أن البسملة ليست آية من القرآن الكريم مطلقًا (٣)، إلا في سورة النمل فهي بعض آية منها. وانما كتبت البسملة في أوائل السور للاستفتاح بها، والابتداء والتبرك بها، والتيمن، والفصل بين السور.
وهذا القول يُروى عن قراء ائمدينة والبصرة والشام (٤)، وهو قول
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ٣٠. انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٨، ١٢، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٢، «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٨، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٤، «النشر» ١: ٢٧١.
(٢) هناك أقوال تركتها لضعفها، أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال.
(٣) انظر «الإقناع في القراءات السبع» لابن الباذش ١: ١٦٣.
(٤) انظر «معالم التنزيل» ١: ٣٨، «الكشاف» ١: ٤، «تفسير النسفي» ١: ١.
[ ١٠٣ ]
الإمام مالك (١) وعبد الله بن معبد (٢)، ونسب لأبي حنيفة، وبعض أصحابه (٣)، والأوزاعي (٤)، وحُكي رواية عن الإمام أحمد (٥)، لكن قال ابن تيمية (٦): «لايمنح هذا عنه، وإن كان قولًا في مذهبه».
واختاره الباقلاني (٧).
ولم أقف على دليل صحيح صريح لهذا القول، ولا على تعليل مقبول إلا التمسك بأدلة وأحاديث لا تدل عليه، كحديث أنس بن مالك وعائشة - ﵄ (٨) - وما في معناهما من الأدلة، التي فيها: أن الرسول - ﷺ - وخلفاءه كانوا يستفتحون القراءة، أو الصلاة بالحمد لله رب العالمين ، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث - إن شاء الله - في القول الرابع من هذه الأقوال، وبيان أن غاية بما تدل عليه في هذه الأحاديث أنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة، لا أنهم يتركونها، وليس عدم الجهر بها، مما يخرجها من القرآن، كما زعم بعض من ذهب إلى
_________________
(١) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٥، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٢، «المحرر الوجيز» ١: ٥٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٣.
(٢) انظر «المغني» ١: ١٥٢.
(٣) انظر «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٤ - ٢٠٥، «نصب الراية» ١: ٣٢٧، وانظر «الكشاف» ١: ٤، «المحرر الوجيز» ١: ٥٢، «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٣٤، ٤٣٨، «تفسير النسفي» ١: ١.
(٤) انظر «المغني» ٢: ١٥٢.
(٥) انظر «المغني» ٢: ١٥١ - ١٥٢.
(٦) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٤، ٤٣٨.
(٧) انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٢.
(٨) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٤ - ١٧٥، ١٨٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٥.
[ ١٠٤ ]
هذا القول (١).
وقد احتج ابن العربي (٢) لهذا القول بأن مسجد الرسول - ﷺ - بالمدينة من لدن رسول الله - ﷺ - إلى زمان الإمام مالك لم يقرأ فيه أحد قط (بسم الله الرحمن الرحيم) اتباعًا للسنة. وهذا إن أراد به أنهم لا يجهرون بها فصحيح، وإما أن أراد أنهم لا يقرؤونها أبدًا لا سرًا ولا جهرًا فالجواب عنه هو الجواب عن احتجاجهم بحديث عائشة وأنس المشار إليهما وأن ذلك محمول على أنهم يسرون بها لا أنهم يتركونها.
كما احتج الباقلاني (٣) والقرطبي (٤) لهذا القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، ولا تواتر هنا فيجب القطع بنفي كونها من القرآن. وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) عن هذا بقوله:
«والتحقيق أن هذه الحجة مقابلة بمثلها، فيقال لهم: بل يقطع بكونها من القرآن حيث كتبت كما قطعتم بنفي كونها ليست منه - ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآن، فإن التفريق بين آية وآية يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب بين لوحي المصحف كلام الله، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين لوحي المصحف كلام الله الذي أنزله على نبيه - ﷺ -
_________________
(١) انظر مثلًا «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) انظر مثلًا «أحكام القرآن» ١: ٣.
(٣) انظر مثلًا «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٢.
(٤) في «الجامع لأحكام القرآن»: ١: ٩٣.
(٥) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٢ - ٤٣٣.
[ ١٠٥ ]
لم يكتبوا فيه ما ليس من كلام الله «ويكفي في ضعف هذا القول: أن فيه القول على الصحابة - ﵃ - أنهم أودعوا المصحف ما ليس من كلام الله، على سبيل التبرك (١).
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «سنن الترمذي» (٢)، بعد أن ذكر الخلاف في هذه المسألة: «القول الذي زعموا نسبته إلى مالك، ومن معه في أنها ليست آية أصلا قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة».