أنها آية من سورة الفاتحة فقط.
وهذا القول مروي عن طائفة من السلف، منهم سعيد بن جبير (٣)، وأكثر القراءة والفقهاء من أهل مكة (٤) والكوفة (٥)، وهو قول الشافعي (٦)، ورواية عن الإمام
_________________
(١) انظر «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٠٦، وانظر ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٢) ٢: ٢٢
(٣) أخرجه عبد الرازق- في الصلاة- باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم- الأثر ٢٦٠٩.
(٤) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٣، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٢، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٤١، «النشر» ١: ٢٧٠.
(٥) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٠٩، «البحر المحيط» ١: ٣١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٤، «النشر» ١: ٢٧٠.
(٦) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المجموع» ٣: ٣٣٢ - ٣٣٣، «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ أ، «رسالة الصبان الكبرى في البسملة» ٢٧/ أ.
[ ١٠٦ ]
أحمد (١)، وروي عن إسحاق (٢)، وأبي عبيد (٣)، وأبي ثور (٤)، ومحمد ابن كعب القرظي، والزهري (٥)، وعطاء (٦)، وغيرهم (٧).
واستدلوا لهذا القول بأدلة منها:
١ - إثباتها في المصاحف مع الفاتحة، وعدها من آياتها.
٢ - ما جاء عن أم سلمة - ﵂ - أنها سُئلت عن قراءة النبي - ﷺ - فقالت: «كان يقطع قراءته آية آية، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم» (٨).
ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن الرسول - ﷺ - قرأ البسملة مع الفاتحة، قالوا: فدل هذا على أنها آية منها. والجواب من هذا: أنه لا يلزم من قراءتها مع الفاتحة أن تكون منها، إذ لو لزم هذا للزم أن
_________________
(١) انظر «التحقيق» ١: ٢٩٢، «زاد المسير» ١: ٧، «المغني» ٢: ١٥١، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٥، ٤٤٢.
(٢) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦، «المغني» ٢: ١٥١.
(٣) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦، «المغني» ٢: ١٥١، «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٤، ٤٤٠.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٧٦.
(٥) أخرجه عنهما أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص ١١٤ - ١١٥.
(٦) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦.
(٧) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٥١.
(٨) أخرجه أبو داود - في الحروف = الباب الأول- حديث ٤٠٠١، وأحمد ٦: ٣٠٢، والدارقطني في الصلاة - وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، والجهر بها ١: حديث ٣٧ وقال: «إسناده صحيح وكلهم ثقات»، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» حديث ٢٩٢٧.
[ ١٠٧ ]
تكون آية من كل سورة، لأنها تقرأ مع كل سورة، كما هو مثبت معلوم.
٣ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - أنه سئل عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: «كانت مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم». رواه البخاري (١).
قالوا: فقراءة النبي - ﷺ - للبسملة بالمد تدل على أنها آية من القرآن إذ لو لم تكون آية من القرآن لما قرأها الرسول - ﷺ - بالمد كما يقرأ القرآن. وهذا الاستدلال صحيح في الرد على الذين ينفون أن تكون البسملة آية من القرآن مطلقا - لكن لا يلزم من قراءة الرسول - ﷺ - لها بالمد، كما يقرأ القرآن أن تكون آية من سورة الفاتحة (٢)، ولا من غيرها، فالحديث يدل على أنها آية تقرأ - وهذا صحيح - لا أنها آية من سورة الفاتحة، أو من غيرها من السور.
٤ - حديث نعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (ولا الضالين) فقال: «آمين»، فقال الناس: «آمين»، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -».
_________________
(١) في فضائل القرآن - باب مد القراءة- حديث ٥٠٤٦. وقد أخرجه مختصرًا دون ذكر «ثم قرأ إلى آخره» أبو داود- حديث ١٤٦٥، والنسائي حديث ٩٧٠، وابن ماجه حديث ١٣٥٣، وأحمد ٣: ١١٩، ١٩٢.
(٢) انظر «فتح الباري» ٩: ٩١.
[ ١٠٨ ]
ووجه استدلالهم من هذا الحديث أن أبا هريرة قرأ البسملة مع أم القرآن، ورفع ذلك إلى النبي - ﷺ - حيث قال في آخر الحديث: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول لله - ﷺ -». وهذا الحديث ضعفه جمع من أهل العلم (١).
وأيضًا لو صح هذا الحديث فليس فيه ما ينص صراحة على أن البسملة من الفاتحة، وغاية ما فيه أن يكون أبو هريرة قرأ البسملة مع الفاتحة سواء كان ذلك جهرًا أم سرًا، ولا يلزم من قراءتها مع الفاتحة على أي حال أن تكون منها - كما تقدم في الجواب عن استدلالهم بحديث أم سلمة.
٥ - ما رواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم، أحد آياتها» (٢).
والصواب أن هذا الحديث موقوف من كلام أبي هريرة، كما ذكر
_________________
(١) سيأتي تخريج هذا الحديث، وذكر كلام أهل العلم في تضعيفه في المبحث السابع من هذا الفصل.
(٢) هذا الحديث أخرجه الدراقطني - في الصلاة - باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم- حديث ٣٦، والبيهقي= في الصلاة- ٢: ٤٥ - كلاهما من طريق أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال أبو بكر الحنفي: «ثم لقيت نوحًا، فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يرفعه» وقد ذكر الزيلعي كلام الأئمة عليه وصوب وقفه «نصب الراية» ١: ٣٤٣.
[ ١٠٩ ]
أهل العلم (١) قال الزيلعي (٢) بعد ما صوب وقف الحديث على أبي هريرة «فإن قيل أن هذا موقوف في حكم المرفوع إذ لا يقول الصحابي إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي - ﷺ - يقرأها فظنها من الفاتحة، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي - ﷺ - أن قال: هي إحدى آياتها وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك».
وقال أيضًا: فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - ﷺ - «الحمد لله هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم» (٣).