فسر بعض أهل العلم الحمد بمعنى الشكر، منهم المبرد (٣) والطبري (٤). قال الطبري: «العرب تقول الحمد لله شكرًا».
والصحيح أن الحمد غير الشكر فالحمد كالمدح نقيضه الذم،
_________________
(١) سبق تخريجه في ذكر أسماء الفاتحة في المبحث الثاني.
(٢) انظر «مجموع الفتاوى» ٦: ٢٦٦. وانظر: «تفسير الطبري» ١: ١٣٩، «الكشاف» ١: ٧، «المحرر الوجيز» ١: ٦٣، «زاد المسير» ١: ١١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣، ١٣٤، «أنوار التنزيل» ١: ٧، «لسان العرب» مادة (حمد) «البحر المحيط» ١: ١٨، «أضواء البيان» ١: ٣٩.
(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣.
(٤) في «تفسيره» ١: ١٣٥ - ١٣٨.
[ ٢١٤ ]
والشكر نقيضه الكفران (١) وبين الحمد والشكر عموم وخصوص (٢).
فالحمد أعم من حيث ما يقع عليه، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه.
وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه.
وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع باللسان فقط، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣).
قال الزمخشري (٤):
«وهو إحدى شعب الشكر «.
قلت: وليس معنى كونه يقع باللسان فقط أن يكون ذلك بدون مواطأة القلب وموافقته، لأن الحمد كما تقدم وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم في القلب، ومعلوم أن مدار الأعمال كلها صلاحًا أو فسادًا على القلب قال - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى «(٥) وقال - ﷺ -: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي
_________________
(١) انظر: «الكشاف» ١: ٨، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣.
(٢) انظر: «المفردات» مادة «شكر»، «معالم التنزيل» ١: ٣٩، «الكشاف» ١: ٧، ٨، «المحرر الوجيز» ١: ٦٣، «زاد المسير» ١: ١١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٤، «تفسير النسفي» ١: ٣، «مجموع الفتاوى» ١١: ١٣٣ - ١٣٤ - ١٣٥، ١٤٦ «تفسير ابن كثير» ١: ٤٥.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ١١١.
(٤) في «تفسيره» ١: ٧، وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣ - ١٣٤.
(٥) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - البخاري في بدء الوحي- الحديث (١)، ومسلم في الإمارة- الحديث ٧٠٩١.
[ ٢١٥ ]
القلب «(١).
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: (والحمد إنما يكون بالقلب واللسان ).
والشكر أخص من حيث ما يقع عليه فهو لا يقع إلا على الصفات المتعدية. تقول: شكرته لكرمه، ولا تقول: شكرته لفروسيته وشجاعته، فهو لا يكون إلا جزاء على نعمة بينما الحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ابتداء.
وهو: أي الشكر أعم من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع في القلب واللسان والجوارح كما قال الشاعر:
ولكنني حاولت في الجهد مذهبًا
وما كان شكري وافيًا بِنَوَالِكُم
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا (٣)
فالشكر بالقلب بالاعتراف بالنعمة باطنًا ونسبتها إلى المُنعم بها ومسديها.
والشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا والتحدث بها باللسان. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤).
_________________
(١) أخرجه من حديث النعمان بن بشير - البخاري- في الإيمان- الحديث ٥٢، ومسلم في المساقاة- الحديث ١٥٩٩.
(٢) في «مجموع الفتاوى» ١١: ١٣٤.
(٣) انظر «الكشاف» ١: ٧، «مجموع الفتاوى» ١١: ١٣٣ - ١٣٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٥.
(٤) سورة الضحى، الآية: ١١.
[ ٢١٦ ]
وهذا على القول بأنه يدخل تحت معنى الآية التحدث بنعم الله عامة والآية تحتمله بلا شك، لأنه لا ينافي القول بأن المراد بالنعمة هنا نعمة النبوة.
والشكر بالجوارح بالاستعانة بالنعمة على طاعة المُنعم قولًا وعملًا كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١). وقام - ﷺ - حتى تورمت قدماه، وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢). ويكون بظهور أثر النعمة على المنعم عليه. كما في الحديث «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده «(٣). وفي حديث أبي مالك الجشمي أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا آتاك الله مالًا فلْيُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته» (٤).
والمدح أعم منهما جميعًا: من حيث ما يقع عليه (٥)، فإنه يقال مما يقع من الإنسان بالتسخير، ومما يقع منه باختياره متعديًا أو لازمًا، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته، كما يُمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه،
_________________
(١) سورة سبأ، آية: ١٣.
(٢) أخرجه البخاري في التفسير - الحديث ٤٨٣٦ عن المغيرة قال: قام النبي - ﷺ - حتى تورمت قدماه، فقيل له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». وأخرجه أيضًا بنحوه من حديث عائشة ﵂ - الحديث رقم ٤٨٣٧. وانظر «تيسير الكريم الرحمن» ٦: ٢٦٧.
(٣) أخرجه الترمذي في الأدب- الحديث ٢٨١٩ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وقال «حديث حسن». وأخرجه أحمد ٢: ٣١١ من حديث أبي هريرة، ٤: ٤٣٨ من حديث عمران بن حصين.
(٤) أخرجه أبو داود - في اللباس- الحديث ٤٠٦٣٤، والنسائي في الزينة الحديث ٤٨١٩ - وصححه الألباني.
(٥) انظر: «الصحاح» و«المفردات» مادة: «مدح»، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٦.
[ ٢١٧ ]