفًا فقيل: آية.
والآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين، أشهر إطلاقيها: أنْ تُطلق الآية على العلامة، تقول العرب: آية كذا؛ أي: علامته، ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي: علامة ملكه ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: آية ٢٤٨] فالآية: العلامة؛ وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو جاهلي- تفسير الآية بالعلامة حيث قال (^١):
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لهَا فَعَرَفْتُها لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وذَا العَامُ سَابِعُ
ثم بيّن أن مقصوده بالآيات: علامات الدار وآثارها حيث قال (^٢):
رَمَادٌ ككُحْلِ العَيْنِ لأْيًا أُبِيْنُه ونُؤيٌ كجذمِ الحوضِ أَثْلَمُ خاشعُ
هذا الإطلاق في الآية المشهور.
الإطلاق الثاني: وهو أنّ العرب تطلق الآية وتريد بها الجماعة، يقولون: «جاء بنو فلان بآيتهم» أي: بجماعتهم جميعًا وهو إطلاق معروف في كلام العرب، ومنه قول برج بن مسهر (^٣):
خَرَجْنَا من النَّقْبَيْن لَا حَيَّ مِثلنا بآيَتِنَا نُزْجِيْ اللقَاحَ المَطَافِلَا
أي: بجماعتنا. فهذان إطلاقا الآية في اللغة.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة البقرة.
(٢) السابق.
(٣) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٣٦١ ]
والآية في القرآن تطلق إطلاقين: تطلق الآية على الآية الكونية القدريّة، وهي من الآية بمعنى: العلامة، وهي ما نصبه الله (جل وعلا) من آياته جاعلًا لها علامات على كمال قدرته، وأنّه الربُّ وحده، المعبود وحده، كقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ ﴾ [آل عمران: آية ١٩٠] أي: لعلامات ودلالات واضحات على أنه الرب المستحق أنْ يُعبد وحده.
الإطلاق الثاني: تطلق الآية في القرآن على الآية الشرعية الدينيّة، كآيات هذا القرآن العظيم، وهو المراد هنا.
والآية الشرعية الدينية قال بعض العلماء: هي من العلامة أيضًا؛ لأنها علامة على صدق من جاء بها، لما تضمّنته من الإعجاز، أو لأن فيها علامات تعرف بها مبادئها ومقاطعها.
وقال بعض أهل العلم: الآية الشرعية من الآية بمعنى الجماعة؛ لأنها جماعة من كلمات القرآن مشتملة على بعض ما اشتمل عليه القرآن من الإعجاز والحلال والحرام والعقائد، وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ككفار مكة وكلّ مَنْ كَذب بآيات الله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هذا وعيد الله. والسين حرف تنفيس، وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أصله: (نَسْتَفْعِلُهم) ومنه: الاستدراج، والاستدراج: استفعال من الدَّرَجَة، والدرجة: واحدة طبقات السلَّم على أصح الأقوال. والمعنى: أنّه يستنزلهم درجة درجة ومرتبة مرتبة، حتى يدنيهم إلى ما يشاء من إهلاكهم. فالعرب تقول: اسْتَدْرَجَهُ: إذا أَنْزَلَهُ دَرَجَةً درجة إلى أنْ وَصَلَ إِلَى ما يقصده منه، أو استعلاه درجة درجة؛ وهذا معروف في كلام العرب أن
[ ٤ / ٣٦٢ ]
الاستدراج هو الاستِنْزَال درجة بعد درجة حتى يَصِلَ الإنسان إلى السوء الذي يراد منه؛ لأن الكفار أراد الله (جَل وعلا) أنْ يهلكهم بعذابه المُسْتَأصل ويدخلهم النار لما كذبوا بآياته. فمعنى استدراجه لهم: أنَّهُ يُرْسِلُ عليهم هذه النعمة فيكثر خصب بلادهم وأرزاقهم وعافيتهم، وتلد نساؤهم ذكورًا، وتتزايد عليهم النعم وتتواتر، فعند ذلك يزدادون بطرًا وكفرًا فيقربون من الهلاك درجة، ثم إن الله (جل وعلا) يغدق عليهم نعمًا أخرى فتزيدهم بطرًا إلى بطرهم، وكفرًا إلى كفرهم، وغفلة إلى غفلتهم، فيقربون درجة أخرى إلى هلاكهم، حتى إذا انتهت تلك الدرجات التي يستدنيهم الله فيها لما يريد منهم: جاءهم عذاب الله فأهلكهم وصاروا منه إلى الخلود في النار، كما قال (جل وعلا): ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شيء حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: آية ٤٤] والعرب تعرف الاستدراج في لغتها وأنه تقريب الشَّيْءِ دَرَجَة درجة إلى ما يراد منه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (^١):
لئنْ كُنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قَامةً ورُقِّيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بسُلَّمِ
ليسْتَدْرِجَنْكَ القولُ حتى تَهرَّهُ وتَعْلمَ أني عنكُم غير مُفْحَم
وتَشْرق بالأمرِ الذي قد أَذَعْتَه كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ
ومحل الشاهد منه قوله: «ليستدرجنك القول» أي: لينزلنك درجة درجة حتى ترى ما تكرهه، وهذا معنى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: سنستدنيهم إلى إهلاكهم بتوافر النعم وتزايدها عليهم ليزدادوا
_________________
(١) ديوان الأعشى ص١٨٣.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
بطرًا وغفلة حتى يهلكهم الله وهم في أشدّ الغفلة.
﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقد قدمنا (^١) أنّ (حيث) كلمة تدل على المكان كما تدل (حين) على الزمان، وربما ضُمِّنت معنى الشرط، يجوز في اللغة لا في القراءة تثليث فائها وإبدال (يائها) واوًا كما هو معروف في محلِّه.
﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من المكان الذي لا يعلمون أنّا سنستدرجهم، بل هم يظنون أن تلك النعم مسابقة لهم في الخيرات، وأنهم ينالون بعد ذلك أحسن منه، كما قال جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: الآيتان ٥٥، ٥٦].
ثم قال جل وعلا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: آية ١٨٣] عبّر في الفعل الأول بصيغة الجمع للتعظيم قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ وعبّر في الثاني بهمزة المتكلم ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ومعنى قوله جل وعلا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: سأملي لهم، وأصل مادة (أملى): وأملى يملي أصلها من (المَلَاوَة) بالواو، فلام المادة: واو. والمَلَاوَة: الزمن. ومعنى ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾: أُؤَخِّرهم وأمهلهم مَلَاوَة، أي: زمنًا غير قليل كما هو معروف، فالعرب تقول: «أمليت له» و«أملى له»: إذا أخَّره مَلَاوَة من الزمن، فأصل الياء مبدلة من واو، والمَلَاوَة: هي الزمن، ومنه قوله تعالى عن أبي إبراهيم: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: آية ٤٦] أصل إحدى الياءين واو. أي: زمنًا غير قصير. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول المهلهل يرثي
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
أخاه كليبًا (^١):
فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجَبَالِ لِفَقْدِهِ وَبَكَتْ عَلَيْهِ المُرْمِلاتُ مَلِيَّا
أي: مَلَاوَة من الزمن غير قليلة.
ومن هنا كانت العرب تقول لليل والنهار: المَلَوَانِ، ومنه قول تميم بن مقبل (^٢):
أَلَا يا ديَارَ الحيِّ بالسَّبُعَان أملَّ عليها بالبِلَى المَلَوَان
وتقول العرب: «مَلَوُ الليل والنهار» معناه: زمن الليل والنهار، ومنه قوله (^٣):
نَهارٌ ولَيْلٌ دائِمٌ مَلَواهُما على كُلِّ حالِ المَرءِ يَختَلِفَانِ
وتقول العرب: «تمليت العيش» و«تملى فلان العيش» أي: عاش في حياته مَلَاوَة من الزمن، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الأعلم بن جرادة السعدي -أو شاعر آخر من شعراء تيم، أعني تيم الرباب- قوله (^٤):
ألمْ ترَ ما لاقيتُ والدَّهر أعصرٌ ومن يَتَمَلَّ العيش يَرْأَى ويسمعُ
فقوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أُمهلهم وأُؤخرهم ملاوة من الزمن -والملاوة مثلثة الميم- أي: زمنًا غير قصير، وأُنعم عليهم حتى يغتروا بتلك النعم فأُهلكهم وهم في أشد غفلة، هذا معنى:
_________________
(١) البيت في القرطبي (١١/ ١١١)، البحر المحيط (٦/ ١٩٥)، الدر المصون (٧/ ٦٠٦). وشطره الأول: «فتصدعت صم الجبال لموته».
(٢) البيت في الطبري (٧/ ٤٢١)، اللسان (مادة: ملا) (٣/ ٥٣٢).
(٣) البيت في اللسان (الموضع السابق).
(٤) البيت في المحتسب (١/ ١٢٩).
[ ٤ / ٣٦٥ ]
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري (﵁) أنّ النبي ﷺ قال: «إن الله ليملي للظالم» يعني: يمهله ويؤخره ملاوة من الزمن «حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (^١) [هود: آية ١٠٢].
قوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ الكيد: في لغة العرب معناه: المكر، وهو أن يكون الفاعل يبطن غير ما يظهر، وسمى الله هذا الاستدراج كيدًا لأن ظاهره إنعام وإغداق نعم وباطنه استدراج يستدنيهم به ويستدرجهم إلى الموت والعذاب الدائم الذي يخلدون فيه، ولذا قال: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: استدراجي لهم بالنعم التي تبطرهم وتزيدهم غفلة وبطرًا وتكبرًا عن قبول آيات الله، حتى يهلكوا وهم في أشد حالة من الحالات كفرًا؛ هذا الكيد كيد الله (جل وعلا) ووصفه بأنه متين، والمتين من كل شيء: القوي الشديد القوة، وكيد الله (جل وعلا): متين، وكيد الله (جل وعلا) من أحسن ما يكون، واقع موقعه، تصرف حكيم خبير، حيث أغدق النعم على هذا الكافر فغفل فأخذه في غرّة وغفلة، وعامله بما يستحقه من كفره، وهذا معنى قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: آية ١٨٤] قد تكلمنا مرارًا على الواو والفاء وثم إذا جاءت بعد همزة الاستفهام (^٢) ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ يعني: يُعملوا أفكارهم، التفكر: هو أنْ يُعمل الإنسان فكره حتى يدرك حقيقة الشيء.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٥) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
﴿مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ المراد بـ (صاحبهم) نبينا محمد ﷺ و(الجِنَّة) معناه: إصابة الجنون، معناه: أن محمدًا ﷺ ليس بمجنون، فإنهم لو تفكروا وأعملوا أفكارهم وعقولهم علموا أنَّه (صلوات الله وسلامه عليه) بعيد غاية البعد من الجنون، وأنه تام العقل، رصين العقل، يدعو إلى أحسن الطرق وأعظمها وأبينها، فليس به جنة، وهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ أولم يتفكر هؤلاء الكفار المكذبون الزاعمون أنّ رسول الله ﷺ مجنون. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ ويُعملوا أفكارهم ويرجعوا إلى عقولهم فيتحققوا أن صاحبهم ما به من جنة، ليس به جنون، بل هو (صلوات الله وسلامه عليه) بعيد من الجنون تام العقل، رؤوف رحيم بهم، يدعوهم إلى السعادة الأبدية، وصلاح الدنيا والآخرة.
قال بعض العلماء: صعد ﷺ على الصفا ودعا قبائل قريش، فدعاهم فخذًا فخذًا، وحذرهم عذاب الله ونقم الله، وقال واحد منهم: إن هذا لمجنون. فأنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ (^١). وهذا الجنون الذي رَمَوْهُ بِهِ نفاه الله عنه في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: آية ٢] ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: آية ٢٩] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: آية ٤٦] فهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (١٨٤)﴾
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٨٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٢٤) عن قتادة مرسلًا. وأورده السيوطي في الدر (٣/ ١٤٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
[الأعراف: آية ١٨٤] ليس بمجنون صلوات الله وسلامه عليه ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ما هو ﷺ إلا نذير مبين. النذير: فعيل بمعنى (مُفعِل) من الإنذار، والإنذار هو: الإعلام المقترن بتهديد خاصة، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا، والنذير بمعنى المُنْذِر، اسم فاعل: أنذره ينذره إذا أعلمه إعلامًا مقترنًا بتهديد وتخويف من الله (^١) إذا لم يطع أوامره (جل وعلا). والتحقيق: أن (الفعيل) في لغة العرب يأتي بمعنى (المُفْعِل) وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، فما يحكيه بعض علماء العربية عن الأصمعي من أن (الفعيل) لا يأتي في اللغة بمعنى (المُفْعِل) إن كان ثابتًا عنه فهو غير صحيح (^٢).
و(الفَعِيل) في اللغة والقرآن يأتي بمعنى (المُفْعِل) منه: النذير بمعنى المنذر، والأليم بمعنى المؤلم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم يؤلم وقعه صاحبه -والعياذ بالله- ومنه قول ذي الرمَّة (^٣):
ويَرْفَعُ من صُدور شَمَرْدَلَاتٍ يَصُكُّ وجُوهَهَا وهَجٌ أَلِيْم
أي: وهج مؤلم.
وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي في مطلع عينيته المشهورة (^٤):
أَمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعي السَّميع يُؤَرِّقُنِي وأَصْحَابي هُجُوعُ
وقوله: «السميع» معناه: المُسمع، ومنه قوله أيضًا فيها (^٥):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
(٥) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من هذه السورة.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
وخيلٍ قَدْ دَلَفْتُ لها بخيلٍ تحيَّةُ بينهم ضربٌ وَجِيع
أي: ضرب موجع. وهو معروف.
وقوله: ﴿مُّبِينٌ﴾ المبين: اسم فاعل أبان يُبين، قال بعض العلماء: هو من (أبان) المتعدية. وعليه فالمفعول محذوف لعمومه، والمعنى: مُبِين نذارته، مصرح لكم في غاية البيان بما ينذركم الله به ويحذركم منه. وأكثر العلماء على أنّ قوله: ﴿مُّبِينٌ﴾ صفة مشبهة هي الوصف من: (أبان) اللازمة، والعرب تقول: أبان الأمر يبين فهو مبين، لازمة بمعنى: وضح واتضح، وقد قدمنا هذا مرارًا أنّ (أبان) بصيغة (أَفْعَل)، و(بيَّن) بصيغة (فعَّل) كلتاهما تأتي متعدية للمفعول وتأتي لازمة (^١)، فإتيان (أبان) متعدية معروف مشهور كقوله: أبان له هذا الأمر، وأبان له حقيقة أمره، كما هو معروف، والعرب تقول: أبان الشيء يبين: إذا ظهر واتضح، غير متعد للمفعول، وهو معنى معروف في كلامها، والصفة المشبهة منه (مبين)، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (^٢):
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فوقَ ظاهرِ جِلْدِهَا لأَبَانَ من آثارِهِنَّ حُدورُ
يعني: لظهر واتضح وبان من آثار النمل ورم. ومنه قول جرير (^٣):
إذا آباؤُنَا وأبوكَ عُدُّوا أَبَانَ المُقْرِفَات من العِرَابِ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
أي: ظهرت واتضحت، والمُبين من هذا بمعنى: البين الواضح، ومنه قول كعب بن زهير في (بانت سعاد) (^١):
قَنْواءُ في حُرَّتَيْها للبصيرِ بها عِتْقٌ مُبينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
فقوله: «عتقٌ مبينٌ» أي: كرم بيّن ظاهر.
وقد قدّمنا هذا مرارًا. فعلى القول الأول (مبين): أي: مُبَيِّنٌ ما ينذركم ويحذركم به، موضح له بالتفصيل.
وعلى الثاني أنه الصفة المشبهة من: (أبان) اللازمة، فمعنى (مبين): نذير بيّن الإنذار واضحه، لا إشكال في إنذاره، وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: آية ١٨٤].
ثم قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] النظر هنا هو النظر بالقلوب والتفكر والتدبر بها؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦].
والملكوت: مصدر مَلَك يَمْلِك مُلْكًا ومَلَكُوتًا، والواو والتاء زيدتا للمبالغة، فالملكوت: الملك العظيم الهائل، كما دل على عظمه: زيادة الواو والتاء. ومعروف أن (الفَعَلُوت) بزيادة الواو والتاء في المصادر معروف في كلام العرب، كالرَّحَمُوت، والرَّغَبُوت، والرَّهَبُوت، والمَلَكُوت. فالملكوت معناه: المُلْك العظيم ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: في ملك الله العظيم في السماوات والأرض؛ حيث رفع السماء بغير عمد ترونها وجَعَلَها لا تَتَشَقَّق ولا تَتَفَطَّر ولا تحتاج إلى ترميم. والكفرة الفجرة أبناء
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
الكلاب والخنازير الذين يدَّعون أنه ليس فوقنا سماء، وإنما هو فضاء ولا سماء فيه يُكذبون خالق السماوات والأرض لجهلهم وظلام قلوبهم بالكفر، فهي سبع سماوات مبنية وصفها الله بالشدة في قوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: آية ١٢] وبيّن أنه بناها بقوّة هائلة ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: آية ٤٧] وأبعد سمكها ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ [النازعات: آية ٢٨]، ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (٦) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (٨)﴾ [ق: الآيات ٦ - ٨] وهذا معنى قوله: ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء﴾ لفظة (ما) في محل خفض معطوف على المجرور ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وينظروا في ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء﴾ في السماوات من النجوم والشمس والقمر، وفي الأرض من البحار والجبال والثمار والمعادن والدواب ونحو ذلك مما يدل على كمال قدرة خالقه (جل وعلا). وأنه الرب المعبود وحده.
ثم قال: وينظروا أيضًا في ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (أنْ) هذه هي المخففة من الثقيلة، وإذا كان الفعل بعدها غير متصرف لا تحتاج إلى فصل بينها وبينه. إلى أنه -أي: الأمر والشأن- ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ وربما استُغني بالمصدر في (أن) وصلتها وصار فاعل (عسى) واستغني به عن غيره.
قوله: ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: قد دَنَا وقت موتهمْ فيبادرون إلى تدارك ما يرضي الله لئلا يهلكوا.
[ ٤ / ٣٧١ ]
وهذه الآية قد استدل بها علماء الأصول على أن صيغة الأمر تدل على الفور لا على التراخي (^١)، كما رُوي عن الشافعي (﵀)؛ لأن الله أمرهم بالنظر في ملكوته ليستدلوا على أن صانع هذا الكون واحد (جل وعلا)، وأنه المعبود وحده، وأنه يجب أن يُطاع وتُصدق رسله وتُمتثل أوامره. قال: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: آية ١٠١] ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] وهددهم باحتمال اقتراب آجالهم خوف أن يفاجئهم الموت قبل أن ينظروا فيصيروا إلى النار. ولا شك أن هذه الآية تدل على أن أوامر الله ينبغي أن تكون على الفور وتُمتثل بسرعة؛ لأن الإنسان عسى أن يكون قد اقترب أجله فيخترمه الموت قبل أن يمتثل، فاستدلال علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على اقتضاء الأمر الفور استدلال صحيح وواقع موقعه، وقد دلت على ذلك اللغة أيضًا قال علماء العربية: لو قال السيد لعبده: (اسقني ماء). ثم إن العبد توانى وأبطأ فأدبه سيده فليس للعبد أن يقول: صيغة الأمر في قولك: (اسقني ماء) لا تقتضي الفور، وإنما هي على التراخي، وكنت متراخيًا في الامتثال؛ لأن الصيغة كذلك أفادت!! بل اللغة العربية تقتضي الفور كما دلت عليه هذه الآية. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن العظيم مع وضوح أدلته، واتضاح معجزته، وكرامة ما يدعو إليه من توحيد الله ومكارم الأخلاق والأفعال الحسنة، إذا كانوا لمْ يؤمنوا بهذا ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بأي حديث غيره ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا
_________________
(١) انظر: مذكرة أصول الفقه ص١٩٦.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
بأحق الأحاديث بأن يُؤْمَنَ به، وأن يُصدق، وأن يُعظم، وأن يُعمل به، إذا لم يؤمنوا به فبأي حديث آخر يؤمنون؟! والمعنى: أنَّ مَنْ تَرَكَ الإيمان بما هو أحق شيء بأن يُؤْمَن به لا يؤمن بشيء أبدًا؛ إذ لو كانوا يؤمنون بشيء لآمنوا بهذا القرآن. فهو أسلوب عربي معروف، إذا كان الشيء أولى من غيره بالمسألة يُقال: فبأي شيء بعد هذا تفعل؟ إذا لمْ تفعله بأحق شيء فبأي شيء غيره تفعل؟! كما هو معروف في كلام العرب، ومن هذا المعنى قول الأعشى (^١):
صَدَّتْ هُريرةُ عنَّا ما تُكلمُنا جَهْلًا بأُمّ خُليدٍ حَبْلَ مَنْ تَصِلُ
يعني: إذا لم تصل حبالنا ونحن أكرم الناس وأحقها بوصل الحبال فمن تصل حبله بعدنا؟! وهذا أسلوب عربي معروف.
والله (جل وعلا) قد سمى كتابه حديثًا؛ لأنه كلام رب العالمين ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: آية ٢٣] ولذا قال هنا: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥].
ثم قال: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ (مَنْ) شرطية، ويضلله الله: يصرف إرادته وقدرته بإرادته وقدرته إلى طريق النار عن طريق الجنة والعياذ بالله.
﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: آية ١٨٦] ليس أحد يهديه بعد الله ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شيئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: آية ٤١] ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: آية ٣٧] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: آية ٥٦] فَمَنْ هداه الله لا مضل له، ومن أضله الله
_________________
(١) ديوان الأعشى ص١٣١.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
لا هادي له. وهذا معنى قوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾.
في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّة متواترة عن النبي ﷺ كلها صحيح لا نزاع فيها (^١): قرأه نافع وابن كثير وابن عامر: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (بالنون) وصيغة الجمع يُراد بها التعظيم، عظَّم الله نفسه. وقرأه من السبعة: أبو عمرو، وعاصم في رواية حفص وشعبة: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ بياء الغيبة وضمّ الراء. وقرأه حمزة، والكسائي من الكوفيين: ﴿ويَذَرْهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وهذ الفعل المضارع معطوف على جزاء الشرط الذي هو قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ والمقرَّر في علم العربيَّة -كما هو مشهور في العربية- أنّ كل فعل عُطف على جزاء الشرط بفاء أو واو ففيه ثلاث لغات (^٢): يجوز فيه: الرفع، ويجوز فيه: الجزم، ويجوز فيه: النصب. فكلّه جائز، ولغات عربيّة معروفة، وقراءات صحيحة معروفة؛ لأنّ ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ جزاء الشرط، وجزاء الشرط في محل جزم، فقراءة حمزة والكسائي جزموا ﴿ويذرْهم﴾ لأنه معطوف على جزاء الشرط وأصله مجزوم؛ والذين رفعوه لغة فصيحة وقراءة صحيحة (^٣). وأما النصب: فهو لغة فصيحة، ولكنّه لم يقرأ به أحد من السبعة مع أنه لغة.
و(الطغيان) في لغة العرب (^٤): مجاوزة الحدّ؛ وهو مصدر:
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٧.
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٣١٨).
(٣) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٢٧).
(٤) مضى عند تفسير الآية (١١٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
طَغَى يَطْغَى: إذا جَاوَزَ حَدَّهُ، زيدت في مَصْدَرِهِ الألف والنون كما زيدتا في: (الكفران) و(الرّجْحَان) وطغَى الشَّيْء: إذا جَاوَزَ حَدَّهُ، ومنه قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: آية ١١] أي: جاوز الحدود التي يبلغها الماء عادة.
وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال بعض علماء العربية: (العَمَى) بالألف يُطلق على عمى العين وعمى القلب، أما (العَمَه) بالهاء فلا يُطلق إلاّ على عمى القلب خاصة (^١). فمعنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يَتَرَدَّدُونَ حائِرِين لا يعرفون حقًّا من باطل، ولا حسنًا من قبيح، ولا ضلالًا من هدى لعمي قلوبهم -والعياذ بالله- ومن تركه الله يَتَرَدَّدُ في ضَلالته ولم يهده فهو الضال -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٦].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: آية ١٨٧].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ الساعة: القيامة، غلب عليها ذكر هذا اللفظ مع أن الساعة أصلها تطلق على كل وقت من الزمن. والتغليب -بأن يغلب الشيء العام على بعض ما يُراد به- أسلوب عربي معروف، كإطلاق العرب النجم على الثريا، مع أنه لكل نَجْم ونحو ذلك.
والذين سألوه: قال بعض العلماء (^٢): هم كفار مكة. وقال
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٠) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٩١).
[ ٤ / ٣٧٥ ]
بعض العلماء: نفر من اليهود، ولا مَانِعَ مِنْ أن يكون كلٌّ منهم سألوه عنها. ولا شك أن كفار مكة كانوا يسألونه عن الساعة وينكرون مجيئها ويزعمون أنها لا تأتي، كما في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: آية ٦٣] وبيّن أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ يستعجلون بها إنكارًا منهم لها، كما في قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى: آية ١٨] سواء قلنا: إن السائلين عنها كفار مكة أو اليهود.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (أيان): ظرف زمان بمعنى (متى) (^١). قال ابن جني: وزنه (فَعلان) أصله من «أيَّ» أي وقت يكون فيه هذا؟ فزيد فيه الألف والنون وبُني على الفتح لشبهه بالحرف الشبه المعنوي، كما هو معروف في محلِّه.
وعلى كل حال فـ (أيان) سؤال عن زمن، فهي من ظروف الزمان بمعنى (متى) وربما ضُمِّنت معنى الشرط فجزمت فعلين.
وقوله: ﴿مُرْسَاهَا﴾ المُرْسَى: اسم زمان، والمعنى: في أي وقت يكون زمان رُسُوِّها، أي: وجودها وثبوتها. وقد تَقَرَّر في علم التصريف: أن كل فِعْل زاد ماضيه على ثلاثة حروف من الرباعي فصاعدًا أنه يستوي وزن مصدره الميمي، واسم مكانه، واسم زمانه، وكلها بصيغة اسم المفعول، كما هو مقرر في محله مشهور (^٢).
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٢٩)، اللسان (مادة: أين) (١/ ١٤٨).
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٨٣).
[ ٤ / ٣٧٦ ]
فالمُرْسى هنا وزنه: (مُفْعَل) بصيغة المفعول، والألف في آخره أصلها مبدلة من واو، والمقرَّر في علم التصريف: أن كل ألف مبدلة من واو إذا كانت متطرِّفة رابعة فصاعدًا أنها تُقلب ياءً بقياس مُطَّرِد في جميع اللغة العربية (^١). فالمُرْسى وزنه: (مُفْعَل) (^٢) بصيغة اسم المفعول، وهو اسم زمان، والفعل إذا زاد ماضيه على ثلاثة كان اسم زمانه واسم مكانه ومصدره الميمي كلها بوزن اسم المفعول كما هو معروف مُقَرَّرٌ في محلّه (^٣).
ومعنى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ في أي وقت يكون رُسُوّها؟ أي: ثبوتها ووجودها بالفعل قائمة. وهذا سؤال منهم عن الوقت الذي يَتَحَقَّق فيه وجود الساعة. ﴿قُلْ﴾ لهم يا نبي الله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ قد تَقَرَّرَ في فن الأصول في مباحث دليل الخطاب (^٤) -أعني مفهوم المخالفة- وفي فن المعاني -في مبحث القصر- أن (إنّما) من صيغ [الحصر، فهي كالنفي] (^٥) والإثبات. وهو الصحيح -إن شاء الله- من كلام العلماء، والدليل عليه: أن (إنّما) توضع مكان النفي والإثبات، فدل ذلك على أنها صيغة حصر؛ لأن أعظم صيغ الحصر: النفي والإثبات، كقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ [الصافات: آية ٣٩] ووضع موضعه في محل آخر: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: آية ١٦] ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٩٤).
(٢) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١٢٥.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٩٨) من سورة الأنعام.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٦٥) من سورة الأعراف.
(٥) في الأصل: «العموم فهي كالحصر» وهو سبق لسان.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
[المائدة: آية ٧٣] ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: آية ١٧١] وهذا يدل على أن (إنما) أداة حصر، وهو التحقيق إن شاء الله.
﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ يُحصر علمها في خالق السَّمَاوات والأرض، لا يعلم وقت مجيئها لا رسول مرسل ولا ملك مقرب، ولا يعلمه إلَاّ الله. وهذا معنى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ أي: خالقي ومدبر شؤوني استأثر به عن خلقه. وقد قدمنا أنه ثبت في صحيح البخاري وغيره تفسير النبي ﷺ قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾ [الأنعام: آية ٥٩] بأنها الخمس المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ الآية (^١) [لقمان: آية ٣٤].
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ أي: علم وقت رسوها ومجيئها وثبوتها عند ربي وحده لا يعلمه أحد من خلقه؛ لأنه لم يطلع عليه أحدًا من خلقه.
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ﴾ يجليها مضارع جلَاّها. والعرب تقول: جَلَّى الأمر يُجَلِّيه: إذا أظْهَرَهُ وأبْرَزَهُ وبَيَّنَهُ. ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ أي: لا يظهرها ويبرزها ويُوجِدُها بالفعل في وقتها إلا هو (^٢). قال بعض العلماء: اللام للتوقيت، فهي بمعنى الفاء. أي: لا يظهرها في وقتها المقدر لها إلا هو وحده، فلا يعلم غيره وقتها. والعرب ربما جاءت باللام بمعنى في. يقولون: وقع هذا الأمر لثلاث من الشهر الفلاني: أي: في تاريخ ثلاث.
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام.
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٩٤).
[ ٤ / ٣٧٨ ]
وقال بعض العلماء: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾ أي: لا يُظهر حقيقة خبرها ويكشف عن مكان وقتها بالتحقيق إلا هو وحده جل وعلا.
ثم قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ اختلف العلماء في معنى ثقلها في السماوات والأرض على قولين (^١): قال بعض العلماء: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ خفيت عليهم فثقل عليهم خفاؤها؛ لأن كل شيء خفي على الإنسان ولمْ يعلمه ثقُل عليه. وهذا الوجه وإن كان ليس قريبًا من الظاهر هو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري (﵀)، واستدل على اخْتِيَارِهِ له بأن ما بَعْدَهُ مِنَ الْكَلامِ وما قبله كله في معرض علم الساعة؛ لأن قَبْلَهُ: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ وبعده: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً﴾ فاختار أن المراد بقوله: ﴿ثَقُلَتْ﴾ أي: خفي علمها وثقل على الناس جَهْلُهَا.
وقال بعض العلماء: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: كبرت الساعة وعظمت على أهل السماوات والأرض؛ لأنَّ ما فيها من الأهوال والأوجال يصعب على جميع الخلائق. وهذا أقرب.
وقال بعض العلماء: لا تطيقها السماوات والأرض؛ لأن السماوات تعجز عن حملها فتتشقق، وتتناثر النجوم، وتُلَفُّ الشمس، ويُخسف القمر، وأن الأرض تُرفع جبالها، وتُبدل الأرض غير الأرض فلا تطيقها السماوات والأرض وأنها تعظم وتثقل وتكبر على أهلها لشدة ما فيها من عظم الأهوال والأوجال. ولا شك أن الشيء الذي يدك الجبال؛ تُنزع الجبال من أماكنها، وتُسَيَّر بين السَّمَاءِ والأرْضِ، ثم تُفَتَّت وتطحن؛ لأن الله (جل وعلا) ذكر تغيير نظام هذا
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٩٥)، القرطبي (٧/ ٣٣٥).
[ ٤ / ٣٧٩ ]
العالم، فبين في ذلك اليوم أَنَّ الجِبَال تُنزع من الأرض وتُطَيَّر بين السماء والأرض، وهو قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: آية ٢٠] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: آية ٤٧] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي: في ذلك اليوم بعد أن تُنزع من الأرض وتُسير بين السماء والأرض.
وما يزعمه بعض من لا علم له بأن ذلك في دار الدنيا، وأن الجبال سائرة في دورة الأرض، فهو تحريف لكتاب الله وتفسير له بغير معناه، وصاحبه سلخ آخر الآية من أولها؛ لأن أول الآية: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: الآيتان ٨٧، ٨٨] أي: ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السماوات والأرض ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ في ذلك اليوم ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ﴾ [النمل: آية ٨٨] ومرورها ذلك اليوم هو سيرها المعبَّر عنه بقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: آية ٢٠] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: آية ٤٧] ثم إنّ رب السماوات والأرض يطحن تلك الجبال بقوته، فقساوة الجبال وشدتها عنده لا شيء لعظمته وكمال قدرته فيطحنها (جل وعلا) ويفتتها؛ وبعد تفتيتها مرّة شُبهت بالبسيسة - والبسيسة: دقيق ملتوت بسمن - وهو قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: آية ٥] أي: فُتت حتى صارت كالبسيسة. وتارة شبهها في لينها وانتزاع القسوة منها بالعهن المنفوش، كقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [القارعة: آية ٥]. وتارة شبّهها بالرمل الليّن المتهايل في قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: آية ١٤]. ثم إن الله (جل وعلا) يصيرها في آخر أمرها سرابًا كما قال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ
[ ٤ / ٣٨٠ ]
سَرَابًا (٢٠)﴾ والسراب يقرب معناه من الهباء المنبث، فهذا معنى قوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وما كان هكذا: يفتت الجبال، ويزعزع الأرض لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وتتشقق فيه السماء، وتتناثر النجوم، ويسقط الشمس والقمر، وتفجّر البحار بعضها مع بعض فلا يخفى ثقل هذا اليوم على أهل السماوات والأرض لشدّة أهواله وأوجاله.
وقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً﴾ حكم الله (جل وعلا) أنّ القيامة لا تقوم على الناس إلا بغتة، أي: في حال كونها باغتة لهم، أي: مفاجئة لهم، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ: أن الساعة تقوم على الناس وهم في أشغالهم، الرجل منصرف بلبن لقحته فتقوم الساعة قبل أن يشربه، والرجلان يتبايعان ثوبهما فتقوم الساعة قبل أن يتبايعا، والرجل يصلح حوضه ليسقي فيه فتقوم الساعة قبل أن يصلحه، وهكذا. وقد يذهب الرجل ليأتي أهله بحاجة من السوق فتقوم الساعة ولا يقدر على أن يوادعهم ولا أن يوادعوه، كما قال جل وعلا: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس: آية ٥٠] فهي تفاجئ الناس وهم في أشدِّ غفلة، فتأتيهم فتهلكهم جميعًا، وهذا معنى قوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ في قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ وجهان من التفسير (^١):
أحدهما: أن الحفيَّ هو من الحفاوة، والحفاوة: الكرامة، تقول: فلان حفيٌّ بي. أي: أنا كريم عليه، ولقيت منه حفاوة. أي:
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٩٧)، القرطبي (٧/ ٣٣٦).
[ ٤ / ٣٨١ ]
كرامة ولطفًا. ومنه قول إبراهيم: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: آية ٤٧] والذين ذكروا هذا القول زعموا أن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: ليس منا فخذ إلا بينك وبينها قرابة؛ فلأجل القرابة التي بيننا وبينك أَسِرّ لنا الوقت الذي تقوم فيه القيامة، أَسِرَّهُ إلينا عن الناس. فأنزل الله الآية (^١). وعلى هذا القول ففي الآية تقديم وتأخير ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ عنها، عن وقت رُسُوِّها ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ وكأنك صديق لهم وقريب لهم لتخبرهم بما لم تخبر به الناس. هذا القول قاله جماعة من العلماء. وأظهر القولين: أن المراد بالحفيّ هنا: الذي يستحفي السؤال ويتقصيه (^٢)، العرب تقول: فلان يستحفي السؤال، معناها: يبالغ في السؤال عن الأمر ويتقصاه حتى يعلم حقيقته. يعني: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي: مبالِغ في تقصّي أخبارها ممن عنده خبرها حتى تحققت جميع أخبارها والأمر بخلاف ذلك. والعرب تقول: فلان حفيّ: أي: كثير السؤال عن هذا الشيء، يتقصَّى السؤال عنه حتى يعرفه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى (^٣):
فإنْ تسْأَلي عَنِّي فيا رُبَّ سَائِلٍ حَفيٍّ عن الأَعشَى به حيثُ أَصْعَدَا
والوجهان متقاربان، والأخير أقرب. وهذا معنى قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.
﴿قُلْ﴾ لهم يا نبي الله ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ ردَّ علمها إلى الله ليُعْلِم الخلق أنها لا يعلمها إلا الله.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٩٨)، عن قتادة مرسلًا.
(٢) هكذا في الأصل، وهو من سبق اللسان، وصوابه: ويتقصَّاه.
(٣) ديوان الأعشى ص٥٠.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
وقال بعض العلماء: العِلْمَان ليسا شيئًا واحدًا - أعني قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ - قال بعض العلماء (^١): أحد العلمين: عِلْم عِظمها وفظاعتها، فلا يُعلمُ قدرها إلَاّ من يجليها لوقتها. [العلم] (^٢) الثاني: علم وقت مجيئها بالتعيين. والظاهر أنه توكيد، والتوكيد أسلوب عربيٌّ معروف ﴿كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ: الآيتان ٤، ٥] وما جرى مجرى ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله (جل وعلا) استأثر بعلمها فهو (تعالى) مستأثر بعلمها كما صرح به في آيات متعددة كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ وقوله في سورة الأحزاب: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: آية ٦٣] وقوله في النازعات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات: الآيات ٤٢ - ٤٤] وقد ثبت في الصحيح في حديث جبريل لما أتى النبي ﷺ في صورة أعرابي وسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، قال له: أخبرني عن الساعة. قال ﷺ: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (^٣). يعني لا نعلمها أنا ولا أنت؛ لأن الله استأثر بعلمها، والله (جل وعلا) استأثر بعلمها لمْ يُطلع عليه نبيًّا مرسلًا ولا مَلَكًا مُقَرَّبًا.
[٢٥/ب] / ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا
_________________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٣٣٦).
(٢) في الاصل: «الوقت»، وهو سبق لسان.
(٣) مضى تخريجه عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: الآيات ١٨٨ - ١٩٠].
يقول الله جل وعلا: ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: آية ١٨٨].
أمر الله (جل وعلا) نبيه في هذه الآية الكريمة أن يقول معلنًا لجميع الناس إنه (صلوات الله وسلامه عليه) وهو أفضل خلق الله وأكْرَمهم على الله أنه لا يملك لنفسه نفعًا يَجْلِبُهُ إِلَيْهَا، ولا ضرًّا يدفعه عنها. فالكلام على حذف مُضَافٍ دَلَّ المُقام عليْهِ ﴿نَفْعًا﴾ أي: جلب نفع لنفسي أَنْتَفِعُ بِهِ. وقوله: ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: دَفْع ضرٍّ عن نفسي.
﴿إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ﴾ خالقي (جل وعلا) أن يملكني إيَّاه ويعينني عليه ويقوِّيني عليه فإني أملكه بمعونة الله وقدرته ومشيئته، وهذه عادة الرُّسُلِ الكِرَامِ (صلوات الله عليهم)، يُبَيِّنُونَ لِلْخَلْقِ أَنَّ النَّافِعَ والضَّارَّ هو خالق السماوات والأرض (جل وعلا) ليُوَجه الخلقُ إليه جميع رغباتهم ورهَباتهم، وأولى الناس بهذا الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم) وأتباعهم فإنهم يوجهون جميع رغباتهم ورهباتهم إلى مَنْ بِيَدِهِ النَّفْع والضّر لينفعهم ويدفع عنهم الضّر، وهذا معنى قوله: ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ﴾ أي: ولا أعلم الغيب أيضًا. كما أمره أن يعلن ذلك ويقوله في سورة الأنعام في قوله مخاطبًا لنبينا ﷺ: ﴿قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ الآية [الأنعام: آية ٥٠]. فأول رسول بعثه الله لأهل الأرض بعد أن كفروا هو نوح (عليه وعلى نبينا الصلاة
[ ٤ / ٣٨٤ ]
والسلام)، أمره الله أن يقول هذا: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: آية ٣١] وآخِرُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ وَخَتَم به الأنبياء: نبيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أمره أيضًا بذلك حيث قال له في الأنعام: ﴿قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: آية ٥٠] وقوله هنا، كأنه قال: ولا أعلم الغيب ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ اعلموا أولًا أن قول جماعة من المفسرين أن معنى: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: من العمل الصالح قول لا شك في أنه ليس بصحيح؛ لأنه ﷺ مُسْتَكْثِرٌ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ على كل حال، وعمله ديمة (صلوات الله عليه وسلامه).
وفي الآية للمفسرين أقوال معروفة (^١)، التحقيق إن شاء الله فيها أن معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨]، من المال ومن غير المال؛ لأنَّ مَنْ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ يعلم الأسباب التي تستوجب الأمراض فيتقيها فيبقى صحيحًا، ويعلم أوقات الغيب التي يأتي الله فيها بالربح والغلاء والرخص فيدخر للغلاء عدته وللرخص عدته، ويعلم الغيب فيما إذا باع هذا أنه يربح وإذا اشترى هذا أنه يخسر، إلى غير ذلك، فهو دائمًا يستكثر من الخير؛ لأن الناس إنما يُغبنون فيشترون شيئًا يخسرون فيه، أو يفعلون فعلًا يضرهم، أو يكون سببًا لمرضهم إنما ذلك من عدم علمهم بالغيب. أمَّا من يعلم الغيب ويعلم ما يكون فإنه إذا اشترى هذه السلعة هو عالم هل يربح منها أو يخسر فيها، فلا يخسر أبدًا، وكذلك يعلم إذا اشترى المواشي والرقيق أن هذا يموت بسرعة وهذا يعيش كثيرًا، وأنه إن
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٠٢)، القرطبي (٧/ ٣٣٦).
[ ٤ / ٣٨٥ ]
فعل كذا أصابه المرض، فتجنب أسباب الغبن، وأسباب الأمراض، وصار لا يعمل إلَاّ ما فيه خير له لاطلاعه على عواقب الأمور، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ معطوف على جواب (لو) فهو في معنى جواب (لو) أي: ولو كنت أعلم الغيب ما مسني السوء؛ لأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويعلم متى يأتيه السوء وما سببه يتجنب أسباب السوء من أوَّل، فلا يصل إليه السوء، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ فهو أعم من المال كما بيّنا.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير﴾ يعني: ما أنا مالك لنفسي النفع ولا الضر، ولا أنا عالم بالغيب، كل ذلك إلى ربي، ولكني رسول من رب العالمين أُنذر من عصى الله بعقابه، وأُبشر من أطاع الله برضوانه وجنته، كما قال هنا: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨] (إن) هنا هي النافية، والمعنى: ما أنا. وهذا القصر قصر إضافي ﴿إِلَاّ نَذِيرٌ﴾ قد قَدَّمْنَا (^١) أن النذير بمعنى المنذر، وأن الإِنْذَار هو الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذارًا. ومعنى: (نذير) أي: منذر لمن عصى ربي وكفر به بالنار ﴿وَبَشير﴾ أي: مبشر للمؤمنين بالجنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (٩٧)﴾ [مريم: آية ٩٧] ونحو ذلك من الآيات.
والبشارة في لغة العرب أكثر ما تطلق على الإخبار بما يسرّ، فَبَشَّرَه وبَشَرَه معناه: أخْبَرَهُ بما يسره. قال بعض العلماء: قيل لها
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
بشارة؛ لأن السرور تظهر به حركة الدم فيظهر على بشرة الوجه آثار السرور، وربما أطلقت العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، والظاهر أن إطلاق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء أسلوب عربي معروف، فما هو مقرر في علم البلاغة (^١): أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء أنَّه مِنْ نَوْعِ الاسْتِعَارَة التي يُسمونها بالعنادية (^٢) -ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية- الظاهر أن كل ذلك لا حاجة إليه وإن أطبق عليه المتأخرون؛ لأنها أساليب عربية نَطَقَتْ بِهَا العَرَبُ ونَزَلَ بِهَا القُرْآنُ.
والعَرَبُ تطلق البشارة على الإخبار بما يسوء، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: الآيتان ٧، ٨] وإطلاق البشارة على ما يسوء إطلاق معروف، وأسلوب عربي معروفٌ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ في لُغَتِهَا، ونزل به القُرْآن، ومنه في كلام العرب قوله (^٣):
يُبَشِّرُني الغُرابُ بِبَيْنِ أَهْلِي فقُلت لهُ ثكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ
وقول الآخر (^٤):
وبَشَّرْتني يا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتي جَفَوْنِي وقالوا: الودُّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ
هذا إخبار بما يسوء، وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨].
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
(٤) السابق.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
الظاهر أنه (جل وعلا) في هذه الآية خص النذارة والبشارة بخصوص المؤْمِنِينَ؛ لأنهم هم المنتفعون بها، [لأن غير المنتفع بها هي في شأنه كلا شيء. ونظير الآية من القرآن: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] مع أنه تذكير للأسود والأحمر، ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: آية ١١] وهو منذر للأسود والأحمر، ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ [فاطر: آية ١١٨] وهو منذر للأسود والأحمر. أي: بأنهم هم المنتفعون.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فالنفس الواحدة هي آدم ﵇، وزوجها حواء. و(جعل) تأتي في كلام العرب على أربعة أنحاء، ثلاثة منها في القرآن، والرابع موجود في لغة العرب وليس في القرآن، وهذه المعاني هي:
الأول: (جعل) بمعنى اعْتَقَدَ. وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: آية ١٩] أي: اعتقدوا الملائكة إناثًا.
الثاني: (جعل) بمعنى (صَيَّرَ) ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أي: صيرنا شياطين الإنس والجن عدوًّا لكل نبي. وهي أيضًا ] (^١) تنصب المبتدأ والخبر أيضًا.
_________________
(١) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وقد تَمَّ اسْتِدْرَاك النقص المتعلق بتفسير الآية (١٨٨) من كلام الشيخ (﵀) عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام. كما تم استدراك النقص الواقع في تفسير الآية (١٨٩) من كلام للشيخ (﵀) عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام. وجعلت ذلك كله بين معقوفين.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
الثالث: جعل بمعنى (خَلَقَ) (^١) ومنه قوله: ﴿الْحَمْدُ لله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: آية ١] أي: خلق الظلمات والنور، بدليل قوله: ﴿خَلَقَ﴾ قبله.
والظاهر أن هذا المعنى هو الذي منه قوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: آية ١٨٩] أي: وخلق منها زوجها. وخير ما يُفسر به القرآن القرآن، وقد بينت آية النساء أن (جَعَل) هنا في سورة الأعراف وفي سورة الزمر معناها (خلق) لأن الله قال في أول سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: آية ١] فقوله في النساء: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ دليل قرآنِي على أن قَوْلَهُ في الأعراف: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقوله في الزمر: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: آية ٦] أن (جعل) فيهما بمعنى (خلق) وهذا هو الأظهر لدلالة القرآن عليه (^٢).
