اختلف العلماء في تحديد؟ مدة نزول القرآن الكريم؟ على الرسول ﷺ على أقوال:
أحدها: أنها ثماني عشرة سنة. روي هذا القول غير المشتهر عن الحسن. وأنه كان يقول ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة، وأنه أنزل على الرسول ﷺ ثماني سنين في مكة قبل الهجرة وعشر سنين بعدها (٣).
وهو قول ضعيف ينتج عنه أن الرسول ﷺ توفي عن ثمان وخمسين سنة وهو ما لم يقل به أحد.
قال ابن عطية: "وهذا قول مختل لا يصح عن الحسن والله أعلم" (٤).
والثاني: أنها عشرون سنة: روي عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي وقتادة، واختاره ابن جزي الكلبي (٥).
والثالث: أنها ثلاث وعشرون سنة. وهو قول الجمهور (٦).
والرابع: أنها خمس وعشرون سنة. وهو قول من يذهب إلى أن الرسول ﷺ عاش خمسا وستين سنة خلافا للمشهور (٧).
وتجدر الإشارة بأن منشأ هذا الاختلاف يعود إلى عدة أسباب:
أحدها: الخلاف في مدة إقامته﵊- بمكة بعد البعثة، فقيل: ثمان، وقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة سنة. بناء على اختلاف الروايات في ذلك. فإذا أضيف إليها عشر سنين وهي مدة إقامته﵊بالمدينة بعد الهجرة المتفق عليها كما
_________________
(١) التنبيه على فضل علوم القرآن. لأبي القاسم النيسابوري. منشور في مجلة المورد العراقية. بتحقيق محمد عبد الكريم كاظم. عدد (٤)، مجلد (١٧)، عام ١٤٠٩ هـ. الصفحات (٣٠٥ - ٣٢٢).
(٢) ؟ انظر البرهان للزركشي (١/ ١٩٢)، والإتقان للسيوطي (١/ ٣٦ -) والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/ ٢٦٣).
(٣) انظر: تفسير الطبري: (١٥/ ١٧٩ - ١٨٠)، والمحرر الوجيز: (١٠/ ٣٧٥)، وزاد المسير: (١/ ٥)، والبحر المحيط: (٦/ ٨٧)، وفضائل القرآن، لابن الضريس: (٧٤).
(٤) المحرر الوجيز: ١٠/ ٣٥٧.
(٥) تفسير ابن جزي الكلبي (١/ ٦، ٤/ ٢١٠).
(٦) انظر البرهان (١/ ٢٢٨)، والإتقان ١/ ١٤٦ وانظر علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير، رسالة دكتوراه، د. محمد صفاء حقي، ٢/ ٤١٢.
(٧) انظر البرهان (١/ ٢٢٨)، والإتقان ١/ ١٤٦ وانظر علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير، رسالة دكتوراه، د. محمد صفاء حقي، ٢/ ٤١٢.
[ ١ / ٥٨ ]
نص على ذلك ابن كثير حيث قال: "أما إقامته بالمدينة عشرا فهذا مما لا خلاف فيه .. " (١)، فينتج عن ذلك الأقوال السابقة.
والثاني: ومن الأسباب كذلك: اختلاف الاعتبار الذي يبدأ منه حساب تلك المدة، هل هو من بداية الرؤيا الصادقة، أو من البعثة التي تلاها فتور في نزول الوحي، أو من الرسالة وتتابع الوحي بعد ذلك.
والثالث: ومنها ايضا: التسامح والتساهل في تحديد الوقت، وجبر الكسور في حساب السنوات اختصارا وعادة، يقول ابن كثير: "إن العرب كثيرا ما يحذفون الكسور من كلامهم" (٢).
والرابع: ومنها: الخلاف في عمره -﵊-. حيث قيل إنه ستون سنة، وقيل ثلاث وستون، وقيل خمس وستون.
والمعتمد كما يقول ابن حجر أنه ﷺ عاش ثلاثا وستين سنة وأن ما ورد مما يخالف ذلك فهو محمول إما على إلغاء الكسر في السنين أو جبر الكسر في الشهور (٣).
وأضاف ابن كثير معنى جديدا في الجمع وهو: اعتبار قرن جبريل بالرسول ﷺ في نزول الوحي حيث روي أنه قرن به ﵇ ميكائيل في ابتداء الأمر. يلقي إليه الكلمة والشيء ثم قرن به جبريل (٤).
كما أنه بعث ﷺ على رأس أربعين سنة. كما قال النووي: "واتفقوا أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وبمكة قبل النبوة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة. والصحيح أنها ثلاث عشرة فيكون عمره ثلاثا وستين وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس أربعين سنة هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء" (٥).
وقد حاول الشيخ محمد الخضري اختيار تحديد دقيق للمدة فذكر أن مدة مقامه ﷺ بمكة هي اثنتا عشرة سنة، وخمسة أشهر، وثلاثة عشر يوما من يوم ١٧ رمضان سنة ٤١ من ميلاده الشريف إلى أول ربيع الأول سنة ٥٤ منه.
