إن القرآن الكريم مصدر العلوم وأصل الحقائق الثابتة ومرجع العلماء يرجع إليه الفقهاء والأصوليون لمعرفة الأحكام الشرعية إجمالًا وتفصيلًا ويرجع إليه علماء اللغة لإظهار إعجازه
_________________
(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣.
(٢) البيت لحسان بن ثابت، ديوانه: ٤١٠، وضحى: ذبح شاته ضحى النحر، وهي الأضحية. واستعاره حسان لمقتل عثمان في ذي الحجة سنة ٣٥، ﵄، انظر: "المغني" ١/ ٢١٨، رقم ٣٦٣، "البحر المحيط" ٢/ ٣٢، والعنوان: الأثر الذي يظهر فتستدل به على الشيء.
(٣) الشمط: في الرَّجُل شيب اللحية. انظر: لسان العرب، مادة (شمط): ٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٤) البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ص ١٣٤، تحقيق: فوزي عطوى، دار صعب- بيروت، ط/الأولى ١٩٦٨ م.
(٥) لسان العرب لابن منظور ١/ ٢٩.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٩٧.
(٧) البيت من شواهد الطبري في تفسيره: ١/ ٩٧، ولم أتعرف على قائله.
(٨) مناقب الشافعي، أبوبكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ١/ ٢٧٦، تحقيق أحمد صقر، مكتبة دار التراث - القاهرة، ط/ ١٩٧١ م.
(٩) الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي ٢/ ٢٩٨، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط/ الثانية ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.
[ ١ / ٢١ ]
والإفادة من أسلوبه ومعاني كلماته الإفرادية والتركيبية، ويرجع إليه علماء القراءات لتحقيق هدفهم في معرفة كيفية النطق بألفاظه الكريمة.
ذكر الإمام السيوطي في الإتقان: "أن القرآن كلام الله المنزل، ثم أخذ في تفصيل معنى الكلام وكيفية التنزيل، وعقد بعد ذلك فصلًا في تواتر نقل القرآن وذكر أن الأمة متعبدة بفهم معانيه، وإقامة حدوده، وحروفه على الصفة المتلقاه، ثم ذكر أن القرآن معجز، وأخذ في تفصيل القدر المعجز منه" (١)، وعليه فيمكن تلخيص كلامه على مقتضى الحد الجامع المانع فيقال: هو كلام الله المنزل على محمد -ﷺ- بواسطة جبريل، المتواتر، المعجز، المتعبد بتلاوته وتطبيق أحكامه.
وقال الشوكاني (٢): "القرآن كلام الله تعالى، المنزل على نبينا محمد -ﷺ-، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه" (٣)، وهذا التعريف مزيد فيه على ما سبق قوله: "المكتوب في المصاحف" وهذا قيد غير لازم، ولا يشترط في إثبات القرآن أن يكون في المصاحف؛ لأن هذا القيد لا يشمل ما كان محفوظًا في الصدور، والكل يسمى قرآنًا سواء كان مكتوبًا أو محفوظًا.
وقيل القرآن: "هو الكلام المعجز، المنزل على النبي -ﷺ- المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته" (٤).
وقيل القرآن: "هو كلام الله المعجز المنزل على خاتم الأنبياء، والمرسلين محمد -ﷺ- بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختتم بسورة الناس، والمتحدى بأقصر سورة منه" (٥).
وقولهم في التعريف: "كلام" جنس يشمل كل كلام، خصص هذا الجنس بالإضافة إلى لفظ الجلالة ليخرج كل كلام سوى كلام الله، بيد أن كلام الله منه ما هو متعبد بتلاوته، ومنه غير ذلك، فتكون نسبة التخصيص هنا نسبية بالنسبة لما سوى كلام الله، والكلام صفة لله قائمة به، أثبتها ربنا ﷿ لنفسه، بدون تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، وعُرِّف القرآن في العقيدة الطحاوية بأنه: "كلام الله، منه بدا، بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر" (٦).
وهذا التعريف فيه زيادة تفصيل في جانب، وخلا من قيود مهمة في جانب آخر، فمثلا قوله: "بالحقيقة": إما أن تكون صفة كاشفة، أو تأكيدًا معنويًا وعلى كلا التقديرين دخولها في
_________________
(١) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١٥٨ - ١٧٠، بتصرف.
(٢) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الإمام العلامة الرباني، ولد في هجرة شوكان سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف من الهجرة، تولى منصب قاضي قضاة القطر اليماني، وكان نابذا للتقليد داعيًا للاجتهاد، صاحب التصانيف، توفى عام خمسين ومأتين وألف، انظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني ٢/ ٢٠٧، دار المعرفة- بيروت، (بدون). والأعلام للزركلي ٦/ ٢٩٨.
(٣) إرشاد الفحول، محمد بن على الشوكاني ١/ ٨٦، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، ط/الأولى ١٤١٩ هـ- ١٩٩٩ م (بتصرف بسيط).
(٤) مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني ١/ ١٥.
(٥) نفحات من علوم القرآن، محمد أحمد معبد ص ١٣، مكتبة طيبة- المدينة المنورة، ط/ الأولى ١٩٨٦ م.
(٦) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٢٥٤، القاضي علي بن علي أبي العز الدمشقي، تحقيق عبدالله عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط/ الثانية ١٤٢٠ هـ.
[ ١ / ٢٢ ]
التعريف معيب، كما يلاحظ الباحث أن هذا التعريف خلا من وصف القرآن بالمعجز؛ فهل الإعجاز صفة مختصة بكلام الله؟ وهل في الحديث القدسي أو النبوي شيء من الإعجاز فتدخل في التعريف؟ على كلا الأمرين سيخرج غير القرآن من التعريف بقولهم: "المتعبد بتلاوته" أي: بإقامة حروفه وألفاظه، وبأنه لا يجزئ في الصلاة غيره.
وعُرِّف كذلك بأنه: "كلام الله تعالى المنزل على محمد -ﷺ- للبيان، والإعجاز، المجموع بين دفتي المصحف، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر" (١).
نستنتج مما سبق أن كل التعريفات تدور في الجملة حول معنى واحد غير أن في بعضها زيادة قيود، وإسهاب، والأصل في الحدود أن تكون جامعة مانعة، وعليه فإن الباحث يرى أن التعريف المختار هو: أن القرآن كلام الله المنزل على محمد -ﷺ- لفظًا، للبيان، والتحدي، والإعجاز، المتعبد بتلاوته، وبأحكامه، المنقول بالتواتر.