وقوله: ﴿زَوْجَهَا﴾ يعني: حواء، وقد قدمنا (^٣) أن امرأة الرجل يُقال لها: (زوجُه) بلا تاء، وهذه هي اللغة الفصحى، وهي لغة القرآن، وشذ قَوْمٌ مِنْ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّة فزعموا أن الزوجة بالتاء لحْن، وأنها من كلام الفقهاء المَلْحُون، والتحقيق أن (الزوجة) بالتاء -لامرأة الرجل- أنها لغة لا لحن، إلَاّ أن اللغة المشهورة الفُصْحى أن تقول لامرأة الرجل: هذه زَوجُه. ولو قلت: هذه زوجته.
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(٢) وبقي المعنى الرابع من معاني (جعل) لم يذكر هنا وقد ذكره عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام، وهو بمعنى (شرع) وذكر هناك أنه ورد في اللغة ولم يرد في القرآن. فراجعه إن شئت.
(٣) انظر: القرطبي (١/ ٢٤٠)، اللسان (مادة: زوج).
[ ٤ / ٣٨٩ ]
لكانت لغة، ولم يكن لحنًا، خلافًا لما ذكره بعض علماء العربية. ومن إطلاق الزوجة بالتاء على امرأة الرجل في كلام العرب. قول الفرزدق، وهو عربيٌ فصيح (^١):
وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى ليُفْسِدَ زَوْجَتِي كَسَاعٍ إلى أُسْد الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا
وقول الحماسي (^٢):
فَبَكَى بَنَاتِي شَجْوَهُنَّ وزَوجَتي والظَّاعنُونَ إليَّ ثم تَصَدَّعُواْ
وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في صَفِيَّة: «إنها زوجَتِي» (^٣) على القول بأن الحديث يُستدل بألفاظه في العَرَبِيَّة. فقوله: ﴿جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: خلق من هذه النفس الواحدة التي هي آدم زوجها، أي: امرأة آدم، التي هي الأم حواء. وقد بيّن (جل وعلا) أنه خلق حواء مِنْ آدَمَ في ثلاث آيات من كتابه: الأولى قد قَدَّمْنَاهَا في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: آية ١] وقال هنا في الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حواء. وقال في الزمر: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: آية ٦] فهذه الآيات الثلاث لها شأن عظيم، وخطب
_________________
(١) البيت في المصدرين السابقين. و(الشرى) مأسدة بجانب الفرات يُضرب بها المثل. ومعنى (يستبيلها) أي: يأخذ بولها في يده.
(٢) البيت لعبدة بن الطبيب، وهو في الخصائص (٣/ ٢٩٥)، المفضليات ص١٤٨، أوضح المسالك (١/ ٣٥٩).
(٣) مسلم في السلام، باب بيان أنه يُستحب لمن رُؤي خاليًا بامرأة وكانت زوجة أو محرمًا له أن يقول: هذه فلانة ليدفع ظن السوء به. حديث رقم (٢١٧٤)، (٤/ ١٧١٢).
[ ٤ / ٣٩٠ ]
جليل، وإشارات إلى أمور عظيمة، سنُلِمُّ بأطْرَافِهَا بعض الإلمام، فاعلموا أيها الإخوان أن هذا القرآن العظيم هو كَلَام رَبِّ العَالمين ونوره المبين الذي أنْزَلَهُ على خَلْقِهِ ليستضيئوا بنوره، وقد يشير إلى جميع الأشياء ولا تكون في الدنيا مشكلة إلا أشار لها، وهذه الآيات الثلاث تضمنت حِكَمًا لا بد من الإلمام بها والتنبه لها، كما على المسلمين أن يَتَفَهَّمُوا ذلك.
اعلموا أن الله في هذه الآيات الثلاث من كتابه في سورة النساء، وفي سورة الأعراف، وفي سورة الزمر بيَّن أنَّهُ خَلق المرأة الأولى -التي هي مبدأ نشأة إيجاد النساء خلقها- مِنْ ضلع الرجل الأول؛ لتعلموا بذلك أن ابتداء نشأة الأنثى ومبدأ خلقها أنها لم تُخلق مستقلة في الوجود عن الرجل، بل خُلقت في أصل نشأتها الأولى التي أنشأها الله عليها وجودها تابع لوجود الرجل، ومستندة في وجودها على وجوده. وهذا الأمر أمر كوني قدري جبل الله عليه إيجاد الأنثى حيث أوجدها، وهذا الأمر الكوني القدري تحته لوازم عظيمة من عدم مساواة الرجل والأنثى في عشرات الميادين لعدم مساواتهما في النشأة الأولى والإيجاد الأول، فالرجل وُجد ونشأ أولًا مستقِلًا بوجوده عنها، لمْ يتوقف وجوده على وجودها، وهي في نشأتها الأولى وإيجادها الأول أُنشئت جزءًا منه، وجودها تابع لوجوده مستند إليه.
ولوازم هذه المسألة الكونية القدرية لمْ يهملها رب السماوات والأرض لأنه الحكيم الخبير، فَتَحْتَ هذا الإيجاد الأول لوازم تابعة له كثيرة قد جاءت مبينة في الحس والعقل والشرع الكريم، نُلم بشيء منها، وبهذا تعلمون أن ملاحدة الإفرنج الكفرة وأتباعهم من
[ ٤ / ٣٩١ ]
الخفافيش الذين يزعمون أنهم مسلمون، الذين يقولون: (إن الأُنثى كالرجل في جميع الميادين) يكذبون أولًا في النشأة الأولى والإيجاد الأول، فإنهما عندما أراد الله إيجادهما لمْ يبدأ إيجادهما بالتسوية، بل جعله إيجادًا متفاوتًا متباينًا، فجعل إيجاد هذا مستقلًاّ عن هذا، وجعل إيجاد هذا تابعًا لإيجاد هذا ومستندًا إليه، وهذا التبع الذي هو منشأ الأمر وأصله له لوازم رعاها الشرع (جل وعلا) ورعاها الحسّ والعادة، وهي أمور سنبيّن أطرافًا منها ليعلم الناس أن ما قدَّره الله في كونه وأزله أنه قد يُراعه في شرعه، وأَنَّ مَنْ يُريدُ أنْ يُغالب قدر الله هو المغْلُوب؛ فَالله (جل وعلا) هو خالق هذا الكون، وهو المتصرِّف فيه بما شاء، وهو المميز بين أجْزَائِهِ، والمخالف بين أنْوَاعِه، وما خالف الله بينه منها لا يمكن أحدًا أن يماثله، ومن أراد أن يماثله فإنه مغلوب عاجز لا محالة، كما قال كعب بن مالك في قريش (^١):
زعمتْ سَخِينَةُ أن ستغلب ربها فليُغلبنَّ مُغالب الغَلَاّبِ
فمن لوازم كون المرأة تابعٌ وجودها لوجود الرجل، ومستند عليه، ليس مستقلًا له: أنه كان الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة، ونسبة الأولاد إلى الرَّجُل لا إلى المرأة، والرجل يُفضل في الميراث على المرأة، والرجل يجمع بين امرأتين وثلاث وأربع، والمرأة لا تجمع بين رجلين ولا ثلاثة، إلى غير ذلك من الفوارق الشرعية، وهي حسية عقلية مستندة إلى فوارق كَوْنِيَّة قدرية جبل الله عليها
_________________
(١) البيت في تاريخ دمشق (١٢/ ٤٠٥)، (٥٠/ ١٩١)، الاقتضاب شرح أدب الكُتَّاب للبطليوسي (١/ ٧٦)، اللسان (مادة: سخن) (٢/ ١١٦)، أساس البلاغة (س، خ، ن)، تهذيب اللغة (٧/ ١٧٧)، (٨/ ١٣٨)، جمهرة اللغة (٥٨٣، ٦٠٠، ٨١٦)، تاج العروس (١/ ٤١٥)، (٦/ ٢٤٨)، (٩/ ٢٣٢).
[ ٤ / ٣٩٢ ]
الجميع عندما أراد إيجادَهُ، وَسَنُلِمّ ببعض الأطراف من هذا ليظهر للناس خِزْيُ فَلْسَفَة هؤلاء المتفلْسِفين الكفرة الفجرة ومن قَلَّدَهُم من الخفافيش التي أعمت أنوار القرآن أبصارها.
خَفَافيشُ أعماها النهارُ بضَوئِهِ ووافَقَهَا قِطْعٌ من الليلِ مُظْلمُ (^١)
يقولون مثلًا: لِمَ كان الطلاق بيد الرجل؟ ولِمَ لمْ يؤخذ رأي المرأة فيه؟ وهذا ظلم من شرع الإسلام للمرأة؛ لأن ابتداء العقد أولًا لمْ يقع حتى أُخذ رأيها فيه وأُخذ رأيهما معًا، فمن أين أعطى الاستقالة للرجل وحده دون إذنها؟ ويُفلسفون هذه الفلسفات.
ونحن نقول: إنَّ كون الطلاق بيد الرجل هو الأمر المعقول الذي يشهد له الحس والفطرة والشرع، والنَّشْأَةُ الأولى؛ لأنَّ من خلق الرجل وخلق المرأة -هو خالق هذا الكون، وهو أعلم بحقائقه وما يُصْلِحُ كُلًا منه- صرح في محكم كتابه- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- أن النساء حروث ومزارع، قال تعالى في محكم كتابه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣] ولو حاول الإفرنج ما حاولوا أن يكذبوا قوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ لمْ يقدروا على كل حال؛ لأنه قول من خلق الجميع وفعلُه وكونُه وقدرُه لا يمكن أحد أن ينفيه؛ لأن الرجل لمْ يكن في بطنه رحم يتربى فيها الولد، والنطفة المشاهدة أن تبذر في بطن المرأة، وأن تتربى فيها كما يتربى البذر في الأرض حتى يحصد تامًّا، هذا أمر مشاهد يشهده الحس والعقل، لا يمكن المكابر أن ينكره: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ومعلوم أن الحارث المزدرع فاعل، وأن
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
الحقل المزروع مفعول به بطبيعة الحال وحقيقة الأمر الواقع المحسوس الذي لا يمكن أن ينكره المكابر. ومما يوضح هذا: أن آلة الازدراع -آلة التناسل- هي مع الرجل، فلو قلنا كما يقوله الإفرنج: إنه لا يتركها إلَاّ برضاها، وأن ترضى مفارقته إيَّاها، وصار مكرهًا عليها لا يريدها، فهو زارع مُرْغَم على حقل لا يريد الزراعة فيه، فإنها لو أرادت أن تجامعه لتحصل منه على ولد فأنا أؤكد لكم أنها لا تقدر، ولا ينتشر ذكره، ولا يقوم إليها، ولا تقدر أن تأخذ البذر منه بحال من الأحوال، بخلاف الرجل الذي هو بطبيعة الحال فاعل، والذي هو زارع ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣] فإنه قد يُحبلها وهي كارهة، فتكون في أشدّ التمنع والكراهة ويُرغمها ويقهرها فتحمل. وقد كان العرب يقولون: إن المرأة التي حملت وهي مكرهة على الغَشيان أن ولدها لا يطاق أبدًا، وهو أمر معروف عندهم مشاهد، ومنه قول أبي كبير الهذلي يصف رجلًا لا يطاق؛ لأن أُمَّه حملته شادَّة حزامها ونطاقها غير راضية بالمسيس (^١):
ممنْ حَمَلْنَ به وهُنَّ عواقدٌ حُبكَ النِّطاقِ فَشَبَّ غير مُهبَّل
حملتْ به في ليلةٍ مَزْؤودَةٍ كَرْهًا وعَقْدُ نطاقها لم يُحْللِ
فهذا يُحبلها راغمة كارهة، وهي لا تقدر، فدل على أنه فاعل، وعلى أنها مفعول، والمباينة بين الفاعل والمفعول معروفة، ومن أراد أن يسوي بين الفاعل والمفعول فهو مطموس البصيرة يُنكر القَدَر والأمور الحقيقية المحسوسة كما هو معروف.
وكذلك زعمهم أن تفضيل الرجل على الأنثى في الميراث أنه
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
ظلم من الشرع؛ لأنَّ الرجل والمرأة يُدْلِيَان للميت بقرابة واحدة، فكيف تكون المرأة والرجل يمتان للموروث بقرابة واحدة ونصيب الرجل أكثر من نصيب الأُنثى؟! وهذا قولهم وفلسفتهم الشيطانية، والله (جل وعلا) في آية الصيف -أعني الآية الأخيرة النازلة في المواريث من آخر سورة النساء- بيّن (جل وعلا) فيها أَنَّ مَنْ سَوَّى بين الذكر والأنثى في الميراث أنه ضال ولا شك في ذلك الضلال؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: آية ١٧٦] ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ كراهة أن تضلوا عن الطريق المستقيم، أو لأجل أن لا تضلوا. فالمسوِّي بينهما ضال بنص المحكم المنزل لا شك في ذلك، وإيضاح هذا بالمحسوس المعقول الذي لا يماري فيه إلَاّ مكابر: أن الله (﵎) جعل الذكورة بطبيعتها جمالًا وكمالًا وقوة خلقية، فنفس الذكورة جمال طبيعي، وكمال خلقي، وقوة طبيعية، كما أن الله (جلَّ وعلا) أوجد الرجل - إيجاده الأول- إيجادًا مستقلًا، والأنُوثة هي بحقيقة ذاتها وطبيعتها نقص جِبِلّي خلقي، وضعف خلقي لا ينكره إلا مكابر، والله (جل وعلا) بين في كتابه أن الأنوثة أنها بطبيعة حالها ضعف جِبِلّي ونقص خِلْقي منحط عن درجة الذكورة حيث قال: ﴿أَوَمَن يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ [الزخرف: آية ١٨] وفي القراءة الأخرى (^١): ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي أتجعلون لله ولدًا وبعد ذلك تجعلون له أضعف الولدين وأنقصهما وأحوجهما إلى التكميل الذي يُنَشَّأُ في الحلية من مدته وهو صغير.
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٩٧.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
وتنشئة الأنثى في الحلية: تُثقب آذانها، وبعضهم يثقب أنفها، ويحطون لها الخلاخيل والأسورة والدماليج والثياب الجميلة، وسائر الحلي والحلل، ولا يفعلون شيئًا من هذا للذكر.
وهذا يدل على أنها جِبَلَّة طبيعية بشرية عامة أن جمال الذكورة وكمالها أغنى عن الحلي والحلل، وأن الضعف الملموس في الأُنثى يحاول جبره بهذه الزينات ليجبر ذلك النقص، وقد صدق من قال (^١):
ومَا الحَلْيُ إلا زِينَة من نَقِيصةٍ يُتَمِّمُ من حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصّرا
وأَمَا إذَا كانَ الجمالُ مُوَفَّرًا كحُسْنكِ لمْ يَحتَجْ إلى أن يُزَوَّرا
كذلك قال في المرأة: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ لأنَّ أغلب طبيعة النساء أن المرأة لا تُجابه ولا تقدر على مخاصمة فحول الرجال في الميادين التي تزدحم فيها الناس؛ لضعفها الخلقي، ونقصها الجبِلِّي، ومما يدل على أن هذا أمر جِبِلِّي مركوز في طبائع العقلاء: أن ضعفَ أركان المرأة وضعف عظامها ولينها وخنوثتها جمال فيها يستوجب محبتها ويزيد الميل إليها، وكذلك عدم إبانتها في الخصام من جميع محاسنها ولين أُنوثتها الذي يجلب القلوب إليها بخلاف الرجال، وهذا كلام جاء في جِبِلَاّت العقلاء فإنهم يُشَبِّبُون ويذكرون من محاسن النساء لينها وضعف أركانها، وعدم إبانتها في الكلام، ألا ترون إلى قول جرير وهو عربي فصيح (^٢):
إن العُيونَ التي في طَرْفِهَا حَوَرٌ قَتَّلْنَنَا ثُم لم يُحْيِيْنَ قَتْلَانَا
يَصْرَعْنَ ذَا اللّبِّ حتى لا حِرَاكَ به وهُنَّ أَضْعَف خَلْقِ الله أَرْكَانَا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من هذه السورة.
(٢) البيتان في ديوانه ص٤٥٢.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
فقوله: «وهن أضعف خلق الله أركانا» مما يجر القلوب إليهن ويزيدهن محبة، وذلك يدل على أن الطبيعة كما ذكرنا، كذلك قال ابن الدمينة فى امرأة لا تقدر أن ترد عن نفسها ما رُميت به من ريبة (^١):
بَنَفْسِي وأَهْلي مَنْ إذا عَرَضُوا لَهُ لبعضِ الأَذَى لم يَدْرِ كيفَ يُجيبُ
وَلمْ يَعْتَذِرْ عُذْْرَ البَريءِ ولم يزلْ به سَكْتَةٌ حتى يُقال مُريبُ
فشبب بها بهذا، وهذا الضعف الخلقي الجِبلّي أمر مشاهد لا ينكره العقلاء، فالإفرنج الذين يقولون: إن المرأة كالرجل في جميع الميادين الكذبة الفجرة الخاسئون يجعلون صبغ الحمرة على فم الأنثى ولا يجعلونه على فم الرجل، ألا ترون أنهم يضعون الحمرة على فم الأُنثى ولا يضعونها على فم الرجل!! ما هذا الفرق إلَاّ لفوارق طبيعة جُبل عليها عامة العقلاء حتى الإفرنج الذين عقولهم كعقول البهائم ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩].
فلما كانت الأُنوثة ضعفًا خلقيًّا وعدم كمال جِبلِّي، والذكورة كمال جِبِلِّي وقوة طبيعة خلقية؛ ولذا لا ترى ذكرًا في الدنيا تُثقب آذانه ليُجعل فيها الحلي، ولا يُثقب أنفه، ولا تُجعل له الأساور والحلي ليكمل به؛ لأن شرف ذكورته وكمالها يكفيه عن التزين بالحلي. لما كان هذا النوع من أنواع الإنسان الذي خُلق في مبدأ خلقه مستقلًاّ أقوى وأكمل من هذا النوع الآخر الذي خُلق في مبدأ خلقه وجوده تابعًا لوجود هذا ومستندًا إليه كما أجرى الله عادته وقدره بذلك كان
_________________
(١) البيتان في ديوان مجنون ليلى ص٢٩، وفي عيون الأخبار (٣/ ١٠٣)، الشعر والشعراء ص٤٩٢، ونسبه لابن الدمينة.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
اللازم أن يكون هذا القوي في خلقته الكامل في طبيعته، قائمًا على ذلك الضعيف بجبِلَّته ليوصل له ما يعجز عن إيصاله من النفع لنفسه، ويدفع عنه ما يعجز عن دفعه من الضرّ عن نفسه، وهذا هو الأمر الكوني القدري المُعَضَّد بنور السماء ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ إنما جعل الرجال قوَّامين على النساء؛ لأن كمال الرجال بذكورتهم وقوتهم الطبيعية جعلتهم يقومون على النساء لضعفهن الخلقي الجِبِلِّي كما قال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: آية ٣٤] فلما اقتضت طبيعة قوة الرجل وكمال ذكورته أن يكون قائمًا على الأُنثى، واقتضى ضعف الأُنثى الخلقي، وعدم استقلالها في نشأتها، وتبعية وجودها في نشأتها لوجود الرجل، وعدم استغنائها عنه اقتضى ذلك أن يكون هذا الكامل القوي قائمًا على هذا الضعيف في خلقته ليدفع عنه ما لا يقدر على دفعه من أنواع الضر، ويجلب له ما لا يقدر على جلبه من أنواع النفع وصار الرجال قوَّامين على النساء، ومن هنا صار الرجل يترقب النقص دائمًا؛ لأنه ينفق على نسائه، ويدفع لهن المهور، فهو يترقب النقصان دائمًا، والمرأة بحال طبيعتها ونقصها الجِبِلِّي تترقب الزيادة دائمًا، فإن المرأة تترقب رجلًا يدفع لها مهرًا ضخمًا ويقوم بلوازمها في الحياة من مطعم ومشرب ومأكل وملبس إلى غير ذلك، فالمرأة تَتَرَقَّبُ الزيادة والأخذ دائمًا، والرجل يَتَرَقَّبُ النقصان والغرم دائمًا، والميراث ما تَعِبَا فيه، ولا مسحا فيه عرقًا، مَلَّكَهُمَا اللهُ إيَّاه ملكًا جبريًّا بحكمته وفضله، فاقتضت حكمة الخبير الحكيم
العليم أن يُؤثر مترقب النقص دائمًا ويكثر نصيبه على مترقب الزيادة دائمًا؛ ليكون في ذلك جبرًا لبعض نقصه المترقب. ولو رأيت أحدًا قد يعطي اثنين شيئًا وأحد
[ ٤ / ٣٩٨ ]
هذين الاثنين يترقب النقص دائمًا، وأحدهما يترقب الزيادة دائمًا، وآثر في عطائه مترقب النقص ليجبر من نقصه لقلت: أن تأثيره له حكمة واقعة موقعها على أحسن ما يكون.
واعلموا أن الله ﵎ خلق المرأة -لما جبلها عليه من الطبيعة- مستعدة للمشاركة في بناء المجتمع الإنساني على أكمل الوجوه وأبدعها وأحسنها، ولا تَقِلُّ خدمتها عن خدمة الرجل، إلَاّ أن الله جعل تلك الخدمة التي تقوم بها المرأة لمجتمعها جعلها في داخل بيتها في عفاف وصيانة وستر، ومحافظة على الشرف ومكارم الأخلاق، فيذهب الرجل يكدح في الحياة يبيع ويشتري، أو يناجز الأقران في ميدان القتال، والمرأة في بيتها عاطفة على الصغير من أولادها، عاطفة على المريض، عينها من وراء جميع ما في البيت، ترضع الرضيع، وتعالج المريض، وتفعل كل شيء، فإذا جاء قرينها الآخر من عمله وكدِّه في الحياة وجد كل شيء حاضرًا، وجد أولاده الصغار مرضعين، والمرضى ممرضين، وكل شيء جاهز، فهذه الخدمة التي قامت بها في داخل بيتها لا تقل عن خدمته هو في الخارج في ميدان الحياة، ومع هذا هي في صيانة وستر، ومحافظة على الشرف والفضيلة، ومرضاة لخالق السماوات والأرض (جل وعلا) ولا شك أن هذا التعاون بين الرجل والمرأة أنه تعاون كريم نزيه بمقتضى جبلتهما وما طبعهما الله عليه، وأنه يغيظ الشيطان ولا يرضي إبليس، فإبليس يحب أن يكون الأمر لا ينبغي، وأنه على حالة خبيثة، فيقرأ فلسفته في آذان أوليائه فيفلسفون في أذن المسكينة فيضللونها بالشعارات الزائفة والكلمات الكاذبة السخيفة من اسم الحضرية، والتمدن، والحضارة، والتقدم، ويقولون للمرأة التي
[ ٤ / ٣٩٩ ]
كانت في بيتها تخدم زوجها وأولادها ومجتمعها على أكمل الوجوه وأتمها، في صيانة وستر، ومحافظة على الشرف والفضائل، ومرضاة لخالق هذا الكون، يحسدهم الشيطان على هذا، ويغضبه هذا التعاون الكريم النزيه، فيقول لأوليائه أن يقولوا للمرأة: أنت محبوسة في البيت، أنت مجرمة، أنت دجاجة، فلك أن تخرجي وتشمِّي الهواء، وتفعلي كما يفعل الرجل!! وهذا خديعة لها وغرور للمسكينة الجاهلة؛ لأنها تخرج من حيائها وسترها وخدمة بيتها، فإذا خرجت تكدح في الحياة مع الرجل عَرَّضت جمالها لأعين الخائنين؛ لأن المرأة هي أعظم شيء يَتَعَرَّضُ لخيانة الخائنين؛ لأن العين الفاجرة الخائنة إذا نظرت في جمالها استغلَّتْ ذَلِكَ الجَمَالَ والنِّعْمَة الإلهية مَكْرًا
وغَدْرًا وجناية على الشرف والفضيلة وعلى الإنسانية، وإذا مَسَّهَا وَاحِد -مس بدنها في الزحام- بدعوى أنها تخرج باسم التقدم والحضارة والمدنية. وما هذه إلا ألفاظ جوفاء خبيثة كلبة خنزيرة يراد بها ضياع الشرف والفضيلة -والعياذ بالله- فإذا خرجت بَقِيَتْ جميع خدمات البيت ضائعة، بقي الرضيع من الأولاد ليس عنده من يرضعه، والمريض ليس عنده من يمرِّضُه، وليس هناك مَنْ يُهَيِّئ طعامًا لهم إذا جاءوا، فلو قدرنا أنهم أجَّرُوا إنسانًا ليجلس مكان المرأة كان هذا الإنسان الأجير هو الذي يأكل عَلْقَة الدجاج والحبس، صار هو المحبوس في البيت ولا ذنب له، وإنما حُبس هذا لتخرج المرأة وتضيع شرفها وفضيلتها وكرامتها، والمرأة إذا ضَاعَ شَرَفُهَا وفضيلتها وكرامتها وصارت مائدة لعيون الخونة فإنها لا خَيْرَ لها في الحياة، فبطن الأرض خير لها من ظهرها ولا شك في ذلك.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
فهذه الفلسفات الكاذبة تُضَلّلُ بها المسكينة باسم الحضارة، واسم التقدم، واسم التمدن، وأنها ليست بدجاجة ولا مجرمة محبوسة بالبيت؛ لتُخرج من حيائها وتُجعل مائدة لخونة الأعين الخائنة (والعياذ بالله) ويضيع شرفها، وتضيع دنياها وآخرتها، والعياذ بالله.
فعلينا -معاشر المؤمنين- أن نعلم أن بَيْنَ الأنثى والذكر فوارق طبيعية جَبَلَهُمَا الله عليها لا يمكن لأحد أن يَجْهَلَها ولا يتجاهلها، ومن أراد أن يكسر هذه الحواجز التي بين الذكر والأنثى لبعدها وقوتها فهو ملعون في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ؛ لأنه قد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (^١) فالتي تترجَّل تحاول التشبُّه بالرجل في جميع الميادين هي ملعونة على لسان رسول الله ﷺ؛ لأنها أرادت أن تحطم فوارق وحواجز وَضَعَها خالق السماوات والأرض كونًا وقدرًا وشرعًا لا يمكن لأحد أن يحطمها بوجه من الوجوه.
والعجب كل العجب أن المرأة إذا ضُلِّلت وسُفِّه عقلها بالشعارات الزائفة، والفلسفات المضلة باسم التقدم، والحضارة، والتمدن، وأنها ليست بدجاجة، ولا مجرمة محبوسة في البيت؛ ليُضَيَّع شرفها وتُعَرض للرذائل وضياع الشرف وسخط رب العالمين، فهي مع هذا تحاول أن تترجل، وأن تكون كالرجل في كل شيء، ولو
_________________
(١) أخرجه البخاري في اللباس، باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال، حديث رقم (٥٨٨٥)، (١٠/ ٣٣٢). وأطرافه في (٥٨٨٦، ٦٨٣٤) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٤ / ٤٠١ ]
كشفت ثيابها وكشف الرجل ثيابه لعُلم أن هنالك مغايرة محسوسة طبيعية لا يمكن الإفرنج ولا أذناب الإفرنج أن يكسروها ولا يحطموها؛ لأنه قَدَرُ خَالِقِ السَّمَاوات والأرْضِ وأفعال رب العالمين لا يمكن أن تُكْسَر، ومع هذا فالمؤسف كل المؤسف أن الرجال يَتَأَنَّثُون وينماعون، ويترك الواحد حرمه -امرأته وبناته- ذاهبة في هذه التيارات المخزية الكافرة الفاجرة الملحدة!! ووالله لقد صدق المتأخر في قوله (^١):
وَمَا عَجَبٌ أَنَّ النِّسَاءَ تَرَجّلَتْ وَلَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجَالِ عُجَابُ
فالعجب كل العجب أين ضاعت رجولة الرجال، وغيرة الرجال، وضمائر الرجال، أين ضاع هذا وتلاشى وانماع؟! فالرجل إذا كانت حرمه تخرج مائدة لأعين الفجرة، متجرِّدة من الدين والشرف وأخلاق الإسلام على فلسفات كاذبة خسيسة ملعونة جاء بها الإفرنج، كلها شعارات زائفة كاذبة: تمدن، حضارة، تقدم؛ ليضيع الشرف.
ومعلوم عند الناس أن كل البلاد الإسلامية التي كانت متمسكة غاية التمسك، ورجالها فيهم غيرة على بناتهم، لما دخل عليها هذا التيار، وجاءتها هذه الشعارات: تمدن، حضارة، تقدم، أن نساءهم - والعياذ بالله - صاروا فيما لا يُعَبَّر عنه، ولا يحتاج أحد أن يُنَوِّه عنه لشهرته مِنَ المجُون والفِسْق، وضياع الشرف والفضيلة، وانعدام الحياء رأسًا، والمرْأة إذا ضاع شرفها وفضيلتها فبطن الأرض خيرٌ لها مِنْ ظَهْرِهَا.
_________________
(١) البيت في الأضواء (٣/ ٤٢٢)، الدرر السنية (٦/ ٦٢)، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (١٠/ ٢٤٣).
[ ٤ / ٤٠٢ ]
ومعلوم أن الله ﵎ فَرَّقَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأنْثَى جِبلَّةً وكونًا وقدرًا وشرعًا، فمن يقول: إن المرأة كالرجل في جميع الميادين، وأنها تزايل ما يزايله الرجل فهو مجنون كاذب مغلوب؛ لأنه يعاند القدر، ومن أراد أن يعاند قدر الله فهو المغلوب، مع أن المرأة التي يقولون: إنها كالرجل في جميع الميادين بطبيعة حالها تمر عليها أوقات وهي لا تقدر على عمل، فهي في أوقات الحمل إذا صارت لها ستة أشهر ونحوها فإنها يُثْقِلها الحمل، ولا تقدر على فعل شيء وفي بطنها إنسان، فأين هذه من الذكر؟! الذكر لا يمكن أن يكون في بطنه إنسان، ولا يعجزه هذا الإنسان الذي في جوفه عن العمل، فأين الاتحاد، وأين المماثلة؟! وكذلك إذا نُفِسَت فإن النفاس يمرضها ويضعفها، والرجل لا يُنفس، فأين هذه المساواة، وأين هذا من هذا؟! فهذه فوارق قدرية كونية، تترتب عليها فوارق شرعية وحسِّية، وهذا من المعلوم. فقد بيّنا في هذه الآية أن الحواجز والفوارق بين الرجل والمرأة أنها موجودة عند نشأة الرجل الأول، وعند نشأة المرأة الأنثى؛ لأن المرأة الأنثى الأولى ما نشأت ولا وُجدت وجودًا مستقلًا عن الرجل، بل خُلِقَتْ من ضلع الرجل، فهي جزء منه، وجودها تابع لوجوده، مستندة في وجودها إليه، وهذا الأمر الكوني القدري الطبيعي الذي فعله خالق السماوات والأرض الحكيم الخبير لوازمه سارية في جميع ميادين الحياة، والإفرنج يحاولون أن يحطموا هذه الفوارق كلها وأتباعهم من الخفافيش!! والغريب كل الغريب أنوثة الرجال وميوعة ضمائرهم!! فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
وَمَا عَجَبٌ أنَّ النِّسَاءَ تَرَجّلَتْ وَلَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجَالِ عُجَابُ (^١)
أين غَيْرَةُ الرِّجَالِ، وأيْنَ شَهَامة الذّكور؟!
_________________
(١) مضى قريبًا.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
[٢٦/أ] / ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: الآيات ١٨٩ - ١٩٤].
يقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٨٩، ١٩٠].
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قد ذكرنا أن التحقيق أن المراد بهذه النفس الواحدة آدم، وأن زوجها التي خلق منها أنها حواء، وتكلمنا بهذه المناسبة على أن الرجل الأول والمرأة الأولى اللذان هما سبب إيجاد الرجال والنساء جميعًا كما تقدم في قوله في صدر سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: آية ١] أن نشأة -بدء- هذا الرجل وهذه المرأة كانت المرأة وجودها تابع وجود الرجل، ومستندة في وجودها إليه، وأن هذا الأمر اختلاف أساسي من أصل الوجود والمبدأ، وأن ذلك الاختلاف قد ترتب عليه لوازم من المخالفة الضرورية بين الرجل والمرأة، وذكرنا بعض الأشياء التي
[ ٤ / ٤٠٤ ]
يشنع الملحدون فيها على دين الإسلام، ويزعمون أنه لم ينصف المرأة فيها، كجعل الطلاق بيد الرجل، وتفضيله على المرأة في الميراث، وجواز تعدد الزوجات.
وقد بيّنا حكمة كون الطلاق بيد الرجل، وحكمة تفضيل الرجل في الميراث، وبيّنا أن الرجل يترقب النقص دائمًا؛ لأنه ينفق الأموال في مهور النساء ونفقاتهن ونوائب الدهر، والمرأة تتَرَقَّبُ الزِّيَادَة دائمًا، تترقب رجلًا يدفع لها مهرًا ويقوم بإِنْفَاقِهَا ولوازِمها في الحياة، فمن أعطى اثنين وآثر مترقب النقص منهما على مترقب الزيادة كان إيثاره واقعًا موقعه، مطابقًا للحكمة، ولا سيما إن كان ذلك من العظيم الخبير العالم بخبايا الأمور، الذي بيّن في كتابه أَنَّ مَنْ زَعَمَ اسْتِوَاءَ الرَّجُل والأنثى في الميراث أنه ضال؛ لأن الله لما قال: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ أتبع قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ﴾ [النساء: آية ١٧٦] يعني: هذا الذي فضل الذكر على الأنثى في الميراث عليم بكل شيء، فهو أعلم بخفايا الأمور وخباياها، وبدقائق المصالح وجلائلها، بيّن لكم هذا البيان ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ كراهة أن تضلوا، أي: لأجل أن لا تضلوا فتسوّوا بينهما في الميراث.
وأردنا الآن أن نتكلم على بقية قليلة من ذلك، فنبين حكمة تعدد الزوجات، وأن الذين أنكروا ذلك وعابوه على دين الإسلام كفرة ملاحدة طمس الله بصائرهم بظلام الكفر -والعياذ بالله- فالله (جل وعلا) أباح للرجل أن يجمع أربع زوجات بشرط أن يقدر على العدل بينهن، وقد بيّن القرآن أن العدل بينهن قسمان: عدل ممكن، وعدل غير ممكن. أما العدل الممكن بين الزوجات: فهو تَسْوِيَتُهُنَّ
[ ٤ / ٤٠٥ ]
في الحقوق، وإنصاف بعضهن من بعض في اللوازم اللازمة، فهذا ممكن يَقْدِرُ كلّ أحَدٍ عَلَيْهِ، وهذا الذي نهى الله عن الميل فيه، قال: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: آية ١٢٩]. وعدلٌ بينهن ليس تحت طاقة البشر ولا يُقدر عليه، وهو المساواة بينهن في المحبَّةِ الطبيعية والميل النفساني؛ لأن المحبة ليست من الأفعال الاختيارية، وإنما هي من الانفعالات والتأثرات النفسانية التي لا تدخل تحت قدرة العبد. وهذا العدل في المحبة والميل الطبيعي النفساني لا يُقدر عليه، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: آية ١٢٩] وكان ﷺ يقسم بين أزواجه فيعدل، ثم يقول مبيّنًا هذين القسمين: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» (^١).
يعني الميل الطبيعي والمحبة؛ لأن هذا ليس تحت قدرة البشر، فالله (جل وعلا) أباح للرجل أربع زوجات بشرط قدرته على العدل بينهن في الحقوق الشرعية، وإن كان الميل الطبيعي والمحبة النفسانية ليس بيده، إلا أن المساواة بالحقوق الشرعية هي في مقدوره، فإن كانت هذه أحب إليه طبيعة، وهو أميل إليها بالمحبة؛ فإنه يمكنه أن يسوّي بينها وبين الأخرى، وينصف بينهما في الحقوق الشرعية كمال الإنصاف كما
_________________
(١) أحمد (٦/ ١٤٤)، والدارمي (٢/ ٦٧)، وأبو داود في النكاح، باب في القسم بين النساء، حديث رقم (٢١٢٠)، (٦/ ١٧١ - ١٧٢)، والترمذي في النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، حديث رقم (١١٤٠)، (٣/ ٤٣٧)، والنسائي في عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. حديث رقم (٣٩٤٣)، (٧/ ٦٣ - ٦٤)، وابن ماجه في النكاح، باب القسمة بين النساء، حديث رقم (١٩٧١)، (١/ ٦٣٤)، والحاكم (٢/ ١٨٧)، وابن حبان (الإحسان) (٦/ ٢٠٣).
[ ٤ / ٤٠٦ ]
لا يخفى. فإذا كان الإنسان لا يقدر على العدل بينهن يلزمه الاقتصار على واحدة؛ لأن غير العدل جور والجور لا يُؤذن فيه في الشرع الكريم، أو ما ملكت يمينه من الإماء، وقد نص الله على هذا بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ (٣)﴾ [النساء: آية ٣] أي: لا تجوروا في الحقوق. وكونه (جل وعلا) أباح للرجل جمع أربعة وحرم عليه الخامسة فما فوقها، وجعل ذلك بشرط العدل، هذا تشريع الحكيم الخبير، تشريع خالق السماوات والأرض، الذي هو أعلم بالمصالح، وأعلم من خلقه؛ لأن الأربع وسط بين القلة والكثرة، فهي دون الكثرة التي هي مَظِنَّة عدم القدرة على القيام بلوازم الجميع، وهي فوق القلة التي هي مَظِنَّة تعطل بعض حقوق الرجل كما سيأتي إيضاحه.
والله (جل وعلا) أباح تعدد الزوجات لمصلحة نفس المرأة، ومصلحة نفس الرجل، ومصلحة نفس أمتهما، فتحت ذلك مصالح عظيمة لا ينكرها إلا من طمس الله بصيرته. ففيه مصلحة المرأة من جهات عديدة منها: أن الله (جل وعلا) أجرى عادته أن عدد النساء في أقطار الدنيا على مر العصور أكثر من الرجال؛ لأن الرجال أقل من النساء، وأكثر تعرضًا لأسباب الموت، فلا تجد محلًا إلا ونساؤه أكثر من رجاله، كما أجرى الله العادة بذلك، وقد جاءت الأحاديث عنه ﷺ أن النساء سيكثرن جدًّا، وأن الرجال سيقلون جدًّا (^١)، ولما كانت عادة الله أن جعل عَدَد الرِّجَالَ في أقطار الدنيا
_________________
(١) البخاري، كتاب الحدود، باب: إثم الزناة، حديث رقم (٦٨٠٨)، (١٢/ ١١٣)، ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، حديث رقم (٢٦٧١)، (٤/ ٢٠٥٦).
[ ٤ / ٤٠٧ ]
على مر العصور أقل من عدد النساء -لأن الرجال أكثر تعرُّضًا لأسباب الموت وخروجًا في الأسفار والمقاتلة والحروب من النساء- وكان عدد النساء أكثر، فلو قُصِرَ الواحِدُ على الواحدة لَبَقِيَ من النساء عدد ضخم هائل لا أزواج له، فيضطررن بذلك إلى ارتكاب فاحشة الزنا ورذائل الأخلاق، وبقين لا عائل لهن، فتشريع الحكيم الخبير يجمع الرَّجُل فيه بين النساء فيحسن إليهن وينفق عليهن ويُعف الجميع؛ لأن الرجل الواحد قد يُعف أربع نساء ويُخْدِمهن ويطعمهن ويكسوهن، بحيث لا يَكُنَّ فيهن حاجة إلى شيء.
وكذلك أجرى الله العادة أن المستعدات من النساء للتزويج أكثر من المستعدين من الرجال؛ لأن عامة النساء مستعدات للزواج، وكثير من الرجال غير مستعدين للزواج لفقرهم وعجزهم عن لوازم الزوجية من صداق ونفقات وما يتبع ذلك من مُؤَن، فلو قصرنا الواحد على الواحدة لبقي أيضًا ذلك العدد الضخم بلا أزواج فألجأهن ذلك إلى ارتكاب الفاحشة والعمل بما لا يليق. ومن ذلك أن المرأة الواحدة لو قُصر الرجل عليها فإنها تعتريها أعذار طبيعية تمنعها من القيام بأخص لوازم الزوجية؛ لأنها تمرض وتحيض وتُنفس، وهي في زمن حيضها تتعطل منافع زوجها، وكذلك في زمن نفاسها، فلو قُصر على الواحدة لكان كلما تعطلت تعطلها الطبيعي تعطل معها، فيكون الرجل كأنه يُنفس كما تنفس، ويحيض كما تحيض، وهذا ليس بإنصاف!! والأمة محتاجة إلى الكثرة، وقد حضها ﷺ على التزوج وكثرة الولادة ليكاثر بها الأمم. ومن الغريب كل الغريب، والمؤسف كل المؤسف
[ ٤ / ٤٠٨ ]
أنك ترى كثيرًا من الأمم المتسمية باسم الإسلام تحضر المؤتمرات التي أصل عقدها من الكفرة الفجرة فيما يسمونه (تحديد النسل) (^١) وهذا أعظم شيء مخزٍ يخجل منه الإنسان الذي في باطنه شيء من نور القرآن؛ لأن منشأ ذلك أن الكفرة -عليهم لعائن الله- لا يؤمنون بالله، ولا يحسنون به ظنًّا، ولا يتوكلون عليه، ويظنون أنهم إذا نظروا دخل البلاد القومي وقدر ما يتزايد من النسل أن الناس يكثرون على قدر الدخل، وتعتريهم الفاقة والجوع، فيعقدون المؤتمرات لتحديد هذا النسل خوفًا من الفاقة والفقر والجوع!! وهذه أفكار الخنازير والقردة الذين لا يُقرّون بخالق السماوات والأرض، ولا يعلمون فضله ورحمته وكثرة خزائنه، ولا يتوكلون عليه.
والكثرة هي نعمة من نعم الله (جل وعلا)، والله يقول ممتنًّا على أمة شعيب: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: آية ٨٦] الكثرة نعمة وقوة، وهؤلاء يأتيهم الشيطان ليتخلصوا من نعمة الله والقوة!! والله (جل وعلا) قد بيّن أن قومًا فيما مضى قد أرادوا قتل أولادهم من أجل الجوع الواقع، وأن بعضهم أراد قتل الأولاد من خوف الجوع المتوقع، فبيّن لهم خالق السماوات والأرض أن ذلك الجوع المتوقع لا يكون، وأن خالق السماوات والأرض الذي بيده خزائن السماوات والأرض عليه رزق الجميع، قال في الذين يقتلون أولادهم من الفقر الواقع حالًا: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَادَكُم مِّنْ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: آية ١٥١] وهذا وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد.
وقال في الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر المترقب: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشيةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ [الإسراء: آية ٣١] ونحن نؤكد لكم كل
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
التوكيد أن الأمة لو كثرت كل الكثرة وبلغت الملايين والآلاف المؤلفة أن كل نفس منفوسة يُقدر الله لها رزقها على أحسن ما يكون، وأن الله يفتح من أبواب الرزق وخزائنه ما لم يكن في حسبان الملاحدة الإفرنج الكفرة وأذنابهم من الخنازير الذين طُمست بصائرهم، ولا سيما إن كانت تلك الأمة على طاعة الله - جل وعلا - وتقواه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: الآيتان ٢، ٣] فبيّن أن هذا الرزق ليس من قبيل الدخل القومي المحدود الذي يحسبه الإفرنج ويُحدونه، لا، بل يأتي به الله من أمور لا يعلمها إلا هو - جل وعلا - ولما أراد المنافقون أن يضربوا على النبي ﷺ وأصحابه حصارًا اقتصاديًّا وقالوا في ذلك: ﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ قال تعالى: ﴿وَللَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: آية ٧] ومن كان عنده خزائن السماوات والأرض كيف يُحدد رزقه، وتقتل الأولاد وتقلل خوفًا ألا يرزقها؟! فهذا من أُضحوكات الشيطان وأعمال الصبيان الذي لا يصدق عاقل أن رجلًا عاقلًا يشتغل بهذا، عياذًا بالله.
ثم إِنَّ مِنْ مَصَالِحِ تَعَدُّدِ الزَّوْجات أن فيه مصالح عظمى شرعه الله لها، منها: أن فيه مندوحة عن الطلاق؛ لأن الرجل إذا تزوج المرأة حتى كبرت معه ومضى جمالها وصارت لا رغبة فيها للرجال إذا قُصِر عليها ولم تكن عنده مندوحة لزوجة أخرى يتسلى بها ويأت بها فإنه يضطر لفراقها ولو بالمحاكمة حتى يتخلص منها!! أما تعدد الزوجات ففيه مندوحة وفرج من هذا الأمر المحرج؛ لأنه يتزوج أخرى ويبقى مع الأولى ملاطفًا لها، محسنًا إليها، منفقًا إليها، ويجد
[ ٤ / ٤١٠ ]
غيرها ممن يسليه ويوسع صدره. وهذا أمر لا يخفى، فالله (جل وعلا) أباح تعدد الزوجات لمصلحة النساء لئلا يتعطلن عن الزواج؛ لأنهن أكثر من الرجال؛ ولئلا يُضطر أزواجهن إلى طلاقهن، ولمصلحة الرجال لئلا تُعطل منافعهم عند حيض المرأة الواحدة ونفاسها ومرضها، ولمصلحة الأمة ليتكاثروا، وليكونوا جمعًا ضخمًا يقف في وجه العدو، ويرد الحقوق المسلوبة، ويوقف الكافر عند حده، ويعلي كلمة الله (جل وعلا) فهذه مصالح معروفة موجودة عامة لا ينكرها إلا مطموس البصيرة.
وما يزعمه ملاحدة الإفرنج من أن تعدد الزوجات تلزمه المشاغبة الدائمة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعمل بتشريع يجر له المشاغبة الدائمة والقال والقيل والخصام الذي لا ينقضي. قالوا: إذا تزوج ضرتين فَإِنْ أرْضَى هذه سخطت هذه، فهو دائمًا بين سخطتين، وفي شغب وفي خصام وجدال، فلا تكون له حياة هنية، وأن هذا التشويش لا ينبغي. وهذا من جهالتهم وطمس بصائرهم؛ لأن المشاغبة والمشاحة التي تقع بين العائلة أمر طبيعي لا مفر منه، وهي لا خطب لها ولا شأن لها؛ لأنها تقع بين الرجل وأولاده، وبينه وبين أمه وأبيه، وبينه وبين أخواته، وتقع بينه وبين زوجته الواحدة. ولو فرضنا أن فيها بعض الشيء فإنه يُغتفر لأجل المصالح العظمى التي بيّنا من المصالح العامة من صيانة جميع النساء، وعدم تعطل منافع الرجال، ومصلحة الأمة. والمقرر في الأصول: أن الشيء ولو كان مفسدة -على زعمهم- إلا أنها مفسدة صغيرة مرجوحة فإنها تُلغى لأجل المصلحة الكبرى، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء أن المصالح العامة الكبرى لا يُنظر معها لأجل المفاسد الجزئية المرجوحة كما
[ ٤ / ٤١١ ]
لا يخفى، وهذا معروف في الأصول (^١)، ومن ذلك أن الكفار إن أسروا بعض أسارى المسلمين ففداهم المسلمون فإن فداء الأسارى من الكفار وإعطائهم المال هو مفسدة في الجملة، إلا أن مصلحة إنقاذ المسلمين منهم أرجح من هذه المفسدة؛ ولأجل ذلك أطبق جميع العلماء على جواز غرس شجر العنب.
