المراد بجمع القرآن عند العلماء أحد معنيين: أولهما الحفظ، وهذا المعنى هو الذي ورد في قوله ﷿ في خطابه لنبيه ﷺ «لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه» (٥).
وثانيهما: الكتابة والتدوين، أي كتابة القرآن كله مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعا (٦).
_________________
(١) فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٤٨)، والبرهان (١/ ١٩٩)، والإتقان (١/ ١٣٧).
(٢) الزيادة والإحسان (١/ ٤٠١).
(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي. (٥١٥) والجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٥٤)، والزيادة والإحسان (١/ ٤٠٥).
(٤) انظر: نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد لرسولﷺ-: ٦٨ - ٧١، والزيادة والإحسان: ١/ ٤٠٥.
(٥) : القيامة الآيات: ١٦ - ١٧ - ١٨.
(٦) : أنظر مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ١١٩ وكذلك الإتقان للسيوطي.
[ ١ / ٦٦ ]
وقد اجتمع للقرآن الكريم ما لم يجتمع لغيره من الكتب السابقة فاعتمد في طريقة نقله المشافهة والحفظ والكتابة والتدوين، وتعتبر مسألة المشافهة والحفظ وهي أولى مراحل الجمع، من أعظم خصيصة شرفت بها الأمة الإسلامية دون سائر الملل والنحل.
جمع القرآن في عهد النبي ﷺ.
اعتبرت طريقة الحفظ (١) والمشافهة الوسيلة الوحيدة التي اعتمد عليها في جمع القرآن الكريم في العهد النبوي، فالقرآن الكريم لما نزل بروعة نظمه ونقاء ألفاظه وشدة تأثيره على العقول والمشاعر اشتد اهتمام العرب به، وخاصة الذين كانوا من السابقين إلى الإيمان به، وكانوا يترقبون كل جديد ينزل به الوحي يجمعون بين حفظه والعمل به، وهكذا اهتم جم غفير من الصحابة كالخلفاء الأربعة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت بجمع القرآن الكريم وحفظه، وكان النبي ﷺ كلما نزل عليه شيء من الوحي أمر كتبة الوحي بكتابته فورا، سماعا من فمه ثم ينتشر ما نزل بين الناس، فكانت العلاقة بين المسلمين وكتاب ربهم هي الحفظ استنادا لما سمعوه من في رسول الله ﷺ، وهذه خصيصة خص الله بها الأمة المحمدية. قال بن الجزري: «إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة» (٢).
ومع حرص الصحابة على مدارسة القرآن واستظهاره، فإن رسول الله ﷺ كان يشجعهم على ذلك، ويختار لهم من يعلمهم القرآن، عن عبادة بن الصامت قال: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا» (٣).
وكان الصحابة يعرضون على رسول الله ﷺ ما لديهم من القرآن حفظا وكتابة، ولم تكن الوثائق (٤) التي كتبوها في العهد النبوي مجتمعة في مصحف عام بل عند هذا ما ليس عند ذاك، وهذا يعزى إلى اختلاف قراءات الصحابة لكون القرآن أنزل على سبعة أحرف.
وقبض النبي ﵊ والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب في الصحف، مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وكل سورة في صحيفة على حدة، بالأحرف السبعة الواردة، ولم يجمع في مصحف عام، حيث كان القرآن ينزل فيحفظه القراء ويكتبه الكتبه، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد، لأنه ﵊ كان يترقب نزول الوحي من حين لآخر، وقد يكون منه الناسخ لشيء نزل من قبل، وكتابة القرآن لم يكن ترتيبها بترتيب النزول بل تكتب الآية بعد نزولها حيث يشير ﷺ إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا في سورة كذا قال الزركشي: «وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ مصحف لئلا يقضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن
_________________
(١) (: المقصود به الحفظ في الصدور والسطور.
(٢) : مباحث في ع. القرآن ص ١٢٣.
(٣) : نفسه، ص ١٢١.
(٤) (: المقصود بها العسب والرقاع واللخاف التي كان يدون فيها القرآن.
[ ١ / ٦٧ ]
بموته ﷺ» (١)، وبهذا يفسر ما روي عن زيد بن ثابت قال: «قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء» (٢).
وقال الخطابي: " إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة (٣) فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر " (٤).
خلاصة القول أن الهدف من الجمع الأول كان هو حفظ القرآن واستظهاره خشية أن يفلت منه شيء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].