عليه قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لأنه في معنى العلة لعدم وجود الماء، أي: أنه علة للاحتياج إلى الماء المتوقف عليه اعتبار عدم وجوده. وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] أمر الله ﷿ باستشهاد المرأتين، وعلَّل ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ ﴾ والعلة الحقيقية هي التذكير لا الضلال، ولكن لما كان الضلال علة للتذكير لأنه عليه يتوقف الاحتياج إليه= قدَّمه قبله وعطف عليه بالفاء.
فإذًا كل من الثلاثة عذر مستقلّ:
١ ــ المرض ٢ ــ السفر ٣ ــ عدم وجود الماء.
فإن قيل: فإن عدم وجود الماء شرط لكون السفر عذرًا.
أقول: نعم، ولكن لمَّا كان الغالب في السفر عدم وجود الماء، أطلق، وبيَّنت السنة المراد (^١).
* * * *
الحمد لله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ﴾ [٧٧].
_________________
(١) مجموع [٤٧١٧].
[ ٢٤ / ٢٠ ]
الذي يظهر
_________________
(١) ولا أراه يجوز غيره أنَّ المراد مَنْ أسلَم مِمَّن حَوْل المدينة من الأعراب. وقول الله ﷿ بعد ذلك في آية (٧٨): ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ صريحٌ في بطلان ما زعمه الكلبيُّ أن الآية السابقة نزلت في بعض أجلَّة الصحابة الذين أثنى الله عليهم في آيات لا تُحصى. وحَمْلُ آية (٧٨) على قوم آخرين تفكيكٌ للنظم الشريف بلا داعٍ. فالحق أنَّ الضمائر فيها لِمَن تقدَّم، أي مَن حَول المدينة مِن الأعراب، وسيأتي ما يوجب القطعَ بذلك. والمراد بالحسنة والسيئة ما يوافق هواهم أو يخالفه من الأحكام، أي والله أعلم وإن يبلِّغهم الرسول ما يوافق هواهم يقولوا: هذا من عند الله، وإن يبلِّغهم ما يكرهونه كإيجاب القتال يقولوا: هذه مِن عندك، قال تعالى لرسوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: وإنما أنا مبلّغ. وقوله تعالى في آية (٧٩): ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ الظاهر أن الخطاب للنبي - ﵌ - كقوله عقب ذلك: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. نعم، المقصود والله أعلم العموم مِن حيث المعنى، أي أنه إذا كان هو - ﵌ - هكذا فغيره كذلك من باب أولى. والمراد بالحَسَنة والسيئة: النعمة والمصيبة، وجيء بهذه الجملة بعدما
[ ٢٤ / ٢١ ]
تقدم دفعًا لِما قد يتوهَّمه مَن لم يتدبَّر مِن عموم قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لجميع الحوادث المخالفة للهوى بحيث يدخل في ذلك جميع المصائب والمضار. فنبَّه تعالى على أن المراد بالحسنة والسيئة ــ فيما تقدم ــ الأحكامُ المبلَّغة، فكلّها من عند الله. فأمّا الحسنة والسيئة بمعنى النِّعم والمصائب فلا يُقال فيها: كلّها من عند الله، بل النِّعَم من عند الله، والمصائب من النفس، أي بسبب أعمالها.
وقوله في آية (٨٠): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ظاهر في أن الكلام مع منافقي الأعراب.
وقوله تعالى في آية (٨١): ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ واضح جدًّا فيما قلناه مِن أنَّ الكلام مع المنافقين، وكذا قوله تعالى في آية (٨٣): ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ (^١).
* * * *
قوله ﷿ في آخر سورة النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)
_________________
(١) مجموع [٤٧٢٤].
[ ٢٤ / ٢٢ ]