وانْظُرْ تَدَلِّي دَوَالي العِنَبِ في كُلِّ مَشْرقٍ وكلِّ مَغْربِ (^٢)
مع أنها تعصر منها الخمر التي هي أم الخبائث، ولكن لما كانت مصلحة وجود العنب والزبيب في جميع أقطار الدنيا مصلحة عامة راجحة، وكون العنب قد يعصر منه بعض السفلة خمرًا، فهذه مفسدة مرجوحة ألغاها الشرع في جنب تلك المصلحة الكبرى العظمى. وكذلك مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد؛ لأن مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد يرمقون هذا في بيته معه زوجاته وبناته وأخواته، وهذا لصيق له، وعنده أيضًا بيته فيه بناته وزوجاته وأخواته، هذا -وهو وجود الجنسين الرجال والنساء في البلد الواحد - قد يكون سببًا للزنا، فإن الناس المختلطة في المحل الواحد قد يكون اختلاطها في البلد الواحد ذريعة إلى الزنا فينظر الرجل فترمي إليه المرأة من الغرفة ورقة فيها وعد، أو يكلمها من فوق السطح كما كان نصر بن حجاج السلمي يقول (^٣):
ليْتَني في المُؤَذنينَ نَهَارا إنَّهم يَنْظُرونَ مَنْ في السطوحِ
فيُشيرونَ أوْ يُشارُ إليهم حَبَّذا كُلُّ ذَاتِ دلٍّ مَليحِ
_________________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤١٢ ]
إلا أن هذا وإن كان قد يكون سببًا لتمكن بعض السفلة من الفاحشة، فمصلحة اجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد متعاونين على دينهم ودنياهم أرجح فأُلغيت من أجلها هذه المفسدة، فلم يقل أحد من العلماء أبدًا: إنه يجب أن يُعزل جميع مَنْ فِي البلد من النساء ويُجعلن وحدهن ليس معهن رجل وتجعل عليهن حصون من حديد قوية، وأبواب من حديد، ومفاتح من حديد، عند رجل ذي شيبة مأمون معروف بالتقى!! لم يقل أحد هذا!! والحاصل أن المفاسد الصغيرة المرجوحة مُلغاة لدى المصالح العامة الكبرى كما هو معروف في محله.
وهذه نتف قليلة أشرنا بها إلى أن تشريع خالق هذا الكون، ونور هذا القرآن العظيم هو العدل الكامل، والإنصاف التام، والحكمة البالغة ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: آية ٩] فما يقوله الكفرة والملاحدة ومن قلدهم من الخفافيش لا ينبغي لأحد أن يصغي إليه، ولا أن يبالي به.
ومعنى قوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: جعل من تلك النفس الواحدة التي هي آدم. وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ إنما أنث الضمير نظرًا إلى تأنيث النفس، والتأنيث اللفظي قد تجري به أحكام التأنيث ومنه قول الشاعر (^١):
أبوكَ خَليفةٌ ولدتْه أُخرى وأنتَ خليفةٌ ذاكَ الكمالُ
وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ جاء بالضمير مذكرًا ﴿لِيَسْكُنَ﴾ هو، أي: آدم المُعبر عنه بالنفس الواحدة ﴿إِلَيْهَا﴾ أي: إلى تلك
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة البقرة.
[ ٤ / ٤١٣ ]
الزوج التي خُلقت منه وهي حواء؛ لأن الرجل يسكن إلى امرأته ويطمئن إليها، وهذا السكون والطمأنينة والألفة التي كانت من الرجل الأول للمرأة الأولى جعله الله سُنة كونية قدرية في ذريتهما كما يأتي في سورة الروم في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الآية [فاطر: آية ١١].
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ تغشاها معناه: جامعها، والعرب تقول: غشي الرجل امرأته وتغشاها: إذا جامعها، والتغشي: أصله لبس الغشاء، وهو الغطاء ونحوه. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: جامعها ﴿حَمَلَتْ﴾ من ذلك الجماع ﴿حَمْلًا خَفِيفًا﴾ إنما وصف الحمل بأنه خفيف لأن المرأة في أول حَبَلها ما دام حَبَلها نطفة فَعَلَقَة فمضغة يكون خفيفًا كأنها ليس في بطنها شيء، تذهب وتجيء ولا تجد ثقلًا له إلى حوالي خمسة أشهر، فبعد ستة أشهر يعظم الجنين في بطنها وتُثقل، وتكون الحركة ثقيلة عليها لعظم الجنين في بطنها؛ ولذا قال: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ في أول أشهرها فاستمرت به وذهبت به مقبلة ومدبرة لا يثقلها؛ لأن ذلك هو العادة في أول حملها. ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت﴾ يعني تطاولت الأشهر وعظم الجنين في بطنها، وأثقلت؛ أي: صارت ثقيلة من عظم الجنين في بطنها، خافت هي وزوجها، والظاهر أن هذا في الحمل الأول الذي حملته حواء خافت أن يكون هذا الذي في بطنها بهيمة، أو أنه لا يخرج منها، أو يَشُق بطنها فتموت؛ ولذا ﴿دَّعَوَا﴾ أي: الرجل والمرأة، آدم وحواء ﴿دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ دعاءً أخلصا له فيه قائلين: والله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ لئن أعطيتنا من هذا الحمل ولدًا صالحًا، أي: ذكرًا، وقال بعض العلماء: بشرًا سويًّا يخرج بسلام،
[ ٤ / ٤١٤ ]
ليس ببهيمة، ولا مشوّه الخلقة ﴿لَّنَكُونَنَّ﴾ لك يا ربنا على ذلك ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
الشاكرون: جمع شاكر، والشاكر: اسم فاعل الشكر، وأصل الشكر في لغة العرب (^١): الظهور، تقول العرب: «ناقة شكور» إذا كان يظهر عليها السِّمَن، والشكير: هو العُسْلُوج الذي ينبت في الجذع الذي كان مقطوعًا؛ لأنه يظهر فيه بعد أن لم يكن ظاهرًا.
وهو في الاصطلاح: ظهور نعم المُنْعِم على من أنعم عليه، والشكر: هو فعل يُنبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا. وقد جاء في القرآن إطلاق الشكر من الله لعبده، وإطلاق الشكر من العبد لربه كما هنا. ومن إطلاق الشكر على العبد لربه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] ﴿لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٩] ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: آية ١٣]. ومن إطلاق الشكر من الله لعبده: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: آية ٣٤] ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: آية ١٥٨] فمعنى شكر الرب لعبده: قال بعض العلماء: شكر الرب لعبده: هو أن يثيبه ثوابه الجزيل من عمله القليل، وحقيقة شكر العبد لِرَبِّهِ المنطبق على جزئياته: هو أن يستعمل العبد جميع نعم ربه فيما يُرْضِي رَبَّهُ، إن فعل هذا فإنه يكون إن شاء الله مِنَ الشَّاكِرِين. فهذه العيون (^٢) التي فتحها الله في وجوهكم هي نعمة من ربكم عليكم تبصرون بها، فَشُكْرُ هَذِهِ النِّعْمَة أن لا تنظروا بها في شيء إلا في شيء يُرضي من خلقها وأكرمكم ومَنَّ عليكم بها، وهذه الأيدي التي جعل لكم تبطشون بها
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤١٥ ]
نعم من الله عليكم، فشكرها أن لا تبطشوا بها إلا في شيء يرضي مَنْ خَلَقَها وأكرمكم ومنَّ عليكم بها، وكذا الرِّجل إلى غير ذلك، وكذا جميع النعم. أما الذي يستعمل نعم الله فيما يسخط الله ويغضبه فهذا ليس من الشاكرين، وهذا مِنْ أَوْقَحِ مَا يتصوره العقل أن يكون هذا العبد المسكين الذليل الضعيف ينعم عليه ربه العلي الأعلى الأعظم بهذا الإنعام ثم يبلغ من الوقاحة والسفاهة والجهل وعدم الحياء أن يصرف نِعَم خَالِقِه (جل وعلا) فيما يسخط رَبّه، هذا أمر عظيم يعرق له الجبين، ويخجل منه العاقل، فلا ينبغي للإنسان أن يصرف نعم الخالق العظيم (جل وعلا) إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلقه ومَنَّ عَلَيْهِ بها.
ومادة (شكر) هي في لغة العرب تتعدى للنعمة وتتعدى للمنعم، فإن تَعَدَّتْ للنعمة تعدّت إليها بلا حرف بلا نزاع بين علماء العربية (^١). تقول: (شكر نعمته، وأشكر نعمة الله). وتَعَدِّي الشكر للنعمة بلا حرف أسلوبٌ عَرَبِيٌّ لا نِزَاعَ فِيهِ، وهو في القرآن وفي غيره، أما إذا تعدَّى الشّكْر إلى المنعم كأن تقول: (نحمد الله ونشكر له) فاللغة الفصحى أن تقول: (نحمد الله ونشكر له) ولا تقول: (ونشكره). وقال بعض العلماء: لا يتعدى الشكر للمنعم إلا باللام فتقول: (أحمد الله وأشكر له) ولا تقول: (وأشكره). وشذَّ قوم فزعموا أنك لو قلت: (وأشكره) كان لحنًا، وأنه يجب أن تقول: (وأشكر له). والتحقيق: أن (وأشكر له) -مُعدى باللام - هي اللغة الفصحى، وهي لغة القرآن العظيم، ولم يأت في القرآن العظيم لفظ الشكر مُعدّى إلى المنعم إلا باللام نحو: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤١٦ ]
[لقمان: آية ١٤] ولم يقل: أن اشكرني واشكر والِدَيْكَ. ونحو ذلك من الآيات، إلا أن (شَكَرَه) - متعديًا للمنعم بلا حرف - لغة مسموعة في كلام العرب وليست لحنًا، إلا أن التعدية باللام أفصح منها، أما (أحمده) و(أشكره) فالتحقيق أنه لَيْسَ بِلَحْنٍ، وأنها لغة عربية مسموعة، ومن شواهدها قول أبي نخيلة (^١):
شَكَرتُكَ إن الشُكْر حبْلٌ من التُّقَى وما كُل من أَوْلَيْتَه نَعْمةً يَقْضِي
قال: (شكرتك) ولم يقل: (شكرت لك) ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر (^٢):
خَليلَيَّ عُوجَا اليومَ حتى تُسَلِّما على عَذْبةِ الأَنيابِ طيبة النَّشرِ
فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُما لِي سَاعَةً شَكَرْتُكُمَا حتَّى أُغَيَّبَ في قَبْرِي
قال: شكرتكما، ولم يقل: شكرت لكما. هذا هو التحقيق.
قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ يعني فلما أعطى الله آدم وحواء صالحًا، أي: أعطاهما ولدًا بشرًا سويًّا ليس ببهيمة، وخرج منها بسلام.
﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قرأ هذا الحرف جميع القراء منهم ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص خاصة: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ جمع شريك. وقرأه نافع وأبو بكر شعبة وحده عن عاصم: ﴿جعلا له شِرْكًا فيما آتاهما﴾ (^٣) وكلاهما لغة فصيحة وقراءة سبعية صحيحة لا كلام فيها.
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام.
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٧.
[ ٤ / ٤١٧ ]
الضمير في قوله: ﴿جَعَلَا﴾ لآدم وحواء. وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف وجهان معروفان من التفسير للعلماء (^١)، أحدهما جاءت به أحاديث وآثار، والتحقيق أنها لا يثبت شيء من تلك الأحاديث والآثار، وإن صحح بعض العلماء بعضها. والثاني دلّ عليه القرآن، وما دلّ عليه القرآن أرجح من غيره.
أحد الوجهين في هذا: أن إبليس -لعنه الله- لما عظُم الجنين في بطن حواء جاءها وقال لها: إنه إذا خرج قد يشق بطنك، وقد يكون بهيمة، فهل أدلك على شيء إن فعلته خرج منك بسلام، وخرج بشرًا سويًّا؟ وهو أن تسميه عبد الحارث. ويزعمون أن الحارث من أسماء الشيطان، وأنها سمته عبد الحارث، وأنها جعلت لله شركًا حيث نسبت ذلك الولد الصالح الذي أعطاها الله نسبت عبوديته للشيطان، هذا المعنى جاء عن بعض الصحابة (^٢)، وجاء في بعض الأحاديث المرفوعة، وصحح الحاكم بعضها وغيره (^٣).
_________________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٠٨)، القرطبي (٣٣٨)، ابن كثير (٢/ ٢٧٤)، الأضواء (٢/ ٢٤٠).
(٢) ساق ابن جرير (١٣/ ٣٠٩ - ٣١٥)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣١ - ١٦٣٤)، وابن كثير (٢٧٥)، والسيوطي في الدر (٣/ ١٥١ - ١٥٢)، جملة من الروايات في هذه الآية.
(٣) من ذلك ما أخرجه أحمد (٥/ ١١)، والترمذي في التفسير، باب (ومن سورة الأعراف). حديث رقم (٣٠٧٧)، (٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، وقال: «حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة. ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. عمر بن إبراهيم شيخ بصري» اهـ. والحاكم (٢/ ٥٤٥)، وابن جرير (١٣/ ٣٠٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣١) وذكره ابن كثير في التفسير (٢/ ٢٧٤)، وأعله من ثلاثة أوجه. وعزاه لابن مردويه وابن أبي حاتم. كما ذكره السيوطي في الدر (٣/ ١٥١)، من حديث سمرة بن جندب ﵁. وأخرجه الترمذي في التفسير، باب: (ومن سورة الأعراف) حديث رقم (٣٠٧٨)، (٥/ ٢٦٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ٤١٨ ]
والتحقيق أنها لم يثبت في الحقيقة شيء منها والأغلب أن من رويت عنه من الصحابة أخذوها عن بعض الإسرائيليين.
الوجه الثاني: أن الآية الكريمة على أسلوب عربي معروف، وهو أنه جرت العادة في القرآن أن يسند فعل الآباء إلى الأولاد، وربما أسند فعل الأولاد إلى الآباء، وأن الفعل هنا أُسند لآدم وحواء (جعلا) بألف التثنية الواقعة على آدم وحواء، والمراد ذريتهما التي أعطاها الله التناسل يخرج هذا بشرًا سويًّا، ويخرج بسلام، ومع ذلك يكفرون بالله (جل وعلا) ويعبدون غيره، والدليل على أنه أطلق آدم وحواء وأراد ذريتهما من القرآن أنه قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٠] ثم قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ بصيغة الجمع ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩١] ثم ذكر علامات الأصنام التي يُشرك بها أولادهم كما هو واضح. وهذا القول أرْجَح، واختاره غير واحد من المحقِّقِين لدلالة القرآن عليه، ونظيره من القرآن: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: آية ١١]؛ لأن معنى ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ هنا: صورنا أباكم آدم. فنسب التصوير إليهم والمُصوَّر أبوهم آدم، بدليل أنه قال: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ﴾ وأمر الملائكة بالسجود قبل تصوير بني آدم الآخرين كما لا يخفى.
[ ٤ / ٤١٩ ]
وهذا معنى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ القول الأول: سمّيا الولد عبد الحارث، وعلى الثاني: المُراد: ذريتهما جعلت لله شركاء، فأشركت بالله (جل وعلا) الأصنام، وشاركوه في جميع ما أعطاهم من النعم والأولاد حتى قال الله للشيطان: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء: آية ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [الأنعام: آية ١٣٦] وكونه أسند الفعل لآدم وحواء وأراد ذرّيّتهما وهو الذي دَلَّ عَلَيْهِ القرآن؛ ومثل هذا كثير في القرآن؛ لأنه يقول لبني إسرائيل في زمن النبي: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: آية ٥٧] ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: آية ٦٣] والمفعول بهم هذا أسلاف أسلاف أسلافهم لا هؤلاء الموجودين كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ أي: تَقَدَّس وتَعَاظَم وتنَزَّهَ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به، وهو (جل وعلا) مُنَزَّه عن الشريك، وهو الواحد الأحد في عبادته وأسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له في شيء من ذلك.
[٢٦/ب] /ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ بالله وهو خالق كل شيء ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ [الأعراف: آية ١٩١] هذا ليس بإنصاف، وقد جرت العادة في القرآن في آيات كثيرة أنه يجعل سبب العبادة التي تُستحق به هو الخلق والإبراز مِنَ العَدَمِ إلى الوجود، فمن يبرزكم من العدم إلى الوجود، ويوجدكم بعد أن كنتم عدمًا هذا هو ربكم الذي يستحق أن تعبدوه وحده، أما الذي يحتاج إلى من يخلقه فهو عبد مربوب فقير مثلكم، عليه أن يَعْبُدَ مَنْ خَلَقَه؛
[ ٤ / ٤٢٠ ]
ولذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢١] وقال: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: آية ١٦] أي: وخالق كل شيء هو المعبود وحده جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا﴾ [الحج: آية ٧٣] ومن لم يخلق شيئًا لا يمكن أن يكون معبودًا؛ ولذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: الآيتان ١٩١، ١٩٢] لا يقدرون أن ينصروهم إذا دعوهم وعبدوهم ﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ النصر في اللغة: هو إعانة المظلوم. يعني: إن ظُلموا لا يَدفع عنهم الظلم، ولو ظُلم نفس الأصنام لا يقدرون أن ينتصروا لأنفسهم لأنهم جماد، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: آية ٧٣].
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٩٣، ١٩٤].
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء، منهم عامة السبعة غير نافع: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ مضارع اتبعه يتَّبعه، وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿وإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لَا يَتْبَعُوكُم﴾ وتبعه واتّبعه بمعنى واحد، فكلتاهما قراءتان صحيحتان، ولغتان فصيحتان معناهما
[ ٤ / ٤٢١ ]
واحد (^١). عبَّر عن الأصنام هنا بضمائر أصحاب العقول وهي لا تعقل؛ لأن الكفار نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ العقلاء أو أعظم مِنَ العقلاء.
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ﴾ أي: تدعوا هؤلاء المعبودين الأوثان التي تعبدونها من دون الله التي لا تخلق شيئًا وهي تُخلق ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ معناها: تدعوهم إلى طريق الهدى ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنهم جماد. ومن إذا دُعي إلى الهدى لا يتبع كيف يُطلب منه الهدى؟ ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يَهِدِّي إِلَاّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: آية ٣٥] وهؤلاء إن هُدوا لا يهتدون!! وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ هذه الهمزة التي هي قوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ هي التي تسميها علماء العربية: همزة التسوية، وهي وما بعدها ينسبك منهما مصدر من غير حرف سابك. وأجود الإعرابين في ذلك: أن المعنى: دعاؤكم لهم وصمتُكم عنهم سواء، أي: مستويان. فـ (سواء) خبر مقدم، وهو اسم مصدر بمعنى الوصف. وقوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ في محل مبتدأ مصدر مسبوك بلا سابك، وما بعده معطوف عليه. والمعنى: دعاؤكم إياهم إلى الهدى، وصُماتكم إياهم عن ذلك سواء. أي: مستويان، لا يتبعوكم في حالة من الحالتين، لا في حالة دعائكم لهم، ولا في حالة صمتكم عنهم، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ونظيره في القرآن: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة: آية ٦] أي: إنذارك لهم وعدمه سواء. أي: مستويان، وهذا المعنى معروف في
_________________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٧.
[ ٤ / ٤٢٢ ]
كلام العرب، والأجود فيه أن (سواء) خبر مقدم، ونظيره من كلام العرب قول ابن قيس الرّقَيَّات (^١):
تَخَطَّتْ بِيَ الشَّهْبَاءُ نَحْوَ ابْنِ جَعْفَرٍ سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا
يعني: ليلها ونهارها سواء، أي: مستويان. وقول الآخر (^٢):
وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِهِ سَواءٌ صَحِيحَاتُ العيونِ وعُورُها
أي: صحيحات العيون وعُورها سواء، أي: مستويات لشدة ظلامه لا يبصر فيه البصير كما لا يبصر الأعمى. وهذا معنى قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ إلى الهدى أم صَمَتُّم عنهم. وعبَّر بالجملة الاسمية، يعني: إذا صَمَتُّم عنهم دائمًا فلم يهتدوا، وإذا دعوتهم فلن يهتدوا، فلا يهتدون إلى الهدى في حالة من الأحوال!! ومن كانت هذه حاله فكيف يتخذه العاقل ربًّا يعبده من دون الله؟! فهذا يدل على أنهم أقوام لا عقول لهم. وكان ابن عباس (﵄) يقول: إذا أردت أن تعرف عدم عقول العرب فاقرأ الآية الفلانية من سورة الأنعام قدر كذا، يعني: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: آية ١٤٠] (^٣) رزقهم الله الأولاد والمال فقتلوا الأولاد
_________________
(١) البيت في ديوانه ص١٦٣، ابن جرير (١/ ٢٥٦)، الكامل للمبرد (٢/ ٨٢٨)، تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٧٢)، (٣٣/ ٢٨٥)، (٣٨/ ٩١) وصدره في بعض هذه المصادر: «تغذُّ»، وفي بعضها «تَقَدَّتْ».
(٢) البيت لمضرس بن ربعي. وهو في ابن جرير (١/ ٢٥٦)، القرطبي (١/ ١٨٤)، الدر المصون (١/ ١٠٧).
(٣) أخرجه البخاري في المناقب، باب قصة زمزم وجهل العرب، حديث رقم (٣٥٢٤)، (٦/ ٥٥١).
[ ٤ / ٤٢٣ ]
وحرموا المال على أنفسهم. فهؤلاء قوم لا يعقلون؛ لأن الكفر يطمس البصائر، ويترك الإنسان أعمى لا يعرف حقًّا من باطل. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦] وهذا معنى قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٣].
[٢٧/أ] / ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ [الأعراف: الآيات ١٩٤ - ٢٠٣].
يقول الله (جل وعلا): ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: آية ١٩٤].
في هذه الآيات الكريمة من سورة الأعراف بيّن الله (جل وعلا) سخافة عقول المشركين حيث عبدوا من هو دونهم وهم أكمل منه، قال أولًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هذه الأصنام والأوثان
[ ٤ / ٤٢٤ ]
التي تعبدونها من دون الله، سوَّاها أولًا بهم في هذه الآية، قال: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إنما أطلق على الأصنام اسم العباد وعبّر عنها بضمائر العقلاء؛ لأن الكفار يصفونها بصفات من هو خير من مطلق العقلاء، أنها معبودات، وأنها تشفع وتقرِّبُ إلى اللهِ زُلْفَى، فبهذا الاعتبار أجرى عليها ضمائر العقلاء، وعبّر عنها بالعباد. ووجه مماثلتهم هنا: أن الكفار العابدين، والأصنام المعبودات كلهم مخلوقات لله لا تقدر أن تجلب لنفسها نفعًا ولا أن تدفع عنها ضرًّا. فهم من قبيل تَسْخِيرِ الله لهم، وخلقه للجميع، وقدرته على الجميع، بهذا الاعتبار هم سواء؛ ولذا قال: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ بهذا الاعتبار، وفي الآية التي بعدها سيبيّن انحطاط درجة المعبودين عن العابدين، كما سيأتي إيضاحه قريبًا إن شاء الله.
وقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ يعني: ادعوا هذه الأصنام واطلبوا منها النفع، أو ادعوها إلى الهدى ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنها معبودات من دون الله، وأنها تنفع وتقرب إلى الله زُلفى وتشفع ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ إذا دعوتموهم إلى الهدى تبعوكم أو نفعوكم بشيء ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ جمهور علماء العربية على أن جزاء الشرط لا يتقدم عليه، إلا أن ما تقدم دليل الجزاء، أي: إن كنتم صادقين في أنها تعبد وتنفع فادعوها فلتستجب لكم، ولا تستجيب لكم أبدًا، كما صرح الله بذلك وأوضحه في آيات من كتابه كقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: الآيتان ١٣، ١٤] وكقوله تعالى:
[ ٤ / ٤٢٥ ]
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: الآيتان ٥، ٦] وقال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةً بَيْنَكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وفي القراءة الأخرى (^١):
﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ [العنكبوت: آية ٢٥] وقال جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم: الآيتان ٨١، ٨٢] ولذا قال هنا: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ولن يستجيبوا لكم أبدًا، ومن يدع من دون الله من لا يستجيب له لا أضل منه، كما صرح الله به في قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: آية ٥] وهذا معنى قوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٤].
ثم بيّن انحطاط درجة المعبودات عن درجة العابدين، وكأنه يقول لهم: بلغت عقولكم من السخافة حتى عبدتم من أنتم خير منه وأكمل!! ومعبود يكون عابده أكمل منه فهذا لا ينبغي لأحد أن يعبده، كما قال تعالى في الأصنام المعبودات وهي جمادات معبّرًا بهمزة الاستفهام -استفهام الإنكار- المضمنة معنى النفي: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ أنتم أيها العابدون كل واحد منكم ذو رجلين يمشي عليهما ويتصرف، والذي يعبده جماد لا يقدر أن يتحرك ولا يمشي، فكيف تعبدون مَنْ أَنْتم أكْمَل منه وأقْدَر؟! هذا عمى وسخافة؛ ولذا
_________________
(١) وفيه قراءات غير ما ذكر، انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٤٤، السبعة ص٤٩٨ ..
[ ٤ / ٤٢٦ ]
قال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٩٥].
الأيدي جمع يد، ووزنه (أفْعُل) لأن الرِّجْلَ هنا واليد والعين كلها مجموعة على (أفعُل) أرجل، أعين، أيدي، أصله: (أيديٌ) على وزن (أَفْعُل) إلا أن الضمة قُلبت كسرة للياء المتطرفة بعدها؛ لأن الأيدي منقوص، والمنقوص إذا نُكِّر نوِّن على العين كما هو معروف في محله، وُيرفع بِضَمٍّ مُقَدَّر، ويُخفض بكسر مقدر، ويظهر نصبه كما هو معروف في محله، والأيدي جمع تكسير لليد، واحده يد. وأصل اليد (يَدَيٌ) ففاؤها ياء، وعينها دال، ولامها ياء، فحرفها الأول: ياء، وحرفها الأخير: ياء، وبين الياءين دال، إلا أن العرب حذفت الياء الأخيرة التي في محل اللام ولم تُعوض منها شيئًا، وأعربت (اليد) على العين ولم تُعوض من اللام المحذوفة شيئًا (^١). وهذا فعلته في كلمات معدودة، كـ (يد) و(دم)، و(هَنٍ) و(غد) و(دَب) ونحو ذلك، إلا أن اليد أصلها تعرب على العين، تقول: «قطع يده، وأعطاه هذا بيده، ومدته له يده» بحذف الياء، إلا أن العرب إذا صغَّرت اليد أو جمعتها جمع تكسير رجعت الياء المحذوفة؛ لأن المقرر في فن التصريف: أن جمع التكسير والتصغير كلاهما يَردّ الأمر إلى أصله، فصغرت العرب اليد على يُديَّة، وجمعت اليد على أيدي. يظهر نصبه كقوله: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: آية ٣٨] فرجعت في جمع التكسير الياء المحذوفة، وسُمع عن العرب نادرًا ذكر الياء في المفرد، وهو نادر، وإذا ذُكرت فيها الياء كانت من المقصور على الألف، فتقول العرب: (اليدى) كالفتى؛ لأن أصل الفتى (فَتَيٌ)
_________________
(١) انظر: الدر المصون (١/ ٤٥١)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٢٩٤.
[ ٤ / ٤٢٧ ]
وأصل اليد: (يَدَيٌ) وهذا سُمع قليلًا في كلام العرب - وجود الياء من أصلها، وإبدالها ألفًا، وجعل اليد من المقصور- ومنه بهذا المعنى قول الراجز (^١):
يا رُبَّ سارٍ بَاتَ ما تَوَسَّدا إلا ذِرَاعَ العَنْسِ أو كفَّ اليَدَا
فـ (اليدَا) هنا مردود إلى الأصل فيه (الياء) وأُبدل منها الألف كما هو معروف.
وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ﴾ قرأه بعض السبعة: ﴿قُلِ ادْعُواْ﴾ بكسر اللام على الأصل في التخلص من الساكنين بكسر أولهما، وقرأه بعض السبعة: ﴿قُلُ ادعوا﴾ بضم اللام إتباعًا للضمة كما لا يخفى (^٢).
وهذا معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: آية ١٩٥] أجرى الله العادة أنه إذا أرسل الأنبياء وعابوا الأصنام وقالوا: إنها لا تنفع ولا تضر، وأن عبادتها كفر بالله مُخلّد في النار، أن أصحاب الأصنام الذين يعبدونها يقولون للرسل: ستضركم هذه الآلهة، ستخبلكم وتخرب عقولكم، ويأتيكم منها الضر؛ لأنكم عبتموها!! والرسل (صلوات الله وسلامه عليهم) لا يخافون هذا؛ لأن الخوف من الأصنام كفر بالله وعدم توكل عليه، فقد خوفوا النبي ﷺ بأن أصنامهم تضره؛ لأنه عابها، كما سيأتي إيضاحه في الزمر في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: آية ٣٦] وقد خوفوا بها نبي الله إبراهيم كما قال الله عنه أنه
_________________
(١) البيت في الدر المصون (١/ ٤٥٢).
(٢) انظر: الإتحاف (٢/ ٧٢).
[ ٤ / ٤٢٨ ]
قال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: آية ٨١] وقد قالوا لنبي الله هود: إن آلهتهم اعترته بسوء فَخَبَّلَتْه وجننته، فزعموا أنه مجنون، وأن الذي أضر عقله آلهتهم، كما في قولهم لهود: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود: الآيتان ٥٤، ٥٥] هذا الذي قال لهم نبي الله هود هو الذي قال لهم نبينا محمد ﷺ: ﴿قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ﴾ وتعاونوا معهم وكل من قدرتم عليه ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ يعني: امكروا بي وافعلوا بي ما تستطيعون من الكيد والمكر ثم لا تُنْظِرُون: لا تمهلون؛ إلا أن نبي الله هودًا قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: آية ٥٦] ونبينا (صلوات الله وسلامه عليه) قال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ
يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٦] وقد أجرى الله عادة الشياطين أنهم يخوفون الناس من أولياء الشياطين كما تقدم إيضاحه في تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ الأصل: يخوفكم أولياءَه ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: آية ١٧٥] وأنواع تخويف الشيطان الناس من أوليائه مختلفة كما هو معروف؛ ولذا قال هنا: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: آية ١٩٥].
ثم قال (صلوات الله وسلامه عليه): ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الولي في لغة العرب: وهو المولى، وهو الذي انعقد بينك وبينه سبب ولاية يجعلك تواليه ويواليك (^١). والله (جل وعلا) انعقد بينه وبين رسوله
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
موجب الولاية، الرسول يوالي ربه بالطاعات، والله يوالي نبيه بالإعانة والنصر والثواب الجزيل، والرسول ولي المؤمنين، والمؤمنون أولياؤه ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦] والله ولي المؤمنين، والرسول ولي المؤمنين ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: آية ٥٥] والمؤمنون المتقون أولياء الله ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: الآيتان ٦٢، ٦٣].
قوله: ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٦] هو هذا القرآن العظيم. وقال بعض العلماء: المراد جنس الكتاب. فالمعنى: أنه نزل جميع الكتب المنزلة، فيها هذا الكتاب الذي هو الأخير منها، الذي جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وهذا القرآن سُمي كتابًا، وهو (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول) أي: مكتوب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: الآيتان ٢١، ٢٢] ومكتوب في صحف عند الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: الآيات ١٣ - ١٦] وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (^١) أن مادة الكاف، والتاء، والباء. (كَتَبَ) معناها في لغة العرب: الضم والجمع، فكل شيء ضممت بعضه إلى بعض وجمعته فقد كتبته. ومنه سُميت الكتيبة كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش؛ لأنها انضم بعضها إلى بعض واجتمع بعضها مع بعض، ومنه قول نابغة ذبيان (^٢):
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ
ولذلك أُطلقت الكتابة على الخياطة؛ لأن الخياطة يُضم فيها طرف الثوب أو طرف الأديم بعضها إلى بعض ويُجمعان بالخيط الذي يخيط به الخائط كما هو معروف، وفي ألغاز الحريري (^١):
وكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهمْ حَرْفًا ولا قَرَءُوا مَا خُطَّ في الكُتُبِ
يعني الخياطين؛ ولذلك سمّت الْعَرَبُ الرّقْعَة التي تكون في السقاء، والسير التي تُخاط به سَمَّتْهُمَا (كُتبة) لأنه شيء يُلصق بشيء ويُضم إليه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول غيلان ذي الرمة (^٢):
ما بَالُ عَيْنَيْك منها الماءُ يَنْسَكِبُ كأنهُ من كُلًى مَفْريةٍ سَرَبُ
وفْراء غَرْفِيَّة أَثْأَى خَوَارِزها مشَلْشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
ومن هذا قيل للخياط: كاتب، ومنه قول الشاعر يهجو بني فزارة ويعيرهم بأنهم يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل (^٣):
لا تَأْمَنَنَّ فَزَاريًّا خَلَوْتَ بِهِ عَلَى قلُوصِكَ واكْتُبْهَا بأَسْيَارِ
فقوله: «واكتبها بأسيار» يعني: خِط ثفرها بأسيار لئلا يفعل بها الفزاري الفاحشة. هذا أصل هده المادة في لغة العرب. والكتابة مصدر سيَّال معناه أنك تجمع نقوشًا وتضم بعضها إلى بعض، وتجمع بعضها مع بعض، هي هذه الحروف حتى تصير دالة على المعاني. هذا معنى الكتاب، وهو (فِعال) بمعنى (مفعول) مكتوب. وهذا معنى
_________________
(١) السابق.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٣) السابق.
[ ٤ / ٤٣١ ]
قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾.
﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وهو (جل وعلا) يتولى الصالحين، وسيدهم وخيرهم هو النبي ﷺ، فقد تولاه، ولا يضره شيء مع كلاءة الله وحفظه له ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: آية ٦٧] ومعنى كونه يتولاهم أي: يتولاهم بالنصر والحفظ والكلاءة والجزاء ونحو ذلك.
والصالحون جمع صالح، وهو ضد الطالح، وهو الذي يطيع الله (جل وعلا) فيما أمره به ونهاه عنه. وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أي: إعانتكم من ظالم ظلمكم، لا يقدرون أن يدفعوا عنكم شيئًا ﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٧].
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ﴾ كما تقدم بيانه.
﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٨] في هذه الآية الكريمة أوجه معروفة من التفسير (^١): قال بعض العلماء: الضمير في ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ عائد إلى الكفار الذين يعبدون الأصنام. يعني: تراهم ينظرون إليك وتظن أن عيونهم مبصرة وهم لا يبصرون شيئًا؛ لأنهم عمي؛ إذ لو كانوا يبصرون شيئًا لما عبدوا حجارة لا تنفع ولا تضر!!
وقال بعض العلماء: الضمير في قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ عائد إلى الأصنام. والذين قالوا هذا اختلفوا إلى قولين:
_________________
(١) انظر: ابن حرير (١٣/ ٣٢٤)، القرطبي (٧/ ٣٤٤).
[ ٤ / ٤٣٢ ]
أحد القولين: أنهم كانوا يمثلون تماثيل ويجعلون لها أعينًا تشبه عيون الناس، حتى إنه إذا قابلك الصنم كأنه إنسان ينظر إليك. قالوا: وعلى هذا تراهم فيما يتراءى للناظر ينظرون إليك وهم لا يبصرون؛ لأنهم في الحقيقة جمادات. وذكر ابن جرير (^١) وغير واحد أن العرب تقول لكل مقابل شيء إنه ناظر إليه، تقول: دار فلان تنظر إلى داري. معناه: أنها مقابلة لها. وقالوا: إن هذا أسلوب عربي معروف، نزل به القرآن. وعلى هذا القول: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ مقابلين لك ليس بينك وبينهما حاجز ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ لأنها جمادات لا تنفع ولا تضر. هذه الأقوال الثلاثة هي حاصل كلام أهل العلم في الآية. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٩٨].
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٩٩، ٢٠٠].
هذه الآية الكريمة من أخريات سورة الأعراف إحدى ثلاث آيات (^٢) في كتاب الله بيّن الله (جل وعلا) فيها آدابًا اجتماعية يجب على كل مسلم أن يتفهمها ويتدبرها ويعمل بها؛ لأنه ينتفع بها في طول حياته انتفاعًا تامًّا، وهي من تعاليم خالق السماوات والأرض، وسنلم بهذه الآيات ونذكر هذه الآداب الاجتماعية التي دَلَّتْ عَلَيْهَا التي يحتاج إلى تعليمها كل إنسان، ثم نرجع إلى الآية فنفَسِّر مُفْرَدَاتها.
_________________
(١) تفسير ابن جرير (١٣/ ٣٢٥).
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٤١).
[ ٤ / ٤٣٣ ]
اعلموا أولًا أن الله أجرى العادة بأنه لا يخلو أحد كائنًا مَنْ كَان مِنْ عَدُو مُنَاوِئ له من بني آدم ومن الشياطين، لا بد للإنسان مِنْ عَدُوٍّ يُنَاوِئهُ من بني جنسه ومن الشياطين. وهذا أمر غالبًا، وخير الناس الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: آية ١١٢] فلا يخلو إنسان من عدو من بني جنسه وعدو من الشياطين.
ليسَ يَخْلُو المَرْءُ مِنْ ضِدٍّ ولَوْ حَاوَلَ العُزلَةَ في رَأْسِ جَبَلْ (^١)
وفي هذه الآية والآيتان الأخريان بيان ما يتلقى الإنسان به العدو من جنسه والعدو من الشياطين؛ ليكتفي شرهما ويكسر أصل هذه العداوة المضرة الشنيعة التي لا يسلم منها أحد (^٢)، وذلك أن عدوك من بني جنسك أنك تقابل إساءته بالإحسان، ومنكره بالمعروف، وإساءته بالحلم والصفح، فإن ذلك الإحسان وذلك الحلم والصفح يقضي على إساءته ويذهبها حتى يُضطر إلى أن يصير في آخر الأمر من أصدق الأصدقاء.
وأما إذا كان العدو من الشياطين فإن الملاينة لا تفيد فيه، وأنت لا تراه ولا لك فيه حيلة إلا الاستغاثة بخالق السماوات والأرض والاستعاذة به منه. قال هنا فيمن يتسلط عليك من الإنس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: آية ١٩٩] وقال في صاحبه الآخر من شياطين الجن: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ
_________________
(١) هذا البيت من لامية ابن الوردي. وهي ضمن مجموع (كفاية الإنسان من القصائد الغر الحسان) ص ١٦٨.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لا دواء له إلا ذلك ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠].
الموضع الثاني: في سورة (قد أفلح المؤمنون) قال تعالى في عدوك من بني جنسك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: ادفع سيئات المسيئين بمقابلتها بالتي هي أحسن ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ ثم قال في العدو الثاني من شياطين الجن: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: الآيات ٩٦ - ٩٨].
الموضع الثالث: في (حم السجدة) زاد فيه تعالى أن هذا الدواء السماوي والعلاج القرآني الذي يَكْسِر عداوَةَ هَذَيْنِ العَدُوَّيْنِ لا يُعْطِيهِ الله لكلِّ أحد، وإنما يخص به مَنْ شَاءَ مِمَّنْ لَهُ عِنْدَهُ الحَظّ الأعْظَم، وزاد أن هذا دواء نافع وعلاج عظيم حيث قال في العدو من الإنس: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: آية ٣٤] في غاية الصداقة؛ لأن مقابلة إساءته بالإحسان تخجله وتقضي على عداوته حتى يُضطر إلى أن يرجع صديقًا.
وقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ [فصلت: آية ٣٥] هذه الخصلة وهذا التعليم القرآني لا يُعطاه كل الناس، لا يعطيه الله إلا لصاحب الحظ والبخت العظيم عنده من الصابرين؛ ولذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ ثم قال في رفيقه الآخر: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: الآيتان ٣٥، ٣٦] فهذا علاج قُرْآنِي ودوَاء سَمَاوِيّ نافع يحتاج إليه كل مسلم، ومحل هذا في غير الكفار المناصبين الناس بالعداوة، فالملاينة لهم لا تجوز؛ لأن الكفار يجب
[ ٤ / ٤٣٥ ]
عليهم الغلظة والقوة والعزة، ولا يُلاينون، ولا تُقابل سيئاتهم بالحسنات، كما وصف الله بذلك نبينا ﷺ وأصحابه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: آية ٢٩] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: آية ٧٣] مع أنه يقول: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: آية ٨٨] ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: آية ٢١٥] ويقول في غيرهم: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: آية ٧٣] وقد مدح الله قومًا بلين جانبهم لإخوانهم المسلمين وقوتهم على الكفرة ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: آية ٥٤] وقد قال الشاعر في نبينا ﷺ:
وما حَمَلَتْ من نَاقَةٍ فَوقَ رَحْلِهَا أَشَدَّ على أَعدائِهِ من محمدِ (^١)
صلوات الله وسلامه عليه. ومن شعر مالك بن نمط الهمداني لما قدم على النبي ﷺ في وفد همدان:
_________________
(١) هذا البيت وما ذكره الشيخ بعده لمالك بن نمط. وقوله: «أبر وأوفى ذمة من محمد» ليس في أبياته التي أوردها ابن هشام في السيرة (٤/ ١٤٥٥)، وإنما هو باللفظ الأول الذي ذكره الشيخ (أشد على أعدائه من محمد). والبيت المذكور (أبر وأوفى ذمة من محمد) ذكره الصالحي في (سبيل الهدى والرشاد) (١/ ٤١٩) منسوبًا لأُسيد بن أبي إياس الدؤلي. ونقل عن أبي علي الحاتمي قوله: «اتفق أهل الأدب على أن أصدق بيت قالته العرب هو قول أبي إياس الدؤلي » وذكره. كما أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ١٣٢) في ترجمة أنس بن أُسيد بن أبي إياس بن زنيم الكناني. وقال الحافظ بعد أن أورده: «هذا البيت من قصيدة أنس بن زنيم» اهـ. وأورده في ترجمته (١/ ٦٩)، وانظر ما قاله الحافظ (﵀) في ترجمة أسيد بن أبي إياس بن زنيم الكناني الدؤلي (١/ ٤٧).
[ ٤ / ٤٣٦ ]
وما حَمَلَتْ من نَاقةٍ فوقَ رَحْلِهَا أَبَرَّ وأوَفى ذمةً مِنْ مُحَمَّدِ
وأَعْطَى إذا ما طالِبُ العُرْفِ جَاءَهُ وأَمْضَى بحدِّ المَشْرَقِيِّ المُهَنَّدِ
والحاصل أن الشدة في محل اللين حمق وخرق، واللين في محل الشدة ضعف وخور، وكل مقال له مقام. وقد صدق أبو الطيب المتنبي في قوله (^١):
إذا قِيلَ حِلْمٌ فَقُلْ لِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ وَحِلْمُ الْفَتَى في غَيْرِ مَوْضَعِهِ جَهْلُ
وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال بعض العلماء: لما نزلت هذه الآية سأل النبي ﷺ عنها جبريل فقال له: حتى أسأل ربي، ثم رجع له وقال: ربك يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: صِل من قطعك، وأعطِ من حرمك. ونحو ذلك (^٢) فإن هذا هو العفو، بأن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، قال له: صِلْ من قطعك، واعف عمن ظلمك. هذا هو الأخذ بالعفو، وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير هذه الآية الكريمة أن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري المعروف من رؤساء فزارة وهو الذي يُقال: إنه مطاع أحمق، وكان ابن أخيه
_________________
(١) البيت في ديوانه بشرح العكبري (٣/ ١٨٧)، وشطره الأول: «إذا قيل رفقًا قال ».
(٢) أخرجه ابن جرير (١٣/ ٣٣٠)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣٨)، عن سفيان بن عيينة عن أُمَيّ مرسلًا. وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣٨) وأورده السيوطي في الدر (٣/ ١٥٣)، عن الشعبي مرسلًا، وعزاه لابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن جرير. والذي عند ابن جرير عن أمَيّ كما تقدم. كما أورده في الدر عن جابر (﵁) وقيس بن سعد بن عبادة وعزاه لابن مردويه.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
الحر بن قيس من خيار المسلمين ومن القُراء، وكان له مكانة عند عمر بن الخطاب (﵁)؛ لأن عمر (﵁) كان جلساؤه القراء صغارًا كانوا أو كبارًا، فقال عيينة لابن أخيه الحر بن قيس: لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لنا عليه. فاستأذن له عليه، فلما دخل عيينة على عمر (﵁) -وكان عيينة بدويًّا جافيًا- فقال: إِيهٍ يا ابن الخطاب!! ما تعطينا الجزل، ولا تقسم بيننا بالعدل!! فغضب عمر بن الخطاب (﵁) حتى همّ به، فقال له الحرّ بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله يقول لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وإن هذا من الجاهلين. فما جاوزها عمر، وكان عمر (﵁) وقّافًا عند كتاب الله (^١).
قال بعض العلماء (^٢): (العفو) هو ما تسهّل لك من أخلاق الناس، خذ ما وجدته سهلًا من أخلاق الناس، ما وجدت منهم من طيب خذه، وما جاءك منهم من غير ذلك تجاوز عنه واصفح عنه.
والعفو في لغة العرب يطلق على ضد الجهد، فكل شيء متيسر لا مجهود فيه تسمية العرب عفوًا (^٣). وقد قدمنا إيضاحه في تفسير قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: آية ٢١٩] أي: الشيء الزائد الذي لا يُجهد الزائد على قدر الخَلَّة الضرورية على أصح التفسيرين. وهو معنى معروف في كلام العرب، تقول لك: «خذ العفو مني» خذ ما تسهّل لك مني، وما تعصَّى عليك لا تكلِّمني
_________________
(١) البخاري في التفسير، باب (خذ العفو ) حديث رقم (٤٦٤٢)، (٨/ ٣٠٤).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٢٦).
(٣) انظر: المفردات (مادة: عفا) (٥٧٤).
