اختلف أهل العلم في حكم الاستعاذة عند القراءة.
فذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة في الصلاة وخارجها (١).
منهم عطاء (٢)، واختاره ابن حزم في المحلي (٣)، وانتصر له.
وقد استدل من ذهب إلى هذا القول بظاهر الآية ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤).
قالوا فالأمر يقتضي الوجوب، كما استدلوا بمواظبة الرسول - ﷺ - على التعوذ وتعليمه ذلك لأصحابه، وبأن شر الشيطان يجب دفعه بكل وسيلة، وأعظم وسيلة لدفعه هي اللجوء إلى الله، والاستعاذة به من شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٥).
فعلى هذا إذا نسي القارئ أن يستعيذ قطع القراءة فتعوذ، وابتدأ من حيث وقف، وقيل من أول الحزب.
_________________
(١) انظر «المبسوط» ١٣:١، «التفسير الكبير» ٦٠:١، «الجامع لأحكام القرآن» ٨٧:١ - ٨٨، «تفسير ابن كثير» ٣٢:١، «النشر» ٢٥٨:١، «المهذب في القراءات العشر» ٣٠:١.
(٢) أخرجه عبد الرازق في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة حديث ٢٥٧٤ وذكره الجصاص ١٩١:٣، وابن حزم في «المحلي» ٢٥٠:٣، وابن كثير في «تفسيره» ٣٢:١.
(٣) ٢٤٧:٣، ٢٥٠.
(٤) سورة النحل، الآية: ٩٨
(٥) انظر «التفسير الكبير» ٦٠:١، «غرائب القرآن» ١٦:١، «تفسير ابن كثير» ٣٢:١.
[ ٥٣ ]
وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، على أن الاستعاذة مستحبة، قبل كل قراءة للقرآن، سواء كان ذلك في الصلاة، أو خارجها.
وهذا مروي عن ابن عمر، وأبي هريرة (١)، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، والثوري (٢).
وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه (٣)، وأحمد بن حنبل، وأصحابه (٤)، وإسحاق (٥)، وهو الذي اختاره أكثر الشافعية، وصححوه عن الشافعي (٦).
وحملوا الأمر في الآية: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ على الندب والاستحباب، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٨).
وقد استدلوا لهذا القول بأن الرسول - ﷺ - يذكر كثيرًا من الآيات
_________________
(١) انظر «المجموع» ٣٥:٣.
(٢) انظر «المغني» ١٤٥:٢، «المجموع» ٣٢٥:٣.
(٣) انظر «المبسوط» ١٣:١، «فتح القدير» لابن الهمام ٢٩١:١.
(٤) انظر «التحقيق» ٢٩٠:١، «المغني» ١٤٥:٢، «إغاثة اللهفان» ١٥٢:١.
(٥) انظر «المغني» ١٤٥:٢، «المجموع» ٣٢٥:٣.
(٦) انظر «المجموع» ٣٢٥:٣، ٣٢٦.
(٧) سورة النساء، الآية: ٣
(٨) سورة النور، الآية: ٣٢. انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١٩١:٣ «الكشف عن وجوه القراءات السبع» لمكي ٩:١.
[ ٥٤ ]
ضمن الأحاديث التي صحت عنه - وما نقل عنه - ﷺ - أنه كان يستعيذ، فدل هذا على أن الأمر هنا ليس للوجوب.
وقال الطبري (١): يستدل له بإجماع الجميع على عدم وجوبها (٢).
وقال السرخسي في «المبسوط» (٣) بعد أن ذكر قول عطاء بوجوبها: «وهو مخالف للإجماع السلف فقد كانوا مجمعين على أنها سنة».
وقال ابن عطية (٤): «أجمعوا على استحسان ذلك والتزامه في كل قراءة في غير الصلاة».
وقال ابن هبيرة في «الافصاح» (٥): «واتفقوا على أن التعوذ في الصلاة على الإطلاق قبل القراءة سنة إلا مالكًا، فإنه قال: لا يتعوذ في المكتوبة».
وقال النووي في «التبيان» (٦): «ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قاراء، سواء كان في الصلاة أو هي غيرها».
وقال ابن كثير (٧): «وجمهور العلما، على أن الاستعاذة مستحبة،
_________________
(١) انظر «تفسيره» ١٤: ١٧٣ طبعة عيسى الحلبي.
(٢) هذا فيه تسامح من الطبري (﵀) في حكايته للإجماع كما هو معروف من منهجه.
(٣) ١: ١٣.
(٤) في «تفسيره» ١: ٤٨، وانظر «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٨٧ - ٨٨.
(٥) ١: ١٢٥ وانظر «التفسير الكبير» ٢٠: ١١٥
(٦) ص ٦٤ - ٦٥. وانظر «المجموع» ٣: ٣٢٥، «لباب التأويل» ١: ١٠.
(٧) في «تفسيره» ١: ٣٢، وانظر «البرهان» ١: ٤٦٠، «النشر» ١: ٢٥٧ - ٢٥٨.
[ ٥٥ ]
ليست بمتحتمة، يأثم تاركها».
ومعلوم أن التعوذ في إنما شرع للتلاوة المجردة، وشرع في البصلاة لأجل التلاوة (١)، لا لأنه من واجبات الصلاة أو سننها، بل لأنه مستحب قبل قراءة القرآن مطلقًا، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ فذلك شامل للقراءة في الصلاة وفي غيرها.
وإذا قطع القراءة في غير الصلاة لعذر كعطاس أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة فإنه لا يعيد الاستعاذة، وأما لو قطعها إعراضًا عن القراءة، أو لكلام لا يتعلق بالقراءة، فإنه يستأنف الاستعاذة استحبابًا (٢).