الأول: الإخلاص لله -تعالى- كما دل على ذلك قوله -تعالى- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: أي نخصك بالعبادة ونخلصها لك، ونتبرأ من الشرك وأهله ووسائله.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله -﵎-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه (٤)».
وقال - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه (٥)
والشرط الثاني: متابعة شرع الله. فقال - ﷺ -: «من أحدث في
_________________
(١) سورة الزمر، الآية:٢
(٢) سورة البينة، الأية:٥
(٣) سورة الزمر: الآية: ٣٠
(٤) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق- باب من أشرك في عمله غير الله- الحديث ٢٩٨٥
(٥) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - البخاري في بدء الوحي - الحديث (١)، ومسلم في الإمارة- الحديث ١٩٠٧
[ ٢٥٦ ]
أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه (١).
وقال - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢).
وذلك بأن تكون العبادة وفق ما شرع الله من حيث الجنس والقدر والصفة والزمان والمكان والسبب. فمثلًا زكاة الفطر عبادة ولا بد أن يكون المخرج فيها من جنس ما أمر الشرع بإخراجه وهو الطعام لا من الخضار، ولا بد من أن يكون المخرج عن الشخص الواحد بمقدار صاع على الصحيح. وأما موافقة الشرع في الصفة فبأن تكون العبادة على الصفة التي شرع الله كالصلاة مثلا ركوعها قبل سجودها ولو عكس لما صحت صلاته. وأما الزمان فيكون بالعبادة في وقتها كالصلاة مثلًا. وأما المكان فتكون العبادة في مكانها كذبح الهدي. وأما السبب فبأن يكون سبب العبادة قد وجد كصلاة الكسوف لا تصلى إلا عندما يحصل الكسوف أو الخسوف.
وينتظم الشرطين معًا في الدلالة قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عليهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٤) وقوله
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة -﵂- البخاري في الصلح -باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود- الحديث ٢٦٩٧، ومسلم في الأقضية- باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور- الحديث ١٧١٨.
(٢) اخرجه البخاري معلقًا في البيوع- باب النجش قبل الحديث ٢١٤٢، وأخرجه مسلم عن عائشة موصولا في الأقضية الحديث ١٧١٨.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٢
(٤) سورة النساء، الآية ١٢٥
[ ٢٥٧ ]
تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (١)
فالمراد بإسلام الوجه لله الإخلاص له في العبادة.
والمراد بقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي متبع لما جاء عن الله، لا مبتدع وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣).
قال الفضيل بن عياض: «أي أخلصه وأصوبه» (٤)
وقد جعل الله -تعالى- العبودية وصفًا لأكمل خلقه وأحبهم إليه، وهم رسله وأنبياؤه -﵈، كما جعلها وصفًا لمن اصطفاه من المؤمنين.
فوصف بها نبيه محمدًا - ﷺ - أفضل خلقه وخاتم رسله، في أشرف مقاماته، وهو مقام إنزال الكتاب عليه، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ
_________________
(١) سورة لقمان، الآية:٢٢
(٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠
(٣) سورة هود، الآية: ٧، وسورة الملك، الآية:٢
(٤) انظر «مجموع الفتاوى» ١٠: ١٧٣. وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الناس ينقسمون بالنسبة لهذين الأصلين، وهما الاخلاص والمتابعة إلى أربعة أقسام أحدها أهل الإخلاص والمتابعة وهم أهل ﴿إياك نعبد﴾ حقيقة والضرب الثاني من لا إخلاص له ولا متابعة، والضرب الثالث من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر والضرب الرابع من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله. أنظر «مدارج السالكين» ١: ١٠٧_١٠٩.
[ ٢٥٨ ]
كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٣).
ووصفه بها في مقام دعائه - ﷺ - لربه، وعبادته له، ودعوته إليه فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٤).
وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات الشدة والضيق، وأمره بالاستمرار عليها حتى الموت فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٥).
وقال - ﷺ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٦).
وعن عبد الله بن عمرو قال: «قرأت في التوراة صفة محمد - ﷺ -: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣
(٢) سورة الكهف، الآية: ١
(٣) سورة الفرقان، الآية: ١
(٤) سورة الجن، الآية: ١
(٥) سورة الحجر، الآيات: ٩٧_٩٩، أنظر «مدارج السالكين» ١:١٢٧_١٣٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٣.
(٦) أخرجه من حديث عمر - ﵁ - البخاري في الأنبياء- باب (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها) الحديث ٣٤٤٥، وأحمد ١:٢٣:٢٤:٤٧.
[ ٢٥٩ ]
ويغفر» (١)
كما وصف الله بها سائر أنبيائه ورسله فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ (٣)، وقال عن سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ (٥)، وقال تعالى عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عليهِ﴾ (٦) وقال عنه وعن الملائكة: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٧). وقال أيضًا عن الملائكة ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٨)، وقال عنهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٩)، وقال عنهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١٠) كما وصف الله بها الصالحين من المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١١)، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الفتح الحديث ٤٨٣٨.
(٢) سورة ص، الآية: ٤٥
(٣) سورة ص، الآية: ١٧
(٤) سورة ص، الآية: ٣٠
(٥) سورة ص، الآية ٤١
(٦) سورة الزخرف، الآية ٥٩
(٧) سورة النساء، الآية: ١٧٢
(٨) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٦
(٩) سورة الأنبياء، الآيتان: ١٩ - ٢٠
(١٠) سورة الأنبياء، الآية:٢٦
(١١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣
[ ٢٦٠ ]
اللَّهِ﴾ (١).
وجعل لهم البشارة المطلقة فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢).كما جعل لهم الأمن المطلق فقال: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عليكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) عزل عنهم سلطان الشيطان فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عليهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٤). وجعل - ﷺ - إحسان العبودية أعلى مراتب الدين فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» متفق عليه (٥).
وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ معطوف على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهو وما بعده من الآيات للعبد كما سبق بيانه.
ومعنى ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: أي نخصك بطلب العون منك في جميع أمورنا (٦) الدينية والدنيوية في جميع الأوقات
_________________
(١) سورة الإنسان، الآية: ٦
(٢) سورة الزمر، الآيتان: ١٧_١٨
(٣) سورة الزخرف، الآيتان: ٦٨ - ٦٩
(٤) سورة الحجر، الآية: ٤٢
(٥) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب- البخاري في الإيمان- باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - الحديث ٥٠، ومسلم في الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان- الحديث (١)، وأخرجه مسلم -أيضًا- من حديث أبي هريرة- الحديث ٩.
(٦) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٦١_١٦٢، «معالم التنزيل» ١: ٤١، «المحرر الوجيز» ١: ٧٦، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «البحر المحيط» ١: ٢٣.
[ ٢٦١ ]
والأحوال، ونعتمد عليك في جلب المنافع ودفع المضار، مع تمام الثقة بك يا ربنا في تحصيل ذلك (١)، ونعلن لك عجزنا وضعفنا وبراءتنا من حولنا وقوتنا وحول كل مخلوق وقوته، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا شرع للمسلم أن يقول عند قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢)
وفي الدعاء في الحديث: «اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين» (٣).
قال ابن القيم (٤) - ﵀ -: «فإن قلت فما معنى التوكل والاستعانة؟ قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس فيوجب له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقينًا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه ملئ به، ولا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه، فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مليان بهما، فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبسه همه على إنزال ما ينوبه بهما فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد.
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين»: ١: ١٠٠، «تيسير الكريم الرحمن»: ١: ١.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان من حديث معاوية الحديث ٦١٣، ومسلم في الصلاة من حديث عمر بن الخطاب الحديث ٣٨٥.
(٣) أخرجه من حديث أبي بكرة أحمد: ٥: ٤٢. وليس فيه «ولا إلى من خلقك»
(٤) في «مدارج السالكين» ١: ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٢٦٢ ]
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١) أي كافيه، والحسب: الكافي، فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة».
وذكرت الاستعانة بعد العبادة مع أن الاستعانة من العبادة من باب ذكر الخاص بعد العام، وتقديم حقه تعالى على حق عباده وحاجتهم، ومن باب تقديم الغاية المقصودة على الوسيلة، وتقديم الأهم على المهم.
والعبادة والاستعانة متلازمتان: فلا تحقق أحداهما دون الأخرى فالعبادة لا تتحقق بدون الاستعانة بالله، وعونه للعبد، ولا يحصل العون من الله بدون عبادته، وطلب العون منه (٢).
وبهما معًا يتحقق الإيمان فبالعبادة الخالصة لله براءة من الشرك، وبالاستعانة بالله دون سواء براءة من الحول والقوة، وتمام التفويض إلى الله - ﷿ - وهما كمال الطاعة وبهما تحصل السعادة الأبدية والنجاة من جميع الشرور.
قال ابن القيم (٣): «وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾» متعلق بألوهيته
_________________
(١) سورة الطلاق، الآية: ٣.
(٢) ولهذا قال الطبري ١: ١٦٣: «إنه يستوي تقديم أحدهما على الآخر».
(٣) «في «مدارج السالكين» ١: ١٠٠ - ١٠٢، وانظر «التفسير» ص ٦٦ - ٦٨، «التفسير القيم» ص ٦٦ - ٦٨، «معالم التنزيل» ١: ٤١، «البحر المحيط» ١: ٢٥، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٣.
[ ٢٦٣ ]
واسمه «الله» و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته واسمه «الرب». فقدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، كما تقدم اسم «الله» على «الرب» في أول السورة (١)، ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسم العبد، فكان من الشطر الذي له وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله تعالى عبودية تامة مستعين به، ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم، ولهذا كانت قسم الرب، ولأن الاستعانة جزء من العبادة، من غير عكس، ولأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته. ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر. والإعانة فعله بك، وتوفيقه لك.
فإذا التزمت بعبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببًا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين إعانة
_________________
(١) انظر «مجموع الفتاوي» ١٤: ١٣، «دقائق التفسير» ١: ١٧٧.
[ ٢٦٤ ]
قبلها على التزامها، والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا حتى يقضي العبد نحبه. ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ به، وما لم مقدم على ما به، لأن ماله متعلق بمحبته ورضاه، وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي. والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم. فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الاستعانة به، والتوكل عليه، وأكد ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم (١).
قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليهِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ
_________________
(١) انظر «مجموع الفتاوي» ١: ٢٢، ١٤: ٨، «مدارج السالكين» ١: ٩٩ - ١٠٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٢ وانظر ما يأتي في ذكر الفائدة الثامنة والعشرين من فوائد الفاتحة.
(٢) سورة هود، الآية: ١٢٣.
(٣) سورة التوبة، الآية: ١٢٩.
(٤) سورة الرعد، الآية: ٣٠.
[ ٢٦٥ ]
بِحَمْدِهِ﴾ (١).
وقال شعيب - ﵇ -: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).
وقال المؤمنون فيما ذكره الله عنهم: ﴿رَبَّنَا عليكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عليهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٥).
قال الزمخشري (٦) في كلامه على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «فإن قلت لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وبينما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته».
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.
(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.
(٣) سورة الممتحنة، الآية:٤.
(٤) سورة المزمل، الآية: ٩.
(٥) سورةالرعد، الآية: ٣٠.
(٦) في «تفسيره» ١: ١٠، وانظر «البحر المحيط» ١: ٢٥.
[ ٢٦٦ ]