[ ٤ / ٤٣٨ ]
فيه. ومنه قول أسماء بن خارجة وقيل حاتم الطائي (^١):
خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتي حِينَ أغضبُ
ومنه قول حسان (﵁) يمدح المهاجرين في شعره المشهور الذي فاخر به وفد تميم (^٢):
خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتَوْا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ولا يكُنْ همُّكَ الأَمْرَ الَّذِي مَنَعُوا
وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر (^٣):
إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا فَخُذْهَا فالغِنَى مَرْعًى وَشرْبُ
فعلى هذا ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ما تسهَّل لك من أخلاق الناس ووجدت منهم طيبًا بلا كلفة فخذه، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوَزْهُ، كما قال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ العرب تطلق لفظة العُرف والمعروف والعارفة على كل خصلة جميلة تستحسنها العقول وتطمئن إليها النفوس (^٤). معناه: وأمر بكل معروف جميل تطمئن إليه النفوس. وهذا معنى قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الحطيئة (^٥):
_________________
(١) البيت في تاريخ دمشق (٩/ ٥٧، ٥٨)، شواهد الكشاف ص٩، مع عزوه لأسماء بن خارجة. وذكره ابن قتيبة في عيون الأخبار (٣/ ١١)، (٤/ ٧٧)، وعزاه لأبي الأسود الدؤلي، وذكره ابن القيم في روضة المحبين ص٧١، والشيخ (﵀) في الأضواء (١/ ٤٦).
(٢) ديوان حسان ص١٥٣.
(٣) البيت لأبي الحسن البصروي، وهو في تاريخ بغداد (٣/ ٢٣٦)، البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٤٨).
(٤) انظر: القرطبي (٧/ ٣٤٦).
(٥) البيت في قواعد الشعر لثعلب ص٧٠، عيار الشعر ص١٨٢، القرطبي (٧/ ٣٤٦).
[ ٤ / ٤٣٩ ]
مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لَا يَعْدَم جَوَازِيْهِ لَا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ
يعني: أُؤْمُر بالعرف؛ أي: بكل جميل حسن تطمئن إليه النفوس وتستحسنه العقول؛ كالإعراض عن الجاهل، والعفو عن المسيء، وكان بعض علماء الأصول يقول: إن هذه الآية يدخل فيها ما يتعارف عليه الناس في معاملتهم وبيوعاتهم ونحو ذلك (^١)، أن الناس إذا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بعرف بينهم في جميع معاملاتهم يجب على الحاكم أن يأخذه؛ ولذا قال العلماء: إذا جاء قَاضٍ إلى بلد وهو غريب عنها ليس من أهلها لا يجوز له أن يحكم ولا أن يفتي حتى يسأل عَنْ عُرْفِهِمْ وعَادَاتهم في ماذا يريدون بالصيغ وألفاظ المعاملات؛ لأن الأحكام تختلف باختلاف الأعراف، قد يكون الناس يطلقون هذه الكلمة على معنًى مُعَيَّن لا يريدون غيره فيحملها القاضي على لفظها اللغوي فيظلمهم، ويُحَمِّلهُم ما لا يقصدون. ومن هذا كان بعض علماء الأصول يقول: هذه المسألة التي دخلت في عموم هذه الآية إحدى القواعد الخمس التي أُسس عليها الفقه الإسلامي (^٢). وبعضهم يقول: أصلها أربعة، زاد بعض الأصوليين فيها خامسة (^٣)، وهي قواعد خمس:
أولها: (الضرر يُزال) هذه قاعدة عظيمة من قواعد التشريع الإسلامي (إزالة الضرر)، ويشهد لها حديث: «لَا ضَرَرَ
_________________
(١) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٧٢)، العرف وأثره في التشريع الإسلامي ص١٢٢.
(٢) للوقوف على هذه القواعد انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص٧، فما بعدها، نشر البنود (٢/ ٢٧٠)، نثر الورود (٢/ ٥٧٩).
(٣) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص٧ - ٨.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
وَلَا ضِرَارَ» (^١).
الثانية: (المشقة تجلب التيسير) هذه من قواعد الفقه الإسلامي التي أُسس عليها، ومن فروع هذه القاعدة: التسهيلات والرخص، كقصر المسافر للصلاة، وفطره في رمضان، وغير ذلك من الرخص والتسهيلات المنتشرة في الشرع.
الثالثة: (لا يرتفع يقين بشك) وهذه من أمثلتها: أن الذمة
_________________
(١) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة (﵃) منهم:
(٢) أبو سعيد الخدري. عند الحاكم (٢/ ٥٧ - ٥٨)، وقال: «صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه» اهـ. ووافقه الذهبي، ورواه الدارقطني (٣/ ٧٧)، (٤/ ٢٢٨)، والبيهقي (٦/ ٦٩).
(٣) عبادة بن الصامت. عند أحمد (٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وابن ماجه في الأحكام، باب مَنْ بَنَى في حَقِّه مَا يَضُرّ بجاره. حديث رقم (٢٣٤٠)، (٢/ ٧٨٤)، والبيهقي (٦/ ١٥٧)، (١٠/ ١٣٣).
(٤) ابن عباس. عند أحمد (١/ ٣١٣)، وابن ماجه في الأحكام، باب من بَنَى في حقه ما يضر بجاره. حديث رقم (٢٣٤١)، (٢/ ٧٨٤)، الدارقطني (٤/ ٢٢٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٠٢)، والأوسط (٤/ ١٢٥)، وعزاه في نصب الراية (٤/ ٣٨٤) لعبد الرزاق وابن أبي شيبة.
(٥) عائشة. عند الدارقطني (٤/ ٢٢٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٩٠).
(٦) أبو هريرة. عند الدارقطني (٤/ ٢٢٨).
(٧) عمرو بن يحيى المازني عن أبيه. عند مالك في الموطأ (مرسلًا)، كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق. حديث رقم (١٤٢٦)، ص ٥٢٩.
(٨) ثعلبة بن أبي مالك. عند الطبراني في الكبير (٢/ ٨٦).
(٩) جابر بن عبد الله. عند الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٣٨). وانظر: إرواء الغليل (٨٩٦)، السلسلة الصحيحة (٢٥٠)، صحيح الجامع (٧٥١٧).
[ ٤ / ٤٤١ ]
تُحمل على براءتها حتى يُتحقق بالبينة شغلها. وكذلك إذا ثبت أن الذمة شُغِلَتْ بدَيْنٍ وجب استصحاب ذلك الشغل حتى تقوم البيّنة على أنه قضاه. وهكذا في مسائل كثيرة.
الرابعة: قولهم (العُرفُ مُحَكَّم) وهو أن الناس في معاملاتها وما يجري بينها في بيوعها ونكاحها وإجاراتها وطلاقها وغير ذلك من العقود أنها يُرجع بها إلى عرفها وما تعتاده في مخاطبتها وتقصده، ولا تُحمَّل بمطلق ألفاظ اللغة التي يخالفها عرفها.
القاعدة الخامسة: (الأمور تبع المقاصد) وهذه قاعدة عظيمة يشير إليها قوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (^١).
وهذا معنى قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الإعراض عن الجاهلين خُلُق سماوي أمر الله به نبيّه لِيُعَلِّم خَلْقَه هذا الخُلق الكريم، والأدب السماوي العظيم، أنه إذا جهل عليك جاهل فأساء إليك أن تعرض عنه ولا تأخذه بزلته، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: آية ٧٢] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: آية ٥٥] ونحو ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
_________________
(١) البخاري في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي ، حديث رقم (١)، (١/ ٩)، وأطرافه في: (٥٤)، (٢٥٢٩)، (٣٨٩٨)، (٥٠٧٠)، (٦٦٨٩)، (٦٩٥٣). ومسلم في الإمارة، باب قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنية». حديث رقم (١٩٠٧)، (٣/ ١٥١٥).
[ ٤ / ٤٤٢ ]
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠] (إما) هذه أصلها (إن) الشرطية زيدت بعدها (ما) المزيدة لتوكيد الشرط (^١) والكثير في كلام العرب: أن (إن) الشرطية إذا أُكِّدت شرطيتها بـ (ما) المزيدة بعدها كان الفعل المضارع لا بد أن تكون فيه نون التوكيد المُثَقَّلة، حتى قال بعض العلماء: كل مضارع قبله (إما) لا بد أن يتصل بنون التوكيد الثَّقيلة (^٢). والتحقيق أن هذا وإن كان هو لغة القرآن لم يوجد في القرآن فعل مضارع قبله (إما) إلا وهو مقترن بنون التوكيد المُثَقَّلة ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠] ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: آية ٤١] ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: آية ٢٦] إلى غير ذلك؛ إلا أن التحقيق أن إتيان نون التوكيد بعده هو اللغة الفصيحة ولو لم تأت بعده لكان جائزًا، وسُمع في أشعار العرب بكثرة عدم توكيد الفعل بعد (إما)، ومنه قول الأعشى (^٣):
فَإِمَّا تَريْني ولي لِمَّةٌ فإنَّ الحَوَادثَ أَودَى بها
قال: «تريني» ولم يأت بنون التوكيد. ومنه قول الحماسي (^٤):
زَعَمتْ تُمَاضِرُ أَنَّني إِمَّا أَمُت يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خُلَّتي
ومنه قول الشنفرى (^٥):
فإما تريني كابنةِ الرَّمْلِ ضَاحِيًا على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أتَنَعَّل
_________________
(١) انظر: الدر المصون (١/ ٢٩٨).
(٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٩٩).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٣٥) من هذه السورة.
(٤) السابق.
(٥) السابق.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
وقول لبيد بن رييعة (^١):
فَإِمَّا تريني اليومَ أصبحتُ سَالمًا فلَسْتُ بِأَحْيَا من كلابٍ وجعفرِ
وهو كثير في كلام العرب. وزعم قوم أن حذف نون التوكيد لضرورة الشعر. وقال جماعة من علماء العربية: إنه لغة صحيحة لا ضرورة، كما هو معروف في محله. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠] أسند الفعل هنا إلى مصدره، كقول العرب إذا جدَّ الأمر: «جدَّ جِدُّ هذا الأمر». والأصل يعنون: جدَّ الناس في ذلك الأمر. وإسناد الفعل إلى مصدره أسلوب عربي معروف، منه قول أبي فراس الحمداني وإن كان شعره لا يصلح إلا مثالًا لا شاهدًا (^٢):
سَيَذْكُرني قَومي إذا جَدَّ جِدُّهُم وفي الليلةِ الظَّلماء يُفْتَقَدُ البدرُ
قال بعض العلماء (^٣): النزغ والنغز معناه: النخس. وإما ينخسنك الشيطان. ونخس الشيطان كأنه يأتي بشيء محدد ينخس في الإنسان ويغرزه فيه ليثيره إلى ما لا يرضي الله من المعاصي. وهذا النزغ هو فساد الشيطان على الإنسان إما بالوساوس، وإما بشدة الغضب، ونحو ذلك مما يحمله عليه الشيطان من انتهاك حرمات الله وتضييعها. إذا نزغك هذا النزغ من الشيطان بأن وسوس لك حتى زين لك أن تعصيه، أو أغضبك حتى خرجت عن حدود الطاعة، وكان هذا النزغ سيؤديك إلى أن تفعل ما لا ينبغي ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من الشيطان. (استعذ) معناه: اطلبه أن يعيذك منه. والإعاذة: هي الحفظ
_________________
(١) السابق.
(٢) البيت في ديوانه ص١٦١.
(٣) انظر: القرطبي (٧/ ٣٤٧).
[ ٤ / ٤٤٤ ]
والتمنع والتوقي، عكس اللياذ؛ لأن اللياذ بالإنسان لاذ به يلوذ: إذا كان يريد أن يجلب له مصالحه. واستعاذ به يستعيذ ليمنعه ويقيه مما يخاف، كما قال (^١):
يَا مَنْ أَعُوذُ به فيما أُحَاذِرُه ومن أَلُوذُ به فيما أُحاوله
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: اطلب أن يعيذك، أي: يمنعك ويقيك من هذا الشيطان الرجيم ﴿إِنَّهُ﴾ جل وعلا ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعائك، سميع لما يوسوس لك من الشيطان ﴿عَلِيمٌ﴾ بوسوسة الشيطان لك، وبالتجائك إليه، وبكل ما يقوله ويفعله خلقه، فهو الذي بيده إنجاؤك منه، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٠].
[٢٧/ب] / [﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: الآية ٢٠١] قوله: ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو: ﴿طَيْفٌ من الشَّيْطَانِ﴾. وقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: ﴿طَيْفٌ﴾. فعلى القراءة الأولى ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: لَمَّةٌ وخَطْرَة، فإذا وقع لهم شيء من ذلك أعرضوا عنه] (^٢) إلى ما يرضي الله ويسخط الشيطان. وعلى قراءة الآخرين:
_________________
(١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه (شرح البرقوقي) (٢/ ٢٢٥)، وقد وقع فيه هنا تقديم وتأخير، ولفظه في الديوان: يا من ألوذ به فيما أُؤمله ومن أعوذ به مما أُحاذره
(٢) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وتم استدراك النقص بالرجوع إلى كتب القراءات والتوجيه. وقد جعلت ذلك بين معقوفين. انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٨، حجة القراءات ص٣٠٥، القرطبي (٧/ ٣٤٩)، الدر المصون (٥/ ٥٤٥ - ٥٤٧).
[ ٤ / ٤٤٥ ]
﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: آية ٢٠١] فالطائف: اسم فاعل طاف يطوف فهو طائف. ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ الشيء الذي يطوف بهم من قِبَل الشيطان من وساوسه وإغضابه لهم. ومعنى القراءتين متلازم، إلا أن الأول يقول: ﴿طيف من الشيطان﴾ أي: لَمَّة منه. والثاني يقول: ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ كما قال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ [القلم: آية ١٩] ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد.
وقوله: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي: تذكروا عقاب الله وثوابه ففاجأهم الإبصار. والإبصار هنا معناه: الإبصار بالقلب الذي يحمل الإنسان على الرجوع إلى ما يرضي الله ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦].
وقد قدمنا أن (إذا) الفجائية فيها ثلاثة أقوال (^١):
أحدها: أنها حرف.
والثاني: أنها ظرف زمان.
الثالث: أنها ظرف مكان. كما هو معروف في محله.
وهذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠١].
﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ الآخرين، إخوانهم في النسب لا في الدين، الذين
_________________
(١) انظر: الدر المصون (١/ ١٣٣)، (٤/ ٤٠)، مغني اللبيب (١/ ٧٩)، معجم الإعراب والإملاء ص٥٠.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
لا يبصرون ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يمدهم الشياطين. فالإخوان الأولون من الإنس. وقوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يعني: تمدهم الشياطين. ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ الآخرين من عتاة الإنس ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ أي: تمدهم الشياطين. هذا الذي ذكره غير واحد، أن المراد بالإخوان: العتاة من الآدميين، والذين يمدونهم: هم إخوانهم من الشياطين.
وقال بعض العلماء: إن الإخوان الأولين: الشياطين يمدون إخوانهم من عتاة الإنس. وعلى كل الأحوال فالمعنى: أن المتمردين من بني آدم، العصاة والكفرة لهم إخوان من الشياطين يمدونهم في الغي. ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ معناه يكونون لهم مددًا في الغي، ويزيدونهم فيه، فيزيدونهم طغيانًا إلى طغيانهم، وكفرًا إلى كفرهم بما يزينون لهم من الكفر والمعاصي ويعينونهم عليه.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٢]، أي: لا يقصر الشياطين الذين يمدون عتاة الإنس لا يقصرون في ذلك أبدًا؛ لأن الشيطان لا يحصل منه تقصير البتة في فعل السوء، فهو طبيعته مُتَمَادٍ فيه أبدًا. والعرب تقول: أقْصَرَ عَنِ الأمْرِ يُقْصِرُ: إذا كَفَّ ونَزَع عنه وقلَّلَ منه، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس (^١):
سَمَا بك شوقٌ بَعْدَ ما كَانَ أَقْصَرَا وَحَلَّتْ سُليمَى بَطْنَ قَوٍّ فعَرْعَرَا
ومعنى الآية بالإجمال: أن المؤمنين المتقين إذا أصابتهم لَمَّة من الشيطان ونزغ منه فوسوس لهم ليحملهم على المعاصي، أو
_________________
(١) ديوان امرئ القيس ص٥٩، و(قَوّ)، اسم واد في جزيرة العرب. و(عرعر) اسم موضع آخر.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
أغضبهم ليوقعهم بالغضب في المعاصي، تذكروا الله فأبصرت قلوبهم عقاب الله وثوابه، فرجعوا إلى ما يرضي الله، وأن غيرهم من الكفرة و[أصحاب] (^١) المعاصي إذا جاءتهم لَمَّاتُ الشياطين وطائف الشياطين مدوا لهم وزادوهم ضلالًا إلى ضلال، فلا يبصر هؤلاء ولا يبصر هؤلاء. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ [الأعراف: آية ٢٠٢].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ [الأعراف: آية ٢٠٣] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم﴾ (إذا) أصلها ظرف مضمن معنى الشرط، ومن أحكامه عند علماء العربية: أنه يدل على تحقق وجود المشروط. فلو قلت لعبدك وهو يعرف معنى اللغة العربية: «إن جاءك زيد فأعطه درهمًا»،. فهو يعلم أن معنى الكلام: أن زيدًا محتمل أن يجيء ومحتمل أن لا يجيء؛ لأن (إنْ) حرف شرط لا يقتضي وجود الشرط. أما إذا قلت له: «إذا جاءك زيد فأعطه درهمًا» وهو يعرف معنى اللغة فإنه يعلم أن زيدًا آتٍ لا محالة؛ لأن (إذا) تدل على تحقق وقوع الشرط، وهي لا تقتضي التكرار على التحقيق إلا إذا اقترنت بقرينة تدل على ذلك (^٢). فمن قال لزوجته: «إذا دخلت الدار فأنت طالق» ثم دخلتها فإنها تطلق، ولو دخلتها مرة أخرى لا يكون عليه طلاق جديد؛ لأن (إذا) ليس أداة تكرار. قال بعض علماء العربية: وربما دلت على التكرار إن احْتَفَتْ بقرينة يُفهم منها ذلك. والتحقيق
_________________
(١) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.
(٢) انظر: البرهان للزركشي (٤/ ١٩٠، ٢٠٣)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٧٢)، الفروق للقرافي (٢/ ٩٧).
[ ٤ / ٤٤٨ ]
أن (إذا) قَدْ تَأْتِي أداة تكرار إذا دَلَّتْ قرينة على ذلك، ومنه بذلك المعنى قوله (^١):
إِذَا وَجَدْتُ أُوارَ النَّارِ فِي كَبِدِي ذَهَبْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ
هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ المَاءِ ظَاهِرَهُ فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ
فإن معنى «إذا وجدت أُوار النار في كبدي»: كلما وجدت الحرارة الشديدة في كبدي بردتها بالماء.
وقوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ﴾ كانت عادة الكفار اقتراح الآيات على رسول الله ﷺ (^٢)، تارة يقترحون عليه آيات قرآنية تُتلى غير هذا القرآن، كما سيأتي في سورة يونس، وفي تفسير قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: آية ١٥] وتارة تكون الآيات المقترحات آيات كونية قدرية كما في قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (٩٠)﴾ وفي القراءة الأخرى (^٣): ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: الآيتان ٩٠، ٩١] إلى آخر الآيات المقترحات، وهي كثيرة في كلام العرب.
ومن العلماء ما ظاهر كلامه أن الآية المقترحة هنا آيات أُخر من
_________________
(١) البيتان لعروة بن أُذينة. وهما في الشعر والشعراء ص٥٨٠، تاريخ ابن عساكر (٤٠/ ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧)، زاد المعاد (٤/ ٢٩)، روضة المحبين ص٤٦، زهر الآداب (١/ ١٦٧)، وفيات الأعيان (٢/ ٣٩٤)، مع شيء من الاختلاف في بعض الألفاظ.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الأنعام.
(٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٧١.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
جنس القرآن غير ما أنزل، وعلى هذا القول فلا إشكال في الكلام؛ لأن المعنى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ﴾ تقرأ عليهم آيات أُخر غير ما أنزل عليك ﴿قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ (لولا) هنا حرف تحضيض، والتحضيض: الطلب بِحَثٍّ. معناه: أطلب منك طلبًا حثيثًا شديدًا أن تجتبيها.
و﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾ أصل الاجتباء معناه المشهور في لغة العرب: الاختيار والاصطفاء. هذا أشهر معانيه المعروفة، ومنه قوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: آية ١٢٢] قال بعض العلماء: لولا اخترتها واصطفيتها وجئت بها. وقالت جماعة من المفسرين: العرب تقول: اجتبيت الكلام. إذا اختلقته واخترعته من وقته، ولم يكن عندك فيما سبق، بل جئت به اختلاقًا واختراعًا في وقته. ﴿قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ هلَاّ جئت بها مخترعة مختلقة في عجلة؛ لأنهم يزعمون أن كل القرآن اختلاق ﴿إِنْ هَذَا إِلاِّ اخْتِلاقٌ﴾ [ص: آية ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٥] كما أن هذا الذي تقرأُ مختلق في زعمهم فاقرأ الآية المطلوبة منك مختلقة أيضًا كهذا الذي تقرأ. وهذا تكذيب منهم -قبّحهم الله- بالقرآن. وعلى هذا القول فلا إشكال في قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ أي: هلاّ اخترعتها واختلقتها وقرأتها علينا كما طلبناك، كما اختلقت هذا القرآن كله ونسبته إلى الله بغير حق. هذا قولهم لعنهم الله.
وذهبت جماعة أخرى من أهل التأويل إلى أن الآية المطلوبة هنا آية كونية قدرية، كما قال: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ [الإسراء: آية ٩٠] وقد قالوا له ﷺ: اجعل لنا الصفا ذهبًا، وباعد عنا بين جبال مكة لنزدرعها، وهاتنا بالرياح لنركبها إلى
[ ٤ / ٤٥٠ ]
الشام كما كان يفعل سليمان، وأحي لنا قصيًا نسأله عنك هل أنت رسول أو لا؟ إلى غير ذلك من الآيات المقترحات.
وعلى أن الآية المطلوبة هنا كونية قدرية قال بعض العلماء: معنى ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ هلا اقترحتها وتَلَقَّيْتَهَا من تلقاء ربك؛ لأنك تزعم أن كل ما سألت منه يعطيك إياه. يعني فتقلب لنا الصفا ذهبًا، وتحيي لنا قصيًا نسأله عنك، إلى غير ذلك من الآيات المقترحات. وعلى هذا القول فالاجتباء هنا بمعنى تلقيها من الله مقترحة، وإجابة الله إلى ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قل لهم يا نبي الله: ليس من شأني اختلاق الآيات التي تُقرأ وتتلى، وليس من شأني اقتراح الآيات الكونية القدرية، إنما أنا عبد مأمور أفعل كما أمرني ربي ولا أتجاوزه إلى شيء آخر.
﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ﴾ ما أتبع إلا ﴿مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ فهذا الذي أتلوه عليكم أوحاه ربي إلي، وهو الذي أقرأه عليكم، أما شيء آخر لم يُوح إليَّ فلا أقوله لكم ولا أقترح على ربي شيئًا. والله (جل وعلا) قد بيّن في سورة بني إسرائيل أنه إنما لم يرسله بخارق مثل خارق الرسل المتقدمة كناقة صالح ونحو ذلك أنه إن فعل ذلك كذبوا فأهلكهم، كما قال: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: آية ٥٩] لأن الله ﵎ لما اقترحوا هذه الآيات بيّن لهم هنا وفي سورة العنكبوت أنه أنزل لهم آية هي أعظم من جميع الآيات وأكبر، وهي هذا القرآن العظيم، فهذا القرآن العظيم أعظم آية من ناقة صالح، ويد موسى البيضاء، وعصاه التي تكون ثعبانًا.
