﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ صراط بدل كل من الصراط في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أو عطف بيان (١). و(الذين) مضاف إليه، وما بعده صلة الموصول.
وفائدة هذا التوكيل والإيضاح والبيان، فهو تفسير للصراط المستقيم، وبيان أنه صراط المنعم عليهم (٢)، وفي ذلك شهادة له بالاستقامة على ابلغ وجه وأكده (٣).
وإنما عرف الصراط في الموضع الأول «بأل»، وهنا بالإضافة، لأن طريق الحق واحد أما طرق الشر فهي كثيرة، متعددة متشعبة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤).
وعن النواس بن سمعان عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاه وعلى باب الصراع داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا، وداع يدعو فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك أن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب
_________________
(١) انظر: «معاني القران» للاخفش ١: ١٦٤، «الكشاف» ١: ١١، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٧.
(٢) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٧٧، «الكشاف» ١: ١١، «بدائع الفوائد» ٢: ٢٨ - ٢٩.
(٣) انظر: «الكشاف» ١: ١١.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
[ ٢٨٠ ]
المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» (١).
وهكذا غالبًا ما يذكر طريق الحق بالأفراد بينما يذكر طريق الشر متعددًا، وقد يذكر أحيانًا طريق الخير بالتعدد، ويراد به فروع الشريعة.
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ الإنعام: إيصال النعمة. والنعمة في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من لين العيش، والخفض والدعة والمال ونحوها (٢).
والنعمة: اسم جنس يقع على القليل والكثير، وإذا أضيفت إلى معرفة دلت على الإنعام المطلق التام أي على عموم النعم الدينية والدنيوية والأخروية (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عليكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿يَا أيهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليكُمْ﴾ (٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٦).
والأنعام خاص بإيصال النعمة والإحسان والخير إلى الغير من بني
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الأمثال باب (١) الحديث ٢٨٥٩، واحمد ٤: ١٨٢ والطبري في «تفسيره» الحديثان ١٨٦ - ١٨٧. قال ابن كثير في «تفسيره» ١: ٥٦ «إسناده حسن وصححه الحاكم».
(٢) انظر «لسان العرب» مادة «نعم»، «البحر المحيط» ١: ٢٦، «أنوار التنزيل» ١: ١١.
(٣) انظر «أنوار التنزيل» ١: ١١. «اجتماع الجيوش الإسلامية» ١ - ٣.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٥) سورة المائدة، الآية: ١١.
(٦) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤، وسورة النحل، الآية: ١٨.
[ ٢٨١ ]
آدم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِ وَأَنْعَمْتَ عليهِ﴾ (١).
ولا يسمي الإحسان إلى غير الناطقين إنعامًا فلا تقول: أنعمت على الفرس.
(عليهم) قرأ حمزة بضم الهاء (عليهُم)، وقرا الباقون بكسرها (عليهِم) (٢).
والمنعم عليهم: هم الذين ووفقهم الله لسلوك الطريق المستقيم، للهدي ودين الحق. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٣) أي إلى العلم النافع والعمل الصالح، إلى معرفة الحق والعمل به، إلى الإيمان بالله تعالى، إلى طاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -. وتلك أجل نعمة وأعظمها، فهي سبب للسعادة في الدارين، وأفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم.
وهم المذكورون في قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإذا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عليمًا (٧٠)﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.
(٢) انظر: «الإقناع في القراءات السبع» ٢: ٥٩٥، «المحرر الوجيز» ١: ٨٣، «زاد المسير» ١: ١٦، «المهذب في القراءات السبع» ص ٤٦.
(٣) سورة الفتح، الآية: ٢٨.
(٤) سورة النساء، الآيات ٦٦ - ٧٠، انظر «تفسير الطبري» ١: ١٧٧ - ١٧٩، «الجامع لأحكام القران» ١: ١٤٩، «اجتماع الجيوش الإسلامية» ١ - ٣، «بدائع التغيير» ٢: ١٠٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٧.
[ ٢٨٢ ]
وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة مريم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذا تُتْلَى عليهِمْ أياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١) أي الذين انعم الله عليهم بأجل نعمة وأعظمها، وهي: نعمة الإيمان، كما قال تعالى ردا على الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عليكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا على إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عليكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْأيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).
«والنبيين» جمع نبي، ويدخل فيهم الرسل من باب أولى، لأن كل رسول نبي ولا عكس، ويأتي في مقدمتهم أولو العزم، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣).
وهم المذكورون في قوله - تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٤).
«وَالصِّدِّيقِينَ»: جمع صديق، يدخل فيهم من ثبت بالكتاب أو السنة وصفة أو تسميته بذلك منهم مريم ابنة عمران التي قال الله عنها: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٥٨.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٧.
(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.
(٤) سورة الأحزاب الآية: ٧.
[ ٢٨٣ ]
كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (١).
ومنهم أبو بكر الصدِّيق - ﵁ - لأن الرسول - ﷺ - سماه «الصدِّيق» كما سيأتي الحديث في ذلك.
«والشهداء» جمع شهيد، وهو من قتل في سبيل الله، ويأتي في مقدمة الشهداء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - ﵄ - حيث شهد لهما الرسول - ﷺ - بذلك كما روي أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان - ﵃ - فرجف بهم. فقال النبي - ﷺ -: «اسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» رواه البخاري (٢).
ومنهم أيضًا: على بن أبي طالب - ﵁ -، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص.
كما روى أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان على جبل حراء هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، فتحركت الصخرة، وفي رواية «فتحرك» فقال رسول الله - ﷺ - «اسكن حراء» وفي رواية: «اهدأ فما عليك إلا نبيُّ وصدِّيق وشهيد» رواه مسلم (٣).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٧٥.
(٢) في فضائل الصحابة - فضل أبي بكر - ﵁ -، والابواب بعده - الاحاديث ٣٦٧٥، ٣٦٨٦، ٣٦٩٩.
(٣) في فضائل الصحابة - فضائل طلحة والزبير - الحديث ٢٤١٧.
[ ٢٨٤ ]
ومنهم أيضًا: حمزة عم النبي - ﷺ -، وأنس بن النضر، ومصعب ابن عمير - ﵃ - وغيرهم ممن قتل أو يقتل في سبيل الله، وكذا كل من قتل دون ماله كما في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» متفق عليه (١).
لكن ينبغي أن يعلم انه لا تجوز الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد، وإن قتل في المعركة، لأن النبات مغيبة عنا لكن يرجي له ذلك، إلا من ثبت له الشهادة بذلك من النبي - ﷺ - فقد عقد البخاري: باب لا يقال فلان شهيد، وأخرج فيه عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - التقي هو والمشتركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله - ﷺ - إلى عسكرة، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه.
فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد، كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إنه من أهل النار» الحديث، وفيه: انه استعجل الموت لما جرح فقتل نفسه (٢).
وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لما كان يوم خبير قُتل نفر من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد،
_________________
(١) أخرجه البخاري في المظالم - الحديث ٢٤٨٠، ومسلم في الأيمان - الحديث ١٤١.
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد الحديث ٢٨٩٨، ومسلم في الأيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - الحديث ١١٢. واخرج مسلم أيضا نحوه من حديث أبي هريرة الحديث ١١١.
[ ٢٨٥ ]
حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - ﷺ -: «كلا إني رأيته في النار غلها أو عباءة» رواه مسلم (١).
وروى أبو العجفاء أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب، فقال: «تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدا، ولعله يكون قد أوقر راحلته، إلا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله - ﷺ -: «من مات في سبيل الله أو قتل فهو في الجنة» (٢).