من أساسات علوم التفسير علم الناسخ والمنسوخ وهو من العلوم التي لا يقوم إلا بها وكذلك لا يمكن معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة وتفسير تعارض النصوص إلا بمعرفته، ولذلك أفرد له علماء أصول التفسير وعلماء أصول الفقه مصنفات قديما وحديثا.
قال القرطبي: " معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته كبيرة، لا يستغنى عنه معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة أنصاف المتعلمين، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال والحرام روى البختري قال: دخل علي ﵁ المسجد، فإذا رجل يخوف الناس، قال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس. فقال: ليس برجل يذكر الناس، لكنه يقول: أنا فلان بن فلان اعرفوني. فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا، قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه، وفي رواية: أعلمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. ومثله عن ابن عباس ﵄" (١١).
اهتم العلماء والمفسرون والباحثون منذ القدم بموضع الناسخ والمنسوخ، وهي من الأمور التي يسر الله تعالى بها على المؤمنين وقت تنزيل القرآن في تطبيق الأحكام والوقوف على الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم من الأمور الواجب معرفتها عند كل من يريد أن
_________________
(١) انظر: الإتقان / السيوطي / ٣/ ٥١.
(٢) البرهان / الزركشي / ٢/ ٣٤.
(٣) المصدر نفسه: والصحيفة نفسها.
(٤) معجم مقاييس اللغة، مادة نسخ.
(٥) لسان العرب، ابن منظور: مادة (نسخ.٩
(٦) الإتقان: ٣/ ٥١.
(٧) المصباح المنير، أحمد بن محمد الفيومي، مادة (نسخ) ص ٦٠٢.
(٨) مقدمة جامع التفاسير، الراغب: ص ٨٢.
(٩) انظر: النسخ في القرآن، مصطفى زيد: ١/ ١٠٥ ظ، الإحكام في أصول الأحكام/ الآمدي ٣/ ٩٨، الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان ص ٩٣٢.
(١٠) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، مكي ابن أبي طالب: ص ٤٣.
(١١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ٢/ ٦٢.
[ ١ / ٨٠ ]
يتصدى للتفسير القرآني، إذ يدخل في تحديد المراد من النصوص القرآنية وهذا ما أكده العلماء وقالوا "لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف من الناسخ والمنسوخ وقد رويت كثير من الأخبار عن الصحابة" (١).
ومن الكثيرين الذين بحثوا في الناسخ والمنسوخ أكدوا على أهمية هذا العلم في فهم مراد الله تعالى من نصوص القرآن الكريم وهو يعد علما من الواجب على العالم معرفته حتى يكون بحثه في هذا العلم رصينا وموافقا لما أمر به ﷾.
يقول مكي بن أبي طالب بهذا الخصوص: "وأن من أكد ما عني أهل العلم والقرآن بفهمه، وحفظه والنظر فيه من علوم القرآن وسارعوا إلى البحث عن فهمه وعلم أصوله، علم ناسخ القرآن ومنسوخه فهو علم لا يسع كل من تعلق بأدنى علم من علوم الديانة جهله" (٢).
وللنسخ أهمية كبيرة في مجال العرض على القرآن الكريم فمع ثبوت النسخ في بعض من الآيات القرآنية لا يمكن الرجوع إليها في تفسير الآيات الكريمة الأخرى.
فالزركشي يقول في هذا الشأن: "إن العلم بالناسخ والمنسوخ عظيم الشأن وقد صنف به جماعة كثيرون" (٣).
وقال الزرقاني: "أنه طويل الذيل، كثير التفاريع، متشعب المسالك .. المسائل التي يتناوله دقيقة، إذن على الباحث الذي يتناول النسخ أن يكون يقضا ودقيقا وأن يتصف بحسن الاختيار .. والنسخ يكشف النقاب عن مسيرة التشريع الإسلامي، ويصبح الإنسان مطلعا على حكمة الله تعالى في تربيته للخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس وهذا ما يدل باليقين والتواتر على أن الرسالة الإسلامية هي من الله تعالى العزيز الحكيم إن معرفة الناسخ والمنسوخ يعد ركنا مهما وعظيما في فهم الإسلام، وفي الاهتداء إلى صحيح الإسلام" (٤).