«غير» صفة للاسم الموصول «الذين» مبينة أو مقيدة على معني إنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الأيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وقيل هي بدل من الاسم الموصول على معني أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال والتقدير: غير صراط المغضوب عليهم (٣).
والصحيح إنها صفة، وإنما صح مجيء «غير» صفة لمعرفة وهو الاسم الموصول مع أن «غيرًا» لا تتعرف لشدة إبهامها - لما في من
_________________
(١) أخرجه مسلم في الأيمان - باب غلط تحريم الغلول، وانه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، الحديث ١١٤.
(٢) أخرجه النسائي في النكاح - الحديث ٣١٤١، واحمد ١: ٤١، ٤٨، وقال الحافظ ابن حجر: «وهو حديث حسن». وصححه الألباني.
(٣) انظر «معاني القرآن» للفراء ١: ٧، «معاني القارن» للاخفش ١: ١٦٤ - ١٦٥، «تفسير الطبري» ١: ١٨٠ - ١٨١، ١٨٤، «المدخل لعلم تفسير كتاب الله» ص ٨٩ «الكشاف» ١: ١١، «أنوار التنزيل» ١: ١١.
[ ٢٨٦ ]
الإبهام ورائحة النكرة، ولان «غيرًا» أضيفت إلى «المغضوب» وهي معرفة، ووقعت بين ضدين منعم عليهم ومغضوب عليهم فضعف إبهامها كما قال ابن هشام (١). أو زال إبهامها وتعرفت كما قال ابن السراج (٢). واختاره ابن القيم (٣).
و«غير» ملازمة للأفراد والتذكير، وللإضافة لفظًا أو تقديرًا، وهي لا تعرف وان أضيفت إلى معرفة عند أكثر من اللغة، ولا تدخل عليها الألف واللام (٤).
وقد روي عن ابن كثير انه قراها بالنصب «غير» على الحال، وثبت عنه وعن بقية القراء السبعة قراءتها بالكسر «غير» (٥).
«غير» مضاف و«المغضوب» مضاف إليه مجرور. و«عليهم» متعلق ب «المغضوب»، قراها حمزة بالضم «عليهم» وقرأها بقية السبعة بالكسر «عليهم» كقراءة «عليهم» في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ (٦).
وإنما وصف الله ﵎ صراط المنعم عليهم بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ﴾ لتأكيد كمال صراط المنعم عليهم، لأن الصفات السلبية يؤتي بها لإثبات كمال ضدها، كما في قوله - تعالى:
_________________
(١) انظر: «مغني اللبيب» ١: ١٥٨.
(٢) انظر: «بدائع المحيط» ٢: ٢٣ - ٢٨.
(٣) انظر: «البحر المحيط» ١: ٢٨.
(٤) انظر: «الكشاف» ١: ١١، «المحرر الوجيز» ١: ٥٨، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٧.
(٥) راجع ما سبق في الكلام علي قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
(٦) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.
[ ٢٨٧ ]
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (١).
فقوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ صفة سلبية جئ بها لإثبات كمال ضدها، وهي الحياة.
وكقوله - تعالى: ﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٢). فهو لإثبات كمال قيوميته - ﵎.
والغضب: ضد الرضا (٣).
وفي الحديث: «ألا وإن الغضب جمرة توقد في ابن ادم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه (٤)»).
والغضب صفة من صفات الله - تعالى - يجب إثباتها لله، كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تشبه صفات المخلوقين.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عليكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عليهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (٥).
وفي حديث أبي هريرة في الشفاعة: «إنَّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٢) انظر: «لسان العرب» مادة: غضب.
(٣) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري - الترمذي في الفتن باب ما اخبر النبي - ﷺ - أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة الحديث ٢١٩١. وقال: «حديث حسن صحيح»، واحمد ٣: ١٩، ٦١.
(٤) سورة طه، الآية: ٨١.
(٥) أخرجه البخاري عن أبي هريرة مطولًا في الانتبياء الحديث ٣٣٤٠، ومسلم في الأيمان الحديث ١٩٤.
[ ٢٨٨ ]
يغضب قبله مثله». متفق عليه (١).
والمراد بالمغضوب عليهم من استوجبوا غضب الله، ووصفوا به، ممن فسدت إرادتهم فعدلوا عن الحق بعد أن عرفوه وعلموه.
وفي مقدمتهم اليهود، قال عدي بن حاتم: سالت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ﴾ قال: هم اليهود، ﴿وَلَا الضَّالينَ﴾ قال: هم النصارى» (٢).
وقد وصف الله الاهود بالغضب وحكم به في مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عليهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عليهِمُ الذِّلَّةُ أينَ مَا
_________________
(١) إسناده صحيح. والحديث أخرجه الترمذي في تفسير سورة الفاتحة - الحديثان ٢٩٥٣، ٢٩٥٤، واحمد ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩، والطبري في «تفسيره» الأحاديث ١٩٣ - ١٩٥، ٢٠٧ - ٢٠٩، والطيالسي - الحديث ١٠٤٠، والطبراني في الكبير ٧: ٩٨ - ١٠٠. وقد اخرج الطبري - الأحاديث ١٩٦ - ١٩٩، ٢١٠ - ٢١٣ عن عبد الله بن شفيق انه اخبره من سمع النبي - ﷺ - يقول نحو حديث عدي قال ابن حجر في «الفتح» ٨: ١٥٩: «ورواه احمد» وأخرجه ابن مردويه فيما ذكر ابن كثير ١: ٥٩ من رواية عبد الله بن شفيق عن أبي ذر - موصولا - وقد أشار إلى رواية ذر الحافظ ابن حجر في الموضع السابق وقال: «اسنادة حسن».
(٢) سورة البقرة، الآية: ٦١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٩٠.
[ ٢٨٩ ]
ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عليهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» (٢)،وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» (٣)، وقال تعالى: ﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ﴾ (٥).
وإنما وصفوا بالغضب ووصموا به، واستوجبوه، لأنهم عرفوا الحق وتركوه كفرًا وحسدًا، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٧).
وعن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خرج إلي الشام، يسأل عن الدين، ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا،
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١١٢.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٠.
(٣) سورة الاعراف، الآية ١٥٢.
(٤) سورة المجادلة، الآية: ١٤.
(٥) سورة الممتحنة، الآية: ١٣.
(٦) سورة البقرة، الآية: ١٠٩.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٤٦، وسورة الأنعام، الآية: ٢٠.
[ ٢٩٠ ]
وأني أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله، فخرج فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله. فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله. قال ما أفر إلا من لعنة الله ..» الحديث رواه البخاري (١).