المحكم لغة: الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو"المنع" (١)، و"المحكم": ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى" (٢).
قال ابن منظور: " فالمحكم من أصل حكم والمُحْكَمُ الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب، أُحْكِمَ فهو مُحْكَمٌ" (٣).
قال الفيروز آبادي: "وسُورَةٌ مُحْكَمَةٌ: غَيْرُ مَنْسوخَةٍ، والآياتُ المُحْكَماتُ مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام /١٥١.]، إلى آخِرِ الآية، أو التي أُحْكِمَتْ فلا يَحْتاجُ سامِعُها إلى تأوِيلِها لِبيانِها، كأَقاصِيصِ الأَنْبِياءِ" (٤).
قال الزركشي: فأما (المحكم)، فأصله لغة: المنع، تقول: أحكمت بمعنى رددت، والحاكم لمنعه الظالم من الظلم، حكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب (٥).
وعليه، فالمحكم هو ما كان ذا دلالة واضحة، بحيث لا يحتمل وجوهًا من المعاني.
المعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت للمحكم تحديدات عدّة، منها (٦):
١ - ما أنبأ لفظه عن معناه من غير أن ينضم إليه أمر لفظ يبيّن معناه، سواء أكان اللفظ لغويًا أم عرفيًا، ولا يحتاج إلى ضرب من ضروب التأويل.
٢ - المحكم: ما استقلّ بنفسه، ولم يفتقر إلى غيره.
٣ - المحكمات: هي آيات واضحة المُراد، لا اختلاف فيها ولا اضطراب.
قال ابن عباس: "قرأت المحكم على عهد رسول الله -ﷺ- " (٧)، يريد المفصل من القرآن لأنه لم ينسخ منه شيء.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج ٢، مادّة"حكم"، ص ٩١.
(٢) مفردات ألفاظ القرأن، راغب الأصفهاني، مادّة"حكم"، ص ٢٥١.
(٣) لسان العرب: (حكم): ٢/ ٩٥٢.
(٤) القاموس المحيط (الحكم).
(٥) البرهان في علوم القرآن، الزركشي: ٢/ ٦٨ وانظر: مناهل العرفان - الزرقاني: ٢/ ١٦٦
(٦) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي: ٢/ ٦٨، ومناهل العرفان، الزرقاني: ٢/ ١٦٦، والإتقان في علوم القرآن، السيوطي: ٢/ ٦، ولسان العرب ١٢/ ١٤١.
(٧) أخرجه البخاري بسنده عن سعيد بن جبير قال: وقال ابن عباس: (ثم توفي رسول الله S وأنا بن عشر سنين وقد قرأت المحكم) (٤٧٤٨) ٤/ ١٩٢٢.
[ ١ / ٧٧ ]
والمتشابه لغة: "الشين والباء والهاء أصل واحد يدلّ على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا والمشبّهات من الأمور المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا" (١).
والْمُتَشَابِه من القرآن: "ما أُشكِلَ تفسيره لمشابهته بغيره، إمّا من حيث اللَّفظ، وإمّا من حيث المعنى" (٢).
قال الفيروز آبادي: "والمُشْتَبِهَات من الأُمور: المُشْكِلاتُ: والمُتشابِهَاتُ: المُتَماثِلات، وأُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ ومُشَبَّهَةٌ، كَمُعْظَّمَةٍ: مُشْكِلَةٌ. والشُّبْهَةُ، بالضم: الالْتَبِاس، والمِثْلُ. وشُبِّهَ عليه الأَمْرُ تَشْبيهًا: لُبِّسَ عليه" (٣).
قال ابن منظور: " وشَبَّهَ عليه: خَلَّطَ عليه الأَمر حتى اشْتَبَه بغيره" (٤).
قال الخليل: "والشبه ضرب من النحاس، يلقى عليه دواء فيصفر، وسمي شبها لأنه شبه بالذهب، وفي فلان شبة من فلان أي شبيهه، وتقول: شبهت هذا بهذا، وأشبه فلان فلانا، وأشبه الشيء الشيء ماثله، والمشبهات من الأمور المشكلات، تشابه الشيئان أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، وشبه فلان علي إذا خلط، واشتبه الأمر" (٥).
