في هذه المسألة طرفان، أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه، أما الطرف المتفق عليه، فهو أن القرآن لم ينزل على رسول الله ﷺ من السماء جملة واحدة، بل كان ينزل الوحي به من عند الله، مفرقا حسب الحوادث والأحوال.
وقد جاءت الآيات تقرر ذلك بوضوح تام لا لبس فيه، وتقرر حكمة النزول على تلك الصفة:
١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: " لأنه كلما نزل عليه شيء من القرآن ازداد طمأنينةً وثباتًا، وخصوصًا عند ورود أسباب القلق؛ فإن نزول القرآن عند حدوث السبب، يكون له موقع عظيم، وتثبيت كثير، أبلغ مما لو كان نازلًا قبل ذلك ثم تذكره عند حلول سببه.
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا﴾، أي: مهلناه ودرجناك فيه تدريجًا، وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن، وبرسوله محمد ﷺ، حيث جعل إنزال كتابه جاريًا على أحوال الرسول ومصالحه الدينية " (١).
٢ - قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: " ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه ويستخرجوا علومه، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزيلًا﴾، شيئًا فشيئًا مفرَّقًا في ثلاث وعشرين سنَة" (٢).
ومما يؤكد نزول القرآن مفرَّقًا: انقطاع الوحي في حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة ﵂ بالزنى، وقد انتظر النبي ﷺ نزول القرآن؛ لعظيم وقع المصيبة بتهمة زوجه حتى نزل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١].
ومما يؤكد نزول القرآن مفرَّقًا - أيضًا -: الآيات الأولى من سورة " عبس "؛ وذلك عندما أعرض النبي ﷺ عن تعليم ابن أم مكتوم الأعمى طمعًا في إسلام كبار قريش.
وأما الذي وقع الخلاف فيه، فهو أول وأصل نزول القرآن: هل نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل على الرسول ﷺ مفرقا، أو كان نزوله على صفة واحدة، مفرقا حسب الوقائع، كما سبق.
وسبب ذلك الخلاف هو فهم بعض الآيات التي تدل على نزول القرآن في وقت واحد، مثل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، مع تصريح ابن عباس ﵁ بذلك الفهم.
_________________
(١) تفسير السعدي: ٥٨٢.
(٢) تفسير السعدي: ٤٦٨.
[ ١ / ٣٣ ]
وقد اختلف العلماء في هذا النزول على أقوال:
أولها: أن القرآن قد نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملةً واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجَّمًا في ثلاث وعشرين سنة. قاله ابن عباس وهو قول الأكثرين. وهو الراجح.
قال عنه الزركشي" إنه أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون" (١).
ووصفه ابن حجر بأنه: "الصحيح المعتمد" (٢). وقال ذلك عنه -أيضا- القسطلاني في لطائف الإشارات (٣).
وذكر السيوطي أن القرطبي حكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا (٤).
وحكاية الإجماع في ذلك لا تصح لوجود المخالف في ذلك وتعدد المذاهب فيه.
وأدلة هذا القول:
١ - أنه ظاهر الآيات الثلاث في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] وقوله جل وعلا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥].
فقد دل ظاهر هذه الآيات الثلاث أن القرآن الكريم أنزل جملة في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة من شهر رمضان. وهذا وصف مغاير لصفة نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ حيث إنه من المعلوم المقطوع به أن القرآن نزل على الرسول ﷺ منجما مفرقا في نحو ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث.
فتعين أن يكون هذا النزول الذي دل عليه ظاهر الآيات نزولا آخر غير النزول المباشر على النبي ﷺ.
٢ - أنه صريح الآثار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ، ومن الأخبار التي استند إليها أصحاب هذا المذهب:
عن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة". ثم قرأ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] " (٥).
_________________
(١) البرهان: ١/ ٢٢٨.
(٢) فتح الباي: ٩/ ٤.
(٣) انظر: لطائف الإشارات: ٢٢.
(٤) الإتقان (١/ ١٤٨)، ومناهل العرفان (١/ ٣٩)، تفسير القرطبي (٢/ ٢٩٧).
(٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٦٨)، وانظر طبعة المغرب بتحقيق أحمد الخياطي (٢/ ٢٠٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) و(٢/ ٣٦٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٨) وشعب الإيمان (٢/ ٤١٥) رقم ٢٢٤٩، والنسائي في التفسير (٢/ ١٣١) رقم ٣٩٢ وقال المحقق صحيح. وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٧٨) و(٣٠/ ٢٥٨). وانظر: فضائل القرآن للنسائي (٥٩)، وابن الضريس (٧٢). والمرشد الوجيز (١٤ -) وذكره ابن كثير في فضائل القرآن (٦) عن أبي عبيد ثم قال: هذا إسناد صحيح. وقال أبو عبيد: ولا أدري كيف قرأ يزيد في حديثه "فرقناه" مشددة أم لا؟ إلا أنه لا ينبغي أن تكون على هذا التفسير إلا بالتشديد "فرقناه". وقراءة الجمهور بالتخفيف، وقرأ بالتشديد أبي، وعبد الله بن مسعود وعلي وابن عباس، وأبو رجاء وغيرهم. انظر تفسير ابن جرير (١٥/ ١٧٨)، والبحر المحيط (٦/ ٨٧). ومعجم القراءات القرآنية (٣/ ٣٤٢).
[ ١ / ٣٤ ]
وعن ابن عباس ﵄ قال: " فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلا " (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد ﷺ بجواب كلام العباد وأعمالهم" (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] " (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً، ثُمَّ أُنْزِلَ نُجُومًا" (٤).
وعن ابن عباس -﵄- قال: "أنزل القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه أو أن يحدث منه شيئا أحدثه" (٥).
وعن مقسم عن ابن عباس - ﵄ - قال: سأله عطيه بن الأسود فقال: إنه وقع في قلبي الشك في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] وقد أنزل في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول؟ فقال ابن عباس -
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٦) رقم ١٢٣٨١، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩ - ٦٠) وزاد في آخره: قال سفيان: خمس آيات، ونحوها. وانظر المرشد الوجيز لأبي شامة (٢٠). وذكره السيوطي في الدر المنثور بنحوه (١/ ٤٥٧) وزاد نسبته للفريابي وابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء المقدسي في المختارة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٧) وقال: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٦) رقم (١٢٣٨٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٠) وقال عنه: رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٦٧) وزاد نسبته لابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.
(٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٧) وفي شعب الإيمان (٣/ ٣٢٠) رقم (٣٦٥٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢). وذكره أبو شامة في المرشد الوجيز (١٧) وذكر السيوطي -نحوه- في الدر المنثور وزاد نسبته لابن جرير وابن مردويه ومحمد بن نصر والطبراني وأخرجه النسائي في تفسيره (٢/ ٥٣٩) رقم (٧٠٩) وقال المحقق: صحيح
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٤٧) رقم (١١٨٣٩) والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
(٥) أخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٨). والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه ابن الضريس بنحوه في فضائل القرآن (٧١ -).
[ ١ / ٣٥ ]
﵄-: إنه أنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة؛ جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا (١) في الشهور والأيام" (٢).
وعن سعيد بن جبير قال: "نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة جواب كلام الناس" (٣).
وعن سعيد بن جبير أيضا قال: "نزل القرآن جملة من السماء العليا إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل مفصلا" (٤).
وعن الربيع بن أنس في قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ قال: "أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله" (٥).
وعن إبراهيم النخعي في قوله ﷿: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ قال: "أنزل جملة على جبريل ﵇، وكان جبريل يجيء بعد إلى محمد ﷺ" (٦).
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث والآثار التي أخرجها الأئمة وصححوا بعضها، والتي يعضد بعضها بعضا أنها وإن كانت موقوفة في جملتها على ابن عباس ﵄ فإن لها حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي الذي لا يأخذ عن الإسرائيليات، فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وابن عباس لن يقول ما قال من هذا التفصيل والتحديد بمحض رأيه ومن عند نفسه فهو إذا محمول على سماعه من النبي ﷺ أو ممن سمعه منه من الصحابة والصحابة كلهم عدول.
٣ - عدم معارضته للقول الثاني مع توجيه أدلة هذا القول والرد عليها.
٤ - ضعف الأقوال الأخرى.
٥ - انتفاء المحذور العقدي بالتصريح بسماع جبريل للقرآن من الله ﷿ دون واسطة.
٦ - شهرة القول وكثرة القائلين به، والمصححين له، حتى حكى القرطبي (٧) الإجماع عليه.
القول الثاني: أنه ابتُدئ إنزال القرآن في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجَّما في أوقات مختلفة حسب الحوادث والوقائع وحاجات الناس، وهذ قول التابعي الجليل الشعبي (٨)، ومحمد ابن إسحاق (٩)، واختاره النسفي (١٠).
