إهدنا: فعل أمر معناه الدعاء (١)، لأن الأمر إذا صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، وأما إذا جاء من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء، وإن كان من المتساويين فهو التماس.
والفاعل: ضمير مستتر وجوبًا تقديره: «أنت» و«نا» ضمير متصل في محل نصب مفعول أول للفعل «اهد». والمفعول الثاني «الصراط». والأصل في الفعل «هدى» أنه يتعدى إلى مفعولين الأول بنفسه، ويتعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه كما في قوله- تعالى -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣).
وتارة يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، إما باللام كقوله - تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤)، وكقوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٥)، وإما بإلى كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦). وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ
_________________
(١) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٧.
(٢) سورة الفتح، الآية:٢.
(٣) سورة البلد، الآية:١٠.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ٩.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ٤٣. .
(٦) سورة البقرة، الآية: ٢١٣، وسورة النور، الآية: ٤٦
(٧) سورة الحج، الآية: ٥٤.
[ ٢٦٧ ]
مُسْتَقِيمٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥).
قال الطبري (٦): «والعرب تقول: هديت فلانًا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق».
والهداية تنقسم إلى قسمين:
هداية البيان والدلالة والإرشاد، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ (٧) أي: أفلم يتبين لهم. وقال تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٨) أي: لتستدلوا بها وتسترشدوا.
وهذه الهداية عامة. فالله -تعالى هاد، بمعنى مبين ومرشد للعباد
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٧.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦١.
(٣) سورة النحل، الآية: ١٢١.
(٤) سورة الصافات، الآية: ٢٣.
(٥) سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(٦) في «تفسيره» ١: ١٦٩، وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٧، «البحر المحيط» ١: ٢٥.
(٧) سورة طه، الآية: ١٢٨.
(٨) سورة الأنعام، الآية:٩٧.
[ ٢٦٨ ]
كما قال - تعالى -: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ علينَا لَلْهُدَى﴾ (٤).
والرسل هداة إلى الله تعالى، كما قال تعالى - عن أفضلهم نبينا محمد - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) وقال: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (٦). وقال موسى - ﵇ - مخاطبًا فرعون ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (٧).
والدعاة إلى الله من المؤمنين هداة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (٨).
والقسم الثاني هداية التوفيق والإلهام والقبول. وهذه خاصة بالله - ﵎ - كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٩)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عليكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ١٧.
(٢) سورة الإنسان، الآية: ٣.
(٣) سورة البلد، الآية: ١٠.
(٤) سورة الليل، الآية: ١٢.
(٥) سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(٦) سورة مريم، الآية: ٤٣.
(٧) سورة النازعات، الآية: ١٩.
(٨) سورة غافر، الآية: ٣٨.
(٩) سورة القصص، الآية: ٥٦.
[ ٢٦٩ ]
مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فنفي عن رسوله - ﷺ - هذه الهداية التي بمعني التوفيق، وأثبتها تعالى لنفسه، وقال تعالى ﴿يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٤) أي: هدي كل شيء لما خلق له وألهمه كقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٥): أي هدي كل مخلوق لما قدر له.
قال الشاعر:
ولا تعجلني هداك المليك فإن لكل مقام مقالًا (٦)
أي: وفقك المليك - ﵎ -
وهذه الهداية الحقة التي من وفق لها ظفر بخيري الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (٧)، ويجمع الهدايتين قوله
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٢.
(٢) سورة الرعد، الآية: ٣١.
(٣) سورة النحل، الآية: ٩.
(٤) سورة طه، الآية: ٥٠.
(٥) سورة الأعلى، الآية: ٣.
(٦) ذكره الطبري في «تفسيره» ١: ١٦٧ بدون نسبة. ونسبة المفضل في «الفاخر» ص ٢٥٣ لطرفة بن العبد، وليس في ديوانه. وهو بغير نسبة في «المقتضب للمبرد» ١: ١٦٢ طبعة بيروت ١٣٩٣ هـ الي الحطيئة، وليس في ديوانه. وهو بغير نسبة في «المقتضب للمبرد» ٣: ٢٢٤ تحقيق عظيمة - القاهرة ١٩٨٦ م، «العقد الفريد» ٥: ٤٩٣ - القاهرة ١٣٨٥ هـ.
(٧) سورة الأعراف، الآية: ١٧٨.
[ ٢٧٠ ]
تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (١) أي وجدك ضالًا لا تدري ما الكتاب ولا الأيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق (٢).
وكذا قوله - تعالى - هنا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يشمل الهدايتين وينتظم القسمين لان فعل الهداية إذا عدي بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معني الحرف فإذا عدي بإلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة، وإذا عدي باللام تضمن الاختصاص والتعيين، فإذا عدي بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تضمن ما يجمع ذلك كله أي بين لنا ودلنا وأرشدنا إلى الصراط المستقيم، وألهمنا ووفقنا فيه وثبتنا عليه (٣).
وقد ذكر ابن القيم ﵀ (٤) «إن للهداية عشر مراتب الأولي هداية العلم والبيان للحق والثانية أن يقدره الله عليه، والثالثة أن يجعله مريدًا له، والرابعة أن يجعله فاعلًا له، والخامسة أن يثبته على ذلك، والسادسة أن يصرف عنه الموانع والعوارض، والسابعة أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة أخص من الأولى فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالًا وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلًا، والثامنة أن يشهده
_________________
(١) سورة الضحي، الآية: ٧.
(٢) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» ٧: ٦٤٢ - ٦٤٣.
(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٦٦ - ١٦٩، «المحرر الوجيز» ١: ٧٧، «بدائع الفوائد» ٢: ٢٠ «تفسير ابن كثير» ١: ٥٤، «تيسير الكريم الرحمن» ١: ٣٦.
(٤) في «مدارج السالكين» ٣: ٥٥٣.
[ ٢٧١ ]