قال الزركشي: "أما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني، ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه، والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل ودخل في شكل غير شكله " (٦).
المعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت للمتشابه تحديدات عدّة، منها (٧):
١ - ما كان المراد به لا يُعرَف بظاهره، بل يحتاج إلى دليل، وهو ما كان محتملًا لأمور كثيرة أو أمرين، ولا يجوز أن يكون الجميع مرادًا، فإنّه من باب المتشابه.
٢ - المتشابه: ما لا يستقلّ بنفسه إلا بردّه إلى غيره.
٣ - الآيات المتشابهة: هي آيات ظاهرها ليس مُرادًا، ومُرادها الواقعي الذي هو تأويلها لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، ويجب الإيمان بها، والتوقّف عن اتّباعها، والامتناع عن العمل بها والآيات المتشابهة منجهة المدلول والمُراد ترجع للآيات المحكمة، وبمعرفة المحكمات يُعرَف معناها الواقعي فالمتشابه هو الآية التي لا استقلال لها في إفادة مدلولها، ويظهر بواسطة الردّ إلى المحكمات، لا أنّه ما لا سبيل إلى فهم مدلوله.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، م. س، ج ٣، مادّة"شبه"، ص ٢٤٣.
(٢) مفردات ألفاظ القرآن، م. س، مادّة"شبه"، ص ٤٤٣.
(٣) القاموس المحيط (ش) (الشِّبْهُ).
(٤) لسان العرب (شبه): ٤/ ٢١٩٠.
(٥) كتاب العين، الفراهيدي: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، نشر دار ومكتبة الهلال ٣/ ٤٠٤، والمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، نشر دار المعارف، ط ٣، ١/ ٤٩٠.
(٦) البرهان، الزركشي: ٢/ ٦٩.
(٧) انظر: البرهان في علوم القرآن، ج ٢، ص ٦٩ - ٧١، الإتقان في علوم القرآن، ج ٢، ص ٥ - ٧، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج ٢، ص ٢١٥ - ٢١٩.
[ ١ / ٧٨ ]
ورد في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر بأن المُتَشَابه: ما لم يُتَلَقَّ معناه من لَفْظِه، وهو على ضربين: أحدُهُما إذا رُدَّ إلى المُحْكَم عُرِف معناه، والآخر ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته. فالمُتَتَبِّع له مُبْتَغ لِلْفتنَة، لأنه لا يكادُ ينتهي إلى شيءٍ تسكن نَفْسُه إليه" (١).
وفي حديث حذيفة (٢): وذكر فتنةً فقال: "تُشَبِّهُ مُقْبِلَةً وتُبَيِّنُ مُدْبِرَةً" (٣)، قال شمر (٤): "معناه أَنَّ الفتنة إِذا أَقْبلت شَبَّهَتْ على القوم وأَرَتْهُم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويَرْكَبُوا منها ما لا يحل، فإِذا أَدْبرت وانقضت بانَ أَمرها، فعَلِمَ مَنْ دخل فيها إِنه كان على الخطأ" (٥).
وقد اختلف العلماء في وجود المتشابهات في القرآن الكريم، وفيه قولان:
أحدهما: أنه لا وجود للمتشابهات في القرآن، لأن القرآن كتاب هداية عامّة لكلّ الناس.
ودليهم قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، فلا وجود فيه لآيٍ متشابهة بالذات، وأمّا التعبير بالتشابه في آيِ القرآن، فهو بمعنى التشابه بالنسبة إلى أُولئك الزائغين الذين يحاولون تحريف الكلِم عن مواضعه.
والثاني: القول بوجود المتشابهات في القرآن: إذ يشتمل القرآن الكريم على آيات متشابهات، كما هو مشتمل على آيات محكَمات، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فيشتمل على تقسيم آيات القرآن إلى المحكم والمتشابه.
والراجح هو القول الثاني، إذ أن المراد بالإحكام في قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، غير الإحكام الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. والله أعلم.