_________________
(١) رسلا: قطعة قطعة وفرقة فرقة. انظر: حاشية تفسير الطبري (٣/ ٤٤٦).
(٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٩ -) وأخرجه الطبري في تفسيره بسنده (٣/ ٤٤٨) ولم يسم فيه السائل. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٠٩) رقم (١٢٠٩٥) والهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٦) وقال عنه: وفيه سعد بن طريف وهو متروك. وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٥٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وابن مردويه، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.
(٣) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢). وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٥٧) ولم ينسبه لغير ابن الضريس.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/ ٢٩٤) رقم (٧٩) وفيه حكيم بن جبير ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.
(٥) أخرجه عبد بن حميد كما ذكر السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٦٧).
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/ ٢٩٢) رقم (٧٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.
(٧) الإتقان (١/ ١٤٨)، ومناهل العرفان (١/ ٣٩)، تفسير القرطبي (٢/ ٢٩٧).
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٥٣١.
(٩) نسبه له الفخر الرازي في تفسيره: ٥/ ٨٥.
(١٠) انظر تفسيره: ١/ ٩٤، حيث قال: " ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾: أي ابتدئ فيه إنزاله وكان في ليلة القدر .. "، وأشار إلى الإنزال جملة بصيغة التضعيف في تفسير سورة القدر (٤/ ٣٧٠) فقال: "روي أنه أنزل جملة".
[ ١ / ٣٦ ]
وأدلتهم (١):
١ - الواقع الفعلي لنزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا حسب الحوادث والوقائع على نحو من ثلاث وعشرين سنة.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، فصريح القرآن، وواقع نزوله يدل على تنجيمه وتفريقه.
٣ - أن الآيات الثلاث الواردة في وصف نزول القرآن المراد بها ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة وفي هذا جمع بين هذه الآيات وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
٤ - أن ما جاء من الآثار الدالة على نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا وإن كانت صحيحة الإسناد فهي موقوفة على ابن عباس وغير متواترة. وهذه مسألة غيبية عقدية ولا يؤخذ في الغيبيات إلا بما تواتر يقينا في الكتاب والسنة فصحة الإسناد لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده. فكيف وقد نطق القرآن بخلافه.
وهذا القول قول قويّ، إلاّ أنّه يُردّ من أوجه ثلاثة:
الأوّل: أنّ أثر الشّعبي ﵀ رواه عنه الطّبري (٢)، بإسناد ضعيف، ففيه:
أ- عمران أبو العوّام، وهو صدوق يهم (٣).
ب- وفيه عمرو بن عاصم الكلابي، فهو صدوق في حفظه شيء (٤).
الثّاني: أنّ الثّابت عن الشّعبي هو ما يوافق الجمهور، رواه عنه الطّبري بإسناد صحيح (٥).
الثّالث: أنّه مخالف لما ذكره ابن عبّاس ﵁، وأقوال الصّحابة هي الحجّة في كلّ باب عند انعدام النّصوص.
الرابع: كما يجاب على أدلة القول الثاني - على سبيل الإيجاز - بما يأتي:
١ - أن صفة نزول القرآن المباشر على الرسول ﷺ وكونه نزل عليه مفرقا، وكونه صريح قوله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ هو محل إجماع ولا خلاف حوله ولا يعارض النزول جملة.
٢ - القول بأن المراد بالآيات الثلاث من سور البقرة، والدخان، والقدر، هو ابتداء النزول؛ هو صرف لها عن ظاهرها بغير صارف ويجعلها تحتاج إلى تقدير محذوف.
_________________
(١) انظر: مباحث في علوم القرآن. د. صبحي الصالح. (٥١) وتفسير جزء «عم» للشيخ محمد عبده ص (١٢٢) ط. بولاق.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٥٣١.
(٣) كما في "التّقريب" (٢/ ٨٣).
(٤) كما في "التّقريب" (٢/ ٧٢).
(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٨٢٠): ص ٣/ ٤٤٧، و: ص ٢٤/ ٥٣٢، ولفظه: " "بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا". كما عد السخاوي في جمال القراء: ١/ ٢٠، الشعبي من القائلين بالقول الأول مع ابن عباس وابن جبير.
[ ١ / ٣٧ ]
فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي ابتدأنا إنزاله. وهو يقتضي حمل القرآن على أن المراد به بعض أجزائه وأقسامه (١) فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي أنزلنا بعضه.
