فـ الواو: عاطفة و«لا» زائدة إعرابًا عند البصريين مؤكدة لمعني النفي المفهوم من «غير» (٢) لئلا يتوهم عطف الضالين على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ (٣) وليدل على أن ثم مسلكين فاسدين، وهما: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين (٤) ولرفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم وأن ذلك من عطف الصفات بعضها على بعض (٥).
وقال الكوفيون هي بمعني «غير» مؤكدة أيضًا (٦). ويؤيده قراءة عمر ﴿غير المغضوب عليهم وغير الضالين﴾ (٧).
_________________
(١) في مناقب الأنصار - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل - الحديث ٣٨٢٧.
(٢) انظر «تفسير الطبري» ١٨٩:١، «مشكل إعراب القرآن» ٧٢:١، «الكشاف» ١٢:١، «المحرر الوجيز» ٨٧:١، «الجامع لأحكام القرآن» ١٥١:١، «البحر المحيط» ٢٨:١، ٢٩، «أنوار التنزيل» ١١:١، «فتح الباري» ١٥٩:٨.
(٣) انظر «المحرر الوجيز» ٨٧:١، «الجامع لأحكام القرآن» ١٥١:١، «البحر المحيط» ٢٩:١، «تفسير ابن كثير» ٥٨:١.
(٤) انظر «تفسير ابن كثير» ٥٨:١.
(٥) انظر «بدائع الفوائد» ٣٤:٢ - ٣٥.
(٦) انظر «فتح الباري» ١٥٩:٨.
(٧) أخرجها أبو عبيد في «فضائل القرآن»، وسعيد بن منصور في سننه فيما نقل ابن كثير. ٥٨:١. قال ابن كثير «هذا إسناد صحيح» قال وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول علي أنه صدر منهما علي وجه التفسير». وانظر: «مشكل إعراب القرآن» ٧٢:١، «معالم التنزيل» ٤٢:١، «الكشاف» ١٢:١، «المحرر الوجيز» ٨٧:١.
[ ٢٩١ ]
قال الحافظ بن كثير (١): «والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء، لقرب مخرجيهما .. لمن لا يميز ذلك»
والضالين: جمع ضال. والضلال هو التيه والجهل والبعد عن الحق (٢) والعدول عن طريق المستقيم، والانحراف عن المنهج القويم.
يقال: ضل الطريق: أي تاه وانحرف، كما يقال ضال، بدون إضافة قرينة، وإذا أطلق فالمراد به العدول عن طريق المستقيم، طريق الحق.
ويطلق الضلال على النسيان، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣) أي أن تنسي إحداهما.
ويطلق على الاختفاء وغياب الشيء كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٤) أي غيبنا فيها، وصرنا ترابًا.
ومنه قول الشاعر:
ألم تسأل فتخبرك الديار عن الركب المضلل أين ساروا (٥)
_________________
(١) في «تفسيره» ٥٩:١.
(٢) انظر «لسان العرب» مادة: «ضل»، «الجامع لأحكام القرآن» ١:١٣٠، «البحر المحيط» ٢٩،٢٨:١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢
(٤) سورة السجدة، الآية: ١٠.
(٥) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٥٠:١.
[ ٢٩٢ ]
والمراد بالضالين: من فقدوا العلم، فتركوا الحق عن جهل، وعبدوا الله على غير هدي، وعلى غير بصيرة (١). قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢).
ويأتي في مقدمة الضالين النصارى (٣) كما في حديث عدي بن حاتم- المتقدم قريبًا أن رسول الله - ﷺ - قال في قوله: (ولا الضالين) هم «النصارى».
وهكذا وصف الله النصارى بالضلال في غير هذا الموضع. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٤).
قال ابن كثير (٥) بعد أن ذكر تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى: «وقال ابن أبي حاتم لا أعلم بين المفسرين في تأويل ذلك اختلافًا».
وإذا كان سبب ضلال النصارى في الأصل هو الجهل، فلا يمنع أن يكون طرأ عليهم في هذا الزمن مع الجهل العناد والإصرار. وإتباع الهوى،
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» ١٩٢:١ - ١٩٥، «المحرر الوجيز» ٨٦:١، «الجامع لأحكام القرآن» ٨٦:١، «تفسير ابن كثير» ٥٨،٥٧:١
(٢) سورة يونس، الآية: ٣٢.
(٣) درج كثير من الكتاب المسلمين متأثرين بغيرهم من كتاب غير المسلمين علي تسمية النصارى بالمسيحيين، وهذا خطأ لأن القرآن سماهم النصارى، ولم يسمهم المسيحيين، لأن المسيح منهم برئ.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٧٧.
(٥) في «تفسيره» ٥٩:١، وانظر: «فتح الباري» ١٥٩:٨.
[ ٢٩٣ ]
كما هو واقع الآن.
وكل من اليهود والنصارى مغضوب عليهم وضالون، وكذا كل من حاد عن منهج الله عن علم، أو عن جهل إلا أن أخص أوصاف اليهود الغضب، ومثلهم من ترك الحق بعد معرفته، وأخص أوصاف النصارى الضلال (١) ومثلهم من عبد الله على جهل.
ولا يلزم من هذا أن لا يوجد من بين اليهود من هو جاهل ضال، ومن بين النصارى من هو عالم، ولا يمنع من هذا أن يكفر نصراني، وهو يعرف الإسلام كما يعرف ابنه وزوجته.
