أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى سورة براءة، وقد نسب هذا القول لقراء مكة والكوفة وفقهائهما (٤).
وحكي هذا القول عن ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة، من الصحابة، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد ابن
_________________
(١) انظر «التحقيق» ١: ٢٩٣ - ٢٩٨.
(٢) في «نصب الراية» ١: ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٣) سيأتي تخريجه في المبحث الأول من الفصل الأول من الباب الثاني.
(٤) انظر «الكشاف» ١: ٤، «تفسير النسفي» ١: ١.
[ ١١٠ ]
جبير ومكحول والزهري (١).
وهو المشهور من مذهب الشافعي (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، ونسب لأبي حنيفة (٤)، وسفيان الثوري (٥)، وعبد الله بن المبارك (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧)، وأبي عبيد (٨)، والأوزاعي (٩).
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها ما يلي:
١ - ثبوت البسملة في المصاحف، بخط المصحف، مع كل سورة، سوى براءة، مما يدل على أنها آية، أو بعض آية، من كل سورة (١٠).
والجواب: أنه لا يلزم من ثبوتها في المصاحف مع كل سورة، بل لا يلزم من قراءتها مع كل سورة أن تكون آية منها، فهناك سور ثبت
_________________
(١) انظر «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥.
(٢) انظر «المجموع» ٣: ٣٣٢ - ٣٣٣، «الكشاف» ١: ٤، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ أ، «رسالة الصبان الكبرى في البسملة» ٢٧/ أ.
(٣) انظر «المسائل الفقهية» ١: ١١٨، «النشر» ١: ٢٧٠.
(٤) انظر «النشر» ١: ٢٧٠.
(٥) انظر «معالم التنزيل للبغوي» ١: ٣٩.
(٦) انظر «المبسوط» ١: ١٥، «معالم التنزيل» ١: ٣٩، «المحرر الوجيز» ١: ٥٣، «المغني» ٢: ١٥١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٣، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٣/ب.
(٧) انظر «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ أ.
(٨) انظر «تفسير ابن كثير» ١ك ٣٥.
(٩) انظر «البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ ب.
(١٠) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٩، «لباب التأويل» ١: ١٥، «كتاب البسملة» لأبي شامة ٣/ ب.
[ ١١١ ]
بالسنة وباتفاق العادين عدد آياتها، من غير احتساب البسملة منها كما سيأتي في ذكر أدلة القول الرابع.
٢ - ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أغفى النبي - ﷺ - إعفاءة - ثم تبسم ضاحكًا، فقال: أنزل علي آنفا سورة ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخر السورة. رواه مسلم (١).
ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن البسملة آية أنزلت مع سورة الكوثر، فهي كذلك آية، أو بعض آية من كل سورة، تنزل معها، وتعد منها.
والجواب عن هذا أن يقال: صحيح أن البسملة تنزل مع كل سورة، لكن لا يلزم من نزولها مع السورة أن تكون آية منها، ولهذا اتفق العادون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون البسملة. فالذين قالوا: البسملة آية مستقلة أسعد بهذا الدليل، من أصحاب هذا القول، كما سيأتي بيان ذلك.
استدلوا - أيضًا - بحديث أم سلمة السابق (٢)، الذي فيه أن النبي - ﷺ - كان يقطع قراءته آية آية: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب
_________________
(١) سيأتي هذا الحديث بتمامه وتخريجه ضمن أدلة القول الرابع. وانظر «الاستذكار» ٢: ١٧٩.
(٢) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١١، «المبسوط» للسرخسي ١: ١٦، «المغني» ٢: ١٥٣.
[ ١١٢ ]
العالمين، الرحمن الرحيم».
ووجه استدلالهم به أن النبي - ﷺ - قرأ البسملة مع الفاتحة، مما يدل على أنها آية منها، وكذلك ينبغي أن تكون آية من سائر السور سوى براءة، لأنها مثبتة مع سائر السور، كما أثبتت في الفاتحة فهي آية من كل سورة، ينبغي أن تقرأ معها سواء الفاتحة وغيرها.
والجواب: أن هذا الحديث إنما يدل على أنه - ﷺ - يقرأ البسملة مع الفاتحة، ولا يدل على أنها آية منها - كما تقدم بيانه - فكيف تكون آية من غيرها!!
٤ - كما استدلوا - أيضًا - بحديث أنس - السابق (١) - أنه سئل عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: «كانت مدًا، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم».
ووجه استدلالهم بهذا الحديث أن النبي - ﷺ - قرأ البسملة مدًا، كما تمد آيات القرآن، مما يدل على أنها آية، أو بعض آية من كل سورة سوى براءة.
والجواب: أن يقال: صحيح أن البسملة آية، وأن الرسول - ﷺ - قرأها بالمد - كما تقرأ آيات القرآن، لهذا الحديث ولغيره، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آية أو بعض آية من كل سورة. وقد يحتمل أن أنسًا - ﵁ - ذكر هذا من باب التمثيل للسائل لكيفية قراءة النبي
_________________
(١) ضمن أدلة القول الثاني.
[ ١١٣ ]
- ﷺ - (١).
٥ - كما استدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (٢).
وكأنهم أخذوا من نزول البسملة مع السورة أن تكون آية منها، وهذا ليس بلازم، كما سيأتي بيان هذا في القول الرابع.