٣ - أن القول بأن المسألة عقدية لا بد لها من أدلة متواترة قطعية الثبوت لإفادة العلم اليقيني ولا يكفي فيها الآثار الموقوفة؛ قول غير مسلم. واستبعاد الاستدلال بأحاديث الآحاد على العقائد غير صحيح فالعبرة بصحة الحديث فمتى صح الحديث احتج به سواء كان آحادا أم متواترا وسواء كان في الأحكام أم العقائد (٢).
القول الثالث: أنّه نزل إلى السماء الدّنيا في ثلاث وعشرين ليلةِ قدر، في كلّ ليلة ينزل ما يقدّر الله إنزاله تلك السّنة.
وهذا قول ابن جريج (٣)، وأبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (٤)، ومقاتل بن حيان (٥)، وقال بنحوه مقاتل بن سليمان (٦)، ونسبه السيوطي للفخر الرازي (٧)،
كما ينسب هذا القول في كثير من كتب علوم القرآن للماوردي (٨).
وهذا القول ضعيف مدفوع أيضا بمذهب الصّحابيّ.
قال عنه ابن حجر: "وهذا أورده ابن الأنباري من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضا" (٩).
وقال عنه القرطبي: "قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع "أن القرآن أنزل جملة واحدة" (١٠).
وحكاية القرطبي للإجماع هنا غير مسلمة لما علمته من الأقوال في ذلك.
_________________
(١) انظر: مفاتبح الغيب: ٥/ ٨٥.
(٢) انظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم (٥٢).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣/ ٤٤٧). وتفسير أبي الليث السمرقندي (١/ ٥٦٣) والدر المنثور للسيوطي (١/ ٤٥٧).
(٤) قاله في كتابه المنهاج (٢/ ٢٣٤ -)، وانظر: البرهان (١، ٢٢٩)، ولطائف الإشارات للقسطلاني (١/ ٢٢)، والمرشد الوجيز (١٩).
(٥) انظر: الإتقان للسيوطي (١/ ١٤٨)، والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/ ٢١٥) بتحقيق د. محمد صفاء حقي. رسالة ماجستير غير منشورة. قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين. الرياض.
(٦) انظر: حاشية المرشد الوجيز بتحقيق طيار آلتي قولاج (١٨). وتفسير مقاتل بن سليمان (١/ ٢٢ خ)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (١/ ٥٦٢).
(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٨٥. وهي نسبة غير محررة فقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره هذا القول وجعله محتملا، وتوقف في الترجيح بينه وبين القول بنزوله جملة واحدة من اللوح المحفوظ ثم نزوله منجما بعد ذلك. لكنه في موضع آخر وبعد صفحة واحدة رجح القول الثاني. فقال: " .. التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل﴾ إذا ثبت هذا فنقول: لما كان المراد ههنا من قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال".
(٨) انظر: المرشد الوجيز لأبي شامة (١٨، ١٩)، والبرهان (١/ ٢٢٩)، والإتقان (١/ ١٤٨)، والزيادة والإحسان لابن عقيلة (١/ ٢١٥)، وهي نسبة غير محررة من حيث تحديد القول، وتعيين القائل.
(٩) فتح الباري (٩/ ٤)، ونقله القسطلاني في لطائف الإشارات (١/ ٢٢).
(١٠) تفسير القرطبي (٢/ ٢٩٨)، وانظر الإتقان (١/ ١٤٨).
[ ١ / ٣٨ ]
القول الرابع: أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة. حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس (١).
قال ابن حجر: " وهذا -أيضا- غريب" (٢).
وقال أبو شامة: " وهو قول مردود لأنه ليس بين الله وجبريل واسطة في تلقي القرآن الكريم" (٣).
وقال ابن العربي متعقبا هذا القول: "ومن جهلة المفسرين أنهم قالوا: إن السفرة ألقته إلى جبريل في عشرين ليلة وألقاه جبريل إلى محمد - ﵉ - في عشرين سنة وهذا باطل، ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد صلى الله عليهما واسطة" (٤).
وقد نقل أبو شامة في المرشد الوجيز عن تفسير علي بن سهل النيسابوري عن جماعة من العلماء أن جبريل هو من أملاه على السفرة. قال: "قال جماعة من العلماء: تنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل ﵇، وغشى على أهل السماوات من هيبة كلام الله فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ [سبأ: ٢٣] يعني القرآن وهو معنى قوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣] فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه جبريل على السفرة الكتبة. يعني الملائكة وهو قوله تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] " (٥).
وذهب إلى هذا المعنى من إملاء جبريل القرآن على السفرة علم الدين السخاوي في جمال القرآن في معرض حديثه عن حكمة إنزاله جملة فقال: " .. وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة -﵈- وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له" (٦) فيكون قولا خامسا.
وقد حاول ابن عقيلة المكي الإجابة عما تضمنه ذلك الخبر من عدم أخذ جبريل للقرآن من الله. فقال بعد أن ساق الخبر: "فهذا يقضي أن جبريل ما أخذه إلا عن السفرة. قلت: لا تنافي، لاحتمال أن جبريل -﵇- سمعه من الله ﷾ كما تقدم بصفة التجلي فعلمه جميعه ثم أمره الله أن يأخذه من اللوح المحفوظ فيضعه في بيت العزة عند السفرة، ثم أمر الله ﷾ السفرة أن تنجمه على جبريل ﵇ في عشرين ليلة لكل سنة ليلة وإنما كان التنجيم من السفرة على جبريل لما ذكره الحكيم الترمذي: إن سر وضع القرآن في السماء الدنيا ليدخل في حدها لأنه رحمة لأهلها. فأخذ جبريل عن السفرة إشارة إلى أنه صار مخصوصا بهم فلا يؤخذ إلا عنهم" (٧).
_________________
(١) انظر: الدر المنثور: ٥/ ٣٤٥، وحكاه الماوردي عن ابن عباس في النكت والعيون (٦/ ٣١١)، وابن كثير في تفسيره: ٧/ ٥٤٤، الإتقان: السيوطي: ج ١ ص ٥٤. وأخرجه - بنحوه - ابن أبي حاتم، وانظر الزيادة والإحسان (١/ ١٧٢، ٢١٨).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٤ -)، ونقل القسطلاني كلام ابن حجر في كتابه لطائف الإشارات (١/ ٢٢).
(٣) المرشد الوجيز: ١٩.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٩٦١ -) وانظر تفسير القرطبي (٢٠/ ١٣٠).
(٥) ؟ المرشد الوجيز (٢٣)، وانظر تفسير القرطبي (٢٠/ ١٣٠).
(٦) جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي (١/ ٢٠).
(٧) ؟ الزيادة والإحسان لابن عقيلة (١/ ١٧٢) بتحقيق: د. محمد صفاء حقي
[ ١ / ٣٩ ]
ولا يخفى ما في هذا القول الأخير من ضعف، في كون جبريل ﵇ يأخذ القرآن إلى السفرة ثم يأخذه منهم؛، دون إنكار صلة السفرة بالقرآن، قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].
والاتفاق حاصل والإجماع قائم على صفة نزول القرآن الكريم المباشر على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا من بعثته ﷺ إلى قرب وفاته ينزل أحيانا ابتداء بغير سبب وهو أكثر القرآن الكريم وأحيانا أخرى ينزل مرتبطا بالأحداث والوقائع والأسباب.
وأما نزوله جملة فهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ وقوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فهو أنزل في ليلة اسمها ليلة القدر، وصفتها أنها مباركة، وشهرها شهر رمضان. وهو صريح الأخبار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ.
وما دام أن النزول جملة لا يعارض صراحة النزول السابق، ولا يرتبط به من خلال تلك النصوص. بل هو نزول خاص، ووجود معين حيث القرآن الكريم كلام الله ومنزل من عند الله يتلقاه جبريل ﵇ من الله بلا واسطة عند نزوله به على الرسول ﷺ مباشرة.
وإن كان قد نزل به إلى بيت العزة فذلك نزول خاص. وأحد وجودات القرآن الكريم المتعددة. حيث يوجد القرآن الكريم في اللوح المحفوظ (١).
ويوجد - أيضا - في الصحف المطهرة الموجودة في أيدي الكرام البررة من الملائكة كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
ويوجد - كذلك - في بيت العزة من السماء الدنيا كما دلت على ذلك الأخبار عن ابن عباس. وجائز أن يكون الوجودان الأخيران مختلفين متغايرين وجائز أن يكونا وجودا واحدا بأن يكون القرآن الكريم في تلك الصحف في بيت العزة وبأيدي أولئك الملائكة الكرام كما يوجد في الأرض بنزوله على الرسول ﷺ والنزول مقترن بما عدا الأول من الوجودات المذكورة.
