يعد الناسخ والمنسوخ في القرآن من المسائل التي كثر فيها الجدل بين المؤيدين والمعارضين، فيعرض البحث تعريف هذا الفن ومنشأه وأدلة القائلين به وأنواعه وشروطه.
ويتناول البحث حجج المعارضين التي تدحض النسخ أساسا وشكلا ثم يعرض بعض القضايا التي ذُكرت في الآيات الشريفة وادعى البعض أنها منسوخة. ويتم تفنيدها من خلال حجج معارضي النسخ ويتبين أن كل قضية من تلك القضايا يمكن معالجتها علي حدة وان كل آية شريفة تعبر عن قضية مختلفة أو أنها متناسجة مع بعضها البعض. يستتبع ذلك تأمل في دلالات نسخ الآية بما يتعلق بقضية تطور الإنسان عندما يقرأ الإنسان آيات الله في الأفاق وفي نفسه. وبقدر صدق الإنسان في قراءته لآيات الله، يكتب بالله في نسخة كتابه ويثبت الفعل الحسن ويمحو منها السيئ ليأخذ كتابه بيمينه فيكون بذلك آية ومثل أفضل من قديمه. إن نسخ الآية لجديد أفضل هو تعبير عما هو أفضل للإنسان فلا ينبغي التشبث بالألفاظ ونسيان ما فيها من دلالات. ويعرض الباحث رؤيته في تلك القضايا التي تتعلق بما يجب أن يكون عليه الإنسان. فجميع القضايا المذكورة في القرآن ليست بمنأى عن الإنسان فجميعها وجوه للحقيقة لتشخص للإنسان داءه وتصف دواءه فمن أحصى منها شيئًا ارتقى.
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (شبه). ٢/ ٤٤٢
(٢) حذيفة بن اليَمان حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين. أنظر: تقريب التهذيب ١/ ١٥٤
(٣) وتمامه عن حذيفة قال: (إياك والفتن لا يشخص لها أحد فوالله ما شخص منها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن، إنها مشبهة مقبلة حتى يقول الجاهل هذه تشبه مقبلة وتتبين مدبرة، فإذا رأيتموها فاجتمعوا في بيوتكم واكسروا سيوفكم وقطعوا أوتاركم وغطوا وجوهكم) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين، ٤/ ٤٩٥.
(٤) لعله شِمْرُ بنُ عَطِيَّة الأسَدِي الكَاهِلِي الكُوْفِي. وقال النَّسائي: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب «الثِّقات». تهذيب الكمال - المزي ترجمة (٣١٠١) قال ابن حجر: صدوق، من السادسة. تقريب التهذيب: ١/ ٢٦٨.
(٥) أنظر: غريب الحديث (حكم). ١/ ٤١٩.
[ ١ / ٧٩ ]
لقد اهتم المفسرون، وعلماء القرآن منذ القدم بالناسخ والمنسوخ حتى ألًفوا في ذلك مصنفات كثيرة منهم أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنبا ري، ومكي بن أبي طالب القيسي، وابن العربي وآخرون (١).
وقيل أن بدء التدوين فيه يرجع إلى القرن الثاني الهجري، وكتب فيه: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الأصمعي،، وكان الصحابة وعلى رأسهم الإمام علي (﵇) يرون أن معرفة الناسخ والمنسوخ شرطا في أهلية المفسر للتفسير والمحدث للحديث.
قال الأئمة: "ولا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ، وقد قال علي بن أبي طالب لقاص: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: الله أعلم، قال هلكت وأهلكت" (٢).
وللمفسرين في الآيات المنسوخة آراء مختلفة تداخلت مع غيرها واشتبهت على كثير منهم. فظن بعض منهم أنه نسخ، ولو تمعنوا جيدا لوجدوها أنه ليس بنسخ، قال الزركشي: "إنما نسأ وتأخير، أو مجمل أُخِر بيان لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوَله خطاب آخر غيره، أو مخصوص من عموم، أو حكم عام لخاص، أو لمداخلة معنى في معنى، وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به " (٣).
وللناسخ والمنسوخ الدور الكبير في استنباط الأحكام الشرعية، إذ به يعرف الحكم الثابت الباقي الذي يعمل به عن الحكم الزائل المتروك.
تعريف النسخ
النسخ لغة: رفع شيء وإثبات غيره مكانه، أو تحويل شيء إلى غيره، ومنه نسخ الكتاب ومنه: أمر كان يعمل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره ٠٠ وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه، فيقال: انتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب ٠٠ ومنه نسخ الكتاب (٤).
وقيل النسخ في اللغة يطلق على معنيين (٥):
الأول: بمعنى الإزالة ومنه قوله تعالى ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ (الحج: ٥٢)، تقول العرب: نسخت الشمس الظل، أي أزالته حلت محله.
والثاني: نقل الشيء من كان إلى مكان دون تغير، ومنه نسخ الكتاب أي تكتب كتابا عن كتاب حرفا بحرف وكلمة بكلمة.
وبمعنى التبديل، ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١].
وبمعنى التحويل، كتناسخ المواريث، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد.
وبمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب، إذ نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه (٦).
والنسخ في الشرع (الاصطلاح): - أجمع العلماء والمفسرون وكل من بحث في علوم القرآن أنً اختصاص النسخ في العلوم القرآنية هو إبطال حكم آية قرآنية بآية قرآنية أخرى.
فقيل النسخ في الشرع: "إزالة ما كان ثابتا بنص شرعي، سواء عمل به أم لم يعمل به" (٧).
وعرفه الراغب بأنه: "إزالة مثل الحكم الثابت بالشرع بشرع آخر مع التراخي" (٨).
وهناك تعريف للنسخ في اصطلاح الشريعة جامع مانع وكل التعاريف التي قيلت تنصب فيه هو "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه" (٩).
وهذا المعنى الشرعي يتصل بالمعنى اللغوي الأول للنسخ (١٠).