لقد ثبت نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ منجما مفرقا ابتداء أو حسب الحاجة والوقائع. وغالب القرآن الكريم نزل آيات مفرقات وبعضه نزل سورا كاملة، ونزلت سورتان من قصار السور معا هما المعوذتان.
فأول ما نزل من القرآن الكريم الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. وهي قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ ﴿خلق الإنسان من علق﴾ ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ ﴿الذي علم بالقلم﴾ ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ ثم نزل باقيها بعد نزول سورة المدثر.
كما نزلت الخمس الآيات الأولى من سورة الضحى إلى قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ وصح نزول عشر آيات من قصة الإفك جملة واحدة من سورة النور. وصح كذلك نزول عشر آيات جملة من أول سورة المؤمنون. ونزلت آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (المائدة: ٣) في عرفة في يوم جمعة.
وصح نزول قوله ﴿غير أولي الضرر﴾ وحدها، وهي بعض آية. فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ (النساء: ٩٥) دعا رسول الله ﷺ زيدا فكتبها فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته: فأنزل الله: ﴿غير أولي الضرر﴾ (٤).
وكذا قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم﴾ (التوبة: ٢٨) نزلت بعد نزول أول الآية، فهي بعض آية (٥).
وقد تنزل السورة كاملة ومن ذلك سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، والمسد، والنصر، والمرسلات، والصف .. وغيرها (٦).
_________________
(١) كتاب للمؤلف سماه في كتابه الذيل على الروضتين: شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى. انظر المرشد الوجيز (٢٠) حاشية (٢).
(٢) المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي: ٢٠.
(٣) المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي: ٢٤.
(٤) أخرجه البخاري. كتاب التفسير، باب ١٨ لا يستوي القاعدون من المؤمنين .. (٥/ ١٨٢ -) وانظر: سنن أبي داود (٣/ ١٧) والمرشد الوجيز (٣٤ -) وأسباب النزول للواحدي (١٦٨ -) وانظر الإتقان (١/ ١٥٥).
(٥) انظر تفسير الطبري (١٤/ ١٩٤). والتبيان للشيخ طاهر الجزائري (٥٩).
(٦) انظر: الإتقان (١/ ١٣٦). والزيادة والإحسان (١/ ٣٩٩).
[ ١ / ٦٥ ]
وأما ما ورد من نزول سورة الأنعام جملة يشيعها سبعون ألف ملك. فلم يخل من خلاف. فقد قال ابن الصلاح في فتاويه: "الحديث الوارد في أنها نزلت جملة رويناه من طريق أبي بن كعب وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسنادا صحيحا. وقد روي ما يخالفه فروي أنها لم تنزل جملة واحدة بل نزلت آيات منها بالمدينة اختلفوا في عددها، فقيل ثلاث، وقيل: ست، وقيل غير ذلك (١).
وقد قال ابن عقيلة المكي في توجيه هذا الاعتراض. بأن نزول غالبها في حكم نزولها كلها. قال: "أقول: من قال: إن السورة نزلت كلها فإنما يعني - والله أعلم- الغالب، ولا يضر أن ينزل بعضها بعد ذلك وتمامها، فإن القرآن غالبه إنما ينزل مفرقا آيات. ومثل هذه السورة العظيمة إذا نزل غالبها فيحكم لها بالكل، فإنه نادر الوقوع" (٢).
وقد نزلت سورتا المعوذتين معا بسبب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﷺ فأنزل الله جل شأنه المعوذتين فقرأهما وتعوذ بهما فانحل السحر (٣).
فتبين مما سبق أن القرآن نزل مفرقا: الآية، والآيتان، والخمس، والعشر، وأقل وأكثر. كما نزل جزء الآية. ونزلت سورة كاملة، ونزلت سورتا المعوذتين معا.
ولا شك أن هذه المتابعة الدقيقة من قبل العلماء لجزئيات نزول القرآن الكريم في وقته، وصفته، ومقداره، ويوم إنزاله، وشهره، وكون ذلك ليلا ونهارا، حضرا وسفرا؛ دليل عناية الأمة البالغة بالقرآن الكريم التي ميز الله بها كتابه فصارت من خصائصه التي تفرد بها، وجعلها الله وسيلة حفظ كتابه الذي تكفل به في قوله سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].
كما كان الرسول ﷺ يتلقى القرآن من جبريل فيحفظه ولا ينساه ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ فيبلغه أصحابه، ويحفظهم إياه، ويأمرهم بكتابته. فتوفر للقرآن الكريم بالغ العناية به، وكامل وسائل حفظه، والمحافظة عليه. وتلك نعمة ومنة من الله تعالى على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولا يشكرون (٤).