يقول البيهقي - ﵀ -: "وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يريد به والله أعلم إنا أسمعناه الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع فيكون الملك منتقلا به من علو إلى سفل" (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بعد عرض قرر فيه أن القرآن الكريم كلام الله منزل من عند الله كما هو صريح القرآن، قال: "فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد، ولا غيرهما، وإذا كان
_________________
(١) عد الشيخ عبد العظيم الزرقاني هذا الوجود تنزلا. وجعله التنزل الأول والصواب أنه وجود إذ لم يرد لفظ النزول مقترنا به فلا يصح أن يعد نزولا أو تنزلا. وانظر: المدخل لدراسة القرآن للشيخ محمد أبو شهبة (٤٧).
(٢) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ٣٦٢).
[ ١ / ٤٠ ]
أهل الكتاب يعلمون ذلك (١) فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه.
ثم قال: "وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث. ولا يتنافى أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد﴾ ﴿في لوح محفوظ﴾ وقال تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم﴾ ﴿في كتاب مكنون﴾ ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ وقال تعالى: ﴿كلا إنها تذكرة﴾ ﴿فمن شاء ذكره﴾ ﴿في صحف مكرمة﴾ ﴿مرفوعة مطهرة﴾ ﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾. وقال تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾. فإن كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك وإذ كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله " (٢).
فعلى هذا الوجه لا إشكال في القول بأن للقرآن تنزلين: نزول جملة، ونزول مفرق، ولا يترتب عليه محذور. وإنما يقع المحذور ويحصل الإشكال في القول بأن جبريل يأخذ القرآن من الكتاب أو من بيت العزة عند نزوله به على الرسول ﷺ من دون سماع من الله تعالى. كما نقل أبو شامة عن الحكيم الترمذي - في معرض حديثه عن حكمة نزول القرآن جملة - قوله: "ثم أجرى من السماء الدنيا الآية بعد الآية عند نزول النوائب .. " (٣).
وكما قد يفهم من ظاهر بعض الآثار فمثل هذا القول، ومثل هذا الفهم للقول بأن للقرآن تنزلين؛ لا يصح. فهو أولا لم يرد في تلك النصوص المفسرة والمفصلة لنزول القرآن جملة. وثانيا أنه يلزم منه أن جبريل ﵇ لم يسمع القرآن من الله ﷿ وأن القرآن نزل من مخلوق لا من الله وهذا باطل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "والنبي ﷺ سمعه من جبريل، وهو الذي نزل عليه به، وجبريل سمعه من الله تعالى، كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة. قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين، وهو جبريل من الله بالحق .. " (٤).
وذكر ابن تيمية عن أبي حامد الإسفرائيني قوله: "مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا: مسموعا، ومكتوبا، ومحفوظا .. " (٥).
_________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين الأنعام، من الآية / ١١٤.
(٢) الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ١٢٦ -)
(٣) ؟ المرشد الوجيز (٢٦).
(٤) الفتاوى (١٢/ ٢٩٨) باختصار.
(٥) الفتاوى (١٢/ ٣٠٦).
[ ١ / ٤١ ]
فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه سمعه منه جبريل، وبلغه عن الله إلى محمد، ومحمد سمعه من جبريل وبلغه إلى أمته، فهو كلام الله حيث سمع، وكتب، وقرئ، كما قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أيضا: "ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا من وجوه: منها أن يقال إن الله ﷾ قد كتب التوراة لموسى بيده فبنو إسرائيل أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو ﷾ فيه فإن كان محمد أخذه عن جبريل، وجبريل عن الكتاب كان بنو إسرائيل أعلى من محمد بدرجة" (٢).
وقد أبان الشيخ محمد بن إبراهيم - ﵀ - مذهب أهل السنة فقال: "فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وأن جبريل ﵇، سمع القرآن الكريم من الله تعالى وبلغه محمد ﷺ" (٣).
وهذا الخلاف - كما ترى - ليس له كبير أثر في واقع تنزيل القرآن على النبي ﷺ، وقد قيل إن هذا التنزيل سببه إظهار كرامة القرآن وعظيم منزلته في العالَم العلو.
قال بدر الدين الزركشي - ﵀ -: " فإن قيل: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء؟
قيل: فيه تفخيم لأمره وأمر مَن نزل عليه، وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم" (٤).
والراجح أن القرآن الكريم له تنزلان: -
الأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا.
الثاني: نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقًا منجمًا في نيف وعشرين سنة (٥).