بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد:
يعد تفسير القرآن الكريم الركيزة المهمة لدارسي العلوم الإسلامية، والدراسات المرتكزة عليها، كالدراسات الاسلامية، والثقافة الإسلامية الخ، والتفسير هو فهم القرآن الكريم، وفق إحدى مدارس المفسرين، كالمدرسة اللغوية، والمدرسة الموضوعية، والمدرسة اإلعجازية، وتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنّة النبوية، إلى غيرها من المدارس الأخرى، وتؤكد نتائج الدراسات التي أجريت أخيرًا حول موضوع تفسير القرآن ومصادره، كدراسة عبد العليم صبّاح (١٩٩٩)، ودراسة محمد عبد النبي محمود (٢٠٠٤)، وغيرها من الدراسات بأن دراسة التفسير لها أهمية كبيرة للطلبة في كافة مراحل التعليم، سواء على الصعيد الجامعي، أو التعليم في الدراسات العليا، وأكدّت هذه الدراسات على أن للتفسير دورًا كبيرًا في فهم مقصود المولى - ﷿ - في آياته في كافة الوقائع واألحداث، كما أشارت دراسة عبد الوافي المعلم (١٩٩٧)، بأن عن طريق دراسة تفسير القرآن الكريم يمكن الوقوف على بعض الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم، ومعرفة أسباب نزول الآيات القرآنية الكريمة.
وقد أفرد الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره بابًا سمّاه: " باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن معربًا" (١)، ضمنه مجموعة من الأحاديث والأخبار التي تدل في مجموعها على تفضيل من قرأ القرآن معربًا وذم اللحن فيه وذلك "صونًا من تحريف الكلم عن مواضعه ودرءًا للخروج على مراد اهلل ﵎" (٢).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ١/ ٢٣.
(٢) مدرسة التفسير في الأندس، مصطفى إبراهيم المشني، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط ١، ١٩٨٦، ص: ٣٩٣.
[ ١ / ٣ ]
ومن الأحاديث والأخبار في هذا الشأن ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه" (١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵄: " جوّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي، والله يحب أن يعرب به" (٢).
وقال أبو بكر (٣)، وعمر (٤) ﵄: " لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه" (٥).
وقال ابن عمر: "أعربوا القرآن" (٦).
قال السيوطي: "والمقصود من الإعراب في هذه النصوص ليس ما اطلع به علماء النحو، وإنما المقصود تفسير ألفاظه وتوضيح معانيه وبيان غريبه" (٧).
فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتَعلُّم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] [آل عمران: ١٨٧]، وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [آل عمران: ٧٧].
فذمّ الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله إليهم، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله، فعلينا أن ننتهي عما ذمَّهم الله تعالى
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١١٦)، وأبو يعلى الموصلي (٦٥٦٠): ص ١١/ ٤٣٦، والحاكم: ٢/ ٤٧٧، والبيهقي في شعب الإيمان: ٣/ ٥٤٨. وإسناده ضعيف.
(٢) النشر ١/ ٢١٠، وانظره في "الوجيز" للقرطبي ص ٨٨، ويؤيده ما رُوي عن البراء بن عازب من قول الرسول ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم" وهو صحيح الإسناد. أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، وأبو داود ٢/ ٧٤، برقم: ١٤٦٨، والنسائي ٢/ ١٧٩، ١٨٠، برقم: ١٠١٥، ١٠١٦، وابن ماجه ١/ ٤٢٦، برقم: ١٣٤٢، والدارمي ٢/ ٥٦٥، برقم: ٣٥٠٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٧١ - ٥٧٥، والطيالسي في مسنده، انظر: منحة المعبود ٢/ ٣، برقم: ١٨٨٦.
(٣) هو: أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة بن عامر، خليفة رسول الله -ﷺ- وأفضل الأمة، وأحد المبشرين بالجنة، هو أشهر من أن يعرف. توفي سنة (١٣ هـ) وله (٦٣) سنة. وسيرته ومناقبه في أغلب كتب التاريخ، أفرد له المحب الطبري مجلدا خاصا من أربعة مجلدات في ترجمته للعشرة المبشرين بالجنة في كتابه المسمى (الرياض النضرة). [انظر: تذكرة الحفاظ: ١\ ٤، وشذرات الذهب: ١\ ٢٤].
(٤) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح. لقبه رسول الله -ﷺ- بالفاروق، وتولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق، ولقب بأمير المؤمنين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قتله أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة سنة ٢٣ هـ، وعمره (٦٣) سنة. [انظر: تذكرة الحفاظ: ١\ ٨، وشذرات الذهب: ١\ ٣٣].
(٥) حكاه عنهما القرطبي في تفسيره: ١/ ٢٣، ولم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري فقال: ''أما بعد: فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي فتمعددوا فإنكم معديون''. أ. هـ. أي تشبهوا بجدكم معد بن عدنان، انظر: المصنف (١٠\ ٤٥٦).
(٦) أخرجه أبو علي الصواف في " الفوائد " (٣/ ١٦١/٢) وأبو علي الهروي في " الأول من الثاني من الفوائد " (١٨/ ٢) عن ليث عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله مرفوعا وإسناده ضعيف. انظر: السلسلة الضعيفة والموضوعة، للألباني: ٣/ ٥٢١.
(٧) الإتقان، السيوطي: ٢/ ٢٢٤.
[ ١ / ٤ ]
به، وأن نأتمر بما أمرنا به، من تَعَلُّم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [الحديد: ١٦، ١٧]. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها، كذلك يلين القلوب بالإيمان بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا ذلك، إنه جواد كريم.