مسألة اختلاف القراءات وتعددها، كانت ولا زالت محل اهتمام العلماء، ومن اهتمامهم بها بحثهم عن الحكم والفوائد المترتبة عليها، وهى عديدة نذكر الآن بعضًا منها، فأقول - وبالله التوفيق-: إن من الحكم المترتبة على اختلاف القراءات ما يلى: -
١ - التيسير على الأمة الإسلامية، ونخص منها الأمة العربية التى شوفهت بالقرآن، فقد نزل القرآن الكريم باللسان العربى، والعرب يومئذٍ قبائل كثيرة، مختلفة اللهجات، فراعى القرآن الكريم ذلك، فيما تختلف فيه لهجات هذه القبائل، فأنزل فيه - أى بين قراءاته - ما يواكب هذه القبائل -على تعددها - دفعًا للمشقة عنهم، وبذلًا لليسر والتهوين عليهم.
٢ - الجمع بين حكمين مختلفين مثل قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (البقرة: ٢٢٢)، حيث قرئ (يطهرن) بتخفيف الطاء وتشديدها، ومجوع القراءتين يفيد أن الحائض، لا يجوز أن يقربها زوجها إلا إذا طهرت بأمرين: أ- انقطاع الدم، ب- الاغتسال.
٣ - الدلالة على حكمين شرعيين فى حالين مختلفين، ومثال ذلك قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: ٦] إذ قرئ (وأرجلكم)
_________________
(١) أعنى طريقة واحدة تجمع القراءات الواردة فى الكلمة مثل قوله تعالى: ﴿ملك يوم الدين﴾ فإن كلمة ﴿ملك﴾ كتبت بهذه الطريقة لتشمل قراءتى ﴿مالك﴾ و﴿ملك﴾ وهكذا كلمة ﴿فتبينوا﴾ الحجرات: ٦ ٠ حيث كتبت هكذا لتشمل قراءتى ﴿فتثبتوا﴾ و﴿فتبينوا﴾ حيث كان الرسم خاليا من النقط والشكل ٠ ـ
(٢) انظر: القرطبى ١/ ٤٧، كتاب المعجزة الكبرى ص ٤٨ - ٥٠ بتصرف ٠
[ ١ / ٨٧ ]
بالنصب عطفًا على (وجوهكم) وهى تقتضى غسل الأرجل، لعطفها على مغسول وهى الوجوه. وقرئ (وأرجِلكم) بالجر عطفًا على (رءوسكم) وهذه القراءة تقتضى مسح الأرجل، لعطفها على ممسوح وهو الرءوس. وفى ذلك إقرار لحكم المسح على الخفين.
٤ - دفع توهم ما ليس مرادًا: ومثال ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) [الجمعة: ٩]، إذ قرئ (فامضوا إلى ذكر الله)، وفى ذلك دفع لتوهم وجوب السرعة فى المشى إلى صلاة الجمعة المفهوم من القراءة الأولى، حيث بينت القراءة الثانية أن المراد مجرد الذهاب (١).
٥ - إظهار كمال الإعجاز بغاية الإيجاز، حيث إن كل قراءة مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، وذلك من دلائل الإعجاز فى القرآن الكريم، حيث دلت كل قراءة على ما تدل عليه آية مستقلة.
٦ - اتصال سند هذه القراءات علامة على اتصال الأمة بالسند الإلهى، فإن قراءة اللفظ الواحد بقراءات مختلفة، مع اتحاد خطه وخلوه من النقط والشكل، إنما يتوقف على السماع والتلقى والرواية، بل بعد نقط المصحف وشكله، لأن الألفاظ إنما نقطت وشكلت فى المصحف على وجه واحد فقط، وباقى الأوجه متوقف على السند والرواية إلى يومنا هذا. وفى ذلك منقبة عظيمة لهذه الأمة المحمدية بسبب إسنادها كتاب ربها، واتصال هذا السند بالسند الإلهى، فكان ذلك تخصيصًا بالفضل لهذه الأمة (٢).
٧ - فى تعدد القراءات تعظيم لأجر الأمة فى حفظها والعناية بجمعها ونقلها بأمانة إلى غيرهم، ونقلها بضبطها مع كمال العناية بهذا الضبط إلى الحد الذى حاز الإعجاب (٣).