عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: "قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذي أُنْزِلَتْ فِيهِ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: " فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَالسَّاعَةَ وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ نَزَلَتْ. نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِعَرَفَاتٍ " (٢).
وفي رواية أخرى "أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) " (٣). وفي رواية: (نزلت عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ" (٤).
فالرواية الأولى أنها "نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِعَرَفَاتٍ"، والرواية الثانية أنها "أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ"، والرواية الثالثة أنها" نزلت عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ" فهنالك اتفاق في المكان في عرفات، واليوم وهو يوم الجمعة، وهنالك اختلاف في الزمان الذي نزلت فيه، والراجح أنها نزلت يوم عرفة عشية والرسول - ﷺ - واقف على الموقف لم يدفع، وكان يوم جمعة، وهذا ما نص عليه عدد من أهل العلم منهم ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وابن كثير (ت: ٧٧١ هـ) () (٧)، والسيوطي (٨).
قال ابن جرير بعد أن سرد جميع الروايات التي ذكرت في سبب نزولها: " وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، وَوَهْيِ أسانيد غيره " (٩).
وقال القرطبي " أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ورسول الله - ﷺ - واقف بعرفة على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت " (١٠).
_________________
(١) الإتقان في علوم القرآن (١/ ٤٩).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: التفسير، باب (١) ح رقم ٧٧١١.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب التفسير، باب (١) ح رقم ٧٧١٠.
(٤) مسند أحمد بن حنبل ح رقم ١٨٨، والواحدي في أسباب نزول القرآن الكريم (١/ ١٨٢، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. انظر: مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٨).
(٥) جامع البيان في تأويل آي القرآن (٤/. ٢٦٩٨).
(٦) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٥٢).
(٧) تفسير القرآن العظيم ابن كثير (٣/ ٢٨).
(٨) الإتقان في علوم القرآن (١/ ٤٤).
(٩) جامع البيان (٤/ ٢٧٠٣)
(١٠) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٦١).
[ ١ / ٥٣ ]
وما جاء أنها نزلت ليلة جمع مراد بها عشية عرفة لأن النبي - ﷺ - دفع بعد المغيب، كما جاء في الحديث: " فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ " (١). والله أعلم.