العبادة في الأصل: التذلل والخضوع، ومنه سمي العبد عبدًا لذلته وخضوعه وسكينته وخشوعه وانقياده لمولاه. ومنه قولهم: بعير معبّد أي مذلّل بالركوب في الحوائج. قال طرفة بن العبد: (٤)
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ٦٥
(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» ١:٥٢
(٣) انظر «الكشاف» ١:١٠
(٤) انظر: شرح القصائد السبع الطوال لأبي بكر بن الأنباري ص١٩١ تحقيق عبد السلام هارون، طبع بمصر سنة ١٤٠٠ هـ
[ ٢٥٢ ]
إلى أن تحتامني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد
أي: المذلّل
ومنه قولهم: طريق معبّد: أي مذلل بكثرة وطئه بالأقدام (١).
وقال طرفة بن العبد (٢):
تُبارى عِتاقا ناجيات وأتبعت وظيفًا وظيفًا فوق مَور مُعَبَّد
وقال عامر بن الطفيل (٣):
شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذلّ من الصراط
فمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ أي نخصك دون غيرك بأقصى غاية التذلل والخضوع لك محبة وتعظيمًا وخوفًا.
والعبادة تطلق ويراد بها فعل العبادة: أي التعبد وهو التذلل والخضوع لله محبة وتعظيمًا، وتطلق ويراد بها نفس العبادات، وهي بهذا الإطلاق: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال
_________________
(١) انظر: «معالم التنزيل» ١:٤١، «الكشاف» ١:١٠، «الجامع لأحكام القرآن» ١:١٤٥، «البحر المحيط» ١:٢٣، «تفسير ابن كثير» ١:٥٢
(٢) «ديوانه» ص١١، البيت الثالث عشر من معلقته، تصحيح مكس سلفسون شالون ١٩٠٠م. وأنظر «تفسير الطبري» ١:١٦١، «المحرر الوجيز» ١:٧٦. ومعنى تباري: تجاري وتسابق، والعتاق: جمع عتيق، وهو كريم الأصل، وناجيات: مسرعات. والوظيف: من رسغ البعير إلى ركبتيه في يديه، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبية. والمراد بالوظيف هنا: الخف. والمور: الطريق.
(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٧
[ ٢٥٣ ]
والأعمال الباطنة والظاهرة (١).
قال ابن القيم (٢): «وبني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح. فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب (إياك نعبد) حقًا هم أصحابها. فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة، أو قليل المنفعة، وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك، ف (إياك نعبد) التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها».
وعلى هذا فكل ما أمر الله به، بل كل ما تعبد له به - سبحانه
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» ١٠:١٤٩.
(٢) في «مدارج السالكين» ١:١٢٦. وانظر: «التفسير القيم» ص ٩١، وانظر أيضًا: ١:٩٩ من «مدارج السالكين»
[ ٢٥٤ ]
وتعالى - فهو عبادة سواء كان ذلك مما يجب فعله كالصلاة والزكاة والحج والصيام ونحو ذلك، أو مما يجب تركه من المحرمات كالربا والزنا والسرقة ونحو ذلك أو مما يستحب فعله كالصدقة والإحسان وإماطة الأذى عن الطريق، أو مما يستحب تركه كتدخل الإنسان فيما لا يعنيه، كما يدخل في ذلك الأمور المباحة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك، فهذه المباحات مما يفعله الإنسان جبلة، وهي مصلحة صرفة للنفس إلا أن فعلها تقربًا إلى الله - تعالى -، وامتثالًا لأمره، وصيانة للنفس، وبهدف التقوى على طاعة الله تعالى، وإظهارًا لنعمته - تعالى على العبد، كل ذلك عبادة لله تعالى.
عن عوف بن مالك بن نضلة الجشمي، قال: أتيت النبي - ﷺ - في ثوب دون، فقال: «ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالا فليُرَ أثر نعمه الله عليك وكرامته» (١).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ - «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (٢)».
وبهذه النية والقصد الحسن تكون جميع أعمال العبد المباحة من عادات ونحوها عبادات بينما قد تصبح عبادات كثيرين أشبه شيء
_________________
(١) أخرجه أبو داود في اللباس- باب في غسل الثوب وفي الخلقان- الحديث ٤٠٦٣ وصححه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي في الأدب- ما جاء أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، الحديث ٢٨١٩، وقال: «حديث حسن»
[ ٢٥٥ ]
بالعادات، بسبب الغفلة، وعدم استحضار النية والقصد الحسن. ولهذا يقال «المُوَّفقون عاداتهم عبادات والمخذولون عباداتهم عادات»
والمُوَّفق من وفقه الله.