ومدة إقامته بالمدينة بعد الهجرة هي تسع سنوات، وتسعة أشهر، وتسعة أيام من أول ربيع الأول سنة ٤٥ إلى تاسع ذي الحجة سنة ٦٣ من ميلاده الشريف، وهي سنة عشر من هجرته ﷺ (٦).
فصارت المدة بين مبتدأ التنزيل ومختتمه اثنتان وعشرون سنة وشهران واثنان وعشرون يوما (٧).
وهذا التحديد هو ما أشار إليه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه مناهل العرفان حيث ذكره وتعقبه فقال: "لكن هذا التحقيق لا يزال في حاجة إلى تحقيقات ثلاث: ذلك لأنه أهمل
_________________
(١) فضائل القرآن لابن كثير. بتحقيق: ابن إسحاق الحويني الأثري: ٣٦.
(٢) فضائل القرآن لابن كثير: ٣٦.
(٣) انظر: فتح الباري: ٩/ ٤.
(٤) فضائل القرآن الكريم لابن كثير: ٣٦
(٥) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٩٩)، وانظر الزيادة والإحسان (١/ ٢٥٢).
(٦) انظر تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري بك. ص ٨ وتاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني ص ٧١. فقد ذكر تحديد الفترة المكية كما هنا.
(٧) انظر: تاريخ التشريع: ٥.
[ ١ / ٥٩ ]
من حسابه باكورة الوحي إليه ﷺ عن طريق الرؤيا الصادقة ستة أشهر على أنها ثابتة في الصحيح. ثم جرى فيه على أنه ابتداء نزول القرآن كان ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة القدر على بعض الآراء، غير أنه يخالف المشهور الذي يؤيده الصحيح.
ثم ذهب فيه مذهب القائلين بأن آخر ما نزل من القرآن هو آية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] وذلك في تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة، وسترى في مبحث آخر ما نزل من القرآن أن هذا المذهب غير صحيح (١) " (٢).
ومما يعترض به على هذا التحديد أن يوم الفرقان ١٧ رمضان هو يوم الجمعة يقول الخضري عن يوم الفرقان، ويوم ابتداء إنزال القرآن الكريم: " فهما متحدان في الوصف، وهو أنهما جميعا يوافقان الجمعة ١٧ رمضان وإن لم يكونا في سنة واحدة" (٣).
والقول بأن يوم ابتداء إنزال القرآن يوافق يوم الجمعة معارض لما ثبت في صحيح مسلم عن يوم الاثنين وقوله ﷺ حين سئل عنه: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه " (٤).
كما حدد الشيخ محمد محمد أبو شهبة مدة نزول القرآن الكريم بأنها اثنتان وعشرون سنة وخمسة أشهر، ونصف الشهر. راعى في هذا التحديد ما ذهب إليه الجمهور من أنه ﷺ ولد في الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وتوفي في الثاني عشر أيضا من ربيع الأول عام إحدى عشرة من الهجرة.
وبين ذلك بأن النبي ﷺ نبئ على رأس الأربعين من ميلاده الشريف وذلك من الثاني عشر من ربيع الأول وقد بدئ الوحي إليه بالرؤيا الصادقة ومكث على ذلك إلى السابع عشر من رمضان وجملة ذلك ستة أشهر وخمسة أيام حين نزل عليه صدر سورة اقرأ. وآخر آية نزلت عليه من القرآن هي قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، وقد روي أن ذلك قبل وفاة النبي ﷺ بتسعة أيام، وقيل بأحد عشر يوما، وقيل بواحد وعشرين يوما فلو أخذنا بالمتوسط تكون جملة المدة التي لم ينزل فيها القرآن ستة أشهر وستة عشر يوما. وجملة عمر ﷺ ثلاث وستون عاما، ومدة نبوته ثلاث وعشرون سنة فإذا أنقصنا منها ستة أشهر وستة عشر يوما يكون الباقي اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما.
ثم قال أبو شهبة بعد هذا معبرا عن فرحه به: "والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم انتقد حساب الخضري السابق بأنه بني على أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية [المائدة: ٣ [" (٥).
وما ذكره أبو شهبة - ﵀ - من تحديد فيه نظر كذلك. إذ جعل يوم السابع عشر من رمضان بداية إنزال القرآن على الرسول ﷺ وقد تقدم أنه يوافق يوم الجمعة - على قول الخضري - وأنه بهذا يعارض ما ثبت في الصحيح؟
_________________
(١) الصواب في آخر ما نزل، قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [البقرة / ٢٨١]
(٢) مناهل العرفان: ١/ ٤٥.
(٣) تاريخ التشريع ص: ٦، ٧
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طويل (٢/ ٨١٩) رقم (١١٦٢). وراجع ص (٤٩).
(٥) ؟ المدخل لدراسة القرآن الكريم: ٥٥، ٥٦.
[ ١ / ٦٠ ]
وكذلك أنه بناه على الأخذ بأحد الأقوال في مدة بقاء الرسول ﷺ بعد آخر آية نزلت عليه دون دراسة ترجيحية له. فيبقى ملخص القول أن المدة نحوا من ثلاث وعشرين سنة تقريبا لا تحديدا (١).