ولما كان اليهود تركوا الحق بعد معرفته، وكانوا أجرأ على محارم الله- تعالى-، واقسي قلوبًا كانوا أحق بوصف الغضب، وأولي بأن يقدم وصفهم على وصف النصارى الضالين مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢).
قال ابن القيم (٣): «والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك الحق بعد معرفته أولي بوصف الغضب وأحق
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» ١٩٥:١، «تفسير ابن كثير» ٥٧:١ - ٥٨
(٢) سورة المائدة، الآية: ٨٢.
(٣) في «مدارج السالكين» ٣٣:١ - ٣٤، وانظر «التفسير القيم» ص١١، «بدائع الفوائد» ٢٩:٢ - ٣٢، «تفسير ابن كثير» ٥٨:١.
[ ٢٩٤ ]
به، ومن هنا كان اليهود أحق به، وهو متغلظ في حقهم.،والجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصف النصارى به ».
وقد ذكر ابن القيم (١) من الوجوه في تقديم المغضوب عليهم على الضالين أن اليهود متقدمون على النصارى من حيث الزمان، وأنهم كانوا هم الذين يلون النبي - ﷺ - من أهل الكتابين لأنهم كانوا في المدينة أما النصارى فكانت ديارهم نائية، ولأنه تقدم ذكر المنعم عليهم والغضب ضد الإنعام والسورة هي السبع المثاني يذكر فيها الشيء وضده.
وكل من كان عنده علم فلم يعمل به، بل اتبع هواه، وجانب شرع الله عن علم وبصيرة ومعرفته ففيه شبه من اليهود، ومتوعد بالغضب بقدر معصيته، وله منه نصيب بقدر شبهه فيهم.
وكل من عبد الله على جهل وضلال- معذور بجهله- به شبه من النصارى وموصوف بالضلال على قدر معصيته، وله نصيب منه بقدر شبهه فيهم. ولهذا كان السلف﵃ يقولون «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (٢).
وما أكثر من تشبه باليهود وبالنصارى من هذه الأمة. وصدق المصطفي - ﷺ - حيث قال: «لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود
_________________
(١) انظر «بدائع الفوائد» ٣٣:٢.
(٢) المصدر السابق ٣٢:٢.
[ ٢٩٥ ]
والنصارى؟ قال: فمن» متفق عليه (١).
وقال - ﷺ -: «افترقت اليهود على أحدي وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفرق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قلنا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» (٢).
ومما يدل على شمول الغضب لليهود وغيرهم، وشمول الضلال للنصارى وغيرهم أن الله توعد بالغضب في القرآن الكريم مرتكبي بعض الكبائر والكفرة والمنافقين والمشركين من هذه الأمة، ووصف كثيرا منهم بالضلال، كما وصفهم بذلك رسول الله - ﷺ -.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عليهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعليهِمْ غَضَبٌ مِنَ
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي سعيد ألخدري: البخاري في الأنبياء- باب ما ذكر عن بني إسرائيل الحديث ٣٤٥٦، ومسلم في العلم باب إتباع سنن اليهود والنصارى - حديث ٢٦٦٩.
(٢) أخرجه أبو داود في السنة- باب شرح السنة- الحديث ٣٨٤٢ - ٤٥٩٦، والترمذي في الإيمان- ما جاء في افتراق هذه الأمة الحديث ٢٦٤٠ وقال: «حديث صحيح»، وابن ماجه في الفتن وافتراق الأمم الحديث ٣٢٢٥ - ٣٩٩١. قال الألباني: «حسن صحيح».
(٣) سورة النساء، الآية: ٩٣.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ١٦.
[ ٢٩٦ ]
اللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عليهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عليهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣).
وقال - ﷺ -: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» متفق عليه (٤).
وقال - ﷺ -: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها بات الذي في السماء ساخطا عليها» (٥).
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عليكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٨)، وقال تعالى:
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
(٢) سورة النور، الآية: ٩.
(٣) سورة الفتح، الآية ٦.
(٤) أخرجه البخاري في الشهادات من حيث عبد الله بن مسعود الحديثان ٢٦٦٦،٢٦٦٧ ومسلم في الإيمان- الحديث ١٣٨.
(٥) أخرجه مسلم في النكاح- تحريم امتناعها من فراش زوجها- الحديث ١٤٣٦.
(٦) سورة البقرة، الآية: ١٠٨.
(٧) سورة النساء، الآية: ١١٦.
(٨) سورة النساء، الآية: ١١٣.
[ ٢٩٧ ]
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).
وقال - ﷺ - في حديث أبي بكرة: «ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض» متفق عليه (٣).
قال ابن القيم (٤): «والغضب نتيجة فساد القصد، والضلال نتيجة فساد العلم، فاعتلال القلوب ومرضها نتيجة لأحد هذين الفاسدين، وبالهداية للصراط المستقيم الشفاء من مرض الضلال، وبالتحقق بـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا الشفاء من مرض فساد القصد».
_________________
(١) سورة الكهف، الآيتان: ١٠٣، ١٠٤.
(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٥.
(٣) أخرجه البخاري في حديث طويل في خطبته ص في حجة الوداع- في الأضاحي- الحديث ٥٥٥٠، ومسلم في القسامة- باب تغليظ تحريم الدماء والإعراض والأموال- الحديث ١٦٧٩.
(٤) «مدراج السالكين» ٧٩:١ - ٨٠ بتصرف.
[ ٢٩٨ ]