فقيَّد لعنتَه لهم، ولعن الملائكة، ولعن الناس بما إذا ماتوا وهم كفَّار، كما دل استثناؤه في الأول على تقييد لعن الكاتمين بما إذا ماتوا وهم كاتمون. والله أعلم (^١).
* * * *
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.
في الآيات دليل على النهي عن تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وعن اجتناب الأكل منه، وعلى انحصار المحرمات، وغير ذلك مما يظهر عند التدبَّر. والله أعلم.
وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ
_________________
(١) مجموع [٤٦٥٧].
[ ٢٤ / ٧ ]
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾.
فيها التحذير من الرشوة، وفيها دليل على حُرْمة أخذ شيء مقابل بيان ما أنزل الله، سواء أكان ذلك في حكم أو فتوى أو غيرها. وفيها دليل على أن الله تعالى يُكلِّم المؤمنين المتقين يوم القيامة.
هذا، وقد يُدَّعى أن قوله: «الذين» أراد به قومًا معهودين هم اليهود، والسياق يؤيده.
كما قد يقال: إن قوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ بأن يكتموا حكمَ الله ليأخذوا في مقابل كتمانه ثمنًا، فتكون دلالة الآية خاصةً بالتحذيرِ من أخذِ الرشوة من المبطل ليحكم له بالباطل ويكتمَ الحق، وأخذِ الأجرة من السائل ليفتي بما يوافق هواه في الباطل ويكتمَ الحق، فليتدبر. والله أعلم (^١).
* * * *