ومما يدل على أنها أعظم الآيات: أنها تتردد في أسماع الخلائق إلى يوم القيامة، وأنها كلام رب العالمين الذي يعجز
[ ٤ / ٤٥١ ]
عن الإتيان بمثله جميع الخلائق، وقد تحدى الله العرب بسورة من هذا القرآن العظيم في سورة البقرة قال: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٣] وتحداهم بسورة منه في سورة يونس قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: آية ٣٨] وتحداهم بعشر سور في سورة هود ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: آية ١٣] وتحداهم به كله في سورة الطور: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: آية ٣٤] ثم بيّن في سورة بني إسرائيل أن عامة الخلائق لو تعاونوا واجتمعوا لا يقدرون على الإتيان بمثل هذا القرآن: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: آية ٨٨] فلما كان معجزة يعجز عن مضاهاتها جميع الإنس والجن، وهي معجزة باقية تتردد في آذان الخلائق إلى يوم القيامة، محفوظة، تَوَلَّى رَبُّ العَالمين حِفْظَهَا، لو أراد أحد أن يزيد في هذا القرآن العظيم نقطة واحدة، أو يغير شكلة حرف لرد عليه الآلاف من صغار أطفال المسلمين في أقطار الدنيا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: آية ٩] ولأجل عظم هذه الآية وكبرها وأنها أعظم الآيات وأكبرها أنكر (جلّ وعلا) على مَنْ طَلَب آية غيرها إنكارًا شديدًا في سورة العنكبوت حيث قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠)﴾ ثم أنكر عليهم طلب آية غيره قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ
أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ الآية [العنكبوت: الآيتان ٥٠ - ٥١]. فمن لم
[ ٤ / ٤٥٢ ]
يكتف بهذه الآية العظمى عن جميع الآيات فهو جدير بأن ينكر عليه؛ ولذلك قال هنا في أخريات الأعراف لما قال عنهم إنهم قالوا: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ بيّن لهم أن هذا القرآن العظيم أعظم آية، لا ينبغي للإنسان أن يطلب آية غيره حيث قال: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٣] فمن لم تهده هذه البصائر والأدلة القاطعة والبراهين الساطعة والمعجزة العظمى، والهدى والرحمة فلا آية تهديه ألبتة. وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾ لا أختلق آية ولا أقترح أخرى.
ثم قال: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ الإشارة في (هذا) إلى هذا القرآن العظيم. أي: هذا القرآن الذي هو أعظم آية وأنتم تقترحون آيات غيره ﴿بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ البصائر جمع البصيرة، والبصيرة المراد بها: البرهان القاطع والدليل الساطع الذي يُبْصَر في ضوئه الحق واضحًا لا لبس فيه. فالبصائر: الحُجج القاطعات، والبينات الواضحات التي لا تترك في الحق لبسًا، وواحدها (بصيرة)، ومنه قوله تعالى في أخريات يوسف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: آية ١٠٨] وإنما كان المبتدأ الذي هو (هذا) إشارة إلى مذكر، والخبر جمع تكثير جمع تكسير (بصائر)؛ لأن (هذا) وهو إشارة إلى القرآن، والقرآن يتضمن حُجَجًا كثيرة، وبراهين قاطعة بكثرة؛ ولذا عبر عنه بـ (هذا) وأخبر عنه بقوله: ﴿بَصَآئِرُ﴾ و﴿وَهُدًى﴾ أي: بيان ودلالة؛ لأن القرآن العظيم يُطلق هداه الهدى العام، ويُطلق هداه الهدى الخاص، والقرآن العظيم قد بيّن تعالى أن له هدى عامًّا للأسود والأحمر، وهدى خاصًّا لمن وفّقَهُ الله.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
أما الهدى العام: فمعناه بيان الطريق، وإيضاح المحَجَّة البيضاء، وبيان الحق من الباطل، والنافع من الضار، والحسن والقبيح. تقول العرب: «هديته» إذا أرشدته إلى الخير، سواء تبعه أم لا. ومنه بمعناه العام: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بينا لهم الحق على لسان نبينا صالح، وهو هداية إرشاد وبيان لا هداية توفيق؛ لأن الله قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: آية ١٧].
ومن إطلاق الهدى بمعناه العام الذي هو البيان والإيضاح والإرشاد قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بينا له طريق الحق وطريق الباطل، بدليل قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: الآيتان ٢، ٣] لأن الهداية في قوله: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ لو كانت هداية توفيق لما قسم من هداه الله بها إلى شاكر وإلى كفور.
المعنى الثاني: هو إطلاق الهدى بمعناه الخاص، والهدى بمعناه الخاص: معناه توفيق الله (جل وعلا) لعبده حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة. ومنه بهذا المعنى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف: آية ١٧٨] وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: آية ٩٠].
وكون الهدى يُطلق إطلاقًا عامًّا وإطلاقًا خاصًّا إذا فهم الإنسان ذلك زالت عنه إشكالات في كتاب الله، ومناقضات يظنها الجاهل ببعض آيات الله، كقوله تعالى في نبينا ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: آية ٥٦] مع قوله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: آية ٥٢] فنفى عنه الهدى في آية وأثبته له في آية، فالهدى
[ ٤ / ٤٥٤ ]
المُثبت له في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو الهدى بمعناه العام، وهو البيان والإيضاح. وقد بين ﷺ هذه المحَجَّة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه.
أما الهدى المنفي عنه في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: آية ٥٦] فهو التفضل بالتوفيق وسعادة المرء؛ لأن هذا بيد الله وحده ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شيئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآية [المائدة: آية ٤١] .. ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: آية ٣٧] في القراءة الأُخرى (^١): ﴿لا يُهْدَى من يُضِل﴾ أي: لا يُهْدى أحد أضله الله.
إلى غير ذلك من الآيات؛ ولذا قال في آية في هدى القرآن العام: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: آية ١٨٥] وقال في هداه الخاص: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢] وبهذا تعلم أن هداه المخصوص بالمتقين في قوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ والمخصوص بالمؤمنين كقوله هنا في آية الأعراف هذه: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٣]، أن المخصوص بالمؤمنين هو الهدى الخاص، وهو توفيق الله (جل وعلا) لهم وتيسيره لهم إلى الأعمال التي ترضيه؛ ولذا كان القرآن العظيم لمن وفقه الله هدى بهذا المعنى، وكان حجة على غيره -والعياذ بالله- يدخله الله بها النار، كما بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: آية ٤٤] وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: آية ٨٢] وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: الآيتان ١٢٤، ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: آية ٦٤، ٦٨] في الموضعين في سورة المائدة كما تقدم، وهذا معنى قوله: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ لأن القرآن بصائر، أي: حجج واضحات، وبينات قاطعات، وبراهين ساطعة لا تترك في الحق لبسًا.
﴿وَهُدًى﴾ أي: إرشادًا ودلالة للمسلمين يبين لهم بيانًا لا خفاء معه ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لمن وفقه الله للعمل به يرحمه الله به ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أما القوم الذين سبق لهم الشقاء فهو حجة عليهم يدخلون به النار، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: آية ٤٤] لأن الله (﵎) منذ أنزل هذا الكتاب المنزل كان واجبًا شرعًا ألا يدخل أحد الجنة كائنًا من كان إلا عن طريق العمل به، وألا يدخل أحد النار إلا عن طريق الإعراض عنه ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآية [هود: آية ١٧]. فالعمل به مفتاح الجنة، والإعراض عنه سبب دخول النار. وهذا معنى قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: آية ٢٠٤] قال بعض العلماء: كان كفار مكة لا ينصتون للقرآن ولا يستمعون له، ولا يرضون أحدًا أن يسمعه، بل
[ ٤ / ٤٥٦ ]
يُخَلِّطُون فيه بالأصوات والتصدية والمكاء من تصفيق وتصفير، ويأتون باللغط واللغو ليمنعوا الناس من سماعه وتدبره كما نص الله على ذلك عنهم في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: آية ٢٦] فأمر الله المؤمنين أن ينصتوا له ويستمعوا.
قال بعض العلماء: هو أمر للكافرين أن يكفوا عما يفعلون في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وقد أجرى الله العادة أن الكفرة يكرهون كل الكراهة سماع كلام رب العالمين -والعياذ بالله- هذا أول الأنبياء الذين أُرسلوا لأهل الأرض بعد أن كفروا، نوح (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) فانظروا كيف يكره قومه سماع كلامه؛ لأنه يقول عنهم: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ [نوح: آية ٧] كراهة أن يسمعوا الحق الذي يقوله لهم ذلك النبي الكريم. وهؤلاء الذين بُعث فيهم خاتم الرسل (صلوات الله وسلامه عليه) يقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: آية ٢٦] فقد بين -جل وعلا- في أُخريات سورة الحج شدة كراهتهم لتلاوة القرآن عليهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج: آية ٧٢] أي: لشدة كراهتهم وبغضهم لتلاوتها؛ ولذا قال هنا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾.
وكثير من علماء السلف يقولون: هذه في الصلاة خاصة إذا كان الإمام يقرأ صلاة جهرية، فإذا قرأ الإمام قراءة جهرية فعلى المأمومين أن يستمعوا وينصتوا. وكان بعض العلماء من هذا المعنى يقول: ليس
[ ٤ / ٤٥٧ ]
على المأموم قراءة؛ لأن قراءة الإمام تكفيه في الجهرية. وبعضهم يقول: تكفيه مطلقًا، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (^١) فجماعات كثيرة من علماء السلف يقولون: هي في الصلاة إذا كان الإمام يقرأ جهرًا. إذا قرأ الإمام القرآن في الصلاة ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ الاستماع: هو أن تتفهم هذا الذي يقال حتى تَفْهَمَ مَعَانِيه، والإنصات: هو السكوت وترك الكلام لأجل استماع الكلام. هذا معنى: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
وكان بعض العلماء يقول: هي في خطبة الجمعة.
وبعضهم يقول: هي في الفطر، والأضحى، وخطبة الجمعة، وكل ما يجهر فيه الإمام (^٢).
وكونها في خطبة الجمعة وإن قال به جماعة كثيرة من السلف فإنه لا يخلو من بُعد لمسائل، منها: أن القرآن غير كثير فيها. ومنها: أن الجمعة ما شُرعت إلا بالمدينة، وهذه الآيات من سورة الأعراف مَكِّيَّة؛ لأن سورة الأعراف من القرآن النازل بمكة قبل الهجرة كما هو معلوم.
_________________
(١) البخاري في الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب. حديث رقم (٣٧٨)، (١/ ٤٨٧)، وأطرافه في (٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤)، ومسلم في الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، حديث رقم (٤١١)، (١/ ٣٠٨)، من حديث أنس ﵁، وقد أخرجه من حديث عائشة برقم (٤١٢)، وبمعناه من حديث جابر برقم (٤١٣)، وأبي هريرة برقم (٤١٤، ٤١٥، ٤١٦، ٤١٧).
(٢) للوقوف على أقوال السلف في هذه الآية انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٤٥)، القرطبي (٧/ ٣٥٣)، ابن كثير (٢/ ٢٨٠).
[ ٤ / ٤٥٨ ]
وهنا كان خلاف بين العلماء: هل إذا قرأ الإمام يسكت المأموم ويكتفي بقراءة الإمام، أو لا بد أن يقرأ الفاتحة؟ في هذا خلاف مشهور بين العلماء (^١)، فبعض العلماء يقول: أما في الجهرية فإن المأموم يسكت؛ لأن الله أمره في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ والله يقول ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: آية ٦٣].
ومن العلماء من لا يرى الفاتحة واجبة على المأموم؛ لأن الإمام يحملها عنه. وهذا مذهب مالك، وروي عن أبي حنيفة مثله، وقال به بعض العلماء. قالوا: دل القرآن على أن الذي يسمع ويُؤَمِّن أنه كالذي كان يتكلم. قالوا: والدليل على ذلك أن الله قال في محكم كتابه: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ موسى وحده لم يكن معه هارون ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ وفي القراءة الأخرى (^٢): ﴿لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ثم قال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: الآيتان ٨٨، ٨٩] قالوا: كيف يكون الداعي واحدًا -وهو موسى- وتكون الدعوة المجابة من اثنين؟! قالوا: لأن هارون كان ينصت لدعاء موسى ويُؤَمِّن عليه، فصار أحد الداعيين لإنصاته وتأمينه، فدل ذلك على أن المنصت المُؤَمِّن كالذي
_________________
(١) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٢٢٣ - ٢٤٨)، المجموع (٣/ ٣٦٥)، تفسير القرطبي (١/ ١١٧ - ١٢٤)، المغني (٢/ ١٤٦ - ١٥٦) وقد أفرد هذه المسألة في التأليف الإمامان: البخاري والبيهقي رحمهما الله، وكتاباهما مطبوعان.
(٢) مضت عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأعراف.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
كان يقرأ. هذا قال به جماعة من العلماء.
وقالت طائفة أخرى: ينبغي للمأموم أن لا يترك قراءة الفاتحة، فلو سكت الإمام وأعطاه الفرصة بالسكوت لبادر أن يقرأ الفاتحة في سكتة الإمام، وإن لم يعطه فترة في ذلك قرأها. قالوا: نعم ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ هذا نص عام في قراءة القرآن، إلا أن قوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ» (^١) أخص منه، فهو تخصيص عموم القرآن بحديث نبوي، فتخصيصات عمومات القرآن بالأحاديث كثيرة جدًّا. وقد روي حديث في خصوصه أنه يقرأ وراء الإمام في الجهرية، فإن كان ثابتًا محفوظًا فلا كلام.
وعلى كل حال فقوم من العلماء منعوا القراءة في حال جهر الإمام، وقوم أوجبوا قراءة الفاتحة خصوصًا. والأحوط في هذا ألا يترك الفاتحة؛ لأن الصلاة دعيمة عظيمة من دعائم الإسلام، وهي أعظمها بعد الشهادتين، فلا ينبغي للإنسان أن يفعل صلاة يقول بعض الناس: إنها غير مجزئة، فينبغي أن يعمل عملًا يتفق الناس فيه على أن صلاته مجزئة، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
الاستماع: هو التدبر في الشيء والإصغاء إليه، الإصغاء إلى الشيء بتدبر.
_________________
(١) البخاري في الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلاة كلها ، حديث رقم (٧٥٦)، (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، ومسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ، حديث رقم (٣٩٤)، (١/ ٢٩٥)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
والإنصات: هو السكوت وترك الكلام؛ لأجل سماع ما يقال. هذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٤].
ثم إن الله علم نبيه ﷺ آداب الذكر، وجعل له الذكر على نوعين على التحقيق: ذكر نفساني، وذكر لساني، أما الذكر النفساني فهو هذا الذي يذكره العبد في نفسه بالتدبر والتفكر والاعتبار ولا ينطق به. وما قاله ابن عطية (^١) (﵀) من أنه لا ذكر إلا بحركة اللسان خلاف ظاهر هذه الآية الكريمة؛ لأن الله قال لنبيه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٥] أي: فيما بينك وبين ربك في نفسك من غير كلام، فتذكر عظمته وكماله وجلاله وصفاته، وما عنده من الثواب لمن أطاعه، ومن العقاب لمن عصاه، ويكون هذا التذكر والتفكر في عظمة الله (جل وعلا) وفي صفاته العظمى، وفي ثوابه وعقابه يكون في نفسك لأجل التضرُّع والخوف.
وقوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ قيل هما مفعولان لأجلهما؛ أي: لأجل التضرع. والتضرع معناه: التذلل والتخشع والتواضع؛ أي: لأجل التذلل والتخشع والتواضع لرب العالمين. وقال بعض العلماء: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ مصدران مُنكَّران بمعنى الحال؛ أي: في حال كونك متضرعًا خائفًا. والكل محتمل.
وقوله: ﴿خِيفَةً﴾ ياؤه مبدلة من واو، أصله: (خِوْفَة) لأنها
_________________
(١) عبارة ابن عطية: «والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس، ولا يراعى إلا بحركة اللسان» اهـ. المحرر الوجيز (٧/ ٢٣٩).
[ ٤ / ٤٦١ ]
(فِعْلَةٌ) من الخوف (^١)؛ لأن المادة من الأجوف الذي هو واوي العين، والقاعدة المقررة في التصريف: أن الواو إذا سكنت بعد الكسر أُبدلت ياء بقياس مطرد (^٢). فـ (الخيفة) هي (فِعْلَة) من الخوف، فالياء مبدلة من واو، وتُجمع على (خِيَف)؛ لأن الإعلال الذي في المفرد هو موجود أيضًا في الجمع، وشذ بعض العلماء فقال: تُجمع على (خِوَفْ).
والفرق في لغة العرب بين الخوف والحزن (^٣): أن الخوف هو غم من أمر مستقبل، والحزن غم من أمر فائت. هذا أكثر ما يستعمل فيه الخوف والحزن، إلا أنهما ربما استعمل أحدهما في موضع الآخر. فقوله: ﴿خِيفَةً﴾ أي: غمًّا مِنْ أَمْرٍ مستقبل، وهو سخط رب العالمين وعقابه؛ لأن الخائف من سخطه وعقابه المغموم مما يقع من ذلك في المستقبل يُطيع الله (جل وعلا) في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، وربما أطلقت العرب اسم الخوف على العلم، تقول العرب: «خفت كذا». أي: علمته. وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عَرَبِي معروف، قال بعض العلماء: منه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٢٢٩] أي: علمتم ألا يقيما حدود الله ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٢٢٩] إلا أن يعلما ألا يقيما حدود الله، على القول بذلك، ومن إطلاق الخوف بمعنى العلم قول أبي محجن الثقفي في أبياته المشهورة (^٤):
_________________
(١) انظر: اللسان (مادة: خوف) (١/ ٩٢١)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١٠٣.
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢).
(٣) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٤) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
إذا مِتُّ فادفنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظَامي بالمَمَاتِ عُروقُها
ولا تَدْفننّي بالفَلاةِ فإنَّني أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ ألَاّ أَذُوقُها
فإنه يعلم أنه إذا مات ليس شاربًا الخمر بعد موته، فمعنى (أخاف) أي: أعلم. كما هو ظاهر. وهذا معنى قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾.
﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ﴾ ذِكْرَيْن، أمَّا الذكر النفساني فهذا الذي يكون في نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، من أن تتفكر في عَظَمِتِه وسلطانه وجبروته وصفاته وعقابه وثوابه متضرِّعًا خائفًا منه (جلّ وعلا). وهذا النوع من الذكر القلبي عظيم جدًّا.
الثاني: ذكر لساني، وقد علمهم (جلّ وعلا) آداب الذكر اللساني، وأنهم لا يرفعوا صوته جدًّا ولا يُخافتوا به جدًّا، كما قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: آية ١١٠] والمخافتة: الإسرار الشديد. وقال هنا: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ أي: واذكر ربك بالقول دون الجهر، لا تجهر به وترفع صوتك جدًّا؛ لأن رفع الصوت الكثير بالدعاء وبالأذكار لا ينبغي. والله (جلّ وعلا) يُعَلِّمُ نبيَّه ﷺ أن لا يرفع صوته به جدًّا ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني: دون الجهر وفوق الإسرار: المخافتة، لا تجعله سرًّا جدًّا كالمخافتة، ولا تجعله جهرًا جدًّا بل سبيلًا بين ذلك كما قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: آية ١١٠].
وقوله: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ الغدو: قال بعض العلماء: هو مفرد مصدر غدا غدوًا. وقال بعض العلماء: هو جمع (غُدوة) (^١).
_________________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٥٢).
[ ٤ / ٤٦٣ ]
والآصال: جمع (أصيل). وقيل جمع (أُصُل). وبعضهم يقول: (الأُصُل) جمع (أصيل)، و(الآصال) جمع الجمع، ولا داعي إليه؛ لأن (الأصيل) يُجمع على (آصال)، كما تُجمع اليمين على الأيمان، والأُصُل أيضًا يُجمع على الآصال. والأُصُل يطلق مفردًا وجمعًا (^١).
والغدو: أوائل النهار، والآصال: أواخره. فالآصال: من العصر فما وراءه إلى الليل. والغدو: من أول النهار.
قال بعض العلماء: كان قبل فرض الصلاة ليلة المعراج يصلون صلاتين: آخر النهار، وأوله، وأنه هو المُراد هنا.
وقال بعضهم: خص هذين الوقتين من النهار - أول النهار وآخره- لفضلهما.
قال بعض العلماء: الذِّكْر بالغدو: صلاة الصبح، وبالآصال: صلاة العصر. والله تعالى أعلم، وهذا معنى قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾.
﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ معلوم أنه ﷺ لا يغفل عن ذكر ربه ولكنه يُؤمر ويُنهى ليُشرَّع لأُمته على لسانه. وفي هذه الآية الكريمة نهي للمسلمين عن الغفلة عن ذكر الله (جل وعلا)، فعلينا معاشر المسلمين ألا نغفل عن ذكر الله، وأن نذكر الله في أنفسنا تضرعًا وخيفة، وأن نذكره بقولنا دون الجهر مِنَ القَوْل، أول النهار وآخره، وفي كل وقت؛ لأن الله أثنى على عباده بالذكر عليه في كل حال، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) انظر: المصدر السابق، القرطبي (٧/ ٣٥٥).
[ ٤ / ٤٦٤ ]
وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: آية ١٩١] هذا التفكر في خلق السماوات والأرض من ذكرك ربك في نفسك تضرعًا وخيفةً كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٥].
ثم إن الله لما أمر عباده المؤمنين بهذه الآداب السماوية وهذه الأوامر الكريمة بَيَّنَ لهم أن ملائكته المقربين يطيعونه ويعبدونه ولا يستكبرون عن عبادته فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: آية ٢٠٦] وهم ملائكته (جل وعلا) صلوات الله وسلامه عليهم: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ لا يتكبرون عنها أبدًا، بل هم خاضعون مُتَذَلِّلُون عابدون لربهم (جل وعلا). وأصل العبادة في لغة العرب (^١): معناها الذل والخضوع. فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة. وكل مُذلّل مُخضِّع تسميه العرب (مُعَبَّدًا) وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته (^٢):
تُباري عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وأَتْبَعَتْ وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مور مُعَبَّدِ
أي: طريقًا مذللًا لدوس الأقدام. وإنما قلنا: إن العبادة هي الذل والخضوع لله على وجه المحبة خاصة فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة؛ لأن الإنسان إذا كان ذله متجردًا عن محبة كان يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أمورًا
_________________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٩) من هذه السورة.
(٢) السابق.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
لا تنبغي، والله (جل وعلا) لا يليق به شيء من ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾.
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ جلّ وعلا. التسبيح في لغة العرب: معناه الإبعاد عن السوء، فسبحتُ الشيء معناه: أبعدته عن السوء.
وهو في اصطلاح الشرع: تنزيه رب العالمين (جل وعلا) عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ سجود تواضع وتذلل وخضوع ﷾.
فإذا كان ملائكته المقربون مع عظمهم ومكانتهم عنده لا يستكبرون عن عبادته وينزهونه ويخضعون ويتذللون له فكيف بنا معاشر بني آدم؟!
[ ٤ / ٤٦٦ ]